← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

٦٢٠٥ - وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁ قَالَ: «هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مَنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ: قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ ". وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٠٥ - (وَعَنْ خَبَّابِ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى (بْنِ الْأَرَتِّ) : بِفَتْحِ هَمْزٍ وَرَاءٍ وَتَشْدِيدِ فَوْقِيَّةٍ (قَالَ: هَاجَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى) ، أَيْ: رِضَاهُ (فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ) ، أَيْ: ثَبَتَ أَجْرُنَا الدُّنْيَوِيُّ وَالْأُخْرَوِيُّ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ (فَمِنَّا مَنْ مَضَى) ، أَيْ: مَاتَ (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ) ، أَيِ: الدُّنْيَوِيِّ (شَيْئًا) ، أَيْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَنَاوَلَهَا مَنْ أَدْرَكَ زَمَنَ الْفُتُوحِ، فَيَكُونُ أَجْرُهُ كَامِلًا، فَالْمُرَادُ بِالْأَجْرِ ثَمَرَتُهُ فَلَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى أَجْرِ الْآخِرَةِ. (مِنْهُمْ: مُصْعَبٌ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بْنُ عُمَيْرٍ) ، بِالتَّصْغِيرِ (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) ، أَيِ: اسْتُشْهِدَ (فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (إِلَّا نَمِرَةٌ) ، بِفَتْحِ نُونٍ فَكَسْرِ مِيمٍ أَيْ: كِسَاءٌ غَلِيظٌ فِيهِ خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ (فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ) ، أَيْ: بِهَا (خَرَجَتْ رِجْلَاهُ) ، أَيْ ظَهَرَتَا (وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ) ، أَيْ: بِهَا (خَرَجَ رَأْسُهُ) ، أَيِ انْكَشَفَ فَتَحَيَّرْنَا فِي أَمْرِهِ (فَقَالَ ﷺ : " غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ ") ، أَيْ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ (" وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ ") : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَالْخَاءِ وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ (وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ) : بِهَمْزٍ مَفْتُوحٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَفَتْحِ نُونٍ أَيْ نَضِجَتْ (لَهُ ثَمَرَتُهُ) : وَأَدْرَكَتْ وَطَابَتْ وَبَلَغَتْ أَوْ أَنَّ الْجُذَاذَ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حُصُولِ بَعْضِ الْمُرَادِ وَالْيَنْعُ، بِفَتْحِ الْيَاءِ إِدْرَاكُ الثِّمَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] وَفِي النِّهَايَةِ أَيْنَعَ الثَّمَرُ يُونِعُ وَيَنْعُ يَيْنَعُ فَهُوَ مُونِعٌ وَيَانِعٌ إِذَا أَدْرَكَ وَنَضِجَ وَأَيْنَعَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا (فَهُوَ) ، أَيْ: مِنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ (يَهْدِبُهَا) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِّ وَيُضَمُّ عَلَى مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ تَثْلِيثُهَا أَيْ يَجْتَنِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذِهِ الْفِقْرَةُ قَرِينَةٌ لِقَوْلِهِ: فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعَجَّلْ شَيْءٌ مِنْ ثَوَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عُجِّلَ بَعْضُ ثَوَابِهِ، وَقَوْلُهُ: يَهْدِبُهَا عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِاسْتِمْرَارِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ اسْتِحْضَارًا لَهُ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ» ، وَفِيهِ بَيَانُ فَضِيلَةِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَنْقُصْ لَهُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ شَيْءٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُصْعَبُ قُرَشِيٌّ عَبْدَرِيٌّ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُصْعَبًا بَعْدَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ عَيْشًا وَأَلْيَنِهِمْ لِبَاسًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ زَهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ بَايَعَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكَانَ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فِي دُورِهِمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُسْلِمُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ فِيهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ بِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ السَبْعِينَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ قَلِيلًا، وَفِيهِ نَزَلَ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8647

٦٢٠٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٠٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اهْتَزَّ الْعَرْشُ ") : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ أَيْ تَحَرَّكَ (" لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ") .

стр. 8648

(وَفِي رِوَايَةٍ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» ) . وَالْمَعْنَى اهْتَزَّ اهْتِشَاشًا وَسُرُورًا بِتَقَلُّبِهِ مِنَ الدَّارِ الْفَانِيَةِ إِلَى الدَّارِ الْبَاقِيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَرْوَاحَ السُّعَدَاءِ وَالشُّهَدَاءِ مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ هُنَاكَ، وَقِيلَ: اهْتَزَّ اسْتِعْظَامًا لِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَقِيلَ: اهْتَزَّ وَفَرِحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ بِقُدُومِ رُوحِهِ، فَأَقَامَ الْعَرْشُ مَقَامَ حَامِلِيهِ، وَقِيلَ: مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَكُونُ اهْتِزَازُهُ إِعْلَامًا لِلْمَلَائِكَةِ بِوُقُوعِ أَمْرٍ عَظِيمٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ فَقَالَ طَائِفَةٌ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاهْتِزَازُ الْعَرْشِ تَحَرُّكُهُ فَرَحًا بِقُدُومِ رُوحِ سَعْدٍ، وَجَعَلَ اللَّهُ فِي الْعَرْشِ تَمْيِيزًا وَلَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا يُنْكَرُ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَرْشَ جِسْمٌ مِنَ الْأَجْسَامِ يَقْبَلُ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اهْتِزَازُ أَهِلِ الْعَرْشِ وَهُمْ حَمَلَتُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَالْمُرَادُ بِالِاهْتِزَازِ الِاسْتِبْشَارُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ فُلَانٌ يَهْتَزُّ لِلْمَكَارِمِ، لَا يُرِيدُونَ اضْطِرَابَ جِسْمِهِ وَحَرَكَتِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ ارْتِيَاحَهُ إِلَيْهَا وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ وَفَاتِهِ، وَالْعَرَبُ تَنْسُبُ الشَّيْءَ الْمُعَظَّمَ إِلَى أَعْظَمِ الْأَشْيَاءِ فَيَقُولُونَ: أَظْلَمَتْ بِمَوْتِ فُلَانٍ الْأَرْضُ، وَقَامَتْ لَهُ الْقِيَامَةُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ اهْتِزَازُ سَرِيرِ الْجِنَازَةِ وَهُوَ النَّعْشُ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ تَرُدُّهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا أَوَّلُوا هَذَا التَّأْوِيلَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ الْأَوْسِيُّ، أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارُهُمْ أَوَّلُ دَارٍ أَسْلَمَتْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا مُطَاعًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ، وَهُوَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ وَخِيَارِهِمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَرُمِيَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي أَكْحَلِهِ، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - عَنْ جَابِرٍ.

стр. 8649

٦٢٠٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٠٧ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: أُهْدِيَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا) ، أَيْ: يَلْمَسُّونَهَا وَيَمْسَحُونَهَا (وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ لِينِهَا) ، أَيْ: نُعُومَتِهَا وَرِقَّتِهَا (قَالَ: " أَتَعْجَبُونَ مَنْ لِينِ هَذِهِ ") ؟ أَيِ: الْحُلَّةِ (" لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ ") . أَيِ: الْمَنَادِيلُ الَّتِي يَمْسَحُ بِهَا سَعْدُ يَدَهُ خَيْرٌ مِنْ هَذِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَرْفَعَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ لَا يُقَاوِمُ أَوُضَعَ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ الْمَنَادِيلُ جَمْعُ مِنْدِيلٍ، وَهُوَ هَذَا الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْيَدِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَغَيْرُهُ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّدْلِ وَهُوَ الْعَقْلُ، لِأَنَّهُ يُنْقَلُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النَّدْلِ وَهُوَ الْوَسَخُ لِأَنَّهُ يُنَدَّلُ بِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْمَنَادِيلِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَةِ الثِّيَابِ، بَلْ هِيَ تُبْذَلُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَرَافِقِ فَيُمْسَحُ بِهَا الْأَيْدِي، وَيُنْفَضُ بِهَا الْغُبَارُ عَنِ الْبَدَنِ، وَتُغَطَّى مَا يُهْدَى فِي الْأَطْبَاقِ، وَتُتَّخَذُ لِفَافًا لِلثِّيَابِ، فَصَارَ سَبِيلُهَا سَبِيلَ الْخَادِمِ، وَسَبِيلُ سَائِرِ الثِّيَابِ سَبِيلَ الْمَخْدُومِ، فَإِذَا كَانَ أَدْنَاهَا هَكَذَا فَمَا ظَنُّكَ بِأَعْلَاهَا؟ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

стр. 8650

٦٢٠٨ - «وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ". قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٠٨ - (وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ) : وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ (أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدُهْ ") ، بِفَتْحَتَيْنِ وَضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: أَوْلَادَهُ (" وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ") أَيْ: مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَالْبَرَكَةُ زِيَادَةُ النَّمَاءِ فِي إِفَادَةِ النَّعْمَاءِ (قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ) ، أَيْ: غَايَةُ الْكَثْرَةِ وَنِهَايَةُ الْبَرَكَةِ عَلَى وَفْقِ الْبُغْيَةِ (وَإِنَّ وَلَدِي) ، أَيْ: بِلَا وَاسِطَةٍ (وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ) : بِضَمِّ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: يَزِيدُونَ فِي الْعَدَدِ (عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ) . أَيْ: فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنَ الْحَدِيثِ، رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: رُزِقْتُ مِنْ صُلْبِي سِوَى وَلَدِ

стр. 8651

وَلَدِي مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، أَيْ: ذُكُورٌ إِلَّا بِنْتَيْنِ عَلَى مَا قِيلَ، وَإِنَّ أَرْضِي لَتُثْمِرُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ: أَنَسُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ الْخَزْرَجِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو حَمْزَةَ، قَدِمَ النَّبِيَّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَانْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ لِيُفَقِّهَ النَّاسَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَقِيلَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ لَهُ مِائَةُ وَلَدٍ، وَقِيلَ ثَمَانُونَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ ذَكَرًا وَاثْنَتَانِ أُنْثَى، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ هَذَا النَّقْلَ، وَكَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى مَجْمُوعِ أَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِهِمْ يَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْمِائَةِ لَا أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْعِبَادِ وَالْمُرَادِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يُفَضِّلُ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ، وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّهُ قَدْ بَارَكَ فِيهِ، وَمَنْ بَارَكَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِتْنَةٌ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ وَلَا تَقْصِيرٌ فِي أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ أَنَّهُ إِذَا دُعِيَ بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا يَنْبَغِي أَنْ يَضُمَّ إِلَى دُعَائِهِ طَلَبَ الْبَرَكَةِ فِيهِ وَالصِّيَانَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ دَفَنَ مِنْ أَوْلَادِهِ قَبْلَ مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ مِائَةً وَعِشْرِينَ. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِأَوْلَادِهِ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ الشَّامِلَ لِلصُّلْبِ وَغَيْرِهِ، وَإِلَّا لَذَكَرَ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ أَيْضًا إِذِ الْمَقَامُ يَقْتَضِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

стр. 8652

٦٢٠٩ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ «مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٠٩ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) : صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأَحَدٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] لِمَزِيدِ التَّعْمِيمِ وَالْإِحَاطَةِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، إِذِ الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الدَّابَّةَ مَا تَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ، فَتَكُونُ الْأَرْضُ دَاخِلَةً فِي مَفْهُومِ الدَّابَّةِ، فَذِكْرُهَا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ. وَنَظِيرُهُ رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُهُ بِأُذُنِي بِخِلَافِ لَفْظِ أَحَدٍ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ مَعْنَى الْعُمُومِ الْقَابِلِ لِلتَّقْيِيدِ، فَقَوْلُهُ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ صِفَةٌ احْتِرَازِيَّةٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لِأَحَدٍ هُوَ حَيٌّ الْآنَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ: (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ) . وَقَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ (عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) صِفَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَ التَّكَلُّمِ حَيٌّ. اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ إِلَى آخِرِ الْعَشَرَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، فَإِنَّ سَعْدًا قَالَ: مَا سَمِعْتُ، وَنَفْيُ سَمَاعِهِ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْبِشَارَةِ لِلْغَيْرِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ فَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ. اهـ. وَيُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ ﷺ " قَالَ لِجَمَاعَةٍ: إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَبْعُدُ أَنْ لَا يَطَّلِعَ سَعْدٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَنْفِيَ سَمَاعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ كَرَاهَةَ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُبَشَّرِينَ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ عَاشَ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يُتَّخَذْ بَعْدَهُ مِنَ الْعَشَرَةِ غَيْرُ سَعْدٍ وَسَعِيدٍ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِحَيٍّ يَمْشِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْغُمُوضِ عَلَى حُصُولِ الْمُدَّعِي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ سَعْدًا لَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَبْشِيرَهُ بَلَغَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا سَمِعَهُ بِنَفْسِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ صَدْرُ الْحَدِيثِ، لَكِنْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي وُجُودِ سَعِيدٍ حَيًّا، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِهِ أَيْضًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ (يَمْشِي) أَنَّهُ وَقَعَ بِشَارَتُهُ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ حِينَ كَانَ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسِيرُ بِخِلَافِ بِشَارَاتِ غَيْرِهِ، وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 8653

٦٢١٠ - «وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ فَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ: رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا وَسَطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ ; فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ فَقِيلَ لِيَ ارْقَهْ فَقُلْتُ لَا أَسْتَطِيعُ فَأَتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي فَنَزَلْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهُ فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ اسْتَمْسِكْ فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى فَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ وَذَلِكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢١٠ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) : بِضَمِّ عَيْنٍ وَتَخْفِيفِ مُوَحَّدَةٍ بَصْرِيٌّ مِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَابِعِي الْبَصْرَةِ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ) :

стр. 8654

أَيِ السُّكُونِ وَالْوَقَارِ وَالْحُضُورِ (فَقَالُوا) ، أَيْ: بَعْضُ الْحَاضِرِينَ (هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرَهَا (تَجَوَّزَ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيِ: اخْتَصَرَ (فِيهِمَا) ، عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَخَفَّفَهُمَا، فَفِي النِّهَايَةِ: فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي أَيْ: أُخَفِّفُهَا وَأُقَلِّلُهَا. (ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ، فَقُلْتُ) ، أَيْ: لَهُ (إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قَالَ: " وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا إِنْكَارٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَطَعُوا لَهُ بِالْجَنَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَؤُلَاءِ بَلَغَهُمْ خَبَرُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ سَلَامٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَسْمَعْ هُوَ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلْ أَنَّهُ كَرِهَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ تَوَاضُعًا وَإِيثَارًا لِلْخُمُولِ وَكَرَاهَةً لِلشُّهْرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ) ؟ وَهُوَ بِلَا لَامٍ إِلَى إِنْكَارِهِ إِيَّاهُمْ يَعْنِي أَنِّي أُحَدِّثُكَ سَبَبَ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ، وَهُوَ هَذَا (إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا) : إِلَخْ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى النَّصِّ بِقَطْعِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنِّي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا نَصَّ عَلَى غَيْرِي، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِمْ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْنِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِمَّنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَصَحِبَهُ أَنْ يَقُولَ بِمَا لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: وَأَنَا أَيْضًا أَقُولُ: رَأَيْتُ رُؤْيَا (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: فِي زَمَانِهِ (فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ) : بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ (كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، ذَكَرَ) ، أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ (مِنْ سَعَتِهَا) : بِفَتْحِ أَوَّلَيْهَا (وَخُضْرَتِهَا، وَسَطَهَا) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ " ظَرْفٌ وَقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا لِمُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ هُوَ قَوْلُهُ: (عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ) ، أَيْ: أَسْفَلَ الْعَمُودِ (فِي الْأَرْضِ، وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ) : وَالْجُمْلَتَانِ صِفَتَانِ لِعَمُودٍ (فِي أَعْلَاهُ) ، أَيِ: الْعَمُودِ (عُرْوَةٌ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ: حَلْقَةٌ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْعُرْوَةُ مِنَ الدَّلْوِ وَالْكُوزِ الْمَقْبَضُ فَاسْتُعِيرَتْ لِمَا يُوَثَّقُ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ (فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ) ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْهَاءِ لِلسَّكْتِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْهَاءِ عَلَى أَنَّهُ ضَمِيرٌ، فَفِي الْقَامُوسِ: رَقِيَ كَرَضِيَ وَصَعِدَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مِنْ رَقِيَ يَرْقَى إِذَا صَعِدَ وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْعَمُودِ (فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ) ، أَيِ: الرُّقِيَّ وَالصُّعُودَ (فَأَتَانِي مِنْصَفٌ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَعَلَيْهِ النُّسَخُ الْمُعْتَمَدَةُ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيُقَالُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْخَادِمُ مِنْ نَصَفَ نِصَافَةً إِذَا خَدَمَ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالُوا: هُوَ الْوَصِيفُ الصَّغِيرُ الْمُدْرِكُ لِلْخِدْمَةِ (فَرَفَعَ) ، أَيِ: الْمُصَنِّفُ (ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي، فَرَقِيتُ) : بِكَسْرِ الْقَافِ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَحُكِيَ بِفَتْحِهَا. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ رَقَى يَرْقِي كَرَمَى يَرْمِي مِنَ الرُّقْيَةِ، وَلَا مَعْنَى لَهَا هَا هُنَا بَلِ الْمُرَادُ فَصَعِدْتُ (حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهُ) أَيْ: أَعْلَى الْعَمُودِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي أَعْلَاهَا أَيْ: أَعْلَى الْعُرْوَةِ (فَأَخَذْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ أَخَذْتُ (بِالْعُرْوَةِ، فَقِيلَ) ، أَيْ: لِيَ (اسْتَمْسِكْ) ، أَيْ: بَالِغْ فِي الْمَسْكِ بِمَعْنَى الْأَخْذِ (فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي) ، أَيْ: أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ كَانَ حَالَ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ، فَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا بَقِيَتْ فِي يَدِهِ حَالَ يَقَظَتِهِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ مَا امْتَنَعَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ يَظْهَرُ خِلَافُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَثَرَهَا بَقِيَ فِي يَدِي بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ كَأَنْ يُصْبِحَ فَيَرَى يَدَهُ مَقْبُوضَةً، (فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ ") ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (" الْوُثْقَى ") ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوُثْقَى مِنَ الْحَبْلِ الْوَثِيقُ الْمُحْكَمُ الْمَأْمُونُ انْقِطَاعُهَا (" فَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ ") . اهـ. كَلَامُهُ ﷺ (فَقَالَ قَيْسُ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) . وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ بِأَنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8655

٦٢١١ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ جَلَسَ ثَابِتٌ فِي بَيْتِهِ وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: مَا شَأْنُ ثَابِتٍ أَيَشْتَكِي؟ فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ثَابِتٌ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٢١١ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (خَطِيبَ الْأَنْصَارِ) ، أَيْ فَصِيحَهُمْ أَيْ: فِي النَّثْرِ كَمَا يُقَالُ: الشَّاعِرُ فِي النَّظْمِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ خَزْرَجِيٌّ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ خَطِيبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَطِيبَ الْأَنْصَارِ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ سَنَةَ اثْنَتِيْ عَشْرَةَ، وَرَوَى عَنْهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ. (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) . وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] (جَلَسَ ثَابِتٌ فِي بَيْتِهِ وَاحْتَبَسَ) ، أَيْ: نَفْسَهُ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) : اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ ثَابِتٍ مُجَرَّدُ رَفْعِ الصَّوْتِ لَا أَوَّلُ السُّورَةِ، وَهُوَ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ﴾ [الحجرات: ١] (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ حَيْثُ كَانَ رَئِيسَهُمْ (" مَا شَأْنُ ثَابِتٍ ") ، أَيْ: حَيْثُ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ مَعَنَا (" أَيَشْتَكِي ") أَيْ: مَرَضًا أَوْ وَجَعًا، فَكَأَنَّهُ تَحَيَّرَ فِي الْجَوَابِ وَلَمْ يَعْرِفْ طَرِيقَ الصَّوَابِ (فَأَتَاهُ) ، أَيْ: ثَابِتًا (سَعْدٌ فَذَكَرَ) ، أَيْ: سَعْدٌ (لَهُ) ، أَيْ: لِثَابِتٍ (قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: فِي تَفَقُّدِهِ (فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) أَيِ: الْمُتَقَدِّمَةُ (وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: بِحَسْبِ الْجِبِلَّةِ (فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ رَفْعُ الصَّوْتِ يَكُونُ اخْتِيَارِيًّا يَقْتَضِي قِلَّةَ الْأَدَبِ (فَذَكَرَ ذَلِكَ) ، أَيْ: تَعْلِيلَ ثَابِتٍ (سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ") . أَيْ: حَيْثُ بَالَغَ فِي الْأَدَبِ، حَتَّى لَمْ يَجُوزْ رَفْعُ الصَّوْتِ الْجِبِلِيِّ أَيْضًا، وَوَقَعَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ أَنَّهُ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَقَدْ نَقَلَ الْكَوْرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ قِتَالِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ الْكَفَنَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فِي كَفَنِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 8656

٦٢١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَزَلَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] . قَالُوا: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ. قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢١٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) ، أَيْ: جَالِسِينَ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَزَلَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَيُسَكَّنُ (فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ آخَرِينَ عَطْفًا عَلَى الْأُمِّيِّينَ يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى بَعَثَهُ فِي الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ عَلَى عَهْدِهِ، وَفِي آخَرِينَ مِنَ الْأُمِّيِّينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ وَسَيَلْحَقُونَ بِهِمْ، وَهُمْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ﵃ (قَالُوا: مَنْ هَؤُلَاءِ) ، أَيْ: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) ، أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ) ، بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ (قَالَ) ، أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ) ، أَيْ: عَلَى كَتِفِهِ ثُمَّ قَالَ: (" لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ ") . قَالَ الطِّيبِيُّ: جَمَعَ اسْمَ الْإِشَارَةِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ سَلْمَانُ وَحْدَهُ إِرَادَةً لِلْجِنْسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمُ الْعَجَمُ كُلُّهُمْ لِوُقُوعِهِ مُقَابِلًا لِلْأُمِّيِّينَ، وَهُمُ الْعَرَبُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ أَهْلُ فَارِسَ. " وَلَوْ " هَا هُنَا بِمَعْنَى " إِنْ " لِمُجَرَّدِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ يَكُنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ فَارِسَ مِنْ رَامَهُرْمُزَ، وَيُقَالُ بِهَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْ أَصْفَهَانَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: حَيٌّ. سَافَرَ يَطْلُبُ الدِّينَ فَدَانَ أَوَّلًا بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ وَصَبَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَشَقَّاتٍ مُتَتَالِيَةٍ، فَأَخْذَهُ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ فَبَاعُوهُ مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ إِنَّهُ كُوتِبَ فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي.

стр. 8657

كِتَابَتِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَدَاوَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ سَيِّدًا، حَتَّى أَفْضَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْلَمَ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَ: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ اشْتَاقَتْ إِلَيْهِمُ الْجَنَّةُ، وَكَانَ مِنَ الْمُعَمِّرِينَ قِيلَ: عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِعَطَائِهِ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ وَفَضَائِلُهُ غَزِيرَةٌ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَدَحَهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَمَاتَ بِالْمَدَائِنِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، رَوَى عَنْهُ أَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ «لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَلَفْظُهُ «لَوْ كَانَ الْعِلْمُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ» .

стр. 8658

٦٢١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمَا الْمُؤْمِنِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٢١٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ حِبِّبْ عُبَيْدَكَ ") : بِالتَّصْغِيرِ لِلشَّفَقَةِ (" هَذَا ") ، أَيِ: الْمُشَارَ إِلَيْهِ (يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ) : تَفْسِيرٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مُدْرَجٌ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ (" وَأُمَّهُ ") : عَطْفٌ عَلَى عُبَيْدِكَ (" إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ ") : مُتَعَلِّقٌ بِحِبِّبْ (" وَحِبِّبْ إِلَيْهِمْ ") : وَفِي نُسْخَةٍ إِلَيْهِمَا (" الْمُؤْمِنِينَ ") . قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنَ الْمِشْكَاةِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِأَصْلِ السَّمَاعِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَأَكْثَرُ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ مِنْهُ، وَتَوْجِيهُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَهْلِهِمَا وَأَوْلَادِهِمَا وَالْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِمَا لِيَكُونَ أَشْمَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ نُزِّلَا مَنْزِلَةَ الْجَمَاعَةِ تَعْظِيمًا لَهُمَا كَمَا يُنَزَّلُ الْوَاحِدُ أَيْضًا مَنْزِلَةَ جَمْعٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8659

٦٢١٤ - وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ أَبَا سَلْمَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا: مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ فَأَتَاهُمْ فَقَالَ يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٢١٤ - (وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو: بِالْوَاوِ وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْعَوْذِ بِمَعْنَى اللَّوْذِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَدَنِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَحَدِيثُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ) ، أَيِ: ابْنَ حَرْبٍ (أَتَى) ، أَيْ: مَرَّ (عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ) ، أَيْ: وَعَلَى بِلَالٍ مَعَ جَمْعٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْإِتْيَانُ كَانَ لِأَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ كَافِرٌ فِي الْهُدْنَةِ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ (فَقَالُوا) ، أَيْ: سَلْمَانُ وَأَصْحَابُهُ (مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ) : يَعْنُونَ أَبَا سُفْيَانَ (مَأْخَذَهَا) ، بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: حَقَّهَا وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَهِيَ أَصْلُ السَّيِّدِ مَآخِذَهَا بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَكَسْرِ خَاءٍ عَلَى أَنَّهُ جَمْعٌ رُوعِيَ فِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ لِسُيُوفٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: " مَا " نَافِيَةٌ، وَأَمَّا مَأْخَذُهَا فَقِيلَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَقِيلَ مَفْعُولٌ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَالْكَلَامُ إِخْبَارٌ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ الْمُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِبْطَاءِ يَعْنِي: لَمْ تَسْتَوْفِ السُّيُوفُ حَقَّهَا مِنْ حَقِّهِ، وَاسْتَعَارَ الْأَخْذَ لِلسَّيْفِ تَشْبِيهًا لَهُ. بِمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ يَلْزَمُهُ وَيُطَالِبُهُ، وَالْغَرِيمُ يَمْتَنِعُ عَنْ إِيفَاءِ حَقِّهِ وَيُمَاطِلُهُ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ، أَيْ: لَهُمْ (أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ) ، أَيْ: لِكَبِيرِهِمْ (وَسَيِّدِهِمْ) ؟ أَيْ: رَئِيسِهِمْ (فَأَتَى) ، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ) ، أَيْ: بِخَبَرِهِمْ وَخَبَرِهِ (قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ ") ، لَعَلَّ هَا هُنَا لِلْإِشْفَاقِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] وَقَوْلُهُ ﷺ لَعَلِّي " لَا أَعِيشُ بَعْدَ عَامِي هَذَا ". (" لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ ") : حَيْثُ إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُحِبُّونَ مَحْبُوبُونَ لِلَّهِ تَعَالَى: (" لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ ") . أَيْ: حَيْثُ رَاعَيْتَ جَانِبَ الْكَافِرِ بِرَبِّهِ (فَأَتَاهُمْ) ، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (قَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ) : بِالْهَاءِ السَّاكِنَةِ (أَغْضَبْتَكُمْ) . أَيْ؟ فَاعْفُوَا عَنِّي، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُقَدَّرٌ أَيْ: أَأَغْضَبْتُكُمْ؟ (قَالُوا: لَا) ، أَيْ: لَا حَرَجَ عَلَيْكَ أَوْ لَا غَضَبَ لَنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكَ (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ) : جُمْلَةٌ دِعَائِيَّةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَى " لَا " وَلَوْ زَادُوا كَمَا فِي جَوَابِ الزَّيْدِيِّ عَنْ سُؤَالِ الْمَأْمُونِ: لَا وَجَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ لِحُسْنِ مَوْقِعِهِ، وَقَوْلُهُ (يَا أَخِي) : الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: يَا أَخَانَا، وَلَعَلَّهُ حِكَايَةُ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطُوهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى التَّصْغِيرِ وَهُوَ تَصْغِيرُ تَحْبِيبٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِهَا. اهـ.

стр. 8660

وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالتَّصْغِيرِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرِهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا فِي يَا بُنَيَّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، هَذَا وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ التَّمِيمِيِّ، يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى، كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ فِيمَا بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، فَأَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَسَبَتْهُ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَنَشَأَ بِالرُّومِ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُمْ كَلْبٌ، ثُمَّ قَدِمَتْ بِهِ مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ فَأَعْتَقَهُ فَأَقَامَ مَعَهُ إِلَى أَنْ هَلَكَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا كَبِرَ فِي الرُّومِ وَعَقَلَ هَرَبَ مِنْهُمْ وَقَدِمَ مَكَّةَ، فَحَالَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ، وَأَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ يُقَالُ: إِنَّهُ أَسْلَمَ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَارِ الْأَرْقَمِ بَعْدَ بِضْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ نَزَلَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَأَمَّا أَبُو سُفْيَانَ فَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ فِي مَنْقَبَتِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8661

٦٢١٥ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢١٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " آيَةُ الْإِيمَانِ ") ، أَيْ: عَلَامَةُ كَمَالِهِ (" حُبُّ الْأَنْصَارِ ") ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ حُبُّ جَمِيعِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلدِّينِ، فَمَنْ أَبْغَضَ بَعْضَهُمْ لِمَعْنًى يَسَوِّغُ الْبُغْضُ بِهِ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ وَهُوَ تَقْرِيرٌ حَسَنٌ (" وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ ") . وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ وَإِشْعَارًا بِالْعِلَّةِ فِي حُبِّهِمْ وَبُغْضِهِمْ، وَهُوَ جَمْعُ نَاصِرٍ أَوْ نَصِيرٍ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ أَنْصَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا يُعْرَفُونَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِأَبْنَاءِ قَيْلَةَ وَهِيَ الْأُمُّ الَّتِي تَجْمَعُ الْقَبِيلَتَيْنِ، فَسَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ، فَصَارَ عَلَمًا لَهُمْ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِمَدْحِهِمْ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ، وَإِنَّمَا فَازُوا بِهَذِهِ الْمَنْقَبَةِ لِأَجْلِ إِيوَائِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَنَصْرَتِهِ حَيْثُ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، وَجَعَلُوهُ مُسْتَقَرًّا وَمُتَوَطَّنًا لَهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ وَاسْتِقَامَتِهِمْ عَلَيْهِ، كَمَا جَعَلُوا الْمَدِينَةَ كَذَلِكَ، فَكَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِمُعَادَاةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى الْحَسَدِ وَهُوَ يَجُرُّ إِلَى الْبُغْضِ، فَلِذَا جَاءَ التَّرْهِيبُ عَنْ بُغْضِهِمْ وَالتَّرْغِيبُ فِي حُبِّهِمْ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ إِيمَانِهِ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَذَلِكَ مِنْ عَلَامَةِ نِفَاقِهِ وَنُقْصَانِ إِيقَانِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ - عَنْهُ لَكِنَّ لَفْظَهُ: «حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَةُ الْإِيمَانِ وَبُغْضُ الْأَنْصَارِ آيَةُ النِّفَاقِ» .

стр. 8662

٦٢١٦ - وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يَبْغَضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢١٦ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ) أَيِ: ابْنِ عَازِبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ ") أَيْ: كَامِلٌ (" وَلَا يَبْغَضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ ") أَيْ حَقِيقِيٌّ أَوْ مَجَازِيٌّ، وَهُوَ الْفَاسِقُ الشَّبِيهُ بِالْمُنَافِقِ (" فَمَنْ أَحَبَّهُمْ ") ، أَيْ: لِلَّهِ (" أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ ") ، أَيْ: بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِمْ (" أَبْغَضَهُ اللَّهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8663

٦٢١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ «إِنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ. فَحُدِّثَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مَنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ، فَقَالَ فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ قَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُ الْأَنْصَارَ وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢١٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ نَاسًا) أَيْ: جَمْعًا (مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) أَيْ: أَعْطَاهُ (فَيْئًا) ، أَيْ: غَنِيمَةً (مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ) : وَهِيَ قَبِيلَةٌ شَهِيرَةٌ (مَا أَفَاءَ) ، أَيْ: شَيْئًا أَفَاءَهُ عَلَيْهِ (فَطَفِقَ) ، أَيْ: فَأَخَذَ وَشَرَعَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ) : حِينَ مَرْجِعِهِ مِنَ الطَّائِفِ (يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ) وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ أَبُو سُفْيَانَ وَالِدُ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ إِعْطَاؤُهُ تَأَلُّفًا لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَلِذَا كَانَ يُعْطِي الصَّادِقِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَقَلَّ مِنَ الْمِائَةِ (فَقَالُوا) ، أَيْ: نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُ ﷺ يُرَاعِي بَعْضَ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ (يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا) ، أَيْ: شَيْئًا كَثِيرًا (وَيَدَعُنَا) ، أَيْ: يَتْرُكُنَا فِي إِعْطَاءِ الْكَثِيرِ (وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ) : بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ سُيُوفَنَا نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ تَنْقِطُ (مِنْ دِمَائِهِمْ) أَيْ: مِنْ دِمَاءِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ بِمُحَارَبَتِنَا إِيَّاهُمْ.

стр. 8664

حَتَّى يُسْلِمُوا. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُمْ يَغْفِرُ اللَّهُ تَوْطِئَةٌ وَتَمْهِيدٌ لِمَا يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الْعِتَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وَقَوْلُهُمْ: وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ مِنْ بَابِ قَوْلِ الْعَرَبِ: عَرَضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ. اهـ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وَسُيُوفُنَا بِاعْتِبَارِ مَا عَلَيْهَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ وَهُوَ إِشْعَارٌ بِقُرْبِ قَتْلِهِمْ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَوْلَى بِزِيَادَةِ الْبِرِّ، فَالْجُمْلَةُ حَالٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ الْإِشْكَالِ (فَحُدِّثَ) : بِضَمِّ حَاءٍ وَتَشْدِيدِ دَالٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ: فَأُوحِيَ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ) أَيْ: بِقَوْلِ ذَلِكَ الْبَعْضِ مِنَ الْأَنْصَارِ (فَأَرْسَلَ) ، أَيِ: الرَّسُولُ رَسُولًا (إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ) ، أَيِ: الرَّسُولُ أَوْ أَمَرَ بِجَمْعِهِمْ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ) ، أَيْ: خَيْمَةٍ (مَنْ أَدَمٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: جِلْدٍ (وَلَمْ يَدْعُ) : بِسُكُونِ الدَّالِ وَضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ: لَمْ يَطْلُبْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ أَيْ: لَمْ يَتْرُكْ مَعَهُمْ (أَحَدًا غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مَا حَدِيثٌ ") ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ خَبَرٌ عَظِيمٌ؟ (" بَلَغَنِي عَنْكُمْ " فَقَالَ فُقَهَاؤُهُمْ) ، أَيْ: عُلَمَاؤُهُمْ أَوْ عُقَلَاؤُهُمْ (أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا) ، أَيْ: أَصْحَابُ عُقُولِنَا وَفُهُومِنَا (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا) ، أَيْ: مِنْ هَذَا الْبَابِ (وَأَمَّا أُنَاسٌ) : بِضَمِّ الْهَمْزِ لُغَةٌ فِي نَاسٍ أَيْ: جَمَاعَةٌ (مِنَّا حَدِيثَةٌ) ، أَيْ: جَدِيدَةٌ (أَسْنَانُهُمْ) : جَمْعُ السِّنِّ بِمَعْنَى الْعُمْرِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمُ الشُّبَّانُ (قَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُ الْأَنْصَارَ) ، أَيْ: يَتْرُكُهُمْ (وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي أُعْطِي ") ، أَيْ: مِنْ هَذَا الْمَالِ (" رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ ") ، أَيْ: أَطْلُبُ أُلْفَتَهُمْ بِالْإِسْلَامِ بِإِعْطَاءِ الْمَالِ لَا لِكَوْنِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الْأَحْوَالِ (" أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ ") ، أَيْ: غَيْرُكُمْ مِنَ الْمُتَأَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (" بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ ") بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: مَنَازِلِكُمْ فِي الْمَدِينَةِ (" بِرَسُولِ اللَّهِ ") وَفِي نُسْخَةٍ ﷺ (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا) . فِيهِ تَأْكِيدٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ بَلَى، وَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الذَّوْقِ وَالْحَالِ: رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ فِينَا ... لَنَا عِلْمٌ وَلِلْأَعْدَاءِ مَالُ فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ ... وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يَزَالُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8665

٦٢١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢١٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ» ") فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الِانْتِقَالَ عَلَى النَّسَبِ الْوِلَادِيِّ، لِأَنَّهُ حَرَامٌ مَعَ أَنَّ نَسَبَهُ ﷺ أَفْضَلُ الْأَنْسَابِ وَأَكْرَمُهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّسَبَ الْبِلَادِيَّ، وَمَعْنَاهُ لَوْلَا الْهِجْرَةُ مِنَ الدِّينِ وَنِسْبَتُهَا دِينِيَّةٌ لَا يَسَعُنِي تَرْكُهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ كَنْتُ مَأْمُورًا بِهَا لَانْتَسَبْتُ إِلَى دَارِكُمْ، وَلَانْتَقَلْتُ عَنْ هَذَا الِاسْمِ إِلَيْكُمْ. وَقِيلَ: أَرَادَ ﷺ بِهَذَا الْكَلَامِ إِكْرَامَ الْأَنْصَارِ، وَالتَّعْرِيضَ بِأَنْ لَا رُتْبَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْلَى مِنَ النُّصْرَةِ، وَبَيَانُ أَنَّهُمْ بَلَغُوا مِنَ الْكَرَامَةِ مَبْلَغًا لَوْلَا أَنَّهُ ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَعَدَّ نَفْسَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ لِكَرَامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَلْخِيصُهُ: لَوْلَا فَضْلِي عَلَى الْأَنْصَارِ بِسَبَبِ الْهِجْرَةِ لَكُنْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَهَذَا تَوَاضُعٌ مِنْهُ ﷺ وَحَثٌّ لِلنَّاسِ عَلَى إِكْرَامِهِمْ وَاحْتِرَامِهِمْ، لَكِنْ لَا يَبْلُغُونَ دَرَجَةَ الْمُهَاجِرِينَ السَّابِقِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَقُطِّعُوا عَنْ أَقَارِبِهِمْ وَأَحَبَابِهِمْ، وَحُرِمُوا أَوْطَانَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ - وَهُمْ

стр. 8666

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَا نَالُوا ذَلِكَ بِآلَةٍ - لِأَجْلِ رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِعْلَاءً لِدِينِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَالْأَنْصَارُ وَإِنِ اتَّصَفُوا بِصِفَةِ النُّصْرَةِ وَالْإِيثَارِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِيوَاءِ، وَلَكِنَّهُمْ مُقِيمُونَ فِي مَوَاطِنِهِمْ سَاكِنُونَ مَعَ أَقَارِبِهِمْ وَأَحْبَابِهِمْ، وَحَسْبُكَ شَاهِدًا فِي فَضْلِ الْمُهَاجِرِينَ قَوْلُهُ هَذَا، لِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى جَلَالَةِ رُتْبَةِ الْهِجْرَةِ فَلَا يَتْرُكُهَا نَبِيٌّ مُهَاجِرِيٌّ لِأَنْصَارِيٍّ (" وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا ") ، أَيْ: طَرِيقًا حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا (" وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَادِيًا ") ، أَيْ: سَبِيلًا آخَرَ (" أَوْ شِعْبًا ") : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي إِذْ مَآلُهُمَا وَاحِدٌ (" لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهَا ") : أَيْ فِي شِعْبِ جَمَاعَةِ الْأَنْصَارِ، وَتَرَكْتُ سُلُوكَ وَادِي سَائِرِ النَّاسِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ أَنَّ أَرْضَ الْحِجَازِ كَثِيرَةُ الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَإِذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنِ الْجَمِيعِ فَسَلَكَ رَئِيسٌ شِعْبًا اتَّبَعَهُ قَوْمُهُ حَتَّى يُفْضُوا إِلَى الْجَادَّةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَادِيَ الرَّأْيَ وَالْمَذْهَبَ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ فِي وَادٍ وَأَنَا فِي وَادٍ، قِيلَ: أَرَادَ ﷺ لِذَلِكَ حُسْنَ مُوَافَقَتِهِ إِيَّاهُمْ وَتَرْجِيحَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمْ، لَمَّا شَاهَدَ مِنْهُمْ حُسْنَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَحُسْنَ الْجِوَارِ، وَمَا أَرَادَ بِذَلِكَ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ إِيَّاهُمْ فَإِنَّ مُتَابَعَتَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِأَنَّهُ ﷺ هُوَ الْمَتْبُوعُ الْمُطَاعُ لَا التَّابِعُ الْمُطِيعُ (" الْأَنْصَارُ شِعَارٌ ") : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيُفْتَحُ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي شَعْرَ الْبَدَنِ (وَالنَّاسُ دِثَارٌ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي فَوْقَ الشِّعَارِ، شَبَّهَ الْأَنْصَارَ بِالشِّعَارِ لِرُسُوخِ صَدَاقَتِهِمْ وَخُلُوصِ مَوَدَّتِهِمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيَّ مَرْتَبَةً وَأُولَاهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً (" إِنَّكُمْ ") : الْتِفَاتٌ إِلَيْهِمْ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ (" سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ") : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيِ: اسْتِئْثَارًا يَسْتَأْثِرُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاؤُكُمْ بِأُمُورِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَغَانِمِ وَالْفَيْءِ وَنَحْوِهِمَا، وَيُفَضِّلُ عَلَيْكُمْ غَيْرَهُ نَفْسَهُ أَوْ مَنْ هُوَ أَدْنَاكُمْ (" فَاصْبِرُوا ") ، أَيْ: عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِئْثَارِ (" حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ") ، أَيْ: حِينَئِذٍ يَحْصُلُ جَرُّ خَاطِرِكُمُ الْمُتَعَطِّشِ إِلَى لِقَائِي يَسْقِيكُمْ شَرْبَةً لَا تَظْمَأُونَ بَعْدَهَا أَبَدًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8667

٦٢١٩ - وَعَنْهُ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ. الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ. قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٢١٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ) ، أَيْ: فَتْحِ مَكَّةَ (فَقَالَ: " مَنْ دَخَلَ دَارِ أَبِي سُفْاَانَ فَهُوَ آمِنٌ ") ، أَيْ: ذُو أَمْنٍ وَالْأَمْنُ ضِدُّ الْخَوْفِ، وَقِيلَ، أَيْ: مَأْمُونٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، قَالَ الْعَبَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : هَذَا رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا. قَالَ: " نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارِ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ". قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ الْقُرَشِيُّ وَالِدُ مُعَاوِيَةَ، وُلِدَ قَبْلَ الْفِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ انْتَهَى إِلَيْهِ رَايَةُ الرُّؤَسَاءِ فِي قُرَيْشٍ، أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا، وَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فِيمَنْ أَعْطَاهُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ الطَّائِفِ، فَلَمْ يَزَلْ أَعْوَرَ إِلَى يَوْمِ الْيَرْمُوكِ فَأَصَابَ عَيْنَهُ الْأُخْرَى حَجَرٌ فَعَمِيَتْ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. (" وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ ") ، أَيْ: آلَةُ الْحَرْبِ (" فَهُوَ آمِنٌ " فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ) ، أَيْ: بَعْضُهُمْ (" أَمَّا الرَّجُلُ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ) ، أَيْ: شِدَّةُ رَحْمَةٍ (بِعَشِيرَتِهِ) ، أَيْ: قَبِيلَتِهِ (وَرَغْبَةٌ) ، أَيْ: مَحَبَّةٌ (فِي قَرْيَتِهِ) ، أَيْ: فِي أَهْلِ بَلْدَتِهِ، أَوْ بِالسُّكُونِ فِي قَرْيَتِهِ (وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) . أَيْ: بِمَا قَالُوا: (قَالَ: " قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ أَخَذَتْهُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " فَقْدًا أَخَذَتْهُ (" رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، كَلَّا ") : رَدْعٌ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمْتُمْ مِنْ إِقَامَتِي بِمَكَّةَ، لِأَنَّ هِجْرَتِي إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (" إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) ، أَيْ: كَوْنِي عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا أَعُودَ إِلَى دَارٍ تَرَكْتُهَا لِلَّهِ، وَأَنْ لَا أَرْغَبَ فِي بَلْدَةٍ هَاجَرْتُ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ (" هَاجَرْتُ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ) ، أَيْ: إِلَى ثَوَابِهِ أَوْ مَأْمُورِهِ (" وَإِلَيْكُمْ ") ، أَيْ: وَإِلَى دِيَارِكُمْ لِمَيْلِكُمْ إِلَيَّ وَإِلَى الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْكُمْ، كَمَا قَالَ

стр. 8668

تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩] وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْهِجْرَةِ كَانَ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّ التَّهَاجُرَ كَانَ مِنْ دَارِ قَوْمِي إِلَى دَارِكُمْ (" الْمَحْيَا ") ، أَيْ: مَحْيَايَ (" مَحْيَاكُمْ. وَالْمَمَاتُ ") ، أَيْ: مَمَاتِي (" مَمَاتُكُمْ ") . وَالْمَعْنَى مَا حَيِيتُ أَحْيَ فِي بِلَادِكُمْ كَمَا تَحْيُونَ فِيهِ، وَإِذَا تُوُفِّيْتُ تُوُفِّيْتُ فِي بِلَادِكُمْ كَمَا تُتَوَفَّوْنَ لَا أُفَارِقُكُمْ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. (قَالُوا) ، أَيِ: الْأَنْصَارُ (وَاللَّهِ مَا قُلْنَا) ، أَيْ: مَا قُلْنَاهُ (إِلَّا ضِنًّا) : بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: شُحًّا وَبُخْلًا (بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) . أَيْ: مِنْ شَرَفِ الْجِوَارِ وَالصُّحْبَةِ، وَاسْمُ اللَّهِ لِلتَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُونَ مَا قُلْنَا ذَلِكَ إِلَّا ضِنَّةً بِمَا آتَانَا اللَّهُ مِنْ كَرَامَتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَفُوتَنَا فَيَنَالَهُ غَيْرُنَا، وَشُحًّا بِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ بَلْدَتِنَا إِلَى بَلْدَتِهِ. انْتَهَى. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُمْ عَنَوْا أَنَّ الْآدَمِيَّ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْأَقَارِبِ وَالْأَوْطَانِ، فَخَشِينَا أَنْ تَمِيلَ عَنَّا إِلَيْهِمْ، فَحَرَّكْنَاكَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَجَرَّبْنَاكَ لِيَتَبَيَّنَ لَنَا الْمَرَامُ، فَلَا يُرَدُّ. كَيْفَ قَالُوا ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. (قَالَ: " فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ ") ، أَيْ: فِي إِخْبَارِكُمْ عَنْ أَخْبَارِكُمْ (وَيَعْذِرَانِكُمْ) . بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُضَمُّ أَيْ يَقْبَلَانِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنِ اعْتِذَارِكُمْ فِيمَا قُلْتُمْ مِنْ دَعْوَى الضِّنَةِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْبُخْلِ بِالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، وَعَدَمِ الرِّضَا بِمُفَارَقَتِهِمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8669

٦٢٢٠ - وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صِبْيَانًا وَنِسَاءً مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ يَعْنِي الْأَنْصَارَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٢٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صِبْيَانًا وَنِسَاءً مُقْبِلِينَ) ، أَيْ: رَاجِعِينَ (مِنْ عُرْسٍ) وَهُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ مَا فِي الْقَامُوسِ الْعُرْسُ الْإِقَامَةُ فِي الْفَرَحِ وَيُضَمُّ وَبِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، وَالْوَلِيمَةُ طَعَامُ الْعُرْسِ، أَوْ كُلُّ طَعَامٍ صُنِعَ لِدَعْوَةٍ وَغَيْرِهَا. (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ) ، أَيْ: عَنْ طَرِيقِهِمْ أَوْ إِلَى لَقْيِهِمْ (فَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَنْتُمْ ") : فِيهِ الْتِفَاتٌ، وَالتَّقْدِيرُ اللَّهُمَّ أَنْتَ تَعْلَمُ صِدْقِي فِيمَا أَقُولُ فِي حَقِّ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: (" أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ ") : كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وَفِي الْخِطَابِ الْتِفَاتٌ وَتَغْلِيبٌ لِلصِّبْيَانِ عَلَى النِّسَاءِ أَوْ لِلْغَائِبِينَ عَلَى الْحَاضِرِينَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّاوِي (يَعْنِي: الْأَنْصَارَ) ، أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: أَنْتُمْ طَائِفَةُ الْأَنْصَارِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8670

٦٢٢١ - وَعَنْهُ قَالَ «مَرَّ أَبُو بَكْرٍ وَالْعَبَّاسُ بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَا مَا يُبْكِيكُمْ فَقَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَّا فَدَخَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ عَصَّبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي. وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢٢١ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ) ، أَيِ: الصِّدِّيقُ (وَالنَّاسُ بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ وَهُمْ) ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ (يَبْكُونَ) ، أَيْ: فِي أَيَّامِ مَرَضِهِ ﷺ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمْ؟ قَالُوا: ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ ) : يَعْنُونَ نَخَافُ فَوْتَهُ إِنْ قَدَّرَ اللَّهُ مَوْتَهُ (فَدَخَلَ أَحَدُهُمَا) : رُوِيَ أَنَّهُ الْعَبَّاسُ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ) ، أَيْ: بِمَا ذُكِرَ مِنْ بُكَائِهِمْ وَسَبَبِ عَنَائِهِمْ (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ عَصَّبَ) : بِتَشْدِيدِ الصَّادِ أَيْ: رَبَطَ وَشَدَّ (عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ) أَيْ: عَلَى هَيْئَةِ عِصَابَةٍ لِدَفْعِ وَجَعِ رَأْسِهِ مِنَ الشِّدَّةِ (فَصَعِدَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: طَلَعَ (الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. فَحَمِدَ اللَّهَ) ، أَيْ: شَكَرَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ. (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) . أَيْ: بِالْوَجْهِ الْأَتَمِّ (ثُمَّ قَالَ: " أُوصِيكُمْ ") ، أَيْ: أَيُّهَا النَّاسُ أَوِ الْمُهَاجِرُونَ (" بِالْأَنْصَارِ) ، أَيْ: بِرِعَايَتِهِمْ وَحِمَايَتِهِمْ (" فَإِنَّهُمْ كَرِشِي ") : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ: وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: بِطَانَتِي (" وَعَيْبَتِي ") . بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ

стр. 8671

وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ: وَخَاصَّتِي. كَذَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْكَرِشُ بِالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ لِكُلِّ مُجْتَرٍّ بِمَنْزِلَةِ الْمَعِدَةِ لِلْإِنْسَانِ مُؤَنَّثَةٌ، وَعِيَالُ الرَّجُلِ وَصِغَارُ وَلَدِهِ وَالْجَمَاعَةُ. وَفِي النِّهَايَةِ: أَرَادَ أَنَّهُمْ بِطَانَتُهُ وَمَوْضِعُ سِرِّهِ وَأَمَانَتِهِ، أَوْ أَرَادَ الْجَمَاعَةَ أَيْ: جَمَاعَتِي وَأَصْحَابِي، وَفِي الْمِصْبَاحِ أَيْ: أَنَّهُمْ فِي الْمَحَبَّةِ وَالرَّأْفَةِ بِمَنْزِلَةِ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى مَحَبَّةِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْكَرِشُ لِكُلِّ مُجْتَرٍّ بِمَنْزِلَةِ الْمَعِدَةِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الْكَرِشَ فِي كَلَامِهِمْ مَوْضِعَ الْبَطْنِ، وَالْبَطْنُ مُسْتَوْدَعُ مَكْتُومِ السِّرِّ، وَالْعَيْبَةُ مُسْتَوْدَعُ مَكْنُونِ الْمَتَاعِ، وَالْأَوَّلُ أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَالثَّانِي أَمْرٌ ظَاهِرٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِمَا إِرَادَةَ اخْتِصَاصِهِمْ بِهِ فِي أُمُورِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: عَيْبَتِي أَيْ خَاصَّتِي، وَهُوَ مَوْضِعُ سِرِّي، وَالْعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ الْقَلْبِ وَالصَّدْرِ بِالْعَيْبَةِ لِأَنَّهُمَا مُسْتَوْدَعُ السَّرَائِرِ، كَمَا أَنَّ الْعِيَابَ مُسْتَوْدَعُ الثِّيَابِ (" وَقَدْ قَضَوْا ") ، أَيْ: أَدَّى الْأَنْصَارُ (" الَّذِي عَلَيْهِمْ ") ، أَيْ: مِنَ الْوَفَاءِ بِمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْمُبَالَغَةِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، فَإِنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى أَنَّهُمْ يَنْصُرُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ، فَوَفَّوْا بِذَلِكَ. ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ. (" وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ ") ، أَيْ: مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (" فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ ") أَيْ: إِنْ أَتَوْا بِعُذْرٍ فِيمَا صَدَرَ عَنْهُمْ (" وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ") . أَيْ: إِنْ عَجَزُوا عَنْ عُذْرٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8672

٦٢٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢٢٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) ، أَيْ: مِنْ حُجْرَتِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى مِشْيَتِهِ (حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ) ، أَيْ: عَلَى مَا وَجَدَ مِنَ النِّعْمَةِ لَدَيْهِ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) ، أَيْ: بِمَا أَلْهَمَهُ إِلَيْهِ (ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ ") ، أَيْ: بَعْدَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ (" فَإِنَّ النَّاسَ ") ، أَيْ: أَهْلَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ خُلَاصَةُ النَّاسِ (" يَكْثُرُونَ ") : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ إِخْبَارٌ بِالْغَيْبِ (" وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لِأَنَّ الْأَنْصَارَ هُمُ الَّذِينَ آوَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَصَرُوهُ فِي حَالِ الضَّعْفِ وَالْعُسْرَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدِ انْقَضَى زَمَانُهُ لَا يَلْحَقُهُمُ اللَّاحِقُ وَلَا يُدْرِكُ شَأْوَهُمُ السَّابِقُ، فَكُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ وَاحِدٌ مَضَى مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ فَيَكْثُرُ غَيْرُهُمْ وَيَقِلُّونَ. (" حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ ") ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمِلْحَ بِوَصْفِ الْقِلَّةِ سَبَبٌ لِكَمَالِ الطَّعَامِ فِي اللَّذَّةِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ تُؤَيِّدُ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ. وَهَذَا الْمَعْنَى أَيِ: التَّقْلِيلُ قَائِمٌ فِي حَقِّ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَعَلَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَأَوْلَادَهُمْ كَثَرُوا وَتَبَسَّطُوا فِي الْبِلَادِ وَانْتَشَرُوا فِيهَا وَمَلَكُوهَا، بِخِلَافِ الْأَنْصَارِ. انْتَهَى. وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي الْأَشْرَافِ وَالْعَلَوِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيَّةِ وَبَنِي خَالِدٍ وَأَمْثَالِهِمْ (" فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ ") : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ لَامٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: مَنْ تَوَلَّى مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُهَاجِرُونَ مَثَلًا (" شَيْئًا ") : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ مَصْدَرٍ أَيْ: قَلِيلًا مِنَ الْوِلَايَةِ، وَقَوْلُهُ: (" يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا ") ، أَيْ: مُسِيئِينَ (" وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ ") ، أَيْ: مُحْسِنِينَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (" فَلْيَقْبَلْ ") ، أَيِ: الْمُتَوَلِّي مِنْكُمْ (" مِنْ مُحْسِنِهِمْ ") ، أَيْ: إِحْسَانَهُمْ (" وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ ") ، أَيْ: إِسَاءَتِهُمْ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8673

٦٢٢٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٢٢٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ» ") : وَهُمُ التَّابِعُونَ (" وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ") . وَفِي نُسْخَةٍ: وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَهُمُ الْأَتْبَاعُ، فَدَعَا لِأَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَبْنَاؤُهُمْ وَلَوْ بِوَسَائِطَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8674

٦٢٢٤ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «- خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ وَفَى كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٢٤ - (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ ") ، أَيْ: أَفْضَلُ قَبَائِلِهِمْ (" بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ ") ، أَيْ: فَضْلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْخَبَرُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى أَفْضَلَ، وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْفَضْلِ يَعْنِي الْخَيْرُ حَاصِلٌ فِي جَمِيعِ الْأَنْصَارِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُهُمْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرُ قَبَائِلِهِمْ، وَكَانَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ تَسْكُنُ مَحَلَّةً فَسَمَّى تِلْكَ الْمَحَلَّةَ دَارَ بَنِي فُلَانٍ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَنُو فُلَانٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الدَّارِ، قَالُوا: تَفْضِيلُهُمْ عَلَى قَدْرِ سَبْقِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ وَمَآثِرِهِمْ فِيهِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَفْضِيلِ الْقَبَائِلِ وَالْأَشْخَاصِ مِنْ غَيْرِ مُجَازِفَةٍ وَلَا هَوًى، وَلَا يَكُونُ هَذَا غَيْبَةً. قَالَ الْقَاضِي: إِنْ أَرَادَ بِهَا ظَاهِرَهَا فَقَوْلُهُ: بَنُو النَّجَّارِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَيَكُونُ خَيْرِيَّتُهَا بِسَبَبِ خَيْرِيَّةِ أَهْلِهَا، وَمَا يُوجَدُ فِيهَا مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي الْجَامِعِ " خَيْرُ دِيَارِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ: " خَيْرُ دِيَارِ الْأَنْصَارِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ ".

стр. 8675

٦٢٢٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ وَفِي رِوَايَةٍ وَأَبَا مَرْثَدٍ بَدَلَ الْمِقْدَادِ فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ قَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَةٌ يَحْمُونَ بِهَا أَمْوَالَهُمْ وَأَهْلَهُمْ بِمَكَّةَ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ قَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ. " وَفِي رِوَايَةٍ قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] » ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٢٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا) : كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، وَالظَّاهِرُ إِيَّايَ فَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ اسْتِعَارَةِ الْمَرْفُوعِ لِلْمَنْصُوبِ (وَالزُّبَيْرَ) أَيِ: ابْنَ الْعَوَّامِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْعَشَرَةِ (وَالْمِقْدَادَ) . بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ حَالَفَ كِنْدَةَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِأَبِي الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عَبْدًا فَتَبَنَّاهُ، وَكَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ. رَوَى عَنْهُ عَلِيٌّ وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا، مَاتَ بِالْجَرْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، (دُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ. (وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَبَا مَرْثَدٍ بَدَلَ الْمِقْدَادِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ رَاءٍ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ كَنَّازُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَيُقَالُ ابْنُ حُصَيْنٍ الْغَنَوِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، شَهِدَ بَدْرًا هُوَ وَابْنُهُ مَرْثَدٌ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْ حَمْزَةَ، وَعَنْهُ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، كَانَتْ سَنَةَ اثْنَيْ عَشْرَةَ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هُوَ وَابْنُهُ حَلِيفَا حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: شَهِدَ أَبُو مَرْثَدٍ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ الْحَاصِلُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ الْأَرْبَعَةَ إِلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْمِقْدَادُ، وَفِي بَعْضِهَا أَبُو مَرْثَدٍ. وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُبَدَّلَ مُنَحًّى، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي رِوَايَةٍ هَذَا، وَفِي رِوَايَةٍ ذَاكَ، لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ قَدْ بُعِثُوا لِهَذَا الْأَمْرِ. انْتَهَى: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُبَدَّلَ مُنَحًّى فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَلِذَا قَالَ بَدَلَ الْمِقْدَادِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ غَيْرَ مُنَحًّى عَنِ الْمُرَادِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ. وَفِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ: وَالْمِقْدَادَ بَدَلَ أَبِي مَرْثَدٍ، وَلَا مُنَافَاةَ، بَلْ بَعَثَ الْأَرْبَعَةَ: عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ وَأَبَا مَرْثَدٍ (فَقَالَ: " انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ") بِخَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَصْرُوفًا وَقَدْ لَا يُصْرَفُ. قَالَ الطِّيبِيُّ بِالْخَاءَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ هُوَ الصَّوَابُ، وَهِيَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: وَخَاخٌ يُصْرَفُ وَيُمْنَعُ (" فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً ") ، أَيِ: امْرَأَةً اسْمُهَا سَارَةُ، وَقِيلَ أُمُّ سَارَةَ مَوْلَاةٌ لِقُرَيْشٍ (" مَعَهَا كِتَابٌ ") ، أَيْ: مَكْتُوبٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ (" فَخُذُوهُ مِنْهَا " فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى) ، أَيْ: تَتَسَابَقُ (بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ) ، أَيْ: رَوْضَةِ خَاخٍ (فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ) ، أَيِ: الْمَرْأَةِ (فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، قَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ.

стр. 8676

(فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ) : بِفَتْحِ لَامٍ فَضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ نُونٍ أَيْ: لَتُظْهِرِنَّ (الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْ: لَتَرْمِيِنَّ (الثِّيَابَ) : وَتَتَجَرَّدِنَّ عَنْهَا لِيَتَبَيَّنَ لَنَا الْأَمْرُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَرَفْعِ الثِّيَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا. قَالَ مِيرَكُ: كَذَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ مَكْسُورَةً وَمَفْتُوحَةً. فَإِنْ قُلْتَ: الْقَوَاعِدُ الْعَرَبِيَّةُ تَقْتَضِي أَنْ تُحْذَفَ تِلْكَ الْيَاءُ، وَيُقَالَ: لَتُلْقِنَّ. قُلْتُ: الْقِيَاسُ ذَلِكَ، وَإِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِالْيَاءِ فَتَأْوِيلُ الْكَسْرِ أَنَّهَا لِمُشَاكَلَةِ لَتُخْرِجِنَّ، وَالْفَتْحُ بِالْحَمْلِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ الْغَائِبِ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَرَفْعِ الثِّيَابِ، كَذَا قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فِي شَرْحِهِ: كَذَا فِيهِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَالْوَجْهُ حَذْفُهَا. وَقِيلَ: إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِمُشَاكَلَةِ لَتُخْرِجِنَّ. قَالَ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ صَوَابَ الرِّوَايَةِ لَتُلْقِينَ الثِّيَابَ بِالنُّونِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا لَا شَكَّ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَخْرِيجِ تَكَلُّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: وَيُرِيدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا بِلَفْظِ: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لِنُجَرِّدَنَّكِ. انْتَهَى. (فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا) ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ جَمْعُ عَقِيصَةٍ وَهِيَ الشَّعْرُ الْمَضْفُورُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ (أَخْرَجَتْهُ مِنْ حُجْزَتِهَا) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالزَّايِ أَيْ: مَعْقِدَ الْإِزَارِ لِأَنَّ عَقِيصَتَهَا طَوِيلَةٌ بِحَيْثُ تَصِلُ إِلَى حُجْزَتِهَا، فَرَبَطَتُهُ فِي عَقِيصَتِهَا وَغَرَزَتْهُ بِحُجْزَتِهَا (فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإِذَا فِيهِ) ، أَيْ: فِي الْكِتَابِ (مِنْ حَاطِبِ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ (ابْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ هَذَا حِكَايَةَ الْمَكْتُوبِ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وُضِعَ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: إِلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ) ، أَيْ: حَاطِبٌ أَوْ مَكْتُوبُهُ مَجَازًا (بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) . أَيْ: بِبَعْضِ شَأْنِهِ وَحَالِهِ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُرِيدُكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ) ، أَيْ: لِحَاطِبٍ (" مَا هَذَا ") ؟ أَيِ: الْفِعْلُ الشَّنِيعُ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ) ، أَيْ: فِي الْحُكْمِ بِالْكُفْرِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ يُبَيِّنُ عُذْرَهُ فِي فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ: (إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ حَلِيفًا (فِي قُرَيْشٍ) ، أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ (وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَانَ حَلِيفَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَةٌ) ، أَيْ: ذَوُو قَرَابَةٍ أَيْ: أَقَارِبُ أَوْ قَرَابَةٌ مَعَ نَاسٍ (يَحْمُونَ) ، أَيِ: الْأَقَارِبَ أَوِ النَّاسَ الَّذِينَ أُقَارِبُهُمْ يَحْفَظُونَ وَيُرَاعُونَ (بِهَا) ، أَيْ: بِتِلْكَ الْقَرَابَةِ (أَمْوَالَهُمْ) ، أَيْ: أَمْوَالَ الْمُهَاجِرِينَ (وَأَهْلَهُمْ بِمَكَّةَ) ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَحْمُونِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ التَّقْدِيرَ أَمْوَالُهُمْ وَأَهْلِيهِمُ الْكَائِنِينَ بِمَكَّةَ (فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ) ، أَيِ: الْقُرْبُ (مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ) ، أَيْ: فِي قُرَيْشٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذْ فَاتَنِي تَعْلِيلٌ وَقَعَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَمَفْعُولِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا) ، أَيْ: صَنِيعَةً (يَحْمُونَ) ، أَيْ: قُرَيْشٌ (بِهَا) ، أَيْ: بِتِلْكَ الْيَدِ (قَرَابَتِي) أَيِ: الْكَائِنَةَ بِمَكَّةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: يَحْمُونَ صِفَةُ (يَدًا) ، وَأَرَادَ بِالْيَدِ يَدَ إِنْعَامٍ أَوْ قُدْرَةٍ (وَمَا فَعَلْتُ) ، أَيْ: ذَلِكَ (كُفْرًا) ، أَيْ: أَصْلِيًّا (وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي) أَيْ: حَادِثًا (وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ) ، أَيْ: بِوُجُودِهِ (بَعْدَ الْإِسْلَامِ) . أَيْ: بَعْدَ حُصُولِهِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ تَعْمِيمٌ لِأَنْوَاعِ حُدُوثِ الْكُفْرِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: خِطَابًا لِلْأَصْحَابِ (إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ ") بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ: قَالَ الصِّدْقَ (فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي) ، أَيْ: اتْرُكْنِي (يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَضْرِبْ) : بِالْجَزْمِ أَيْ أَقْطَعْ (عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ) . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَعَ تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَاطِبٍ فِي مَعْذِرَتِهِ لِمَا كَانَ عِنْدَ عُمَرَ مِنْ قُوَّةٍ فِي الدِّينِ وَبُغْضِ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى النِّفَاقِ، وَظَنَّ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ .

стр. 8677

اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْذَنَ فِي قَتْلِهِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ مُنَافِقًا لِكَوْنِهِ أَبْطَنَ خِلَافَ مَا أَظْهَرَ، وَعُذْرُ حَاطِبٍ مَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا وَلَا ضَرَرَ فِيهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهُ ") ، أَيْ: حَاطِبًا (قَدْ شَهِدَ بَدْرًا) أَيْ: حَضَرَهُ (" وَمَا يُدْرِيكَ ") ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَتْلِ (" لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ ") : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَقْبَلَ (" عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ") : وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ نَظَرَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ (" فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ") ، أَيْ: مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَفْعَالِ النَّافِلَةِ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً (" قَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ ") . أَيْ: ثَبَتَتْ أَوْ وَجَبَتْ بِمُوجِبِ إِيجَابِي مِنَ الْوَعْدِ الْوَاجِبِ وُقُوعَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى التَّرَجِّي فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى عُمَرَ ﵁ لِأَنَّ وُقُوعَ هَذَا الْأَمْرِ مُحَقَّقٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُوثِرَ عَلَى التَّحْقِيقِ بَعْثًا لَهُ عَلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ، فَلَا يَقْطَعُ الْأَمْرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ انْتَهَى. وَالْأَقْرَبُ أَنَّ ذِكْرَ لَعَلَّ لِئَلَّا يَتَّكِلَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا عَلَى ذَلِكَ وَيَنْقَطِعَ عَنِ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِظْهَارُ الْعِنَايَةِ لَا التَّرَخُّصِ لَهُمْ فِي كُلِّ فِعْلٍ، بَلِ الْحَدِيثُ الْآتِي عَنْ حَفْصَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي مَقَامِ الرَّجَاءِ لَا فِي حَالِ الْقَطْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِي رِوَايَةٍ: " فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ") : وَهِيَ أَرْجَى مِمَّا قَبْلَهَا كَمَا لَا يَخْفَى، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلَوْ تَوَجَّهَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَدٌّ أَوْ غَيْرُهُ أُقِيمَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِسْطَحٍ حَدَّ الْفِرْيَةِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَوَازُ هَتْكِ أَسْتَارِ الْجَوَاسِيسِ وَقِرَاءَةِ كُتُبِهِمْ، وَفِيهِ هَتْكُ سِتْرِ الْمُفْسِدِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، أَوْ كَانَ فِي السِّتْرِ مَفْسَدَةٌ، وَمَا فَعَلَهُ حَاطِبٌ كَانَ كَبِيرَةً قَطْعًا ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِيذَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ: أَنَّهُ لَوِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مُتَضَمِّنَةً لِأَذَى النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ كُفْرًا، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ إِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ أَذَى الْكُفَّارِ عَنْ قَرَابَتِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ النَّبِيَّ ﷺ هَذَا الْإِبْلَاغُ، وَقَدْ صَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ نَعَمْ قَصُرَ فِي اجْتِهَادِهِ حَيْثُ أَخْفَى أَمْرَهُ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ مِنْهُ ﷺ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ [الممتحنة: ١] ، أَيِ: الَّذِينَ أُعَادِيهِمْ وَعَدُوَّكُمْ، أَيِ: الَّذِينَ يُعَادُونَكُمْ وَهُمُ الْكُفَّارُ أَوْلِيَاءَ أَيْ: أَحِبَّاءَ وَمَا بَعْدَهُ: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ - إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ - لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ - قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١ - ٤] الْآيَةَ. وَإِنَّمَا عَمَّ الْخِطَابُ لَيَدْخُلَ فِيهِ أَمْثَالُ حَاطِبٍ، وَلِذَا قِيلَ فِيهِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8678

٦٢٢٦ - وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢٢٦ - (وَعَنْ رِفَاعَةَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (ابْنِ رَافِعٍ) يُكَنَّى أَبَا مُعَاذٍ الزُّرَقِيَّ الْأَنْصَارِيَّ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ، مَاتَ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عُبَيْدٌ وَمُعَاذٌ وَابْنُ أَخِيهِ يَحْيَى بْنُ خَلَّادٍ (قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ) ، أَيْ: جِبْرِيلُ (مَا تَعُدُّونَ) بِضَمِّ عَيْنٍ وَتَشْدِيدِ دَالٍ أَيْ مَا تَعْتَبِرُونَ (أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ) وَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لَهُ وَلِمَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْفَضْلِ تَحْسَبُونَهَا لِأَهْلِ بَدْرٍ (قَالَ مِنْ) أَيْ: هُمْ مِنْ (أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا) وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا هُمْ أَفْضَلُ الْمُسْلِمِينَ (قَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ عِنْدَنَا حُكْمُ (مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ: هُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ مِنْهُمْ فَيَكُونُونَ أَفْضَلَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مِنْ أَفَاضِلِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مِمَّنْ يَعُدُّونَ لِيُطَابِقَهُ الْجَوَابُ وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَتَى بِ (مَا) بَدَلَ مَنْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: سُبْحَانَ مَا سَخَّرَكُنَّ لَنَا. انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِ إِفَادَةِ التَّعْظِيمِ مِنَ الْعُدُولِ مِنْ مَنْ إِلَى مَا وَإِنَّمَا جَاءَ مَنْ فِي مَوَاضِعَ بِمَعْنَى مَنْ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْوَصْفُ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8679

٦٢٢٧ - وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ". قَالَ: فَلَمْ تَسْمَعِيهِ يَقُولُ: " ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] ". وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدُ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٢٢٧ - (وَعَنْ حَفْصَةَ) أَيْ بِنْتِ عُمَرَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ) بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْكُمْ) أَيْ مَا مِنْكُمْ (إِلَّا وَارِدُهَا) أَيْ مَارٌّ بِهَا أَوْ حَاضِرُهَا وَكَانَتْ حَفْصَةُ ظَنَّتْ أَنَّ مَعْنَى وَارِدِهَا دَاخِلُهَا (قَالَ: فَلَمْ تَسْمَعِيهِ) أَيْ أَفَلَمْ تَسْمَعِي كَلَامَ اللَّهِ (يَقُولُ) أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) أَيْ مِنَ الدُّخُولِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: فَيُنَجِّي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ بِفَضْلِهِ عَنْهَا فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَيَتْرُكُ الْكَافِرِينَ فِيهَا بِعَدْلِهِ. انْتَهَى. وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الطِّيبِيِّ يَعْنِي: أَرَدْتُ بِقَوْلِي أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ دُخُولًا يُعَذَّبُ فِيهَا وَلَا نَجَاةَ لَهُ مِنْهَا. انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُ مَا اخْتَرْنَاهُ سَابِقًا مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُرُودِ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى جَهَنَّمَ فَيَقَعُ فِيهَا أَهْلُهَا وَيَنْجُو الْآخَرُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. قُلْتُ: تَأَمَّلْنَا كَثِيرًا فَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ أَرْجَحِيَّتِهِ وَلَا قَدْرًا يَسِيرًا، بَلْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَعْنَى الثَّانِيَ أَبْلَغُ وَأَتَمُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ جَوَازُ الْمُنَاظَرَةِ وَالِاعْتِرَاضِ وَالْجَوَابُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْشَادِ وَهُوَ مَقْصُودُ حَفْصَةَ لَا أَنَّهَا أَرَادَتْ رَدَّ مَقَالَتِهِ ﷺ . قُلْتُ: وَفِي تَسْمِيَتِهِ مُنَاظِرَةٌ وَاعْتِرَاضٌ وَجَوَابٌ لَا يَخْلُو عَنْ سُوءِ أَدَبٍ يُرْجَى مُسَامَحَتُهُ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهَا اسْتَشْكَلَتْ مَعْنَى الْحَدِيثِ حَيْثُ ظَاهِرُهُ عَلَى ظَنِّهَا غَيْرُ مُوَافِقٍ لِلْآيَةِ، فَسَأَلَتْ سُؤَالَ اسْتِرْشَادٍ لَا سُؤَالَ اعْتِرَاضٍ، كَمَا هُوَ طَرِيقُ أَرْبَابِ الْمُنَاظَرَةِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى أَيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ أَنْ يَسْأَلَ وَاحِدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] إِنَّمَا تُسَمَّى بِالْمُنَاظَرَةِ الْمُبَاحَثَةُ وَالْمُجَادَلَةُ بَيْنَ النُّظَرَاءِ وَالْأَمْثَالِ فِي الْمُعَاصَرَةِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - أَحَدُ - الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا ") : بَيَانٌ لِأَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَوْ بَدَلٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَقَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ مُسْنَدِ حَفْصَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ فِيهِ مِنْ مُسْنَدِ أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ حَفْصَةَ يَقُولُ: " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدُ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا " فَقَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَانْتَهَرَتْهَا حَفْصَةُ فَقَالَتْ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَقَالَ ﷺ : قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] » هَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ حَدِيثُ حَفْصَةَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ، بَلْ هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مُبَشِّرٍ، نَعَمْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - مِنْ طَرِيقِ أُمِّ مُبَشِّرٍ عَنْ حَفْصَةَ كَمَا هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ، وَكَذَا رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، هَذَا مُحَصَّلُ مَا أَوْرَدَهُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَرْوِيٌّ عَنْ حَفْصَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَصَحَّ إِسْنَادُهُ إِلَيْهِ.

стр. 8680

٦٢٢٨ - «وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٢٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) : قَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ (قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : " أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ ") : وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ السُّيُوطِيُّ: إِنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ ثُمَّ أَهْلُ أُحُدٍ ثُمَّ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8681

٦٢٢٩ - وَعَنْهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَصْعَدِ الثَّنِيَّةَ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَهَا خَيْلُنَا خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ، ثُمَّ تَتَامَّ النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، فَأَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ ; لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنِ أَقْرَأَ عَلَيْكَ فِي بَابٍ بَعْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ» . ــ ٦٢٢٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ جَابِرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يَصْعَدِ الثَّنِيَّةَ ") : بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ مَجْزُومٌ حُرِّكَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَالثَّنِيَّةُ هِيَ الطَّرِيقُ الْعَالِي فِي الْجَبَلِ، وَقَوْلُهُ: (" ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ ") : بِالنَّصْبِ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَالْمُرَارُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَكْسِرُهَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا حَثَّهُمْ عَلَى صُعُودِهَا لِأَنَّهَا عَقَبَةٌ شَاقَّةٌ وَصَلُوا إِلَيْهَا لَيْلًا حِينَ أَرَادُوا مَكَّةَ سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَرَغَّبَهُمْ فِي صُعُودِهَا بِقَوْلِهِ: (" فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُوضَعُ عَنْهُ (" مَا حُطَّ ") ، أَيْ: مِثْلَ مَا وُضِعَ (" عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ") ، أَيْ: لَوْ قَالُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] أَيْ حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا حِطَّةً (فَكَانَ) : بِالْفَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ وَكَانَ (أَوَّلَ مَنْ صَعِدَهَا خَيْلُنَا) : بِالرَّفْعِ وَأُبْدِلَ مِنْهُ (خَيْلُ بَنِي الْحَزْرَجِ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ خَيْلُنَا أَوَّلَ خَيْلِ مَنْ صَعِدَهَا (ثُمَّ تَتَامَّ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ تَفَاعَلَ مِنَ التَّمَامِ أَيْ تَتَابَعَ النَّاسُ وَجَاءُوا كُلُّهُمْ وَتَمُّوا. وَالْمَعْنَى صَعِدَ الثَّنِيَّةَ كُلُّهُمْ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ» ") : وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَئِيسُ الْمُنَافِقِينَ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ نَحْوُ جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا حِمَارًا (فَأَتَيْنَا، فَقُلْنَا تَعَالَ) ، أَيْ: إِلَى الْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ (يَسْتَغْفِرْ) : بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ، فَالتَّقْدِيرُ لِأَنْ يَسْتَغْفِرَ (لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي) ، أَيْ: مِنْ جَمَلٍ أَوْ خَيْلٍ (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ) . وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ مِنْهُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ - سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥ - ٦] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . (وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﵊ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ") ، أَيِ: الْقُرْآنَ قِرَاءَةَ الْمُعَلِّمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ تَعْلِيمًا لَهُ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَرْتَبَةٌ جَسِيمَةٌ حَيْثُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَتَعْظَّمَ ذِكْرُهُ مَيَّزَهُ عَنْ أَقْرَانِهِ بِإِقْرَاءِ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ رَئِيسُ الْقُرَّاءِ (فِي بَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ) . مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ذَكَرَ.

стр. 8682

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٢٣٠ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي مِنْ أَصْحَابِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ. وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ: مَا حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ) بَدَلَ (وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٢٣٠ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ ") : بِصِيغَةِ الْمُثَنِّيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: الَّذِينَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَلَعَلَّهُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ (" مِنْ بَعْدِي ") ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَوْتِي أَوْ مِنْ بَعْدِ الِاقْتِدَاءِ بِي (" مِنْ أَصْحَابِي ") . أَيْ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِي (" أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ") ، بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِلَّذَيْنَ (" وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ ") ، أَيْ سِيرُوا بِسَيْرِهِ، وَكَانَ الِاقْتِدَاءُ أَعَمَّ مِنَ الِاهْتِدَاءِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ، بِخِلَافِ الِاهْتِدَاءِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْفِعْلِ (وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ ") أَيْ بِوَصِيَّةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَوْلِهِ، وَلِذَا يَخْتَارُ إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ رِوَايَتَهُ وَقَوْلَهُ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ لِكَمَالِ فَقَاهَتِهِ وَنُصْحِ وَصِيَّتِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ عَهْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مَا يُعْهَدُ إِلَيْهِ فَيُوصِيهِمْ بِهِ، وَأَرَى أَشْبَهَ الْأَشْيَاءِ بِمَا يُرَادُ مِنْ عَهْدِهِ أَمْرَ الْخِلَافَةِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ شَهِدَ بِصِحَّتِهَا وَأَشَارَ إِلَى اسْتِقَامَتِهَا مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا الدَّلِيلَ فَقَالَ: لَا نُؤَخِّرُ مَنْ قَدَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا نَرْضَى لِدُنْيَانَا مَنِ ارْتَضَاهُ لِدِينِنَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْمُنَاسَبَةُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ أَوَّلِ الْحَدِيثِ وَآخِرِهِ، فَفِي أَوَّلِهِ: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعَدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَفِي آخِرِهِ: وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْلُهُ

стр. 8683

(وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ: " «مَا حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ» ) : وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَسَرَّ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْخِلَافَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ الِاسْتِدْرَاكُ الَّذِي أَوْصَلَهُ بِحَدِيثِ الْخِلَافَةِ فَقَالَ: لَوِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ فَعَصَيْتُمُوهُ عُذِّبْتُمْ، وَلَكِنْ مَا حَدَّثَكُمْ حُذَيْفَةُ فَصَدِّقُوهُ، وَحُذَيْفَةُ هُوَ الَّذِي يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي " وَلَمْ أَرَ فِي التَّعْرِيضِ بِالْخِلَافَةِ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْضَحَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَلَا أَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: " «سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» " ﵁ ثُمَّ قَوْلُهُ: (بَدَلَ: " وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ ") . الظَّاهِرُ بَدَلَ تَمَسَّكُوا فَإِنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . الرِّوَايَةُ الْأُولَى رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَهُوَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، لَكِنْ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ. فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي» " وَأَشَارَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ " «وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ، وَمَا حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ» ". وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ. أَقُولُ: وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ - وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ - ثُمَّ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي الْمِشْكَاةِ وَقَالَ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالرُّويَانِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ.

стр. 8684

٦٢٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لَأَمَّرْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٦٢٣١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا ") : وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ (أَحَدًا) عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُهُ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: جَاعِلُ أَحَدٍ أَمِيرًا يَعْنِي أَمِيرَ جَيْشٍ بِعَيْنِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَوْ كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا (" مِنْ غَيْرِ مَشْوَرَةٍ ") ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ وَالْوَجْهَانِ فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ: مَشُورَةٌ مَفْعُلَةٌ لَا مَفْعُولَةٌ يَعْنِي كَمَقُولَةٍ (" لَأَمَّرْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا عَلَى أُمَّتِي أَحَدًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْهُمْ، لَأَمَّرْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ» ". قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُئَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ مُجِيبَتُهُ أَرَادَ بِهِ تَأْمِيرَهُ عَلَى جَيْشٍ بِعَيْنِهِ أَوِ اسْتِخْلَافَهُ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِمَكَانٍ وَلَهُ الْفَضَائِلُ الْجَمَّةُ وَالسَّوَابِقُ الْجَلَّةُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.

стр. 8685

٦٢٣٢ - وَعَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَيَسَّرَ لِي أَبَا هُرَيْرَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَوُفِّقْتَ لِي. فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، جِئْتُ أَلْتَمِسُ الْخَيْرَ وَأَطْلُبُهُ. فَقَالَ: أَلَيْسَ فِيكُمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ مُجَابُ الدَّعْوَةِ؟ وَابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبُ طَهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَعْلَيْهِ؟ وَحُذَيْفَةُ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَعَمَّارٌ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ؟ وَسَلْمَانُ صَاحِبُ الْكِتَابَيْنِ؟ يَعْنِي: الْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٢٣٢ - (وَعَنْ خَيْثَمَةَ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ (ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ) ، بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ خَيْثَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ، وَكَانَ خَيْثَمَةُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ سَمِعَ عَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُمَا، وَعَنْهُ الْأَعْمَشُ وَمَنْصُورٌ وَعُرْوَةُ بْنُ مُرَّةَ، وَوَرِثَ مِائَتَيْ أَلْفٍ فَأَنْفَرَهُمَا عَلَى الْعُلَمَاءِ. (قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ) ، أَيْ: يُسَهِّلَ (لِي جَلِيسًا صَالِحًا) . أَيْ مُجَالِسًا يَصْلُحُ أَنْ يُجْلَسَ مَعَهُ وَيُسْتَفَادَ مِنْ مُجَالَسَتِهِ (فَيَسَّرَ لِي أَبَا هُرَيْرَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَوُفِّقْتَ لِي) . أَيْ جُعِلْتَ أَنْتَ مُوَافِقًا لِي وَاتَّفَقَ لِي
следующие страницы →