Полный текст (659 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي فَهِيَ حُرَّةٌ إلَّا خُرَاسَانِيَّةٌ ثُمَّ قَالَ: الثَّلَاثُ مِنْهُنَّ أَوْ أَرْبَعُ هُنَّ خُرَاسَانِيَّاتٌ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَلَوْ قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي فَهِيَ حُرَّةٌ إلَّا أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي وَهَذِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي لَفْظٌ عَامٌّ، وَقَوْلُهُ: إلَّا أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي اسْتِثْنَاءُ شَخْصٍ وُجِدَ فِيهَا فِعْلٌ مِنْ جِهَتِهِ، فَقَدْ عَمَّ الْإِيجَابُ وَعُلِّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِفِعْلٍ فَمَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَا يَحْصُلُ الِاسْتِثْنَاءُ، فَبَقِينَ دَاخِلَاتٍ فِي الْيَمِينِ وَلَا يَخْرُجْنَ عَنْ الْيَمِينِ إلَّا بِيَقِينٍ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إلَّا خُرَاسَانِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقُ الِاسْتِثْنَاءَ بِفِعْلٍ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى فِعْلٍ لِتَصِيرَ هِيَ خُرَاسَانِيَّةً؛ لِأَنَّ الْخُرَاسَانِيَّةَ اسْمُ جِنْسٍ كَالرُّومِيَّةِ وَالْهِنْدِيَّةِ فَقَدْ اسْتَثْنَى اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مَعَ الْمُسْتَثْنَى أَحَدُ اسْمَيْ الْبَاقِي فَقَدْ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَى غَيْرِ الْخُرَاسَانِيَّات، فَصَارَ الْإِيجَابُ خَاصًّا، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْإِيجَابِ إلَّا بِيَقِينٍ.
وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَوَارِي لَيْسَ هُوَ الْخُرَاسَانِيَّةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُتَشَابِهًا بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِتْقَ فِي الظَّاهِرِ، فَلَمْ يَكُنْ بِدَعْوَاهُ أَنَّهَا خُرَاسَانِيَّةٌ مُدَّعِيًا خِلَافَ الظَّاهِرِ فَصُدِّقَ.
стр. 212
وَلَيْسَ كَذَلِكَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَوَارِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِذَا قَالَ: هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي.
فَقَدْ ادَّعَى خِلَافَ الظَّاهِرِ وَمَعْنًى طَارِئًا فَمَا لَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ لَا يَخْرُجْنَ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلُ، لَوْ قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ غَيْرُ خَبَّازَةٍ فَهِيَ حُرَّةٌ، فَقَالَ: كُلُّهُنَّ خَبَّازَاتٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ لِي فَهِيَ حُرَّةٌ إلَّا جَارِيَةٌ خَبَّازَةٌ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ خَبَّازَةٌ؛ لَمْ يَصَدَّقْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِيجَابَ خَاصٌّ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْإِيجَابِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهُنَاكَ الْإِيجَابُ عَامٌّ، وَالِاسْتِثْنَاءُ خَاصٌّ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
٢٦٩ - وَلَوْ قَالَ لِعَبْدٍ لَهُ يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ: حُجَّ عَنِّي حَجَّةً وَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحُجَّ حَجًّا وَسَطًا مِنْ مَنْزِلِ الْمَوْلَى، فَإِنْ حَجَّ عَنْهُ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ.
وَلَوْ قَالَ: اعْتِقْ عَنِّي عَبْدًا وَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَعْتَقَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَشْتَرِطْ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ بِأَدَاءِ النَّفَقَةِ الَّتِي يَحُجُّ بِهَا؛ لِأَنَّا لَوْ مَلَّكْنَا الْمَوْلَى تِلْكَ النَّفَقَةَ لَكَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوا ثُلُثَيْهَا فَيَحْصُلُ لِلْعَبْدِ ثُلُثُ النَّفَقَةِ فَلَا يَكُونُ حَجًّا وَسَطًا وَفِي ذَلِكَ مَنْعُ جَوَازِهِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَمِنْ حَيْثُ يَمْلِكُ الْمَوْلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ يَمْنَعُهُ مِنْهُ فَلَا يَمْلِكُهُ
стр. 213
فَلَمْ يَكُنْ الْمَنْفَعَةُ بَدَلًا عَنْ الْعِتْقِ، فَكَأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ مَجَّانًا وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ مَجَّانًا سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ شَرْطٌ أَنْ يُمَلِّكَهُ الرَّقَبَةَ ثُمَّ يُعْتِقَهُ عَنْهُ، وَلَوْ مَلَّكْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الرَّقَبَةِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا لَهُمْ أَنْ يَسْتَسْعُوا الْعَبْدَ، فَلَمْ يَكُنْ فِي تَمْلِيكِهِ مَنْعُ جَوَازِ إعْتَاقِهِ عَنْ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَكُنْ عِتْقًا مَجَّانًا، فَصَارَ عِتْقًا بِبَدَلٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ مِثْلَ قِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ مَجَّانًا بِشَيْءٍ، فَلَا يَسْعَى فِي شَيْءٍ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ اُعْتُبِرَ ثُلُثُ الْمُحَابَاةِ لَهُ وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ.
٢٧٠ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَحُجُّ بِهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ قَالَ: أَدِّ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَحُجُّ بِهَا، وَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَدَّى إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ حَجَّ الْمَوْلَى أَوْ لَمْ يَحُجَّ.
وَلَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَى وَصِيِّي أَلْفَ دِرْهَمٍ يَحُجُّ بِهَا؛ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَا لَمْ يَحُجَّ الْوَصِيُّ لَا يَعْتِقُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَحُجُّ إخْبَارٌ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْأَدَاءِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِخَبَرٍ، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ سَوَاءٌ وُجِدَ الْخَبَرُ أَمْ لَا، وَكَذَا كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ: ادْفَعُوا إلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ بَعْدَ مَوْتِي لِيُنْفِقَهَا، فَسَوَاءٌ وُجِدَ الْإِنْفَاقُ أَمْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 214
وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إذَا أَدَّيْتَ إلَى وَصِيِّي أَلْفَ دِرْهَمٍ يَحُجُّ بِهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلصِّلَةِ فَقَدْ وَصَلَ الْحَجَّ بِالدَّفْعِ، فَصَارَا شَرْطَيْنِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطَانِ لَا يَعْتِقُ.
٢٧١ - إذَا قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ عَبْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ؛ انْصَرَفَ إلَى الْوَسَطِ فَإِذَا أَدَّى عَبْدًا مُرْتَفِعًا أُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ.
وَلَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ عَبْدًا وَسَطًا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَتَى بِعَبْدٍ مُرْتَفِعٍ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ وَلَا يَعْتِقُ بِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُجُوبَ بِمُطْلَقِ الِاسْمِ، وَإِطْلَاقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْجَيِّدَ وَالْوَسَطَ وَالرَّدِيءَ، إلَّا أَنَّ فِي إيجَابِ الْجَيِّدِ إضْرَارًا بِالْعَبْدِ، وَفِي إيجَابِ الرَّدِيءِ إضْرَارٌ بِالْمَوْلَى فَأَلْزَمْنَاهُ الْوَسَطَ لَا لِحَقِّ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَإِذَا أَتَى بِالْجَيِّدِ فَقَدْ وُجِدَ مَا يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِالْمَوْلَى فَأُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ كَمَا قُلْنَا فِي الدِّيَاتِ وَالزَّكَوَاتِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: عَبْدًا وَسَطًا؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ مَلْفُوظٌ بِهِ فَاسْتِحْقَاقُهُ بِالِاسْمِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَاسْمُ الْوَسَطِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْجَيِّدِ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الَّذِي عُلِّقَ الْعِتْقُ بِهِ فَلَا يُعْتَقُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فِي كِيسٍ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَدَّى فِي غَيْرِ كِيسٍ لَمْ يُعْتَقْ، كَذَا هَذَا.
стр. 215
إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ: اعْتِقْ عَنِّي عَبْدًا وَأَنْتَ حُرٌّ؛ صَارَ مَأْذُونًا لَهُ، فَإِنْ اسْتَفَادَ عَبْدًا وَسَطًا فَأَعْتَقَهُ عَتَقَ الْمَأْمُورُ، وَلَوْ اسْتَفَادَ عَبْدًا مُرْتَفِعًا فَأَعْتَقَهُ عَنْهُ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَلَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ عَبْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَدَّى إلَيْهِ عَبْدًا مُرْتَفِعًا لَمْ يُحَرَّرْ عَلَيْهِ وَعَتَقَ الْمُشْتَرِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَسَطِ مِلْكُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَسْبُهُ قَبْلَ حُصُولِ الْحُرِّيَّةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَاكْتَسَبَ أَلْفَيْنِ وَأَدَّى إلَيْهِ أَلْفًا وَالْأَلْفُ الْبَاقِيَةُ لِلْمَوْلَى لِهَذَا الْمَعْنَى، إنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَسَطِ مِلْكٌ لِلْمَوْلَى، وَمِقْدَارُ الْوَسَطِ حَقُّ الْعَبْدِ، وَقَدْ أَوْصَلَ الْجَمِيعَ إلَى الْمَوْلَى وَعَادَ نَفْعُهُ إلَيْهِ فَعَتَقَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مُرْتَفِعًا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَسَطِ مِلْكٌ لِلْمَوْلَى، فَإِذَا أَعْتَقَهُ الْعَبْدُ فَقَدْ تَبَرَّعَ بِإِعْتَاقِ مِلْكِ الْمَوْلَى، لَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ اسْتَفَادَ عَبْدَيْنِ فَأَعْتَقَهُمَا لَمْ يُجْزِ إلَّا أَحَدَهُمَا، وَإِذَا لَمْ تُجْزِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بَقِيَ الْعِتْقُ فِي بَعْضِ الْعَبْدِ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِعِتْقِ عَبْدٍ كَامِلٍ فَلَا يَعْتِقُ بِبَعْضِهِ فَلَمْ يُجْزِ عَنْهُ.
٢٧٣ - إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ مَلَكْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ.
عَتَقَ فِي الْحَالِ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يَعْتِقُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِبْقَاءَ الْمِلْكِ مِلْكٌ، بِدَلِيلِ أَنَّكَ تَقُولُ: مَلَكْتُ هَذَا الْعَبْدَ سَنَةً وَشَهْرًا فَيَصِحُّ، فَيَدْخُلُ فِي اسْمِ أَنَّهُ مَلَكَهُ فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ صَحَحْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَبَقِيَ صَحِيحًا عَتَقَ.
стр. 216
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ عَلَى الشِّرَاءِ لَا يُسَمَّى شِرَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: اشْتَرَيْتُ عَبْدًا سَنَةً، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الِاسْمِ، فَلَا يَعْتِقُ.
٢٧٤ - ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْوَصَايَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ أَمْسِ. وَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ الْيَوْمَ عَتَقَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ. وَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ لَمْ تَطْلُقْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ وَصْفَهُ بِكَوْنِهِ حُرًّا بِالْأَمْسِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ اسْتِرْقَاقِهِ عَلَيْهِ الْيَوْمَ؛ فَعَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرُّ الْأَصْلِ عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْعُلُوقِ عِنْدَهُ.
وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَوَصَفَهَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا بِالْأَمْسِ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا بِالْأَمْسِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِالْأَمْسِ زَوْجٌ آخَرُ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا هَذَا؛ حَلَّتْ لَهُ فَلَمْ يُعَبِّرْ بِمَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ فَلَا تَطْلُقُ.
стр. 217
[كِتَابُ الْمُكَاتَبِ وَالْوَلَاءِ]
٢٧٥ - إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى قِيمَتِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَلَوْ كَاتَبَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ مُدَبَّرَتِهِ عَلَى قِيمَتِهَا جَازَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى قِيمَةِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي بَرَاءَتَهُ بِتَسْلِيمِ الْمُقَوَّمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى قِيمَةِ عَبْدِهِ فَأَتَاهَا بِالْعَيْنِ أُجْبِرَتْ عَلَى قَبُولِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْنَ أَعْدَلُ مِنْ الْقِيمَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ عَبْدًا فَأَبَقَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَسَلَّمَ الْعَيْنَ؛ بَرِئَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ أَعْدَلُ مِنْ الْقِيمَةِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا الْعَقْدَ بِقِيمَتِهِ لَبَرِئَ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ إلَيْهِ، وَفِي تَسْلِيمِ الرَّقَبَةِ إلَيْهِ اسْتِبْقَاءٌ لِلرِّقِّ، وَفِي اشْتِرَاطِ اسْتِبْقَاءِ الرِّقِّ بُطْلَانُ الْكِتَابَةِ، فَصِرْنَا مِنْ حَيْثُ نُجَوِّزُ نُبْطِلُ؛ فَلَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ قَالَ: كَاتَبْتُكَ بِشَرْطِ أَلَّا تَعْتِقَ بِأَدَاءِ الْمَالِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَاتَبَ أُمَّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى قِيمَتِهَا لَا يُوجِبُ بَرَاءَتَهَا بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ لَا تَبْرَأُ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ رَقَبَتِهَا عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ فَلَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ عَلَى قِيمَتِهَا مُوجِبًا بَرَاءَتَهَا بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ، فَصَارَتْ هَذِهِ كِتَابَةً تُفِيدُ الْعِتْقَ فَصَحَّتْ.
стр. 218
فَإِنْ قِيلَ: الْقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ، فَيَجِبُ أَلَّا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِقِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ.
قُلْنَا: التَّفَاوُتُ فِي تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ يُقْبَلُ، وَقَلِيلُ التَّفَاوُتِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْكِتَابَةِ، كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى حَيَوَانٍ.
٢٧٦ - إذَا كَاتَبَ أَمَتَهُ كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ فَوَطِئَهَا، ثُمَّ أَدَّتْ الْكِتَابَةَ فَعَتَقَتْ فَعَلَيْهِ عُقْرُهَا لَهَا.
وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً بَيْعًا فَاسِدًا فَوَطِئَهَا الْبَائِعُ، ثُمَّ سَلَّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي فَأَعْتَقَهَا وَغَرِمَ قِيمَتَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عِتْقَهَا يَسْتَنِدُ إلَى الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتْبَعُهَا الْأَوْلَادُ، وَالْأُرُوشُ، فَصَارَ عِنْدَ الْأَدَاءِ [كَأَنَّ] الْعَقْدَ كَانَ صَحِيحًا وَوَطِئَهَا الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْعُقْرُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَفِي الْبَيْعِ إذَا أَسْنَدْنَاهُ إلَى الْعَقْدِ صَارَ كَأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ صَحِيحًا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْعُقْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، كَذَا هَذَا.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ يَمْلِكُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتْبَعُهَا الْأَوْلَادُ وَالْأُرُوشُ، فَصَارَ الْوَطْءُ فِي حَقِّهَا يُوجِبُ الْعُقْرَ لَهَا.
وَفِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إنَّمَا تُمْلَكُ مِنْ حَيْثُ الْقَبْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ
стр. 219
الْأَوْلَادُ وَالْأُرُوشُ، وَالْقَبْضُ وُجِدَ الْآنَ فَصَارَ الْوَطْءُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، فَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ حُكْمَ مِلْكِهِ بَاقٍ فِيهَا فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ عِتْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَبَقَاءُ حُكْمِ مِلْكِهِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْعُقْرِ كَالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَبَقَاءُ حُكْمِ مِلْكِهِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْعُقْرِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا وَقَبَضَهَا فَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْعُقْرُ إذَا رَدَّهَا إلَى الْبَائِعِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٢٧٧ - الْمَوْلَى إذَا وَطِئَ الْمُكَاتَبَةَ كِتَابَةً صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً وَجَبَ الْعُقْرُ.
وَالْبَائِعُ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ لَا يَلْزَمُهُ الْعُقْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَوْجَبَ لَهَا الْبُضْعَ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَ مُرْتَجِعًا مَا أَوْجَبَهُ بِعَقْدِهِ فَغَرِمَ، كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ.
وَفِي الْبَيْعِ لَا يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى مَنَافِعِ الْبُضْعِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ فِيهِ تَبَعًا، وَإِذَا لَمْ يَرْتَجِعْ مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ لَمْ يَغْرَمْ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَمَّتْ، فَقَدْ ارْتَجَعَ الْمَعْقُودُ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالْبَيْعُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، فَقَدْ اسْتَوْفَى الْوَطْءَ قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَا يَغْرَمُ.
стр. 220
إذَا كَاتَبَ عَبْدَيْنِ كِتَابَةً وَاحِدَةً، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ، فَأَدَّى أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى صَاحِبِهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فَأَدَّى أَحَدُهُمَا شَيْئًا لَمْ يَرْجِعْ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُجُوبَ هَاهُنَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْأَدَاءَ مِنْ جِهَةٍ، فَلَوْ فَرَّقْنَاهُ وَجَعَلْنَا بَعْضَهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَبَعْضَهُ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ لَأَبْطَلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ بِمَالِ الْكِتَابَةِ لَا يَصِحُّ، فَصَارَ الْوُجُوبُ وَالْأَدَاءُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ إلَّا وَلَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا فَاسْتَوَيَا، فَجَازَ أَنْ يَرْجِعَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، كَالْكَفِيلَيْنِ بِمَالٍ وَاحِدٍ، كُلُّ وَاحِدٍ كَفِيلٌ ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ فَإِنَّ الْجَمِيعَ يَسْتَحِقُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ بِنِصْفِهِ عَلَى صَاحِبِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِجِهَتَيْنِ بَعْضُهُ مِنْ الضَّمَانِ، وَبَعْضُهُ مِنْ الْأَصْلِ، وَالْكَفَالَةُ بِالثَّمَنِ جَائِزَةٌ فَمِنْ حَيْثُ يَجْعَلُهُ فِي الْجِهَتَيْنِ لَا نُبْطِلُهُ، فَلَوْ جَعَلْنَا نِصْفَ الْمُؤَدَّى عَنْ صَاحِبِهِ، لَكَانَ لَهُ أَنْ يُجْعَلَ عَنْ هَذَا فَصَارَ مِنْ حَيْثُ يَرْجِعُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ فَلَا يَرْجِعُ.
٢٧٩ - إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَلَدًا وُلِدَ فِي الْكِتَابَةِ يَسْعَى فِي الْكِتَابَةِ عَلَى النُّجُومِ.
وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْغَائِبِ، ثُمَّ مَاتَ الْحَاضِرُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الْغَائِبُ حَالًا.
стр. 221
وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْأَوْلَادِ حَقًّا فِي عَقْدِ الْأَبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ يَعْتِقُونَ بِأَدَائِهِ وَلَهُ يَدٌ عَلَيْهِمْ، وَالْأَجَلُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَقَدْ جَرَّ نَفْعًا إلَيْهِمْ بِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فِيهِ، فَإِذَا جَرَّ نَفْعًا إلَيْهِمْ وَلَهُ يَدٌ عَلَيْهِمْ صَحَّ.
وَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَالْمُلْتَقِطِ إذَا قَبِلَ الْهِبَةَ لِلَّقِيطِ ثُمَّ مَاتَ.
وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ، فَقَدْ جَرَّ نَفْعًا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ يَدٍ وَلَا وِلَايَةٍ فَلَمْ يَصِحَّ، كَغَيْرِ الْمُلْتَقِطِ إذَا قَبِلَ الْهِبَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَصَارَ الْأَجَلُ مِنْ حَقِّ الْعَاقِدِ، فَإِذَا مَاتَ بَطَلَ فَحَلَّ الْمَالُ عَلَى الْغَائِبِ.
٢٨٠ - إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ ثُمَّ إنَّ الْمَوْلَى عَتَقَ بَعْضَهُمْ رُفِعَتْ حِصَّتُهُ عَنْ مَالِ الْكِتَابَةِ عَنْ الْآخَرِينَ.
وَلَوْ كَاتَبَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَأَعْتَقَ بَعْضَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يُرْفَعُ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوْلَادَ فِي مَسْأَلَتِنَا مَوْجُودُونَ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَقَدْ تَنَاوَلَهُمْ الْعَقْدُ، وَمَلَكَ رِقَابَهُمْ بِهَذَا الْبَدَلِ، فَإِذَا أَعْتَقَ بَعْضَهُمْ فَقَدْ مَنَعَ التَّسْلِيمَ فِي بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَمَنَعَ مَا بِإِزَائِهِ، كَمَا لَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ كِتَابَةً وَاحِدَةً عَلَى أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا رَفَعَ عَنْهُ حِصَّتَهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبِيدًا ثُمَّ اسْتَهْلَكَ بَعْضَهُمْ رَفَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ، وَإِنَّمَا لَحِقُوا الْعَقْدَ تَبَعًا لِلْأُمِّ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، فَكَذَلِكَ مَنْ أُعْتِقَ مِنْهُمْ
стр. 222
جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، فَلَمْ يُمْنَعُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَلَا يُمْنَعُ مَا بِإِزَائِهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ.
٢٨١ - رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ وَامْرَأَتَهُ مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَعَلَى أَوْلَادِهِمَا وَهُمْ صِغَارٌ، ثُمَّ إنَّ إنْسَانًا قَتَلَ الْوَلَدَ فَإِنَّ قِيمَتَهُ لِلْأَبَوَيْنِ جَمِيعًا يَسْتَعِينَانِ بِهَا فِي مُكَاتَبَتِهِمَا. وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ وَامْرَأَتَهُ مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا فَقُتِلَ الْوَلَدُ فَإِنَّ قِيمَتَهُ تَكُونُ لِلْأُمِّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ هَاهُنَا لَحِقَ الْوَلَدُ عَقْدَ الْكِتَابَةِ بِالشَّرْطِ وَهُمَا قَدْ اسْتَوَيَا فِي الشَّرْطِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ وَفِي بَدَلِهِ.
وَفِي الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ، الْوَلَدُ لَحِقَ الْعَقْدَ بِالْوِلَادَةِ، وَقَدْ انْفَرَدَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ، فَانْفَرَدَتْ بِثُبُوتِ الْحَقِّ فِيهِ وَفِي بَدَلِهِ.
٢٨٢ - إذَا كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ وَامْرَأَتَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَوْلَادِهِمَا، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِلْأَبَوَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبَوَيْنِ عَلَى مَالِهِ سَبِيلٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ حَالَةِ الْحَيَاةِ وَالْوَفَاةِ أَنَّ قَبُولَ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ إنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا يَنْفَعُهُ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا يَضُرُّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَلَدَ يَعْتِقُ وَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ، فَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ حَالَةَ الْحَيَاةِ لَكَانَ فِيهِ إضْرَارٌ بِالْوَلَدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
стр. 223
وَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ لَوْ جَوَّزْنَا لَهُمَا الْأَخْذَ لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْإِضْرَارِ، فَجَازَ لَهُمَا ذَلِكَ.
٢٨٣ - إذَا كَاتَبَ الْوَصِيُّ عَبْدَ الصَّغِيرِ فَبَلَغَ، كَانَ لِلصَّغِيرِ قَبْضُ مَالِ الْكِتَابَةِ.
وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْبِضُ الْمَالَ، بَلْ الْوَصِيُّ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ الْمَالَ.
وَالْفَرْقُ أَنْ الْوَصِيَّ لَيْسَ يَقْبِضُ مَالَ الْكِتَابَةِ بِحَقِّ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لَا يُوجِبُ تَعْلِيقَ الْعُهْدَةِ بِالْعَاقِدِ، إنَّمَا يُوجِبُ تَعْلِيقَهَا بِالْمَعْقُودِ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِالْكِتَابَةِ فَكَاتَبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُ الْمَالِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ بِحَقِّ الْعَقْدِ صَارَ قَبْضُهُ كَالْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَقَدْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بِالْبُلُوغِ فَزَالَ الْحَقُّ.
وَفِي الْبَيْعِ قَبْضُ الثَّمَنِ بِحَقِّ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي بَابِ الْبَيْعِ يَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، وَالْعَقْدُ بَاقٍ فَبَقِيَ مُوجَبُهُ، فَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ فَافْتَرَقَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
٢٨٤ - إذَا جَنَتْ أَمَةُ الْمَكَاتِبِ جِنَايَةً فَوَطِئَهَا الْمَكَاتِبُ كَانَ اخْتِيَارًا لِلْجِنَايَةِ. وَلَوْ أَنَّ حُرًّا لَهُ أَمَةٌ جَنَتْ فَوَطِئَهَا لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ مَسْأَلَةُ الْمَكَاتِبِ عَلَى أَنَّهُ
стр. 224
وَطِئَهَا فَأَعْتَقَهَا، وَفِي جِنَايَةِ أَمَةِ الْحُرِّ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا.
فَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ عَلَى الْمَكَاتِبِ، فَصَارَ جِنَايَةً، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا كَانَ مُخْتَارًا، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَمَةُ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تُحَرِّمُ وَطْأَهَا عَلَيْهِ فَقَدْ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهُ حَلَالًا لَمْ يُوجِبْ نُقْصَانًا فِيهَا وَلَمْ يَمْنَعْ الدَّفْعَ فَلَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا كَمَا لَوْ اسْتَخْدَمَهُ.
٢٨٥ - إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَلَدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَسَعَى الْوَلَدُ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ وَعَتَقَ لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْمَوْلَى مَا أَخَذَ، وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَخَلَفَ مَالًا فَقَضَى بَعْضَ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ قَضَى مَالَ الْكِتَابَةِ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَتَعَلَّقُوا بِهِ، فَيَأْخُذُوا مِنْهُ حِصَصَهُمْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الدُّيُونَ كُلَّهَا عَلَى الْوَلَدِ، فَهَذَا صَحِيحٌ يَقْضِي بَعْضَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ دُونَ بَعْضٍ فَلَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ الْغُرَمَاءِ عَلَى الْقَابِضِ مِنْ سَبِيلٍ، كَالْحُرِّ إذَا قَضَى بَعْضَ غُرَمَائِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِتَرِكَتِهِ، فَإِذَا قَضَى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ فَقَدْ قَطَعَ حَقَّ الْبَاقِينَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَالْمَرِيضِ إذَا قَضَى بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٢٨٦ - رَجُلَانِ كَاتَبَا عَبْدًا بَيْنَهُمَا مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً، فَأَدَّى نَصِيبَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَعْتِقْ نَصِيبَهُ، مَا لَمْ يُؤَدِّ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ.
وَلَوْ وَهَبَ لَهُ نَصِيبَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ عَتَقَ.
стр. 225
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا أَوْفَى أَحَدَهُمَا نَصِيبَهُ فَطَلَبَ الْآخَرُ مَالَ الْمُكَاتَبَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَبَضَ مِنْهُ حِصَّتَهُ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَهُ ثُمَّ يَرْجِعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِمَا قَبَضَ لِلشَّرِيكِ مِنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعَ الشَّرِيكُ بِنِصْفِ مَا قَبَضَ ثَانِيًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَالَ حِصَّتِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ طَلَبَهُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ الْمُكَاتَبِ، وَبَقَاءُ الطَّلَبِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْعَبْدِ يَمْنَعُ عِتْقَهُ، كَمَا لَوْ بَقِيَ جَمِيعُ الْمَالِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إذَا وَهَبَ مِنْهُ نَصِيبَهُ فَطَلَبَهُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ يَنْقَطِعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، فَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ كَمَا لَوْ أَدَّى جَمِيعَ الْمَالِ.
٢٨٧ - إذَا كَاتَبَ عَلَى نِصْفِ عَبْدِهِ ثُمَّ بَاعَهُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ مِنْ نَفْسِهِ فَلِلْعَبْدِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ عَجَّزَ نَفْسَهُ وَسَعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ مَضَى عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمُضِيَّ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَأَدَّى بَعْضَ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ عَجَزَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَحُسِبَ لَهُ مَا أَدَّى مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ الْقِيمَةِ، وَسَعَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ.
وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَأَدَّى بَعْضَ مَالِ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ عَجَزَ ثُمَّ كَاتَبَهُ ثَانِيًا لَمْ يُحْسَبْ لَهُ مَا أَدَّى أَوَّلًا إلَى الْمَوْلَى.
وَالْفَرْقُ أَنْ عَجْزَهُ لَمْ يُعِدْهُ إلَى الرِّقِّ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا يُوجِبُ إخْرَاجَهُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ بَاقٍ وَهُوَ ثُبُوتُ الْعِتْقِ فِي نِصْفِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْجِزْ، وَلَوْ لَمْ يَعْجِزْ يَحْسُبُ لَهُ ذَلِكَ الْمَوْلَى، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 226
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَجْزِ عَادَ إلَى حَالَةِ الرِّقِّ، بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وَالْأَدَاءُ وَقَعَ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الْعَقْدِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ الْعَقْدُ وَالْأَدَاءُ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَوَجَبَتْ السِّعَايَةُ فِي الْجَمِيعِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٢٨٨ - رَجُلٌ كَاتَبَ أَمَتَهُ، وَعَلَيْهَا دَيْنٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا، وَأَدَّتْ الْكِتَابَةَ، وَعَتَقَتْ فَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا الْمُكَاتَبَةَ مِنْ السَّيِّدِ، وَيُضَمِّنُوهُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ، إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ ضَمَّنُوهُ، وَيَرْجِعُونَ بِفَضْلِ دَيْنِهِمْ إنْ شَاءُوا عَلَى الْأُمِّ، وَإِنْ شَاءُوا عَلَى الْوَلَدِ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ الْوَلَدَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَوْ مَاتَتْ الْمُكَاتَبَةُ وَتَرَكَتْ وَلَدًا وَعَلَيْهَا دَيْنٌ وَكِتَابَةٌ يَسْعَى الْوَلَدُ فِي جَمِيعِ الدُّيُونِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُعَلَّقٌ بِرَقَبَةِ الْأُمِّ، وَسَرَى إلَى رَقَبَةِ الْوَلَدِ وَتَعَلَّقَ بِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ حَضَرُوا قَبْلَ الْكِتَابَةِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا الْجَارِيَةَ وَالْوَلَدَ، وَالْحَقَّ إذَا تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ فَإِذَا أُعْتِقَتْ الرَّقَبَةُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ فَقَطْ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بَيْعَهَا فَلَمْ يَثْبُتْ فِي رَقَبَةِ الْوَلَدِ، فَثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ، وَالذِّمَّةُ تَتَّسِعُ لِلْحُقُوقِ كُلِّهَا، فَجَازَ أَنْ يَسْعَى فِي الْجَمِيعِ.
٢٨٩ -؛ ذِمِّيٌّ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ كَافِرًا عَلَى خَمْرٍ فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْخَمْرِ.
стр. 227
وَلَوْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ عَبْدًا بِخَمْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْبَيْعُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ يَنْعَقِدُ بِالشَّيْءِ وَبِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَ عَلَى حَيَوَانٍ فَأَتَاهُ بِالْقِيمَةِ، أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهَا، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْعَقْدَ بِالْقِيمَةِ جَازَ أَنْ يُسْتَسْعَى بِهَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَا يَنْعَقِدُ بِالشَّيْءِ وَبِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ شَيْئًا فَأَتَى بِقِيمَتِهِ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْتَدِئَ عَقْدَ الْبَيْعِ بِالْقِيمَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَسْعَى بِهَا.
٢٩٠ - لَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَكَفَّلَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى. وَالْعَبْدُ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ إذَا كَفَلَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى جَازَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَانِعَ مَعَ جَوَازِ الْكَفَالَةِ عَقْدُ الْكِتَابَةِ لَا حَقُّ الْمَوْلَى، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ أَقَرَّ عَلَيْهِ بِكَفَالَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَالْكِتَابَةُ تَبْقَى مَعَ الْإِذْنِ فَقَدْ بَقِيَ الْمَانِعُ مِنْ جَوَازِهِ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِتَرِكَتِهِ فَأَعْتَقَ الْوَرَثَةُ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ فَأَجَازَهُ الْغُرَمَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جَوَازِهِ وُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ، وَالدَّيْنُ يَبْقَى مَعَ إذْنِهِمْ، فَبَقِيَ الْمَانِعُ مِنْ جَوَازِهِ فَلَمْ يَجُزْ.
كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جَوَازِ كَفَالَتِهِ حَقُّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ
стр. 228
عَلَيْهِ بِكَفَالَةٍ صَحَّ، وَقَدْ زَالَ حَقُّهُ بِالْإِذْنِ فَزَالَ الْمَانِعُ مِنْ جَوَازِهِ فَجَازَ، كَمَا قُلْنَا فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ إذَا كَفَلَ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ لَا يَثْبُتُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لِحَقِّهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ نَفَذَ، كَذَلِكَ هَذَا.
٢٩١ - إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِرَجُلٍ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فَمَا فِي بَطْنِ أَمَتِي حُرٌّ، فَأَدَّى فَوَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عَتَقَ الْوَلَدُ، وَرَجَعَ الدَّافِعُ بِمَالِهِ عَلَى الْمَوْلَى. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: اعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى أَلْفُ أُؤَدِّي إلَيْكَ، فَفَعَلَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَالَ عَلَيْهِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا أَخَذَ مِنْهُ.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: طَلِّقْ امْرَأَتَكَ عَلَى أَنْ أَدْفَعَ لَكَ أَلْفًا فَفَعَلَ اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ، وَإِذَا دَفَعَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِوَلِيِّ الدَّمِ: اُعْفُ عَنْ الْقَاتِلِ وَعَلَيَّ أَلْفٌ أَدْفَعُ إلَيْكِ، فَفَعَلَ اسْتَحَقَّ الْمَالَ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْعِتْقِ تَحْصُلُ لِلْمَوْلَى، وَهُوَ الثَّوَابُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَلَاءُ يَثْبُتُ مِنْهُ، فَقَدْ بَذَلَ لَهُ الْمَالَ عَلَى فِعْلٍ فَعَلَهُ لِنَفْسِهِ وَحَصَلَتْ مَنْفَعَتُهُ لَهُ فَلَا يَصِحُّ الْبَدَلُ وَيَرْجِعُ بِالْمَالِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِآخَرَ: كُلْ طَعَامِكَ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَكَ، أَوْ الْبِسْ ثَوْبَكَ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَكَ فَفَعَلَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلزَّوْجِ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْمَنْفَعَةُ فِيهِ لِلْقَاتِلِ وَفِي الطَّلَاقِ لِلْمَرْأَةِ، فَقَدْ بَذَلَ الْمَالَ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ لِغَيْرِهِ وَتَحْصُلُ مَنْفَعَتُهُ لِغَيْرِهِ فَجَازَ
стр. 229
وَاسْتَحَقَّ الْمَالَ كَمَا لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَهَا، أَوْ هَبْ لِفُلَانٍ كَذَا عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَهُ فَفَعَلَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَكُونُ الْمَالُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٢٩٢ - إذَا قَالَ الْمُكَاتَبُ: إذَا أُعْتِقْت فَقَدْ أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مِلْكِي لِفُلَانٍ، فَمَاتَ عَنْ وَفَاءٍ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ، فَإِنْ أَجَازَ وَرَثَتُهُ نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعُوهُ إلَى الْمُوصَى لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِمَالِ غَيْرِهِ لِفُلَانٍ فَأَجَازَ مَالِكُهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى الْحُرُّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَمَاتَ وَأَجَازُوا الْوَرَثَةُ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَرْجِعُوا فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي بَابِ الْحُرِّ إذَا أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فَالْعَقْدُ وَقَعَ لِنَفْسِهِ، فَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ فِيهِ مُسْتَفَادًا مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ فِي حَالِ الْوَصِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ امْتَنَعَ نَفَاذُهُ لِحَقِّ الْغَيْرِ، فَإِذَا زَالَ حَقُّ الْغَيْرِ بِالْإِجَازَةِ بَقِيَ الْعَقْدُ وَاقِعًا عَنْهُ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالْإِجَازَةِ، كَالْعَبْدِ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، فَإِذَا أَجَازَهُ الْمَوْلَى وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ عَنْ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالْإِجَازَةِ كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا فِي بَابِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ عَقْدَهُ لَمْ يُوجِبْ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ مُسْتَفَادًا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ وَاقِعًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ الْمَالَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى فَصَارَ ذَا هِبَةٍ مُبْتَدَأَةٍ وَتَمْلِيكًا مُسْتَقِلًّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَإِنْ سَلَّمُوهُ جَازَ وَتَمَّ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمُوهُ بَقِيَ عَلَى خِيَارِهِمْ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 230
إذَا زَوَّجَ الْمُكَاتَبُ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ زَوَّجَ الْحُرُّ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ جَازَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّنَا لَوْ جَوَّزْنَا الْعَقْدَ لَمْ يُوجِبْ الْمَهْرَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجِبَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ ضَمَانٌ، فَصَارَ ذَلِكَ تَبَرُّعًا وَتَبَرُّعُ الْمُكَاتَبِ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا إذَا زَوَّجَ الْحُرُّ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ فَلَوْ جَوَّزْنَا الْعَقْدَ لَمْ يُوجِبْ الْمَهْرَ، فَصَارَ مُتَبَرِّعًا، وَتَبَرُّعُ الْحُرِّ جَائِزٌ.
٢٩٤ - إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ أَوْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ عَجْزًا عَلَى عَبِيدِهِ.
وَمَوْتُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لَا يُوجِبُ عَزْلَ خُلَفَائِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالْعَجْزِ سَقَطَ أَمْرُهُ، وَكَذَلِكَ بِالْمَوْتِ، وَإِذَا سَقَطَ أَمْرُهُ سَقَطَ أَمْرُ مَنْ يَتَصَرَّفُ مِنْ جِهَتِهِ، كَالْمُوَكِّلِ إذَا مَاتَ انْعَزَلَ وَكِيلُهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْخَلِيفَةُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِلْمُسْلِمِينَ فَصَارَ تَوَلِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ بَاقُونَ فَقَدْ بَقِيَ مَنْ يَتَصَرَّفُ هَذَا الْوَالِي مِنْ جِهَتِهِ فَبَقِيَ عَلَى وِلَايَتِهِ.
٢٩٥ - إذَا كَاتَبَ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَعْتَقَ الْأُمَّ فَهُوَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ وَلَا يَعْتِقُ الْوَلَدُ مَعَهَا.
وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُكَاتَبَةِ فَأَعْتَقَهَا عَتَقَ الْوَلَدُ مَعَهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُ فَإِنَّ لَهُ فَسْخَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ لَهُ يَمْنَعُ زَوَالَ مِلْكِهِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا دَلَّ عَلَى الْفَسْخِ فَلَمْ يَكُنْ تَتْمِيمًا لِلْعَقْدِ، وَصَارَ فَسْخًا
стр. 231
فَانْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ، فَكَأَنَّهَا جَارِيَةٌ لَهُ وَلَهَا وَلَدٌ، فَأَعْتَقَهَا فَإِنَّهُ لَا يُعْتِقُ وَلَدَهَا مَعَهَا، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهَا فَأَعْتَقَهَا، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فَسْخًا لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَسْخًا لِلْعَقْدِ صَارَ تَتْمِيمًا لِعَقْدِ الْكِتَابَةِ وَتَتْمِيمُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ يُوجِبُ أَنْ يَتْبَعَهَا وَلَدُهَا فِي الْعِتْقِ، كَمَا لَوْ أَدَّتْ الْمَالَ وَعَتَقَتْ فَإِنَّهُ يُعْتِقُ وَلَدَهَا مَعَهَا، كَذَلِكَ هَذَا.
٢٩٦ - لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُفَاوِضَ. وَلِلْحُرِّ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ ضَامِنًا عَنْ صَاحِبِهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ ضَمَانٍ. وَضَمَانُ الْمُكَاتَبِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحُرُّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ضَامِنًا وَضَمَانُهُ جَائِزٌ، وَلِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي الضَّمَانِ وَالتَّصَرُّفِ، وَهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْحُرِّ يَجُوزُ فِي الْمُفَاوَضَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ جَمِيعًا، وَتَبَرُّعُ الْمُكَاتَبِ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِي التَّصَرُّفِ لَمْ يَنْعَقِدْ الضَّمَانُ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْحُرِّ.
٢٩٧ - إذَا وَالَى رَجُلٌ رَجُلًا ثُمَّ وُلِدَ لَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ وَلَدٌ وَقَدْ وَالَتْ رَجُلًا فَوَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوْلَى الْأَبِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ وَالَتْ وَهِيَ حُبْلَى وَلَا يُشْبِهُ هَذَا وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ.
стр. 232
وَالْفَرْقُ أَنَّ ثُبُوتَ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ بِالْعَقْدِ، وَعَقْدُهَا لَا يَجُوزُ عَلَى وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ عَقْدُهَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَكْتَمِلْ لِلْوَلَدِ وَلَاءٌ بِنَفْسِهِ فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِالْأَبِ أَوْلَى كَالنَّسَبِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِالْعِتْقِ وَهُوَ بِإِعْتَاقِ الْأُمِّ صَارَ مُعْتِقًا لِلْجَنِينِ، فَثَبَتَ وَلَاؤُهُ مِنْ الْمُعْتِقِ، فَصَارَ لَهُ وَلَاءٌ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَتْبَعْ غَيْرَهُ، فَكَانَ مَوْلًى لِلْمُعْتِقِ.
٢٩٨ - الْمَأْذُونُ إذَا كَاتَبَ عَبْدًا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، ثُمَّ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْكِتَابَةَ؛ عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ الْمُعْتَقِ الْوَلَاءُ.
وَلَوْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا فَأَدَّى الْأَوَّلُ وَعَتَقَ، ثُمَّ أَدَّى الثَّانِي وَالْأَوَّلُ حُرٌّ؛ فَإِنَّ وَلَاءَهُ لَهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ عَقْدَ الْمَأْذُونِ وَقَعَ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَمَّ بِإِذْنِهِ فَكَأَنَّ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي كَاتَبَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَدَّى الْكِتَابَةَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْمَوْلَى، فَإِذَا أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ الثَّانِي وَهُوَ حُرٌّ صَارَ كَأَنَّهُ كَاتَبَهُ وَهُوَ حُرٌّ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٢٩٩ - وَلِلصَّبِيِّ أَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ بِإِذْنِ أَبِيهِ أَوْ وَصِيِّهِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ عَلَى مَالٍ.
стр. 233
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَلْحَقُ النَّقْضَ وَالْفَسْخَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِإِذْنِ الْأَبِ، كَالْبَيْعِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ النَّقْضُ وَالْفَسْخُ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَتَوَلَّاهُ وَلَا يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ أَيْضًا أَنْ يَفْعَلَهُ بِإِذْنِهِ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ أَمْنَ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ فَيَعْتِقَ فَيَحْصُلَ لَهُ بَدَلُ الرَّقَبَةِ، أَوْ يَعْجِزَ فَيَعُودَ رَقِيقًا كَمَا كَانَ، وَإِذَا أَمِنَ الضَّرَرَ فِيهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِإِذْنِ الْأَبِ، كَالْبَيْعِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ فِي الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى أَدَاءِ الْمَالِ فَيُوَفَّى ذَلِكَ الْمَالُ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يُؤْمَنْ الضَّرَرُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ تَبَرُّعٌ فَاشْتِرَاطُ الْمَالِ الْبَدَلَ فِيهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ جِنْسِهِ كَالطَّلَاقِ وَالْهِبَةِ، وَتَبَرُّعُهُ لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَبَرُّعٍ فَجَازَ أَنْ يَنْفُذَ عَقْدُهُ.
٣٠٠ - إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِمُكَاتَبِهِ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَقَالَ: قَدْ رَدَدْتُ بِعِتْقٍ، وَلَمْ يُرَدَّ عَنْ هَذَا، ذُكِرَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَالَ يَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ مُحَمَّدٍ خِلَافُهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ نِصْفِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَقَالَ: رَدَدْتُ، لَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُ.
وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ إيجَابُ حَقٍّ، وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِيجَابٌ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ وَيَرْتَدُّ بِالرَّدِّ كَالْإِقْرَارِ فَإِذَا أَبْرَأَهُ سَقَطَ مَالُ الْكِتَابَةِ عَنْهُ، وَسُقُوطُ مَالِ
стр. 234
الْكِتَابَةِ عَنْهُ يُوجِبُ عِتْقَهُ فَإِذَا قَالَ: رَدَدْتُ؛ بَطَلَ الْإِبْرَاءُ بِرَدِّهِ كَمَا لَوْ رَدَّ الْإِقْرَارَ يُعَادُ الْمَالُ إلَيْهِ كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَوُجُوبُ الدَّيْنِ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ لَا يُوجِبُ إبْطَالَهُ، كَمَا لَوْ أَدَّى مَالِ الْكِتَابَةِ فَوَجَدَهُ زُيُوفًا فَرَدَّهُ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعِتْقَ وَيَعُودُ الْمَالُ إلَيْهِ كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَبْرَأَ عَنْ نِصْفِهِ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِ تُوجِبُ سُقُوطَهُ، فَصَارَ كَالِاسْتِيفَاءِ، وَلَوْ اسْتَوْفَى بَعْضَ مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَعْتِقْ بِشَيْءٍ كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 235
[كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ]
٣٠١ - إذَا حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الدَّارِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ مَرَّةً بِإِذْنِهِ وَمَرَّةً بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: حَتَّى آذَنَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ.
كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ فَإِنْ قَدِمَ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِلَّا طَلُقَتْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: " إلَّا أَنْ " يَكُونُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] بِمَعْنَى إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَكُمْ، فَإِذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ كَانَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الشَّرْطِ مَنْعُ لُزُومِ حُكْمِهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ لَمْ آذَنْ لَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ خَرَجْتِ مِنْ الدَّارِ، فَيَكُونُ تَعْلِيقُ يَمِينٍ بِالشَّرْطِ، وَالْيَمِينُ الْمُعَلَّقَةُ بِالشَّرْطِ لَا يَلْزَمُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِهِ، كَالْجَزَاءِ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ، وَالرَّجُلُ إنَّمَا قَصَدَ بِكَلَامِهِ اللُّزُومَ فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُمْنَعُ لُزُومُهُ، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْغَايَةِ قَصْدُ تَصْحِيحِهَا؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الْغَايَاتِ فِي الْأَيْمَانِ يَصِحُّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فِي شَهْرٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ صَحَّ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ، فَحُمِلَ عَلَى مَعْنَى الْغَايَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ خَرَجْتِ مِنْ الدَّارِ حَتَّى آذَنَ لَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِذَا أَذِنَ لَهَا مَرَّةً وُجِدَتْ الْغَايَةُ فَارْتَفَعَتْ الْيَمِينُ.
стр. 236
وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ " إلَّا أَنْ " يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْغَايَةِ إلْغَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَوْقِيتًا لِلطَّلَاقِ، وَالطَّلَاقُ إذَا وُقِّتَ تَأَبَّدَ، فَلَا يَصِحُّ التَّوْقِيتُ فِيهِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ تَصْحِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ، وَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ يَصِحُّ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَقْدَمْ فُلَانٌ، فَإِنْ قَدِمَ وَإِلَّا طَلُقَتْ.
٣٠٢ - وَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا وَهُوَ فِيهِ دَاخِلٌ فَمَكَثَ أَيَّامًا لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَأَقَامَ فِيهَا حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الدُّخُولَ عِبَارَةٌ عَنْ الِانْفِصَالِ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ، وَالْبَقَاءُ عَلَى الدُّخُولِ لَا يُسَمَّى دُخُولًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: دَخَلْتُ الدَّارَ شَهْرًا فَلَمْ يُوجَدْ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ، فَلَا يَحْنَثُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ عَلَى السُّكْنَى سُكْنَى مُبْتَدَأً، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: سَكَنْتُ الدَّارَ شَهْرًا، فَصَارَ كَالْمُبْتَدِئِ سُكْنَى بَعْدَ سُكْنَى فَوُجِدَ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ، فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ.
٣٠٣ - إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَذُوقَ شَرَابًا وَهُوَ يَعْنِي النَّبِيذَ فَأَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَذُوقُ لَبَنًا فَأَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الذَّوْقَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الشُّرْبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] وَالْمُرَادُ بِهِ الشُّرْبُ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْأَكْلُ يُقَالُ: مَا
стр. 237
ذُقْتُ الْيَوْمَ طَعَامًا، أَيْ: مَا أَكَلْت الْيَوْمَ شَيْئًا، فَإِذَا نَوَى النَّبِيذَ انْصَرَفَ إلَى الْمُعْتَادِ مِنْهُ، وَالْمُعْتَادُ مِنْ النَّبِيذِ الشُّرْبُ، فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ، فَإِذَا أَكَلَ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِذَا نَوَى اللَّبَنَ انْصَرَفَ إلَى الْمُعْتَادِ مِنْهُ وَالْمُعْتَادُ مِنْهُ أَنَّ اللَّبَنَ يُشْرَبُ تَارَةً، وَيُؤْكَلُ أُخْرَى فَإِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ.
٣٠٤ - إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الْقَمِيصَ، فَجَعَلَ مِنْهُ قَبَاءً فَلَبِسَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ فَصَارَ شَيْخًا فَكَلَّمَهُ يَحْنَثُ.
وَالْفَرْقُ أَنْ عَقْدَ الْيَمِينِ لَمْ يَتَنَاوَلْ الصِّفَةَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّابِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ كَلَامِهِ لِكَوْنِهِ شَابًّا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ كَلَامِهِ لِأَجْلِ عَيْنِهِ، وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فَإِذَا كَلَّمَهُ فَقَدْ وُجِدَ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ فَحَنِثَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقَمِيصُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَمْتَنِعُ عَنْ لُبْسِ الْقَمِيصِ لِكَوْنِهِ قَمِيصًا فَإِذَا اتَّخَذَ مِنْهُ قَبَاءً أَزَالَ تِلْكَ الصِّفَةَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَا فِي الْآخَرِ، فَقَدْ عَلَّقَ الْيَمِينَ بِصِفَةٍ، وَقَدْ زَالَتْ وَتَبَدَّلَ ذَلِكَ الِاسْمُ، وَتَجَدَّدَ اسْمٌ آخَرُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ زَالَتْ الْعَيْنُ وَتَجَدَّدَتْ عَيْنٌ أُخْرَى، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ كَذَلِكَ هَذَا.
٣٠٥ - إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَغَزْلِ أُخْرَى مَعَهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَرْكَبَ دَابَّةً لِفُلَانٍ، فَرَكِبَ دَابَّةً
стр. 238
مُشْتَرَكَةً بَيْنَ فُلَانٍ وَغَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ فُلَانٌ فَأَكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ فُلَانُ مَعَ غَيْرِهِ حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ مَا يُسَمَّى ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ وَبَعْضُ الثَّوْبِ لَا يُسَمَّى ثَوْبًا، فَلَمْ يُوجَدْ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ فَلَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ الْمَنْفِيُّ رُكُوبُ دَابَّةٍ تُنْسَبُ إلَى فُلَانٍ، وَبَعْضُ الدَّابَّةِ لَا يُسَمَّى دَابَّةً، فَلَمْ يُوجَدْ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ أَكْلُ طَعَامٍ عَقَدَ فُلَانٌ عَلَيْهِ عَقْدَ الشِّرَاءِ، وَبَعْضُ الطَّعَامِ يُسَمَّى طَعَامًا، فَوُجِدَ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ فَحَنِثَ.
٣٠٦ - إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَسَمَّاهُ بِعَيْنِهِ، فَاتَّزَرَ بِهِ أَوْ ارْتَدَى بِهِ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَمِيصًا، فَارْتَدَى بِقَمِيصٍ، أَوْ اتَّزَرَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ عَقَدَ عَلَى ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعِينٍ، فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ شَابًّا فَكَلَّمَ شَيْخًا كَانَ شَابًّا وَقْتَ يَمِينِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِذَا انْعَقَدَ الْعَقْدُ بِالصِّفَةِ فَانْصَرَفَ يَمِينُهُ إلَى الْمُعْتَادِ لُبْسُهُ، فَإِذَا ارْتَدَى بِهِ فَلَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسًا مُعْتَادًا، فَلَمْ يَحْنَثْ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ وَالِاسْمُ بَاقٍ فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ بِهِ دُونَ الصِّفَةِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ
стр. 239
لَا يُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ انْعَقَدَ الْيَمِينُ بِالْعَيْنِ دُونَ الصِّفَةِ، كَذَلِكَ هَذَا، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أَلْبَسُ شَيْئًا، فَإِذَا لَبِسَهُ حَنِثَ، سَوَاءٌ لَبِسَهُ لُبْسَ الْقَمِيصِ أَوْ الْإِزَارِ كَذَلِكَ هَذَا.
٣٠٧ - إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبًا فَأَمَرَ غَيْرَهُ حَتَّى بَاعَ، أَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَاشْتَرَى لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَزَوَّجَهُ امْرَأَةً حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ نَفَى عَقْدًا يُضَافُ إلَيْهِ وَتَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ حَنِثَ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ فِي بَابِ الشِّرَاءِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِمَنْ وَقَّعَ الْعَقْدَ لَهُ فَلَمْ يُوجَدْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلَا يَحْنَثُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ نَفَى عَقْدًا يُضَافُ إلَيْهِ وَتَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِهِ، وَالْوَكِيلُ فِي النِّكَاحِ لَا يُضِيفُ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُضِيفُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ وَلَمْ تَتَعَلَّقْ حُقُوقُهُ بِهِ، فَوُجِدَ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ فَحَنِثَ.
٣٠٨ - غَيْرُ السُّلْطَانِ مِمَّنْ يَتَوَلَّى التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ إذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ حُرًّا، فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ؛ لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَرْبَهُ لِلْحُرِّ لَا يَصِيرُ لَهُ بِالْأَمْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْ ضَرْبِ
стр. 240
الضَّارِبِ لَوَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى الضَّارِبِ دُونَ الْآمِرِ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ ضَرْبُهُ لَهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ بِرِّهِ فَحَنِثَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ عَبْدِهِ يَصِيرُ لَهُ بِالْأَمْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ لَا ضَمَانَ عَلَى الضَّارِبِ، وَإِذَا وَقَعَ فِعْلُهُ لَهُ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ بِرِّهِ فَلَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ. وَأَمَّا الْقَاضِي وَالسُّلْطَانُ فَلَا يُبَاشِرَانِ الضَّرْبَ بِأَنْفُسِهِمَا، فَالضَّرْبُ نُسِبَ إلَى الْآمِرِ، فَدَخَلَ فِي الِاسْمِ فَبَرَّ سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَوْ حُرًّا.
٣٠٩ - إذَا قَالَ: أَيُّ غِلْمَانِي بَشَّرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ، فَبَشَّرَهُ وَاحِدٌ ثُمَّ آخَرُ عَتَقَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي.
وَلَوْ قَالَ: أَيُّ غِلْمَانِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا، فَأَخْبَرَهُ وَاحِدٌ، ثُمَّ آخَرُ عَتَقَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِلْخَبَرِ السَّارِّ الصِّدْقِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِاسْتِبْشَارُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ حِنْثِهِ فِي الثَّانِي، فَلَا يَحْنَثُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِخْبَارُ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ هُوَ أَنْ يُنَظِّمَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ كَمَا يُقَالُ: قَدِمَ زَيْدٌ وَخَرَجَ عَمْرٌو، وَالْإِخْبَارُ يَصِحُّ مَعَ كَوْنِ الْمُخْبَرِ بِهِ مَعْلُومًا.
قَالَ
стр. 241
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١] وَهُوَ كَانَ عَالِمًا بِأَسْمَائِهِمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ يَصِحُّ مَعَ كَوْنِ الْمُخْبَرِ بِهِ عَالِمًا، فَوُجِدَ فِي الثَّانِي مِثْلُ مَا وُجِدَ فِي الْأَوَّلِ فَعَتَقَا جَمِيعًا.
٣١٠ - إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ مَوْلَاكَ، وَلَهُ مَوْلَيَانِ أَعْلَى وَأَسْفَلُ، فَأَيَّهُمَا كَلَّمَ حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لِمَوْلَاك، وَلَهُ مَوْلَيَانِ أَعْلَى وَأَسْفَلُ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ يَدْخُلَانِ تَحْتَ هَذَا الِاسْمِ وَالْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ بِمَعْنًى يَدْخُلُ الْآخَرُ تَحْتَهُ، فَصَارَ الْمَقْصُودُ لَهُ بِالْعَقْدِ مَجْهُولًا وَنَفْيُ كَلَامِ الْمَجْهُولِ جَائِزٌ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ رَجُلًا مِنْ النَّاسِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوَصِيَّةِ لِلْمَوْلَى الْأَعْلَى: الْمُجَازَاةُ وَالْمُكَافَأَةُ، وَالْوَصِيَّةِ لِلْأَسْفَلِ: النِّعْمَةُ عَلَيْهِ، وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَصَارَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ مَجْهُولًا، وَالْوَصِيَّةُ لِلْمَجْهُولِ لَا تَصِحُّ كَمَا قَالَ.
أَوْصَيْتُ لِوَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣١١ - إذَا قَالَ لِأَمَةٍ: إنْ بَاعَكِ فُلَانٌ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَبَاعَهَا مِنْ فُلَانٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَمْ تَعْتِقْ.
стр. 242
وَلَوْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُكِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَاشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ عَتَقَتْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَالِكَ أَضَافَ عِتْقَهَا إلَى الْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَفِعْلُ الْغَيْرِ قَدْ يَقَعُ لِنَفْسِهِ، وَيَقَعُ لِغَيْرِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ مُضِيفًا الْعِتْقَ إلَى مِلْكِهِ فَلَمْ يَعْتِقْ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِ غَيْرِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَاشْتَرَاهُ وَدَخَلَهَا لَمْ يَعْتِقْ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنْ اشْتَرَيْتُكَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَفِعْلُ الْإِنْسَانِ يَقَعُ لِنَفْسِهِ فِي الظَّاهِرِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُكَ لِنَفْسِي فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ لَزِمَهُ فَقَدْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَعَتَقَ.
٣١٢ - رَجُلٌ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْتِ هَذِهِ الدَّارَ، فَقَالَ آخَرُ: عَلَيَّ مِثْلُ ذَلِكَ إنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ، فَدَخَلَ الثَّانِي لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُهُ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عَلَيَّ نَسَمَةٌ إنْ دَخَلْتِ هَذِهِ الدَّارَ، فَقَالَ آخَرُ: عَلَيَّ مِثْلُ يَمِينِكَ إنْ دَخَلْتِ هَذِهِ الدَّارَ، فَهَذَا لَازِمٌ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَعْتَقَ عَبْدَهُ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ، وَلَمْ يُوجِبْ عِتْقًا فِي ذِمَّتِهِ، وَالْأَوَّلُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَبْرَأْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهُ يَلْزَمُ الثَّانِيَ يَبْرَأُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا فَيُعْتِقَهُ، فَلَمْ يَكُنْ الثَّانِي مِثْلَ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُهُ.
стр. 243
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْفِعْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَوْجَبَ فِي ذِمَّتِهِ عِتْقَ عَبْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْعِتْقُ مِمَّا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، وَالثَّانِي أَوْجَبَ مِثْلَ مَا أَوْجَبَهُ الْأَوَّلُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا فِي ذِمَّتِهِ كَانَ كَمِثْلِ مَا أَوْجَبَهُ الْأَوَّلُ، فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ.
٣١٣ - وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا شَعِيرٌ؛ أَوْ شَعِيرًا فِيهِ حِنْطَةٌ حَنِثَ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي حِنْطَةً فَاشْتَرَى شَعِيرًا فِيهِ حَبَّاتُ حِنْطَةٍ لَا يَحْنَثُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِيَمِينِهِ أَكْلُ الْحِنْطَةِ وَالْأَكْلُ فِعْلٌ وَبَعْضُ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْبَعْضِ، وَكُلُّ حَبَّةٍ مِنْهَا تُقْصَدُ بِالْأَكْلِ، فَوُجِدَ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ، فَحَنِثَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ الْقَصْدُ إلَى الْعَقْدِ عَلَى الْحِنْطَةِ، وَالشِّرَاءُ قَوْلٌ فَيَتْبَعُ بَعْضُ مَا يَتَضَمَّنُهُ بَعْضًا، وَالْحِنْطَةُ الْوَاحِدَةُ فِي أَثْنَاءِ الشَّعِيرِ لَا يُقْصَدُ بِالشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا، فَلَمْ يَقْصِدْ الْحَبَّةَ بِالشِّرَاءِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا، فَلَمْ يُوجَدْ مَا نَفَاهُ بِعَقْدِهِ، فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي مِسْمَارًا فَاشْتَرَى دَارًا عَلَى أَبْوَابِهَا مِسْمَارٌ لَا يَحْنَثُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣١٤ - إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنَ هَذِهِ الشَّاةِ، فَخَلَطَ لَبَنَهَا بِلَبَنِ ضَأْنٍ أَوْ مَاعِزٍ فَشَرِبَهُ حَنِثَ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنَ ضَأْنٍ فَخَلَطَهُ بِلَبَنِ مَاعِزٍ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ
стр. 244
الْغَالِبُ لَبَنَ الْمَاعِزِ، فَإِذَا شَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ لَبَنَ الضَّأْنِ فَإِذَا شَرِبَهُ حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ يَمِينَهُ وَقَعَ عَلَى اللَّبَنِ، وَاخْتِلَاطُ لَبَنِ الْمَاعِزِ بِلَبَنِ الضَّأْنِ لَا يَسْلُبُهُ اسْمَ اللَّبَنِ، فَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِ، فَقَدْ شَرِبَ اللَّبَنَ الْمَنْفِيَّ مَعَ غَيْرِهِ فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الثَّمَرَ، فَأَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ حَنِثَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَا أَشْرَبُ لَبَنَ ضَأْنٍ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مَوْصُوفٍ وَهُوَ أَلَّا يَشْرَبَ لَبَنَ الضَّأْنِ وَاخْتِلَاطُ لَبَنِ الضَّأْنِ بِلَبَنِ الْمَاعِزِ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ يَسْلُبُهُ اسْمَ لَبَنِ الضَّأْنِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لِلْغَالِبِ فَلَمْ يُوجَدْ الْمَشْرُوبُ بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَلَمْ يَحْنَثْ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ لَبَنًا فِيهِ قَطْرَةُ مَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣١٥ - إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ هَذَا الْجَزُورِ الْيَوْمَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ حَنِثَ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمَ هَذَا الْجَزُورِ فَاشْتَرَى بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ أَكْلَ جَمِيعِ لَحْمِ الْجَزُورِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُهُ، فَانْصَرَفَ يَمِينُهُ إلَى الْمُتَأَتَّى مِنْهُ، وَهُوَ الْبَعْضُ، فَإِذَا أَكَلَ الْبَعْضَ حَنِثَ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً حَنِثَ.
стр. 245
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ لَحْمَ الْجَزُورِ مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ بِالشِّرَاءِ فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ بِحَقِيقَتِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِوُجُودِ بَعْضِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣١٦ - وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ، فَأَكَلَ أَحَدَهُمَا حَنِثَ. وَلَوْ قَالَ: لَا أَشْتَرِي مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَاشْتَرَى مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يَحْنَثُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ " مِنْ " تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ وَتَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا فِي الشِّرَاءِ عَلَى التَّبْعِيضِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُحْمَلْ عَلَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يُلَاقِيَ شِرَاهُ إيَّاهُمَا، فَإِذَا اشْتَرَى مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الرَّغِيفَيْنِ؛ لِأَنَّ حَمْلَ " مِنْ " عَلَى التَّبْعِيضِ مُمْكِنٌ؛ إذْ الرَّغِيفُ مِمَّا يَتَبَعَّضُ فَلَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى التَّبْعِيضِ، فَإِذَا أَكَلَ أَحَدَهُمَا فَقَدْ أَكَلَ بَعْضَهُمَا فَحَنِثَ.
٣١٧ - إذَا قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَمَلَكَ عَبْدًا، وَنِصْفًا عَتَقَ الْعَبْدُ.
وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ كُرٍّ يَمْلِكُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَمَلَكَ كُرًّا وَنِصْفًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
стр. 246
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِلسَّابِقِ الْمُنْفَرِدِ وَنِصْفَ الْعَبْدِ لَا يُسَمَّى عَبْدًا، وَالْوَاحِدُ يُسَمَّى عَبْدًا، فَهَذَا الْوَاحِدُ أَوَّلُ عَبْدٍ وَلَمْ يُشَارِكْهُ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ لَا يُسَمَّى عَبْدًا فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكُرُّ؛ لِأَنَّ الْكُرَّ مِنْهُ لَا يُسَمَّى أَوَّلًا حَقِيقَةً، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَ نِصْفَهُ مِنْهُ وَضَمَّ إلَيْهِ النِّصْفَ الزَّائِدَ سُمِّيَ الْجَمِيعُ كُرًّا، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا أَوَّلًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، لِجَوَازِ أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ النِّصْفَ إلَى نِصْفِ هَذَا، وَيَعْزِلُ نِصْفَ هَذَا فَيَصِيرُ نِصْفُ هَذَا ثَانِيًا وَنِصْفٌ لِلْأَوَّلِ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي اسْمِ أَنَّهُ أَوَّلُ كُرٍّ لَمْ يَحْنَثْ.
٣١٨ - إذَا قَالَ: إنْ شَتَمَتْك فِي الْمَسْجِدِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَشَتَمَهُ وَالْحَالِفُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ ضَرَبْتُكَ فِي الْمَسْجِدِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَضَرَبَهُ وَالْحَالِفُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ حِينَ ضَرَبَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّتْمَ قَوْلٌ، وَالْقَوْلُ عَلَى الْعَاقِدِ دُونَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَدَخَلَ فِي اسْمِ أَنَّهُ شَتَمَهُ فِي الْمَسْجِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ فِي الِاسْمِ فَحَنِثَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الضَّرْبُ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ فِعْلٌ، وَالْفِعْلُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، فَإِنْ ضَرَبَهُ وَالْمَضْرُوبُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ الَّذِي نَفَاهُ بِالْيَمِينِ وَهُوَ ضَرْبُهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَحْنَثْ، وَالضَّارِبُ وَإِنْ ضَرَبَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وُجِدَ الْفِعْلُ الَّذِي نَفَاهُ
стр. 247
فِي الْمَسْجِدِ فَحَنِثَ.
٣١٩ - إذَا قَالَ: إنْ قَتَلْتُكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَضَرَبَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَنِثَ.
وَلَوْ كَانَ ضَرَبَهُ قَبْلَ الْيَمِينِ ثُمَّ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ وُجُودُ فِعْلٍ يَصِيرُ بِهِ قَاتِلًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ يَمِينِهِ، فَإِذَا ضَرَبَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ يَمِينِهِ فَقَدْ وُجِدَ مَا نَفَاهُ فَيَحْنَثُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا وُجِدَ الضَّرْبُ قَبْلَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ وُجُودُ فِعْلٍ يَحْصُلُ بِهِ تَفْوِيتُ الرُّوحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِعَقْدِهِ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
٣٢٠ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إلَى كُرِّ حِنْطَةٍ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ آخَرَ فَقَالَ: إنْ بِعْتُكَ عَبْدِي بِهَذِهِ الْأَلْفِ وَبِهَذَا الْكُرِّ فَهُمَا صَدَقَةٌ لِلْمَسَاكِينِ، فَبَاعَ عَبْدَهُ بِهِمَا، وَدَفَعَهُمَا إلَى الْبَائِعِ، وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ الْعَبْدَ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَتَصَدَّقُ بِالْكُرِّ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِالدَّرَاهِمِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَيْع أَوْجَبَ التَّصَدُّقَ بِتِلْكَ الْحِنْطَةِ، وَلَمْ يُوجِبْ التَّصَدُّقَ بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، فَقَدْ أَضَافَ الصَّدَقَةَ فِي الْحِنْطَةِ إلَى الْمِلْكِ، وَلَمْ يُضِفْ إلَى الدَّرَاهِمِ، فَوَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْكُرِّ دُونَ الدَّرَاهِمِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنْ لَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ بِالدَّرَاهِمِ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ كَمَالُ شَرْطِ الْحِنْثِ.
стр. 248
قُلْنَا: إنَّ الْعَقْدَ بِالدَّرَاهِمِ هُوَ تَسْمِيَتُهَا فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَعْقِدَ عَقْدًا عَلَى عَيْنِ الدَّرَاهِمِ، فَيَمْلِكُهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَيَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَيْهِمَا، فَانْصَرَفَ يَمِينُهُ إلَى الْمُمْكِنِ الْمُتَأَتَّى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ بِعْتُ الْكُرَّ وَسَمَّيْتُ الدَّرَاهِمَ فِي الْعَقْدِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا، فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْكُرِّ دُونَ الدَّرَاهِمِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣٢١ - وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى وَصِيفٍ أَوْ ثَوْبٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، ثُمَّ قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَقْبِضْ مِنْ الْمَهْرِ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ.
وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا بِغَيْرِ عَيْنِهَا وَقَبَضَهُ لَزِمَهَا التَّصَدُّقُ بِهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّهَا قَبَضَتْ الْوَصِيفَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيفَاءِ وَالْقَبْضُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيفَاءِ يَكُونُ قَبْضًا مَضْمُونًا، فَقَدْ مَلَكْتُهُ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ، وَالزَّوْجُ قَصَدَ تَمْلِيكَهَا، وَتَمْلِيكُ الْحَيَوَانِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ وَأَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ أَعْدَلَ مِنْ الْقِيمَةِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْعَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقْرَضَهُ ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا كَانَ قَرْضًا مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ، كَانَ رَدُّ الْعَيْنِ أَعْدَلَ مِنْ الْقِيمَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا رَدُّ عَيْنِ الْوَصِيفِ وَعَيْنِ الثَّوْبِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ عَلَيْهَا عَيْنَ مَا أَوْجَبَتْ التَّصَدُّقَ بِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهَا فَصَارَ كَالتَّلَفِ،
стр. 249
فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ وَأَمَّا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَتَمْلِيكُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْقَابِضُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّ عَيْنَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ قِيمَتَهُ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَلَمْ يَكُنْ الْعَيْنُ أَعْدَلَ مِنْ الْمِثْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الزَّوْجُ عَلَيْهَا عَيْنَ مَا قَبَضَتْهُ، وَإِنَّمَا لَحِقَهَا دَيْنٌ وَلُحُوقُ دَيْنٍ إيَّاهَا مِثْلُ مَا وَجَبَتْ الصَّدَقَةُ فِيهِ لَا يُسْقِطُ الصَّدَقَةَ، فَلَزِمَهَا التَّصَدُّقُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنْ لَوْ لَمْ يُعَيَّنْ الْحَيَوَانُ بِالْعَقْدِ لَجَعَلْنَاهُ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ، وَالْحَيَوَانُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ، فَجُعِلَ اسْتِيفَاءٌ لِعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ، وَمَا مُلِكَ بِتَضْمِينِ نَفْسِهِ كَانَ عَيْنُهُ أَعْدَلَ مِنْ قِيمَتِهِ، كَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا.
وَفِي الْمَكِيلِ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ جَعَلْنَاهُ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ مِثْلًا مِنْ جِنْسِهِ، فَكَانَ هُوَ وَمِثْلُهُ سَوَاءً، فَلَمْ يُجْعَلْ اسْتِيفَاءً لِعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا لَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَإِنَّهَا مَا دَامَتْ قَائِمَةً وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا تَمْلِيكٌ، فَصَارَ مَضْمُونًا بِالْقَبْضِ.
٣٢٢ - إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِآخَرَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ، فَكَلَّمَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَلَّمَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي حَنِثَ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أُكَلِّمْكَ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ، فَكَلَّمَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَعَادَ حَرْفَ النَّفْيِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ
стр. 250
مِنْهُمَا مُفْرَدًا بِالْفِعْلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] وَقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ، وَيَقُولُ: مَا أَكَلْت خُبْزًا وَلَا لَحْمًا، أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ بِالنَّفْيِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ يَوْمَيْنِ وَمُدَّةُ الْيَمِينِ تُرَاعَى مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدَانِ وُجِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَصَارَتْ مُدَّةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مِنْ حِينِ حَلَفَ وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْيَمِينِ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ الثَّانِي، فَلَا يَحْنَثُ بِمَا وَرَاءَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ الْيَوْمَيْنِ عَلَى الْوَاحِدِ بِحَرْفِ الْجَمْعِ وَلَا يَكُونُ كَالْمُفْرَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّفْيِ، فَكَانَ بِالْكَلَامِ حَانِثًا.
٣٢٣ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إنْ فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ مَا لِي عَلَيْكَ، وَلَهُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَأَوْفَاهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ افْتَرَقَا فَوَجَدَهَا زُيُوفًا أَوْ بَهْرَجَةً أَوْ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ اسْتَوْفَاهَا وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ.
وَإِنْ وَجَدَهَا سَتُّوقَةً أَوْ رَصَاصًا حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، وَهُوَ مَا زَيَّفَهُ بَيْتُ الْمَالِ، وَلَوْ تَجَوَّزَ بِهِ جَازَ، وَكَذَلِكَ الْبَهْرَجَةُ وَالْمُسْتَحَقُّ يَدْخُلَانِ فِي الْقَضَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَهُ لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ يَجُوزُ فَدَخَلَ فِي اسْمِ الِاسْتِيفَاءِ، وَإِنَّمَا يَنُصُّ مَنْ
следующие страницы →