Полный текст (659 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِلسَّابِقِ الْمُنْفَرِدِ وَنِصْفَ الْعَبْدِ لَا يُسَمَّى عَبْدًا، وَالْوَاحِدُ يُسَمَّى عَبْدًا، فَهَذَا الْوَاحِدُ أَوَّلُ عَبْدٍ وَلَمْ يُشَارِكْهُ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ لَا يُسَمَّى عَبْدًا فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكُرُّ؛ لِأَنَّ الْكُرَّ مِنْهُ لَا يُسَمَّى أَوَّلًا حَقِيقَةً، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَ نِصْفَهُ مِنْهُ وَضَمَّ إلَيْهِ النِّصْفَ الزَّائِدَ سُمِّيَ الْجَمِيعُ كُرًّا، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا أَوَّلًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، لِجَوَازِ أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ النِّصْفَ إلَى نِصْفِ هَذَا، وَيَعْزِلُ نِصْفَ هَذَا فَيَصِيرُ نِصْفُ هَذَا ثَانِيًا وَنِصْفٌ لِلْأَوَّلِ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي اسْمِ أَنَّهُ أَوَّلُ كُرٍّ لَمْ يَحْنَثْ.
٣١٨ - إذَا قَالَ: إنْ شَتَمَتْك فِي الْمَسْجِدِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَشَتَمَهُ وَالْحَالِفُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ ضَرَبْتُكَ فِي الْمَسْجِدِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَضَرَبَهُ وَالْحَالِفُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ حِينَ ضَرَبَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّتْمَ قَوْلٌ، وَالْقَوْلُ عَلَى الْعَاقِدِ دُونَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَدَخَلَ فِي اسْمِ أَنَّهُ شَتَمَهُ فِي الْمَسْجِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ فِي الِاسْمِ فَحَنِثَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الضَّرْبُ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ فِعْلٌ، وَالْفِعْلُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، فَإِنْ ضَرَبَهُ وَالْمَضْرُوبُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ الَّذِي نَفَاهُ بِالْيَمِينِ وَهُوَ ضَرْبُهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَحْنَثْ، وَالضَّارِبُ وَإِنْ ضَرَبَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وُجِدَ الْفِعْلُ الَّذِي نَفَاهُ
стр. 247
فِي الْمَسْجِدِ فَحَنِثَ.
٣١٩ - إذَا قَالَ: إنْ قَتَلْتُكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَضَرَبَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَنِثَ.
وَلَوْ كَانَ ضَرَبَهُ قَبْلَ الْيَمِينِ ثُمَّ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ وُجُودُ فِعْلٍ يَصِيرُ بِهِ قَاتِلًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ يَمِينِهِ، فَإِذَا ضَرَبَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ يَمِينِهِ فَقَدْ وُجِدَ مَا نَفَاهُ فَيَحْنَثُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا وُجِدَ الضَّرْبُ قَبْلَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ وُجُودُ فِعْلٍ يَحْصُلُ بِهِ تَفْوِيتُ الرُّوحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِعَقْدِهِ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
٣٢٠ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إلَى كُرِّ حِنْطَةٍ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ آخَرَ فَقَالَ: إنْ بِعْتُكَ عَبْدِي بِهَذِهِ الْأَلْفِ وَبِهَذَا الْكُرِّ فَهُمَا صَدَقَةٌ لِلْمَسَاكِينِ، فَبَاعَ عَبْدَهُ بِهِمَا، وَدَفَعَهُمَا إلَى الْبَائِعِ، وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ الْعَبْدَ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَتَصَدَّقُ بِالْكُرِّ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِالدَّرَاهِمِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَيْع أَوْجَبَ التَّصَدُّقَ بِتِلْكَ الْحِنْطَةِ، وَلَمْ يُوجِبْ التَّصَدُّقَ بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، فَقَدْ أَضَافَ الصَّدَقَةَ فِي الْحِنْطَةِ إلَى الْمِلْكِ، وَلَمْ يُضِفْ إلَى الدَّرَاهِمِ، فَوَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْكُرِّ دُونَ الدَّرَاهِمِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنْ لَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ بِالدَّرَاهِمِ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ كَمَالُ شَرْطِ الْحِنْثِ.
стр. 248
قُلْنَا: إنَّ الْعَقْدَ بِالدَّرَاهِمِ هُوَ تَسْمِيَتُهَا فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَعْقِدَ عَقْدًا عَلَى عَيْنِ الدَّرَاهِمِ، فَيَمْلِكُهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَيَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَيْهِمَا، فَانْصَرَفَ يَمِينُهُ إلَى الْمُمْكِنِ الْمُتَأَتَّى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ بِعْتُ الْكُرَّ وَسَمَّيْتُ الدَّرَاهِمَ فِي الْعَقْدِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا، فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْكُرِّ دُونَ الدَّرَاهِمِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣٢١ - وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى وَصِيفٍ أَوْ ثَوْبٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، ثُمَّ قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَقْبِضْ مِنْ الْمَهْرِ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ.
وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا بِغَيْرِ عَيْنِهَا وَقَبَضَهُ لَزِمَهَا التَّصَدُّقُ بِهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّهَا قَبَضَتْ الْوَصِيفَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيفَاءِ وَالْقَبْضُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيفَاءِ يَكُونُ قَبْضًا مَضْمُونًا، فَقَدْ مَلَكْتُهُ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ، وَالزَّوْجُ قَصَدَ تَمْلِيكَهَا، وَتَمْلِيكُ الْحَيَوَانِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ وَأَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ أَعْدَلَ مِنْ الْقِيمَةِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْعَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقْرَضَهُ ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا كَانَ قَرْضًا مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ، كَانَ رَدُّ الْعَيْنِ أَعْدَلَ مِنْ الْقِيمَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا رَدُّ عَيْنِ الْوَصِيفِ وَعَيْنِ الثَّوْبِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ عَلَيْهَا عَيْنَ مَا أَوْجَبَتْ التَّصَدُّقَ بِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهَا فَصَارَ كَالتَّلَفِ،
стр. 249
فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ وَأَمَّا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَتَمْلِيكُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْقَابِضُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّ عَيْنَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ قِيمَتَهُ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَلَمْ يَكُنْ الْعَيْنُ أَعْدَلَ مِنْ الْمِثْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الزَّوْجُ عَلَيْهَا عَيْنَ مَا قَبَضَتْهُ، وَإِنَّمَا لَحِقَهَا دَيْنٌ وَلُحُوقُ دَيْنٍ إيَّاهَا مِثْلُ مَا وَجَبَتْ الصَّدَقَةُ فِيهِ لَا يُسْقِطُ الصَّدَقَةَ، فَلَزِمَهَا التَّصَدُّقُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنْ لَوْ لَمْ يُعَيَّنْ الْحَيَوَانُ بِالْعَقْدِ لَجَعَلْنَاهُ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ، وَالْحَيَوَانُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ، فَجُعِلَ اسْتِيفَاءٌ لِعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ، وَمَا مُلِكَ بِتَضْمِينِ نَفْسِهِ كَانَ عَيْنُهُ أَعْدَلَ مِنْ قِيمَتِهِ، كَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا.
وَفِي الْمَكِيلِ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ جَعَلْنَاهُ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ مِثْلًا مِنْ جِنْسِهِ، فَكَانَ هُوَ وَمِثْلُهُ سَوَاءً، فَلَمْ يُجْعَلْ اسْتِيفَاءً لِعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا لَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَإِنَّهَا مَا دَامَتْ قَائِمَةً وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا تَمْلِيكٌ، فَصَارَ مَضْمُونًا بِالْقَبْضِ.
٣٢٢ - إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِآخَرَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ، فَكَلَّمَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَلَّمَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي حَنِثَ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أُكَلِّمْكَ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ، فَكَلَّمَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَعَادَ حَرْفَ النَّفْيِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ
стр. 250
مِنْهُمَا مُفْرَدًا بِالْفِعْلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] وَقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ، وَيَقُولُ: مَا أَكَلْت خُبْزًا وَلَا لَحْمًا، أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ بِالنَّفْيِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ يَوْمَيْنِ وَمُدَّةُ الْيَمِينِ تُرَاعَى مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدَانِ وُجِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَصَارَتْ مُدَّةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مِنْ حِينِ حَلَفَ وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْيَمِينِ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ الثَّانِي، فَلَا يَحْنَثُ بِمَا وَرَاءَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ الْيَوْمَيْنِ عَلَى الْوَاحِدِ بِحَرْفِ الْجَمْعِ وَلَا يَكُونُ كَالْمُفْرَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّفْيِ، فَكَانَ بِالْكَلَامِ حَانِثًا.
٣٢٣ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إنْ فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ مَا لِي عَلَيْكَ، وَلَهُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَأَوْفَاهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ افْتَرَقَا فَوَجَدَهَا زُيُوفًا أَوْ بَهْرَجَةً أَوْ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ اسْتَوْفَاهَا وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ.
وَإِنْ وَجَدَهَا سَتُّوقَةً أَوْ رَصَاصًا حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، وَهُوَ مَا زَيَّفَهُ بَيْتُ الْمَالِ، وَلَوْ تَجَوَّزَ بِهِ جَازَ، وَكَذَلِكَ الْبَهْرَجَةُ وَالْمُسْتَحَقُّ يَدْخُلَانِ فِي الْقَضَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَهُ لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ يَجُوزُ فَدَخَلَ فِي اسْمِ الِاسْتِيفَاءِ، وَإِنَّمَا يَنُصُّ مَنْ
стр. 251
نَقَدَ فَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ وَأَمَّا السَّتُّوقَةُ أَوْ الرَّصَاصُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ لَمْ يَجُزْ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي اسْمِ الِاسْتِيفَاءِ فَصَارَ كَمَا لَوْ افْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ.
٣٢٤ - إذَا قَالَ: إنْ مَلَكْتُ عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ، فَاشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْآخَرَ لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ، فَاشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْآخَرَ فَإِنَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ يَعْتِقُ.
وَلَوْ أَشَارَ إلَى عَبْدٍ وَقَالَ: إنْ مَلَكْتُكَ أَوْ اشْتَرَيْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَلَكَ نِصْفَهُ وَبَاعَهُ أَوْ اشْتَرَى نِصْفَهُ وَبَاعَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَلِقَ بِمِلْكِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَانْصَرَفَ إلَى اجْتِمَاعِ الْمِلْكِ لِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ وَجَرَيَانِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵇: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى عَبْدٍ كَامِلٍ بِجَمِيعِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: أَكَلْت رَغِيفَيْنِ وَمَلَكْتُ مِائَتِي دِرْهَمٍ، وَيُرَادُ بِهِ اجْتِمَاعُ الْمِلْكِ فِيهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 252
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يُنْبِئُ عَلَى تَمْلِيكٍ لِجَوَازِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِغَيْرِهِ فَلَا يُفِيدُ اجْتِمَاعُ الْمِلْكِ فِيهِ عُرْفًا وَعَادَةً، فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ بِحَقِيقَتِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا عُيِّنَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ مِلْكَ الْغَيْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ اجْتِمَاعُ الْمَلِكِ، فَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْعُرْفُ، وَإِنَّمَا يُرَاعِي الْحَقِيقَةَ إلَى أَنْ يُوجَدَ عُرْفٌ يَخُصُّهُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأَعْيَانِ عُرْفٌ، فَبَقِيَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ قَالَ: إنْ لَبِسْت هَذَا الْقَمِيصَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَاتَّزَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا يُرَاعَى الْعُرْفُ، وَلَوْ قَالَ: إنْ لَبِسْتُ قَمِيصًا فَاتَّزَرَ بِقَمِيصٍ لَا يَحْنَثُ لِهَذَا الْمَعْنَى، كَذَلِكَ هَذَا.
٣٢٥ - إذَا قَالَ: عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ بَاعَ هَذَا الشَّيْءَ مِنْكَ بِعَشَرَةٍ حَتَّى تَزِيدَهُ، فَزَادَهُ دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ شَيْئًا غَيْرَ الدَّرَاهِمِ - لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ بَاعَهُ بِتِسْعَةٍ لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ قَالَ: عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ إلَّا بِزِيَادَةٍ فَبَاعَهُ بِتِسْعَةٍ حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ " حَتَّى " إذَا قُرِنَ بِالنَّفْيِ لَا يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ مِنْ غَيْرِ مَا قُرِنَ بِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ حَتَّى آذَنَ لَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ مَرَّةً بِإِذْنِهِ وَمَرَّةً بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا تَطْلُقُ، وَالْمَقْرُونُ هَاهُنَا الْعَقْدُ بِعَشَرَةٍ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْعَقْدُ بِتِسْعَةٍ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: إلَّا بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ " إلَّا " إذَا قُرِنَ بِالنَّفْيِ يَقْتَضِي تَعْمِيمَ غَيْرِ مَا قُرِنَ بِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ بِإِذْنِهِ مَرَّةً، ثُمَّ دَخَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ،
стр. 253
فَصَارَ نَافِيًا كُلَّ عَقْدٍ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى الْعَشَرَةِ، فَإِذَا بَاعَهُ بِتِسْعَةٍ لَمْ تُوجَدْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ.
٣٢٦ - إذَا قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَمَا لَهُ صَدَقَةٌ، أَوْ صَلَّيْتَ فَمَا لَهُ صَدَقَةٌ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا وَصَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ تَدَبَّرَ الْكَلَامَ تَدْبِيرًا فَقَالَ: إنْ كُنْتُ تَزَوَّجْتُ أَوْ كُنْتُ صَلَّيْتُ، وَقَدْ كَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا أَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ حَنِثَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: إنْ كُنْتُ صَلَّيْتُ أَوْ كُنْتُ تَزَوَّجْتُ إخْبَارٌ، وَالْإِخْبَارُ يَقْتَضِي الْمَخْبَرَ بِحُصُولِ الِاسْمِ لَهُ، وَاسْمُ النِّكَاحِ يَحْصُلُ بِالْفَاسِدِ وَالْجَائِزِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ اسْمُ الصَّلَاةِ يَحْصُلُ فَيَحْنَثُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُسْتَقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْصِيلِ فِعْلٍ فَيُعْتَبَرُ مَقْصُودُهُ، وَالْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ إبَاحَةُ الْبُضْعِ، وَذَاكَ لَا يَحْصُلُ بِالْفَاسِدِ، فَلَا يَحْنَثُ وَفِي الْمَاضِي لَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقْصِدَ حَظْرًا وَإِبَاحَةً فِي وَقْتٍ مَاضٍ؛ إذْ لَا يَنْفَرِدُ إلَّا بِفِعْلٍ فِي وَقْتٍ مَاضٍ فَجَعَلَ الْفَاسِدَ وَالصَّحِيحَ فِيهِ سَوَاءً.
стр. 254
[كِتَابُ الْحُدُودِ]
٣٢٧ - إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا حُبِسَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ تُزَكِّيَ الشُّهُودُ.
وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِمَالٍ فَإِنَّهُ لَا يُحْبَسُ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى اجْتِهَادُ الْحُكْمِ إلَى أَنَّهُمْ عُدُولٌ جَازَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، إذَا وُجِدَ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ، إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِي إمْضَائِهِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَعْدِلُوا، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُخْلَى سَبِيلُهُ، أَوْ يُكْفَلَ، أَوْ يُحْبَسَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَى سَبِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَهْرُبَ قُبَيْلَ الْحُدُودِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكْفَلَ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ فِي بَابِ الْحُدُودِ لَا تَجُوزُ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْحَبْسِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْكَفَالَةِ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ، وَقَدْ وَجَدْنَا مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ، فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ الْكَفِيلُ احْتِيَاطًا وَلَا يُحْبَسُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَبْسَ فِي الْحُدُودِ لَا يَكُونُ إمْضَاءً لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ
الشَّهَادَةُ وَالتَّزْكِيَةُ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى الْحَبْسِ فَلَمْ يَكُنْ الْحَبْسُ إمْضَاءً لِلْحَدِّ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِيثَاقٌ فَجَازَ.
стр. 255
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ إمْضَاءٌ لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ، وَتَمَامِ الشَّهَادَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْحَبْسِ، وَإِمْضَاءُ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ لَا يَجُوزُ.
٣٢٨ - أَرْبَعَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا، فَسَأَلَهُمْ الْقَاضِي عَنْ مَاهِيَّتِهِ فَقَالُوا: لَا نَزِيدُك عَلَى هَذَا؛ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ لَوْ وَصَفَهُ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ.
وَلَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا وَوَصَفُوهُ وَقَالَ الرَّابِعُ أَشْهَدُ أَنَّهُ زَانٍ، فَسُئِلَ عَنْ صِفَتِهِ فَلَمْ يَصِفْهُ وَجَبَ الْحَدُّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُمْ لَوْ فَسَّرُوا إنَّمَا يُوجَبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَيَجُوزُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا وُجِدَ، وَالْخِلَافُ مُمْكِنٌ فَلَا يَبْطُلُ الْمُتَعَيَّنُ بِهِ بِالْمُمْكِنِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ أَوَّلًا، وَوَصَفُوا وَلَمْ يَصِفْ الرَّابِعُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ قَدْ ظَهَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفَسِّرَ الرَّابِعُ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُفَسِّرَ فَلَا يَبْطُلُ الظَّاهِرُ بِخِلَافِ الْمُمْكِنِ كَالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ لَا تَبْطُلُ بِفِسْقٍ مُمْكِنٍ.
٣٢٩ - وَيُجَرَّدُ فِي سَائِر الْحُدُودِ فَيُضْرَبُ.
стр. 256
وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ يُضْرَبُ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ بَاشَرَ فِعْلَ الْمُحَرَّمِ، فَوَجَبَ أَنْ يُبَاشِرَ جِلْدَهُ الْأَذَى، وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ بَاشَرَ الْمُحَرَّمَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، فَجَازَ أَنْ لَا يُبَاشَرَ إيلَامُ جِلْدِهِ بِالضَّرْبِ.
٣٣٠ - النَّاسُ أَحْرَارٌ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: فِي الشَّهَادَةِ وَالْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ، وَالْعَقْلِ، وَصُورَتُهَا إذَا شَهِدُوا بِمَالٍ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هُمْ عَبِيدٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى حُرِّيَّةِ الشُّهُودِ.
وَلَوْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا، ثُمَّ قَالَ الْقَاذِفُ: أَنَا عَبْدٌ فَحَدَّنِي حَدَّ الْعَبِيدِ، أَوْ الْمَقْذُوفُ عَبْدٌ فَلَا حَدَّ عَلَيَّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى حُرِّيَّتِهِ أَوْ حُرِّيَّةِ الْمَقْذُوفِ. وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ، فَقَالَ الْقَاطِعُ: أَنَا عَبْدٌ أَوْ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ عَبْدٌ، فَلَا يَجْرِي بَيْنَنَا الْقِصَاصُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ أَوْ حُرِّيَّةِ الْمَقْطُوعِ يَدُهُ.
وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا خَطَأً فَقَالَ الْقَاتِلُ: أَنَا حُرٌّ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقَالَتْ الْعَاقِلَةُ: بَلْ هُوَ عَبْدٌ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَاقِلَةِ، أَنَّهُ عَبْدٌ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ فَهُمْ أَحْرَارٌ.
стр. 257
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الظَّاهِرَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ الرِّقَّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الرِّقِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ، وَالظَّاهِرُ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ حَقٌّ عَلَى الْغَيْرِ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي رَجُلٍ فَجَاءَ آخَرُ وَادَّعَى أَنَّهَا لَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ لَوْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ هَذِهِ الدَّارِ فَجَاءَ صَاحِبُ الْيَدِ وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ بِهَا لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ، فَدَلَّ أَنَّ الظَّوَاهِرَ لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا حَقٌّ عَلَى الْغَيْرِ، فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَوْ جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ لَأَدَّى إلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ بِالظَّاهِرِ حَقًّا عَلَى الْغَيْرِ، إمَّا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْمَالَ، أَوْ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ الْقِصَاصَ أَوْ حَدَّ الْقَذْفِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ بِخِلَافِهِ نَحْوُ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ أَنَّهُ حُرٌّ فَجَاءَ آخَرُ وَقَالَ: أَنْتَ عَبْدِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَنَّهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ عَبْدًا يَكُونُ فِي يَدِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الظَّاهِرَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَجُعِلَ حُرًّا وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ فِي نَظَائِرِهِ.
٣٣١ - إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَالْإِحْصَانِ، فَزُكُّوا ثُمَّ رُجِمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، ثُمَّ وُجِدَ أَحَدُهُمْ عَبْدًا؛ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ وَلَا ضَمَانَ.
وَلَوْ شَهِدُوا فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ حُدُّوا.
وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ عَبْدًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَهَادَةً؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا شَهَادَةَ لَهُ، فَصَارَ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَذْفًا، فَقَدْ قَذَفُوا وَمَاتَ الْمَقْذُوفُ فَسَقَطَ عَنْهُمْ الْحَدُّ.
стр. 258
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ شَهَادَةً؛ إذْ شَهَادَةُ الْحُرِّ شَهَادَةٌ، فَإِذَا رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، صَارَ الْآخَرُ قَاذِفًا، فَقَدْ قَذَفُوا مَيِّتًا وَمَنْ قَذَفَ مَيِّتًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
٣٣٢ - إذَا ادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّاهِدَ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً أَمْهَلَهُ الْقَاضِي مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ.
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ الشُّهُودَ فُسَّاقٌ فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَاضِيًا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةٍ قَبْلَ التَّوْبَةِ لَمْ يَجُزْ فَهُوَ يُبَيِّنُ بَيِّنَتَهُ أَنَّ مَا أُقِيمَ لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً؛ إذْ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ، فَكَانَ مُخَلِّصًا وَإِذَا ادَّعَى مُخَلِّصًا وَبَيَّنَهُ بِالْبَيِّنَةِ تُقْبَلُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْفِسْقُ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَاضِيًا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْفُسَّاقِ فَإِنَّا لَمْ نَنْقُضْ قَضَاؤُهُ، فَلَمْ يَدَّعِ مُخَلِّصًا، وَإِنَّمَا طَعَنَ فِي الشَّاهِدِ وَالطَّعْنُ شُرِعَ سِرًّا فَإِذَا أَتَى بِهِ جَهْرًا لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ، كَمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِعَتْ جَهْرًا فَإِذَا أَتَى بِهَا سِرًّا لَمْ تَقَعْ مَوْقِعَهَا، كَذَا هَذَا.
стр. 259
إذَا زُفَّتْ لِلرَّجُلِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ.
وَلَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ فِي دَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا امْرَأَتِي فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهَا سُلِّمَتْ إلَيْهِ عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ، وَالتَّسْلِيمُ عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ يُوجِبُ حَقًّا فِي الْعَيْنِ كَالتَّسْلِيمِ عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، فَقَدْ وَطِئَهَا وَلَهُ حَقٌّ فِي عَيْنِهَا فَثَبَتَ النَّسَبُ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ كَالْأَبِ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ ابْنِهِ، وَكَأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ.
وَأَمَّا إذَا وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ فِي دَارِهِ فَهِيَ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ إلَيْهِ عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُمَيِّزَ امْرَأَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا بِالتَّفْرِيقِ فَقَدْ وَطِئَهَا وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا، فَكَانَ زِنًا وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» .
٣٣٤ - إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يُعَرِّفُوهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
стр. 260
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ فَيَجُوزُ أَنَّهُ زِنًا بِامْرَأَةٍ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زِنًا بِامْرَأَةٍ يُوجِبُ الْحَدَّ، فَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ بِالشَّكِّ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ حَكَى فِعْلَ نَفْسِهِ، فَلَا يَقَعُ لَهُ الْغَلَطُ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَلَزِمَهُ.
٣٣٥ - أَرْبَعَةٌ شَهِدُوا وَهُمْ فُسَّاقٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانُوا عُمْيَانًا أَوْ عَبِيدًا أَوْ مَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ فَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» وَالْفِسْقُ يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَغَالِبِ الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ كَمَا ارْتَكَبَ الْمَحْظُورَ يَجُوزُ أَنَّهُ نَدِمَ فَتَابَ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ الْحَدُّ لِبَقَاءِ شَهَادَةِ نَفْسِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ، فَبَقِيَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَدُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ لِبَقَاءِ شَهَادَتِهِ، وَلَا يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِلتُّهْمَةِ.
стр. 261
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا بِالنَّظَرِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِ، وَأَمَّا الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَحْدُودًا حُدَّ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ» وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ أَبْطَلَ شَهَادَتَهُ فَصَارَ كَالْعَبْدِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ قَضَى قَاضٍ بِجَوَازِ شَهَادَتِهِ جَازَ، فَلِمَ لَا يُجْعَلُ كَالْفَاسِقِ؟ .
قُلْنَا: لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ جَعَلَ لَهُ شَهَادَةً وَلِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ مَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ شَهَادَةً، فَيَحْصُلُ لَهُ شَهَادَةُ ابْتِدَاءٍ كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَا لَيْسَ بِعَقْدٍ عَقْدًا؛ لِأَنَّ قَبُولَ الشَّهَادَاتِ دَاخِلٌ تَحْتَ وِلَايَتِهِ كَالْعُقُودِ سَوَاءً. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ وَالْمَحْدُودِينَ، فَإِذَا انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ.
قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ الْمَقْبُولَةِ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ زَانٍ قَذْفًا لَا شَهَادَةً، وَفِي النِّكَاحِ لَا يُشْتَرَطُ فِعْلٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَيَجُوزُ أَلَّا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ الْمَقْبُولَةِ وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِحُضُورِهِ كَمَا لَوْ حَضَرَ ابْنَاهُ وَابْنَاهَا.
стр. 262
إذَا قَذَفَ إنْسَانٌ إنْسَانًا فَقَالَ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ زُنَاةٌ: حُدَّ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا فَقَالَ: زَنَيْت، سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالِاسْتِفْسَارِ فِي الْإِقْرَارِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ «أَنَّهُ قَالَ لِمَاعِزٍ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَهَا، لَعَلَّكَ لَمَسْتَهَا فَقَالَ: لَا، حَتَّى وَصَفَهُ» ، وَفِي الْقَذْفِ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِالِاسْتِفْسَارِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ.
وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ فِي بَابِ الْقَذْفِ اقْتَرَنَ بِهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ صَرِيحَ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ السَّبَّ وَالشَّتْمَ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِصَرِيحِ الزِّنَا، فَصَارَ كَأَنَّهُ فَسَّرَ فَصَرَّحَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ حَكَى فِعْلَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا دَلَّ عَلَى
стр. 263
أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الزِّنَا فَلِذَلِكَ شُرِطَ السُّؤَالُ، وَلِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَلَا يُحْتَالُ فِي دَرْئِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَالِصَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
٣٣٧ - إذَا قَالَ: زَنَيْت فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَإِذَا قَالَ لِآخَرَ: زَنَيْت فِي دَارِ الْحَرْبِ فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَأَضَافَهُ إلَى حَالَةٍ عُرِفَتْ وَلَوْ وُجِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَدُّ الْآنَ، لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ فَكَذَلِكَ إذَا أَضَافَهُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ: زَنَيْتُ وَأَنَا مَجْنُونٌ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ لِأَحَدٍ: زَنَيْتُ؛ لِأَنَّهُ حَكَى الْفِعْلَ عَنْ غَيْرِهِ وَأَضَافَهُ إلَى حَالٍ عُرِفَ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمَا يُوجَدُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَكُونُ زِنًا، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ فَقَدْ عَيَّرَهُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَزِمَهُ حَدُّ الْقَذْفِ.
٣٣٨ - وَإِذَا وَجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ فِي سَرِقَةٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ حُبِسَ حَتَّى يَبْرَأَ.
وَفِي الزِّنَا إذَا كَانَ مُحْصَنًا يُرْجَمُ فِي الْحَالِ وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ حُبِسَ حَتَّى يَبْرَأَ ثُمَّ يُجْلَدُ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ ضَرْبَهُ فِي الْحَالِ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِهِ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّلَفَ.
стр. 264
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ التَّلَفَ، وَفِي ضَرْبِهِ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى التَّلَفِ، فَجَازَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
٣٣٩ - إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِ وَلَدِهِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْ الْجَدِّ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَادَّعَاهُ الْجَدُّ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ دَعْوَى الِاسْتِيلَادِ إنَّمَا يَنْفُذُ لِوِلَايَةٍ ثَابِتَةٍ فِي حَالِ الصِّغَرِ مُسْتَنِدًا إلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، كَوِلَايَةِ الْمَالِ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا النَّسَبَ مِنْهُ وَصَحَّحْنَا دَعْوَاهُ لَنَفَّذْنَا قَوْلَهُ عَلَى الْوَلَدِ، وَفِي تَنْفِيذِ قَوْلِهِ عَلَى الْوَلَدِ جَعْلُ الْوِلَايَةِ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا وِلَايَةَ لِلْجَدِّ مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ، فَلَمْ يَنْفُذْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ فِي الْجَارِيَةِ إلَيْهِ وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ مَعْتُوهًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَبُ مَيِّتًا فَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يَنْفُذَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ فَصَارَ نَاقِلًا مِلْكَهُ إلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ.
٣٤٠ - لَا يُقَامُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْأَخْرَسِ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِالزِّنَا أَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُدُودِ.
وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ اسْتِحْسَانًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إشَارَةٍ يَقَعُ الْفَصْلُ بِهَا بَيْنَ وَطْءٍ يُوجِبُ
стр. 265
الْحَدَّ وَوَطْءٍ غَيْرِ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ؛ لِأَنَّ أَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنْ يُشِيرَ إلَى وَطْءٍ حَرَامٍ فَصَارَ كَالنَّاطِقِ إذَا قَالَ: وَطِئْتُ حَرَامًا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، كَذَا هُنَا، وَلِأَنَّ إشَارَتَهُ قَائِمَةٌ مَقَامَ النُّطْقِ، وَمَا أُقِيمَ مَقَامَ الْغَيْرِ لَا يُوجَبُ إثْبَاتُ الزِّنَا بِهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْإِنْكَارِ وَإِنْكَارُهُ أُقِيمَ مَقَامَ الْغَيْرِ فَلَوْ اسْتَوْفَيْنَا الْحَدَّ لَاسْتَوْفَيْنَاهُ بِإِنْكَارٍ أُقِيمَ مَقَامَ الْغَيْرِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يَسْمَعُ مَا يَشْهَدُونَ بِهِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْغَائِبِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَوْ قَدَرَ عَلَى النُّطْقِ لَادَّعَى شُبْهَةً، وَعَجْزُهُ عَنْ الْكَلَامِ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ فَصَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً وَحَدُّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرُهُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَيَحْتَالُ فِي إبْطَالِهِ بِدَلِيلِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْخَرَسَ صَارَ شُبْهَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا وَالْقِصَاصُ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَلَا يَحْتَالُ فِي إبْطَالِهِ وَإِسْقَاطِهِ، وَلَا يَبْطُلُ بِالشُّبْهَةِ الْمُمْكِنَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْقِصَاصِ، ثُمَّ رَجَعَ لَا يَبْطُلُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ سَقَطَ الْحَدُّ فَافْتَرَقَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. .
٣٤١ - إذَا زَنَى الْإِمَامُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إمَامٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَوْ قَتَلَ إنْسَانًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا زَنَى فَقَدْ فَسَقَ، فَانْعَزَلَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَقَدْ زَنَى وَلَا يَدَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَنْعَزِلُ وَلَكِنْ يُعْزَلُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْحَدَّ عَلَيْهِ لَأَوْجَبْنَا لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ
стр. 266
اسْتِيفَاؤُهَا إلَى السُّلْطَانِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ فَسَقَطَ الْحَدُّ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ فَسَقَ بِقَتْلِهِ فَانْعَزَلَ، وَالْقِصَاصُ لَا يَحْتَاجُ فِي اسْتِيفَائِهِ إلَى الْإِمَامِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَقَتْلُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، فَوَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ كَالدُّيُونِ.
٣٤٢ - إذَا قُذِفَ الْمَيِّتُ فَلِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَجَدِّهِ أَنْ يَأْخُذُوا بِالْحَدِّ.
وَلَا يَجُوزُ لِأَخِيهِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَدِّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِقَذْفِ الْمَيِّتِ صَارَ طَاعِنًا فِي نَسَبِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَبُوكَ زَنَى فَلَا يَتَّصِلُ نَسَبُكَ وَيَقُولُ لِلْجَدِّ لَا يَثْبُتُ نَسَبُ حَفَدَتِكَ مِنْهُ فَقَدْ عَيَّرَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَطَعَنَ فِي نَسَبِهِ، فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْحَدِّ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَخُ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْأَخِ لَا يَرْجِعُ إلَى أَخِيهِ، فَلَمْ يَصِرْ طَاعِنًا فِي نَسَبِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ الطَّلَبِ كَالْأَجَانِبِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ طَاعِنًا فِي نَسَبِ هَؤُلَاءِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الطَّلَبُ حَالَ حَيَاتِهِ.
قُلْنَا: إذَا كَانَ حَيًّا لَا تَلْحَقُهُمْ مَعَرَّةٌ بِهَذَا الْقَوْلِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ دُونَهُمْ.
стр. 267
إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا وَوَطِئَهَا فَقَذَفَهُ إنْسَانًا فَلَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ.
وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا وَوَطِئَهَا فَقَذَفَهُ إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشِّرَاءَ الْفَاسِدَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ أَفَادَ الْمِلْكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ثَبَتَ أَحْكَامُ الْمِلْكِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ جَازَ، فَصَادَفَ وَطْؤُهُ مِلْكَهُ فَحُدَّ قَاذِفُهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا كَمَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ صَائِمٌ عَنْ الْفَرْضِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ النِّكَاحُ الْفَاسِدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، وَلَوْ خَلَعَهَا لَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ، فَصَادَفَ وَطْؤُهُ غَيْرَ مِلْكِهِ فَبَطَلَ إحْصَانُهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِوَطْئِهِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ أَوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً، فَقَدْ قَذَفَ غَيْرَ مُحْصَنٍ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ.
٣٤٤ - إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: زَنَيْت بِجَمَلٍ أَوْ بِثَوْرٍ أَوْ بِحِمَارٍ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَلَوْ قَالَ: زَنَيْت بِنَاقَةٍ أَوْ بِأَتَانٍ أَوْ بِبَقَرَةٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: زَنَيْتِ بِنَاقَةٍ، فَقَدْ أَضَافَ فِعْلَ الزِّنَا إلَى أُنْثَيَيْنِ وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْجِمَاعِ مِنْ الْأُنْثَيَيْنِ فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى مُشَارَكَةِ الْفِعْلِ، وَإِلْصَاقُ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ بِهِ، فَحُمِلَ عَلَى الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تَدْخُلُ فِي
стр. 268
الْكَلَامِ لِلْبَدَلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: زَنَى بِكِ فُلَانٌ بِنَاقَةٍ أَوْ بِدِرْهَمٍ دَفَعَهَا إلَيْكِ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: بِبَعِيرٍ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ فِعْلَ الْجِمَاعِ إلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَلَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْجِمَاعِ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَصَارَ إدْخَالُ الْبَاءِ لِلْمُشَارَكَةِ لَا لِلْبَدَلِ؛ إذْ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْكَلَامِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: جَامَعَكِ بَعِيرٌ أَوْ ثَوْرٌ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣٤٥ - إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانًا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَذَفَهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ.
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْبَيْعِ وَالْآخَرُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ قُبِلَتْ وَحُكِمَ بِالْبَيْعِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِقْرَارَ حِكَايَةٌ، وَفِي الْحِكَايَةِ مَعْنَى ابْتِدَاءِ الْقَذْفِ، فَلَوْ جَمَعْنَا لَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِالْمَعْنَى، وَإِيجَابُ الْحَدِّ بِالْمَعْنَى لَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَطِئْتُ وَطْئًا حَرَامًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَابِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ فِي حِكَايَةِ الْبَيْعِ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ، فَلَوْ جَمَعْنَا لَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِالْمَعْنَى وَإِيجَابُ الْبَيْعِ بِالْمَعْنَى دُونَ صَرِيحِ لَفْظِهِ جَائِزٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَلَكْتُكَ بِكَذَا دِرْهَمًا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا: أَنْ لَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالْآخَرُ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا.
وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّ لَفْظَ الْإِخْبَارِ وَالِابْتِدَاءِ لَا يَخْتَلِفُ فِي بَابِ الْبَيْعِ بِدَلِيلِ أَنَّكَ تَقُولُ فِي الْإِخْبَارِ: بِعْتُ، وَفِي الِابْتِدَاءِ أَيْضًا يَقُولُ: بِعْتُ، فَيَجُوزُ أَنَّهُمَا سُمِعَا مَعًا فَحُمِلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْآخَرُ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلَمْ يَبِنْ اخْتِلَافُ
стр. 269
الشَّهَادَةِ، فَجَازَتْ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِخْبَارِ وَالِابْتِدَاءِ يُخْتَلَفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي الْإِخْبَارِ: قُلْت لَهُ: أَنْتَ زَانٍ، وَفِي الِابْتِدَاءِ يَقُولُ: يَا زَانٍ أَوْ أَنْتَ زَانٍ، فَلَمْ يَكُنْ مَا شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا عَيْنَ مَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ فَبَانَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فَلَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا.
٣٤٦ - وَإِذَا ضُرِبَ الْعَبْدُ حَدَّ الْقَذْفِ ثُمَّ عَتَقَ فَشَهِدَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ.
وَإِذَا ضُرِبَ الْكَافِرُ حَدَّ الْقَذْفِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَشَهِدَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لِلْعَبْدِ نَوْعَ شَهَادَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ أَوْ أَخْبَرَ فِي الدِّيَانَاتِ قُبِلَ قَوْلُهُ، فَإِذَا حُدَّ بَطَلَ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنْ الشَّهَادَةِ.
فَلَوْ قُلْنَا: بَعْدَ الْعِتْقِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ لَقُبِلَتْ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ، وَلَا تُقْبَلُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَالدِّيَانَاتِ فَلَمَّا بَطَلَتْ فِي الْهِلَالِ وَنَحْوِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ فَلَا تُقْبَلُ فِي شَيْءٍ.
وَلَيْسَ هَذَا كَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ لَهُ نَوْعٌ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ فَلَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ فَإِذَا أَسْلَمَ وَشَهِدَ فَهَذِهِ شَهَادَةٌ اسْتَفَادَهَا بِالْإِسْلَامِ لَمْ تَبْطُلْ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ فَجَازَ أَنْ تُقْبَلَ.
стр. 270
الِابْنُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ، أَوْ جَارِيَةَ أُمِّهِ، أَوْ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ، أَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فِي الْعِدَّةِ، أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهِ، أَوْ الْعَبْدُ وَطِئَ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ، أَوْ الْمُرْتَهِنُ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ عِنْدَهُ - فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ - أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إنْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَفِي الْأَبِ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ، وَالْبَائِعُ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَالْجَارِيَةُ الْمَمْهُورَةُ إذَا وَطِئَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَالْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنًا إذَا وَطِئَهَا الزَّوْجُ، وَالْجَارِيَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ - فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَإِنْ قَالَ عَلِمْتُ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ الشُّبْهَةَ فِي الْفِعْلِ؛ إذْ لَا شُبْهَةَ لِهَؤُلَاءِ فِي عَيْنِ الْمَوْطُوءَةِ وَلَكِنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ لِأَنَّ الِابْنَ يَنْبَسِطُ وَيَتَصَرَّفُ فِي مَالِ أَبِيهِ، فَإِذَا ظَنَّ أَنَّ لَهُ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فَقَدْ ظَنَّ فِي مَوْضِعِ الظَّنِّ وَالِاشْتِبَاهِ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ يَنْبَسِطُ، وَيَتَصَرَّفُ فِي مَالِ زَوْجَتِهِ، فَإِذَا ظَنَّ أَنَّ حُكْمَ بَقَايَا الْمِلْكِ حُكْمُ نَفْسِ الْمِلْكِ، فَقَدْ ظَنَّ فِي مَوْضِعِ الظَّنِّ وَالِاشْتِبَاهِ، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ، وَهُوَ نَوْعُ تَصَرُّفٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْوَطْءِ، فَإِذَا وَطِئَ وَادَّعَى الِاشْتِبَاهَ اسْتَنَدَ دَعْوَاهُ إلَى شُبْهَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَبِالشُّبْهَةِ الْمُمْكِنَةِ يُدْرَأُ الْحَدُّ.
стр. 271
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ وَالْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ هُنَا مُتَمَكِّنَةٌ فِي الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ حَقًّا فِي مَالِ ابْنِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَكَذَلِكَ لِلْبَائِعِ حَقٌّ فِي الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ يُقَامُ مَقَامَ الْمِلْكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَالْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنًا حُكْمُ الْمِلْكِ فِيهَا بَاقٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ، وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرَكَةُ مِلْكُهُ فِيهَا بَاقٍ فَصَادَفَ وَطْؤُهَا مِلْكَهُ، فَيَسْقُطُ الْحَدُّ فِي الْبَعْضِ فَسَقَطَ فِي الْبَاقِي، وَإِذَا كَانَتْ الشُّبْهَةُ فِي الْعَيْنِ اسْتَوَى عِلْمُهُ وَجَهْلُهُ، فَسَوَاءٌ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي أَوْ لَمْ يَقُلْ وُجِدَتْ الشُّبْهَةُ الْمُوجِبَةُ لِسُقُوطِ الْحَدِّ فَسَقَطَ، وَفِي الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَا، الشُّبْهَةُ فِي الْفِعْلِ فَإِذَا قَالَ عَلِمْتُ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ لَمْ يَبْقَ شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ وَلَا شُبْهَةٌ لَهُ فِي الْعَيْنِ فَلَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ.
فَإِنْ قِيلَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَا يَقَعُ فَلَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فَلِمَ لَا يُجْعَلُ هَذَا كَالْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنَةِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ لَا يُحَدُّ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا لَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا عِنْدَنَا، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافِ حُكْمٌ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حُدَّ، وَإِنْ قَالَ:
стр. 272
ظَنَنْتُ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: رُوِيَ أَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ مِنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا يُحَدُّ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ.
٣٤٨ - رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي أَعْمَى دَعَا امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ، فَأَجَابَتْهُ غَيْرُهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، قَالَ: يُحَدُّ.
وَلَوْ أَجَابَتْهُ وَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةُ، تَعْنِي امْرَأَتُكَ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، قَالَ: لَا يُحَدُّ، وَثَبَتَ نَسَبُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهَا إذَا أَجَابَتْهُ وَلَمْ تَقُلْ أَنَا فُلَانَةُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَنْهَا، وَيَسْتَفْسِرَهَا، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُعْذَرْ كَمَا لَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ امْرَأَةً فَوَاقَعَهَا، وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا امْرَأَتِي.
وَأَمَّا إذَا قَالَتْ: أَنَا فُلَانَةُ فَلَا يَتَوَصَّلُ الْأَعْمَى إلَى مَعْرِفَةِ امْرَأَتِهِ فِي الْعَادَةِ إلَّا بِذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فَلَا يُحَدُّ، كَمَا لَوْ زُفَّتْ إلَى الْبَصِيرِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ، وَأَمَّا الْبَصِيرُ فَيَتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَتِهَا بِالْمُشَاهَدَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِي وَطْئِهَا بِالْإِجَابَةِ.
٣٤٩ - إذَا مَاتَ الشُّهُودُ عَلَى الزِّنَا - سَقَطَ الرَّجْمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَلَوْ أَصَابَهُمْ مَرَضٌ، بِحَيْثُ عَجَزُوا عَنْ الْبِدَايَةِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَبْدَأُ ثُمَّ النَّاسُ، وَلَا يَسْقُطُ الرَّجْمُ.
стр. 273
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْتَ صَارَ شُبْهَةً لِجَوَازِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَامْتَنَعُوا عَنْ الْبِدَايَةِ، أَوْ رَجَعُوا فَلَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ التَّحَرِّي.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَرَضُ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الرَّجْمِ كَانَ لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِعْلُهُمْ مَعَ التَّعَذُّرِ، وَلَوْ امْتَنَعُوا لِأَجْلِ الرُّجُوعِ بِلِسَانِهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَرْجِعُوا بِاللِّسَانِ، وَالْعُذْرُ عَنْ الِامْتِنَاعِ ظَاهِرٌ، زَالَتْ التُّهْمَةُ فَلَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ.
٣٥٠ - لَا يُفَرَّقُ التَّعْزِيرُ عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَلَوْ ضُرِبَ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ جَازَ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْتَلًا.
وَفِي الْحَدِّ يُفَرَّقُ الضَّرْبُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّعْزِيرِ إيصَالُ الْأَلَمِ، وَجَمْعُهُ أَبْلَغُ فِي إيصَالِ الْأَلَمِ، وَلَا يُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ يُضْرَبُ فِي الْحَدِّ ثَمَانُونَ أَوْ مِائَةٌ، وَفِي التَّعْزِيرِ لَا يُزَادُ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ غَالِبًا.
٣٥١ - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لِلْوَلَدِ وَالْوَالِدِ - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا - أَنْ يُطَالِبَ بِالْحَدِّ، إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ حُرًّا مُسْلِمًا.
وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ عَبْدًا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَبَ مَتَى كَانَ مُحْصَنًا وَقَذَفَهُ إنْسَانٌ فَقَدْ صَحَّ الْقَذْفُ، وَأُلْحِقَ الشَّيْنُ بِالِابْنِ وَالْأَبِ، وَالشَّيْنُ إذَا حَصَلَ بِقَذْفٍ صَحِيحٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْحَدُّ كَمَا لَوْ كَانَ الِابْنُ وَالْأَبُ حُرَّيْنِ.
стр. 274
وَأَمَّا إذَا قُذِفَ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ فَالْقَذْفُ لَيْسَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ غَيْرَ مُحْصَنٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِإِلْحَاقِ الشَّيْنِ بِهِ حَدٌّ، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ.
٣٥٢ - غَيْرُ مُحْصَنٍ إذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَذَفَ الْمُحْصَنَةَ اسْتَوْفَى الْجَمِيعَ، فَيُبْدَأُ بِحَدِّ الْقَذْفِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ الْإِمَامُ بَدَأَ بِحَدِّ الزِّنَا، وَإِنْ شَاءَ بَدَأَ بِالسَّرِقَةِ، وَيُؤَخِّرُ حَدَّ الشُّرْبِ.
وَأَمَّا الْمُحْصَنُ إذَا أَقَرَّ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ قُدِّمَ حَدُّ الْقَذْفِ ثُمَّ رُجِمَ، وَسَقَطَ حَدُّ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ اتَّصَلَ بِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ لِأَنَّهُ إلَيْهِ الطَّلَبُ، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إذَا اجْتَمَعَ مَعَ حَقِّ الْآدَمِيِّينَ قُدِّمَ حَقُّ الْآدَمِيِّينَ كَالدَّيْنِ وَالزَّكَاةِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى هَذِهِ الْحُدُودَ بَقِيَتْ حُدُودُ اللَّهِ كُلُّهَا وَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فَاسْتَوْفَى الْكُلَّ وَحَدُّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ اسْتَوَيَا فِي التَّأَكُّدِ؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى ثَبَتَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَحَدُّ الشُّرْبِ إنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَكَانَ أَضْعَفَ مِنْ الَّذِي ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ، فَيَجِبُ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ.
стр. 275
وَأَمَّا فِي الْمُحْصَنِ فَهَذِهِ حُدُودٌ اجْتَمَعَتْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِهَا إسْقَاطُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ رَجْمًا، لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَالشُّرْبِ، وَلَوْ اسْتَوْفَى حَدَّ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ أَمْكَنَ إقَامَةُ الرَّجْمِ بَعْدَهُمَا، وَالْإِمَامُ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِ الْحُدُودِ وَدَرْئِهَا، وَفِي الْبِدَايَةِ بِالرَّجْمِ دَرْءٌ لِحَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ؛ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالرَّجْمِ دَرْءًا لِحَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ.
стр. 276
[كِتَابُ السَّرِقَةِ]
ِ ٣٥٣ - قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يَكُنْ خِلَافٌ: إذَا نَقَبَ الْبَيْتَ وَأَدْخَلَ يَدَهُ وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَذَهَبَ لَمْ يُقْطَعْ.
وَلَوْ شَقَّ الْجُوَالِقَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ قُطِعَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي بَابِ الْبَيْتِ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ بِأَقْصَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ هَتْكُ حِرْزِ الْبَيْتِ بِالْوُلُوجِ فِيهِ وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ، وَلَمْ يَدْخُلْهُ فَلَمْ يُقْطَعْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُدْخِلْ الْيَدَ وَلَكِنَّهُ نَقَبَ فَسَقَطَ مِنْهُ الْمَتَاعُ.
وَأَمَّا فِي الْجُوَالِقِ فَقَدْ هَتَكَ الْحِرْزَ بِأَقْصَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْجُوَالِقِ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِ الْمَتَاعِ وَيَعْتَادُ ذَلِكَ، وَقَدْ فَعَلَ فَوَجَبَ الْقَطْعُ.
٣٥٤ - إذَا سَرَقَ مِنْ حَمَّامٍ أَوْ حَانُوتٍ قَدْ أَذِنَ صَاحِبُهُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهِ وَصَاحِبُهُ هُنَاكَ لَمْ يُقْطَعْ.
وَلَوْ سَرَقَ مِنْ مَسْجِدٍ وَصَاحِبُهُ هُنَا فِي الْمَسْجِدِ قُطِعَ.
стр. 277
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَمَّامَ أَوْ الْحَانُوتَ حِرْزٌ فِي نَفْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ صَاحِبُهُ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ حِرْزًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ كَوْنُ صَاحِبِهِ مَعَهُ فِي الْإِحْرَازِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَافِظٌ لَمْ يُقْطَعْ كَذَا هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْجِدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ بِحِرْزٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُغْلِقَ بَابَهُ وَيَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ لَا يَقْدِرُ، فَصَارَ حِرْزًا بِالْحَافِظِ كَالْمَفَازَةِ فَإِذَا سَرَقَ مِنْهُ فَقَدْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ فَقُطِعَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ صَفْوَانَ.
стр. 278
فَرْقٌ آخَرُ: أَوْ نَقُولُ: الْحَمَّامُ وَإِنْ كَانَ حِرْزًا إلَّا أَنَّهُ إذَا أَذِنَ صَاحِبُهُ أَخْرَجَهُ مِنْ كَوْنِهِ حِرْزًا فَلَا يُقْطَعُ.
وَفِي الْمَسْجِدِ صَارَ حِرْزًا بِالْحَافِظِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَتِهِ إذْنٌ بِالدُّخُولِ فَبَقِيَ حِرْزًا فَقُطِعَ.
فَإِنْ قِيلَ: وَلَوْ أَذِنَ؟ قُلْنَا: لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَأْذُونٌ بِالدُّخُولِ فِيهِ، فَاسْتَوَى وُجُودُ إذْنِهِ وَعَدَمُهُ.
٣٥٥ - إذَا سَرَقَ ثَوْبًا لَا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَانِبِهِ مَالٌ عَظِيمٌ مَصْرُورٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ السَّارِقُ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ عَلِمَ قُطِعَ.
وَإِنْ سَرَقَ كِيسًا أَوْ جُوَالِقًا لَا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَفِيهِ مَالٌ قُطِعَ، عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ السَّرِقَةِ الثَّوْبُ دُونَ الدَّرَاهِمِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ لَا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَلَا يُقْطَعُ بِهِ، فَصَارَتْ الدَّرَاهِمُ تَبَعًا لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودَهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ وَقَصَدَ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ تَبَعًا.
стр. 279
وَأَمَّا الْجُوَالِقُ وَالْكِيسُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مَا فِيهِ لَا الْجُوَالِقُ وَالْكِيسُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَمَا فِيهِ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ سَرَقَ الدَّرَاهِمَ وَحْدَهَا يُقْطَعُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣٥٦ - إذَا سَرَقَ وَإِبْهَامُهُ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ لَمْ تُقْطَعْ الْيَمِينُ.
وَإِنْ كَانَتْ إصْبَعًا غَيْرَ الْإِبْهَامِ مِنْ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً قُطِعَ الْيَمِينُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قُوَّةَ الْإِبْهَامِ تُعَادِلُ جَمِيعَ الْأَصَابِعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُلَاقِي جَمِيعَ الْأَصَابِعِ فَصَارَتْ قُوَّتُهُ كَقُوَّةِ الْأَصَابِعِ كُلِّهَا، فَلَوْ قَطَعْنَا الْيَمِينَ لَفَوَّتْنَا مَنْفَعَةَ الْبَطْشِ كُلَّهَا بِكَمَالِهَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُ الْإِبْهَامِ؛ لِأَنَّ قُوَّتَهُ لَا تُعَادِلُ جَمِيعَ الْأَصَابِعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُلَاقِي جَمِيعَ الْأَصَابِعِ، وَلَا يَقَعُ التَّنَاوُلُ بِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيُسْرَى مَكْسُورَةً ظُفْرُهَا وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقُطِعَ الْيَمِينُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣٥٧ - لَوْ كَانَتْ أَصَابِعُ رِجْلِهِ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى إذَا أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ.
وَلَوْ كَانَتْ أَصَابِعُ الْيَدِ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً لَا تُقْطَعُ الْيَدُ الْيُمْنَى.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الرِّجْلِ الْمَشْيُ، وَالْمَشْيُ مُمْكِنٌ مَعَ فَوْتِ الْأَصَابِعِ الْيُمْنَى
стр. 280
لَا يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْيُسْرَى؛ فَجَازَ أَنْ تُقْطَعَ.
بِخِلَافِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا الْبَطْشُ وَتَفَوُّتُ الْأَصَابِعِ يُفَوِّتُ الْبَطْشَ وَالتَّنَاوُلَ فَلَوْ قَطَعْنَا الْيُمْنَى لَفَوَّتْنَا عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْبَطْشِ بِكَمَالِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
٣٥٨ - رَجُلَانِ كَانَا فِي دَارِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَقْصُورَةٍ عَلَى حِدَةٍ، فَنَقَبَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَأَخَذَ مَتَاعَهُ قُطِعَ، إذَا كَانَتْ دَارًا كَبِيرَةً.
وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ يُقْطَعْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّارَ إذَا كَانَتْ كَبِيرَةً كَالْخَانِ يَكُونُ فِيهَا مَقَاصِيرُ، فَكُلُّ بَيْتٍ يَكُونُ فِيهَا حِرْزًا عَلَى حِدَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِذْنَ فِي دُخُولِ الدَّارِ لَا يَكُونُ إذْنًا فِي دُخُولِ جَمِيعِ مَقَاصِيرِهَا، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلْمُودَعِ: احْفَظْهَا فِي بَيْتِكَ هَذَا فَحَفِظَهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ مِنْهَا فَضَاعَتْ ضَمِنَ، فَصَارَ كَالْمَكَانَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الدَّارُ صَغِيرَةً فَالْحِرْزُ حِرْزٌ وَاحِدٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِذْنَ فِي دُخُولِهَا إذْنٌ فِي دُخُولِ جَمِيعِ بُيُوتِهَا، وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْمُودِعَ لَوْ قَالَ: احْفَظْهَا فِي بَيْتِك هَذَا، فَحَفِظَهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ لَمْ يَضْمَنْ، فَصَارَا كَالْبَيْتِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ كَانُوا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَسَرَقَ أَحَدُهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا لَمْ يُقْطَعْ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 281
٣٥٩ - إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ صَبِيٍّ، أَوْ مَعَ مَعْتُوهٍ أَوْ أَخْرَسَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، فِي جَوَابِ " الْأَصْلِ " وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ فُلَانٍ النَّاطِقِ الْعَاقِلِ، وَأَنْكَرَ فُلَانٌ قُطِعَ الْمُقِرُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ وُجُوبُ الْقَطْعِ عَلَيْهِ بِحَالٍ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ أَيْضًا، كَالْمُخْطِئِ وَالْعَامِدِ إذَا اشْتَرَكَا فِي الْقَتْلِ، وَالْأَبُ وَالْأَجْنَبِيُّ إذَا سَرَقَا شَيْئًا مِنْ مَالِ الِابْنِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مُشْتَرَكٍ وَذَلِكَ الشَّرِيكُ مِمَّنْ يَجُوزُ وُجُوبُ الْقَطْعِ عَلَيْهِ، فَجَازَ وُجُوبُهُ عَلَى هَذَا أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْآخَرِ. الدَّلِيلُ عَلَيْهِ: لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلًا ثُمَّ عَفَا عَنْ أَحَدِهِمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْآخَرِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣٦٠ - إذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى قَوْمٍ، وَفِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
وَبِمِثْلِهِ، لَوْ كَانَ فِيهِمْ حَرْبِيٌّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ رِفْقَةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُلْتَزِمِ نُصْرَةَ صَاحِبِهِ، فَصَارَ كَالْمُسْتَحْفِظِ مَالَهُ إيَّاهُ، فَكَأَنَّهُمْ أَوْدَعُوا مَالَهُ عِنْدَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْهُ، فَقَطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُقْطَعُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُمْ حَرْبِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَلْتَزِمْ نُصْرَةَ
стр. 282
الْحَرْبِيِّ؛ إذْ لَا تَنَاصُرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، فَلَمْ يَصِيرُوا كَالْمُسْتَحْفِظِينَ مَالَهُ إيَّاهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي رُفْقَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَالْحَرْبِيُّ فِي رُفْقَةٍ أُخْرَى عَلَى حِدَةٍ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٣٦١ - وَإِذَا ضَرَبَ الْفُسْطَاطَ فِي الْجَبَّانَةِ وَفِيهَا مَتَاعٌ، وَصَاحِبُهُ فِيهِ، فَدَخَلَ سَارِقٌ، وَسَرَقَ الْمَتَاعَ قُطِعَ. وَلَوْ سَرَقَ الْفُسْطَاطَ بِعَيْنِهِ لَمْ يُقْطَعْ.
وَلَوْ كَانَ الْفُسْطَاطُ مَلْفُوفًا وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ فَسَرَقَهُ سَارِقٌ قُطِعَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْفُسْطَاطَ حِرْزٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِذَا سَرَقَ مِنْهُ فَقَدْ سَرَقَ مِنْ الْحِرْزِ فَقُطِعَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَلْفُوفًا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا فَصَارَ مُحْرَزًا بِالْحَافِظِ، فَإِذَا سَرَقَهُ وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ قُطِعَ، كَمَا لَوْ قَلَعَ بَابَ دَارِهِ وَأَدْخَلَهُ فِي دَارِهِ، وَقَعَدَ عَلَيْهِ فَجَاءَ سَارِقٌ وَسَرَقَهُ قُطِعَ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ غَيْرَ مَلْفُوفٍ؛ لِأَنَّهُ حِرْزٌ بِنَفْسِهِ قَدْ سُرِقَ وَنَفْسُ الْحِرْزِ لَا يَكُونُ فِي الْحِرْزِ، فَقَدْ سُرِقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا يُقْطَعُ، كَمَا لَوْ سُرِقَ بَابُ الدَّارِ.
٣٦٢ - إذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ نِصَابًا بِاللَّيْلِ قُطِعَ.
стр. 283
وَلَوْ سَرَقَ بِالنَّهَارِ لَا يُقْطَعُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَمَّامَ حِرْزٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا بِوُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، وَقَدْ وُجِدَ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ مِنْ كَوْنِهِ حِرْزًا بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، فَقَدْ سَرَقَ بِاللَّيْلِ مِنْ حِرْزٍ فَقُطِعَ، وَسَرَقَ بِالنَّهَارِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا يُقْطَعُ.
٣٦٣ - إذَا نَقَبَ بَيْتَ رَجُلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُكَابَرَةً لَيْلًا حَتَّى سَرَقَ مِنْهُ مَتَاعًا يُسَاوِي أَلْفًا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ.
وَلَوْ كَابَرَهُ فِي الْبَلَدِ فِي الطَّرِيقِ نَهَارًا فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّارِقَ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ الْحِرْزِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِخْفَاءِ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا بِاللَّيْلِ فَهُوَ مُسْتَخْفٍ مِنْ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْفِ مِنْ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْغَوْثَ لَا يَلْحَقُهُ بِاللَّيْلِ، فَوُجِدَ مَعْنَى السَّرِقَةِ فَقُطِعَ.
وَأَمَّا بِالنَّهَارِ فَلَيْسَ بِأَخْذٍ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَاءِ؛ لِأَنَّ الْغَوْثَ يَلْحَقُهُ، فَلَمْ يُوجَدْ مَعْنَى السَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مَعْنَى الْغَصْبِ وَالِاخْتِلَاسِ فَلَا يُقْطَعُ.
٣٦٤ - إذَا سَرَقَ رَجُلَانِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَا يُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ سَرَقَ الْعَشَرَةَ الدَّرَاهِمَ.
وَلَوْ اجْتَمَعَا فَقَتَلَا رَجُلًا وَاحِدًا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ.
стр. 284
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُشَارَكَةَ وُجِدَتْ فِي أَخْذِ الْمَالِ، وَالْمَالُ مِمَّا يَتَبَعَّضُ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخَذَ نِصْفَهُ، وَمَنْ سَرَقَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ لَا يُقْطَعُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ إزْهَاقُ الرُّوحِ، وَهُوَ مَا لَا يَتَبَعَّضُ فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْمُفَوِّتِ لِجَمِيعِ الرُّوحِ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا.
٣٦٥ - السَّارِقُ إذَا رَدَّ الْمَسْرُوقَ إلَى أَخِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، أَوْ أُخْتِهِ، أَوْ أَجِيرِهِ، أَوْ عَبْدِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ؛ أَوْ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ.
وَلَوْ رَدَّ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ إلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ سَقَطَ الضَّمَانُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا فِي عِيَالِهِ فَهُمْ حَفَظَةٌ لَهُ وَحِرْزٌ لَهُ، فَصَارَ يَدُهُمْ يَدًا لَهُ، فَإِذَا رَدَّ إلَيْهِمْ صَارَ كَمَا لَوْ رَدَّهُ إلَى يَدِ صَاحِبِهِ، وَلَوْ رَدَّهُ إلَى يَدِ صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقَطْعِ بَرِئَ مِنْ الْقَطْعِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ، وَمَنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُمْ لَيْسَتْ بِيَدٍ لَهُ، وَهُمْ لَيْسُوا بِحِرْزٍ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُودَعَ لَوْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَيْهِمْ ضَمِنَ، وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي مَالِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ اسْتَوْلَدُوا جَارِيَتَهُ لَمْ يَنْفُذْ اسْتِيلَادُهُمْ فَصَارُوا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ وَالْجَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي عِيَالِهِ حَيْثُ يَسْقُطُ الْقَطْعُ إذَا رَدَّهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ لَهُمَا حَقًّا فِي مَالِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ اسْتَوْلَدُوا جَارِيَتَهُ صَحَّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ رَدَّ إلَى صَاحِبِهِ.
стр. 285
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ يَضْمَنُ إذَا رَدَّ إلَى مَنْ فِي عِيَالِهِ، وَالْمُودَعُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَبَرَاءَتَهُمْ إيَّاهُ عَنْ الضَّمَانِ لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالْخِيَانَةِ، وَالدَّفْعُ إلَى هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِخِيَانَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ حَفَظَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ فِيهِمْ، فَلَمْ يَصِرْ بِرَدِّهِ إلَى حَفَظَتِهِ خِيَانَةٌ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَجْنِ لَمْ يَضْمَنْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →