← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8182

الفروق للكرابيسي

الكرابيسي

Полный текст (659 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَلَوْ أَذِنَ لِرَجُلٍ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَضَرَبَهُ أَحَدَ عَشَرَ سَوْطًا فَمَاتَ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْحِنْطَةِ التَّلَفُ وَقَعَ بِالثِّقَلِ، وَالْجُزْءُ الْوَاحِدُ لَا يُعَادِلُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ فِي وُقُوعِ التَّلَفِ بِهِ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتْلَفَ بِجُزْءٍ، وَيَسْلَمَ مِنْ عَشَرَةٍ، فَصَارَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا جِنَايَتَهُ عَلَى حِدَةٍ، فَقَدْ تَلِفَ النَّفْسُ بِإِحْدَى عَشْرَةَ جِنَايَةً، عَشَرَةٌ مَأْذُونٌ فِيهَا وَوَاحِدٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فَضَمِنَ جُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الضَّرْبُ؛ لِأَنَّ السَّوْطَ الْوَاحِدَ يُعَادِلُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، وَوُقُوعُ التَّلَفِ بِهِ مُمْكِنٌ، لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ مِنْ وَاحِدٍ، وَيَسْلَمَ مِنْ عَشَرَةٍ فَصَارَتْ الْعَشَرَةُ كَالْوَاحِدِ، فَكَأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَتْ بِجِنَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَأْذُونٌ فِيهَا وَالْأُخْرَى غَيْرُ مَأْذُونٍ فَيَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَتِهِ. وَأَمَّا الرُّكُوبُ فَنَفْسُ الرُّكُوبِ جِنَايَةٌ لِجَوَازِ أَنْ يَرْكَبَ وَاحِدٌ فَيُفْسِدَ الدَّابَّةَ وَيَقْتُلَهَا بِحَيْثُ لَا يَهْتَدِي إلَى الْفُرُوسِيَّةِ وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا، وَآخَرُ يَرْكَبُ الدَّابَّةَ فَيُصْلِحُهَا وَإِنْ كَانَ ثَقِيلًا، كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَسْلَمَ مِنْ الْجِرَاحَةِ الْكَبِيرَةِ وَتَتْلَفَ بِالصَّغِيرَةِ، فَقَدْ تَلِفَتْ النَّفْسُ بِجِنَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَأْذُونٌ فِيهَا وَالْأُخْرَى غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَذِنَ لِوَاحِدٍ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ سَوْطًا فَضَرَبَهُ سَوْطَيْنِ،

стр. 352

فَمَاتَ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٤٤٥ - إذَا أَعَارَهُ دَابَّةً فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَاسْتَحَقَّهَا وَضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُعِيرِ بِشَيْءٍ. وَلَوْ أَجَّرَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ وَضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْجَبَ سَلَامَةَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ يَلْحَقُهُ، وَالْإِجَارَةُ عَقْدُ ضَمَانٍ، فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَالْمُعِيرُ لَمْ يَضْمَنْ سَلَامَةَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَهَبَ مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا فَاسْتُحِقَّ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ هَذَا. أَوْ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ يَدٌ لِمَنْ أَجَّرَ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْأُجْرَةَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ فَصَارَ يَدًا لَهُ فَقَدْ ضَمِنَ بِيَدٍ لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ ضَمِنَ بِعَقْدٍ، وَلَوْ ضَمِنَ بِعَقْدٍ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ بِيَدٍ لَهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ يَدٌ لِنَفْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ، وَسَلِمَتْ لَهُ الْمَنْفَعَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، فَقَدْ ضَمِنَ بِيَدِ نَفْسِهِ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا مِنْ إنْسَانٍ فَجَاءَهُ إنْسَانٌ

стр. 353

وَاسْتَحَقَّهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِشَيْءٍ، كَذَلِكَ هَذَا. [كِتَاب الْوَدِيعَة] ٤٤٦ - وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: اسْتَوْدَعْتَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَضَاعَتْ، وَقَالَ الطَّالِبُ: بَلْ غَصَبْتَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ. وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَخَذْتُ مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَضَاعَتْ، وَقَالَ الطَّالِبُ: لَا بَلْ غَصَبْتَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ اسْتَوْدَعْتَنِي فَلَمْ يَحْكِ عَنْ نَفْسِهِ فِعْلًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى غَيْرِهِ، فَأَفْرَدَهُ بِالْفِعْلِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: وَضَعْتهَا بِالْقُرْبِ مِنِّي فَضَاعَتْ، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: " أَخَذْتهَا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ فِعْلَ الْأَخْذِ إلَى نَفْسِهِ، وَالْأَخْذُ فِعْلٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 354

«عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» ، فَقَدْ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ، وَادَّعَى الْبَرَاءَةَ فَلَمْ يُصَدَّقْ عَلَى دَعْوَى الْبَرَاءَةِ وَغَرِمَ، كَمَا لَوْ قَالَ: " هَدَمْت جِدَارَك بِإِذْنِك، وَمَزَّقْت ثَوْبَك بِإِذْنِك. ٤٤٧ - إذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لَهُ حِمْلٌ وَمَئُونَةٌ مِثْلُ الرَّحَى وَغَيْرِهِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ فَمَئُونَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَكَذَلِكَ مَئُونَةُ الرَّدِّ عَلَى الْغَاصِبِ. وَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ شَيْئًا لَهُ حِمْلٌ وَمَئُونَةٌ فَمَئُونَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُكْرِي دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ يَدٌ لِنَفْسِهِ، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَئُونَةَ الرَّدِّ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُعِيرِ، فَجَازَ أَنْ تَلْزَمَهُ، الْمَئُونَةُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدٌ لِلْمُكْرِي، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ فِيمَا يَرُدُّ لَجَعَلْنَا لَهُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، فَمِنْ حَيْثُ يَرُدُّ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْوُجُوبِ. ٤٤٨ - قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَإِنْ قَالَ الْمُودِعُ: بَعَثْتُ الْوَدِيعَةِ إلَيْك مَعَ رَسُولِي وَسَمَّى أَجْنَبِيًّا فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يُقِرَّ الْمُعِيرُ بِوُصُولِهَا إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُودِعَ، وَلَهُ أَنْ يُعِيرَ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْإِمْسَاكَ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْبِسَهُ عَنْهُ، وَالْإِعَارَةُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ، وَانْتِفَاعُهُ وَانْتِفَاعُ

стр. 355

غَيْرِهِ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُ وَصَارَ مَأْذُونًا فَلَا يَغْرَمُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَوْدَعَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْسِكْهُ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي أُذِنَ لَهُ فِيهَا، وَهُوَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ بِالْإِيدَاعِ فَإِذَا لَمْ يُمْسِكْهُ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا لَهُ أَنْ يُودِعَ لَجَعَلْنَاهُ كَأَنَّهُ أَوْدَعَ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ، فَيُؤَدِّي إلَى إلْزَامِ رَبِّ الْمَالِ مَئُونَةَ الرَّدِّ، وَسَقَطَ مَئُونَةُ الْمُودِعِ عَنْ الْمُسْتَعِيرِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَعَارَ؛ لِأَنَّ مَئُونَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الثَّانِي، وَتَسْقُطُ مَئُونَةُ الْمُودِعِ إذَا جَعَلْنَا إعَارَتَهُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى الْمَالِيِّ، فَكَأَنَّهُ أَعَارَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى إغْرَامِ رَبِّ الْمَالِ مَئُونَةَ الرَّدِّ، فَجَازَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 356

[كِتَابُ الشَّرِكَةِ] ٤٤٩ - إذَا اشْتَرَكَا بِعَيْنِ مَالٍ عَلَى أَنَّ مَا اشْتَرَيَا مِنْ شَيْءٍ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ثُلُثَا الرِّبْحِ وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ كَانَتْ الشَّرِكَةُ جَائِزَةً وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَلَوْ دَفَعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَى رَجُلٍ مُضَارَبَةً وَشَرَطَ أَنْ يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُ الرِّبْحِ وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهُ فَالْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَلَّطَ صَاحِبَهُ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ وَلِنَفْسِهِ فَصَارَ وَكِيلًا لَهُ، وَالْوَكَالَةُ لَا يُبْطِلُهَا الشَّرْطُ الْفَاسِدُ، فَوَقَعَ الشِّرَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِذَا شُرِطَ ثُلُثَا الرِّبْحِ لِأَحَدِهِمَا فَقَدْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بَعْضَ بَدَلِ مِلْكِهِ، وَهُوَ عِوَضٌ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ قَالَ: " بِعْ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ ثَمَنِهِ لَك " فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الشَّرْطُ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ الدَّرَاهِمَ، فَإِذَا شُرِطَ لِلْمُضَارَبَةِ ثُلُثَا الرِّبْحِ فَقَدْ شَرَطَ بَعْضَ بَدَلِ دَرَاهِمَ لَهُ، وَلَوْ شَرَطَ جَمِيعَ بَدَلِ دَرَاهِمِهِ لَهُ بِأَنْ يُقْرِضَهُ إيَّاهُ جَازَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ لَهُ

стр. 357

عَمَلٌ فِي مَالِ صَاحِبِهِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ زِيَادَةَ رِبْحٍ كَشَرِكَةِ الْعَنَانِ إذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ زِيَادَةَ رِبْحٍ. قُلْنَا: " إنْ شَرَطَ الْعَمَلَ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ رِبْحًا كَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ بِإِزَاءِ الْعَمَلِ رِبْحًا كَمَا لَوْ قَالَ: أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَنَا وَلَمْ يَدْفَعْ الْمَالَ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ تَجُزْ الْمُضَارَبَةُ. ٤٥٠ - إذَا أَبْضَعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِضَاعَةً عِنْدَ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا شَيْئًا، ثُمَّ تَفَرَّقَ الْمُتَفَاوِضَانِ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالْبِضَاعَةِ شَيْئًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِفُرْقَتِهِمَا فَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ عَلَى الْآمِرِ وَعَلَى شَرِيكِهِ. وَلَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَالًا وَتَفَرَّقَا وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى اشْتَرَى كَانَ مَا اشْتَرَى لِلْآمِرِ خَاصَّةً. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شِرَاءَهُ وَقَعَ لَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي عَقْدٍ عَقَدَهُ لَا يَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ الْآمِرِ شَيْئًا، وَتَسْلِيمُ مَالِ الْغَيْرِ فِي الْعَقْدِ إذَا لَمْ يُوجِبْ ضَمَانًا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْعَقْدِ لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ بِالْعَقْدِ، ثُمَّ افْتَرَقَا فَاشْتَرَى، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ وَقَعَ الشِّرَاءُ لَهُمَا، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا سَلَّمَ الْمَالَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِعَقْدِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شِرَاءَهُ وَقَعَ لَهُمَا جَمِيعًا وَهُوَ امْتِنَاعُ وُجُوبِ الضَّمَانِ بِتَسْلِيمِ مَالِ الْغَيْرِ فَلَمْ يَقَعْ لَهُمَا

стр. 358

بِالْأَمْرِ، فَصَارَ وُقُوعُهُ لَهُمَا بِالْمُفَاوَضَةِ، وَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْمُفَاوَضَةُ، فَوَقَعَ لِلْآمِرِ خَاصَّةً، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ الْآنَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ. ٤٥١ - وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَالْمَالُ فِي يَدِ الْبَاقِي فَادَّعَى وَرَثَةُ الْمَيِّتِ الْمُفَاوَضَةَ وَجَحَدَ ذَلِكَ الْحَيُّ، فَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُفَاوَضَةِ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي يَدَيْهِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، أَوْ أَنَّ الَّذِي فِي يَدَيْهِ كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَ مَاتَ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الشَّيْءُ مُشْتَرَكًا. وَلَوْ كَانَا حَيَّيْنِ وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُفَاوَضَةِ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ تَثْبُتْ الْمُفَاوَضَةُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمُفَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْمُفَاوَضَةُ حَالَ الْحَيَاةِ، وَثُبُوتُ الْمُفَاوَضَةِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهَا فِي مَالِ الشَّرِكَةِ وَقْتَ بَقَاءِ الشَّرِكَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ كَانَ فِي يَدِهِ وَقْتَ بَقَاءِ الشَّرِكَةِ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ مِنْ بَعْدُ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَا حَيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيِّنَةِ تَثْبُتُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ، وَالْمُفَاوَضَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُسَاوَاةِ، وَلَا يَكُونَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا

стр. 359

فِي يَدَيْهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا. ٤٥٢ - وَإِذَا اسْتَعَارَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعَنَانِ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ اسْتَعَارَهَا الْأَوَّلُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً لِنَفْسِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا لِشَرِيكِهِ خَاصَّةً كَانَ ضَامِنًا. وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً لِنَفْسِهِ أَوْ مِنْ الشَّرِكَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا شَرِيكُهُ مِنْ الشَّرِكَةِ أَوْ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً لَمْ يَضْمَنْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي أَحْكَامِ عُقُودِ التِّجَارَاتِ، وَالِاسْتِعَارَةُ مِنْ عَمَلِ التِّجَارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُعِيرَ اسْتِحْسَانًا، وَيَجُوزُ عَلَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ تَقَعُ اسْتِعَارَتُهُ لَهُ، فَكَأَنَّهُمَا جَمِيعًا اسْتَعَارَا، ثُمَّ وَضَعَ أَحَدُهُمَا حِنْطَةً لِنَفْسِهِ أَوْ مِنْ شَرِكَتِهِمَا فَجَازَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ شَرِكَةُ الْعَنَانِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي أَحْكَامِ عُقُودِ التِّجَارَات فَلَمْ تَجُزْ اسْتِعَارَتُهُ عَلَيْهِمَا، فَجَازَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ خَاصَّةً، إلَّا أَنَّهُ فِي الْحُكْمِ كَالْمَأْذُونِ وَالْمُسَلَّطِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ فِيمَا عَمِلَ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ، فَكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِيهِ صَرِيحًا فَجَازَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ. وَإِنْ تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ وَبِأَجِيرِهِ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَعَارِ، فَلَا يَضْمَنُ، وَلَيْسَ بِمَأْذُونٍ وَمُسَلَّطٍ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ فِيمَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَبِيٍّ، وَمَنْ

стр. 360

اسْتَعَارَ دَابَّةً مِنْ إنْسَانٍ فَجَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَحَمَلَ عَلَيْهَا لِنَفْسِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُسْتَعِيرِ ضَمِنَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. ٤٥٣ - وَلِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُكَاتِبَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَلَى مَالِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةٌ عَنْ صَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ فَصَارَ كَالْأَبِ، وَلِلْأَبِ أَنْ يُكَاتِبَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَلَى مَالٍ، كَذَا هَذَا، وَلِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ تَنْمِيَةَ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ أَمْنِ الضَّرَرِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ رَقَبَةَ الْعَبْدِ مِنْ مِلْكِهِ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ بِدَلِهِ فِي مِلْكِهِ، فَصَارَ كَالْبَيْعِ، وَلَوْ بَاعَ جَازَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَجَّلُ خُرُوجَ الرَّقَبَةِ عَنْ مِلْكِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْبَدَلُ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِأَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، أَوْ يَعِيشَ فَلَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَنْ الضَّرَرُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ رَقَبَتَهُ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ، وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَمَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمِنَ الضَّرَرَ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ وَإِمْسَاكَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَيَسْتَفِيدُ الْمَهْرَ فَجَازَ عَلَيْهِ. ٤٥٤ - وَإِذَا أَجَّرَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ نَفْسَهُ فِي خِيَاطَةٍ وَنَقْلِ شَيْءٍ

стр. 361

فَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَكَى أَنَّهُ لَوْ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِيَخْدُمَ إنْسَانًا شَهْرًا لَا تَكُونُ الْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا. وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَلَى صَاحِبِهِ مَا يَلْزَمُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ مِمَّا يَصِحُّ الضَّمَانُ فِيهِ، وَضَمَانُ الْخِيَاطَةِ عَنْ شَرِيكِهِ، وَضَمَانُ النَّقْلِ جَائِزٌ، فَصَارَ مَضْمُونًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى شَرِيكِهِ جَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بَدَلَهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخِدْمَةُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الْمُدَّةِ، وَالْخِدْمَةُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى شَرِيكِهِ، فَجَازَ أَلَّا يَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ مَعَ عَدَمِ الضَّمَانِ. فَإِنْ قِيلَ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَوْ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِحِفْظِ شَيْءٍ أَوْ نَقْلِهِ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا بِأَجْرٍ أَوْ كَسَبَ كَسْبًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَحِفْظُ شَيْءٍ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ عَلَى الْمُدَّةِ فَيَجِبُ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُمَا [كَمَا] قُلْنَا. ٤٥٥ - إذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ لِامْرَأَتِهِ بَعْدَمَا طَلَّقَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ بِدَيْنٍ لَمْ يَلْزَمْ شَرِيكَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَلَوْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَزِمَهُمَا جَمِيعًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ حُكْمَ الْفِرَاشِ بَاقٍ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا وَسُكْنَاهَا، وَيَبْقَى لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ وَالتَّسْلِيطِ فِي مَالِهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ

стр. 362

لَمْ يُطَلِّقْهَا، فَصَارَ بِإِقْرَارِهِ مُوجِبًا لِنَفْسِهِ حَقَّ التَّسْلِيطِ وَالتَّصَرُّفِ، فَلَحِقَتْهُ التُّهْمَةُ فَلَمْ يَجُزْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ مِنْ أَحْكَامِ الْفِرَاشِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِغَيْرِ الْفِرَاشِ، وَهُوَ الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَ مَوْلَاهَا إذَا مَاتَ عَنْهَا بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَةِ وَإِذَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا حُكْمُ فِرَاشٍ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ فَجَازَ إقْرَارُهُ لَهَا. ٤٥٦ - إذَا بَاعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ شَيْئًا ثُمَّ تَفَرَّقَا ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بَعْد الْفُرْقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ إلَّا الْبَائِعُ. وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَقَدْ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ قَبْلَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ أَيَّهُمَا شَاءَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إنَّمَا يَجِبُ الثَّمَنُ عَلَى الْبَائِعِ بِالرَّدِّ وَالرَّدُّ وَقَعَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، فَصَارَ هَذَا دَيْنًا لَزِمَهُ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى شَرِيكِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بَعْدَ الْفُرْقَةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ نَقَضَ قَبْضَهُ فِيهِ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ، فَصَارَ الثَّمَنُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، فَصَارَ هَذَا دَيْنًا لَزِمَهُ قَبْلَ التَّفْرِقَةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْآخَرَ بِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَبْلَ التَّفْرِقَةِ.

стр. 363

٤٥٧ - إذَا جَنَى الْمُدَبَّرُ جِنَايَتَيْنِ فَقَتَلَ قَتِيلَيْنِ وَقَدْ أَخَذَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ. وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ قَتِيلَيْنِ فَسَوَاءٌ قَضَى بِالْقِيمَةِ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ جِنَايَةَ الْمُدَبَّرِ لَا تُوجِبُ الْحَقَّ فِي رَقَبَتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الدَّفْعُ فِيهِ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى النَّقْلِ مِنْ الرَّقَبَةِ إلَى الْقِيمَةِ، فَلَمْ يُرَاعِ الْمَنْقُولَ، وَهُوَ حَقُّ وَلِيِّ الْقَتِيلَيْنِ، إذْ لَوْ رَاعَيْنَا الْمَنْقُولَ لَرَاعَيْنَاهُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى النَّقْلِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَبَقِيَ الْوُجُوبُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ حَقُّ الْوَلِيِّ فِي ذِمَّةٍ وَاحِدَةٍ عَنْ أَصْلٍ مُشْتَرَكٍ، فَكَانَ مُشْتَرَكًا كَمَا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ وَاحِدًا، وَلَهُ وَلِيَّانِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ أَوْ الْمُكَاتَبُ فَجِنَايَتُهُ تُوجِبُ الْحَقَّ فِي رَقَبَتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ خُوطِبَ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، وَبِالْقَضَاءِ يُنْقَلُ الْحَقُّ مِنْ الرَّقَبَةِ إلَى الْقِيمَةِ، وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى النَّقْلِ رُوعِيَ الْمَنْقُولُ، وَالْمَنْقُولُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِهَذَا فِي دَمِ ذَاكَ، وَلَا لِذَاكَ فِي دَمِ هَذَا، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَنْقُولُ لَمْ يُشَارِكْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، كَمَا نَقُولُ فِي عَبْدَيْنِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدَهُ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى أَوْ فِي صَفْقَةٍ ثُمَّ قَبَضَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا لَمْ يُشَارِكْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي ثَمَنِ عَبْدِهِ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 364

٤٥٨ - رَجُلٌ أَمَرَ رَجُلَيْنِ أَنْ يَقْضِيَا عَنْهُ غَرَامَةَ كَذَا دِرْهَمًا فَأَدَّيَاهُ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَبَضَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْهُ فَلِلْآخَرِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ. وَلَوْ أَمَرَ رَجُلَيْنِ أَنْ يَشْتَرِيَا لَهُ جَارِيَةً بِأَلْفٍ فَاشْتَرَيَاهَا، وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالٍ فِيهِ شَرِيكَانِ أَوْ غَيْرُ شَرِيكَيْنِ، ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا قَبَضَ مِنْ الْآخَرِ حِصَّتَهُ الَّتِي أَدَّاهَا وَهِيَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي شَيْءٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وُجُوبُ الرُّجُوعِ بِالْأَدَاءِ لَا بِالْمِلْكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ أَرَادَا أَنْ يَرْجِعَا قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ مَلَكَا ذَلِكَ الْمَالَ بِالْهِبَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْآمِرِ وَإِذَا كَانَ الْمُؤَدَّى مُشْتَرَكًا كَانَ الْمَقْبُوضُ مُشْتَرَكًا، كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْغَاصِبِ شَيْئًا فَلِشَرِيكِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْآمِرُ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الرُّجُوعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْعَقْدِ لَا بِالْأَدَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَمَا وَقَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدِ غَيْرُ مَا وَقَعَ لِلْآخَرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ حُقُوقَ عَقْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَلَا يُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْمَبِيعِ، فَلَمْ

стр. 365

يَشْتَرِكَا فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلرُّجُوعِ، فَلَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَالِ الَّذِي رَجَعَا، كَمَا لَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنًا مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ قَبَضَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ لَا يَشْرَكُهُ صَاحِبُهُ فِيهِ كَذَا هَذَا. ٤٥٩ - رَجُلَانِ غَصَبَا عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ وَبَاعَاهُ، فَمَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ إنَّ الْمَوْلَى ضَمَّنَ أَحَدَ الْغَاصِبَيْنِ نِصْفَ الْقِيمَةِ، فَأَخَذَ هُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ ثُمَّ إنَّ الْمَوْلَى ضَمَّنَ الْغَاصِبَ الثَّانِي نِصْفَ الْقِيمَةِ الْبَاقِيَةِ، فَإِنَّ الْغَاصِبَ الثَّانِي لَا يُشَارِكُ الْأَوَّلَ فِيمَا قَبَضَ. وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْغَاصِبُ الَّذِي ضُمِّنَ أَوَّلًا نِصْفَ الثَّمَنِ حَتَّى ضَمَّنَ الْمَوْلَى الْغَاصِبَ الثَّانِي نِصْفَ الْقِيمَةِ أَيْضًا ثُمَّ قَبَضَ الْأَوَّلُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ يُشَارِكُهُ صَاحِبُهُ فِيمَا قَبَضَ. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَهُ، وَأَجَازَ الْبَيْعَ فِي نِصْفِهِ وَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ فَأَجَازَ صَاحِبُهُ الْبَيْعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلِلَّذِي أَجَازَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَ، وَقَبْضُهُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ أَوْ بَعْدَهُ سَوَاءٌ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَالْفَرْقُ أَنَّ هَاهُنَا الْإِجَازَةُ تَسْتَنِدُ إلَى ذِي الْعَقْدِ، وَذُو الْعَقْدِ أَوْجَبَ قَبْضَ جَمِيعِ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ بِرِضَا الشَّرِيكِ لَكَانَ حَقُّ قَبْضِ جَمِيعِ الثَّمَنِ لَهُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ،

стр. 366

وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ أَوْجَبَ قَبْضَ جَمِيعِ الثَّمَنِ لَهُ كَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُوجِبْ قَبْضَ جَمِيعِ الثَّمَنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْبِضَ جَمِيعَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ اثْنَانِ، فَلَمْ يَكُنْ قَبْضُهُ مُسْتَنِدًا إلَى الْعَقْدِ، فَصَارَ فِيهِ مُسْتَنِدًا إلَى وُجُوبِ الْحَقِّ لَهُ، فَإِذَا قَبَضَ أَوَّلًا نِصْفَهُ قَبْلَ أَنْ يُضَمِّنَ الْمَوْلَى الْغَاصِبَ الثَّانِي، فَلَمْ يَجْتَمِعْ حَقُّهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ حَقَّ الثَّانِي لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ فَرَاغِ ذِمَّتِهِ عَنْ حَقِّ الْأَوَّلِ، وَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَقْبُوضِ. وَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ حَتَّى ضَمَّنَ الْمَوْلَى الْغَاصِبَ الثَّانِي فَقَدْ اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّضْمِينِ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِمَا بِمَعْنًى مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْبَيْعِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَا مِلْكَ أَنْفُسِهِمَا، وَالْمِلْكُ يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ وَقَعَ مُجْتَمِعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً فَتَأَخَّرَتْ الْإِجَازَةُ فِي الْغَصْبِ، فَلَا تُوجِبُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ، كَرَجُلَيْنِ بَاعَا عَبْدًا صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ فَأَسْقَطَ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يُجْعَلُ الْعَقْدُ بِتَفْرِيقِ الْإِجَازَةِ صَفْقَتَيْنِ، كَذَلِكَ هَذَا، فَقَدْ اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَاشْتَرَكَا فِي الْمَقْبُوضِ، كَمَا لَوْ بَاعَا مِلْكَ أَنْفُسِهِمَا. ٤٦٠ - إذَا قَالَ لِآخَرَ: مَا اشْتَرَيْت مِنْ شَيْءٍ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا بِكَذَا

стр. 367

دِرْهَمًا أَوْ مِنْ الثِّيَابِ أَوْ مِنْ الْحِنْطَةِ فَبَيْنِي وَبَيْنَك، فَقَالَ: نَعَمْ، فَهَذَا جَائِزٌ. وَلَوْ قَالَ: مَا اشْتَرَيْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا وَلَا ثَمَنًا وَلَا وَقْتًا لَمْ يَجُزْ. وَلَوْ قَالَ: مَا اشْتَرَيْنَا أَوْ مَا اشْتَرَاهُ أَحَدُنَا مِنْ تِجَارَتِهِ فَبَيْنَنَا فَهَذَا جَائِزٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الشِّرَاءَ دُونَ الْبَيْعِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ شَرِكَةَ الْعُقُودِ عُلِمَ أَنَّهَا وَكَالَةٌ، وَفِي التَّوْكِيلِ إذَا لَمْ يَذْكُرْ أَحَدُهُمَا فِي الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ لَا تَصِحُّ لِأَجْلِ الْجَهَالَةِ الْكَثِيرَةِ وَعَدِمَ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَقَعُ عَامَّةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَكَّلْتُك لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي مَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يَخُصَّ لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ شَيْئًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ، وَقَلِيلُ الْجَهَالَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الْوَكَالَةِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: مَا اشْتَرَى بَيْنَنَا أَوْ مَا اشْتَرَاهُ أَحَدُنَا فَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا قَصَدَا عَقْدَ الشَّرِكَةِ، إذْ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِأَنَّ الْوَكِيلَ يُوَكِّلُ الْمُوَكَّلَ، فَعُلِمَ أَنَّهَا شَرِكَةٌ وَالشَّرِكَةُ تَقَعُ عَامَّةً فَلَا تَحْتَاجُ إلَى

стр. 368

التَّخْصِيصِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ شَارَكْتُك مُفَاوَضَةً أَوْ عِنَانًا صَحَّ، فَعَدَمُ ذِكْرِهِ الْجِنْسَ لَا يُبْطِلُهَا. ٤٦١ - وَلَوْ كَانَ كُرُّ حِنْطَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَسَأَلَ رَجُلٌ أَحَدَهُمَا فَقَالَ أَشْرِكْنِي فِيهِ فَفَعَلَ، فَلَمْ يُجِزْهُ شَرِيكُهُ، فَلِهَذَا الْمُشْتَرَكِ نِصْفُ النِّصْفِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْنِي نِصْفَهُ، فَبَاعَهُ، فَلَمْ يُجِزْهُ شَرِيكُهُ، فَلِلْمُشْتَرِي النِّصْفَ الَّذِي كَانَ لِلْبَائِعِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الِاشْتِرَاكَ فَلَوْ قُلْنَا أَنَّهُ يُسَلِّمُ جَمِيعَ نَصِيبِهِ إلَيْهِ صَارَ مُفْرِدًا لَهُ بِمِلْكِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَشْرَكَهُ فَيَجِبُ تَنْقِيصُ شَيْءٍ، لِيَكُونَ مُشْتَرِكًا إيَّاهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْبَيْعِ لَا يَقْتَضِي بَقَاءَ حَقِّهِ فِيهِ فَلَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى أَنْ يَبْقَى لَهُ حَقٌّ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يُجِزْ شَرِيكُهُ فِي حِصَّتِهِ نَفَذَ فِي نَصِيبِ الْبَائِعِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.

стр. 369

[كِتَابُ الْهِبَةِ] ٤٦٢ - إذَا وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا وَأَعْلَمَهُ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ غَيْرُهُ لِلصَّغِيرِ مِنْهُ. وَلَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ الْبَالِغِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ مَا لَمْ يُسْلِمْهُ إلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةً عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَوَقَعَ قَبْضُهُ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَجْنَبِيًّا لَوْ وَهَبَ لِلصَّغِيرِ شَيْئًا فَالْأَبُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْقَبْضَ، فَإِذَا جَازَ قَبْضُهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ جَازَ قَبْضُهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَالِغُ، فَإِنَّهُ لَا يَلِي عَلَيْهِ، فَلَا يَنْفُذُ قَبْضُهُ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَجْنَبِيًّا لَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ قَبْضُهُ، فَصَارَتْ هَذِهِ هِبَةً عَرِيَتْ عَنْ الْقَبْضِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَقُولَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ صَارَ يَجُرُّ نَفْعًا مِنْ غَيْرِ يَدٍ وَلَا وِلَايَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، كَالْأَجْنَبِيِّ إذَا قَبَضَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّغِيرُ؛ لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ فَصَارَ يَجُرُّ نَفْعًا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ وَجَرُّ النَّفْعِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ جَائِزٌ. ٤٦٣ - وَلَوْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ هِبَةً فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَاهِبِ صَحَّتْ الْهِبَةُ. وَلَوْ قَبَضَهَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَجُزْ.

стр. 370

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ، وَالْقَبْضُ شَرْطٌ فِي تَمَامِهِ، وَمُطْلَقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي تَسْلِيطَهُ عَلَى تَتْمِيمِهِ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَقْتَضِي تَسَلُّطَهُ عَلَى تَتْمِيمِهِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ كَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ لِمَا كَانَ شَرْطًا فِي تَتْمِيمِ الْعَقْدِ، فَإِنْ قَبِلَ فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ رِضَاهُ تَمَّ، وَإِلَّا بَطَلَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، إنْ قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ تَمَّ، وَصَارَ كَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ، وَإِلَّا بَطَلَ. ٤٦٤ - رَجُلٌ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ، ثُمَّ بَاعَهَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فِي الْأُمِّ. وَلَوْ وَهَبَهَا تَصِحُّ الْهِبَةُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ يَقْتَضِي دُخُولَ الْجَنِينِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا مُتَّصِلٌ بِهَا، فَصَارَ كَيَدِهَا وَرِجْلِهَا، فَإِذَا أَعْتَقَ الْوَلَدَ ثُمَّ وَهَبَ الْأُمَّ صَارَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا فِي عَقْدِ الْهِبَةِ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَوَهَبَهُمَا تَصِحُّ الْهِبَةُ فِي الْعَبْدِ، وَبَطَلَ فِي الْحُرِّ. وَفِي الْبَيْعِ صَارَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَبَاعَهُمَا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ شُرِطَ فِي قَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْعَبْدِ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي الْحُرِّ صَارَ هَذَا شَرْطًا فَاسِدًا أُلْحِقَ بِعَقْدِ الْهِبَةِ، فَلَا يُبْطِلُهَا وَلَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمِلْكِ كَالْعُمْرَى،

стр. 371

وَالْأَصْلُ فِيهِ الْخَبَرُ «لَا تُعْمِرُوا أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُتْلِفُوهَا» وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ إذَا أُلْحِقَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ أَبْطَلَهُ. ٤٦٥ - وَلَوْ دَبَّرَ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ، ثُمَّ وَهَبَ الْأَمَةَ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ. وَلَوْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَ الْأُمَّ جَازَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِ الْمَوْلَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَحِلُّ لِلْمَوْلَى وَطْؤُهَا، وَبَقَاءُ مِلْكِهِ فِيهَا يُوجِبُ بَقَاءَ يَدِهِ وَبَقَاءُ يَدِ الْوَاهِبِ فِي الْهِبَةِ تَمْنَعُ جَوَازَ الْهِبَةِ كَمَا لَوْ وَهَبَ نِصْفَ دَارِ مُشَاعًا، ثُمَّ سَلَّمَ جَمِيعَ الدَّارِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يُوجِبُ زَوَالَ يَدِ الْمَوْلَى عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ حُكْمُ يَدِ الْوَاهِبِ فِي الْهِبَةِ، فَلَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْهِبَةِ. ٤٦٦ - إذَا عُوِّضَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْهِبَةِ بِأَمْرِ الْمَوْهُوبِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعَوَّضِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَلَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنًا بِأَمْرِهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ.

стр. 372

وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَتَبَرَّعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَهُوَ تَبَرُّعٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا مَقْسُومًا مَقْبُوضًا، وَلِأَنَّ الْهِبَةَ تَبَرُّعٌ فَبَدَلُهُ أَيْضًا يَكُونُ تَبَرُّعًا، فَإِذَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَتَبَرَّعَ عَنْهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ تَصَدَّقْ عَنِّي. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَضَى عَنْهُ مَضْمُونًا بِإِذْنِهِ فَقَامَ فِيهِ مَقَامَهُ، وَمَنْ لَهُ الضَّمَانُ إذَا أَدَّى يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَهَاهُنَا قَامَ مَقَامَهُ مَنْ أَخَذَ الْعِوَضَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، كَذَلِكَ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ. ٤٦٧ - وَإِذَا وَهَبَ لِإِنْسَانٍ هِبَةً فَعَوَّضَهُ عَنْهَا فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْهِبَةِ. وَلَوْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْهِبَةِ فَلِلْمُعَوِّضِ أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِ الْعِوَضِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُعَوِّضَ إنَّمَا رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْعِوَضِ بِشَرْطِ أَنْ تُسَلَّمَ لَهُ الْهِبَةُ، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا عَوَّضَ، فَإِذَا لَمْ تُسَلَّمْ لَهُ رَجَعَ فِي الْعِوَضِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَبِيعِ إذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ رَجَعَ فِيمَا بِإِزَائِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ الْعِوَضُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وَهَبَ لَمْ يَمْلِكْ الْعِوَضَ، وَإِنَّمَا مَلَكَ بَعْدَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ لِاتِّصَالِهَا بِعِوَضٍ، وَقَدْ بَقِيَ مَا

стр. 373

يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا إذْ لَوْ لَمْ يُعَوِّضْهُ فِي الِابْتِدَاءِ إلَّا هَذَا الْقَدْرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَقِيَ الْجَمِيعُ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، كَذَلِكَ هَذَا، إلَّا أَنَّهُ لَوْ رَدَّ النِّصْفَ الْبَاقِي فَحِينَئِذٍ بَقِيَتْ هِبَةً بِلَا عِوَضٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا. ٤٦٨ - إذَا وَهَبَ لِإِنْسَانِ جَارِيَةً فَأَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهَا فَقَالَ: وَهَبْتُهَا لِي وَهِيَ صَغِيرَةٌ فَكَبِرَتْ وَازْدَادَتْ خَيْرًا، وَكَذَّبَهُ الْوَاهِبُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ. وَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا فَقَالَ وَهَبْتُهَا لِي وَهِيَ صَحْرَاءُ فَأَنَا غَرَسْتُ فِيهَا وَبَنَيْت وَكَذَّبَهُ الْوَاهِبُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَيْنَ وَاحِدَةٌ فِي الْجَارِيَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ إفْرَادَ الثَّمَنِ بِالْهِبَةِ لَا يَصِحُّ فَهُوَ لَمْ يَدَّعِ هِبَةَ شَيْئَيْنِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى هِبَةً وَاحِدَةً، وَادَّعَى حَقَّ الرُّجُوعِ فِيهِ، وَظَاهِرُ الْعَقْدِ أَوْجَبَ لَهُ حَقَّ الرُّجُوعِ، فَإِذَا أَرَادَ إبْطَالَهُ لَمْ يُصَدَّقْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَرْضُ؛ لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ وَيَجُوزُ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِالْهِبَةِ فَصَارَ هُوَ يَدَّعِي الْهِبَةَ فِي الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ يُقِرُّ بِأَحَدِهِمَا، وَلَا ظَاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِي إفْرَادِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إحْدَاثُ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ وَهَبْت مِنِّي هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ وَهُوَ يَقُولُ لَا بَلْ وَهَبْتُك أَحَدَهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، كَذَلِكَ هَذَا. ٤٦٩ - إذَا وَلَدَتْ الْمَوْهُوبَةُ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي الْوَلَدِ.

стр. 374

وَالْجَارِيَةُ الْمَأْسُورَةُ إذَا اشْتَرَاهَا مُسْلِمٌ مِنْهُمْ فَوَلَدَتْ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، وَالْوَلَدُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَفَسْخُ الْعَقْدِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْعَقْدُ لَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَأْسُورَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ الْبِنَاءِ، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا فِي السِّيَرِ، وَحَقُّ صَاحِبِهِ كَانَ ثَابِتًا فِي الْأُمِّ فَسَرَى إلَى الْوَلَدِ، كَالْمَبِيعَةِ إذَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَإِنْ شِئْت قُلْت لَمَّا انْفَصَلَ الْوَلَدُ فَقَدْ اتَّصَلَتْ بِزِيَادَةٍ، وَاتِّصَالُ الْمَوْهُوبِ بِالزِّيَادَةِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الرُّجُوعِ، كَمَا لَوْ سَمُنَتْ، وَاتِّصَالُ الْمَأْسُورَةِ بِزِيَادَةٍ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ سَمُنَتْ. أَوْ نَقُولُ: حَقُّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ضَعِيفٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يُبْطِلَهُ بِأَنْ يَبِيعَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ اتَّصَلَتْ بِزِيَادَةٍ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ، وَحَقُّ الْمَوْلَى فِي الْمَأْسُورَةِ قَوِيٌّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَلَا يَبْطُلُ بِإِبْطَالِهَا بِزِيَادَةٍ وَالْحَقُّ الضَّعِيفُ جَازَ أَلَّا يَسْرِيَ إلَى الْوَلَدِ وَالْحَقُّ الْقَوِيُّ يَسْرِي.

стр. 375

[كِتَابُ الْبُيُوعِ] ٤٧٠ - وَإِذَا شَارَكَ رَبُّ الْمُسْلَمِ وَالْمُسْلَمَ إلَيْهِ السَّلَمَ بَعْدَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي رَأْسِ الْمَالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ. وَلَوْ تَقَايَلَا الْبَيْعَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَإِذَا، تَحَالَفَا عَادَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَوْ أَنَّا أَوْجَبْنَا التَّحَالُفَ لَفَسَخْنَا الْإِقَالَةَ وَلَوْ فَسَخْنَا الْإِقَالَةَ لَأَعَدْنَا السَّلَمَ ابْتِدَاءً بِدَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَإِعَادَةُ السَّلَمِ بِدَيْنٍ ابْتِدَاءً فِي ذِمَّةِ لَمُسَلَّمَ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك الْعَشَرَةَ الَّتِي لِي عَلَيْك فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ لَوْ أَوْجَبْنَا التَّحَالُفَ لَأَعَدْنَا الْبَيْعَ بِدَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ، وَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا لَوْ قَالَ اشْتَرَيْت هَذَا مِنْك بِالْعَشَرَةِ الَّتِي لِي عَلَيْك فَإِنَّ هَذَا الْعَقْدَ جَائِزٌ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ، فَإِذَا تَتَارَكَا سَقَطَ ذظ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ إذَا

стр. 376

سَقَطَ لَا يَعُودُ، كَمَا لَوْ قَالَ وَهَبْت مِنْك الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَيْك، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَتَحَالَفَانِ كَالْمَبِيعِ إذَا هَلَكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَبِيعُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الْعَيْنِ فَإِذَا تَحَالَفَا سَقَطَ حَقُّهُ عَلَى الْعَيْنِ، وَالْحَقُّ إذَا سَقَطَ عَنْ الْعَيْنِ جَازَ أَنْ يَعُودَ كَمَا لَوْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ عَيْنًا، ثُمَّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ جَازَ، كَذَلِكَ هَذَا، فَقَدْ بَقِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ فَجَازَ أَنْ يَجِبَ التَّحَالُفُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي نَفْسِ الْبَيْعِ. ٤٧١ - إذَا قَالَ رَبُّ السَّلَمِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ: كُلُّ مَا لِي عَلَيْك مِنْ الطَّعَامِ فِي غَرَائِرِي هَذِهِ فَفَعَلَ وَلَيْسَ رَبُّ السَّلَمِ بِحَاضِرٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْضًا. وَلَوْ اشْتَرَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ مُكَايَلَةً، وَدَفَعَ إلَيْهِ غَرَائِرَ وَقَالَ كُلُّهُ فِي غَرَائِرَ فَفَعَلَ وَهُوَ غَائِبٌ صَارَ قَابِضًا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ عَيْنًا بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ، وَلِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَنْ يُعَيِّنَ مِلْكَهُ فِي أَيِّ حِنْطَةٍ شَاءَ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْحِنْطَةَ بِتَعْيِينِ الْمُسْلِمِ إلَيْهِ، فَإِذَا أَمَرَهُ أَنْ يَكِيلَ فِي غَرَائِرِهِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ وَيَعْزِلَ بَعْضَ مِلْكِهِ عَنْ بَعْضٍ، وَيَنْفَرِدَ بِتَمَلُّكِهِ، وَبِعَزْلِ بَعْضِ مِلْكِهِ عَنْ بَعْضٍ لَا يَصِيرُ قَابِضًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَفَرَّدَ بِتَمَلُّكِهِ، دَلِيلُهُ لَوْ عَزَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ رَبُّ السَّلَمِ بِهِ.

стр. 377

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَبِيعُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ عَيْنَ الطَّعَامِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ حِنْطَةً مِنْ مَكَان آخَرَ لَمْ يَجُزْ، فَلَا يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَكِيلَهُ فِي غَرَائِرِهِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُوصِلَ مِلْكَهُ بِمِلْكِهِ فَجَازَ أَنْ يَصِيرَ قَابِضًا، دَلِيلُهُ لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ فَصًّا وَقَالَ رَكِّبْهُ فِي خَاتَمِي فَفَعَلَ صَارَ قَابِضًا، كَذَلِكَ هَذَا. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً فَطَحَنَهَا الْبَائِعُ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي صَارَ قَابِضًا، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي حِنْطَةٍ فَطَحَنَهَا الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّ السَّلَمِ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا. فَإِنْ قِيلَ لَوْ دَفَعَ دَرَاهِمَ نَقِرَةً إلَى صَائِغٍ وَقَالَ: زِدْ مِنْ عِنْدِك دِرْهَمًا آخَرَ وَاصْنَعْ لِي خَاتَمًا فَفَعَلَ صَارَ قَابِضًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَالصَّائِغُ قَدْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَانْفَرَدَ بِتَمْلِيكِهِ إيَّاهُ. قُلْنَا: إنَّهُ إذَا قَالَ: " زِدْ مِنْ عِنْدِك دِرْهَمًا فَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَمَلُّكِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّمْلِيكِ فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ بِعْ عَبْدَك مِنِّي فَبَاعَهُ مِنْهُ وَجَارِيَةً لَمْ يَجُزْ، كَذَلِكَ هَذَا، فَإِذَا بَطَلَ مَرَّةً صَارَ كَأَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ، وَاخْتَلَطَ مِلْكُهُ بِمِلْكِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَصَارَ الدَّرَاهِمُ مِلْكًا لَهُ كَذَلِكَ هَذَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بَطَلَ أَمْرُهُ بِالْكَيْلِ وَعَزْلِهِ وَكَلَامِهِ، فَصَارَ كَأَنَّ غَيْرَهُ كَالَ حِنْطَتَهُ فِي غَرَائِرِهِ فَلَا يَصِيرُ قَابِضًا، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 378

٤٧٢ - إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يَأْخُذَ لَهُ دِرْهَمًا فِي كُرِّ طَعَامٍ سَلَمًا لَمْ يَجُزْ. وَلَوْ أَنَّهُ وَكَّلَهُ لِيَأْخُذَ لَهُ دَرَاهِمَ وَيَبِيعَ كُرَّ طَعَامٍ لِلْمُوَكِّلِ فِي بَيْتِهِ جَازَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الْعَاقِدُ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وَعَقْدُهُ عَلَى حِنْطَةٍ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَبِيعَ كُرَّ حِنْطَةٍ مِنْ ذِمَّةِ نَفْسِهِ وَيَجْعَلَ بَدَلَهُ لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِ الْوَكِيلِ، وَيَجْعَلَ بَدَلَهُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ كَذَا هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَبِيعَ كُرًّا مِنْ ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ بَدَلُ مِلْكِهِ لَهُ فَجَازَ، وَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ وَلَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ، صَحَّ كَذَا هَذَا. ٤٧٣ - إذَا اشْتَرَى مَسْلُوخَتَيْنِ فَإِذَا إحْدَاهُمَا ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ أَوْ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا مُدَبَّرٌ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِي الْعَبْدِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا تُرِكَ عَلَيْهِ التَّسْمِيَةُ عَامِدًا غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ

стр. 379

النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّهُ لَوْ قَضَى قَاضٍ بِجَوَازِهِ لَا يَجُوزُ وَلَا يُفِيدُ بِخِلَافِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ النَّصَّ، فَقَدْ جَمَعَ فِي الْعَقْدِ بَيْنَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ، وَبَيْنَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ يُبْطِلُ الْبَيْعَ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنْ حَاكِمًا لَوْ حَكَمَ بِجَوَازِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِفَسَادِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَاعَ مُدَبَّرًا مُعَارَضٌ بِنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ فَدَخَلَا جَمِيعًا فِي الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْعَقْدِ بِالْفَسْخِ، وَفَسْخُ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ فَسْخَهُ فِي الْآخَرِ، فَجَازَ فِي الْعَبْدِ، وَبَطَلَ فِي الْمُدَبَّرِ. ٤٧٤ - إذَا قَالَ بِعْت مِنْك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِكَذَا دِرْهَمًا، وَلَمْ يُسَمِّ كَيْلَ الْجَمِيعِ جَازَ الْبَيْعُ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 380

وَلَوْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الْقَطِيعَ مِنْ الْغَنَمِ كُلَّ شَاةٍ بِكَذَا دِرْهَمًا وَلَمْ يُسَمِّ عَدَدَ الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَعْلَمْ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِي الْجَمِيعِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَةَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ وَلَا يَخْتَصُّ بِقَدْرٍ وَالْوَاحِدُ فِي نَفْسِهِ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ مَعَ الشَّاةِ تَخْتَلِفُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك شَاةً مِنْ هَذِهِ الْأَغْنَامِ، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا لَمْ يَجُزْ لِلْجَهَالَةِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحِنْطَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَفِيزٍ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَالْوَاحِدُ مَعْلُومٌ؛ لِأَنَّ الْقَفِيزَ مَعَ الْقَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَخْتَلِفُ، وَمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ مَجْهُولٌ، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيهِ وَجَازَ فِي الْوَاحِدِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ بِعْت مِنْك قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِكَذَا، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا جَازَ، كَذَلِكَ هَذَا. ٤٧٥ - ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاع عَبْدَهُ نَسَمَةً فَالْبَيْعُ جَائِزٌ. قُلْت لِلْقَاضِي الْإِمَامِ ﵀: " أَلَيْسَ الْبَيْعُ نَسَمَةً بَيْعٌ بِشَرْطِ

стр. 381

الْعِتْقِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ . فَقَالَ: إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ نَسَمَةً فَإِنَّهُ يُبَاعُ مِمَّنْ يُعْتَقُ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنْ يُعْتِقَهُ، وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِثُبُوتِ حَقِّ الْإِعْتَاقِ لِلْعَبْدِ بِالْوَصِيَّةِ. قَالَ وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْعِتْقَ جَازَ فِي التَّسْمِيَةِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِبَيْعِ الْعَبْدِ نَسَمَةً جَائِزَةٌ، وَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْعَبْدِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ لَجَوَّزْنَا بَيْعَهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْعِتْقِ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَلَّا يُعْتِقَهُ فَيُؤَدِّيَ إلَى إبْطَالِ الْوَصِيَّةِ، وَسُقُوطِ حَقِّ الْعَبْدِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَشْتَرِيَ نَسَمَةً وَيُعْتِقَ عَنْهُ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ مُطْلَقًا، وَلَا يَشْتَرِطَ الْعِتْقَ فِي الْبَيْعِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ بَطَلَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَلَّا يُعْتِقَهُ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ نَوْعِ وَصِيَّةٍ وَقُرْبَةٍ، وَلِإِسْقَاطِ حَقِّ الْعَبْدِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ لِلْعَبْدِ حَقُّ الْعِتْقِ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا إذَا لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةٌ فَلَيْسَ فِي اشْتِرَاطِ الْعِتْقِ إبْطَالُ نَوْعِ قُرْبَةٍ وَغَرَضِ أَحَدٍ، فَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَمْ يُؤَدِّ إلَى إبْطَالِ حَقِّ أَحَدٍ فَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ. ٤٧٦ - إذَا بَاعَ جَارِيَةً حَامِلًا وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ وَالشَّرْطُ

стр. 382

فَاسِدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا. وَلَوْ وَهَبَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ وَالنِّكَاحُ وَالْخُلْعُ وَالصُّلْحُ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ فَيَدْخُلُ الْوَلَدُ فِي الْعَقْدِ، وَيَكُونُ لِمَنْ لَهُ الْأُمُّ. وَلَوْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِإِنْسَانٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ جَائِزٌ، وَالْوَلَدُ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ. وَلَوْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا عَتَقَتْ الْجَارِيَةُ وَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ يَقْتَضِي دُخُولَ الْجَنِينِ فِيهِ فِي حُكْمِ عَقْدِ الْأُمِّ، وَإِفْرَادُ الْجَنِينِ بِعَقْدِ الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ، فَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ لَا يَجُوزُ، فَصَارَ شَرْطًا فَاسِدًا أُلْحِقَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ فَأَبْطَلَهُمَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» وَأَمَّا فِي الْهِبَةِ فَمُطْلَقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي دُخُولَ الْجَنِينِ فِيهِ لِمَا بَيَّنَّا، فَإِذَا اسْتَثْنَى صَارَ شَرْطًا فَاسِدًا أُلْحِقَ بِعَقْدِ الْهِبَةِ فَلَا يُبْطِلُهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا تُعْمِرُوا أَمْوَالَكُمْ فَتُتْلِفُوهَا فَمَنْ أُعْمِرَ لَهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ» فَنَهَى عَنْ الْعُمْرَى ثُمَّ حَكَمَ بِوُقُوعِ الْمِلْكِ

стр. 383

بِهِ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ وَالْخُلْعُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ لَا يُبْطِلُهَا الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فَصَحَّتْ هَذِهِ الْعُقُودُ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَالْوَصِيَّةُ لَا يُبْطِلُهَا الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ، فَثَبَتَ الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ وَفَسَادِهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ فِي الْهِبَةِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَالْوَلَدُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ جَائِزٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَلِدَ جَارِيَةُ إنْسَانٍ وَلَدًا مَمْلُوكًا لِآخَرَ، كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ مَمْلُوكَةً لِوَاحِدٍ وَيَدُهَا وَرِجْلُهَا لِآخَرَ، إذْ الْجَنِينُ جُزْءٌ مِنْهَا كَيَدِهَا وَرِجْلِهَا. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ تَلِدُ وَلَدًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ هَاهُنَا؟ . قُلْنَا: التَّرِكَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا وَصِيَّةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ يُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ وَصِيَّةٌ أُخْرَى شَارَكَ الثَّانِي الْأَوَّلَ، فَصَارَتْ الْجَارِيَةُ بَاقِيَةً عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، تَلِدُ وَلَدًا عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ وَلَدًا يُولَدُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، فَيَبِيعُ الْأُمَّ كَمَا يُولَدُ عَلَى حَقِيقَةِ مِلْكِهِ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبَةُ إذَا

стр. 384

وَلَدَتْ دَخَلَ الْوَلَدُ فِي حُكْمِ مِلْكِ الْمَوْلَى، كَمَا كَانَتْ الْأُمُّ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَا فِي بَطْنِ جَارِيَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَالْأُمُّ لِلْمَرْأَةِ وَتَلِدُ وَلَدًا مَمْلُوكًا لِلزَّوْجِ فَهَلَّا كَانَ فِي مَسْأَلَتِنَا كَذَلِكَ. قُلْنَا لِأَنَّهَا لَا تَلِدُ وَلَدًا مَمْلُوكًا لِلزَّوْجِ، وَإِنَّمَا تَلِدُ وَلَدًا مَمْلُوكًا لِلْمَرْأَةِ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِالِانْفِصَالِ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى، وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ فِي الْبَطْنِ لِلزَّوْجِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ لَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْوَلَدَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ الْوَلَدِ لِمَا اسْتَحَقَّهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا وَجَبَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْوَلَدَ حَالَ الِاتِّصَالِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ أَعْتَقَ الزَّوْجُ الْجَنِينَ نَفَذَ عِتْقُهُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ لَمَا نَفَذَ قُلْنَا إنَّا لَا نَحْكُمُ بِوُقُوعِ الْعِتْقِ حَالَةَ الِاتِّصَالِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ يَكُونُ مَوْقُوفًا، فَإِذَا وَلَدَتْ وَتَحَقَّقَ مِلْكُهُ فِيهِ نَفَّذْنَا عِتْقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ حَاصِلًا مِنْ قَبْلُ، كَالْوَارِثِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ وَفِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ ثُمَّ أَدَّى الدَّيْنَ أَوْ أَبْرَأَ الْمَيِّتَ مِنْهُ نَفَذَ عِتْقُهُ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 385

وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَالِاسْتِثْنَاءُ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ إفْرَادُ الْوَلَدِ بِالْعِتْقِ فَجَازَ اسْتِبْقَاؤُهُ، إلَّا أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَلِدَ الْحُرَّةُ رَقِيقًا فَعِتْقُ الْوَلَدِ بِعِتْقِ الْأُمِّ لَا بِبُطْلَانِ الِاسْتِثْنَاءِ. ٤٧٧ - إذَا اشْتَرَى شَاةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَمْلَ زِيَادَةٌ فِي الشَّاةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُشْتَرَى إذَا كَانَتْ حَامِلًا بِأَكْثَرَ مِمَّا تُشْتَرَى إذَا كَانَتْ حَائِلًا، وَتُشْتَرَى الشَّاةُ، لِكَيْ تَحْبَلَ وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا الْوَلَدُ وَالْغَالِبُ مِنْ الْوِلَادَةِ السَّلَامَةُ، فَإِذَا اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ صَارَ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ فَصَارَ بَائِعًا الْوَلَدَ، فِي الْبَطْنِ، وَبَيْعُ الْوَلَدِ فِي الْبَطْنِ لَا يَجُوزُ فَصَارَ شَرْطًا فَاسِدًا أُلْحِقَ بِالْعَقْدِ فَبَطَلَ الْعَقْدُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجَارِيَةُ لِأَنَّ الْحَمْلَ نُقْصَانٌ فِيهَا بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُشْتَرَى حَامِلًا بِأَقَلَّ مِمَّا تُشْتَرَى حَائِلًا، وَلِأَنَّ التَّلَفَ مِنْ وِلَادَتِهَا يَكْثُرُ، وَلَا تُشْتَرَى أَيْضًا الْجَارِيَةُ لِيُمْلَكَ نَسْلُهَا وَوَلَدُهَا غَالِبًا، فَلَمْ يَكُنْ وَلَدُهَا مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ لِارْتِبَاطِهِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْحَمْلُ عَيْبًا بِهَا، فَإِذَا اشْتَرَطَ الْحَمْلَ صَارَ شَرْطًا لِلتَّبَرِّي مِنْ الْعَيْبِ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ مِنْ الْعَيْبِ جَائِزٌ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا عَلَى أَنَّهَا عَمْيَاءُ أَوْ عَرْجَاءُ أَوْ عَوْرَاءُ جَازَ الْعَقْدُ كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 386

٤٧٨ - إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ، وَقَالَ أَجَزْت الْبَيْعَ لَمْ تَصِحَّ إجَازَتُهُ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إذَا رَآهُ. وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ رَدَدْت الْبَيْعَ، قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ رَدَّهُ، وَلَوْ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجِيزَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِجَازَةَ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالرِّضَا بِالْمَعْقُودِ لَا يَمْتَنِعُ بِدُونِ رُؤْيَةٍ فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْخِيَارِ مَعَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ نَفْسَ الْعَقْدِ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْقِدُ لِيَفْسَخَ، ثُمَّ نَفْسُ الْبَيْعِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْخِيَارِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، فَكَذَلِكَ الْإِجَازَةُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْفَسْخُ، لِأَنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا، وَعَدَمُ الرِّضَا عِنْدَ الْعَقْدِ يَمْنَعُ لُزُومَ حُكْمِهِ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ فَوَجَدَهُ بَعْدَهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ جَازَ أَنْ يَمْنَعَ لُزُومَهُ، كَفَوْتِ الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. [فَصْلٌ إذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ قَمِيصًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ] فَصْلٌ ٤٧٩ - وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ قَمِيصًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَرَكِبَهَا فِي حَاجَتِهِ لِيَنْظُرَ إلَيْهَا وَإِلَى سَيْرِهَا، أَوْ لَبِسَ الْقَمِيصَ لِيَنْظُرَ إلَى قَدْرِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ. وَلَوْ اشْتَرَاهَا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَكِبَهَا أَوْ لَبِسَ الْقَمِيصَ كَانَ هَذَا رِضًا بِالْعَيْبِ

стр. 387

وَالْفَرْقُ أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ لِلِاخْتِبَارِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِمَّا يَقَعُ بِهَا الِاخْتِبَارُ فَلَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا، وَأَمَّا فِي الْعَيْبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَبِرَ. وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ خُيِّرَ لِيَخْتَبِرَ فَلَمْ يَكُنْ رُكُوبُهُ وَلُبْسُهُ لِلِاخْتِبَارِ اخْتِيَارًا. وَأَمَّا فِي الْعَيْبِ فَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ أَنْ يَخْتَبِرَ فَصَارَ بِاخْتِبَارِهِ مُخْتَارًا. ٤٨٠ - وَإِذَا وَجَدَ بِالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَاةِ عَيْبًا فَاسْتَخْدَمَهَا لَمْ يَكُنْ رِضًا بِالْعَيْبِ وَلَوْ وَجَدَ بِالدَّابَّةِ الْمُشْتَرَاةِ عَيْبًا فَرَكِبَهَا فِي حَاجَتِهِ كَانَ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الرُّكُوبَ جِنَايَةٌ، فَقَدْ حَلَّهَا فِعْلُهُ وَتَصَرَّفَ فِيهَا بِمَعْنًى هُوَ جِنَايَةٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا أَوْ جَنَى عَلَيْهَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الِاسْتِخْدَامُ، لِأَنَّ نَفْسَ الِاسْتِخْدَامِ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ لِأَنَّهُ قَوْلٌ، وَهُوَ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْعَبْدِ بِمَا هُوَ جِنَايَةٌ، وَإِنَّمَا فَعَلَ الْعَبْدُ فِعْلًا فِي غَيْرِهِ فَلَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا أَوْ رَاضِيًا بِالْعَيْبِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْدَامِهِ. ٤٨١ - وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا فَبَلَغَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَأَبَقَ عِنْدَهُ، أَوْ بَالَ فِي فِرَاشٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ آبِقًا فِي حَالَ الصِّغَرِ أَوْ بَالَ فِي الْفِرَاشِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِذَلِكَ الْعَيْبِ وَلَوْ بَالَ أَوْ أَبَقَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِذَلِكَ

стр. 388

الْعَيْبِ، وَلَوْ بَالَ أَوْ أَبَقَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فِي حَالَ الصِّغَرِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَبَقَ أَوْ بَالَ فِي الْفِرَاشِ قَبْلَهُ فِي حَالَ الصِّغَرِ أَيْضًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِهِ وَلَوْ جُنَّ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ قَبْلَهُ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ جُنَّ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْإِبَاقَ وَالْبَوْلَ مِنْ فِعْلِ الصَّبِيِّ وَفِعْلُهُ يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْكَبِيرِ يَصْدُرُ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، وَفِعْلُ الصَّغِيرِ يَصْدُرُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّغِيرِ قَصْدٌ صَحِيحٌ فِي فِعْلِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ عَمْدًا لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَتَلَ الْكَبِيرُ عَمْدًا يَجِبُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ فِعْلِهِ يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَصَارَ الْمَوْجُودُ بَعْدَ الْكِبَرِ غَيْرَ الْمَوْجُودِ قَبْلَهُ، فَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ لَرَدَّهُ بِعَيْبٍ أَكْبَرَ مِمَّا اسْتَوْجَبَهُ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا إذَا بَالَ عِنْدَهُ فِي حَالِ الصِّغَرِ فَالْمَوْجُودُ عِنْدَهُ مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي وُجِدَ عِنْدَ الْبَائِعِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَدَرَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ صَحِيحٍ، فَلَا يَرُدَّهُ بِعَيْبٍ زَائِدٍ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَوْجَبَهُ بِالْعَقْدِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ. وَأَمَّا الْجُنُونُ فَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِعْلُهُ لَا يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَصَارَ الثَّانِي مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ فَكَانَ هَذَا بِعَيْنِهِ كَمَا كَانَ

стр. 389

عِنْدَ الْبَائِعِ، وَلَا يَرُدُّهُ بِعَيْبٍ زَائِدٍ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَوْجَبَهُ بِالْعَقْدِ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِهِ مَتَى حَدَثَ عِنْدَهُ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ، وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ ادَّعَى عَيْبَ الْجُنُونِ اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَقَدْ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَمَا جُنَّ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَوْ ادَّعَى عِنْدَهُ الْإِبَاقَ وَالْبَوْلَ اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَمَا أَبَقَ وَلَا بَالَ فِي الْفِرَاشِ مُنْذُ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَال. ٤٨٢ - إذَا اشْتَرَى أَخَوَيْنِ صَغِيرَيْنِ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَحْدَهُ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا وَيُمْسِكَ الْآخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّفْرِيقَ وَقَعَ بِحَقٍّ، لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يُرَدُّ لَفَوَّتْنَا عَلَيْهِ حَقَّهُ وَيَبْقَى الْعَيْبُ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ بَدَلُهُ، وَلَا يَجُوزُ الْإِضْرَارُ بِالْمُشْتَرِي لِنَفْيِ الْإِضْرَارِ عَنْ الْبَيْعِ، فَصَارَ التَّفْرِيقُ بِحَقٍّ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ كَمَا لَوْ جَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ لِأَنَّا لَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْ بَيْعِهِ وَحْدَهُ لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْإِضْرَارِ بِهِ، إذْ يَقْدِرُ عَلَى جَمْعِهِمَا فِي الْبَيْعِ، فَإِذَا أَمْكَنَ صَوْنُهُمَا عَنْ ضَرَرٍ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَفْعَلَ. ٤٨٣ - إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا لَمْ يَجُزْ. وَلَوْ زَوَّجَهَا فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا جَازَ. وَالْفَرْقُ أَنَّا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ حُكْمٌ بِفَرَاغِ

стр. 390

الرَّحِمِ لِأَنَّ كَوْنَ رَحِمِهَا مَشْغُولًا بِمَاءِ الْغَيْرِ مَنَعَ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَإِذَا حُكِمَ بِفَرَاغِ رَحِمِهَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ، وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِفَرَاغِ رَحِمِهَا، لِأَنَّ الْحَبَلَ لَا يُنَافِي الشِّرَاءَ، فَمَا لَمْ يَعْلَمْ فَرَاغَ رَحِمِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا. ٤٨٤ - وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَحُمَّ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَرَدَّهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْبَائِعِ ثُمَّ زَالَتْ الْحُمَّى فِي الثَّلَاثِ وَلَمْ يُحْدِثْ رَدًّا حَتَّى مَضَتْ الثَّلَاثَةُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، وَلَوْ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ الْحُمَّى حَتَّى مَضَتْ الثَّلَاثَةُ، ثُمَّ زَالَتْ الْحُمَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ أَبَدًا. وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَى الرَّدِّ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ حُمَّ فَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى مَضَتْ الثَّلَاثُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا رَدَّهُ وَهُوَ مَحْمُومٌ وَقَعَ الرَّدُّ مَوْقُوفًا، لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ يَجِبُ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ يَجِبُ لِلْآخَرِ مِثْلُهُ عِنْدَ الْفَسْخِ، وَلَوْ حَدَثَتْ الْحُمَّى عِنْدَ الْبَائِعِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، فَإِذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ أَيْضًا فِي الْقَبُولِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ وَقَعَ مَوْقُوفًا، وَالشَّيْءُ
следующие страницы →