← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8182

الفروق للكرابيسي

الكرابيسي

Полный текст (659 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٣٥٩ - إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ صَبِيٍّ، أَوْ مَعَ مَعْتُوهٍ أَوْ أَخْرَسَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، فِي جَوَابِ " الْأَصْلِ " وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ فُلَانٍ النَّاطِقِ الْعَاقِلِ، وَأَنْكَرَ فُلَانٌ قُطِعَ الْمُقِرُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ وُجُوبُ الْقَطْعِ عَلَيْهِ بِحَالٍ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ أَيْضًا، كَالْمُخْطِئِ وَالْعَامِدِ إذَا اشْتَرَكَا فِي الْقَتْلِ، وَالْأَبُ وَالْأَجْنَبِيُّ إذَا سَرَقَا شَيْئًا مِنْ مَالِ الِابْنِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مُشْتَرَكٍ وَذَلِكَ الشَّرِيكُ مِمَّنْ يَجُوزُ وُجُوبُ الْقَطْعِ عَلَيْهِ، فَجَازَ وُجُوبُهُ عَلَى هَذَا أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْآخَرِ. الدَّلِيلُ عَلَيْهِ: لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلًا ثُمَّ عَفَا عَنْ أَحَدِهِمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْآخَرِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٣٦٠ - إذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى قَوْمٍ، وَفِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وَبِمِثْلِهِ، لَوْ كَانَ فِيهِمْ حَرْبِيٌّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ رِفْقَةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُلْتَزِمِ نُصْرَةَ صَاحِبِهِ، فَصَارَ كَالْمُسْتَحْفِظِ مَالَهُ إيَّاهُ، فَكَأَنَّهُمْ أَوْدَعُوا مَالَهُ عِنْدَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْهُ، فَقَطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُقْطَعُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُمْ حَرْبِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَلْتَزِمْ نُصْرَةَ

стр. 282

الْحَرْبِيِّ؛ إذْ لَا تَنَاصُرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، فَلَمْ يَصِيرُوا كَالْمُسْتَحْفِظِينَ مَالَهُ إيَّاهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي رُفْقَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَالْحَرْبِيُّ فِي رُفْقَةٍ أُخْرَى عَلَى حِدَةٍ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٣٦١ - وَإِذَا ضَرَبَ الْفُسْطَاطَ فِي الْجَبَّانَةِ وَفِيهَا مَتَاعٌ، وَصَاحِبُهُ فِيهِ، فَدَخَلَ سَارِقٌ، وَسَرَقَ الْمَتَاعَ قُطِعَ. وَلَوْ سَرَقَ الْفُسْطَاطَ بِعَيْنِهِ لَمْ يُقْطَعْ. وَلَوْ كَانَ الْفُسْطَاطُ مَلْفُوفًا وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ فَسَرَقَهُ سَارِقٌ قُطِعَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْفُسْطَاطَ حِرْزٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِذَا سَرَقَ مِنْهُ فَقَدْ سَرَقَ مِنْ الْحِرْزِ فَقُطِعَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَلْفُوفًا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا فَصَارَ مُحْرَزًا بِالْحَافِظِ، فَإِذَا سَرَقَهُ وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ قُطِعَ، كَمَا لَوْ قَلَعَ بَابَ دَارِهِ وَأَدْخَلَهُ فِي دَارِهِ، وَقَعَدَ عَلَيْهِ فَجَاءَ سَارِقٌ وَسَرَقَهُ قُطِعَ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ غَيْرَ مَلْفُوفٍ؛ لِأَنَّهُ حِرْزٌ بِنَفْسِهِ قَدْ سُرِقَ وَنَفْسُ الْحِرْزِ لَا يَكُونُ فِي الْحِرْزِ، فَقَدْ سُرِقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا يُقْطَعُ، كَمَا لَوْ سُرِقَ بَابُ الدَّارِ. ٣٦٢ - إذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ نِصَابًا بِاللَّيْلِ قُطِعَ.

стр. 283

وَلَوْ سَرَقَ بِالنَّهَارِ لَا يُقْطَعُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَمَّامَ حِرْزٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا بِوُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، وَقَدْ وُجِدَ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ مِنْ كَوْنِهِ حِرْزًا بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، فَقَدْ سَرَقَ بِاللَّيْلِ مِنْ حِرْزٍ فَقُطِعَ، وَسَرَقَ بِالنَّهَارِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا يُقْطَعُ. ٣٦٣ - إذَا نَقَبَ بَيْتَ رَجُلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُكَابَرَةً لَيْلًا حَتَّى سَرَقَ مِنْهُ مَتَاعًا يُسَاوِي أَلْفًا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ. وَلَوْ كَابَرَهُ فِي الْبَلَدِ فِي الطَّرِيقِ نَهَارًا فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّارِقَ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ الْحِرْزِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِخْفَاءِ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا بِاللَّيْلِ فَهُوَ مُسْتَخْفٍ مِنْ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْفِ مِنْ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْغَوْثَ لَا يَلْحَقُهُ بِاللَّيْلِ، فَوُجِدَ مَعْنَى السَّرِقَةِ فَقُطِعَ. وَأَمَّا بِالنَّهَارِ فَلَيْسَ بِأَخْذٍ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَاءِ؛ لِأَنَّ الْغَوْثَ يَلْحَقُهُ، فَلَمْ يُوجَدْ مَعْنَى السَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مَعْنَى الْغَصْبِ وَالِاخْتِلَاسِ فَلَا يُقْطَعُ. ٣٦٤ - إذَا سَرَقَ رَجُلَانِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَا يُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ سَرَقَ الْعَشَرَةَ الدَّرَاهِمَ. وَلَوْ اجْتَمَعَا فَقَتَلَا رَجُلًا وَاحِدًا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ.

стр. 284

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُشَارَكَةَ وُجِدَتْ فِي أَخْذِ الْمَالِ، وَالْمَالُ مِمَّا يَتَبَعَّضُ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخَذَ نِصْفَهُ، وَمَنْ سَرَقَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ لَا يُقْطَعُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ إزْهَاقُ الرُّوحِ، وَهُوَ مَا لَا يَتَبَعَّضُ فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْمُفَوِّتِ لِجَمِيعِ الرُّوحِ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا. ٣٦٥ - السَّارِقُ إذَا رَدَّ الْمَسْرُوقَ إلَى أَخِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، أَوْ أُخْتِهِ، أَوْ أَجِيرِهِ، أَوْ عَبْدِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ؛ أَوْ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ. وَلَوْ رَدَّ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ إلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ سَقَطَ الضَّمَانُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا فِي عِيَالِهِ فَهُمْ حَفَظَةٌ لَهُ وَحِرْزٌ لَهُ، فَصَارَ يَدُهُمْ يَدًا لَهُ، فَإِذَا رَدَّ إلَيْهِمْ صَارَ كَمَا لَوْ رَدَّهُ إلَى يَدِ صَاحِبِهِ، وَلَوْ رَدَّهُ إلَى يَدِ صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقَطْعِ بَرِئَ مِنْ الْقَطْعِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ، وَمَنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُمْ لَيْسَتْ بِيَدٍ لَهُ، وَهُمْ لَيْسُوا بِحِرْزٍ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُودَعَ لَوْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَيْهِمْ ضَمِنَ، وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي مَالِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ اسْتَوْلَدُوا جَارِيَتَهُ لَمْ يَنْفُذْ اسْتِيلَادُهُمْ فَصَارُوا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ وَالْجَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي عِيَالِهِ حَيْثُ يَسْقُطُ الْقَطْعُ إذَا رَدَّهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ لَهُمَا حَقًّا فِي مَالِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ اسْتَوْلَدُوا جَارِيَتَهُ صَحَّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ رَدَّ إلَى صَاحِبِهِ.

стр. 285

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ يَضْمَنُ إذَا رَدَّ إلَى مَنْ فِي عِيَالِهِ، وَالْمُودَعُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَبَرَاءَتَهُمْ إيَّاهُ عَنْ الضَّمَانِ لَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالْخِيَانَةِ، وَالدَّفْعُ إلَى هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِخِيَانَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ حَفَظَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ فِيهِمْ، فَلَمْ يَصِرْ بِرَدِّهِ إلَى حَفَظَتِهِ خِيَانَةٌ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَجْنِ لَمْ يَضْمَنْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 286

[كِتَابُ السِّيَرِ] ٣٦٦ - الْمُشْرِكُونَ إذَا غَلَبُوا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ غُلِبُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذُوهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَوَجَدَهُ صَاحِبُهُ، قَالَ: إنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكُفَّارَ بِالْإِحْرَازِ مَلَكُوهُ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ، فَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّ صَاحِبِهِ عَنْهُ، كَالْهِبَةِ فَثَبَتَ حَقُّ صَاحِبِهِ فِيهِ، فَوَجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذُبُّوا عَنْهُ وَيَسْتَنْقِذُوهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ كَيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا اسْتَنْقَذُوهُ فَقَدْ فَعَلُوا مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فَلَمْ يَسْتَحِقُّوا عَلَيْهِ بَدَلًا، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، إذَا وَقَعَ فِي نَصِيبِ وَاحِدٍ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ، وَلَوْ قُلْنَا: بِأَنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ مَجَّانًا لَأَضْرَرْنَا بِهِ، وَفَوَّتْنَا عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْقِيمَةَ لِيَصِلَ هُوَ إلَى حَقِّهِ، وَيُسَلَّمُ لَهُ الْعَيْنُ بِسَلَامَةِ بَدَلِهِ كَالشَّفِيعِ. وَجْهٌ آخَرُ: لَمْ يَتَأَكَّدْ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْإِمَامِ

стр. 287

أَنْ يَقْتُلَ رِجَالَهُمْ، وَلَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، وَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً، وَيَرُدَّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ حَقُّهُمْ فِيهِ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ مَجَّانًا. وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَقَدْ تَأَكَّدَ مِلْكُهُمْ فِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ وَيَرُدَّهُمْ وَلَا أَنْ يَقْتُلَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ بِالْقِيمَةِ كَالشَّفِيعِ إذَا أَخَذَ الدَّارَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٣٦٧ - لَا يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ وَإِنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَيُسْهَمُ لِلْحُرِّ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُدْعَى إلَيْهِ (فَأَشْبَهَ النِّسَاءَ) بِخِلَافِ الْحُرِّ، وَلِأَنَّ خِدْمَةَ الْمَمْلُوكِ لِلْمَوْلَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُقَاتِلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَجُزْ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ وَقَعَ (عَمَلُهُ لَهُ) ، فَكَأَنَّ الْمَوْلَى قَاتَلَ بِنَفْسِهِ زِيَادَةَ قِتَالٍ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُزَدْ فِي سَهْمِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحُرُّ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ وَقَعَ لَهُ؛ إذْ مَنْفَعَتُهُ لَهُ فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِإِزَائِهِ بَدَلًا، وَلَا بَدَلَ لَهُ سِوَى السَّهْمِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَبْدَ حَضَرَ لِخِدْمَةِ الْمَوْلَى، فَوَقَعَ عَلَى تِلْكَ الْخِدْمَةِ، وَهُوَ يَذُبُّ عَنْ الْمَوْلَى، وَذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ خَدَمَهُ فِي الْمِصْرِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحُرِّ. ٣٦٨ - يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ إذَا لَمْ يَكُنْ

стр. 288

لَهُمْ شَوْكَةٌ. وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا كَانَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي مُخَالَطَتِهِمْ أَنْ يَكُونُوا تَحْتَ قَهْرِنَا وَحُكْمِنَا، فَإِذَا كَانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ كَانُوا تَحْتَ قَهْرِنَا، فَلَمْ يَكُنْ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ ضَرَرٌ بِالْمُسْلِمِينَ، فَجَازَتْ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا لَا يَكُونُونَ تَحْتَ قَهْرِنَا، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَخْرُجُوا عَلَيْنَا، وَيَظْهَرُ دِينُهُمْ، وَإِذَا لَمْ يُؤْمَنْ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ الْإِضْرَارُ لَا يُسْتَعَانُ بِهِمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ -

стр. 289

أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَرِ الْمَعْرُوفِ: «إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْكُفَّارِ» لَمَّا رَأَى كَتِيبَةً حَسْنَاءَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ لَمَّا كَانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ. ٣٦٩ - الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَانِمِينَ إذَا بَاعَ مِنْ آخَرَ ثُمَّ جَاءَ مَالِكُهُ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ لَهُ (أَنْ يَنْقُضَ) الْبَيْعَ الثَّانِيَ. وَالْمُشْتَرِي (إذَا بَاعَ مِنْ آخَرَ الدَّارَ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ) ، وَيَأْخُذَهَا بِالْأَوَّلِ. الْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَأْسُورِ الْمَالِكُ يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، لَا عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ، وَلَوْ كَانَ يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ، وَيَأْخُذَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِذَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّفِيعُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ، فَيُفَوِّتَ الْقَبْضَ فِيهِ، وَتَفْوِيتُ الْقَبْضِ يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ، وَإِذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ كَانَ لَهُ نَقْضُ الْأَوَّلِ، (وَلِأَنَّ أَخْذَ) الشَّفِيعِ عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ وَالنَّقْضِ لَا يَخْتَلِفُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ فِي الْحَالَيْنِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَأْسُورُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ وَذَلِكَ يُخَالِفُ أَخْذَهُ

стр. 290

عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ يَكُون مَجَّانًا، كَمَا يَأْخُذُ الْعَبْدُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ مَجَّانًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْعَقْدِ. ٣٧٠ - إذَا وَجَدَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ جَارِيَةً قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ قَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ غُلِبُوا عَلَيْهَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْقِيمَةِ. وَإِنْ وَجَدَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ فُلُوسًا بَعْدَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي أَخْذِ الدَّرَاهِمِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهَا لَأَخَذَهَا بِمِثْلِهَا، وَهِيَ وَمِثْلُهَا لَا تَخْتَلِفُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجَارِيَةُ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي اقْتِنَائِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا لِغَرَضٍ فِي عَيْنِهَا، وَإِذَا كَانَ لِلنَّاسِ أَغْرَاضٌ فِي الْأَعْيَانِ كَانَ لَهُ فِي أَخْذِهَا فَائِدَةٌ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا. ٣٧١ - إذَا أَسَرَ الْعَدُوُّ عَبْدًا لَهُ وَفِي عُنُقِهِ جِنَايَةٌ - عَمْدًا أَوْ خَطَأً - أَوْ دَيْنٌ فَإِنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ بِمِلْكٍ مُسْتَأْنَفٍ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ بَطَلَتْ جِنَايَةُ الْخَطَأِ، وَأَمَّا جِنَايَةُ الْعَمْدِ، وَالدَّيْنُ فَهُمَا فِي رَقَبَتِهِ كَمَا كَانَا.

стр. 291

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَسْرَ يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ، فَصَارَ زَوَالُ مِلْكِهِ بِالْأَسْرِ كَزَوَالِهِ بِالْبَيْعِ وَلَوْ بَاعَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ خَطَأً لَا يَقَعُ بِالْجِنَايَةِ، وَصَارَ الْمَوْلَى مُخْتَارًا، كَذَلِكَ هَذَا، وَزَوَالُ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ يُوجِبُ سُقُوطَ جِنَايَةِ الْعَمْدِ وَالدَّيْنِ عَنْ الرَّقَبَةِ، كَذَلِكَ زَوَالُهُ بِالْأَسْرِ، وَلِأَنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ، وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْعَى بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالرَّقَبَةُ بَاقِيَةٌ فَبَقِيَ الْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ، وَجِنَايَةُ الْخَطَأِ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالرَّقَبَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْعَى بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى، فَلَمْ يُؤَثِّرْ زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْ الرَّقَبَةِ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ إلَيْهِ لِحَقٍّ لِمِلْكِهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعُودُ بِالْجِنَايَةِ وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَعَادَ الْمِلْكَ الْأَوَّلَ وَاسْتَبْقَاهُ، فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَزُلْ، وَلَوْ لَمْ يَزُلْ بَقِيَتْ الْجِنَايَةُ، كَذَا هَذَا. ٣٧٢ - إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ رَهْنًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهِيَ قِيمَتُهَا فَأَسَرَهَا الْعَدُوُّ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ مَوْلَاهَا أَحَقَّ بِهَا بِالثَّمَنِ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَهَا. وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ الثَّمَنَ الَّذِي افْتَكَّهَا بِهِ وَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي أَخْذِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَتُرَدُّ عَلَى الْمَوْلَى وَيَسْتَرِدُّ الْأَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ فِي أَخْذِهَا لَا يَأْخُذُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَإِنَّ مَالِكَهُ لَا يَأْخُذُهُ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 292

وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ لَهُ فَائِدَةً فِي أَخْذِهَا؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا بِخَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الْمَوْلَى، وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَيَكُونُ لَهُ فَائِدَةٌ فِي أَخْذِهِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، وَأَمَّا الْمَالِكُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ لَهُ فَائِدَةً فِي أَخْذِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تُسَلَّمُ لَهُ، وَلِلنَّاسِ أَغْرَاضٌ فِي الْأَعْيَانِ فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ كَذَلِكَ هَذَا. ٣٧٣ - إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى مَالٍ قَدْ كَانُوا أَصَابُوهُ وَأَخَذُوهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ خَرَجَ حَرْبِيٌّ بِشَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِنَا يُرِيدُ بَيْعَهُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. وَلَوْ اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَمْ يَلْتَزِمْ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ وَالذَّبَّ عَنْهُمْ وَعَنْ أَمْوَالِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ وَنَقْلُهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِصَاحِبِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ وَالذَّبَّ عَنْهُمْ وَعَنْ أَمْوَالِهِمْ، فَكَانَ يَلْزَمُهُ اسْتِنْقَاذُ أَمْوَالِهِمْ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ، فَإِذَا اشْتَرَى فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ لِصَاحِبِهِ، وَإِذَا أَخَذَهُ لَهُ

стр. 293

عَادَ حَقُّهُ إلَيْهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، كَعَبْدٍ آبِقٍ أَخَذَهُ إنْسَانٌ لِصَاحِبِهِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ الْجُعْلَ، كَذَلِكَ هَذَا. ٣٧٤ - إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَلَهُ فِي أَيْدِيهِمْ جَارِيَةٌ قَدْ أَسَرُوهَا - كُرِهَ لَهُ غَصْبُهَا وَوَطْؤُهَا. وَلَوْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ يُكْرَهُ لَهُ أَخْذُهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَارِيَةَ تُمَلَّكُ بِالْبَيْعِ فَتُمَلَّكُ بِالْأَسْرِ، فَصَارَتْ مِلْكًا لَهُمْ وَهُوَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ الْتَزَمَ أَلَّا يَأْخُذَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، فَصَارَ بِالْأَخْذِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ مُخْفِرًا لِلذِّمَّةِ؛ فَلَمْ يَجُزْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهَا لَا تُمَلَّكُ بِالْعَقْدِ، فَلَا تُمَلَّكُ بِالْأَسْرِ، فَبَقِيَتْ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا، وَهُوَ إنَّمَا الْتَزَمَ الْكَفَّ عَنْ أَخْذِ مَالِهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، وَهَذَا مَالُهُ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَصِرْ مُنَاقِضًا مَا أَوْجَبَهُ بِعَقْدِهِ، فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ. ٣٧٥ - إذَا طُعِنَ الْمُسْلِمُ بِالرُّمْحِ فِي جَوْفِهِ فَنَفَذَهُ فَلَهُ أَنْ يَمْشِيَ إلَى الْعَدُوِّ حَتَّى يَضْرِبَهُ، وَلَا يُجْعَلُ بِذَلِكَ مُعِينًا عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ. وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا نَفَذَهُ فَالْمَشْيُ إلَيْهِ لَا يَزِيدُ جِرَاحَتَهُ، وَهُوَ يَصِلُ إلَى

стр. 294

مُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ إعَانَةٍ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ مَأْمُورًا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ الرُّمْحُ فِي جَوْفِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَنْفُذْهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَشْيِ إلَى ذَلِكَ يَزِيدُ جِرَاحَهُ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَ الْمَقْتَلَ فَيَقْتُلَهُ فَيَصِيرُ بِهِ مُعِينًا عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، فَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ. ٣٧٦ - حَرْبِيٌّ دَخَلَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَبَايَعَهُ مُسْلِمٌ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَبَايَعَهُمْ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ جَازَ إنْ كَانَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ رَضِيَ بِتَمْلِيكِهِ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمُسْلِمِ بِدُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ آمِنًا لَمْ يَصِرْ لَهُمْ عَاقِدًا عَقْدَ الْأَمَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَوْ قَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ مَلَكَهُ، وَكَانَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذَا الْمُسْلِمَ وَعَدَ أَلَّا يَأْخُذَ مَالَهُمْ إلَّا بِرِضَاهُمْ، فَيَجِبُ أَنْ يَفِيَ بِمَا وَعَدَ، فَبَقِيَ مَالُهُمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَإِذَا تَوَصَّلَ إلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْضِ عَهْدٍ بِرِضَاهُمْ جَازَ. وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَقَدْ عَقَدْنَا لَهُ عَقْدَ الْأَمَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا إذَا أَخَذَ مَالَهُ لَا يَمْلِكُهُ، فَخَرَجَ مَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِبَاحَةِ، فَصَارَ مَالًا مُحْرَزًا بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ بِالْقَهْرِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ، وَتَمْلِيكُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ بِالْعَقْدِ يَكُونُ رِبًا فَلَمْ

стр. 295

يَجُزْ. ٣٧٧ - إذَا وَادَعَ الْإِمَامُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ إنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَدَرُوا بِأَهْلِ الْمُوَادَعَةِ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ لَمْ يَسَعْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَوْ اشْتَرَوْا رُدَّ الْبَيْعُ. وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَاشْتَرَاهُ إنْسَانٌ مِنْهُ لَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا وَادَعَهُمْ صَارُوا ذِمَّةً لَنَا، فَوَجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الذَّبُّ عَنْهُمْ، فَإِذَا أَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُنَاقِضِينَ عَهْدَهُمْ كَمَا لَوْ أَخَذُوا سَائِرَ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُسْلِمُ إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِيرُوا ذِمَّةً بِدُخُولِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَوْ أَخَذَ أَمْوَالَهُمْ مَلَكَهُ وَلَمْ يَلْتَزِمْ نُصْرَتَهُمْ، فَبَقِيَ مَالُهُمْ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فَقَدْ أَخَذَ مَالَ حَرْبِيٍّ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَمَلَكَهُ فَإِذَا اشْتَرَاهُ إنْسَانٌ جَازَ، إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ؛ إذْ هُوَ أَخَذَ مَالَهُمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، وَقَدْ الْتَزَمَ أَنْ لَا يَأْخُذَ مَالَهُمْ إلَّا بِرِضَاهُمْ، فَكُرِهَ الشِّرَاءُ مِنْهُ.

стр. 296

إذَا أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ فَأَسَرَهُ الْعَدُوُّ مِنْهُمْ ثَانِيًا، وَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ يَدِهِ أُخِذَ وَعَلَيْهِ يَدُ مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَلَمْ يَأْخُذْهُ فَأَرَادَ مَوْلَاهُ الْأَوَّلُ أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. وَالْمُشْتَرِي إذَا بَاعَ الدَّارَ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشِّرَاءِ الْأَوَّلِ وَيَنْقُضَ الثَّانِي وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَالِكَ يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ لَا عَلَى وَجْهِ نَقْضِ الْمِلْكِ، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا، فَلَوْ قُلْنَا: إنَّ لَهُ أَخْذَهُ وَيُعِيدُ مِلْكَهُ لَأَبْطَلَ شِرَاءَ الثَّانِي، وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ تَصَرُّفِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّفِيعُ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ النَّقْضِ فَأَخْذُهُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ يُوجِبُ نَقْضَ الثَّانِي، وَلَهُ حَقُّ النَّقْضِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ. وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَوَجَبَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ، فَقَدْ زَالَتْ يَدُهُ، فَإِذَا زَالَتْ يَدُهُ وَمَلَكَهُ زَالَ الْمُوجِبُ لِجَوَازِ أَخْذِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ

стр. 297

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّفِيعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ فِيمَا فِي يَدِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ وَأَكْرَهَ الْمُشْتَرِيَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ حَقَّهُ بِيَدِهِ وَمِلْكِهِ فَزَوَالُ يَدِهِ وَمِلْكِهِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ حَقِّهِ، فَبَقِيَ حَقُّهُ فِيهِ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ يَدِ الْأَوَّلِ، وَيَنْقُضُ الْعَقْدَ الثَّانِيَ. ٣٧٩ - لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، وَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَهُ الْبَائِعُ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ فَلِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ مِنْ الْبَائِعِ بِالثَّمَنَيْنِ جَمِيعًا. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَبْدًا فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَفَدَاهُ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَا فَدَاهُ بِهِ وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ الثَّمَنَ فَقَطْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي بَابِ الْجِنَايَةِ قَدْ أُسْقِطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي بِالْفِدَاءِ، فَقَدْ قَضَى بِهِ حَقًّا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَضْمُونًا عَنْ نَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى غَيْرِهِ. الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ قَطَعَ رَجُلٌ أُصْبُعَ رَجُلٍ ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ ثُمَّ جَاءَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ وَقَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى قَاطِعِ الْأُصْبُعِ أَرْشُ الْأُصْبُعِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِهِ مَضْمُونًا عَنْ نَفْسِهِ، كَذَا هَذَا. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ مِنْ الْعَدُوِّ لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُ الْمُشْتَرِي، بِدَلِيلِ أَنَّ خِيَارَهُ يَبْقَى بَعْدَهُ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ مَضْمُونًا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَحْيَا مِلْكَهُ وَلَا يَصِلُ إلَى إحْيَاءِ مِلْكِ نَفْسِهِ إلَّا بِأَدَائِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ وَلَا مِنْ الْعَبْدِ جِنَايَةٌ، فَصَارَ كَأَنَّهُ

стр. 298

ازْدَادَ ثَمَنُ الْعَبْدِ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ. الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ أَنَّ مَرِيضًا بَاعَ دَارًا بِأَلْفٍ، وَقِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَمَاتَ، وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي الثَّمَنِ فَتَأْخُذَ بِأَلْفَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَ، كَذَلِكَ هَذَا. ٣٨٠ - ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَيْضًا فِي مُخْتَصَرِهِ: إذَا قَاتَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأُخِذَتْ وَوَقَعَتْ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهَا. وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا أَوْ مَعْتُوهًا قَاتَلَا فَأُخِذَا وَوَقَعَا فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمَا، وَإِنْ كَانَا قَتَلَا جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْأَصْلِ فِي كِتَابِ السِّيَرِ: إذَا خَرَجَتْ امْرَأَةٌ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَاتَلَتْ فَأُخِذَتْ حُبِسَتْ وَلَمْ تُقْتَلْ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: الْأَوْلَى أَنْ لَا تُقْتَلَ،

стр. 299

فَإِنْ قُتِلَتْ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ، كَمَا حَكَاهُ فِي الْحَرْبِيَّةِ، وَإِلَّا فَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَجِدْ عَنْ مَشَايِخِنَا فَرْقًا بَيْنَهُمَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا قَاتَلَتْ صَارَتْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَهِيَ مُكَلَّفَةٌ عَاقِلَةٌ، فَكَانَ قَتْلُهَا عُقُوبَةً لَهَا عَلَى فِعْلِهَا، فَجَازَ أَنْ تُقْتَلَ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فَهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ، وَقَتْلُهُمَا كَانَ مُبَاحًا لِأَجْلِ الْقِتَالِ، فَإِذَا أُخِذَا زَالَ الْقِتَالُ، فَلَوْ قُلْنَا: قَتَلْنَاهُمَا عُقُوبَةً وَهُمَا لَا يَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ فَلَا يُقْتَلَانِ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ فِي ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُمَا لَعَادَا إلَى الْقِتَالِ، فَحِينَئِذٍ يُخَافُ مِنْ تَرْكِهِمَا الضَّرَرُ، فَجَازَ قَتْلُهُمَا كَالْعُقَلَاءِ الْبَالِغِينَ. ٣٨١ - إذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَبَدَأَ وَاحِدٌ فَضَرَبَهُ ثُمَّ أَجْهَزَ عَلَيْهِ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَيَّرَهُ بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَاتِلَ، وَلَا أَنَّهُ يُعِينُ فَالسَّلَبُ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ فَالسَّلَبُ لِلثَّانِي. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا صَيَّرَهُ بِحَالٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ وَلَا أَنْ يُقَاتِلَ فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهُ، وَهُوَ إخْرَاجُهُ مِنْ كَوْنِهِ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَاتِلَ، وَلَا أَنْ يُعِينَ، فَلَمْ يَكُنْ الثَّانِي قَاتِلًا وَلَا مُخْرِجًا لَهُ إلَى حُكْمِ الْقِتَالِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَثْخَنَهُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ بَرَاحًا، ثُمَّ رَمَاهُ الثَّانِي فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ إلَّا بِصَيْدٍ؛ فَهُوَ لِلثَّانِي لِهَذَا الْمَعْنَى، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 300

إذَا افْتَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً فَأَسْلَمَ أَهْلُهَا قَبْلَ الْقَسْمِ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، وَوَضَعَ عَلَى أَرْضِهِمْ الْخَرَاجَ وَهُمْ أَحْرَارٌ. وَلَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْقَهْرِ وَفَتْحِ الْبَلْدَةِ لَمْ يَسْتَرِقَّهُمْ. وَالْفَرْقُ: أَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ تَعَلَّقَ بِرِقَابِهِمْ وَأَرْضِيهِمْ عِنْدَ الْقَهْرِ، فَإِذَا أُسْقِطَ حَقُّهُمْ عَنْ رِقَابِهِمْ بِالْإِسْلَامِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ أَخَذَ مَالَهُمْ، ثُمَّ أَسْلَمُوا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ كَذَا هَذَا. وَإِذَا تَعَيَّنَ حَقُّهُمْ فَإِذَا اسْتَرَقَّهُمْ اسْتَنَدَ الِاسْتِرْقَاقُ إلَى السَّبَبِ السَّابِقِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَرَقَّهُمْ فِي حَالِ الْكُفْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ مُسْلِمًا، كَمَا قُلْنَا لَوْ أَسْلَمَ الْأَبُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَابْنُهُ جَنِينٌ فِي الْبَطْنِ فَاسْتُرِقَّتْ الْأُمُّ، فَالْجَنِينُ مُسْلِمٌ وَهُوَ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِرْقَاقِ يَثْبُتُ قَبْلَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَابْتِدَاءُ اسْتِرْقَاقِ الْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ قَبْلَهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ ثَبَتَ حَقُّهُمْ بِالْقَهْرِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْهَرَهُمْ عَلَى أَرْضِيهِمْ وَيَكُونُونَ أَحْرَارًا. قُلْنَا إنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْإِمَامِ كَانَ ثَابِتًا بَيْنَ أَنْ يُقِرَّهُمْ أَحْرَارًا عَلَى أَرْضِهِمْ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِينَ قَدْ يَكُونُونَ أَعْلَمَ بِعِمَارَتِهَا، وَلَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ

стр. 301

الْغَانِمِينَ وَاسْتَرَقَّهُمْ؛ خَرِبَتْ وَلَمْ يُنْتَفَعْ بِهَا، وَإِذَا أَقَرَّ أَهْلُهَا انْتَفَعَ بِهَا، فَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ تَحْصِيلَ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِتَقْرِيرِهِمْ أَحْرَارًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ كَانَ ثَابِتًا بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ أَوْ يَسْتَرِقَّهُمْ، وَبِالْإِسْلَامِ سَقَطَ الْقَتْلُ، فَبَقِيَ خِيَارُهُ ثَابِتًا بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَالتَّقْرِيرِ، فَيَنْتَقِلُ حَقُّهُمْ عَنْ رِقَابِهِمْ إلَى الْأَرَاضِي لِيَحْصُلَ لَهُمْ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ وَهُوَ نَاظِرٌ مُحْتَاطٌ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَكُونُ فِيهِ احْتِيَاطٌ لَهُمْ. ٣٨٣ - جَمَاعَةٌ لَهُمْ مَنَعَةٌ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ دَارَ الْحَرْبِ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَلَحِقَهُمْ لِصٌّ أَوْ لِصَّانِ لَا مَنَعَةَ لَهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَقَدْ أَصَابَا غَنِيمَةً قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَهُمْ الْعَسْكَرُ، فَإِنَّ الْعَسْكَرَ يُشَارِكُونَهُمَا فِيمَا أَخَذَا قَبْلَ لُحُوقِهِمَا بِهِمْ، وَهُمَا لَا يُشَارِكَانِ الْعَسْكَرَ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ لُحُوقِهِمَا بِهِمْ، إذَا لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً شَارَكُوا الْعَسْكَرَ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ لُحُوقِهِمْ بِهِمْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ إنَّمَا أَمْكَنَهُمَا الدُّخُولُ بَعْدَ الْعَسْكَرِ وَإِنَّمَا أَحْرَزَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا ظَهَرَ الْعَسْكَرُ فَقَدْ شَارَكُوهُ فِي سَبَبِ الْمِلْكِ، فَيُشَارِكُونَهُ فِي الْمِلْكِ، وَأَمَّا هَذَانِ لَا يُشَارِكَانِ الْعَسْكَرَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَقَوَّوْنَ

стр. 302

بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا قَاتَلُوا يُشَارِكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى؛ إذْ لَوْلَاهُمْ فَلَرُبَّمَا غَلَبَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا اشْتَغِلُوا بِالْقِتَالِ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا شَهِدَا الْوَقْعَةَ الْأُولَى وَأَمَّا إذَا كَانُوا عَسْكَرًا عَظِيمًا أَوْ جَمَاعَةً فَالْعَسْكَرُ يَتَقَوَّوْنَ بِهِمْ، فَيَحْصُلُ الْإِحْرَازُ بِظُهُورِهِمْ وَمَعُونَتِهِمْ فَيُشَارِكُونَ فِي سَبَبِ الْمِلْكِ، وَصَارُوا مَدَدًا لَحِقَ الْعَسْكَرَ، فَشَارَكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ. ٣٨٤ - إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُودِعْ أَهْلَ الْحَرْبِ، وَيَأْخُذَ مِنْهُمْ مَالًا؛ جَازَ وَلَا يَرُدُّ الْمَالَ إلَيْهِمْ. وَلَوْ وَادَعَ قَوْمًا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى مَالٍ لَمْ يَجُزْ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ الْمَالَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمُوَادَعَةِ عَلَى مَالٍ اسْتِبْقَاءُ الْكُفَّارِ بِالْمَالِ، وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا جَازَ اسْتِبْقَاؤُهُمْ بِالْجِزْيَةِ. وَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَفِي الْمُوَادَعَةِ عَلَى مَالٍ اسْتِبْقَاؤُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَالٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ اسْتِبْقَاؤُهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ إلَّا أَنَّ الْمَالَ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ فَيْءٌ فَإِذَا وَقَعَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ كَالْغَنِيمَةِ.

стр. 303

إذَا وَادَعَ الْإِمَامُ أَهْلَ دَارِ، فَأَسَرَ أَهْلُ دَارِ أُخْرَى وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الَّذِينَ وَادَعَهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا أَهْلَ الدَّارِ الثَّانِيَةِ، فَأَسَرُوا ذَلِكَ الْأَسِيرَ فَهُوَ فَيْءٌ. وَلَوْ دَخَلَ تَاجِرٌ الدَّارَ الْأُخْرَى فَأُسِرَ فَلَمْ يَكُنْ فَيْئًا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا أُسِرَ فَقَدْ انْقَطَعَ عَنْهُ حُكْمُ دَارِ الْمُوَادَعَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَوْدَ إلَى دَارِ الْمُوَادَعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ مَلَكُوهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الدَّارِ الَّذِينَ وَادَعَهُمْ الْإِمَامُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّاجِرُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ مَتَى شَاءَ إلَى دَارِ الْمُوَادَعَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْمُوَادَعَةِ فَأُسِرَ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا، كَذَلِكَ هَذَا. ٣٨٦ - الصَّبِيُّ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يُقْتَلْ، وَكَذَلِكَ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِالدَّارِ أَوْ بِأَحَدِ أَبَوَيْهِ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يُقْتَلْ، وَحُبِسَ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ. وَمَنْ كَانَ بَالِغًا فَأَسْلَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ قُتِلَ. وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ مَنْ صَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ أَوْ بِالدَّارِ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بِالرِّدَّةِ مُنَاقِضًا مَا أَوْجَبَهُ بِعَقْدِهِ، فَجَازَ أَلَّا تَتَوَجَّهَ

стр. 304

الْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا أَسْلَمَ فَقَدْ الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّ ضَمَانَهُ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ قَتَلْنَاهُ لَوَجَّهْنَا الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ بِعَقْدِهِ، وَضَمَانُ الْعُقُودِ لَا يَلْزَمُهُ، فَلَا يُقْتَلُ. وَأَمَّا الْبَالِغُ فَقَدْ الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَبِرِدَّتِهِ صَارَ مُنَاقِضًا مَا أَوْجَبَهُ بِعَقْدِهِ، فَجَازَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ. وَلِأَنَّ إسْلَامَ هَؤُلَاءِ إسْلَامٌ ضَعِيفٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إسْلَامُ الصَّبِيِّ بِنَفْسِهِ إسْلَامٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي جَوَازِهِ وَصِحَّتِهِ فَصَارَ ضَعْفُ إسْلَامِهِمْ شُبْهَةً، وَالْقَتْلُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَأَمَّا الْبَالِغُ فَإِسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ قَوِيٌّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ بِذَلِكَ، وَالرِّدَّةُ تُوجِبُ الْقَتْلَ، وَلَمْ تُوجَدْ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ عَنْهُ الْقَتْلَ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ، ثُمَّ يُجْبِرُونَ مَنْ أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَتْلَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ سَقَطَ بِشُبْهَةٍ، وَسُقُوطُ الْقَتْلِ بِالشُّبْهَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْإِجْبَارِ كَالْمَرْأَةِ. ٣٨٧ - إذَا اشْتَرَى الْمُسْتَأْمَنُ أَرْضِ خَرَاجٍ وَجَبَ عَلَيْهِ خَرَاجُ أَرْضِهِ وَصَارَ ذِمِّيًّا مِنْ حِينِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ خَرَاجُ رَأْسِهِ بَعْدَ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ مِنْ يَوْمِ وَجَبَ الْخَرَاجُ فِي أَرْضِهِ. وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِلْمُسْتَأْمَنِ: إنْ أَقَمْتَ فِي دَارِنَا سَنَةً بَعْدَ يَوْمِكَ هَذَا أَخَذْتُ مِنْك الْجِزْيَةَ، فَأَقَامَ سَنَةً صَارَ ذِمِّيًّا، وَأَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ مِنْ يَوْمِ قَالَ

стр. 305

ذَلِكَ وَالْفَرْقُ أَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ مِمَّا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِذَا الْتَزَمَ مَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ صَارَ ذِمِّيًّا، كَمَا لَوْ الْتَزَمَ خَرَاجَ الرَّأْسِ، وَإِذَا صَارَ ذِمِّيًّا بِالْتِزَامِ الْخَرَاجِ صَارَ وُجُوبُ الْخَرَاجِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ، فَتَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ بَعْدَ سَنَةٍ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ أَقَمْتَ سَنَةً؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْخَرَاجِ بِالْتِزَامِهِ، فَإِذَا أَقَامَ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْإِمَامِ سَنَةً صَارَ مُلْتَزِمًا مِنْ يَوْمِ أَقَامَ، فَإِذَا تَمَّ اسْتَوْفَى مِنْهُ. ٣٨٨ - إذَا قَالَ عَابِدُ الصَّنَمِ أَوْ الْوَثَنِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَارَ بِهِ مُسْلِمًا. وَالْكِتَابِيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا قَالَ هَذَا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَتَّى يُقِرَّ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَجَاءَ بِهِ، أَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ. وَالْفَرْقُ: أَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْبَارِي وَلَا بِالرِّسَالَةِ، فَإِذَا شَهِدَ بِذَلِكَ فَقَدْ شَهِدَ بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدَهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ دِينَهُ فَصَارَ مُسْلِمًا. وَأَمَّا الْكِتَابِيُّونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ وَاحِدٌ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُهُ، وَلَكِنْ بَعَثَهُ إلَى الْعَرَبِ وَإِلَيْكُمْ، وَأَمَّا إلَيْنَا فَلَا، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ اعْتِقَادَهُ، فَلَمْ يَصِرْ بِهِ مُبَدِّلًا دِينَهُ، فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا.

стр. 306

وَيُكْرَهُ الْجَرَسُ فِي أَعْنَاقِ الْإِبِلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَلَا يُكْرَهُ فِي الْقَافِلَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ صَوْتَهُ يُؤْذِنُ بِمَكَانِ الْجَيْشِ، وَيَدُلُّ الْعَدُوَّ عَلَى مَكَانِهِمْ، فَفِيهِ إضْرَارٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَكُرِهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا فِي الْقَافِلَةِ فَفِيهِ مَنْفَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُوقِظُ النَّائِمَ، وَيَهْدِي الضَّالَّ، وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ فَجَازَ. ٣٩٠ - إذَا لَمْ يَقَعْ النَّفِيرُ وَلَمْ يَأْذَنْ لِلْوَلَدِ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَإِنْ وَقَعَ النَّفِيرُ وَقِيلَ: جَاءَ عَدُوٌّ إلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ، أَوْ قَالَ: قَدْ جَاءَكُمْ الْعَدُوُّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ. وَلَوْ أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى سَفَرٍ أَوْ إلَى حَجٍّ، وَلَا يَخَافُ مِنْهُ التَّلَفَ جَازَ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الِابْنِ مُصَاحَبَةُ الْأَبَوَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَرْكُ الْأَذِيَّةِ لَهُمَا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَهُمَا يُشْفِقَانِ عَلَيْهِ، وَيَلْحَقُهُمَا الضَّرَرُ لِمَا يَخَافَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْهَلَاكِ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ النَّفِيرُ فَالْقِتَالُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَالِاشْتِغَالُ بِالْمُقَامِ عِنْدَهُمَا - وَهُوَ الْوَاجِبُ - أَوْلَى مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالتَّطَوُّعِ.

стр. 307

وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا وَقَعَ النَّفِيرُ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ تَعَيَّنَ وَافْتُرِضَ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالْقِيَامُ عَلَيْهِمَا وَاجِبٌ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ فَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ آكَدُ فَكَانَ أَوْلَى، أَوْ نَقُولُ: فَعَدَمُ إذْنِهِمَا لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ الْمُتَعَيَّنَ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَسْفَارِ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهَا التَّلَفَ وَهُوَ لَمْ يُضَيِّعْ الْأَبَوَيْنِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يُلْحِقْ بِهِمَا ضَرَرًا بِالْخَوْفِ عَلَى رُوحِهِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَلِهَذَا قُلْنَا: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ التَّلَفَ مِنْهُ. ٣٩١ - رَجُلٌ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ يُرِيدُ الْغَارَةَ، فَكَمَنْ فِي مَكَانٌ يَنْوِي فِيهِ مُقَامَ شَهْرٍ فَهُوَ مُسَافِرٌ. وَإِنْ اسْتَوْطَنَ مُسْلِمٌ مَدِينَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَاِتَّخَذَهَا مَنْزِلًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلَاتَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ لِلْغَارَةِ فَهُوَ مُسَافِرٌ، وَإِقَامَتُهُ فِي الْكَمِينِ إقَامَةٌ لِانْتِظَارِ الْكُفَّارِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَانْتِهَازِ الْفُرْصَةِ، فَصَارَ كَالْمُسَافِرِ يُقِيمُ فِي بَلَدٍ أَيَّامًا مُنْتَظِرًا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ ذَلِكَ السَّفَرِ كَذَا هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا اسْتَوْطَنَ بَلَدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ فِيهَا قَبْلَ الطَّلَبِ، فَإِذَا اخْتَفَى فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إقَامَتِهِ لِانْتِظَارِ حَاجَتِهِ، فَصَارَ كَمُقِيمٍ فِي بَلَدِهِ يَنْتَظِرُ قَضَاءَ

стр. 308

حَاجَتِهِ، وَهُوَ عَلَى عَزْمِ السَّفَرِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُقِيمِينَ، كَذَلِكَ هَذَا. ٣٩٢ - عَسْكَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ أَسِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَ: جِئْتُ بِهَا قَاهِرًا، وَقَالَتْ هِيَ: جِئْتُ مُسْتَأْمَنَةً، فَإِنْ رَبَطَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَإِنْ كَانَتْ تَمْشِي مَعَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا رَبَطَهَا فَهِيَ تَحْتَ قَهْرِهِ، فَصَارَ يَدَّعِي عَلَيْهَا الْقَهْرَ وَالظَّاهِرُ مَعَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً تَمْشِي فَهِيَ فِي يَدِ نَفْسِهَا فَهُوَ يَدَّعِي عَلَيْهَا الْقَهْرَ، وَالْيَدُ لَهَا وَهِيَ تُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا. ٣٩٣ - إذَا نَقَضَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعَهْدَ، وَغَلَبُوا عَلَى بَلْدَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِمْ كَالْحُكْمِ فِي الْمُرْتَدِّينَ فِي قِسْمَةِ أَمْوَالِهِمْ بَيْنَ وَرَثَتِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ يُسْتَرَقُّونَ وَيُسْتَبْقَوْنَ بِالْجِزْيَةِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ. وَجْهُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ أَنَّهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَالتَّحَرُّزِ بِالدَّارِ تَرَكُوا مَا بِهِ عِصْمَةَ دَمِهِمْ، فَصَارَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ الْمُسْلِمِ إذَا ارْتَدَّ وَغَلَبَ عَلَى دَارٍ قُسِّمَ مَالُهُ وَيُحَارَبُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَالْفَرْقُ فِي الِاسْتِرْقَاقِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ أَنَّهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ عَادُوا إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ، فَصَارُوا كَالْحَرْبِيِّ الْأَصْلِيِّ، وَالْحَرْبِيُّ الْأَصْلِيُّ يُسْتَرَقُّ وَيُسْتَبْقَى بِالْجِزْيَةِ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 309

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ وَبَقِيَ عَلَى الرِّدَّةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ الْأَمَانَ، وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ لَمْ يَجُزْ اسْتِبْقَاؤُهُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَإِذَا لَمْ يَجُزْ اسْتِبْقَاؤُهُ بِالْجِزْيَةِ وَالْمَالِ لَمْ يَجُزْ اسْتِبْقَاؤُهُ مَجَّانًا فَقُتِلَ. [فَصْل قِتَال سَرِيَّتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظَنَّتَا خطئا أَنْ الْأُخْرَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ] فَصْل ٣٩٤ - سَرِيَّتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْتَقَتَا فَظَنَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَنَّ الْأُخْرَى سَرِيَّةُ الْمُشْرِكِينَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمْ يَخْلُوا عَنْ قَتْلَى وَجِرَاحَاتٍ فَلَا دِيَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا كَفَّارَةَ. وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ رَمَى إلَى الْكَافِرِ فَرَجَعَ السَّهْمُ وَأَصَابَ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُمَا اقْتَتَلَا عَلَى تَأْوِيلٍ، وَاتَّصَلَ قَتْلُهُمَا بِالْمُحَارَبَةِ، فَجَازَ أَلَّا يَتَعَلَّقَ وُجُوبُ الضَّمَانِ وَالْكَفَّارَةِ كَالْبَاغِي وَالْعَادِلِ إذَا اقْتَتَلَا لَا يَجِبُ عَلَى الْبَاغِي الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ فِي حَالِ الْقِتَالِ، كَذَا هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَتَّصِلْ بِالْمُحَارَبَةِ فَصَارَ كَرَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ خَرَجَا عَلَى الْإِمَامِ، وَقَتَلَا رَجُلًا عَادِلًا فِي غَيْرِ الْحَرْبِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، كَذَلِكَ هَذَا، وَإِذَا تَعَلَّقَتْ الدِّيَةُ بِالْقَتْلِ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ كَالْخَاطِئِ. ٣٩٤ - وَيُكْرَهُ لِلْعَادِلِ قَتْلُ أَخِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ خَالِهِ وَعَمِّهِ.

стр. 310

وَلَا يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ قَتْلُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَرْبِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ بَغْيَهُ لَمْ يَقْطَعْ الصِّلَةَ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ التَّوَارُثَ يَجْرِي بَيْنَهُمَا، وَوُجُوبُ النَّفَقَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَتْلِ يَقْطَعُ الصِّلَةَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَجُوزُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكَافِرُ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ قَطَعَ الصِّلَةَ بَيْنَهُمَا، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا وَالْقَتْلُ يُوجِبُ قَطْعَ الصِّلَةِ بَيْنَهُمَا، وَلَا صِلَةَ بَيْنَهُمَا فَحَلَّ لَهُ قَتْلُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ. ٣٩٦ - عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ خَرَجُوا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٌ، فَطُلِبُوا فَلَحَقُوا إلَى قَرْيَةٍ فِيهَا عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَلَمْ يُعْرَفُوا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَلَا سَبِيلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَلَوْ دَخَلَ عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي حِصْنٍ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَظُهِرَ عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ فَلَمْ يُعْرَفْ الْعَشَرَةُ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمْ فِيهِمْ، فَهُمْ كُلُّهُمْ فَيْءٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَيَقُّنًا بِحَظْرِ سَبْيِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَشَكَكْنَا فِي الْإِبَاحَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي رِقَابِهِمْ بِالشَّكِّ، كَكُفَّارٍ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ وَلَا يُعْرَفُونَ لَمْ يَسْعَ قِتَالَ الْكُلِّ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 311

وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ تَيَقَّنَّا بِإِبَاحَةِ سَبْيِ أَهْلِ الْحِصْنِ وَشَكَكْنَا فِي الْحَظْرِ فَلَا نَدَعُ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ؛ كَمُسْلِمٍ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَسِعَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ، وَإِنْ عَلِمُوا بِأَنَّ فِيهِمْ الْمُسْلِمَ كَذَلِكَ هَذَا. ٣٩٧ - رَجُلٌ غَصَبَ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَاصِبِ فَقَتَلُوا، وَغَنِمُوا ذَلِكَ الْعَبْدَ فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَلَوْ لَحِقَ مُرْتَدٌّ بِالدَّارِ ثُمَّ غَصَبَ شَيْئًا مِنْ مُسْلِمٍ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُ مِنْهُ فَإِنْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا غُصِبَ قَبْلَ اللُّحُوقِ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَيَدُ الْإِمَامِ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِلُحُوقِهِ بِالدَّارِ، كَمَا لَوْ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا مِنْهُ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ عَنْهُ بِاللُّحُوقِ لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّ صَاحِبِهِ عَنْهُ وَلَمْ يَزَلْ مِلْكَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا غَصَبَهُ بَعْدَ اللُّحُوقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَلَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَنَا، فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَلَا الرَّدُّ عَلَيْهِ، فَصَارَ هَذَا كَافِرًا أَحْرَزَ مَالَ مُسْلِمٍ بِدَارِ الْحَرْبِ فَمَلَكَهُ، فَكَانَ مَالِكُهُ أَحَقَّ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَيَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا: إنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ غَصَبَ ثُمَّ لَحِقَ بِالدَّارِ ثُمَّ غَصَبَهُ

стр. 312

مِنْهُ غَاصِبٌ آخَرُ ثُمَّ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الشَّيْءَ فَهُوَ فَيْءٌ، وَيَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَقَبْلَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ الثَّانِي حِينَ أَخَذَ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَيْثُ لَا يَدَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ دَارِنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ غَصَبَ ثُمَّ لَحِقَ بِالدَّارِ ثُمَّ لَحِقَهُ صَاحِبُهُ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ غَصَبَهُ ثَانِيًا فَهُوَ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ زَالَ الضَّمَانُ، وَالْغَصْبُ الثَّانِي لَمْ يُوجِبْ ضَمَانًا. [فَصْلٌ اشْتَرَى الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ] فَصْلٌ ٣٩٨ - إذَا اشْتَرَى الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، وَصَارَ ذِمِّيًّا وَلَوْ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ فَأَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ لَمْ يَصِرْ ذِمِّيًّا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخَرَاجَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَصَارَ الْحُكْمُ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ حُكْمًا بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَصَارَ مُلْتَزِمًا حُكْمَ الذِّمَّةِ فَأُلْزِمَ حُكْمَهُ، وَصَارَ ذِمِّيًّا كَمَا لَوْ قَبِلَ الْجِزْيَةَ. وَالْعُشْرُ لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ يُؤْخَذُ مِنْهُ نِصْفُ الْعُشْرِ وَمَنْ الْحَرْبِيِّ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ كَامِلًا، وَإِنْ زَادُوا فِي الْأَخْذِ مِنَّا زِدْنَا فَلَمْ يَكُنْ بِالْتِزَامِهِ مُلْتَزِمًا حُكْمَ الذِّمَّةِ، فَلَمْ يَصِرْ ذِمِّيًّا. وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَجِبُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْمُسْتَأْمَنُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ

стр. 313

دَارِنَا سَنَةً كَامِلَةً فَإِذَا الْتَزَمَ أَدَاءَ الْخَرَاجِ وَأَدَّاهُ فَقَدْ الْتَزَمَ الْمَقَامَ سَنَةً كَامِلَةً، فَصَارَ ذِمِّيًّا. وَأَمَّا عُشْرُ الْمَالِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ، فَلَمْ يَكُنْ بِالْتِزَامِهِ مُلْتَزِمًا الْمُكْثَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَنَةً، وَإِذَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُكْثِ فِي دَارِنَا سَنَةً لَمْ يَصِرْ ذِمِّيًّا. ٣٩٩ - إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، قَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَصَابُوهَا مِنْ مُسْلِمٍ فَوَلَدَتْ، فَقُتِلَ الْوَلَدُ وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي أَرْشَهُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ الْأُمَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَبِمِثْلِهِ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَقُتِلَ الْوَلَدُ وَأَخَذَ الْبَائِعُ أَرْشَهُ، أَوْ قَتَلَهُ الْبَائِعُ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ الْأُمُّ بِحِصَّتِهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى لَا يَثْبُتُ فِي بَدَلِ الْأُمِّ، وَلَا فِي بَدَلِ الْوَلَدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ انْتَقَلَا إلَى الْبَدَلِ بِأَنْ قُتِلَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى عَلَى الْقِيمَةِ سَبِيلٌ، فَلَوْ قَسَّمْنَا الثَّمَنَ بَيْنَهُمَا لَجَعَلْنَا لَهُ حَقًّا فِي الْبَدَلِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَصَارَ كَأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَكُنْ، فَيَأْخُذُ الْأُمَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَدُ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ فِي الْبَدَلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأُمَّ لَوْ انْتَقَلَتْ إلَى الْبَدَلِ بِقَتْلٍ أَوْ غَصْبٍ ثَبَتَ حَقُّهُ فِيهِ، فَصَارَ كَأَنَّ الْوَلَدَ بَاقٍ لِحَالِهِ فَقُتِلَ كَانَ لَهُ حِصَّةٌ كَذَلِكَ هَذَا جَازَ أَنْ يُقَسَّمَ عَلَيْهِ.

стр. 314

وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْكُفَّارِ فَقَأَ عَيْنَ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَاةِ ثُمَّ قَبَضَهَا صَاحِبُهَا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَلَوْ أَنَّ الْبَائِعَ فَقَأَ عَيْنَ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ ثُمَّ جَاءَ الْمُشْتَرِي أَخَذَهَا بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ جِنَايَةَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْكُفَّارِ صَادَفَتْ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَجِنَايَتَهُ عَلَى مِلْكِهِ لَا تُوجِبُ ضَمَانًا عَلَيْهِ، فَقَدْ فَاتَ بِمَعْنًى لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ وَبَقِيَتْ الْأُمُّ أَخَذَ الْأُمَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجَارِيَةُ الْمَبِيعَةُ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ صَادَفَتْ مِلْكَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَجِنَايَتُهُ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ تُوجِبُ الضَّمَانَ، فَقَدْ فَاتَ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِمَعْنًى مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ حَبَسَهُ، فَلَوْ حَبَسَهُ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٤٠١ - إذَا أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ وَأَخَذُوهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ صَاحِبُهُ مِنْهُمْ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ لَمْ تَعُدْ الْإِجَارَةُ، وَبَطَلَتْ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ عَادَ النِّكَاحُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَسْرَ يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ، وَزَوَالُ مِلْكِ الْمَوْلَى يُوجِبُ بُطْلَانَ الْإِجَارَةِ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِرِضَا الْمُسْتَأْجِرِ. وَزَوَالُ مِلْكِهِ عَنْ الْمَنْكُوحَةِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ النِّكَاحِ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا.

стр. 315

[كِتَابُ الِاسْتِحْسَانِ وَالتَّحَرِّي وَالْإِبَاقِ] - مَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَوْضِعِ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ مِنْ الْحُرَّةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفُّ، لَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّهُ. وَمَا جَازَ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْأَمَةِ، وَهِيَ الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ جَازَ لَهُ مَسُّهُ. وَمَا يَجُوزُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ مَوْضِعِ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ، وَهُوَ رَأْسُهَا وَصَدْرُهَا وَيَدُهَا وَعَضُدُهَا وَسَاقُهَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّهَا. الْفَرْقُ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] يُوجِبُ أَلَّا يَجُوزَ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْهَا أَصْلًا، إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ أَوْجَبَتْ إبَاحَةَ النَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفِّ، وَهِيَ حَاجَةُ النَّاسِ إلَى مُبَايَعَتِهَا وَالتَّنَاوُلِ مِنْهَا، وَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، فَجَوَّزْنَاهُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى اللَّمْسِ فَلَا يَجُوزُ. وَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ لِلْأَجْنَبِيِّ إلَى النَّظَرِ إلَى الْأَمَةِ وَمَسِّهَا عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لِيَعْرِفَ حَالَهَا فَجَوَّزْنَا ذَلِكَ لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ فِي الْحَالَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْمَحَارِمِ

стр. 316

فَالضَّرُورَةُ أَيْضًا دَاعِيَةٌ إلَى اللَّمْسِ كَمَا أَنَّهَا دَاعِيَةٌ إلَى النَّظَرِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الْمُسَافَرَةِ مَعَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَتَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُنْزِلَهَا وَيُرْكِبَهَا، وَتَحْتَاجُ الْأُمُّ إلَى أَنْ يَخْدُمَهَا وَلَدُهَا، وَيُدَلِّكَ بَدَنَهَا، وَيَدْهِنَ رَأْسَهَا، وَيُقَبِّلَهَا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهَا، كَمَا جَوَّزْنَا النَّظَرَ جَوَّزْنَا اللَّمْسَ لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ فِي الْحَالَيْنِ. ٤٠٣ - رَجُلٌ دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ فَدَعَوْهُ إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فَقَالَ وَاحِدٌ ثِقَةٌ: هَذَا حَرَامٌ أَوْ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ، وَقَالُوا: هُوَ حَلَالٌ، وَفِيهِمْ أَيْضًا وَاحِدٌ ثِقَةٌ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ، وَلَا يَغْلِبُ خَبَرُ الْحَاضِرِ. وَلَوْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ خَبَرَانِ: أَحَدُهُمَا حَاظِرٌ وَالْآخَرُ مُبِيحٌ، وَالرَّاوِيَانِ ثِقَتَانِ فَالْحَاظِرُ أَوْلَى. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ مَاءٌ وَاحِدٌ طَاهِرًا وَنَجِسًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ إذَا تَنَجَّسَ لَا يَطْهُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعُلِمَ كَذِبُ أَحَدِهِمَا - لَا مَحَالَةً - وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي جَوَازِ كَوْنِهِ كَذِبًا كَصَاحِبِهِ، فَاسْتَوَيَا وَسَقَطَا، كَمَا قُلْنَا فِي الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا يَوْمَ

стр. 317

النَّحْرِ بِمَكَّةَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا سَقَطَا رَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ، فَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ. وَأَمَّا الْخَبَرَانِ فَإِنَّهُمَا نَقَلَا لَفْظَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، وَلَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُمَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا فَاسْتُبِيحَ فَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا فَقَبِلْنَاهُمَا، إلَّا أَنَّ الْحَاظِرَ كَالْمُتَأَخِّرِ؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ مُتَحَقِّقٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى. ٤٠٤ - إذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ فَشَهِدَ وَاحِدٌ ثِقَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ مِنْ رَمَضَانَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَلَا تُقْبَلُ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ لَا تَتَضَمَّنُ إيجَابَ مَالٍ، فَجَازَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ إيجَابُ عِبَادَةٍ كَمَا لَوْ رَوَى خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا هِلَالُ شَوَّالٍ فَيَتَضَمَّنُ إيجَابُ مَالٍ وَهُوَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَفِي الْأَضْحَى إيجَابُ الْأُضْحِيَّةِ، وَإِيجَابُ الْأَمْوَالِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. وَفَرْقٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى هِلَالِ الْفِطْرِ إيجَابُ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ

стр. 318

مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَيَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ هِلَالُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيجَابَ الْحَقِّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّوْمُ فَصَارَ مُخْبِرًا بِإِيجَابِ الْحَقِّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ، فَلَمْ تَلْحَقْهُ التُّهْمَةُ فِيهِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ. وَلِأَنَّ فِي الْفِطْرِ إسْقَاطَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ إسْقَاطُ سَائِرِ الْحُقُوقِ بِهِ. وَأَمَّا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَهُوَ إيجَابُ عِبَادَةٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ وَلَا تَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ. ٤٠٥ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: أَنَا أَرْضَعْتُهَا، أَوْ هَذِهِ أُخْتُكَ وَسِعَهُ أَنْ يُكَذِّبَهَا وَيَطَأَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ وَقَالَ: هَذِهِ حُرَّةُ الْأَصْلِ أَوْ أُخْتُكَ، وَسِعَهُ أَنْ يُكَذِّبَهُ وَيَطَأَهَا وَلَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ وَقَالَ: هَذِهِ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ، أَوْ هَذَا الْمَاءُ نَجِسٌ لَمْ يَسَعْهُ تَنَاوُلُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ إبَاحَةَ أَكْلِ الطَّعَامِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَبَحْتُ لَكَ، هَذَا الطَّعَامَ وَسِعَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ، فَزَوَالُ الْإِبَاحَةِ بِمَا يَزُولُ بِهِ الْمِلْكُ،

стр. 319

فَجَازَ زَوَالُ الْإِبَاحَةِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ كَمَا جَازَ إثْبَاتُهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبُضْعُ؛ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْبُضْعِ تَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ بِمِلْكِ نِكَاحٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ زَوَالُ الْإِبَاحَةِ بِمَا يُزَالُ بِهِ الْمِلْكُ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ زَوَالُ الْإِبَاحَةِ لَوْ صَحَّ هَذَا أَنَّ إبَاحَةَ الْبُضْعِ لِمَا اُخْتُصَّ بِالْمِلْكِ، وَإِزَالَةُ الْمِلْكِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ، فَبَقِيَ الْمِلْكُ الْمُوجِبُ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ، فَبَقِيَ الْمُوجِبُ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ. وَفِي الطَّعَامِ الْمِلْكُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَالْإِبَاحَةُ تَزُولُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، فَلَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ مُوجِبًا لِلْإِبَاحَةِ، فَلَمْ يَبْقَ الْمُوجِبُ فَجَازَ أَلَّا يَبْقَى الْمُوجِبُ. وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ وُجِدَ لِأَخْبَارِهَا مُنَازِعٌ؛ لِأَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَرْأَةِ يَقُولُونَ لَيْسَ كَذَلِكَ حَتَّى عَقَدُوا، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ حِينَ اشْتَرَاهَا، وَالْآنَ تُقِرُّ بِالرِّقِّ أَيْضًا؛ إذْ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا تَدَّعِي الْحُرْمَةَ فَتُعَارِضُ مُولَاهَا، وَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْعَقْدِ بِلَا حُرْمَةٍ. وَأَمَّا فِي اللَّحْمِ فَلَا مُنَازِعٌ يُخْبِرُهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ أَخَذَ الْبَدَلَ عَلَيْهِ، فَصَارَ الْمُشْتَرِي خَصْمًا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَقَدْ أُخْبِرَ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ مِنْهُ كَمَا لَوْ رَوَى خَبَرًا

стр. 320

وَفَرْقٌ آخَرُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ أَخَفُّ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُبَاحُ بِحَالٍ، وَهُوَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَتَحْرِيمُ الْبُضْعِ لَا يَرْتَفِعُ بِالضَّرُورَةِ، وَإِذَا كَانَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ أَخَفَّ جَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّخْفِيفُ فِي سَبَبِهِ فَيَكُونُ سَبَبُ ثُبُوتِهِ أَخَفَّ، فَيَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ. وَالْبُضْعُ لَمَّا كَانَ آكَدَ كَانَ سَبَبُ ثُبُوتِهِ آكَدَ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهِ. وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُعْتَبَرٌ بِالْإِبَاحَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَيُزِيلُهَا، وَإِبَاحَةُ الطَّعَامِ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبَحْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ، حَلَّ لَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَوْلِهِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ التَّحْرِيمُ فِيهِ أَيْضًا بِقَوْلِ الْوَاحِدِ. وَإِبَاحَةُ الْبُضْعِ لَا تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَوَّجَ أَوْ وَهَبَ أَوْ بَاعَ جَارِيَةً فَمَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَةِ الْآخَرِ قَبُولٌ وَقَبْضٌ لَا يُبَاحُ لَهُ، فَتَحْرِيمُهُ أَيْضًا جَازَ أَلَّا يَثْبُتَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ. ٤٠٦ - وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ طَعَامًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ مَلَكَهَا بِوَجْهِ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَجَاءَ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ فَشَهِدَ أَنَّ هَذَا لِفُلَانٍ الْفُلَانِ غَصَبَهُ مِنْهُ الْبَائِعُ أَوْ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَيِّتُ، فَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ أَكْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَزَّهْ كَانَ
следующие страницы →