← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8182

الفروق للكرابيسي

الكرابيسي

Полный текст (659 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَيْضُ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الْحَيْضِ لَا يَكُونُ حَيْضًا بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ حَاضَتْ يَوْمًا ثُمَّ مَاتَتْ فَإِنَّهُ لَا يُجْعَلُ ذَلِكَ الْيَوْمُ حَيْضًا فَبِرُؤْيَةِ الدَّمِ لَمْ يَحْصُلْ الِاسْمُ، وَيَحْصُلُ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ الِاسْمُ، وَيَجُوزُ أَلَّا يَحْصُلَ الِاسْمُ؛ فَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ. وَإِنْ شِئْتَ عَبَّرْتُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَقُلْتُ بِأَنَّ الطُّهْرَ هُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِدَامَةٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا وُجِدَ الِانْقِطَاعُ، فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ فَحَنِثَ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ فِي مُضِيِّهِ شَهْرًا تَامًّا إلَى اسْتِدَامَتِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَصُومَ، فَأَصْبَحَ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ وَأَمْسَكَ حَنِثَ لِهَذَا الْمَعْنَى، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَيْضُ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ مَعْنًى مُمْتَدٌّ فَمَا لَمْ يُوجَدْ جَمِيعُهُ لَا يَحْصُلُ الِاسْمُ، فَلَا يَحْنَثُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ صَلَّيْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَمَا لَمْ يُصَلِّ رَكْعَةً وَيَعْقِدْهَا بِسَجْدَةٍ لَا يَحْنَثُ. وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الطُّهْرَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ، فَقَدْ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهَا مَا يُوجِبُ تَصْدِيقَهَا فَصَدَقَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي حُرَّةٌ إلَّا الْأَبْكَارَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: هُنَّ أَبْكَارٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.

стр. 177

وَأَمَّا الْحَيْضُ فَلَيْسَ هُوَ أَصْلَ الْخِلْقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْنًى طَارِئٌ، فَلَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ الْقَوْلِ مَا يُوجِبُ تَصْدِيقَهُ وَثُبُوتَهُ؛ فَلَا يَثْبُتُ. ٢٢٤ - إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا، أَوْ إنْ شِئْتِ، فَجَاءَ غَدٌ قَبْلَ أَنْ تَشَاءُ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ شَاءَتْ السَّاعَةَ وَقَعَ الطَّلَاقُ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ إنْ جَاءَ زَيْدٌ، فَإِنْ جَاءَ غَدٌ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ زَيْدٌ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ. وَالْفَرْقُ: أَنَّهُ الْتَزَمَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِوُجُودِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، إمَّا بِمَشِيئَتِهَا أَوْ بِمَجِيءِ الْغَدِ، وَحِينَ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا. بَطَلَ خِيَارُهَا، فَلَوْ لَمْ تُوقِعْهُ فِي الْغَدِ لَأَبْطَلَتْ مَا الْتَزَمَهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَفِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ إنْ جَاءَ فُلَانٌ، الْتَزَمَ الطَّلَاقَ بِأَحَدِهِمَا، وَلَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ، وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ مَا الْتَزَمَهُ. وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ إنْ شِئْتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْلِفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْلِيكٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَلَمَّا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا لَمْ يَصِرْ الْأَمْرُ بِيَدِهَا وَوَقَعَ الطَّلَاقُ مُؤَقَّتًا بِالْغَدِ.

стр. 178

وَفِي قَوْلِهِ: إنْ جَاءَ فُلَانٌ، شَرْطٌ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ فَقَدْ وَقَّتَ الطَّلَاقَ بِوَقْتٍ وَعَلَّقَهُ بِشَرْطٍ قَبْلَهُ، فَبَطَلَ التَّوْقِيتُ وَتَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ؛ تَعَلَّقَ بِالدُّخُولِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٢٥ - إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا، فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَرِضَ مَرَضَ مَوْتِهِ، فَقَالَ: عَنَيْتُ هَذِهِ؛ لَمْ يُصَدَّقْ وَوَرِثَتَاهُ. وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ: عَنَيْتُ هَذَا، لِأَكْثَرِهِمَا قِيمَةً فِي مَرَضِ مَوْتِهِ؛ صُدِّقَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ لَمْ يُوجِبْ انْقِطَاعَ إرْثِ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَلَمْ يُبِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ بِالْبَيَانِ صَارَ قَاصِدًا قَطْعَ حَقِّ إحْدَى الْوَرَثَةِ، وَنَافِعًا لِلْأُخْرَى فَلَحِقَتْهُ التُّهْمَةُ فَلَا يَنْقَطِعُ كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ابْتِدَاءً. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ، لِأَنَّهُ بِالْبَيَانِ لَمْ يَصِرْ قَاصِدًا قَطْعَ حَقِّ أَحَدِ الْوَرَثَةِ، وَاسْتِحْقَاقَ الْآخَرِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ وَارِثٍ، وَإِذَا لَمْ يَصِرْ قَاصِدًا قَطْعَ حَقِّ أَحَدِ الْوَرَثَةِ لَمْ تَلْحَقْهُ التُّهْمَةُ فِيهِ فَصَحَّ بَيَانُهُ. ٢٢٦ - إذَا قَالَ: الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً طَلُقَتْ ثَلَاثًا. وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَأَشَارَ إلَيْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ تَطْلُقْ.

стр. 179

وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَرَّفَهَا بِالنِّكَاحِ، وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا، وَالتَّعْرِيفُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّكَاحِ، فَصَارَ التَّزْوِيجُ شَرْطًا وَالطَّلَاقُ مُضَافٌ إلَى الْمِلْكِ، فَإِذَا وُجِدَ وَقَعَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَهَا بِالْإِشَارَةِ فَلَمْ يَكُنْ التَّزْوِيجُ تَعْرِيفًا وَشَرْطًا، فَصَارَ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ فِي الْحَالِ، وَلَا يَمْلِكُهَا فَلَا يَقَعُ. وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ: هَذِهِ إشَارَةٌ، وَقَوْلَهُ: الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا صِفَةٌ فَقَدْ وَصَفَ إشَارَةً، وَالْإِشَارَةُ أَوْلَى مِنْ الصِّفَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ طَالِقٌ، وَأَشَارَ إلَى قَبِيحَةٍ؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى الْقَبِيحَةِ دُونَ الْحَسْنَاءِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ طَالِقٌ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ؛ فَلَا يَقَعُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا، وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهَا، فَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالْوَصْفِ، وَالْوَصْفُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْحَالِ، فَصَارَ مُوجِبًا الطَّلَاقَ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ وَقَعَ، كَمَا لَوْ قَالَ: الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْقَبِيحَةِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٢٧ - لَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ نِسَاءً أَبَدًا فَهِيَ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتَزَوَّجَ ثَلَاثًا. وَلَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ النِّسَاءَ أَبَدًا فَهِيَ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً طَلُقَتْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ نِسَاءً جَمْعٌ مُنَكَّرٌ، وَأَقَلُّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ ثَلَاثٌ، فَيُقَالُ امْرَأَةً وَامْرَأَتَيْنِ وَنِسَاءً، فَإِذَا تَزَوَّجَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الِاسْمِ فَلَا يَقَعُ.

стр. 180

وَإِذَا قَالَ: النِّسَاءَ فَقَدْ أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى الْجَمْعِ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلتَّعْرِيفِ أَوْ لِلْمَعْهُودِ أَوْ لِلْجِنْسِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعْرِيفِ أَوْ لِلْمَعْهُودِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا مَعْهُودٌ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ أَوْ لِوَاحِدَةٍ مِنْ آحَادِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ اسْتِغْرَاقُ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ لُزُومَ حُكْمِ يَمِينِهِ؛ إذْ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مِنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَتَأَتَّى مِنْهُ لِيَصِحَّ الْمَنْعُ بِعَقْدِهِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَحُمِلَ عَلَى أَقَلِّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْمِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ فَشَرِبَ شَرْبَةً حَنِثَ، كَذَلِكَ هَذَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْ الْجِنْسِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ.

стр. 181

إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ يَمْلِكُهَا: إنْ نَكَحْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَتَزَوَّجَهَا؛ حَنِثَ. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ يَمْلِكُهَا: إنْ نَكَحْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَأَبَانَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ وَطِئَهَا حَنِثَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ النِّكَاحَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْعَقْدُ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ، فَإِذَا أُطْلِقَ وَجَبَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى الْمُمْكِنِ الْمُتَأَتِّي فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، انْصَرَفَ إلَى مَا يَحْتَاجُ مِنْهَا مِنْ الثَّمَرَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَا أَطَأُ هَذَا الْبِسَاطَ، انْصَرَفَ إلَى الْوَطْءِ بِالرِّجْلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَأَتِّي فِيهِ، كَذَلِكَ هَذَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِمَنْكُوحَةٍ نِكَاحًا فَاسِدًا: إنْ طَلَّقْتُكِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى التَّلَفُّظِ بِهِ؛ إذْ هُوَ الْمُتَأَتِّي فِيهَا دُونَ الْإِيقَاعِ وَالْمُمْكِنُ الْمُتَأَتِّي فِي الْأَجْنَبِيَّةِ الْعَقْدُ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ عَقَدْتُ عَلَيْكِ وَتَزَوَّجْتُكِ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا حَنِثَ، وَإِذَا وَطِئَهَا لَمْ يَحْنَثْ. وَالْمُمْكِنُ الْمُتَأَتِّي فِي الزَّوْجَةِ الْوَطْءُ؛ إذْ الْمَنْكُوحَةُ لَا تُنْكَحُ ثَانِيًا، فَصَارَ كَأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ: إنْ وَطِئْتُكِ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا لَمْ يَحْنَثْ. وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّهُ قَصَدَ بِيَمِينِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا لَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْهُ بِالشَّرْعِ، حَتَّى يَقَعَ الْمَنْعُ بِعَقْدِهِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلَوْ صَرَفْنَا إلَى مَا يَكُونُ مَمْنُوعًا بِالشَّرْعِ لَمْ يَقَعْ الْمَنْعُ بِعَقْدِهِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِالشَّرْعِ عَنْ الْعَقْدِ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَانْصَرَفَ يَمِينُهُ إلَى الْوَطْءِ. وَفِي الْأَجْنَبِيَّةِ مَمْنُوعٌ بِالشَّرْعِ مِنْ الْوَطْءِ، فَانْصَرَفَ إلَى الْعَقْدِ، فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ وَقَالَ: لَا أَعْقِدُ، فَإِذَا وَطِيءَ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِذَا عَقَدَ حَنِثَ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 182

إذَا قَالَ: إنْ دَخَلَ دَارِيَ هَذِهِ أَحَدٌ فَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، فَدَخَلَهَا هُوَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلَ دَارَكَ هَذِهِ أَحَدٌ فَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، فَدَخَلَهَا الْحَالِفُ حَنِثَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ دُخُولٌ مُنَكَّرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَحَدٌ نَكِرَةٌ وَهُوَ قَدْ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِإِضَافَةِ الدَّارِ إلَيْهِ، وَالْمَعْرِفَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ النَّكِرَةِ؛ لِأَنَّ فِي التَّعْرِيفِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى النَّكِرَةِ، وَهُوَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ، وَالنَّكِرَةُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدٌ، وَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَدْخُلُ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَلَا تَدْخُلُ فِي النَّكِرَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرُ دَاخِلًا فِي الْأَقَلِّ، وَإِذَا اسْتَحَالَ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ انْصَرَفَ النَّهْيُ إلَى غَيْرِهِ؛ فَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ دَخَلَ دَارَكَ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَ صَاحِبَ الدَّارِ بِإِضَافَةِ الدَّارِ إلَيْهِ، وَلَمْ يُعَرِّفْ نَفْسَهُ فَبَقِيَ هُوَ مُنَكَّرًا، وَقَدْ بَقِيَ دُخُولُ الْمُنَكَّرِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّكِرَةِ، فَإِذَا دَخَلَ وُجِدَ شَرْطُ حِنْثِهِ؛ فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ. ٢٣٠ - إذَا قَالَ لَهُ رَجُلٌ: تَغَدَّ عِنْدِي الْيَوْمَ، فَقَالَ: إنْ تَغَدَّيْت فَعَبْدُهُ حُرٌّ، أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، فَانْصَرَفَ إلَى بَيْتِهِ، وَتَغَدَّى؛ لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ قَالَ: إنْ تَغَدَّيْت الْيَوْمَ فَعَبْدُهُ حُرٌّ، فَتَغَدَّى فِي بَيْتِهِ؛ حَنِثَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُضِيفَ عَيَّنَ غَدَاءً وَدَعَا إلَيْهِ، فَانْصَرَفَ إلَى ذَلِكَ الْغَدَاءِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أَتَغَدَّى هَذَا الْغَدَاءَ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ هَمَّ يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَقَالَ

стр. 183

وَاحِدٌ: هَبْنِي ضَرْبَهُ، فَقَالَ: إنْ أَنَا وَهَبْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ، انْصَرَفَ إلَى ذَلِكَ الضَّرْبِ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ تَغَدَّيْتُ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْجَوَابِ فَصَارَ عَادِلًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ بِأَوْجَزَ مِنْهُ وَهُوَ أَلَّا يَذْكُرَ الْيَوْمَ، فَصَارَ مُبْتَدَأً يَمِينًا، فَلَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ جَوَابًا لَهُ، وَلَوْ ابْتَدَأَ فَقَالَ: إنْ تَغَدَّيْتُ الْيَوْمَ فَعَبْدُهُ حُرٌّ، فَتَغَدَّى فِي بَيْتِهِ؛ حَنِثَ، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٣١ - إذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ كَلَّمَ فُلَانًا، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى طَلُقَتْ الَّتِي تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْكَلَامِ، وَلَا تَطْلُقُ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ. وَلَوْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَكُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ كَلَّمَ فُلَانًا، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى؛ فَإِنَّ الْأَخِيرَةَ تَطْلُقُ، وَلَا تَطْلُقُ الْأُولَى. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: كُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: فَهِيَ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا يَمِينٌ فَقَدْ شَرَطَ شَرْطًا وَأَجَابَ عَنْهُ بِيَمِينٍ، فَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَزِمَهُ قَوْلُهُ: هِيَ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا، فَإِذَا كَلَّمَهُ حَنِثَ وَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ، فَإِذَا انْحَلَّ فَمَا تَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ الْكَلَامِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ.

стр. 184

وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: فَكُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا يَمِينٌ، فَقَدْ شَرَطَ شَرْطًا أَجَابَ عَنْهُ بِيَمِينٍ، فَعِنْدَ وُجُودِ الْمُكَالَمَةِ لَزِمَهُ قَوْلُهُ: كُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَلَا يَقَعُ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ قَبْلَهُ، كَذَلِكَ هَاهُنَا يَقَعُ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ بَعْدَ الْكَلَامِ، وَلَا يَقَعُ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ الْيَمِينِ بِالشَّرْطِ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ لَا يَلْزَمُهُ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ جَوَابًا بِالشَّرْطِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ لَا يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ، كَذَلِكَ هَذَا، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ لَمْ تَطْلُقْ مَا تَزَوَّجَ قَبْلَ الْكَلَامِ. ٢٣٢ - وَلَوْ قَالَ: عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ أَبَدًا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ تَكَلَّمْتُ أَوْ قُمْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ الْأُولَى، وَعَتَقَ عَبْدُهُ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ؛ لَمْ يُعْتَقْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: إنْ تَكَلَّمْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ. شَرْطٌ وَجَزَاءٌ، فَصَارَ يَمِينًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ حَرْفِ الشَّرْطِ فَكَانَ يَمِينًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ شِئْتِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ وَلَيْسَ بِتَعْلِيقِ طَلَاقٍ بِالشَّرْطِ؛ فَكَانَ يَمِينًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ حَرْفِ الشَّرْطِ بِأَنْ يَقُولَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ

стр. 185

تَعْلِيقًا لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَلِهَذَا قُلْنَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إذَا حِضْتِ وَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتِقُ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا تَفْسِيرُ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ حَرْفِ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ حَالِفًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا؛ فَلَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا جَاءَ غَدٌ؛ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، فَصَارَ تَعْلِيقًا لَا تَوْقِيتًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكِ هَذِهِ الدَّارَ غَدًا؛ جَازَ، وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ أَجَّرْتُكِ هَذِهِ الدَّارَ؛ لَمْ يَجُزْ لِهَذَا الْمَعْنَى. فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَالَ: إنْ شِئْتُ أَنَا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ لَا يَحْنَثُ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ. قُلْنَا: هُوَ تَمْلِيكٌ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا لَا يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَجْلِسُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْمَشِيئَةُ، لَا مَجْلِسُ الزَّوْجِ، فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُوجِبُ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْمَشِيئَةُ أَبْطَلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُوجِبُ لِلْمَشِيئَةِ؛ فَلَا يُعْتَبَرُ. ٢٣٣ - إذَا قَالَ: إنْ وَلَدْتُمَا وَلَدًا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، فَوَلَدَتْ إحْدَاهُمَا طَلُقَتَا وَلَوْ قَالَ: إنْ وَلَدْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، فَوَلَدَتْ إحْدَاهُمَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَلِدَ الْأُخْرَى. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى وِلَادَةِ وَلَدٍ وَاحِدٍ، فَصَارَ شَرْطُ يَمِينِهِ

стр. 186

مُنْصَرِفًا إلَى مَا يُمْكِنُ، وَالْمُمْكِنُ وِلَادَةُ إحْدَاهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الْفِعْلُ إلَى اثْنَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَحَدُهُمَا كَقَوْلِهِ : ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَقَالَ الْحَجَّاجُ: يَا حَبَشِيُّ اضْرِبَا عُنُقَهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا وَلَدَتْ إحْدَاكُمَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إذَا وَلَدْتُمَا، وَلَمْ يَقُلْ وَلَدًا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِمَا، وَحَقِيقَةُ الْفِعْلِ مِنْهُمَا مُمْكِنٌ، وَالْفِعْلُ إذَا أُضِيفَ إلَى اثْنَيْنِ اقْتَضَى اشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، كَدُخُولِ الدَّارِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحِنْثِ، وَهُوَ وُجُودُ الْوِلَادَةِ مِنْهُمَا؛ فَلَا يَحْنَثُ. ٢٣٤ - إذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ صَغِيرَتَانِ مُرْضِعَتَانِ فَقَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ لَا يَنْوِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَةٌ فَأَرْضَعَتْهُمَا؛ فَقَدْ بَانَتَا، فَجُعِلَ الطَّلَاقُ فِي الذِّمَّةِ، وَبَقَاءُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، حَتَّى قَالَ: فَسَدَ نِكَاحُهُمَا؛ إذْ لَوْ بَانَتْ إحْدَاهُمَا لَمَا حُرِّمَتَا بِالرَّضَاعِ، كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَتُهُ وَأَجْنَبِيَّةٌ.

стр. 187

وَقَدْ قَالَ فِي النِّكَاحِ: لَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ كُوفِيَّاتٍ ثُمَّ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ مَكِّيَّةً جَازَ نِكَاحُهَا، فَجُعِلَ الطَّلَاقُ وَاقِعًا هَاهُنَا. فَمِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ: رِوَايَتَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إحْدَاهُمَا عَلَى الْخِلَافِ، وَقَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَذَاكَ قَوْلُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الَّذِي ذَكَرْتُ فِيهَا وُجُوهَ الرِّوَايَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَقَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ مَكِّيَّةً فَقَدْ فَعَلَ مَا دَلَّ عَلَى صَرْفِ الطَّلَاقِ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى الْعَيْنِ وَهُوَ تَزَوُّجُهَا، وَلَهُ صَرْفُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: صَرَفْتُ الطَّلَاقَ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى الْعَيْنِ، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا ثُمَّ تَزَوَّجَ خَامِسَةً جَازَ، كَذَا هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا دَلَّ عَلَى صَرْفِ الطَّلَاقِ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا وَغَيْرُهُ أَرْضَعَهُمَا فَلَمْ يَصِرْ مُعَيَّنًا، فَبَقِيَ حُكْمُ الْعَقْدِ، فَصَارَتَا أُخْتَيْنِ فَفَسَدَ النِّكَاحُ. ٢٣٥ - إذَا خَلَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَيْسَ فِي يَدِهَا شَيْءٌ؛ فَعَلَيْهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَقَبِلَهُ الْعَبْدُ، وَلَيْسَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لَزِمَهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبُضْعَ لَيْسَ بِمَالٍ فِي خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الزَّوْجِ، وَيَجُوزُ عَقْدُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْبَدَلِ، وَجَهَالَةُ الْبَدَلِ لَا تَمْنَعُ صِحَّتَهُ فَصَحَّ الْعَقْدُ، وَقَدْ

стр. 188

الْتَزَمَتْ تَسْلِيمَ دَرَاهِمَ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَزِمَهَا أَقَلُّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْمِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ مَالٌ فِي خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى، فَصَارَ هَذَا مَالًا مَجْهُولًا بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْبَدَلَ لَزِمَهُ رَدُّ قِيمَتِهِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّدِّ كَالْمَبِيعِ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِدَرَاهِمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَهَا وَقَبَضَهُ كَانَ مَضْمُونًا بِقِيمَتِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. فَإِنْ قِيلَ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَقَدْ الْتَزَمَتْ تَسْلِيمَ بَعْضِ الدَّرَاهِمِ، فَلِمَاذَا يَلْزَمُهَا الثَّلَاثَةُ. قُلْنَا إنَّ التَّبْعِيضَ هَاهُنَا يَقَعُ فِي الْجِنْسِ لَا فِي الْعَدَدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهَا: اخْلَعْنِي عَلَى مَا فِي يَدَيَّ، وَلَمْ تَقُلْ مِنْ الدَّرَاهِمِ دَخَلَ فِيهِ الدَّرَاهِمُ وَغَيْرُ الدَّرَاهِمِ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَلَمَّا قَالَتْ: مِنْ الدَّرَاهِمِ فَقَدْ بَيَّنَتْ جِنْسًا مِنْ الْأَمْوَالِ، فَصَارَ التَّبْعِيضُ لِلْجِنْسِ لَا لِعَدَدٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ التَّبْعِيضُ فِي الدَّرَاهِمِ فَلَزِمَهَا أَقَلُّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْمِ. ٢٣٧ - إذَا قَالَتْ: اخْلَعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ فَخَلَعَهَا فَإِذَا فِي يَدِهَا دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ لَزِمَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ إلَّا ثَلَاثَةٌ

стр. 189

فَجَمِيعُ مَا فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ صَدَقَةٌ، وَكَانَ فِي يَدِهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا كُلِّهَا. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀: لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الزَّوْجِ خَلَعْتُهَا عَلَى مَا فِي يَدَيَّ مِنْ الدَّرَاهِمِ حَتَّى يَكُونَ وَزَّانًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ قَالَ: خَلَعْتُكِ عَلَى دَرَاهِمَ فِي يَدِكِ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. وَلَئِنْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى الظَّاهِرِ فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا فَنَقُولُ: مِنْ لِتَبْعِيضِ الْعَدَدِ، وَيَكُونُ لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ، وَيَكُونُ لِلصِّلَةِ وَالْمَقْصُودُ فِي الْخُلْعِ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَالِ فِيهِ، فَلَوْ حَمَلْنَا قَوْلَهُ: مِنْ الدَّرَاهِمِ، عَلَى تَبْعِيضِ الْعَدَدِ لَأَبْطَلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَجْهُولًا وَجَهَالَةُ الْبَدَلِ فِي الْخُلْعِ تَمْنَعُ ثُبُوتَهُ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى تَمْيِيزِ الْجِنْسِ أَوْ الصِّلَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: خَلَعْتُكِ عَلَى دَرَاهِمَ فِي يَدَيَّ، وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ فَلَزِمَهُ. وَأَمَّا فِي النُّذُورِ فَالْمَقْصُودُ إيجَابُ التَّصَدُّقِ، فَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّبْعِيضِ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّ إيجَابَ التَّصَدُّقِ بِالْمَجْهُولِ يَجُوزُ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى تَبْعِيضِ الْعَدَدِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى الْعَدَدَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ مِنْ لِتَمْيِيزِ الدَّرَاهِمِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا دَخَلَ لِتَمْيِيزِ الْعَدَدِ وَتَبْعِيضِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ فِي يَدَيَّ بَعْضُ الْعَدَدِ الَّتِي سَمَّى دَرَاهِمَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَالدِّرْهَمَانِ بَعْضُ الدَّرَاهِمِ؛ فَلَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِهَا. ٢٣٧ - إذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً؛ فَطَلُقَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَ ثَانِيًا؛ لَمْ تَطْلُقْ.

стр. 190

وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلُقَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا مَرَّةً أُخْرَى طَلُقَتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَادَ مِرَارًا ثَالِثًا وَرَابِعًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ " كُلَّ " حَرْفٌ يَجْمَعُ الْأَسْمَاءَ وَلَا يَجْمَعُ الْأَفْعَالَ، وَلَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: كُلُّ رَجُلٍ وَكُلُّ امْرَأَةٍ، وَلَا يُقَالُ: كُلُّ دَخَلَ وَكُلُّ خَرَجَ، فَقَدْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالِاسْمِ لَا بِالْفِعْلِ، وَالِاسْمُ لَا يَتَكَرَّرُ، فَقَدْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْجَزَاءُ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: كُلَّمَا؛ لِأَنَّ كُلَّمَا حَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ، وَيَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] أَوْجَبَ تَكْرَارَ الْوُقُوعِ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ، وَكُلَّمَا وُجِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ التَّزَوُّجُ وَقَعَ الطَّلَاقُ. ٢٣٨ - عَبْدٌ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، فَيَقُولُ لَهُ مَوْلَاهُ: طَلِّقْهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إجَازَةً لِلنِّكَاحِ. وَلَوْ قَالَ: طَلِّقْهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا؛ كَانَ إجَازَةً. وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ يَكُونُ مُتَارَكَةً؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا عَلَقَةٌ، وَالطَّلَاقُ يَرْفَعُ النِّكَاحَ، فَيَرْفَعُ عَلَائِقَهُ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِمُتَارَكَةِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَكُنْ مُجِيزًا لَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: اُتْرُكْهَا أَوْ فَارِقْهَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: طَلِّقْهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَصَارَ الْأَمْرُ بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ مُقْتَضِيًا لِلْإِجَازَةِ؛ إذْ لَا يُوجَدُ دُونَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَجَزْتُ النِّكَاحَ فَطَلِّقْهَا.

стр. 191

إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ طَلُقَتْ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ بَعْدَ الْوَلَدِ الثَّالِثِ ثَلَاثَ حِيَضٍ. وَلَوْ أَنَّهَا وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ طَلُقَتْ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْوَلَدِ الثَّالِثِ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِالْوَلَدِ الثَّالِثِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ " كُلَّمَا " حَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ وَيُوجِبُ التَّكْرَارَ، فَقَدْ أَوْجَبَ تَكْرَارَ الْوُقُوعِ بِتَكْرَارِ الْوِلَادَةِ، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَوَّلًا وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَلَمَّا وَلَدَتْ ثَانِيًا وُجِدَ شَرْطُ الْوُقُوعِ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بِوَضْعِ مَا فِي بَطْنِهَا، وَقَدْ بَقِيَ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ فَوَقَعَتْ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، فَإِذَا وَلَدَتْ الثَّالِثَ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَصَادَفَ شَرْطُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ فَلَا يَقَعُ. وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ فَنَقُولُ: لَمَّا وَلَدَتْ أَوَّلًا وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَمَّا وَلَدَتْ ثَانِيًا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ، وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ حُكْمٌ بِوُجُودِ الْوَطْءِ مِنْ الزَّوْجِ فَصَارَ مُرَاجِعًا لَهَا، فَلَمَّا وَلَدَتْ ثَالِثًا وُجِدَ شَرْطُ الْوُقُوعِ وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ، فَوَقَعَ الثَّالِثُ وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ بِالْوَلَدِ الثَّالِثِ ثَلَاثَ حِيَضٍ. ٢٤٠ - إذَا قَالَ لِرَجُلَيْنِ: طَلِّقَا امْرَأَتِي؛ فَلِأَحَدِهِمَا أَنْ يُطَلِّقَ. وَلَوْ قَالَ: أَمْرُ امْرَأَتِي بِأَيْدِيكُمَا، فَطَلَّقَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: طَلِّقَا أَمْرٌ بِتَنْفِيذِ قَوْلِهِمَا، فَصَارَا كَالرَّسُولَيْنِ، وَلِأَحَدِ الرَّسُولَيْنِ أَنْ يُؤَدِّيَ الرِّسَالَةَ.

стр. 192

وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِكُمَا؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُمَا الرَّأْيَ وَالِاخْتِيَارَ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، فَقَدْ رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا وَاخْتِيَارِهِمَا وَلَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ، كَالْوَكِيلَيْنِ فِي الْبَيْعِ. ٢٤١ - إذَا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا تَرِثُ. وَلَوْ آلَى فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالْمَرَضِ تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِمَالِهِ، فَقَدْ عَقَدَ وَحَقُّهَا مُتَعَلَّقٌ بِمَالِهِ فَاتُّهِمَ فِي قَطْعِ حَقِّهَا، فَكَانَ فَارًّا. وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الصِّحَّةِ فَحِينَ عَقَدَ لَمْ يَكُنْ حَقُّهَا مُتَعَلِّقًا بِمَالِهِ، فَقَدْ عَلَّقَهُ بِمَعْنًى لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ، وَوُقُوعُ الْفُرْقَةِ بِالْإِيلَاءِ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ، فَلَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا فَلَمْ يَكُنْ فَارًّا؛ فَلَا تَرِثُ. ٢٤٢ - إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ طَلَّقَنِي زَوْجِي وَهُوَ مَرِيضٌ، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: طَلَّقَكِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ. وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ كَافِرَةٌ فَأَسْلَمَتْ وَقَالَتْ: أَسْلَمْتُ فِي صِحَّتِهِ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ إسْلَامَهَا فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ حَقَّهَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَالِهِ، فَإِذَا قَالَتْ: طَلَّقَنِي فِي الْمَرَضِ، فَهِيَ تَدَّعِي بَقَاءَ حَقِّهَا وَاَلَّتِي تَدَّعِي بَقَاءَ حَقِّهَا فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ فَقَدْ ادَّعَتْ وَالظَّاهِرُ مَعَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.

стр. 193

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكَافِرَةُ فَظَاهِرُ كَوْنِهَا كَافِرَةً يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّهَا عَنْ مَالِهِ، وَالظَّاهِرُ بَقَاءُ ذَلِكَ الِانْقِطَاعِ فَهِيَ تَدَّعِي حُدُوثَ مَعْنًى تُرِيبُ بِهِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ وَالظَّاهِرُ مَعَهُمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. ٢٤٣ - إذَا قَذَفَ الْأَعْمَى امْرَأَتَهُ وَهِيَ عَمْيَاءُ وَجَبَ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ قَذَفَ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ امْرَأَتَهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اللِّعَانُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَحْدُودَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ قَدْ أَبْطَلَهَا الشَّرْعُ فَصَارَ كَأَنَّ الْقَاضِيَ أَبْطَلَهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ؛ إذْ فِي اللِّعَانِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] . وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ حَاكِمًا لَوْ حَكَمَ بِجَوَازِ شَهَادَتِهِ جَازَ، فَصَارَ كَالْبَصِيرِ. ٢٤٤ - وَإِذَا مَاتَ الْوَلَدُ الْمُلَاعَنُ - وَتَرَكَ وَلَدًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْمُدَّعِي وَوَرِثَ الْأَبَ. وَلَوْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَلَمْ يَدَعْ الْوَلَدَ حَتَّى وَلَدَ الْوَلَدُ وَلَدًا آخَرَ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ الْأَوَّلُ فَادَّعَى نَسَبَهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ وَإِنَّمَا قَطَعَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ وَقَدْ وُجِدَ الْفِرَاشُ، وَالنَّسَبُ إذَا ثَبَتَ لَا يَنْقَطِعُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ

стр. 194

بِهِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ثَبَتَ النَّسَبُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَمْ يَثْبُتْ بِالْإِكْذَابِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ، وَإِنَّمَا قَطَعَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ مِنْ الْمِيرَاثِ وَالْوِلَايَةِ وَالنَّفَقَةِ، وَانْقِطَاعُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ النَّسَبِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا وَالْوَلَدُ حُرٌّ مُسْلِمٌ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ النَّسَبَ غَيْرُ ثَابِتٍ وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ بِهِ، وَتَنْفِيذُ حُكْمِ الْمَوْقُوفِ إنَّمَا يَجُوزُ فِي حَالٍ يَجُوزُ مَعَ بَقَاءِ خُلْفِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً شِرَاءً مَوْقُوفًا فَقُتِلَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَإِنْ أَجَازَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ جَازَ، وَهَذَا تَنْفِيذُ الْحُكْمِ الْمَوْقُوفِ فِي الشَّيْءِ الْفَائِتِ مَعَ بَقَاءِ خُلْفِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ بَاقِيَةً فَادَّعَاهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، كَذَلِكَ هَذَا. أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْجَارِيَةِ فَالنَّسَبُ غَيْرُ ثَابِتٍ وَلَا مَوْقُوفٍ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا النَّسَبَ لَكَانَ ابْتِدَاءُ ثَبَاتِ الْحُكْمِ فِي الشَّيْءِ الْفَائِتِ مَعَ بَقَاءِ خُلْفِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ قَتَلَ أَجْنَبِيٌّ عَبْدَهُ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فَبَاعَ الْعَبْدَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٤٥ - إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ أَقْرَبَكِ بِشَهْرٍ إنْ قَرُبْتُكِ، فَمَضَى شَهْرٌ فَقَرَبَهَا بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ وَقَعَ عَلَيْهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، وَلَا يَكُونُ مُوَلِّيًا حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ. وَلَوْ قَالَ: إنْ قَرُبْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَرُبْتُكِ. فَقَرَبَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يَقْرُبَهَا مَرَّةً أُخْرَى. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَقْرَبَكِ بِشَهْرٍ، تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ، فَقَدْ

стр. 195

عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَوَقْتُهُ بِوَقْتٍ قَبْلَهُ، فَيَبْطُلُ التَّوْقِيتُ وَتَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ السَّاعَةَ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، وَإِذَا بَطَلَ التَّوْقِيتُ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ قَرُبْتُكِ، فَقَدْ كَرَّرَ شَرْطَ الْوُقُوعِ، وَتَكَرُّرُ ذِكْرِ شَرْطِ الْوُقُوعِ لَا يُوجِبُ تَكْرَارَ الْوُقُوعِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَنْتِ طَالِقٌ تِلْكَ الطَّلْقَةَ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَدَخَلَتْ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ وَاحِدَةً كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ قَرُبْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَرُبْتُكِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى وُجُودِ قُرْبَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَرُبْتُكِ يَمِينٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ لَا يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ، فَإِذَا قَرَبَهَا مَرَّةً انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، فَإِذَا قَرَبَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وُجِدَ شَرْطُ حِنْثِهِ فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ. ٢٤٦ - إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرُبُكِ، فَدَخَلَتْ الدَّارَ وَهُوَ مَرِيضٌ لَا يَسْتَطِيعُ جِمَاعَهَا فَفَاءَ إلَيْهَا بِلِسَانِهِ جَازَ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُ آلَى مِنْهَا فِي حَالِ الْمَرَضِ. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ جُنَّ فَدَخَلَتْ الدَّارَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ فِي حَالِ جُنُونِهِ حَتَّى لَا يَقَعَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُتَلَفَّظِ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ

стр. 196

الْقَوْلُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ فِي حَالِ الْمَرَضِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرُبُكِ، فَفَيْؤُهُ يَكُونُ بِلِسَانِهِ، كَذَا هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، ثُمَّ جُنَّ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُتَلَفِّظِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ اللَّفْظُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ صَادِرٌ عَنْ مُكَلَّفٍ، فَكَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْحَالِ، كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 197

[كِتَابُ الْعَتَاقِ] ٢٤٧ - إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذَا أَبِي، وَلِأَمَتِهِ: هَذِهِ أُمِّي، وَمِثْلُهُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ، وَصَدَّقَهُ الْأَبُ بِذَلِكَ عَتَقَا، وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ. وَصَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَصْدِيقَهُمَا لَهُ فِي الْأُبُوَّةِ. وَلَمْ يَصِفْ تَصْدِيقَ الْغُلَامِ لَهُ فِي الْبُنُوَّةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْفِعْلِ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: هُوَ اسْتَوْلَدَ أُمِّي فَأَنَا ابْنُهُ فَاشْتَرَطَ تَصْدِيقَ ذَلِكَ الْغَيْرِ. بِخِلَافِ الْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْفِعْلِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا اسْتَوْلَدْتُ أُمَّكَ فَأَنْتَ ابْنِي. وَإِذَا أَقَرَّ بِالْفِعْلِ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يُشْتَرَطْ تَصْدِيقُ غَيْرِهِ. ٢٤٨ - إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ عَتَقَ فِي الْقَضَاءِ. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ، وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ. صَدَقَ فِي الْقَضَاءِ وَلَا يَقَعُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ خَصَّ الْحُرِّيَّةَ بِعَمَلٍ، وَالْحُرِّيَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِعَمَلٍ دُونَ عَمَلٍ، فَكَوْنُهُ حُرًّا مِنْ عَمَلٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُرًّا مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، فَصَارَ قَوْلُهُ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ تَخْصِيصًا لِبَعْضِ مَا شَمِلَهُ اللَّفْظُ الْعَامُّ، فَلَا يُوجِبُ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَعَتَقَ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ.

стр. 198

وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا طَالِقًا مِنْ الْوَثَاقِ لَا يَقْتَضِي طَلَاقَهَا مِنْ الزَّوْجِيَّةِ، وَهِيَ تُوصَفُ بِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ مِنْ الْوَثَاقِ، فَوَصْفُهَا بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ لَا يَقْتَضِي أَنْ تَتَّصِفَ بِالْإِطْلَاقِ مِنْ النِّكَاحِ، فَلَا يَقَعُ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى لَفْظِ الْحُرِّيَّةِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَمَلِ، وَلَفْظُ الطَّلَاقِ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوَثَاقِ. وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ: هَذَا عَلَى مَا كَانُوا يَتَعَارَفُونَ، فَأَمَّا عَلَى مَا نَتَعَارَفُهُ نَحْنُ يَجِبُ أَنْ لَا يَعْتِقَ. ٢٤٩ - إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْتَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: جَعَلْتُهُ عَلَى مَالِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْتَ، ثُمَّ قَالَ: جَعَلْتُهَا عَلَى مَالٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إذَا قَبِلَتْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْتَ، لَفْظٌ يَقَعُ بِهِ الْعِتْقُ، وَالْعِتْقُ إذَا وَقَعَ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِالتَّغْيِيرِ فَائِدَةً فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ: جَعَلْتُهُ عَلَى مَالٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْتِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ، وَالطَّلَاقُ إذَا وَقَعَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ بَائِنًا

стр. 199

بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ بَائِنًا بِالْعِوَضِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: جَعَلْتُهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَبِلَتْ صَحَّ، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٥٠ - إذَا قَالَ: أَبِيعُكَ عَبْدًا لِي بِكَذَا، وَلَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُسَمِّهِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَإِنْ قَالَ: أَعْتَقْتُ عَبْدًا لِي أَوْ عَبْدِي؛ عَتَقَ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَضَافَ الْبَيْعَ إلَى عَبْدٍ مُنَكَّرٍ، فَكَانَ عَاقِدًا عَلَى مَجْهُولٍ وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ عَبِيدِي. وَفِي الْعِتْقِ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى عَبْدٍ مُنَكَّرٍ فَصَارَ مَجْهُولًا، وَإِضَافَةُ الْعِتْقِ إلَى الْمَجْهُولِ جَائِزٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي. ٢٥١ - إذَا قَالَ لِأَمَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ، فَقَتَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ آخَرُ مَعًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةُ أَمَةٍ. وَلَوْ قَتَلَهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ حُرَّةٍ وَقِيمَةُ أَمَةٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّ إحْدَاهُمَا حُرَّةٌ - لَا مَحَالَةَ - وَكُلُّ وَاحِدَةٍ فِي أَنْ تَكُونَ حُرَّةً كَصَاحِبَتِهَا، فَاَلَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَجْهُولٌ، وَإِيجَابُ الْحَقِّ عَلَى الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ.

стр. 200

وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ إحْدَاهَا حُرَّةٌ - لَا مَحَالَةَ - فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ مَعْلُومٌ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ وَاحِدٌ وَإِيجَابُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَعْلُومِ جَائِزٌ. ٢٥٢ - إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: اعْتِقْ أَيَّ عَبِيدِي شِئْتَ، فَأَعْتَقَهُمْ جَمِيعًا لَمْ يَعْتِقْ إلَّا وَاحِدٌ. وَلَوْ قَالَ: أَيُّ عَبِيدِي شَاءَ الْعِتْقَ فَأَعْتِقْهُمْ، فَإِنْ شَاءُوا الْعِتْقَ فَأَعْتَقَهُمْ؛ عَتَقُوا. وَالْفَرْقُ أَنَّ حَرْفَ أَيْ يَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ وَيُرَادُ بِهِ الْجَمَاعَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢] وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْجَمَاعَةِ، وَيَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] وَقَالَ : ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وَالْمُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فَإِذَا احْتَمَلَ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ لَمْ يُصْرَفْ إلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِقَرِينَةٍ، فَإِذَا قَالَ: أَيُّ عَبِيدِي شِئْتَ، فَقَدْ عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةٍ خَاصَّةٍ، وَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ خَاصًّا كَانَ الْجَزَاءُ - أَيْضًا - خَاصًّا، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا شِئْتَ عَتْقَ وَاحِدٍ فَأَعْتِقْهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَيُّهُمْ شَاءَ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ عَامَّةٌ، وَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ عَامًّا كَانَ الْجَزَاءُ - أَيْضًا - عَامًّا، فَإِذَا أَرَادُوا جَمِيعًا الْعَتْقَ عَتَقُوا. ٢٥٣ - إذَا قَالَ لَهَا إنْ كَانَ حَمْلُكِ أَوْ مَا فِي بَطْنِكِ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ، فَكَانَ حَمْلُهَا غُلَامًا وَجَارِيَةً لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا

стр. 201

وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ غُلَامٌ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ فَكَانَ حَمْلُهَا غُلَامًا وَجَارِيَةً يُعْتِقُ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ مَعَهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَمْلَ عِبَارَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَمَا فِي الْبَطْنِ عِبَارَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَا فِيهِ فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ جَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً، فَإِذَا كَانَا جَمِيعًا لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحِنْثِ فَلَا يُعْتِقُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ؛ لِأَنَّ " فِي " حَرْفُ ظَرْفٍ وَكَوْنُ الْبَطْنِ ظَرْفًا لِلْجَارِيَةِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا ظَرْفًا لِلْغُلَامِ أَيْضًا، فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ الْغُلَامِ فِي الْبَطْنِ وَكَوْنُ الْجَارِيَةِ، وَقَدْ وُجِدُوا فَعَتَقُوا جَمِيعًا. ٢٥٤ - إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُكَ أَمْسِ عَلَى أَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ، وَقَالَ: قَبِلْتُ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَمْسِ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ، وَقَالَ: قَبِلْتُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَالْفَرْقُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعِتْقَ يَنْفَكُّ عَنْ وُجُوبِ الْمَالِ، فَلَمْ يَكُنِ الْإِقْرَارُ بِالْعِتْقِ إقْرَارًا بِوُجُوبِ الْمَالِ، فَصَارَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عَقْدًا، وَهُوَ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ وُجُوبِ الْمَالِ. فَصَارَ إقْرَارُهُ بِالْبَيْعِ إقْرَارًا يُوجِبُ الْمَالَ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَ وَقَبِلْتَ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ

стр. 202

تَقْبَلْ. وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي كَذَلِكَ هَذَا. ٢٥٥ - إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالِ فَأَعْطَاهُ كَفِيلًا بِالْمَالِ الَّذِي أَعْتَقَهُ عَلَيْهِ جَازَ. وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مَالٍ فَأَعْطَاهُ كَفِيلًا بِمَالِ الْمُكَاتَبَةِ لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ وَقَبِلَهُ صَارَ ذَلِكَ دَيْنًا صَحِيحًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إسْقَاطَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُمْكِنُهُ، فَإِذَا أَعْطَاهُ بِهِ كَفِيلًا جَازَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَالُ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ صَحِيحٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يُسْقِطَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ، بِأَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ أَنْ يَبْرَأَ الْكَفِيلُ بِمَا يَبْرَأُ بِهِ الْمَكْفُولُ عَنْهُ، وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ يَبْرَأُ مِنْ غَيْرِ أَدَاءٍ، وَلَا إبْرَاءٍ، وَلَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَكَانَ لِلْكَفِيلِ ذَلِكَ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى إسْقَاطِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَدَاءٍ، وَلَا إبْرَاءٍ لَمْ تَجُزْ الْكَفَالَةُ. ٢٥٦ - أُمُّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ جِنَايَاتٍ أَوْ مَرَّةً لَا يَغْرَمُ الْمَوْلَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ وَاحِدَةٍ. وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا دُيُونٌ مِنْ التِّجَارَةِ سَعَتْ فِي جَمِيعِ دُيُونِهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ.

стр. 203

وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّيْنَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى، وَالذِّمَّةُ تَسَعُ الْحُقُوقَ كُلَّهَا، فَثَبَتَ جَمِيعُ الدُّيُونِ، فَوَجَبَ أَنْ يَغْرَمَ بَالِغًا مَا بَلَغَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجِنَايَةُ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى وَلَا يُطَالَبُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالرَّقَبَةُ لَا تُضْمَنُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ قَتَلَ إنْسَانٌ عَبْدًا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ وَاحِدَةٍ، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٥٧ - وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ يَلْزَمُ الْمَوْلَى، وَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. وَوَلَدُ الْمَنْكُوحَةِ يَلْزَمُ الزَّوْجَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْلَى يَنْفَرِدُ بِقَطْعِ الْوَلَدِ الْمُسْتَفَادِ عَلَى حُكْمِ الْفِرَاشِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ بِهِ قَاضٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَضَاءِ ثَبَتَ مِنْهُ، فَصَارَ كَثُبُوتِهِ بِالْإِقْرَارِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِقَطْعِ هَذَا الْفِرَاشِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، فَلَا يَنْفَرِدُ بِقَطْعِ الْوَلَدِ الْمُسْتَفَادِ عَلَى ذَلِكَ الْفِرَاشِ. ٢٥٨ - وَإِذَا ادَّعَى رَجُلَانِ وَلَدَ جَارِيَةٍ بَيْنَهُمَا مَعًا فَهُوَ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُمَا، فَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ نَصِيبُ الْآخَرِ. وَفِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لَا يُعْتَقُ جَمِيعُهُ.

стр. 204

وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَعْتَقَ نِصْفَهُ بِإِعْتَاقِهِ، وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا فِي الْبَاقِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ رَقَبَةَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا تَتَقَوَّمُ بِالسِّعَايَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَسْعَى لِغَرِيمٍ وَلَا لِوَارِثٍ، فَقَدْ عَتَقَ نِصْفُهَا وَحَصَلَ الْبَاقِي فِي يَدِهَا وَلَا يُمْكِنُهُ رَدُّهَا وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا فَعَتَقَتْ مَجَّانًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ نِصْفُهُ، وَحَصَلَ الْبَاقِي فِي يَدِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَرَقَبَتُهُ مِمَّا يُضْمَنُ بِالسِّعَايَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْعَى لِغَرِيمٍ وَوَارِثٍ فَبَقِيَ نِصْفُهُ رَقِيقًا فَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ، فَمَا لَمْ يُؤَدِّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَا يُعْتَقُ، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٥٩ - الْمُكَاتَبَةُ إذَا اشْتَرَتْ ابْنَهَا ثُمَّ مَاتَتْ عَنْ هَذَا الِابْنِ فَإِنْ عَجَّلَ مَالَ الْكِتَابَةِ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يُبَعْ، وَإِلَّا بِيعَ. وَلَوْ وَلَدَتْ فِي الْكِتَابَةِ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ بَقِيَ مَالُ الْكِتَابَةِ عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى الْأُمِّ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالشِّرَاءِ أَوْجَبَ لَهُ حَقَّ الْعِتْقِ بِعَقْدِ غَيْرِهِ، وَهِيَ الْأُمُّ، فَإِذَا فَاتَ الْأَدَاءُ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ لَزِمَهُ الْبَدَلُ حَالًا، كَمَا لَوْ كَاتَبَ جَارِيَةً عَلَى أَلْفُ دِرْهَمٍ وَآخَرَ غَائِبٌ مَعَهَا فَمَاتَتْ الْحَاضِرَةُ وَحَضَرَ الْغَائِبُ لَزِمَهُ الْمَالُ حَالًا، وَإِلَّا فُسِخَ الْعَقْدُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجَارِيَةُ إذَا وَلَدَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ لَهَا حَقَّ الْعِتْقِ بِعَقْدِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهَا الْعِتْقَ بِعَقْدِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ عِتْقَ الْأُمِّ، وَالْوَلَدُ

стр. 205

جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَصَارَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْأُمِّ، وَالْأُمُّ تَسْعَى مُؤَجَّلًا بِعَقْدِهَا، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٦٠ - حَرْبِيٌّ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْتَأْمِنًا وَمَعَهُ أُمُّ وَلَدٍ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا. وَلَوْ عَتَقَ عَبْدًا لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ حَمَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالْفَرْقُ أَنَّا مِنْ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهَا يُخْرِجُهَا مِنْ كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَا يُبْطِلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَقَلَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ صَارَتْ مِلْكًا لَهُ حَقِيقَةً مُسْتَقِرَّةً، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِلْكُهُ مُسْتَقِرًّا، وَإِذَا حَصَلَ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ مُسْتَقِرٌّ، وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ الْمُتَقَدِّمَ يَنْفُذُ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ الْمُتَأَخِّرِ، فَمِنْ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ نُبْطِلُهُ فَلَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّا مِنْ حَيْثُ نُجَوِّزُ بَيْعَهُ وَنُبْطِلُ عِتْقَهُ لَا نُبْطِلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَقَلَهُ إلَى دَارِنَا صَارَ مِلْكًا لَهُ بِقَهْرِهِ، وَعِتْقُهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، وَالْعِتْقُ الْمُتَقَدِّمُ لَا يَسْرِي إلَى الْمِلْكِ الْمُتَأَخِّرِ، فَمِنْ حَيْثُ

стр. 206

نُجَوِّزُ بَيْعَهُ لَا نُبْطِلُهُ فَجَوَّزْنَاهُ. ٢٦١ - عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ لِآخَرَ اشْتَرِنِي مِنْهُ، فَاشْتَرَاهُ، ثُمَّ أَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ حُرٌّ عَتَقَ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا. وَقِيلَ يَجِبُ أَنْ لَا تُقْبَلَ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالشِّرَاءِ إقْرَارٌ بِالْمِلْكِ لَهُ، فَإِذَا قَالَ: أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ، فَإِقْرَارُهُ الْأَوَّلُ يُكَذِّبُهُ فِي دَعْوَى الثَّانِي فَلَا يُصَدَّقُ، كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْ إنْسَانٍ عَبْدًا، ثُمَّ قَالَ: مَا بِعْتُ لَمْ يَكُنْ لِي فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، كَذَا هَذَا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ عَقْدًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْحُرِّ لَا يَصِحُّ، فَوَجَبَ أَنْ يُصَدَّقَ عَلَى ذَلِكَ. الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدًا فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: مَا بِعْتُ لَمْ يَكُنْ لِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ عَقْدًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ يَصِحُّ إلَّا أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى إجَازَتِهِ، فَهُوَ لَا يُثْبِتُ بَيِّنَتَهُ أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ عَقْدًا، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُبْطِلَ عَقْدًا جَرَى بَيْنَهُمَا؛ فَلَا يُصَدَّقُ.

стр. 207

عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَبَّرَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَلِلْآخَرِ أَنْ يَتْرُكَ نَصِيبَهُ عَلَى حَالِهِ. وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَتْرُكَ نَصِيبَهُ عَلَى حَالِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فَبَقِيَ مِلْكُهُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْجَمِيعُ لَهُ فَدَبَّرَ نِصْفَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ مِلْكَهُ فِي الْبَاقِي، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ وَثُبُوتُ الْيَدِ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ الْجَمِيعُ لَهُ فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ مِلْكَهُ فِي الْبَاقِي كَذَلِكَ إذَا كَانَ النِّصْفُ لَهُ فَدَبَّرَ شَرِيكَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ مِلْكَهُ فِي الْبَاقِي. ٢٦٣ - إذَا دَبَّرَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ فَتَدْبِيرُهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ لَحِقَ بِالدَّارِ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ، فَإِنْ عَادَ فَأَسْلَمَ فَوُجِدَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ الْوَارِثِ فَأَخَذَهُ فَهُوَ مُدَبَّرٌ. وَلَوْ بَاعَ فِي حَالَ رِدَّتِهِ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَ بَيْعُهُ، فَلَوْ عَادَ مُسْلِمًا لَمْ يَعُدْ الْبَيْعُ وَالْفَرْقُ أَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ فَلَمَّا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ حَكَمْنَا بِزَوَالِ الْمِلْكِ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ، فَقَدْ دَبَّرَ مِلْكَ غَيْرِهِ فِي الظَّاهِرِ فَلَمْ يَجُزْ، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ مُسْلِمًا فَيَعُودُ الْمِلْكُ إلَيْهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ غَيْرُ نَافِذٍ فِي الْحَالِ، فَكَأَنَّهُ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِعَوْدِ الْمِلْكِ، وَقَالَ: إنْ عُدْتَ إلَى مِلْكِي فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ التَّدْبِيرِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 208

وَفِي الْبَيْعِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ بِشَرْطٍ وَتَعْلِيقُ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ لَا يَجُوزُ فَيَبْطُلُ. ٢٦٤ - وَلَوْ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَحِقَ بِالدَّارِ فَبَاعَ الْوَرَثَةُ عَبْدًا لَهُ قَدْ دَبَّرَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ وَعَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَعَادَ ذَلِكَ الْعَبْدُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ صَارَ مُدَبَّرًا. وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ عَبْدَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ أَيَّهُمَا شَاءَ، فَأَعْتَقَ الْبَائِعُ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ أَجَازَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الْعِتْقُ، فَلَوْ عَادَ ذَلِكَ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ فِي أَحَدِهِمَا بَاقٍ؛ إذْ لَا يُتَوَهَّمُ زَوَالُ مِلْكِهِ فِيهِمَا بِهَذَا الْعَقْدِ، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبْقِيَ مِلْكَهُ فِي الَّذِي أَعْتَقَ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ يَسْتَبْقِي مِلْكَهُ فِي غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ اسْتَبْقَيْتُ مِلْكِي فِيكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَمْ يَسْتَبْقِ مِلْكَهُ، وَإِنَّمَا عَادَ إلَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الَّذِي عَلَّقَ الْعِتْقَ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ زَائِلٌ فِي الْحَالِ، وَالْعَوْدُ مُتَرَقَّبٌ فَصَارَ مُعَلِّقًا التَّدْبِيرَ بِاسْتِفَادَةِ الْمِلْكِ وَالْعَوْدِ. وَقَدْ اسْتَفَادَهُ؛ فَصَارَ مُدَبِّرًا. ٢٦٥ - إذَا شَرَطَ الرَّجُلُ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَلَّا يَخْرُجَ عَنْ الْكُوفَةِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَالْعَقْدُ جَائِزٌ. وَلَوْ شَرَطَ عَلَى مُكَاتَبَتِهِ أَنْ يَطَأَهَا فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ.

стр. 209

وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَرْكِهِ الْخُرُوجَ عَنْ الْكُوفَةِ مَنْفَعَةٌ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ فَرُبَّمَا يَكُونُ مَنْفَعَتُهُ فِي خُرُوجِهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ وَيَكْتَسِبُ، فَهَذَا شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَقْدِ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، فَكَانَ بَاطِلًا، وَالْعَقْدُ جَائِزٌ كَمَا لَوْ بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَلَّا يَبِيعَهُ وَلَا يَهَبَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا شَرَطَ عَلَى مُكَاتَبَتِهِ أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمَوْلَى وَهُوَ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِهَا، فَصَارَ هَذَا شَرْطًا زَائِدًا عَلَى مُوجَبِ الْعَقْدِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَبَطَلَ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْهُ ثَوْبًا شَرَطَ أَنْ يَخِيطَهُ. ٢٦٦ - إذَا تَرَكَ الْمُكَاتَبُ وَلَدَيْنِ وُلِدَا لَهُ فِي الْمُكَاتَبَةِ فَأَعْتَقَ الْمَوْلَى أَحَدَهُمَا؛ فَعَلَى الْآخَرِ أَنْ يَسْعَى فِي جَمِيعِ الْمُكَاتَبَةِ. وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ كِتَابَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا؛ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا لَحِقَا عَقْدَ الْغَيْرِ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْمَوْلَى تَسْلِيمُ الرَّقَبَتَيْنِ إلَيْهِمَا عَلَى هَذَا الْبَدَلِ، فَإِذَا بَقِيَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْمَالُ كُلُّهُ بِبَقَائِهِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فِي يَدَيْ الْبَائِعِ وَلَدَيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 210

وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَيْهِمَا، فَقَدْ الْتَزَمَ بِتَسْلِيمِ الرَّقَبَتَيْنِ إلَيْهِمَا عَلَى هَذَا الْبَدَلِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ أَحَدَهُمَا سَقَطَ مَا بِإِزَائِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٢٦٧ - إذَا قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ وَاحِدٌ فَهُوَ حُرٌّ، فَمَلَكَ عَبْدَيْنِ مَعًا ثُمَّ مَلَكَ وَاحِدًا؛ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ وَحْدَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَمَلَكَ عَبْدَيْنِ ثُمَّ وَاحِدًا؛ عَتَقَ الثَّالِثُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاحِدَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَوَّلِ الْعَدَدِ، يَقُولُ: وَاحِدٌ وَاثْنَانِ، فَصَارَ صِفَةً لِلْأَوَّلِ، وَلَا يَقْتَضِي انْفِرَادَهُ وَبَقِيَ غَيْرُهُ مَعَهُ، فَلَا يُفِيدُ إلَّا مَا أَفَادَ قَوْلُهُ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ فَمَلَكَ عَبْدَيْنِ ثُمَّ عَبْدًا لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ وَحْدَهُ عِبَارَةٌ عَنْ انْفِرَادِهِ وَنَفْيِ غَيْرِهِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِفِعْلِهِ يَقُولُ: وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ أَيْ: وَحَّدْتُهُ تَوْحِيدًا، يُقَالُ: فُلَانٌ وَحْدَهُ فِي الدَّارِ فَإِنَّهُ يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَفْرَدَهُ بِالْمِلْكِ، وَلَمْ يُفْرِدْ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ بِالْمِلْكِ فَانْصَرَفَ إلَى الثَّالِثِ الَّذِي أَفْرَدَهُ بِالْعِتْقِ؛ فَأَعْتَقَهُ.

стр. 211

لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي فَهِيَ حُرَّةٌ إلَّا خُرَاسَانِيَّةٌ ثُمَّ قَالَ: الثَّلَاثُ مِنْهُنَّ أَوْ أَرْبَعُ هُنَّ خُرَاسَانِيَّاتٌ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَلَوْ قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي فَهِيَ حُرَّةٌ إلَّا أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي وَهَذِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي لَفْظٌ عَامٌّ، وَقَوْلُهُ: إلَّا أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي اسْتِثْنَاءُ شَخْصٍ وُجِدَ فِيهَا فِعْلٌ مِنْ جِهَتِهِ، فَقَدْ عَمَّ الْإِيجَابُ وَعُلِّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِفِعْلٍ فَمَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَا يَحْصُلُ الِاسْتِثْنَاءُ، فَبَقِينَ دَاخِلَاتٍ فِي الْيَمِينِ وَلَا يَخْرُجْنَ عَنْ الْيَمِينِ إلَّا بِيَقِينٍ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إلَّا خُرَاسَانِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقُ الِاسْتِثْنَاءَ بِفِعْلٍ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى فِعْلٍ لِتَصِيرَ هِيَ خُرَاسَانِيَّةً؛ لِأَنَّ الْخُرَاسَانِيَّةَ اسْمُ جِنْسٍ كَالرُّومِيَّةِ وَالْهِنْدِيَّةِ فَقَدْ اسْتَثْنَى اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مَعَ الْمُسْتَثْنَى أَحَدُ اسْمَيْ الْبَاقِي فَقَدْ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَى غَيْرِ الْخُرَاسَانِيَّات، فَصَارَ الْإِيجَابُ خَاصًّا، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْإِيجَابِ إلَّا بِيَقِينٍ. وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَوَارِي لَيْسَ هُوَ الْخُرَاسَانِيَّةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُتَشَابِهًا بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِتْقَ فِي الظَّاهِرِ، فَلَمْ يَكُنْ بِدَعْوَاهُ أَنَّهَا خُرَاسَانِيَّةٌ مُدَّعِيًا خِلَافَ الظَّاهِرِ فَصُدِّقَ.

стр. 212

وَلَيْسَ كَذَلِكَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَوَارِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِذَا قَالَ: هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي. فَقَدْ ادَّعَى خِلَافَ الظَّاهِرِ وَمَعْنًى طَارِئًا فَمَا لَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ لَا يَخْرُجْنَ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلُ، لَوْ قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ غَيْرُ خَبَّازَةٍ فَهِيَ حُرَّةٌ، فَقَالَ: كُلُّهُنَّ خَبَّازَاتٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي فَهِيَ حُرَّةٌ إلَّا جَارِيَةٌ خَبَّازَةٌ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ خَبَّازَةٌ؛ لَمْ يَصَدَّقْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِيجَابَ خَاصٌّ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْإِيجَابِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهُنَاكَ الْإِيجَابُ عَامٌّ، وَالِاسْتِثْنَاءُ خَاصٌّ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. ٢٦٩ - وَلَوْ قَالَ لِعَبْدٍ لَهُ يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ: حُجَّ عَنِّي حَجَّةً وَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحُجَّ حَجًّا وَسَطًا مِنْ مَنْزِلِ الْمَوْلَى، فَإِنْ حَجَّ عَنْهُ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ قَالَ: اعْتِقْ عَنِّي عَبْدًا وَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَعْتَقَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَشْتَرِطْ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ بِأَدَاءِ النَّفَقَةِ الَّتِي يَحُجُّ بِهَا؛ لِأَنَّا لَوْ مَلَّكْنَا الْمَوْلَى تِلْكَ النَّفَقَةَ لَكَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوا ثُلُثَيْهَا فَيَحْصُلُ لِلْعَبْدِ ثُلُثُ النَّفَقَةِ فَلَا يَكُونُ حَجًّا وَسَطًا وَفِي ذَلِكَ مَنْعُ جَوَازِهِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَمِنْ حَيْثُ يَمْلِكُ الْمَوْلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ يَمْنَعُهُ مِنْهُ فَلَا يَمْلِكُهُ

стр. 213

فَلَمْ يَكُنْ الْمَنْفَعَةُ بَدَلًا عَنْ الْعِتْقِ، فَكَأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ مَجَّانًا وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ مَجَّانًا سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ شَرْطٌ أَنْ يُمَلِّكَهُ الرَّقَبَةَ ثُمَّ يُعْتِقَهُ عَنْهُ، وَلَوْ مَلَّكْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الرَّقَبَةِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا لَهُمْ أَنْ يَسْتَسْعُوا الْعَبْدَ، فَلَمْ يَكُنْ فِي تَمْلِيكِهِ مَنْعُ جَوَازِ إعْتَاقِهِ عَنْ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَكُنْ عِتْقًا مَجَّانًا، فَصَارَ عِتْقًا بِبَدَلٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ مِثْلَ قِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ مَجَّانًا بِشَيْءٍ، فَلَا يَسْعَى فِي شَيْءٍ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ اُعْتُبِرَ ثُلُثُ الْمُحَابَاةِ لَهُ وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ. ٢٧٠ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَحُجُّ بِهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ قَالَ: أَدِّ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَحُجُّ بِهَا، وَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَدَّى إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ حَجَّ الْمَوْلَى أَوْ لَمْ يَحُجَّ. وَلَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَى وَصِيِّي أَلْفَ دِرْهَمٍ يَحُجُّ بِهَا؛ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَا لَمْ يَحُجَّ الْوَصِيُّ لَا يَعْتِقُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَحُجُّ إخْبَارٌ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْأَدَاءِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِخَبَرٍ، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ سَوَاءٌ وُجِدَ الْخَبَرُ أَمْ لَا، وَكَذَا كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ: ادْفَعُوا إلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ بَعْدَ مَوْتِي لِيُنْفِقَهَا، فَسَوَاءٌ وُجِدَ الْإِنْفَاقُ أَمْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 214

وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إذَا أَدَّيْتَ إلَى وَصِيِّي أَلْفَ دِرْهَمٍ يَحُجُّ بِهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلصِّلَةِ فَقَدْ وَصَلَ الْحَجَّ بِالدَّفْعِ، فَصَارَا شَرْطَيْنِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطَانِ لَا يَعْتِقُ. ٢٧١ - إذَا قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ عَبْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ؛ انْصَرَفَ إلَى الْوَسَطِ فَإِذَا أَدَّى عَبْدًا مُرْتَفِعًا أُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ. وَلَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ عَبْدًا وَسَطًا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَتَى بِعَبْدٍ مُرْتَفِعٍ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ وَلَا يَعْتِقُ بِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُجُوبَ بِمُطْلَقِ الِاسْمِ، وَإِطْلَاقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْجَيِّدَ وَالْوَسَطَ وَالرَّدِيءَ، إلَّا أَنَّ فِي إيجَابِ الْجَيِّدِ إضْرَارًا بِالْعَبْدِ، وَفِي إيجَابِ الرَّدِيءِ إضْرَارٌ بِالْمَوْلَى فَأَلْزَمْنَاهُ الْوَسَطَ لَا لِحَقِّ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَإِذَا أَتَى بِالْجَيِّدِ فَقَدْ وُجِدَ مَا يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِالْمَوْلَى فَأُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ كَمَا قُلْنَا فِي الدِّيَاتِ وَالزَّكَوَاتِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: عَبْدًا وَسَطًا؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ مَلْفُوظٌ بِهِ فَاسْتِحْقَاقُهُ بِالِاسْمِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَاسْمُ الْوَسَطِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْجَيِّدِ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الَّذِي عُلِّقَ الْعِتْقُ بِهِ فَلَا يُعْتَقُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فِي كِيسٍ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَدَّى فِي غَيْرِ كِيسٍ لَمْ يُعْتَقْ، كَذَا هَذَا.

стр. 215

إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ: اعْتِقْ عَنِّي عَبْدًا وَأَنْتَ حُرٌّ؛ صَارَ مَأْذُونًا لَهُ، فَإِنْ اسْتَفَادَ عَبْدًا وَسَطًا فَأَعْتَقَهُ عَتَقَ الْمَأْمُورُ، وَلَوْ اسْتَفَادَ عَبْدًا مُرْتَفِعًا فَأَعْتَقَهُ عَنْهُ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَلَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ عَبْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَدَّى إلَيْهِ عَبْدًا مُرْتَفِعًا لَمْ يُحَرَّرْ عَلَيْهِ وَعَتَقَ الْمُشْتَرِي. وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَسَطِ مِلْكُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَسْبُهُ قَبْلَ حُصُولِ الْحُرِّيَّةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَاكْتَسَبَ أَلْفَيْنِ وَأَدَّى إلَيْهِ أَلْفًا وَالْأَلْفُ الْبَاقِيَةُ لِلْمَوْلَى لِهَذَا الْمَعْنَى، إنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَسَطِ مِلْكٌ لِلْمَوْلَى، وَمِقْدَارُ الْوَسَطِ حَقُّ الْعَبْدِ، وَقَدْ أَوْصَلَ الْجَمِيعَ إلَى الْمَوْلَى وَعَادَ نَفْعُهُ إلَيْهِ فَعَتَقَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مُرْتَفِعًا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَسَطِ مِلْكٌ لِلْمَوْلَى، فَإِذَا أَعْتَقَهُ الْعَبْدُ فَقَدْ تَبَرَّعَ بِإِعْتَاقِ مِلْكِ الْمَوْلَى، لَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ اسْتَفَادَ عَبْدَيْنِ فَأَعْتَقَهُمَا لَمْ يُجْزِ إلَّا أَحَدَهُمَا، وَإِذَا لَمْ تُجْزِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بَقِيَ الْعِتْقُ فِي بَعْضِ الْعَبْدِ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِعِتْقِ عَبْدٍ كَامِلٍ فَلَا يَعْتِقُ بِبَعْضِهِ فَلَمْ يُجْزِ عَنْهُ. ٢٧٣ - إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ مَلَكْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ. عَتَقَ فِي الْحَالِ. وَلَوْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يَعْتِقُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِبْقَاءَ الْمِلْكِ مِلْكٌ، بِدَلِيلِ أَنَّكَ تَقُولُ: مَلَكْتُ هَذَا الْعَبْدَ سَنَةً وَشَهْرًا فَيَصِحُّ، فَيَدْخُلُ فِي اسْمِ أَنَّهُ مَلَكَهُ فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ صَحَحْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَبَقِيَ صَحِيحًا عَتَقَ.
следующие страницы →