Полный текст (659 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فَالضَّرُورَةُ أَيْضًا دَاعِيَةٌ إلَى اللَّمْسِ كَمَا أَنَّهَا دَاعِيَةٌ إلَى النَّظَرِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الْمُسَافَرَةِ مَعَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَتَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُنْزِلَهَا وَيُرْكِبَهَا، وَتَحْتَاجُ الْأُمُّ إلَى أَنْ يَخْدُمَهَا وَلَدُهَا، وَيُدَلِّكَ بَدَنَهَا، وَيَدْهِنَ رَأْسَهَا، وَيُقَبِّلَهَا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهَا، كَمَا جَوَّزْنَا النَّظَرَ جَوَّزْنَا اللَّمْسَ لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ فِي الْحَالَيْنِ.
٤٠٣ - رَجُلٌ دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ فَدَعَوْهُ إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فَقَالَ وَاحِدٌ ثِقَةٌ: هَذَا حَرَامٌ أَوْ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ، وَقَالُوا: هُوَ حَلَالٌ، وَفِيهِمْ أَيْضًا وَاحِدٌ ثِقَةٌ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ، وَلَا يَغْلِبُ خَبَرُ الْحَاضِرِ.
وَلَوْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ خَبَرَانِ: أَحَدُهُمَا حَاظِرٌ وَالْآخَرُ مُبِيحٌ، وَالرَّاوِيَانِ ثِقَتَانِ فَالْحَاظِرُ أَوْلَى.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ مَاءٌ وَاحِدٌ طَاهِرًا وَنَجِسًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ إذَا تَنَجَّسَ لَا يَطْهُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعُلِمَ كَذِبُ أَحَدِهِمَا - لَا مَحَالَةً - وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي جَوَازِ كَوْنِهِ كَذِبًا كَصَاحِبِهِ، فَاسْتَوَيَا وَسَقَطَا، كَمَا قُلْنَا فِي الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا يَوْمَ
стр. 317
النَّحْرِ بِمَكَّةَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا سَقَطَا رَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ، فَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ.
وَأَمَّا الْخَبَرَانِ فَإِنَّهُمَا نَقَلَا لَفْظَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، وَلَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُمَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا فَاسْتُبِيحَ فَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا فَقَبِلْنَاهُمَا، إلَّا أَنَّ الْحَاظِرَ كَالْمُتَأَخِّرِ؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ مُتَحَقِّقٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى.
٤٠٤ - إذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ فَشَهِدَ وَاحِدٌ ثِقَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ مِنْ رَمَضَانَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَلَا تُقْبَلُ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ لَا تَتَضَمَّنُ إيجَابَ مَالٍ، فَجَازَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ إيجَابُ عِبَادَةٍ كَمَا لَوْ رَوَى خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَمَّا هِلَالُ شَوَّالٍ فَيَتَضَمَّنُ إيجَابُ مَالٍ وَهُوَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَفِي الْأَضْحَى إيجَابُ الْأُضْحِيَّةِ، وَإِيجَابُ الْأَمْوَالِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَفَرْقٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى هِلَالِ الْفِطْرِ إيجَابُ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ
стр. 318
مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَيَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ هِلَالُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيجَابَ الْحَقِّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّوْمُ فَصَارَ مُخْبِرًا بِإِيجَابِ الْحَقِّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ، فَلَمْ تَلْحَقْهُ التُّهْمَةُ فِيهِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ.
وَلِأَنَّ فِي الْفِطْرِ إسْقَاطَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ إسْقَاطُ سَائِرِ الْحُقُوقِ بِهِ.
وَأَمَّا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَهُوَ إيجَابُ عِبَادَةٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ وَلَا تَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ.
٤٠٥ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: أَنَا أَرْضَعْتُهَا، أَوْ هَذِهِ أُخْتُكَ وَسِعَهُ أَنْ يُكَذِّبَهَا وَيَطَأَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ وَقَالَ: هَذِهِ حُرَّةُ الْأَصْلِ أَوْ أُخْتُكَ، وَسِعَهُ أَنْ يُكَذِّبَهُ وَيَطَأَهَا وَلَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ وَقَالَ: هَذِهِ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ، أَوْ هَذَا الْمَاءُ نَجِسٌ لَمْ يَسَعْهُ تَنَاوُلُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ إبَاحَةَ أَكْلِ الطَّعَامِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَبَحْتُ لَكَ، هَذَا الطَّعَامَ وَسِعَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ، فَزَوَالُ الْإِبَاحَةِ بِمَا يَزُولُ بِهِ الْمِلْكُ،
стр. 319
فَجَازَ زَوَالُ الْإِبَاحَةِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ كَمَا جَازَ إثْبَاتُهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبُضْعُ؛ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْبُضْعِ تَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ بِمِلْكِ نِكَاحٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ زَوَالُ الْإِبَاحَةِ بِمَا يُزَالُ بِهِ الْمِلْكُ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ زَوَالُ الْإِبَاحَةِ لَوْ صَحَّ هَذَا أَنَّ إبَاحَةَ الْبُضْعِ لِمَا اُخْتُصَّ بِالْمِلْكِ، وَإِزَالَةُ الْمِلْكِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ، فَبَقِيَ الْمِلْكُ الْمُوجِبُ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ، فَبَقِيَ الْمُوجِبُ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ.
وَفِي الطَّعَامِ الْمِلْكُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَالْإِبَاحَةُ تَزُولُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، فَلَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ مُوجِبًا لِلْإِبَاحَةِ، فَلَمْ يَبْقَ الْمُوجِبُ فَجَازَ أَلَّا يَبْقَى الْمُوجِبُ.
وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ وُجِدَ لِأَخْبَارِهَا مُنَازِعٌ؛ لِأَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَرْأَةِ يَقُولُونَ لَيْسَ كَذَلِكَ حَتَّى عَقَدُوا، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ حِينَ اشْتَرَاهَا، وَالْآنَ تُقِرُّ بِالرِّقِّ أَيْضًا؛ إذْ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا تَدَّعِي الْحُرْمَةَ فَتُعَارِضُ مُولَاهَا، وَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْعَقْدِ بِلَا حُرْمَةٍ.
وَأَمَّا فِي اللَّحْمِ فَلَا مُنَازِعٌ يُخْبِرُهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ أَخَذَ الْبَدَلَ عَلَيْهِ، فَصَارَ الْمُشْتَرِي خَصْمًا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَقَدْ أُخْبِرَ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ مِنْهُ كَمَا لَوْ رَوَى خَبَرًا
стр. 320
وَفَرْقٌ آخَرُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ أَخَفُّ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُبَاحُ بِحَالٍ، وَهُوَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَتَحْرِيمُ الْبُضْعِ لَا يَرْتَفِعُ بِالضَّرُورَةِ، وَإِذَا كَانَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ أَخَفَّ جَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّخْفِيفُ فِي سَبَبِهِ فَيَكُونُ سَبَبُ ثُبُوتِهِ أَخَفَّ، فَيَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ.
وَالْبُضْعُ لَمَّا كَانَ آكَدَ كَانَ سَبَبُ ثُبُوتِهِ آكَدَ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُعْتَبَرٌ بِالْإِبَاحَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَيُزِيلُهَا، وَإِبَاحَةُ الطَّعَامِ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبَحْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ، حَلَّ لَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَوْلِهِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ التَّحْرِيمُ فِيهِ أَيْضًا بِقَوْلِ الْوَاحِدِ.
وَإِبَاحَةُ الْبُضْعِ لَا تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَوَّجَ أَوْ وَهَبَ أَوْ بَاعَ جَارِيَةً فَمَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَةِ الْآخَرِ قَبُولٌ وَقَبْضٌ لَا يُبَاحُ لَهُ، فَتَحْرِيمُهُ أَيْضًا جَازَ أَلَّا يَثْبُتَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ.
٤٠٦ - وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ طَعَامًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ مَلَكَهَا بِوَجْهِ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَجَاءَ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ فَشَهِدَ أَنَّ هَذَا لِفُلَانٍ الْفُلَانِ غَصَبَهُ مِنْهُ الْبَائِعُ أَوْ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَيِّتُ، فَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ أَكْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَزَّهْ كَانَ
стр. 321
فِي وُسْعِهِ، وَكَذَلِكَ شَرَابٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَذِنَ لَآخَرَ فِي شُرْبِهِ وَالْوُضُوءِ بِهِ، فَقَالَ ثِقَةٌ: هَذَا لِفُلَانٍ غَصَبَهُ مِنْهُ وَسِعَهُ اسْتِعْمَالُهُ.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ لَحْمٌ أَوْ مَاءٌ فَقَالَ: هَذَا الْمَاءُ نَجِسٌ، أَوْ هَذَا اللَّحْمُ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ لَمْ يَسَعْهُ أَكْلُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ كَوْنَهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ جَازَ فَلَمْ يُخْبَرْ بِتَحْرِيمٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أُخْبِرَ بِتَحْرِيمٍ لِحَقِّ مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالْمِلْكُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَنَقْلُ الْمِلْكِ وَإِثْبَاتُهُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ فَلَمْ يَصِرْ الْمِلْكُ لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ فَبَقِيَ الْمِلْكُ فِيهِ لَهُ.
وَأَمَّا فِي ذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ فَقَدْ أُخْبِرَ بِمَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ وَبِكَوْنِهِ حَرَامًا وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ بِإِذْنٍ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيِّ، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ أَخْبَارَ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ مَقْبُولَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: هُوَ لِفُلَانٍ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ لِفُلَانٍ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِهِ عَلَيْهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِهِبَةٍ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ فِي يَدِهِ وَلَهُ إبَاحَتُهُ، فَتَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ أَنْ
стр. 322
يَبْطُلَ بِهِ سَائِرُ الْحُقُوقِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أُخْبِرَ أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ أُخْبِرَ بِمَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ نَجِسًا، وَإِخْبَارُ الْوَاحِدِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَقْبُولٌ.
٤٠٧ - رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَخْبَرَهَا مُخْبِرٌ أَنَّ زَوْجَكِ قَدْ طَلَّقَكِ أَوْ مَاتَ، وَسِعَهَا أَنْ تُصَدِّقَهُ وَتَتَزَوَّجَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِرَجُلٍ: قَدْ طَلَّقَنِي زَوْجِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي، وَسِعَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا
وَلَوْ أُخْبِرَتْ الْمَرْأَةُ بِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فَاسِدًا، وَكَانَ الزَّوْجُ مُرْتَدًّا يَوْمَ الْعَقْدِ لَمْ يَسَعْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَلَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَالَتْ هَكَذَا لَمْ يَسَعْ الْأَجْنَبِيُّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أُخْبِرَتْ بِمَا يَنْبَنِي عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ، فَكَانَ إخْبَارًا بِتَحْلِيلِ نَفْسِهَا بِسَبَبٍ مُمْكِنٍ فَصَدَّقَتْ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: حِضْتُ أَوْ طَهُرْتُ وَأَنَا مُسْلِمَةٌ فَتَزَوَّجْنِي.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يُضَادُّ الْمَعْلُومَ الْأَوَّلَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا لَوْ عَايَنَ شَيْئًا فَأَخْبَرَهُ آخَرُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَدَعُ مَعْلُومَهُ بِإِخْبَارِهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: لِإِخْبَارِهِ مُنَازِعٌ وَهُوَ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عَقْدُهُ كَانَ صَحِيحًا، فَتَعَارَضَ الْقَوْلَانِ فَرُجِعَ إلَى الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ.
стр. 323
وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ لِإِخْبَارِهَا مُنَازِعٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا وَالزَّوْجُ غَائِبٌ فَقُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارُ ثِقَةٍ فِي الدِّيَانَاتِ.
٤٠٨ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ: أَنِّي قَتَلْتُ أَبَاكَ عَمْدًا، وَسِعَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِإِقْرَارِهِ.
وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ أَنْ يَقْتُلَهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْإِقْرَارِ يُوجِبُ الْحَقَّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي اجْتِهَادٌ فِي قَبُولِهِ وَرَدِّهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ أَنَّ إنْسَانًا يُقِرُّ لِأَحَدٍ بِدَيْنٍ وَسِعَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ عَايَنَ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ، فَقَدْ عَلِمَ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ لَهُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ كَمَا لَوْ شَاهَدَ الْقَتْلَ.
وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الشَّهَادَةِ لَا تُوجِبُ الْحَقَّ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْقَاضِي اجْتِهَادًا فِي قَبُولِهَا وَرَدِّهَا، وَيَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهَا.
وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَوْ رَأَى رَجُلًا يَشْهَدُ آخَرُ عَلَى شَهَادَتِهِ لَمْ يَسَعْ لِهَذَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ مَا لَمْ يَشْهَدْهُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الشَّهَادَةِ لَا تُوجِبُ الْحَقَّ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ.
стр. 324
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا اتَّصَلَتْ بِالْقَضَاءِ صَارَتْ مُوجِبَةً لِحَقٍّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي اجْتِهَادٌ فِي إبْطَالِهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَهُ، فَقَدْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ.
٤٠٩ - إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ امْرَأَةٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَجَحَدَ الزَّوْجُ لَمْ يَسَعْهَا أَنْ تُمَكِّنَ نَفْسَهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَلَزِمَهُ الْحُكْمُ بِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ.
وَلَوْ أَنَّ شَاهِدَيْنِ قَالَا لِرَجُلٍ: إنَّ فُلَانًا قَتَلَ أَبَاكَ عَمْدًا لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِمَا وَيَقْتُلَهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْقَتْلِ تَقْتَضِي ثُبُوتَهُ، وَثُبُوتُ الْقَتْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْقِصَاصِ، لِجَوَازِ أَنْ يَرِدَ مَعْنًى يُبْطِلُهُ وَيُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَهُ، وَإِذَا لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى ثُبُوتِ الْقِصَاصِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْتُلَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْبُضْعِ - لَا مَحَالَةَ - وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ تُوجِبُ ثُبُوتَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ وَفَسْخُهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ عَايَنَتْ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، وَلَوْ عَايَنَتْ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا امْتِنَاعُ النَّفْسِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٤١٠ - إذَا اشْتَبَهَتْ الْقِبْلَةُ عَلَى الرَّجُلِ فَلَمْ يَتَحَرَّ، وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَوْ كَانَ أَكْثَرَ رَأْيِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ
стр. 325
حَتَّى يَسْتَقْبِلَهَا بِتَكْبِيرٍ مُسْتَأْنَفٍ.
وَلَوْ عَلِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ أَنَّهُ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى أَصْلِ فَرْضِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ فَرْضِهِ الْقِبْلَةُ لَا مَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى أَصْلِ فَرْضِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ.
٤١١ - إذَا اخْتَلَطَ جَارِيَتُهُ بِجَوَارِي غَيْرِهِ، أَوْ امْرَأَتُهُ بِنِسَاءِ غَيْرِهِ، أَوْ قَاتِلُ أَبِيهِ بِرِجَالٍ أُخَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى.
وَإِذَا اخْتَلَطَ مَسْلُوخَةٌ مَيْتَةٌ بِمَسَالِيخَ مُذَكَّاةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى، وَيَأْكُلَ مَا يُؤَدِّي اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّهَا مُذَكَّاةٌ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاشْتِبَاهَ عُذْرٌ، فَقَدْ أَكَلَ مِمَّا يُسْتَبَاحُ لِلْعُذْرِ بِحَالٍ وَهُوَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَلِذَلِكَ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجَوَارِي؛ لِأَنَّ الِاشْتِبَاهَ نَوْعُ عُذْرٍ وَالْإِبْضَاعُ لَا يُسْتَبَاحُ لِلْعُذْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي فِيهِمَا.
٤١٢ - وَدَكُ الْمَيْتَةِ إذَا اخْتَلَطَ بِالسَّمْنِ، وَالسَّمْنُ هُوَ الْغَالِبُ جَازَ بَيْعُهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَدَكُ هُوَ الْغَالِبُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ.
وَالزَّيْتُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ أَوْ
стр. 326
نَجَاسَةٌ جَازَ بَيْعُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَالِبَ إذَا كَانَ هُوَ الْوَدَكَ فَلَا يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي السَّمْنِ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ، فَهَذِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَيْنِ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ يَقَعُ عَلَى الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ وَدَكُ الْمَيْتَةِ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ عَلَى الْمَيْتَةِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ هُوَ السَّمْنَ صَارَ الْوَدَكُ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ؛ إذْ الْأَقَلُّ يُجْعَلُ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ فَكَانَ الْجَمِيعُ سَمْنًا فَجَازَ بَيْعُهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْفَأْرَةُ إذَا وَقَعَتْ فِي الزَّيْتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ، وَالْعَقْدُ يَقَعُ عَلَى الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ طَاهِرَةٌ فَمُجَاوَرَةُ النَّجَاسَةِ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ، كَالثَّوْبِ النَّجِسِ إذَا بِيعَ.
٤١٣ - إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا ثَوْبَانِ: أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ، فَتَحَرَّى وَغَلَبَ فِي ظَنِّهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا طَاهِرٌ، وَصَلَّى الظُّهْرَ فِي أَحَدِهِمَا، ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَأَدَّى غَالِبُ ظَنِّهِ إلَى أَنَّ الْآخَرَ طَاهِرٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الثَّوْبِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الظُّهْرَ.
وَلَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَتَحَرَّى وَصَلَّى إلَى جِهَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ أَدَّى غَالِبُ ظَنِّهِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ أَنَّ الْقِبْلَةَ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ إلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى.
стр. 327
وَالْفَرْقُ أَنَّ فَرْضَهُ فِي بَابِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ، وَتَرَكَهَا وَتَوَجَّهَ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ، فَإِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ مَرَّةً إلَى جِهَةٍ أَنَّهَا الْقِبْلَةُ لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ قِبْلَةً لَهُ أَبَدًا، فَبَقِيَ عَلَى اجْتِهَادِهِ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى وَقْتَ الْعَصْرِ ثَانِيًا وَيَجْتَهِدُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّوْبُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ فِي بَابِ الثَّوْبِ أَدَاءُ الْعَصْرِ فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ، لَا مَا يُؤَدِّي اجْتِهَادُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَحَرَّى وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ طَاهِرٌ ثُمَّ تَرَكَهُ، وَصَلَّى فِي الثَّوْبِ الْأُخْرَى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، فَإِذَا تَحَرَّى وَصَلَّى الظُّهْرَ فِي ثَوْبٍ حَكَمْنَا بِجَوَازِ صَلَاتِهِ فِيهِ، فَقَدْ حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ حُكْمٌ بِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ الْآخَرِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَصْرَ فِيهِ، فَقَدْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ، فَلَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ.
٤١٤ - إذَا أَجَّرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ سَنَةً لِلْخِدْمَةِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي خِلَالِ السَّنَةِ، وَلَمْ يَقْبِضْ الْمَوْلَى الْأَجْرَ، فَاخْتَارَ الْعَبْدُ الْمُضِيَّ عَلَى (الْإِجَارَةِ) ؛ (كَانَ أَجْرُ) مَا مَضَى لِلْمَوْلَى وَمَا بَقِيَ لِلْعَبْدِ.
وَلَوْ أَنَّ الْمَوْلَى قَبَضَ الْأُجْرَةَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَجَمِيعُ الْأُجْرَةِ لِلْمَوْلَى.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْلَى بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ لَزِمَهُ تَسْلِيمُ النَّفْسِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، فَصَارَ كَالْمُبْتَدِئِ لِلْعَقْدِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَلَوْ عَقَدَ بَعْدَ عِتْقِهِ وَقَفَ عَلَى إجَازَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ،
стр. 328
كَذَلِكَ هَذَا، فَإِذَا أَجَازَ فَقَدْ تَمَّ الْعَقْدُ بِإِجَازَتِهِ، فَصَارَ كَتَوْلِيَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ عَقَدَ بِنَفْسِهِ سُلِّمَتْ الْأُجْرَةُ لَهُ، كَذَلِكَ هَذَا، وَمَا مَضَى فِي حَالِ الرِّقِّ إنَّمَا تَمَّ الْعَقْدُ بِإِجَازَةِ الْمَوْلَى، وَالْأُجْرَةُ وَجَبَتْ فِي الْحَالِ، وَهُوَ رَقِيقٌ، فَسُلِّمَتْ لَهُ.
وَأَمَّا إذَا قَبَضَ الْأُجْرَةَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، فَقَدْ مَلَكَ الْأُجْرَةَ بِالتَّعْجِيلِ فِي حَالِ الرِّقِّ، وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهَا، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ سَوَاءٌ قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَوُجِدَ الْعَقْدُ فِي حَالِ الرِّقِّ، فَسُلِّمَ لَهُ الْمَهْرُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٤١٥ - وَلَوْ أَجَّرَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَقَبَضَ الْأُجْرَةَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى عَتَقَ فَأُجْرَةُ مَا مَضَى فِي حَالِ الرِّقِّ لِلْمَوْلَى، وَمَا بَقِيَ فِي حَالِ الْعِتْقِ لِلْعَبْدِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى، أَوْ تَوَلَّى بِنَفْسِهِ فَالْأُجْرَةُ الْمَقْبُوضَةُ لِلْمَوْلَى خَاصَّةً.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ، فَلَا تُمْلَكُ الْأُجْرَةُ فِيهِ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، وَلَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، فَاسْتَوَى وُجُودُ الْقَبْضِ وَعَدَمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ لَكَانَ أَجْرُ مَا مَضَى لِلْمَوْلَى، وَمَا بَقِيَ لِلْعَبْدِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَقْدُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى أَوْ أَجَّرَهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ صَحِيحٌ، فَإِذَا عُجِّلَتْ الْأُجْرَةُ مَلَكَهَا الْمَوْلَى بِالتَّعْجِيلِ فِي حَالِ رِقِّهِ فَكَانَ لَهُ كَمَا قُلْنَا فِي مَهْرِ الْجَارِيَةِ.
стр. 329
إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ فَوَهَبَهُ مَوْلَاهُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ جَازَ.
وَإِنْ وَهَبَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَجُزْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ إبَاقَهُ لَمْ يُزِلْ يَدَ الْمَوْلَى عَنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ يَدٌ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ حُكْمُ يَدِ الْمَوْلَى، وَهِبَتُهُ مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِيَدٍ لَهُ جَائِزَةٌ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَوَهَبَهُ مِنْ ابْنِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى أَحَدٍ جَازَ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلْأَجْنَبِيِّ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وَالتَّسْلِيمُ فِي الْآبِقِ لَمْ يُوجَدْ فَلَمْ تَجُزْ الْهِبَةُ.
٤١٧ - إذَا أَجَّرَ الْأَبُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ، أَوْ أَجَّرَ الْوَصِيُّ الْيَتِيمَ مُدَّةً، فَبَلَغَ الْيَتِيمُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَلَهُ الْخِيَارُ.
وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدًا لَهُ أَوْ دَارًا لَهُ، فَبَلَغَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْغَضَاضَةَ تَلْحَقُهُ فِي أَنْ يَكُونَ أَجِيرَ الْقَوْمِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَا تَلْحَقُهُ الْغَضَاضَةُ فِي حَالِ الصِّغَرِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ الصِّبْيَانَ يُؤَجَّرُونَ لِيَتَعَلَّمُوا الْحِرَفَ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ الْغَضَاضَةُ صَارَ عُذْرًا، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَجَّرَ دَارِهِ أَوْ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ الْغَضَاضَةُ، بِأَنْ
стр. 330
يَكُونَ مِلْكُهُ فِي حُكْمِ إجَارَةِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَصِرْ عُذْرًا، وَالْإِجَارَةُ لَا تَنْفَسِخُ إلَّا بِعُذْرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فَبَقِيَتْ الْإِجَارَةُ.
٤١٨ - إذَا جَاءَ رَجُلٌ بِالْآبِقِ إلَى صَاحِبِهِ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ حَتَّى يَأْخُذَ الْجُعْلَ
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حَمَّالًا لِيَنْقُلَ حُمُولَةً إلَى مَنْزِلِهِ، فَنَقَلَ الْحُمُولَةَ إلَى مَنْزِلِهِ - لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ إبَاقَ الْعَبْدِ جِنَايَةٌ مِنْهُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ جِنَايَةً لَكَانَ خُرُوجًا بِرِضَا الْمَوْلَى فَلَا يَكُونُ إبَاقًا وَرَدُّهُ إبْرَاءٌ لَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ، بِإِذْنِ مَالِكِهِ حُكْمًا وَاجِبًا لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ مَرْهُونًا فَقَضَى الدَّيْنَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَلَهُ إمْسَاكُهُ، لِيَرُدَّ عَلَيْهِ دَيْنَهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَمَّالُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَحْمُولَ لَهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ وَالْإِتْلَافِ، فَلَمْ يَكُنْ نَقْلُهُ إحْيَاءً لِمِلْكِهِ، وَإِنَّمَا عَمِلَ لَهُ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهُ بِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ غَيْرِ الشَّيْءِ الْمَحْمُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 331
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
٤١٩ - إذَا اسْتَوْلَى عَلَى دَارِ إنْسَانٍ فَانْهَدَمَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَاتِ: إذَا شَهِدُوا لِرَجُلٍ بِدَارٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَمَا انْهَدَمَ الدَّارُ ضَمِنُوا قِيمَتَهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشُّهُودَ بِشَهَادَتِهِمْ أَتْلَفُوا الْمِلْكَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ، فَقَدْ نَقَلُوا الْمِلْكَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي فَضَمِنُوا.
وَفِي الْغَصْبِ بِالِاسْتِيلَاءِ لَمْ يُنْقَلْ الْمِلْكُ وَلَا الْعَيْنُ وَلَمْ يُتْلِفْهُ، فَاسْتَحَالَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ حَبَسَ رَجُلًا حَتَّى ضَاعَ مَالُهُ.
٤٢٠ - رَجُلٌ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً وَبَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَاسْتَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا صَاحِبُهَا وَأَخَذَ قِيمَةَ الْوَلَدِ وَالْعُقْرِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ وَلَا يَرْجِعُ بِالْعُقْرِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَلَدَ يُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْبَائِعِ عَيْبٌ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَلَّمَهُ مَعَ الْأُمِّ كَانَ
стр. 332
لَهُ حَقُّهُ مِنْ الثَّمَنِ، حَتَّى يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَقَدْ يَضْمَنُ بِالْعَقْدِ سَلَامَةَ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، دَلِيلُهُ الْأُمُّ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعُقْرُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى جَارِيَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، فَلَمْ يَضْمَنْ بِالْعَقْدِ سَلَامَةَ الْوَطْءِ لَهُ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ.
٤٢١ - إذَا غَصَبَ دَابَّةً فَقَطَعَ يَدَهَا أَوْ رِجْلَهَا، فَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا غَرَّمَهُ كَمَالَ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا غَرَّمَهُ النُّقْصَانَ إنْ شَاءَ وَأَمْسَكَ الْعَيْنَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ كَمَالَ الْقِيمَةِ وَالدَّابَّةُ لَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فَوَّتَ مُعْظَمَ مَنَافِعِهَا حَيَّةً، وَلَمْ يُفَوِّتْ مَنَافِعَهَا مَذْبُوحَةً، فَقَدْ فَوَّتَ بَعْضَ مَنَافِعِهَا وَبَقِيَ الْبَعْضُ - فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَهَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ دَابَّةً لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ جَمِيعَ مَنَافِعِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهَا وَلَا لِلْأَكْلِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَتَلَهَا وَلَوْ قَتَلَهَا غُرِّمَ كَمَالَ قِيمَتِهَا، كَذَلِكَ هَذَا.
٤٢٢ - لَوْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ مِنْ إنْسَانٍ فَدَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ مِثْلَ
стр. 333
الْعَفْصِ وَغَيْرِهِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ مَا زَادَ الدَّبَّاغُ فِيهِ.
وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا مِنْ مُسْلِمٍ وَأَلْقَى فِيهِ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ فَاِتَّخَذَهَا خَلًّا فَلَا سَبِيلَ لِصَاحِبِهَا عَلَيْهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَارَتْ خَلًّا بِنَفْسِهَا أَوْ جَعَلَهَا خَلًّا بِشَيْءٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٌ مِنْ مِلْكِهِ فَلِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ فِي الْجِلْدِ مَا أَزَالَ الِاسْمَ الْأَوَّلَ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ مِنْ جِنْسِهِ إلَى جِنْسٍ آخَرَ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَالصَّبْغُ عَيْنُ مِلْكٍ قَائِمٍ لَهُ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ تَمَلُّكُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ فَإِذَا أَخَذَهُ ضَمِنَهُ لَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخَمْرُ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهِ مِلْكَهُ مَا زَالَ الِاسْمُ الْأَوَّلُ، وَنَقَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ إلَى جِنْسٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ خَلَطَ عَيْنَ مِلْكِهِ بِهِ وَهُوَ قَائِمٌ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ فَانْقَطَعَ حَقُّ صَاحِبِهِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، وَلَيْسَ لَهُ عَيْنُ مِلْكٍ قَائِمٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَمْ يَكُنْ مَالًا فَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا فَيَرُدَّهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُلْقِ فِيهَا شَيْئًا فَهُوَ عَيْنُ مِلْكِهِ انْتَقَلَ مِنْ جِنْسِ الْخَمْرِيَّةِ إلَى جِنْسِ الْخَلِّ، فَكَانَ لَهُ كَمَا لَوْ صَارَ خَلًّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ.
стр. 334
٤٢٣ - إذَا غَصَبَ جَارِيَةً فَحَبِلَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ فِي يَدِ الْمَوْلَى ضَمِنَ كَمَالَ قِيمَتِهَا، وَجُعِلَ كَأَنَّهَا مَاتَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ) .
وَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً حُبْلَى فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ ضَمِنَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهَا نَاقِصَةً بِالْحَبَلِ، وَلَمْ تُجْعَلْ كَأَنَّهَا مَاتَتْ فِي يَدِ الْمَوْلَى.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَبَلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْمَضْمُونِ يَكُونُ مَضْمُونًا فَتَلِفَتْ فِي ضَمَانِهِ.
وَالْحَبَلُ فِي يَدِ الْمَوْلَى غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ لَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ، وَجُعِلَ كَأَنَّهَا مَاتَتْ فِي غَيْرِ الْحَبَلِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ نَاقِصَةً، كَذَلِكَ هَذَا.
٤٢٤ - إذَا غَصَبَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ وَنَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ وَمَاتَتْ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ ضَمِنَ قِيمَةَ الْأُمِّ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَيَرُدُّ الْوَلَدَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي الْبُيُوعِ لَوْ بَاعَ جَارِيَةً بِجَارِيَتَيْنِ إلَى أَجَلٍ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، فَإِنْ وَلَدَتْ فِي يَدِهِ وَمَاتَتْ الْأُمُّ وَقَدْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ غَرِمَ قِيمَةَ الْأُمِّ وَلَا يُجْبَرُ نُقْصَانُ الْوِلَادَةِ بِالْوَلَدِ.
وَقَدْ قَالُوا فِي الْغَاصِبِ إذَا قَتَلَ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ بَعْدَمَا وَلَدَتْ فِي يَدِهِ وَقَتَلَ الْوَلَدَ أَيْضًا وَقِيمَةُ الْجَارِيَةِ أَلْفٌ وَقَدْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ مِائَةً وَقِيمَةُ الْوَلَدِ مِائَتَانِ، فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ أَلْفًا وَيَضْمَنُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ مِائَةً، وَيُجْبَرُ
стр. 335
نُقْصَانُ الْوِلَادَةِ بِبَقِيَّةِ قِيمَةِ الْوَلَدِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَارِيَةَ لَمَّا مَاتَتْ وَجَبَ إسْنَادُ الضَّمَانِ إلَى حَالَةِ الْغَصْبِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ حَالَةً أُخْرَى يُمْكِنُ إسْنَادُ الضَّمَانِ إلَيْهِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يُرَاعِي قِيمَتَهَا وَقْتَ الْغَصْبِ وَحَالَةَ الْغَصْبِ هِيَ كَامِلَةٌ، فَإِذَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا بِكَمَالِهَا اسْتَغْنَى عَنْ الْجَبْرِ بِالْوَلَدِ، فَكَذَلِكَ لَا يُجْبَرُ نُقْصَانُهَا بِالْوَلَدِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَتَلَهَا؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ هُنَاكَ حَالَةٌ أُخْرَى يَجِبُ الضَّمَانُ بِهِ غَيْرَ حَالَةِ الْغَصْبِ وَهِيَ الْقَتْلُ، فَيُمْكِنُنَا تَضْمِينَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ نَاقِصَةً، وَيُجْبَرُ النُّقْصَانُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ.
٤٢٥ - إذَا غَصَبَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ وَنَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ وَمَاتَتْ الْأُمُّ - ضَمِنَ قِيمَةَ الْأُمِّ وَلَا يُجْبِرُ نُقْصَانَ الْوِلَادَةِ بِالْوَلَدِ.
وَلَوْ لَمْ تَمُتْ الْأُمُّ رَدَّهَا، وَجَبَرَ نُقْصَانَ الْوِلَادَةِ بِالْوَلَدِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجُبْرَانَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ بَقَاءِ الْأَصْلِ، فَإِذَا بَقِيَ الْأَصْلُ جَازَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ النُّقْصَانَ، وَإِذَا فَاتَ الْأَصْلُ لَمْ يُتَصَوَّرْ الْجُبْرَانُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ لَمَّا كَانَ جَبْرًا لِلصَّلَاةِ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ إلَّا بَعْدَ بَقَاءِ الصَّلَاةِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ سُجُودِ السَّهْوِ، وَلَوْ لَمْ يُفْسِدْهَا لَزِمَهُ قَضَاءُ سُجُودِ السَّهْوِ، كَذَلِكَ هَذَا، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ
стр. 336
دَمٌ فَلَوْ فَسَدَ الْحَجُّ أَصْلًا بَعْدَ ذَلِكَ سَقَطَ الدَّمُ عَنْهُ، وَوَجَبَ الْقَضَاءُ، فَسَقَطَ الْجُبْرَانُ عِنْدَ فَوْتِ الْأَصْلِ، وَلَا يَسْقُطُ مَعَ بَقَائِهِ هَاهُنَا، كَذَلِكَ هَذَا.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْأَصْلَ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ عِنْدَ التَّلَفِ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ ضَمَانُ الْأَجْزَاءِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُ الْيَدِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ وَلَمْ تُقْطَعْ الْيَدُ، كَذَلِكَ هَذَا صَارَ كَأَنَّهَا مَاتَتْ وَلَمْ يَنْقُصْهَا الْوِلَادَةُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ تَمُتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَمْ يَصِرْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَجَازَ أَنْ يَجِبَ ضَمَانُ الْأَجْزَاءِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْوَلَدَ بَعْضٌ مِنْ الْأُمِّ، فَلَوْ جَبَرْنَاهَا بِهِ لَأَقَمْنَا بَعْضَ الشَّيْءِ قَائِمًا مَقَامَ كُلِّهِ عِنْدَ فَوَاتِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ قَوِيٌّ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ تَمُتْ الْأُمُّ؛ لِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَأَقَمْنَا بَعْضَ الشَّيْءِ مَقَامَ بَعْضِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ، إذْ الْبَعْضُ نَظِيرُ الْبَعْضِ، وَمِثْلُهُ فِي الضِّعْفِ، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ بِخِلَافِ الْكُلِّ.
٤٢٦ - إذَا غَصَبَ مَمْلُوكًا أَمْرَدَ فَجَرَحَ وَجْهَهُ، وَرَدَّهُ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا آخَرَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَيْبًا.
стр. 337
وَلَوْ غَصَبَ غُلَامًا شَابًّا، فَصَارَ شَيْخًا فِي يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهُ - فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ شَابًّا وَيُقَوَّمُ شَيْخًا فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ اللِّحْيَةَ لَيْسَتْ بِنُقْصَانٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ حَلَقَهَا فَلَمْ تَنْبُتْ ضَمِنَ أَرْشَهَا، فَصَارَ هُوَ زِيَادَةً، وَالزِّيَادَةُ لَا تَكُونُ عَيْبًا وَنُقْصَانًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّيْخُوخَةُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَتَغَيَّرُ وَالْقِيمَةُ تَذْهَبُ وَالْقِيمَةُ تَنْقُصُ، فَصَارَ كَقَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ.
٤٢٧ - إذَا غَصَبَ عَصِيرًا فَصَارَ خَلًّا، وَلَبَنًا فَصَارَ مَاخِضًا وَاخْتَارَ صَاحِبُهُ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ النُّقْصَانَ.
وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَصِيرَ وَاللَّبَنَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِمَا الرِّبَا فَلَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يَأْخُذَ النُّقْصَانَ لَصَارَ مُعْتَاضًا عَنْ الْجَوْدَةِ بَدَلًا، فَيَحْصُلُ لَهُ مِثْلُ كَيْلِهِ وَوَزْنِهِ وَزِيَادَةٌ، فَكَانَ رِبًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ، كَمَا لَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَأَصَابَهَا مَاءٌ فَعَقَّتْ فَاخْتَارَ صَاحِبُهَا أَخْذَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ، كَذَا هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّوْبُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مِمَّا لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَإِذَا أَخَذَ عَنْ النُّقْصَانِ بَدَلًا صَارَ مُعْتَاضًا عَنْ الْجَوْدَةِ وَالْقِيمَةِ فِي الثَّوْبِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا فَجَازَ، كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا وَقَطَعَ أُصْبُعًا مِنْهُ ضَمِنَ النُّقْصَانَ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 338
٤٢٨ - رَجُلٌ غَصَبَ ثَوْبًا وَعُصْفُرًا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَصَبَغَهُ بِهِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ مَصْبُوغًا وَيُبَرِّئَهُ مِنْ الضَّمَانِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ لِوَاحِدٍ وَالصِّبْغُ لِآخَرَ وَقَدْ صَبَغَهُ الْغَاصِبُ بِهِ فَرَضِيَا بِأَخْذِهِ وَأَبْرَآهُ مِنْ النُّقْصَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ وَيَرُدَّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا زَادَ قِيمَةَ الصِّبْغِ، وَيَتْبَعُ صَاحِبُ الْعُصْفُرِ الْغَاصِبَ بِعُصْفُرٍ مِثْلَ عُصْفُرِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الصِّبْغَ إذَا كَانَ لِوَاحِدٍ وَالثَّوْبَ لِآخَرَ فَإِذَا صَبَغَهُ بِهِ صَارَ الصِّبْغُ مُسْتَهْلَكًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَزَالَ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ لِوَاحِدٍ؛ لِأَنَّ مَالَ الْإِنْسَانِ لَا يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِخَلْطِهِ بِمَالِهِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ نَاقِصًا، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْ الصِّبْغِ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَخْذُهُمَا.
٤٢٩ - إذَا اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ ثَوْبًا وَسِعَهُ التَّصَرُّفُ فِي الثَّوْبِ وَلَوْ اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ دَنَانِيرَ لَمْ يَسَعْهُ التَّصَرُّفُ فِي الدَّنَانِيرِ.
стр. 339
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ بِمَضْمُونٍ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يَصِيرُ قِصَاصًا بِالْمَقْبُوضِ فَإِذَا كَانَ الْمَقْبُوضُ مَغْصُوبًا فَلَمْ يَصِرْ مَالِكَهُ وَبِالْأَخْذِ لَمْ يَصِرْ قِصَاصًا، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ فَبَقِيَ مِلْكُهُ فِي الثَّوْبِ، فَجَازَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِمَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ التَّقَابُضَ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ، فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ الْمَقْبُوضُ لِكَوْنِهِ مَغْصُوبًا وَجَبَ رَدُّ الدَّنَانِيرِ، وَيَصِيرُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى عَقْدٍ فَاسِدٍ، فَلَمْ يَسَعْهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ.
وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ أَصْحَابُنَا: أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَاشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ اُسْتُحِقَّ يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، فَإِذَا اُسْتُحِقَّ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ الْجَارِيَةِ، فَهِيَ مَقْبُوضَةٌ عَلَى عَقْدٍ فَاسِدٍ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ عَلَى ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ حَلَّ لَهُ وَطْءُ الزَّوْجَةِ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ اُسْتُحِقَّ لَمْ يَفْسَخْ النِّكَاحَ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ قِيمَةَ الثَّوْبِ.
٤٣٠ - إذَا اسْتَأْجَرَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَ الْعَبْدَ الْخَبْزَ وَالْكِتَابَةَ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ عَلَى ضَمَانِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْغَصْبُ ثَوْبًا فَاسْتَأْجَرَ صَاحِبُ الثَّوْبِ الْغَاصِبَ أَنْ يَفْتِلَهُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ الضَّمَانِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا فَأَجَرَهُ مِنْ الْغَاصِبِ لِلْخِدْمَةِ، أَوْ كَانَ ثَوْبًا
стр. 340
فَاسْتَأْجَرَهُ لِيَلْبَسَهُ، أَوْ كَانَتْ دَابَّةً فَاسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا، فَقَبِلَ الْغَاصِبُ الْإِجَارَةَ بَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ الضَّمَانِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الْغَاصِبِ عَلَى تَعْلِيمِ الْعَبْدِ الْخَبْزَ وَفَتْلَ الثَّوْبِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْعَمَلُ فِيهِ وَهُوَ فِي يَدِ الْمَوْلَى، فَلَمْ يُوجِبْ لَهُ يَدًا فِيهِ، فَلَمْ يَبْرَأْ عَنْ الضَّمَانِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلُّبْسِ أَوْ الرُّكُوبِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الرُّكُوبِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الدَّابَّةِ إلَيْهِ، لِيَجِبَ الْأَجْرُ بِالتَّسْلِيمِ، وَكَذَلِكَ اللُّبْسُ وَالْخِدْمَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ وَلَمْ يَرْكَبْ وَاسْتَصْحَبَهُ مَاشِيًا فِي الطَّرِيقِ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ، فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ يَدًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ ارْتَجَعَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَجَرَهُ إيَّاهُ.
٤٣١ - إذَا غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَلِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ دِيَتَهُ.
وَلَوْ أَمْسَكَ رَجُلًا حَتَّى جَاءَ آخَرُ وَقَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ الْمُمْسِكُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَاصِبَ قَرَّبَ الصَّبِيَّ مِنْ الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ وَالِدَيْهِ دَفَعُوا الْقَاتِلَ عَنْهُ، فَصَارَ بِتَقْرِيبِهِ مُنْشِئًا التَّلَفَ فَصَارَ جَانِيًا، فَضَمِنَ، كَمَا لَوْ حَمَلَ السَّيْفَ وَضَرَبَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهِ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَدَفَعَ إنْسَانًا فِيهَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُمْسِكُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَرِّبْهُ إلَى الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَكَانِهِ فَهُوَ مُسَبِّبٌ فَقَطْ غَيْرُ نَاقِلٍ وَلَا جَانٍ وَبِمُجَرَّدِ التَّسَبُّبِ لَا يَضْمَنُ،
стр. 341
كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ.
٤٣٢ - إذَا غَصَبَ عَبْدًا فَقَتَلَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ قَتِيلًا فَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَفَدَاهُ أَوْ دَفَعَهُ فِي الدِّيَةِ رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ.
وَلَوْ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتِيلًا لَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ شَيْئًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَقَدْ يُسْتَحَقُّ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ فِي ضَمَانِهِ، فَكَأَنَّ الْغَاصِبَ أَخَذَ ذَلِكَ الْعَبْدَ مِنْ مَالِهِ فَسَلَّمَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ - يَضْمَنُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّبِيُّ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ لَا يَضْمَنُ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَرْشَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى فِي ضَمَانِهِ، فَلَا يَضْمَنُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَالْمُقَرِّبِ إيَّاهُ مِنْ الْجِنَايَةِ.
стр. 342
[كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ]
٤٣٣ - إذَا رَمَى صَيْدًا فِي الْهَوَاءِ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ، فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، فَمَاتَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُهُ.
وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ، ثُمَّ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ فَمَاتَتْ حَلَّ أَكْلُهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّمْيَ لَيْسَ بِذَكَاةٍ مُسْتَقِرٌّ حُكْمُهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَهُ حَيًّا لَزِمَهُ ذَبْحُهُ، فَوُقُوعُ التَّلَفِ بِمَعْنًى لَيْسَ بِذَكَاةٍ بَعْدَهُ تُوجِبُ التَّحْرِيمَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْمِهِ وَوَقَعَ فِي الْمَاءِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ، لِأَنَّهَا ذَكَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَوُجُودِ مَا لَيْسَ بِذَكَاةٍ بَعْدَهُ لَا يَمْنَعُ إبَاحَتَهُ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ جَاءَ مَجُوسِيٌّ وَأَبَانَ رَأْسَهُ.
٤٣٤ - إذَا طَارَ فِي الْهَوَاءِ فَأَصَابَهُ فَوَقَعَ عَلَى جَبَلٍ فَتَرَدَّى مِنْهُ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَاتَ، أَوْ وَقَعَ عَلَى رُمْحٍ مَنْصُوبٍ أَوْ حِجَارَةٍ مُحَدَّدَةٍ أَوْ فِي مَاءٍ فَمَاتَ لَمْ يَحِلَّ.
وَلَوْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ يَحِلُّ.
стр. 343
وَالْفَرْقُ أَنَّ وُقُوعَهُ فِي الْمَاءِ وَتَرَدِّيهُ مِنْ الْجَبَلِ لَيْسَ مِنْ مُوجِبِ الرَّمْيَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يُصِيبَهُ السَّهْمُ فَلَا يَسْقُطَ فِي الْمَاءِ، فَإِذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ يَجُوزُ وُقُوعُ التَّلَفِ مِنْهُ فَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ مَا يَقَعُ بِهِ الذَّكَاةُ وَمَا لَا يَقَعُ، فَحَرُمَ أَكْلُهُ، دَلِيلُهُ لَوْ شَارَكَهُ مَجُوسِيٌّ فِي ذَبْحِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مُوجِبِ الرَّمْيِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَبْقَى فِي الْهَوَاءِ مَيِّتًا، فَقَدْ تَلِفَ بِمَعْنًى هُوَ مِنْ مُوجَبِ الرَّمْيِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ، فَمَاتَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ كَذَلِكَ هَذَا.
٤٣٥ - إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَخَذَهُ وَتَجَاوَزَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَأَخَذَهُ حَلَّ أَيْضًا.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ طَوِيلًا ثُمَّ أَخَذَهُ لَمْ يَحِلَّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ تِلْكَ الْجِهَةَ جِهَةُ ذَكَاةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ إلَّا وَاحِدًا لَوَقَعَ فِعْلُهُ ذَكَاةً، وَحَلَّ أَكْلُهُ فَمَا أَخَذَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ يَكُونُ مُذَكَّاةً وَقَدْ أَصَابَ الثَّانِي فِي تِلْكَ الْجِهَةِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا نَقْلٌ لَا يَقْطَعُ تِلْكَ الْجِهَةَ إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِعَمَلٍ آخَرَ، وَلَمْ يَمْكُثْ طَوِيلًا وَقَلِيلُ الْفَصْلِ لَا يَقْطَعُ الْجِهَةَ فَحُمِلَ الْجَمِيعُ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَنَفَذَ وَأَصَابَ غَيْرَهُ حَلَّ الْجَمِيعُ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 344
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا جَثَمَ عَلَيْهِ طَوِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَثَمَ طَوِيلًا فَقَدْ انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْجِهَةُ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا يَكْثُرُ فَصَارَ الثَّانِي ابْتِدَاءَ ذَهَابٍ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ فَلَمْ يَحِلَّ، كَمَا لَوْ رَجَعَ إلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وَاصْطَادَ.
٤٣٦ - وَإِذَا رَدَّ سَبُعٌ أَوْ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ صَيْدًا عَلَى كَلْبٍ مُعَلَّمٍ فَقَتَلَهُ لَمْ يَحْلُلْ أَكْلُهُ.
وَلَوْ رَدَّ مَجُوسِيٌّ عَلَيْهِ صَيْدًا حَتَّى قَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ إعَانَةٌ لَهُ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: إعَانَةٌ بِالسَّبَبِ وَإِعَانَةٌ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَالْكَلْبُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِعَانَةِ بِالسَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْإِعَانَةَ بِالسَّبَبِ أَنْ يُحِدَّ الشَّفْرَةَ، أَوْ يَنْصِبَ الشَّبَكَةَ، أَوْ يَحْفِرَ حَفِيرَةً، وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلْبِ، فَجُعِلَ إعَانَتُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ السَّبَبِ، وَالْإِعَانَةُ مِمَّنْ لَا يَقَعُ بِفِعْلِهِ الذَّكَاةُ، فَهُوَ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ ذَلِكَ الْكَلْبُ الْآخَرُ مَعَهُ، أَوْ شَارَكَ الْمَجُوسِيُّ الْمُسْلِمَ فِي ذَبْحِ شَاةٍ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ مَجُوسِيٌّ،؛ لِأَنَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ إعَانَةٌ لَهُ، وَالْإِعَانَةُ بِالسَّبَبِ مِنْ الْمَجُوسِيِّ تَصِحُّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحِدَّ السِّكِّينَ، وَيَشُدَّ قَوَائِمَ الصَّيْدِ، فَجُعِلَ رَدُّهُ سَبَبًا، وَالسَّبَبُ إذَا وُجِدَ مِمَّنْ لَا تَقَعُ بِهِ الذَّكَاةُ لَا
стр. 345
يَحْرُمُ، كَمَا لَوْ شَدَّ الْمَجُوسِيُّ قَوَائِمَ الشَّاةِ فَذَبَحَهَا الْمُسْلِمُ يَحِلُّ، كَذَلِكَ هَذَا.
٤٣٧ - الْجَرَادُ إذَا مَاتَتْ بِغَيْرِ سَبَبٍ حَلَّتْ.
وَالسَّمَكُ إذَا مَاتَتْ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ وَطَفَا كُرِهَ.
فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّمَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَفَا نَتِنَ وَتَغَيَّرَ فَكُرِهَ أَكْلُهُ، كَمَا يُكْرَهُ أَكْلُ لَحْمِ الْمُنْتِنِ، وَأَمَّا الْجَرَادُ فَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَنْتُنُ فَحَلَّ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ السَّمَكَ إذَا مَاتَ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ وَلَمْ يَنْتُنْ يُكْرَهُ أَيْضًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَرَادِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَرَادَ لَا يَتَغَيَّرُ بِمُضِيِّ الْأَيَّامِ عَلَيْهِ، وَلَا يُحِلُّهُ نَجَاسَةُ الْمَوْتِ إذَا صَارَ بِحَالَةٍ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ طَهُرَ وَهُوَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِذَا قَارَبَ الْمَوْتَ مَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ أَوْلَى أَلَّا يُنَجِّسَهُ.
وَأَمَّا السَّمَكَةُ فَإِنَّهَا تَنْتُنُ بِمُرُورِ الْأَيَّامِ عَلَيْهَا فَمَوْتُهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ يُنَجِّسُهُ كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ.
٤٣٨ - إذَا أَرْسَلَ الْكَلْبَ عَلَى صَيْدٍ فَانْتَهَشَ مِنْهُ قِطْعَةً فِي حَالَ اتِّبَاعِهِ فَأَكَلَهُ ثُمَّ اتَّبَعَهُ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ.
وَإِنْ أَلْقَى تِلْكَ الْقِطْعَةَ وَاتَّبَعَ الصَّيْدَ وَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حَتَّى أَخَذَهُ صَاحِبُهُ ثُمَّ عَادَ فَأَكَلَ تِلْكَ الْقِطْعَةَ حَلَّ أَكْلُهُ.
стр. 346
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُسَلِّمْهُ، إلَى صَاحِبِهِ حَتَّى أَكَلَ مِنْهُ عُلِمَ أَنَّهُ أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ، فَخَرَجَ عَنْ حَدِّ التَّعْلِيمِ، فَصَارَ صَيْدُ كَلْبٍ غَيْرَ مُعَلَّمٍ، فَلَا يَحِلُّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا سَلَّمَهُ ثُمَّ أَكَلَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَهُ إلَيْهِ فَقَدْ تَمَّ إمْسَاكُهُ فِي جِهَةِ الْإِرْسَالِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا الْجُزْءُ مِنْهُ مَيْتَةٌ، فَقَدْ أَكَلَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إمْسَاكُهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا، كَمَا لَوْ سَلَخَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ جَاءَ وَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهِ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٤٣٩ - إذَا رَمَى بِالْمِعْرَاضِ إلَى الصَّيْدِ فَأَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَجَرَحَهُ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ.
وَإِنْ أَمَاتَهُ بِحَدِّهِ وَقَطَعَهُ وَبَعَّضَهُ حَلَّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْجُرْحِ بِعَرْضِ الْمِعْرَاضِ أَوْ السَّهْمِ فَهُوَ شَقٌّ، وَلَيْسَ بِخَرْقٍ وَلَا قَطْعٍ فَلَا يَحِلُّ لِقَوْلِهِ ﵇: «وَإِنْ لَمْ يَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ» وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] .
стр. 347
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَصَابَ حَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهُ بِحَدِّهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ بِالسَّهْمِ وَالْمِزْرَاقِ وَالسَّيْفِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ «إذَا خَرَقَ الْمِعْرَاضُ فَكُلْ» .
٤٤٠ - بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَرْسَلَهَا وَأَضْجَعَ أُخْرَى فَذَبَحَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ الْأُولَى لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ.
وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ آخَرَ فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُسَمِّيَ عَلَى كُلِّ ذَبِيحَةٍ، فَإِذَا سَمَّى وَقَعَتْ التَّسْمِيَةُ الْأُولَى فَإِذَا لَمْ يَذْبَحْهَا وَذَبَحَ الثَّانِيَ لَمْ تَقَعْ التَّسْمِيَةُ لِلثَّانِي فَقَدْ ذَبَحَ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ فَلَمْ يَجُزْ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّمْيُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْيِينِ التَّسْمِيَةِ مِنْ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ الرَّامِيَ قَدْ يَقْصِدُ الرَّمْيَ إلَى الصَّيْدِ فَيُصِيبُ غَيْرَهُ، كَمَا أَنَّ الْكَلْبَ قَدْ يُرْسَلُ عَلَى صَيْدٍ فَيَأْخُذُ غَيْرَهُ، فَصَارَ عُذْرًا وَسَقَطَ تَعَيُّنُ التَّسْمِيَةِ لِلْعُذْرِ، فَاسْتَوَى إصَابَةُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَلَوْ أَصَابَ الْأَوَّلَ حَلَّ كَذَلِكَ الثَّانِي.
وَلِهَذَا الْمَعْنَى: قُلْنَا لَوْ نَظَرَ إلَى صُيُودٍ فَأَرْسَلَ كَلْبًا وَسَمَّى فَأَيُّ صَيْدٍ أَخَذَهُ وَقَتَلَهُ حَلَّ، وَلَوْ نَظَرَ إلَى أَغْنَامٍ وَسَمَّى ثُمَّ أَخَذَ وَاحِدَةً وَذَبَحَهَا ظَنَّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى تُجْزِيهِ لَمْ يَجُزْ.
стр. 348
وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الرَّمْيِ تُعَيَّنُ وَقْتَ الرَّمْيِ لَا وَقْتَ الْإِصَابَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّسْمِيَةِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِهِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ فِيهِ تَكْلِيفٌ، وَقَدْ وُجِدَتْ التَّسْمِيَةُ وَقْتَ الرَّمْيِ فَحَلَّ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الذَّبْحُ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّبْحِ وَقْتَ الْقَطْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّسْمِيَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يُشْتَرَطَ التَّقْدِيمُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَوَقْتَ ذَبْحِ الثَّانِي لَمْ تُوجَدْ تَسْمِيَتُهُ فَلَا يَحِلُّ.
٤٤١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ شَاةً وَسَمَّى، ثُمَّ ذَبَحَ أُخْرَى وَظَنَّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى جَازِيَةٌ عَنْهُمَا لَمْ تُؤْكَلْ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُحْدِثَ لِكُلِّ ذَبِيحَةٍ تَسْمِيَةً.
وَلَوْ رَمَى بِسَهْمٍ فَقَتَلَ بِهِ مِنْ الصَّيْدِ اثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا وَسَمَّى فَقَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ اثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِرْسَالَ وَالرَّمْيَ جُعِلَ ذَكَاةً وَهُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ يَكْفِيهِ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ أَدَّى إلَى تَفْوِيتِ رُوحَيْنِ كَمَا لَوْ وَضَعَ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِ شَاتَيْنِ وَجَرَّهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً كَفَاهُ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الذَّبْحُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ تَجَدَّدَ مِنْهُ عِنْدَ كُلِّ ذَبِيحَةٍ، فَجَازَ أَنْ
стр. 349
يُعْتَبَرَ أَيْضًا تَجْدِيدُ التَّسْمِيَةِ، كَمَا لَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِمُدَّةٍ.
فَإِنْ قِيلَ ظَنُّهُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الشَّاةِ الْأُولَى تُجْزِئُ عَنْ الثَّانِيَةِ عُذْرٌ فَهُوَ كَنِسْيَانِهِ التَّسْمِيَةَ.
قُلْنَا: إنَّ الْجَهْلَ يُفَارِقُ النِّسْيَانَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَهِلَ أَنَّ الْأَكْلَ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ فَأَكَلَ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلَوْ نَسِيَ الصَّوْمَ فَأَكَلَ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ فَافْتَرَقَا.
٤٤٢ - إذَا أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا فَأَخَذَ السِّكِّينَ وَسَمَّى ثُمَّ أَلْقَى ذَلِكَ السِّكِّينَ وَأَخَذَ آخَرُ فَذَبَحَهَا بِهِ أَجْزَأَتْ التَّسْمِيَةُ الْأُولَى.
وَلَوْ أَخَذَ سَهْمًا وَسَمَّى وَوَضَعَهُ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا آخَرَ وَرَمَى بِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَمْ يُؤْكَلْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الرَّمْيِ تَقَعُ عَلَى السَّهْمِ دُونَ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى وَاحِدٍ وَسَمَّى فَأَصَابَ آخَرَ حَلَّ فَوَقَعَتْ التَّسْمِيَةُ لِلسَّهْمِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَحِلُّ الثَّانِي بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ السِّكِّينُ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَقَعُ عَلَى الْمَذْبُوحِ دُونَ الْآلَةِ؛ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ نَفْسَ التَّسْمِيَةِ شَرْطٌ، فَوَقَعَتْ التَّسْمِيَةُ لِتِلْكَ الشَّاةِ فَلَا يَعْتَبِرُ آلَةً دُونَ آلَةٍ، فَبِأَيِّ سِكِّينٍ ذَبَحَ حَلَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 350
[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]
ِ الْوَدِيعَةِ ٤٤٣ - إذَا اسْتَعَارَ دَابَّةً وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا وَلَا مَكَانًا وَلَا وَقْتًا فَأَعَارَهَا مِنْهُ ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَعِيرَ أَعَارَهَا مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْ.
وَلَوْ أَجَّرَهَا ضَمِنَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْإِذْنَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلَمْ يَخُصَّ لَهُ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ، وَإِعَارَتُهُ مِنْ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ لِأَنَّهُ يُكَافِئُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيَشْكُرُهُ، فَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ بِهِ الرَّدَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ انْتَفَعَ بِنَفْسِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَجَّرَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ فَقَدْ عَقَدَ عَلَى الْمُسْتَعَارِ عَقْدًا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ، وَيَمْنَعُ الرَّدَّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ صَاحِبِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ عَقْدَ الْمَنْعِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ.
٤٤٤ - وَإِذَا اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمِ حِنْطَةٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ مَخْتُومًا ضَمِنَ جُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ قِيمَتِهَا.
وَلَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَرْكَبَهَا هُوَ فَرَكِبَهَا وَأَرْدَفَ مَعَهُ رَجُلًا أَثْقَلَ مِنْهُ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ الثِّقَلُ هَاهُنَا.
стр. 351
وَلَوْ أَذِنَ لِرَجُلٍ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَضَرَبَهُ أَحَدَ عَشَرَ سَوْطًا فَمَاتَ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْحِنْطَةِ التَّلَفُ وَقَعَ بِالثِّقَلِ، وَالْجُزْءُ الْوَاحِدُ لَا يُعَادِلُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ فِي وُقُوعِ التَّلَفِ بِهِ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتْلَفَ بِجُزْءٍ، وَيَسْلَمَ مِنْ عَشَرَةٍ، فَصَارَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا جِنَايَتَهُ عَلَى حِدَةٍ، فَقَدْ تَلِفَ النَّفْسُ بِإِحْدَى عَشْرَةَ جِنَايَةً، عَشَرَةٌ مَأْذُونٌ فِيهَا وَوَاحِدٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فَضَمِنَ جُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الضَّرْبُ؛ لِأَنَّ السَّوْطَ الْوَاحِدَ يُعَادِلُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، وَوُقُوعُ التَّلَفِ بِهِ مُمْكِنٌ، لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ مِنْ وَاحِدٍ، وَيَسْلَمَ مِنْ عَشَرَةٍ فَصَارَتْ الْعَشَرَةُ كَالْوَاحِدِ، فَكَأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَتْ بِجِنَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَأْذُونٌ فِيهَا وَالْأُخْرَى غَيْرُ مَأْذُونٍ فَيَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَتِهِ.
وَأَمَّا الرُّكُوبُ فَنَفْسُ الرُّكُوبِ جِنَايَةٌ لِجَوَازِ أَنْ يَرْكَبَ وَاحِدٌ فَيُفْسِدَ الدَّابَّةَ وَيَقْتُلَهَا بِحَيْثُ لَا يَهْتَدِي إلَى الْفُرُوسِيَّةِ وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا، وَآخَرُ يَرْكَبُ الدَّابَّةَ فَيُصْلِحُهَا وَإِنْ كَانَ ثَقِيلًا، كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَسْلَمَ مِنْ الْجِرَاحَةِ الْكَبِيرَةِ وَتَتْلَفَ بِالصَّغِيرَةِ، فَقَدْ تَلِفَتْ النَّفْسُ بِجِنَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَأْذُونٌ فِيهَا وَالْأُخْرَى غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَذِنَ لِوَاحِدٍ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ سَوْطًا فَضَرَبَهُ سَوْطَيْنِ،
стр. 352
فَمَاتَ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٤٤٥ - إذَا أَعَارَهُ دَابَّةً فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَاسْتَحَقَّهَا وَضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُعِيرِ بِشَيْءٍ.
وَلَوْ أَجَّرَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ وَضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْجَبَ سَلَامَةَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ يَلْحَقُهُ، وَالْإِجَارَةُ عَقْدُ ضَمَانٍ، فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَالْمُعِيرُ لَمْ يَضْمَنْ سَلَامَةَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَهَبَ مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا فَاسْتُحِقَّ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
أَوْ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ يَدٌ لِمَنْ أَجَّرَ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْأُجْرَةَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ فَصَارَ يَدًا لَهُ فَقَدْ ضَمِنَ بِيَدٍ لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ ضَمِنَ بِعَقْدٍ، وَلَوْ ضَمِنَ بِعَقْدٍ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ بِيَدٍ لَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ يَدٌ لِنَفْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ، وَسَلِمَتْ لَهُ الْمَنْفَعَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، فَقَدْ ضَمِنَ بِيَدِ نَفْسِهِ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا مِنْ إنْسَانٍ فَجَاءَهُ إنْسَانٌ
стр. 353
وَاسْتَحَقَّهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِشَيْءٍ، كَذَلِكَ هَذَا.
[كِتَاب الْوَدِيعَة]
٤٤٦ - وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: اسْتَوْدَعْتَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَضَاعَتْ، وَقَالَ الطَّالِبُ: بَلْ غَصَبْتَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ.
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَخَذْتُ مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَضَاعَتْ، وَقَالَ الطَّالِبُ: لَا بَلْ غَصَبْتَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ اسْتَوْدَعْتَنِي فَلَمْ يَحْكِ عَنْ نَفْسِهِ فِعْلًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى غَيْرِهِ، فَأَفْرَدَهُ بِالْفِعْلِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: وَضَعْتهَا بِالْقُرْبِ مِنِّي فَضَاعَتْ، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: " أَخَذْتهَا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ فِعْلَ الْأَخْذِ إلَى نَفْسِهِ، وَالْأَخْذُ فِعْلٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ:
стр. 354
«عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» ، فَقَدْ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ، وَادَّعَى الْبَرَاءَةَ فَلَمْ يُصَدَّقْ عَلَى دَعْوَى الْبَرَاءَةِ وَغَرِمَ، كَمَا لَوْ قَالَ: " هَدَمْت جِدَارَك بِإِذْنِك، وَمَزَّقْت ثَوْبَك بِإِذْنِك.
٤٤٧ - إذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لَهُ حِمْلٌ وَمَئُونَةٌ مِثْلُ الرَّحَى وَغَيْرِهِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ فَمَئُونَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَكَذَلِكَ مَئُونَةُ الرَّدِّ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ شَيْئًا لَهُ حِمْلٌ وَمَئُونَةٌ فَمَئُونَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُكْرِي دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ يَدٌ لِنَفْسِهِ، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَئُونَةَ الرَّدِّ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُعِيرِ، فَجَازَ أَنْ تَلْزَمَهُ، الْمَئُونَةُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدٌ لِلْمُكْرِي، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ فِيمَا يَرُدُّ لَجَعَلْنَا لَهُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، فَمِنْ حَيْثُ يَرُدُّ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْوُجُوبِ.
٤٤٨ - قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَإِنْ قَالَ الْمُودِعُ: بَعَثْتُ الْوَدِيعَةِ إلَيْك مَعَ رَسُولِي وَسَمَّى أَجْنَبِيًّا فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يُقِرَّ الْمُعِيرُ بِوُصُولِهَا إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُودِعَ، وَلَهُ أَنْ يُعِيرَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْإِمْسَاكَ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْبِسَهُ عَنْهُ، وَالْإِعَارَةُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ، وَانْتِفَاعُهُ وَانْتِفَاعُ
стр. 355
غَيْرِهِ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُ وَصَارَ مَأْذُونًا فَلَا يَغْرَمُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَوْدَعَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْسِكْهُ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي أُذِنَ لَهُ فِيهَا، وَهُوَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ بِالْإِيدَاعِ فَإِذَا لَمْ يُمْسِكْهُ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا لَهُ أَنْ يُودِعَ لَجَعَلْنَاهُ كَأَنَّهُ أَوْدَعَ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ، فَيُؤَدِّي إلَى إلْزَامِ رَبِّ الْمَالِ مَئُونَةَ الرَّدِّ، وَسَقَطَ مَئُونَةُ الْمُودِعِ عَنْ الْمُسْتَعِيرِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَعَارَ؛ لِأَنَّ مَئُونَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الثَّانِي،
وَتَسْقُطُ مَئُونَةُ الْمُودِعِ إذَا جَعَلْنَا إعَارَتَهُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى الْمَالِيِّ، فَكَأَنَّهُ أَعَارَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى إغْرَامِ رَبِّ الْمَالِ مَئُونَةَ الرَّدِّ، فَجَازَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →