Полный текст (285 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
سبباً لبثق النهروان الذي خربت به الدنيا وافتقر الناس وغلت الأسعار إلى وقتنا هذا، وصار إلى الدار فضرب خيمة في الحلبة وأسكنها قواده. ووافى بجكم نهر دَيَالَى يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة. وحاربه ابن رايق فاحتال بجكم إلى أن عبَّر بعض أصحابه، وانهزم ابن رايق وأصحابه وجاء إلى السلطان ليدخل إليه فغلقت الأبواب دونه فصار إلى داره فحمل ما قدر عليه وخرج ومعه بدر الخرشني، وصاح الناس: هذا عقاب من الله لك، لاستكتابك الكوفي وتسليطك إياه على الناس. وكان قد استكتبه، وعزل به الحسين بن علي بن العباس النوبختي بعد أن بلغه المنزلة التي بلغها برأيه وتدبيره وهو الذي احتال على الساجية ودبر أمر الحجرية فصار ابن رايق إلا أوَانَا ثم خفي أثره. وكاتب السلطان بدراً الخرشني فرجع. واستتر الكوفي وابنا مقاتل ببغداد.
ووصل بجكم إلى الراضي يوم الثلاثاء وخلع عليه يوم الخميس سبع خل وقال له: قد جعلتك أميراً وعقد له لواء له فقال: يا مولاي ما أريد إلا أن تزاح علتي في أرزاق أصحابي وقت استحقاقهم، ونزل في دار مؤنس. وأخذ لابن رايق ابن صغير فجربه إلى بجكم فبكى حين رآه وأجرى عليه جراية واسعة، ونودي إن من دل على الكوفي وابني مقاتل فله عشرة آلاف درهم، ومن وجد واحد منهم عنده فقد حل دمه وماله. وعقد لبجكم على المشرق وأشير على الراضي أن
стр. 107
يضم إلى حاجبه جيشاً من جيش الحضرة وقوادهم، وأن يفرد ما لم عن مال أصحاب بجكم وأن يوجهوا بكتاب الجيش ليحصوا أصحاب بجكم، ويحصلوا مبلغ مالهم ويعرفوا الراضي حتى يثبته عنده ولا يزيد أحد فيه شيئاً إلا بإذن منه فما قبل الراضي ذلك إلا في أمر حاجبه ولا في جيش بجكم، فما مضى لبجكم شهران حتى زاد أصحابه وزاد فيهم من اثبت بعشرين ألف دينار في السنة وأكثر، وجرى أمره على ذاك إلى أن قتل. وكان هذا مما عتب على الراضي إغفاله وظفر بالكوفي فحمل إلى الدار، وحمله غلام لذكي الحاجب يقال له خير، فرجمته العامة وأرادوا قتله فدفع خير عنه، وقال: تذهبون بمال السلطان فوصل به إلى الدار بعد تعب شديد، وصودر على مال وشملته عناية ابن سنكلا. وما رأيت أحداً قط ملك من حسن رأي صاحبه ما ملكه ابن سنكلا من الراضي وقد علم الله أني ما قصرت في تقريظ الكوفي عند الراضي وتعريفه كفايته وأمانته، وأنه بخلاف ما عليه العمال من التصون والاجتزاء بالقليل، مما رأيته في ولايته، بعد أن كان محسناً إلى معنياً بي، عرف لي ذلك على طول الجوار وقديم المودة. وأخذ بجكم من مضحك كان لابن رايق يعرف بأبي الخير خمسة عشر ألف دينار. ووصل أصحاب البريديين إلى واسط، وقرب القرامطة منهم على وفاق وأمر عقدوه بينهم، ومات أبو طالب الكاتب وكان محدثاً يروي عن أبي موسى الراضي، وأحمد بن يحيى
стр. 108
السوسي، وتوفي يوم الجمعة للنصف من ذي الحجة ومولده سنة سبع وثلاثين ومائتين. ووجدت أم ابن رايق فصودرت على عشرة آلاف دينار.
وكان ابن القشوري أحمد بواسط حين زال عنها إقبال فورد كتابه يزعم أن البريديين يريدون واسط فوجه إليه بأبي نصر الترجمان في جماعة. ووجد يهودي مع مسلمة وكان غلاماً لجهبذ يهودي لابن خلف فضربه صاحب الشرطة بحضرة اليهودي في يوم جمعة، فافتتن البلد لذلك وكان الأمر قبيحاً.
سنة سبع وعشرين وثلاثمائة
خرج الراضي بالله في سحر يوم الثلاثاء لثلاث خلون من المحرم يريد س من رأي ليشخص منها إلى الموصل لمحاربة الحسن بن عبد الله وخرج بجكم في هذا اليوم وخرجنا مع الراضي فكان بجكم ينزل بين يديه بقليل وتعبث أهل عسكره بالناس وتأذى الراضي بذلك، وكان قبل خروجه يذكر أمره ونهوضه ويقول: لا بد لي منه. فنشير عليه ألا يفعل ذاك، وكان ممن يوافقني على الرأي في تركه الخروج عمر بن محمد القاضي فلم يلتفت إلى قول أحد ولا أظهر ما أراده وما عزم عليه. وأمر الراضي أن يكون عبد الله بن علي البغوني خليفة الوزير الفضل بن جعفر خارجاً معه وأن يكون عبيد الله بن محمد الكلوذاني خليفة الوزير على الأعمال والأموال مقيماً ببغداد.
وأخرج أحمد بن علي الكوفي إلى تربة أم المقتدر ليؤذي ما فورق
стр. 109
عليه. وكرهت العامة خروج السلطان إلى الموصل لمحبتهم للحسن بن عبد الله وعنايته بإنفاذ الدقيق إليهم ولبره بالأشراف وما يتصدق على الضعفى بسر من رأى وبغداد، ولكفاية أخيه على الناس أمر الثغور والغزو، وعنايته بغزو الصايفة وغيرها.
وخرج القاضي عمر بن محمد الراضي واستخلف ابنه يوسف ابن عمر على بغداد مكانه. فركب إلى جامع الشرقي فقضى وقرأ السجلات وركب معه جميع العدول وحضر محمد بن بدر الشرابي صاحب الشرطة مجلسه ونثر عليه دراهم ودنانير في غير موضع، فوصل الراضي إلى سر من رأى وأنفق في أصحاب بجكم نفائس منيفة كان أعدها لنفسه ولهوه، وظن الناس أنه سيقيم بسر من رأى وينفذ بجكم إلى الموصل فإن احتاج إليه لحق به وإلا أقام بمكانه، وجعل كل من يصل إليه يشير عليه بذلك.
وورد عليه الخبر بتحرك أمر ابن رايق وأنه يكاتب الناس للوثوب ببغداد فظننا مع ذلك أنه لا يبرح وانطلقت الألسن لأجل ذلك بالمشورة عليه ألا يبرح من سر من رأى وكان أشد الناس كراهة لخروجه ورحيله القاضي عمر بن محمد وذكي الحاجب، فكنا نجتمع على ما نقوله. وورد كتب الحسن بن عبد الله وإلى الراضي وإلى بجكم يتضمن لهما أكثر مما ظن أنه يبذله له وكتبه بذلك متصلة إلى القاضي وهو يتولى إيصالها عنه وينفذ الجواب، وكان يقرئني كل شيء يرد فأقام الراضي أياماً بسر من رأى وطمعنا في رجوعه، واتفقت مع القاضي على أن يكلم
стр. 110
الراضي كل واحد منا إذا خلا به ورأى وجهاً للكلام، فوصلت إليه بسر من رأى يوماً وحدي قبل أن يحضر أهل نوبتي فقلت يا أمير المؤمنين إن العبد المتفق لا يملك كتمان ما بقلبه لمولاه، ولا يدخر النصح. وما على المولى شيء من أن يسمع قول عبده، فإن كان صواباً أمضاه، وإن كان خطأ جعله بمنزلة ما لم يسمعه. فضحك وقال: هات ما عندك، فقلت: إن الناس يتحدثون بأن العسكر الذي رحلت قد رحلت لتزيله أشبه بعساكر الإسلام من العسكر الذي تقصده به من قوم لا يرون طاعتك وأشبه بعساكر آبائك. وقد تحدثوا بأن الحسن قد بذل أكثر مما أريد منه فإن رأي سيدنا أن يقبل هذا ويرجع إلى دار ملكه ويزول ما يخافه من وثوب ابن رايق فإنه غير مأمون.
وكان الراضي قد أمر بأن ينادى على ابن رايق، ويطلب فكبست مواضع كثيرة - ومع هذا فإن الحسن بن عبد الله قد نظر إلى أقرب الناس من قبلك وهو قاضيك فجعله السفير له، والضامن عنه وإنه يلقاه فيتصرف بجميع ما يريده.
وهاهنا أيضاً أمر آخر، قال: وما هو؟ قلت: إذا يئس الحسن من قبول سيدنا لما بذل لم نأمن أن يصرف أمره إلى غيره، ويلقى نفسه عليه ويتقرب إليه، ويحظيه ببعض ما بذله، فيجعله صنيعة له ومادة لدهره وعدة لجدته ويكلم من يلقى نفسه عليه سيدنا في أمره ويسأله له ما يريده فيقبل قوله ويهب له أمره، فيحظى بما أردنا أن نحظى به - أعرض ببجكم - فما رأيته أطال الفكر عند شيء سمعه أكثر مما أطاله بعقب
стр. 111
قولي هذا، وذكي واقف وحده يسمع بعض ما يجري.
ثم قلت: أما النثر فقد قضي الحق فيه، وقد نظمت قصيدة إن أذن سيدنا أنشدته إياها، وهي في هذا المعنى فقال هات فأنشدته - وكان يقول إني سأسكن سر من رأى وأترك بغداد، وجعل يصور بيده ما يكتبه - فذكرت أيضاً مدح بغداد وأنشدته.
مُتَيَّمٌ مُتْلِفُهُ تَلَدُّدُه ... بانَ لِبَيْنِ الْهَوَى تَجَلُّدُهُ
طَالَ عَلَيْهِ مَدَى الصُّدُودِ فَمَا ... يُبْصِرُهُ مِنْ ضَنَاهُ عُوَّدُهُ
قَدْ كَتَبَ الْحُبُّ بِالسَّقَامِ لَهُ ... نَظَّمَهُ بِمَنْ أَتَى يُفَنِّدُهُ
أَوْرَدَهُ الْحَتْفَ مَا رِدٌ غَنِجٌ ... زَادَ عَلَى حُسْنِهِ تَمَرُّدُهُ
يَكَادُ مِنْ لِينِهِ وَرِقَّتِهِ ... تَحِلُّهُ لَحْظَتِي وَتَعْقُدُه
قَد ارْتَدَتْ بِالجَمَالِ جُمْلَتُهُ ... كَمَا ارتَدى بالنَّدَى مُحَمَّدُهُ
خَلِيفَةٌ أُكْمِلَتْ فَضَائِلُهُ ... فَفَرْعُهُ طَيِّبٌ وَمَحْتِدُهُ
تَعَبَّدَ المَجْدَ فَهُوَ يَمْلِكُهُ ... طَارِفُهُ عِنْدَهُ وَمُتْلَدُهُ
قَدْ رَضِيَ الرَّاضِيَ الإِلهُ لإصْ ... لاَحِ زَمَانٍ سِوَاهُ مُفْسِدُهُ
فَهُوَ بِتَفْوِيضِهِ الأُمورَ إلَى اللَّ ... هِ بِحُسْنِ التَّوْفِيقِ يَعْضُدُهُ
أَمّا تَرَى مَا كَفَاهُ مِنْ خَطَرِ ... غَائِرُهُ مُعْجِزٌ وَمُنْجِدُهُ
стр. 112
لاَ يَبْلُغُ الْفِكْرُ كَشْفَ غُمَّتِهِ ... يَعُومُ فِي حَيْرَةٍ تُرَدِّدُه
وَهُوَ عَلَيْهِ فِي ذاكَ مُتَّكِلٌ ... يَشْكُرُ إحْسَانَهُ وَيَحْمَدُهُ
وَلَنْ يُضِيعَ الإِلهُ مُلْتَجِئاً ... إلَيْهِ فِي الْخَطْبِ بَلْ مُؤَيِّدُهُ
يَسِلُّ رَأْياً كَالسَّيْفِ وَقْفَتُهُ ... وَيَحْتَوِي سَيْفَهُ وَيُغْمدُهُ
تَمَسُّكاً فِيهِ بِالْوَفَاءَ وَمَا ... تَقْصُرُ عَمَّا يُرِيدُهُ يَدُهُ
كفَايَةُ اللهِ تَسْتَطِيفُ بِهِ ... تُنْحِسُ أَعْدَاءَهُ وَتُسْعِدُهُ
أَوْحَدَهُ اللهُ فِي فَضائِلِهِ ... فَهُوَ مِنْ بَدْءِ الْكَمَالِ أَوْجَدَهُ
جَرَى عَلَى الصُّنْعِ وَالسَّعَادَة وَالْ ... يُمْنِ لَهُ سَيْرُهُ وَمَقْصَدُهُ
جُيُوشُهُ حَوْلَهُ كَمَا حَدَقَتْ ... بِالْبَدْرِ بَدْرِ التَّمَامِ أَسْعُدُهُ
يَسُوسُهُمْ بِالسَّدَادِ حَاجِبُهُ ... وَهُوَ بآرَائِهِ يُسَدِّدُهُ
كَأَنَّهُ منْهُ لَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ ... يُشَبِّه مَوْلَىً في الْعِزِّ أَعْبُدُه
لَكِنَّهُ فَايِتٌ بِهِمَّتِهِ ... كَمَا يَفُوتُ الهِلاَلَ فَرْقَدهُ
وَأَيْنَ منْ زَاخِرِ العٌبابِ صَرىً ... يُحْفِي إذا جَاشَ فِيهِ مُزْبِدُهُ
أَرَى ذَكِياً ذَكَتْ خَوَاطِرُهُ ... فَلَمْ يَخُنْ فَهْمَهُ مُتَلِّدُهُ
سَيْفٌ عَلَى مَنْ عَصَاكَ مُتَّقِدٌ ... تُطْفِي بِهِ طُغْيَانَهُ وَتُغْمِدُهُ
стр. 113
يا خَيْرَ مَنْ لاَذَ ذُو الرَّجَاءِ بِهِ ... وَخَيْرَ مَنْ بالنَّوالِ يَرْفِدُهُ
وَمَنْ يَفُوتُ الْمُنَى تَطُوُّلُهُ ... وَيَقْتَضِيهِ الإنْجَازَ مَوْعِدُهُ
أَمْوالُهُ نَحْوَنا مُوَجَّهَةٌ ... بِنائِلٍ لاَ تُحَثُّ وُرَّدُهُ
يُعْلَى لَنا الحالُ والمَحَلُّ بِهِ ... فَلاَ سُؤالٌ لَهُ نُرَدِّدُهُ
لَوْ جازَ أَنْ يَعْبُدَ العِبادُ سِوَى الْ ... خالِقِ كُنَّا لِلْبِرِّ نَعْبُدُهُ
عَبْدُكَ مَنْ قَدْ عَرَفْتَ نيَّتَهُ ... لَمْ يَنْتَقِصْ ساعَةً تَوَدُّدُهُ
يَسْألُ أَنْ يَسْتَبِينَ سَيِّدُهُ ال ... رَّأْيَ بِفِكْرٍ لَهُ يُحَدِّدُهُ
وَمُؤَثِرُ الْحَقْنِ للدَّماءِ فَقَدْ ... تَاقَتْ إلَيْهِ لِلْعَيْثِ شُرَّدُهُ
مُسْتَيْقناً نِعْمَةَ الْمُطِيعِ لَهُ ... يَحْمِلُ مَا فِي الضَّمانِ يَعْقدُهُ
يَقْبَلُ فِيهِ ضَمَانَ مَوْعِدِهِ ... فَلَيْسَ يُخْشَى مِنْهُ تَزَيُّدُهُ
إِنْ قَالَ قَوْلاً وَفَّى بِهِ عَجِلاً ... يَهْدِيهِ لِلرَّأْيِ فِيهِ أَرْشَدُهُ
فَكُلُّ وَقْتٍ لَهُ شَرِيطَتُهُ ... يُصْدِرُ هذَا مَا ذَاكَ يُورِدُهُ
قَدْ يَسْمَحُ الْيَوْمَ بِالْمُرَادِ وَلاَ ... يُشْبِهُهُ فِي سَماحِهِ غَدُهُ
فِي كُلِّ صُقْعٍ مِنَ الْبِلادِ لَظىً ... مُسَعَّرٌ وَالغُواةُ تُوقِدُهُ
فَانْ نَجا بَعْضُها بِمَقْصِدِهِ ... هُدَّ مِنَ الْبَعْضِ ما يُشَيَّدُهُ
стр. 114
وَكُلُّهُمْ إِنْ أَقَامَ فِي يَدِهِ ... خِطامُهُ صَاغِراً وَمِقْوَدُهُ
يَطْلُبُ هَذَا ما ذاكَ يَطْلُبُهُ ... بِشافِعٍ عِنْدَهُ يُؤَكِّدُهُ
قَدْ يَسْتَحِيلُ الْوَلِيُّ ذَا عَنَتٍ ... تُقْدَحُ بِالْغِشِّ مِنْهُ أَزْنُدُهُ
وَيُصْبِحُ المخْلِقُ الْوَلاَءَ لَهُ ... مِنْ طَاعَةٍ ثابِتٍ تُجَدِّدُهُ
بَغْدادُ حِصْنُ الْمُلُوكِ تُؤْمِنُهُمْ ... مِنْ كُلِّ بَاغٍ يُخْشَى تَوَرُّدُهُ
وَأَهْلُها فِي الْخُطُوبِ جَيْشُهُمُ ... بِغَيْرِ رِزْقٍ لِلْجَيْشِ يَنْقُدُهُ
فَأَيْنَ لاَ أَيْنَ مِثْلُهَا بَلَدٌ ... بِحافِظٍ مُلْكُهُ يُؤَكِّدُهُ
فَلا تُرِدْ غَيْرَهَا بِهَا بَلَداً ... أَسْلَمُ سَيْرِ الْمُغِذِّ أَحْمَدُهُ
والأَمْرُ مِنْ بَعْد ذَا وذَاكَ إِلَى ... مُعَوَدٍ لِلصَّوابِ يُوجِدُهُ
فَإنَّهُ أَعْلَمُ الْمُلُوكِ بِمَا ... يَفْعَلُ وَاللهُ فِيهِ يُرْشِدُهُ
فقال نعم أنظر في هذا إن شاء الله. واستؤذن للقاضي فخرجت فلقيته وحدثته بما جرى وقال أنا اؤكد لهذا، فدخل فأطال ثم خرج فقال ما في هذا الرجل حيلة استمع مني كما قلت في نحو معناك فلما خرجت الساعة تقدم إلي ذكي بأن تقدم النوبة ليرحل نحو تكريت. ورحل من غد يومنا لك وصرنا في مرحلتين إلى تكريت، فنزل دور ني جابر النصراني وأقام أياماً، والأخبار واردة من بغداد بقوة أمر ابن رايق وكتب الحسن بن عبد الله متواترة بإزاحة العلة
стр. 115
في جميع ما يراد منه.
فحدثنا الراضي بالله أنه سمع الديالم في المنزل الذي رحل منه إلى تكريت - وقد مرقوم منهم خلف مضربه فصاح بهم الخدم - يتكلمون بكلام قبيح، وقال أما لهؤلاء دين ولا عليهم طاعة وجرى ذكر ابن رايق وقوة أمره فغمزني ذكي الحاجب في كلامه وظننت أنه بما سمع من الديالمة قد فش عزمه، فقلت: يا أمير المؤمنين، بغداد دار المملكة وطن الخلافة وفتقها لا يتلافى، فقال إنما كانت بغداد كذا حيث كان في بيت المال بها عشرة آلاف ألف دينار في أيام المعتضد وضعف لها في أيام الكتفي، فأما ولا مال بها فهي كسائر البلدان، فقلت فيها ما هو أجل من المال، الأميران بلغ الله سيدنا ما يأمله في نفسه وفيهما، وفيها حرم الخلافة وذخائرهن. وأعانني العروضي بكلمة فصاح عليه فسكت، ثم أقبل علي فقال يا هذا كم تنصحني في هذا الأمر وما استنصحتك، وتشير علي وما استشرتك! فقلت خطأ والله من عبدك وفرط إشفاق، لا أعود لشيء من هذا أبداً.
وقمت إلى ذكي فقلت له أومأت إلي بالقول فنالني ما رأيت، فقال لي ما بالصواب أن يعيد أحد من هذا شيئاً. وكانت نوبتنا هي النوبة التي تصل إليه ونأنس بها ويديم إعطاءها والإحسان إليها، ونوبة بني المنجم مجفوة لا يصلون إليه إلا في المدة البعيدة، فلما سار في الماء يريد تكريت سرنا نحن على الظهر وطلبنا فلم يجدنا، وسار بنو المنجم في الماء وتعرضوا له فجلسوا معه، فكايدنا بهم وساواهم بنا وقال: السفر
стр. 116
لا نوبة فيه لقوم دون قوم، وجعلوا إذا خلوا يشعثون حال من قدروا على ذكره منا عنده وهو يطلع بعض ذلك لنا، حضرنا وغابوا، يغري بعضنا ببعض ووصلهم سراً ولم يصلنا، فأجمع أصحابنا على أن أعمل شعراً في ذلك، فأوصلت إليه رقعة فيها - وكان أعطاهم خمسة دنانير لكل واحد في كل دينار عشرة دنانير -:
يَا مُذِيقِي غُصَّةَ الْكَمَدِ ... مُشْعِلاً لِلنَّارِ في كَبِدِي
أَلِذَنْبٍ كَانَ هَجْرُكَ لِي ... أَوْ دَلاَلَ الْغُنْجِ والْغِيَدِ
حِيْنَ أَزْمَعْتَ الرَّحِيلَ ضُحىً ... أَزْمَعَتْ رُوحِي عَنِ الْجَسَدِ
ما أُبالِي مَا يَفُوتُ إِذَا ... ظَفِرَتْ بِالوَصْلِ مِنْكَ يَدِي
قُلْ لِخيْرِ النَّاسِ كُلِّهِم ... لا أُحاشِي فيهِ مِنْ أَحَدِ
الَّذِي يَرْضَى الإِلهُ بِهِ ... مُذْهِباً لِلْغِيِّ بِالرَّشْدِ
حَاسِدِي في حُسْنِ فِعْلِكِ بِي ... غَيْرُ مَعْذُولٍ عَلَى الْحَسَدِ
قَدْ دَهَتْنِي الآنَ دَاهِيةٌ ... وَسْمُهَا بَاقٍ عَلَى الأَبَدِ
أَنْتَ يَا أَعْلَى المُلُوكِ يَداً ... عُدتِي فِيهَا وَمُعْتَمَدِي
تَوْبَتِي قَدْ ذَلَّ جانِبُهَا ... بِيعَ مِنْها النَّوْمُ بِالسُّهْدِ
ضَعَّفَ لحرمَانُ قُوَّتَها ... بَعْدَ حُسْنِ الأَيْدِ والجَلَدِ
стр. 117
لا تُطِعْ فِينَا الْوُشَاةَ فَقَدْ ... جَعَلُونَا ضُحْكَةُ الْبَلَدِ
حِينَ فَازُوا دُونَنَا بِيَدٍ ... مِنْكَ واسْتَوْلُوا عَلَى الأَمَدِ
وَرَأَيْناهَا مُعَايَنَةً ... إِنَّ هَذَا مُنْتهَى الْكَمِدِ
بَعْدَ أَنْ كُنَّا بِفَضْلِكَ فِي ... طِيبِ عَيْشٍ دُونَهُمْ رَغَدِ
فَأَنِلْنا مَا أَنَلْتَهُمُ ... خَمْسَةً تُوفِي عَلَى الْعَدَدِ
أوْ فَزِدْنَا مِثْلَ عَادَتِنا ... لَيْس غَمْرُ الْجُودِ كَالثَّمَدِ
عِنْدَنا مِنْ فِعْلِهِمْ تِرَةٌ ... فَأَزِلْها الْيَوْمَ بِالْقَوَدِ
لَمْ تَزَلْ بِالْبَذْلِ تَبْدَأُنَا ... فاجْعَلَنْها الآنَ دُونَ غَدِ
وَلْيَكُنْ إِنْ شِئْتَ مُكْتَتماً ... إِنَّنا مِنْهُمْ عَلَى رَصَدِ
وَأَزِلْ نَحْساً بِرُؤْيَتِهِمْ ... طَالعاً مِنْهُمْ بِمُفْتَقَدِ
وَعَلَيْهِمْ لا عَلَيْكَ بِهِمْ ... دابرَاتُ السُّوءِ وَالنَّكَدِ
فما عوضنا بشيء وأقام على كياده لنا، وأقام أياماً بتكريت، ثم رحل منها يريد الموصل، فنزل منزلاً على أربعة فراسخ. واستهل هلال صفر ودخل بجكم قبل ذلك إلى الموصل، ووافى الخبر بظهور ابن رايق يوم الأربعاء لليلتين أو لثلاث خلون من صفر وأنه دخل إلى بغداد كأنه لم يكن بها من ناحية باب قطربل ومعه ألف من القرامطة فيهم رافع
стр. 118
كانوا في عسكر الراضي، فاستحقوا فلم يعطوا وأبطئ في أمرهم، وكان بجكم لا يحب كونهم مع الخليفة في جملة حاجبه، فانصرفوا إلى بغداد فكانوا سبب ظهور ابن رايق، وقصد داره فلم يصل إليها فخرج إلى المصلى وكان مستتراً في دار كاتبه السر من رآي ونادى مناديه أنه قد زاد الفرسان اللاحقين به خمسة دنانير كل واحد منهم، وأنه يطلق لهم عاجلاً رزقه كاملة ويزيد الرجالة ديناراً ديناراً ويطلق لهم نوبتين معجلتين ويكن ذلك بلا نقصان ولا مصارفة. ووافى جعفر بن ورقاء فنزل في الحلبة دار الخليفة ونزل معه أحمد بن خاقان وضبط أحمد ابن بدر الشرابي البلد جهده وكانت إليه الشرطة، وأعطت أم الراضي مالاً أنفق في رجاله وفرسانه وقصد أصحاب ابن رايق دار بجكم على دجلة فمنع عنها أصحاب كان لهم فيها ثم انهزموا وخرجوا هاربين يريدون سر من رأى وسلموا الدار فنهبت وأحرقت، وتحدث الناس بأن ابن مقاتل حمل إلى ابن رايق مالاً فأعطى الفرسان كل واحد منهم خمسة دنانير صله وهي الزيادة وأعطى الراجلة ديناراً ديناراً، وجاء إلى دار السلطان فقوتل عنها وقتل من الفريقين جماعة وانصرف ابن رايق إلى المصلى واستأمن قوم من البجكمية فيهم يارخ وصيغون فأحسن إليهما وتبع أصحاب ابن رايق من كان في دار بجكم ورئيسهم تكينك فأخذوا منهم دواب وتفرقوا، وجاء خبر محمد بن ينال الترجمان ومعه جماعة كانوا بواسط بأن يقصد بغداد فوافاها
стр. 119
واجتمع مع ابن بدر الشرابي وحاربهم ابن رايق وأصابت ابن بدر ضربات وحمل إلى منزله وذلك لثمان ليال خلت من صفر فمات في منزله بعد ثلاث.
وملك ابن رايق بغداد، وظهر ابن مقاتل وحمل إلى ابن رايق مالاً فأعطى القرامطة رزقة كاملة بزيادة خمسة دنانير لكل واحد منهم ودخل إلى داره المعروفة بدار مؤنس فأقام فيها وجه إلى دار الخليفة وإلى أم الراضي فسكن منهم، وقال لهم كونوا على أمركم. ونهبت دار علي بن خلف بن طياب في الجانب الغربي بقرب الجسر ودار أخ له وأخذ منها مال ومتاع ووجد لبجكم مال فأخذ وانحاز ابن ورقاء وقصد الموصل بعد أن قاتل أشد قتال وما أبلى أحد بلاءه وبلاء ابن بدر الشرابي ونادى ابن رايق بأمان البجكمية وولي شرطة بغداد ابن يزداد قائداً من قواده. وفرض قوماً من العيارين فأعطاهم ديناراً ديناراً وجاءه ساجية وحجرية فقبلهم ووعدهم ما أحبوا، ووجه إلى أبي القاسم الكلوذاني فأخذ مه مالاً كان قد جمعه للسلطان وملك العيارون البلد. وكتب لابن رايق في هذه الحال أبو غالب كاتب صافي الخازن وعلى جيشه ابن القلانسي. وطلب أبا العباس الأصبهاني فاستتر وكان ابنه ظاهراً بين يدي ابن رايق، وخلع على صيغون ويارج وركبا في شارع الجانب الشرقي حتى رآهم الناس وبين أيديهم بدور دارهم على أكتاف الرجال. ووجه إلى دار السلطان فأخذ ما وحد من الخزاين. ووصل محمد بن ينال الترجمان إلى النهروان ومعه أحمد بن نصر القشوري وسياتنكول
стр. 120
وإبراهيم بن خلف بن طياب وعبد الله الشيرازي ومؤنس غلام هنكر في خلق عظيم فتوجه إليهم ابن رايق فواقعهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر ثم حجز الليل بينهم وحاربهم يوم الاثنين لتسع بقين منه، فظفر بهم وغنم هو وأصحابه غنيمة عظيمة من الدواب والحلي والمال والأمتعة وكان ابن رايق قد رأى كثرتهم فزال طمعه في مقاومتهم فدس إليهم جماعة من القرامطة وواطأهم على أن يستأمنوا إليهم فإذا واقعهم صيحوا بهم من عسكرهم فكان هذا سبب الهزيمة وقتل سياتنكول وأصابت أحمد بن القشوري ضربة في وجهه وجيء به أسيراً إلى ابن رايق فمن عيه. وأسر مؤنس الهنكري فهجنه ابن رايق وشتمه فعدا عليه بعض القرامطة فقتله وهرب الترجمان فلم يعرف له خبر حتى وافى الموصل على حالة قبيحة وكان بجكم يظن أنه قتل فوجه إليه بما لبس وبدواب حتى دخل الموصل، ونادى ابن رايق بعد الوقعة ببراءة الذمة ممن آوى الترجمان، أو ابن خلف بن طياب أو عبد الله الشيرازي.
ودخل البريدي إلى واسط في هذا الوقت، وعظم أمر العيارين ببغداد وأخذوا ثياب الناس من المساجد والطرقات إلى أن ركب ابن يزداد وأخذ جماعة منهم فضربهم بالسياط. ووجد لبجكم عشر بدر دنانير في درب الزعفران فأخذت ووافى فاتك صاحب ابن رايق في جيش فدخل من باب الأنبار في تعبئة حسنة، وذلك في يوم الخميس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ودخل معه لؤلؤ غلام المتهشم، وعلى أعلامه لؤلؤ الرائقي
стр. 121
ولما ظفر ابن رايق وجاءه فاتك وصار إليه مال بجكم الذي ذكرناه أفكر في الأموال العظام وكاتب في أمر الخلافة جماعة، ووجه إلى الحسن والحسين ابني الفضل بن المأمون فأخذهما إلى داره وقدر مال البيعة فإذا هو على التقليل ثمانمائة ألف دينار فقال له ابن مقاتل: نحن لا نملك عدد هذه دراهم، فكيف نحتالها دنانير فرد ابني المأمون منازلهما وأضرب عن هذا الرأي.
ووجه محمد بن يحيى بن شيرزاد إلى الموصل في أشياء أرادها فوصل إلى الراضي بالله وإلى بجكم ووجه الراضي بالله القاضي عمر بن محمد برسالة إلى ابن رايق ولزمه وكان يخلو به وبابن مقاتل وربما حضر ابن سنكلا وألزم ابن مقاتل الأمر وقال إن السلطان يعلم أن هذا يتصرف برأيك ومتى أعنتني على أمر الصلح وقع لك ذلك أجمل موقع، فاتفق الرأي على خروج ابن رايق إلى الشام والياً عليها. فاقتصر على من أراد من أصحابه وأخرج مضربه، وكان من استغنى عنه ابن رايق لحق بالبريدي مثل جنى الحمداني وجماعة قواد وفرسان وخرج ابن رايق عن بغداد يوم الأحد لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر، وركب بشري الأثرم غلام الراضي بالله، وكان أنفذه الراضي معه لشرطة بغداد إذا رحل ابن رايق عنها، فنادى في الذعار وأخذ جماعة من العيارين وطاف في الجانبين فسكن البلد بعد افتتان عظيم.
وأظهر القاضي كتاباً ورد عليه من السلطان وأمر بأن يقرأه عدو له في مجالسهم بأن السلطان لم يؤاخذ أحداً من أهل بغداد بشيء مما جرى،
стр. 122
وأنه إذا ورد أحسن إليهم كل الإحسان ولم يطلق يد بجكم عليهم وأمر أن لا يتبع أحد ولا يعنت فسكن الناس إلى ذلك وسروا به.
رجعنا إلى أمر الراضي بالله رحيله، من تكريت ونزوله على أربعة فراسخ.
ووافى الخبر بظهور ابن رايق وقصده الدار، وكان الراضي في طيار وقد طلبنا وما وصلنا إليه بعد ورود هذا الخبر، فجاء القاضي وابتدأ يكلمه ويشير عليه بالتوقف والنظر في الرجوع فأسبل غشاء الطيار بينه وبينه، وأمره بالانصراف فانصرف. ودعا بذكي حاجبه وقال: أنا أعبر إلى الجانب الغربي الساعة فاعبر بدوابي ودوابك ومن تبعك من الغلمان فإني أركب البر حتى ألحق بالموصل، وليس الناس في الماء ويكون الذي يسير بهم ويحفظهم سعيد بن حفيف السمرقندي ويشاور القاضي في جميع ما يفعله وعبر من وقته وعبر ذكي وجماعة من الغلمان والفرسان، فحدثنا هو لما وصلنا إليه إلى الموصل أنهم كانوا كلهم نحو خمسين ومائة وأن الهيبة حرسته بعد حفظ الله من أن يتخطف وأنه جاع في الطريق ويم يجد ما يأكل وأن خيراً غلام ذكي الحاجب كان ربما طبخ له القدر والقدرين فيأكلها إلى أن وافى الموصل في أربعة أيام وقد ماتت الدواب وهلك أكثر من كان معه، فنزل دار الحسن ابن عبد الله، وسار سعيد بن حفيف بالناس وحفظهم أحسن حفظ، على أنه ليس معه أحد ولا له معين، وكان بنفسه وغلمانه وغلمان من معه في الزواريق يمنع الأعراب والوزاقيل ويحرس الناس بنفسه ولا ينام
стр. 123
الليل، ويأمر بأيقاد النار وضرب الدبادب إلى أن يصبح. وكنا نسير في سفننا لصعوبة الطريق الفرسخين في اليوم وأقل وأكثر، وكنت أنا مع ابن حمدون في زورق وكان معه طيار ومعي سميرية بأربعة مجاذيف فغلط أصحاب السميريات ليلاً، فربطوا على بعد من العسكر وكبسهم القياقنة وأخذوا جميع ما كان في السميريات ولم يبق لي شيء كان في سميريتي إلا ذهب، ثم دخل بعد ذلك الماء إلى زورقنا حتى كاد يغوص وسقطنا إلى الماء، فمن الله علينا بأن رجالة كانوا معنا في الزورق وحملوني وحملوا ابن حمدون حتى صرنا إلى الشط وانتظرنا الطيار حتى جاءوا به وأخذ ما في الزورق ومد إلى الشط حتى أصلح وكان قد انتقب في عدة مواضع.
ووافى راغب خادم الراضي بالله من الثغر، وكان قد شهد الفداء إلى الموصل فوجه به الراضي فلقينا بين الحديثة والسن فسلمنا عليه وكانت معه دواب فحمل القاضي عليها لأن الراضي أمره بذلك وأراد أن يتقدم وصوله وتبعه من كان له مركوب، وبقينا نحن أياماً كثيرة إلى أن وصلنا إلى الموصل، ودخلنا إلى الراضي بعد عشرين يوماً من مفارقتنا إياه وكان في نفسي ما قاله الراضي حين أنشده قصيدتي الضادية وقت جلوسه: هذه حمتك رميت بها. وأردت أن أعمل قصيدة أشكو فيها غرقنا وما نالنا فقلت والله لأجعلنها ضادية ليعلم أن تلك لم تكن حمتي، وأنه قد بقيت لي قصيدة وأنا في الزورق مع ابن حمدون، نحو تلك القصيدة في الطول وهي:
стр. 124
أَبَغِضِتَهُ مِنْ بَعْدِمَا بُذِلَ الرِّضَا، ... هذَا تَجَنٍّ مِنْ حَبِيبٍ يُرتضَى
لاَ تجْزَعَنْ للْبُعْدِ تُوعَدُهُ غَداً ... فاللهُ يَصْرِفُهُ بما فيهِ قضَا
ظُلِمَ الحَبِيبُ فَأَظْلَمَ الْبَيْتُ الَّذِي ... أَمَّتْ مَطاياهُ بهِ ذات الأَضَا
قَدْ قالَ بَشَّارٌ وكانَ مُسَدَّداً ... يَحْوِي المعَانِي إنْ رَمَى أَوْ أَنْبَضَا
قَدْ ذُقْتُ أُلْفَتَهُ وذُقْتُ فِراقَهُ ... فَوَجَدْتُ ذَا عَسَلاً وذَا جَمْرَ الغَضا
خُذْ مِنْ زَمانِكَ ما صَفَا لَكَ قَلَّما ... يُغْنِيكَ غُمُّكَ بِالتَّكدُّرِ إِذْ مَضا
واصْبِرْ عَلَى غَرَقٍ بِنُعْمى نلْتَهَا ... إنَّ الزمانَ لَمُقْضٍ مَا أَقْرَضا
فَهَوَيْتَ فِي لُجٍّ عَلاكَ عُبابُهُ ... لا بُدَّ أَنْ تَلْقَى الَّذِي لَكَ قُيِّضَا
إنْ قُمْتَ فِيهِ لَمْ تَطُلْهُ لِغُزْرِهِ ... ورَأَيْتَ تَحْتَ الرِّجْلِ مِنْهُ مَدْحضَا
وَتَسَرَّعَتْ مِنْهُ إلَيْكَ حِجَارَةٌ ... تَذَرُ الصَّحِيحَ مِنَ الْعِظَامِ مُرَضَّضَا
وَكساكَ مِنء يَدِهِ وَلَمْ تَسْتَكْسِهِ ... عُشُراً يُؤلِّفُهُ المُدُودُ وَعِرْمضا
نَجَّاكَ مَنْ نَجَّا بِلُطْفٍ يُونُساً ... مِنْهُ وكَانَ لِقَبْضِ رُوحِكَ مَعْرِضا
هَذَا وَقَدْ ثَلَمَ الزَّواقِلُ جَانِبِي ... فَأَفْضْتُ دَمْعاً عنْدَ ذَاكَ مُغَيَّضَا
أَبْكي كِساءً كانَ أَوْثَقَ عُدَّتِي ... إنْ أَخصرَ البَرْدُ العِظامَ ونَقَضَّا
وَمِخَدَّةً قَدْ كانَ يَأْلفُ لِينُهَا ... خَدِّي فأَضْحى الْجِسْمُ مِنْها مُمْرَضا
стр. 125
وَنَفِيسَ فَرْشٍ كالرِّياضِ نُقُوشُ ... ما كان من دُونِ الرِّياشِ مُرَحَّضَا
وَمُجَمَّعاً قَدْ كُنْتُ أجْمَعُ آلةً ... فِيهِ وكَانَ مِنَ الْبَلاءِ مُفَضَّضَا
والصُّفْرَ أَبْكِي كالنُّضارِ وَشَمْعَةً ... زانَتْ يَدُ الْمَاشِي بِهَا والْمِقْبَضَا
صَرَّحْتُ بِالشَّكْوَى إليكَ تَأَنُّساً ... بِنَدى يَدَيْكَ إذا غَرِيبٌ عَرَّضا
فَلأنْتَ أعْلَى فِي المُلُوكِ مَحِلَّةً ... وأَجَلُّ من رَاشُ العُبَيْدَ وَأنْهضا
مِنْ بَعْدِ ما غالَ الْمَشِيبُ شَيْبَتِي ... وَنَضا لِباسَ تَجَمُّلِي فِيما نَضا
وَأحارَنِي مَرَضاً وَأَوْهَنَ قُوَّتِي ... فَغَدَوْتُ مِنْهُ وَقَدْ صَحِحْتُ مُمَرَّضا
وإذا دَنَتْ سَبْعُونَ مِنء مُتَأَمِّلٍ ... دانى وَلَمْ يَرَ فِي اللَّذاذَةِ مَرْكَضا
وَجَفاهُ نَوْمٌ كانَ يَأْلَفُ جَفْنَهُ ... قِدْماً وَأَضْحى لِلحُتُوفِ مُعَرَّضا
وإذا بَلَغْتُ إلى الأمامِ مُسَلِّماً ... ورَأَيْتُهُ زَالَ التَّخَوُّفُ وانْقَضى
وَنَسِيتُ رَوْعَاتِ لإِرْجافٍ فَشا ... ما زلْتُ للإِشْفاقِ فِيهِ مُرْمَضا
ذادَتْ مَوارِدُهُ الكَرى عَنْ مُقْلَتِي ... وَأَبَى عَلَيَّ حِذَارَهُ أَنْ أُغْمضا
فَعَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ رَأَيْتُكَ سالماً ... صَوْمٌ وعِتْقٌ عاجِلٌ لا يُقْتَضَى
بِمُحَمَّدٍ رَضِيَ الإلهُ خَلِيفَةً ... فِي الأَرْضِ فَهُو بِذاكَ راضٍ مُرْتَضَى
جاءَتْهُ طَوْعاً لَمْ يُسَيِّرْ لَفْظَهُ ... فِيهَا ولاَ أَضْحى لَهَا مُتَعَرِّضا
стр. 126
فَهُوَ الْحَقِيقُ بِهَا الْمَعانُ بِقُوَّةٍ ... فِيهَا بِحُكْمٍ فَاصِلٍ لَنْ يُدْحَضا
أَللهُ أَقْبَلَ لشي بِوَجْهِ نَوالِهِ ... فَرَفَضْتُ وَجْهَ الدَّهْرِ لَمَّا اَعْرَضا
بَدْرٌ يُضِيءُ دُجى الظَّلامِ وَلَمْ يَزَلْ ... لِسَوادِ ما تَجْني الخُطُوبُ مُبَيِّضا
بِكْرُ الزَّمانِ فَلَيْسَ يُنْتَجُ مِثْلُهُ ... أَبداً وَلاَ يُلْفَى بِهِ مُتَمَخِّضا
عَالِي الْمَحلِّ بنَى لَهُ آباؤُهُ ... شَرَفاً أَبَتْ أَرْكَانُهُ أَنْ يُنْقَضا
مَنْ شَامَ عِزَكَ ذَلَّ دُونَ منَالِهِ ... أَوْ رامَ ما رَفَّعْتَ مِنْهُ تَخفضا
أَحْسَنْتَ حَتَّى مَا نَرَى مُتَسَخِّطَا ... يَشْكُو الزَّمَانَ وَلاَ نرَى لَكَ مُبْغضا
كَمْ مُبْغِضٍ حُطَّتْ إلَيْكَ ركَابُهُ ... نالَ الغنيّ عَجِلاً فَأَغْنَى المُبْغِضَا
بِعُلُوِّ فَخْرِكَ فِي الْمَفَاخِرِ يُعْتَلَىوَبِنُورِ هَدْيِكَ في الدِّيانَة يُسْتضَا
وَجليلِ خُطْبٍ عَابَ مِنْكَ عَزِيمَةً ... فَأَتَى إليَكَ بِمَا هَوِيتَ مُفَوِّضا
وَمَضَتْ بُرُوقٌ في العِراقِ فَأَخْلَبَتْ ... وَرَأَيْتُ بُرْقَكَ صَادقاً إذْ أَوْمَضَا
قَزَعٌ أَرَذّ فَما غَذَتْ أَخْلافُهُ ... غَرْساً وَلا هُوَ بالْجَمائلِ رُوِّضَا
وَتَداءَبتْ بِذَوِي الضَّلالةِ هِبْوةٌ ... أَبْقَتْ لَهُمْ أَسَفاً وَخَوْفاً مُمْرِضا
وَسَيكْشِفُ الْهَبَواتِ ربُّكَ نِقْمَةً ... تَدَعُ البِناءَ مِن الضَّلالِ مُقَوَّضا
سَتَرى الْقِيامَ به قُعُوداً عاجِلاً ... فَزِعاً وَيَرْجِعُ ساكناً مَنْ حَرَّضا
стр. 127
وَيَصِحُّ مِنْ غَمَراته مَنْ لَمْ يَزَلْ ... فِيما قَضَيْتَ مِنَ الأُمورِ مُمَرَّضا
وَيَعُودُ ساعٍ في الْجَهالةَ عاثِراً ... لا يَسْتَطِيعُ من النَّدامَةِ مَنْهَضا
وَيَرَى غَوِيٌّ رُشْدَهُ فَيُشِيمُ ما ... قَدْ كانَ مِنْ نَعَمِ الضَّلالةِ رَبَّضا
وَيَفُلُّ غَرْبَ جُمُوعِهِمْ لَكَ حاسِمٌ ... مِنْ جَيْشِ رَأْيكَ كَالسِّهامِ المُنْتَضى
ويُذِيقُهُمْ جُرَعَ المَنايا بجَكَمٌ ... وَكَذاكَ عادَةُ بَجْكَمٍ فِيما مَضَى
سَيْفُ الخِلافَةِ والْمُبِيرُ عَدُوَّها ... بِسَدِيدِ عَزْمٍ صائِبٍ إِنْ أَعْرَضَا
أَنْحى عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ فَخِلْتَهُمْ ... لِتَناثُرِ الأعْضَاءِ حَصْباءَ الْفَضَا
دَلَفَ الرِّجالُ إِلَيْهِمْ فَكَأَنَّما ... كانُوا نِساً حِينَ دُمُّوا حَُّضا
فَعَفَوْتَ عَنْ طَلَبٍ لَهُمْ فَتَبَسَّطُوا ... ثِقَةً وَكانَ نَجاؤُهُمْ مُتَقَيَّضَا
كيْفَ التَّورُّط فِي ظَلمِ ضَلالةٍ ... والصُّبْحُ فِي سُبْل الهِدايَةِ قَدْ أَضا
يا واحِدَ الْكَرَمِ الَّذِي نَلْقَى بِهِ ... وَجْهَ الزَّمانِ إذا تَسَوَّدَ أَبْيَضَا
خُذْها إلَيْكَ قَوافِياً قَدْ لُبّسَتْ ... رَقْماً أَبى تَحْسِينُهُ أَنْ يُرْفَضَا
كانَتْ مُجَمَّعَةَ الظُّهُور نَوافِراً ... فَأَتَتْكَ لَيِّنَةَ المَقادَةِ رُيَّضَا
لَفْظاً أَلِيفاً للْقُلُوب مُحَبَّباً ... لَمْ يُلْفِ وَقْراً فِي المَسامِعِ مُبْغَضا
مِنْ شِعْرِ مَقْصُورِ الْمَدَى مُتَكَلَّفٍ ... إنْ رَامَ نَهْجاً في طَرِيقٍ أُدْحِضَا
стр. 128
وكَأَنَّهُ ثِقْلاً فِرَاقُ أَحِبَّةٍ ... نَادى به داعِي الشّتاتِ وحَضَّضَا
بَلْ مُرْسَلاً طَبْعاً فَسِيحاً ذَرْعُهُ ... قَدْ شَفَّ ذَا الباعِ القَصِيرِ وَأَرْمَضَا
وإذَا أَمالَ إليْهِ سَمْعاً صاعَدَتْ ... أَنْفَاسُهُ أَسَفاً عَلَيْهِ واَبْغَضَا
أَحْذاكَهُ مَنْ لاَ يَزالُ ضَمِيرُهُ ... عَمَّا كَرهْتَ مِنَ الْمَذَاهِبِ مُعْرضا
أَفْنَى الزَّمانَ بِخدْمَةٍ لَكَ آمِلاً ... ما نلْتَهُ فَأَنْلُه غاياتِ الرِّضَا
وَمَدائِحٍ سَبَقَتْ إلَيْكَ بأَسْرهَا ... يَأْتِيكَ قَائِلُهَا بِهَا مُتَعَرِّضَا
مَا شَرَّفَتْهُ خِدْمَةٌ لَكَ قَبْلَهَا ... حَتَّى مَلَكْتَ فَدَسَّهُنَّ مُعَرِّضَا
وَأَصَابَ مَرْعىً في فنَائِكَ مُمْرِعاً ... فَأَخَلَّ فيهِ بالْحُظُوظِ وَأحْمَضَا
إذْ سَيْفُ عَزْمِكَ كَامِنٌ في جَفْنهِ ... أَرْجُو انْتضاكَ لَهُ وَلَمَّا يُنْتَضى
هَذي سَوَابِقُ لا يمُتُّ بِمثْلَهَا ... مَنْ قَدْ أَتَى خَلْفَ السُّكَيْت مُرْكضا
فَأَفدْ وَعَوِّضْ مَادِحاً لَكَ رَاجِياً ... فَلأَنْتَ أَكْرَمُ مَنْ أَقَالَ وَعَوَّضَا
فلما أنشدته إياها قال: صدقت يا صولي قد بقيت لك حمات، وهذه الضادية أفحل كلاماً من تلك، وتلك أنعم لفظاً وكلتاهما في نهاية الجودة فقلت أنا والله يعلم سيدنا بالشعر أحترس إذا مدحته، فضحك.
وأقمنا أياماً بالموصل وبجكم قد كان واقع الحسن بن عبد الله فهزمه ثم رجع بجكم إلى الموضع ووقع بين أصحابه وبين أهل الموصل حرب
стр. 129
فقتل جماعة من التجار ونهبوا، فكان من بجكم وأصحابه أمر قبيح عظيم حتى وجه إليه الراضي في ذلك فأمر أصحابه أن يكفوا، وطولب علي بن خلف بن طياب بالأموال الذي ضمنها فما قدر إلا على الشيء اليسير الوتح فوجه إلى قرى بعيدة فيحمل حنطة وشعيراً ويعز عليه من يشتريه. وكان الطالقاني صاحب بجكم، ويكنى أبا حامد في يد الحسن بن عبد الله فأطلقه وفارقه على أن يصلح الأمر بينه وبين بجكم ففعل ذلك وكان بينهم ما غمض على الراضي فلم يعلم حقيقته، وكلم بجكم الراضي في الحسن بن عبد الله أن يقبل الضريبة التي عليه ويرحل إلى بغداد، فقال له إني قد اتفقت مذ غرمت على الحركة إلى وقتي هذا مائة ألف دينار. وأخذ ابن رايق مثلها من بغداد فلم يزل يسأله إلى أن أجابه. وكان الراضي بالله وصل الجلساء ولم يصلني، لما في قلبه على من تكلفي المشورة. وعزم على الرحيل فمنته الإضاقة، ثم فورق على مال سير قدروه لنفقته إلى بغداد، على أنه يجيء من عند الحسن بن عبد الله، فرحل عن الموصل وأقام على نحن فرسخين منها ينتظر المال، واستبان الصواب فيما كان أشير عليه به، وضاق بمقامه ذرعاً. وكان في حراقة يدخل إليه فيها، فأمر راغباً الخادم أن يدخلني إليه مفرداً قبل وقت مجيء الجلساء، فأوصلني إليه فقال لي: كأني بك، وقد قلت في نفسك إني خطوت الرأي، وتركت الصواب. فقلت والله ما دار لي هذا بفكر، ولقد شغلني الغم عن ذلك حتى أرى سيدنا في دار ملكه مداوماً لسروره على عادته، فقال أما كنت حدثتني أن يحيى بن خالد البرمكي، قال لا أحمد على رأي ابتدأته
стр. 130
بخطأ فآل إلى صواب، لأني بالخطأ ابتدأته ولا علم لي بمآله. وكذلك لا أذمها على رأي ابتدأته بصواب فآل إلى خطأ فأنا كذلك ابتدأت أمري بصواب ولا أعلم المغيب. فقلت يوفق الله أمير المؤمنين ويعوضه ويبقيه، فقال الراغب أدفع إلى الصولي ما كان قبضه أصحابه ولم يقبضه، وزده مائة دينار، فأعطاني ألف درهم ومائتي دينار. وكان قبل أن يرحل من الموصل طلبني وقت الظهر فدخلت إليه، وكان قيد على كتاب بما كان من أمر ابن رايق مع ابني المأمون وكتب إلى ذكي كتاب مثله. ووردت كتب الناس بذلك.
وكان الرجالة المصافية يطالبون بأرزاقهم فأخروا فغضبوا وصاحوا: قد مضى القرامطة ففازوا بابن رايق، ونمضي نحن فنأخذ بيعة ابن المأمون. إلى أن وجه الحاجب فردهم، وضمن لهم ما أرادوه فقال لي الراضي حين دخلت إليه: هناك يا صولي قد أجلس جارك ابن المأمون خليفة، وميل بين الاثنين فاختاروا الكبير، والله لأطمعن الطير لحماً، وذكي الحاجب يسمع ذلك وخدم قيام فقلت لا أحياني الله إلى أن أرى مكان سيدنا غيره، وما أبعد هذا يا سيدي في نفسي، أيصلح للخلافة من خاب سبعين سنة، ومع هذا فوالله ما يحسنان شيئاً ولا يفهمانه فلما سمع قولي هذا ضحك منه، فلما ضحك انبسطت في الكلام فقلت أعداء هؤلاء كثير والتشنيع عليهم عظيم، ولعل هذا شنعه أعداؤهم عليهم. فرمى إلي بفصل من كتاب قد ذكر ما قاله فيه.
ودخل محمد بن حمدون ونحن في ذاك فأعاد عليه القول فسلك في
стр. 131
الكلام طريقتي، وما زلنا نكلمه حتى سكن. وخرجت فقال لي ذكي الحاج بأحسن الله جزاءك، هل ورد عليك كتاب بما قاله سيدنا؟ قلت نعم قال وقد ورد علي مثله، فأعطاني كتابه ودفعت إليه كتابي فرمى بهما في دجلة. وجاءت الدراهم التي وعد بها الراضي ففرقها ورحل نحو بغداد لا يلوي على شيء، حتى دخل بغداد لثمان خلون من شهر ربيع الآخر ولقي الناس شدة في الطريق، وغرق خلق من أصحاب بجكم من باب يعرف بباب الهاشمي. وكان الناس يقولون: نالتهم عقوبة بطلبهم أهل المصل. وكان دخول الخليفة في الماء يوم السبت، حتى انتهى إلى داره ونزل بجكم دار مؤنس. وورد من الحسن بن عبد الله مال من مال المفارقة، حمل إلى خزانة بجكم.
وكان فيما خاطبني به الراضي في حجته من خروجه أن قال نظرت فإذا الدنيا لا تفي برزق جند بجكم ومؤونتي، وأن هذه المستخلصة التي في يدي أحتاج أن ألمم منها مال أصحابه، فقلت نصير إلى الموصل وهي الناحية العامرة، وأكثرها ضياع آل حمدان فأقبضها كلها وأنفرد بأولئك وأجعلها لبجكم وأصحابه وهي كفاية وفاضلة عنهم ويخلص لي مال ضياعي فأوسع على الناس منه وأعطي من حرمت، وأجعل في بيت المال شيئاً يرجع الناس إليه.
فقلت له إن هذه الناحية إنما عمرت بعناية ابن حمدان بها، ونزولهم فيها، ولو قد صارت إلى غيرهم لعادت خراباً كما عادت فارس بعد عمرو ابن الليث، وأصبهان ونواحيها بعد أبي دلف. ولما قدم الراضي بغداد
стр. 132
أمر فنودي في جانبيها ببراءة الذمة من جندي تعدى على عامي، وكذلك إن تعدى عامي على جندي فسكن الناس، وورد كتاب الحسن بن عبد الله على بجكم يخبره بأن ابن طياب كاتبه أخذ من الأموال بالموصل نحو ألف ألف دينار سراً وجهراً، فقبض بجكم على كاتبه علي بن خلف وعلى أخيه واستكتب أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد.
وكانت لبجكم دعوة عظيمة دعي فيها القواد، وأوقد فيها نيراناً عظيمة في يوم السبت لأيام بقين من شهر ربيع الآخر، وذلك في الصحراء التي أسفل النجمي على دكة كان بناها هناك وميدان أصلحه، قطع فيه نخل الناس وأخذ أملاكهم وذلك في وقت كان الفرس يصنعون فيه مثل هذا لدخول بهمن ماه وذهاب الشتاء.
وخلع على ذكي الحاجب وعلى ابن ورقاء وعلى ابن جعفر الخياط وابن خاقان، ووصلهم وفعل بأصحابه مثل ذلك، وأنفق فيها مالاً عظيماً وتكلم بجكم في أمر محمد بن القاسم الكرخي فظهر.
وقطع أبو جعفر بن شيرزاد أمر بني طياب على ألف ألف درهم. وقبض بجكم على لؤلؤ وكاتبه ابن سمعون وابن أعجى خليفته، كان على الشرطة، وقال له أتدخل بغداد بأعلام عليها لؤلؤ الرايقي؟ واتخذ بجكم دار ابن رايق ميداناً يقصده في كل جمعة وثلاثاء. وسفروا في الصلح مع بني البريدي على أن ابن شيرزاد يسفر فيه فقدم كاتبه طازاذ إلى واسط.
وضبط بشرى الأثرم ضبطاً حسناً، وماتت أم موسى
стр. 133
الهاشمية في شهر ربيع الأول ومات جماعة من المحدثين منهم الأدمي المقرئ بحرف حمزة في جامع المدينة وكان زاهداً. ومنهم علي بن العباس الهروي.
ثم كثر عبث العامة وكبسوا الحمامات، وأخذوا ثياب الناس وكذلك صنعوا جنازة وغلت الأسعار.
وولي أبو الحسين بن ميمون أزمة الدواوين، وأطلق البازعجي في غرة جمادى الأولى. ففورق عن مال يؤديه عن لؤلؤ.
ومات أبو محمد يزداد بن محمد بن يزداد الكاتب - وكان قد حدث عن أبي سعيد الأشج والزبير بن بكار - يوم النصف من جمادى الأولى.
وقبض الراضي على عبد الصمد بن المكتفي، وحمله إلى داره واتهمه بمكاتبة ابن رايق في البيعة له وقت ظهوره ببغداد.
واتصل النداء برضاء السلطان عن البريديين، ووردت الكتب بموت الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر يوم الأحد، لثمان ليل خلون من جمادى الأولى، وأنه دفن في دار له بالرملة، وخرج القاضي والترجمان إلى بني البريدي في جمادى الآخرة، ووقع بين يدي الراضي أملاك لأبي الحسن بن عبد الله بابنة لبجكم صغيرة، وأنفذ بجكم بعقب هذا هدية عظيمة الخطر فيها خمسون ثوباً من فاخر الفرش والديباج، ومثلها من الخز عشرة مراكب على عشرة أفراس. وجاءت من الحسن هدية إلى بجكم تزيد على هذا، وعجل بجكم على رجل كان في داره من وجوه قواده فقتله ليلاً، ثم أصبح نادماً مغموماً وخبثت قلوب
стр. 134
أصحابه لذلك، وورد الخبر بأن البريديين دخلوا الأهواز بحرب الديلم وهزيمة لهم.
وعاد القاضي والترجمان إلى بغداد، ونفذ راغب خادم الراضي بالخلع على أبي عبد الله البريدي للوزارة يوم الثلاثاء، لسبع خلون من رجب على أن يخلفه ببغداد أبو بكر النفري، وكان الكتاب نفذ إلى ابن أبي الفتح الوزير بأن يدبر ما كان يدبره أبوه بعد اسم الوزارة.
وورد الخبر بأن ابن رايق رجع إلى الرقة فقبض على خزائن لابن حنزابة فوصل إليه منها ما قيمته خمسمائة ألف دينار. وخلع على الترجمان، لعشر بقين من رجب لولاية الجبل، وخرج إلى مضربه بصحراء ثلاثة أبواب وعقد له لواء.
وسمعت راغباً الخادم يقول إن أبا عبد الله البريدي امتنع من الوزارة وقال: لو سست بعض دواب الخليفة لشرفت بذلك، فكيف بكتبته! ولكني بعيد عنه، ولا يحسن لي أثر عنده، لغلبة من قد غلب على الأمر، وأخاف أن ينسبني إلى عجز وتقصير. فإن أمنت هذا منه فأنا عبده يفعل بي ما شاء. فرجع إلى الراضي فأخبره بهذا من قوله. فرده إليه بأن يعذره. فلبس الخلع وركب فيها، ووصل راغباً من معه بمال عظيم. وقدم راغب فحدث الراضي بما جرى، وهو يدور في داره ونحن معه، فأقبل الراضي علينا كالآنف من طرحه الوزارة على من يشترط فيها! فقال لنا - وتكلم بأحسن كلام وأصوبه في معناه -: إن الوزارة قطعة من الخلافة، وروهنها ووهن الخلافة، وكنت
стр. 135
استكتبت الفضل بن جعفر، وكان كاتباً من بيت كتبة، وكان نائباً عني فحسن أثره عندي في جميع ما فعله، لم تنله مهنة من أصحاب بجكم تضع من الوزارة ومنه. فلما توفي نظرت إلى من بالحضرة فإذا هم من قد عرفت، وإن علقت هذا الاسم بواحد منهم لما مضى عليه أسبوع حتى يسأل مالاً يقدر عليه، ويمتهن كل الامتهان. فنظرت إلى أرفع من أعلمه في الزمان ممن يسلم من هذا ويبعد عنه، فلم أجد غير ابن البريدي، فاستكتبته لهذه العلة، وليبقى اسم الوزارة على حال صيانة ورفعة فدعونا له وقلنا: والله يا سيدنا ما سمعنها كلاماً أوضح بياناً، ولا أفلج حجة! وتتابعت هدايا الناس إلى الوزير ابن البريدي. ونالت بجكم على صعبة، ووافت الأخبار بأن الديلمي وافي واسط، فنزل الجانب الشرقي، وأن البريديين عبروا إلى الجانب الغربي. وكتب يستنجد بجكم، فخرج الراضي وبجكم على علته نحو واسط يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان ولم يخرج بجكم معه أحداً من الديالمة، خوفاً من أن يستأمنوا. ورجع الترجمان إلى بغداد، وأقام الراضي بالزعفرانية، ولحق به بجكم وهو عليل. وتعرض الحنبلية لمن قصد الحي للنصف من شعبان، فنودي فيهم: أنهم متى عرضوا لهم عوقبوا أشد معاقبة، فكفوا. وكان ابن إسماعيل بن أحمد قد ولي شرطة بغداد قبل هذا الوقت بشهر وأيام، فركب ووقع بين الحنبلية والضرابين والنخاسين قتال فأعان على الحنبلية. ورجع السلطان إلى بغداد لليلتين بقيتا من شعبان، لم اتصل به أن الديلمي قد رجع إلى
стр. 136
الأهواز. ورجع بجكم وابن شيرزاد إلى بغداد يوم السبت لثمان ليال خلون من شهر رمضان. ومات البخاري خليفة البربهاري في شهر رمضان. وكبست منازل ولد أبي العباس بن الفرات، لسعاية غلام لهم بأن عندهم خزانة لابن رايق، وكذب، كانت خزائن لهم، فأخذ جميع ما ملكوه. وكبس ابن الصالحي وأخوه، لنهما اتهما بالسعاية في كتبة بجكم، فصودرا على مائة ألف درهم. وضرب بجكم دنانير وحشة، وحمل عليها حملاً كثيراً. وطلب ابن إسماعيل بن أحمد، صاحب شرطة بغداد البربهاري فاستتر. وقطع الأكراد على قافلة جاءت من خراسان في النصف من شوال، فأخذوا منها مالاً عظيماً وورد ابن حاتم والحاج من خراسان، فمنعهم بجكم من الحج خوفاً عليهم من القرامطة وكثر التخليط في أمر النقد ودار الضرب. وكان الدلاء صاحب البربهاري قد فر من الحبس في دار بجكم، فوجد وآل أمره إلى أن قتل. ومات أبو الوليد بن حمدان في ذي القعدة. ثم احتال الحاج في أن خرجوا فجاءهم ابن سنين، فوافقهم على أن يخفره وأخذ من جمل المتاع خمسة دنانير، ومن كل محمل ثلاثة دنانير، ومن كل زاملة دينارً. وقبض بجكم على سلامة أخي نجاح في غرة ذي الحجة وقطع أمره على خمسين ألف دينار، أخذ منها بستانه بالبردان. وبنى مسجد براثا. وأفتى بعض الفقهاء بنبش القبور وتحويلها - التي كان البربهاري وأصحابه أخذوا الناس بالدفن فيه - وأنفق عليه مال وصلى الناس فيه. وروى في جعفر الدقاق عن أبي خليفة حديثاً ما خلق
стр. 137
الله له أصلاً. وكان من أخبار الجلساء بعد رجوع الراضي من الموصل أنه أعاد النوبة كما كانت يومين يومين، أربعة وأربعة، وكان بنو المنجم لا يصلون، وكان أحمد بن يحيى المنجم يحضر كل يوم في نوبته فلا يصل، وفي نوبتنا فيصرف، وربما استحيا الراضي منه، فجلس معنا في نوبتنا ثم امتدح الراضي بشعر وقال: أنا أريد أن أخدم سيدنا كل يوم، إلا يم الثلاثاء والجمعة بلا نوبة، وقام فسأل هذا وقبل الأرض فكان يجيء في كل. فطالبنا الراضي بأن نفعل مثل فعله، فعرفناه أن هذا ما كان مثله قط، وأن الأجسام لا تثبت عليه. وخوفنا أحمد
بن يحيى منه. وقلنا له لا ترسم رسماً يعود ضرره على جماعتنا، فلم يقبل خوفاً من أن لا يصل متى تغير هذا، وكننا نحضر فنجلس إلى السحر ثم ننصرف فلا يجلس حتى يعود، ويطالب بالأكل والشرب، فما كنا نجلس في مجلس لكثرة عللنا، وكان ذلك سبب فساد مزاج الراضي ونفس الله عنا بشهر رمضان في سنة سبع، فلما جاء شوال عدنا إلى ما كنا فيه، فاعتللت أنا أياماً كثيرة، ولم يبق منا أحد إلا اعتل، واعتل أحمد بن يحيى على طالت، ووقع البلاء به كما جناه، فتوفي ﵀ في ذي القعدة. وأمر الراضي بأن يتصدق بألف دينار من الصراة إلى نهر عيسى لعوز الماء من أجل البثق. فقلت أو يفعل سيدنا ما هو خير من هذا؟ قال: وما هو؟ قلت: نعم إن جرى على يد واحد من الناس. قال ومن هو؟ قالت أخشى لومه، قال: قل. قلت: راغب الخادم، هو والله أوثق الناس. ويغمه بعده عن الخدمة. فيروج العمل والعمال يرتزقون فيحبون أن يطول الأمر ليأخذوا أرزاقهم، وهذا لا يزيد رزقاً. فدعاه وأمره أن يضم إلى الألف الدينار ألفي دينار ويخرج، فأطل يده على جميع الناس، فعرف راغب أن هذا من جهتي، فقال لي أنت عرضتني لهذا؟ قلت نعم. رأيت الأستاذ يغزو ويحج على غرر، وهذا أفضل من الغزو والحج والجهاد بعد الفرض، فرضي عني وكان قد غضب. وخرج ففرغ من البثق بعد نيف وخمسين يوماً، وركب الراضي ونحن معه نتنزه بكرخايا، فأعد له القاضي بالصالحية ضيعته، فاكهة كثيرة، وطعاماً واسعاً، على أنه يتغدى فيها، فلم يمض إليها، وعاد إلى بستان ابن قرابة فتغدى فيه وانصرف من يومه ومعه بجكم، وعمل الجسر الفوقاني بمال أوصى به أبو الوليد من ثلثه، وأوصى بأن يعمل به الجسر. يحيى منه. وقلنا له لا ترسم رسماً يعود ضرره على جماعتنا، فلم يقبل خوفاً من أن لا يصل متى تغير هذا، وكننا نحضر فنجلس إلى السحر ثم ننصرف فلا يجلس حتى يعود، ويطالب بالأكل والشرب، فما كنا نجلس في مجلس لكثرة عللنا، وكان ذلك سبب فساد مزاج الراضي ونفس الله عنا بشهر رمضان في سنة سبع، فلما جاء شوال عدنا إلى ما كنا فيه، فاعتللت أنا أياماً كثيرة، ولم يبق منا أحد إلا اعتل، واعتل أحمد بن يحيى على طالت، ووقع البلاء به كما جناه، فتوفي ﵀ في ذي القعدة. وأمر الراضي بأن يتصدق بألف دينار من الصراة إلى نهر عيسى لعوز الماء من أجل البثق. فقلت أو يفعل سيدنا ما هو خير من هذا؟ قال: وما هو؟ قلت: نعم إن جرى على يد واحد من الناس. قال ومن هو؟ قالت أخشى لومه، قال: قل. قلت: راغب الخادم، هو
стр. 138
والله أوثق الناس. ويغمه بعده عن الخدمة. فيروج العمل والعمال يرتزقون فيحبون أن يطول الأمر ليأخذوا أرزاقهم، وهذا لا يزيد رزقاً. فدعاه وأمره أن يضم إلى الألف الدينار ألفي دينار ويخرج، فأطل يده على جميع الناس، فعرف راغب أن هذا من جهتي، فقال لي أنت عرضتني لهذا؟ قلت نعم. رأيت الأستاذ يغزو ويحج على غرر، وهذا أفضل من الغزو والحج والجهاد بعد الفرض، فرضي عني وكان قد غضب. وخرج ففرغ من البثق بعد نيف وخمسين يوماً، وركب الراضي ونحن معه نتنزه بكرخايا، فأعد له القاضي بالصالحية ضيعته، فاكهة كثيرة، وطعاماً واسعاً، على أنه يتغدى فيها، فلم يمض إليها، وعاد إلى بستان ابن قرابة فتغدى فيه وانصرف من يومه ومعه بجكم، وعمل الجسر الفوقاني بمال أوصى به أبو الوليد من ثلثه، وأوصى بأن يعمل به الجسر.
سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
أنكر بجكم على الترجمان دخوله بلا أمر ورجوع الديلم، فأظهر كتاباً عن تكنيك يخبره بأن الأمير أمره بذلك، فكان ذلك مما أنكره الأمير على تكينك وما زال الترجمان ملازماً بيته إلى أن رضي عنه بجكم ووافت الأخبار بمصالحة ابن طغج لابن رايق ووردت الخريطة بتمام الحج، إلا أن الحسنى قطع على قوم منهم، وقد فصلوا من المدينة راجعين. وصلى بالناس عمر بن الحسن بن عبد العزيز. وكان صيغون
стр. 139
قد طرده ابن رايق ولم يرده، فصار إلى الحسن بن عبد الله، فلم يرض حاله عنده، فصار إلى بغداد يريد بجكم فخرج بجكم إلى النجاحي حتى تلقاه وأقدمه معه، وكانت ابنت الوزير ابن البريدي مسماة بابن أبي جعفر الكرخي، فزوجها من بجكم بحضرة الراضي، والخاطب القاضي، وابن شيرزاد الولي، وذلك في صفر. وكان ابن شنبوذ محبوساً فمات فوجه به إلى منزله وقد كانوا حذروه في وقت ثم ردوه. وقتل العيار المعروف بالمسلماني وصلب، أخذه رجل يعرف بأبي الحسين التودي فأمسكه وتكاثر العامة عليه. وولي الترجمان الشرطة، فاستخلف أبا بكر النقيب وقبض بجكم على ابن إسماعيل بن أحمد في شهر ربيع الأول. لأنه واطأ جماعة على الفتك ببجكم بعد أن كان دعاه قبل ذلك إلى منزله حيال قصر عيسى، وجميع قواده، وأنفق مالاً عظيماً على الطعام والشراب والحملان للقواد والهدايا حملت مع بجكم وأفراس قيدت معه. ومات أبو عبد الله بن العلاء الجوزجاني المحدث لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكان مسنداً يروى عن أبي الأشعث ويوسف القطان وزيد بن أخزم الطائي. وصرف الحسن بن هارون عن الكوفة بأبي بكر البرجمالي. وحول بجكم الحبس السفلاني إلى دار دينار ليعقد هناك جسراً، وبنى دكتين ولم يتم ذلك. وأخرج الراضي ابنيه إلى داره بالرصافة ليركبا إليه، وبنى لهما طيارين كبيرين. واشتد أمر اللصوص وكبسهم الدور ليلاً، بالعدة والعدد، وظفر بجماعة منهم فقتلوا وصلبوا. وصرف لؤلؤ عن طريق الكوفة، وولي مكانه عدل
стр. 140
حاجب بجكم. وكان ابن شيرزاد قد خرج إلى واسط في استحثاث المال فقدم لثمان ليال بقين من ربيع الأول ومعه السكري صاحب أبي الحسين البريدي بمال وهدايا. واتصلت الأمطار وزادت دجلة زيادة عظيمة لم يعهد مثلها. وأوقد بجكم بالزبيدية ناراً عظيمة ليلة وبعض يوم، وشرب ودعا القواد. وتحدث الناس بأن السكري صار إلى دار البريديين التي خربت بسوق يحيى، فحفر موضعاً منها فاستخرج خمسة قماقم فيها دنانير فحدرها معه. وكتب أبو القاسم بن أبي حامد رقعة إلى بجكم تضمن فيها الخليفة وابن سنكلا وجماعة بخمسة آلاف ألف دينار بخطه، فأمر الراضي بضرب عنقه، فشهد له القاضي بفساد العقل، فضرب درراً، وطيف به على جانب بغداد. وأدخل يالبا لعشر بقين من جمادى الأولى على فانج بنقنق لأنه اتهم بمشايعة ابن إسماعيل على الفتك ببجكم، وكان سبب أخذه أنه موجه إليك بمدد فوجه بعدل فقبض عليه. وكبس الصقر بن محمد الكاتب وطولب بوديعة لبعض القرامطة، فحلف على بطلان ذلك، فسعى رجل بمال له مدفون في داره فأخذ، وكان عشرة آلاف دينار ذخراً له ولولده، فجرى عليه ظلم رثى له منه عدوه وصديقه. وأحضر بجكم يالبا فوبخه وقتله. وتوفي أبو سعيد الاصطخري الفقيه يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، ودفن بمقابل الدنر، كان رأساً في حفظ مذهب الشافعي وحدث وكان ثقة.
стр. 141
وتوفي بعد يومين أبو الفرج بن جعفر بن حفص الكاتب عن سبعين سنة وكان من أهل بيت كتبة. وأخرج بجكم الترجمان إلى الجبل ومعه جيش عظيم لأربع خلون من رجب. واتصلت مصادرة الناس فصودر ورثة أبي جعفر بن حفص على ثلاثة آلاف دينار.
ومات أبو الحسين بن المغيرة الجوهري لتسع بقين من رجب، وقد حدث وكان ثقة. وأدخل جعفر بن ورقاء مائة نفس ونيفاً من القرامطة من بني سعد من طريق خراسان، فطيف بهم على جمال وحبسوا، وقدم رسول القرمطي مع عمر بن يحيى العلوي يطالب بمال عظيم كان أعطاه مثله البريدي في العام الماضي حتى يحج بالناس، وأن يده لا تنال في هذا العام.
ووجه بجكم إلى أبي الحسن الكرخي وأبي عمرو الطبري فحضرا عنده في ليلة جمعة فسألهما مسألة في النبيذ وغير ذلك.
وتوفي القاضي عمر بن محمد ليلة الخمسي لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان وكانت سنة تسعاً وثلاثين سنة، وبلغ في العلوم مبلغاً عظيماً مع هذا السن، وكنت أنا كالمربي له، ولا أشك أنه قرأ علي من كتب اللغة والأخبار، وكتبي المصنفة ما يقارب عشرة آلاف ورقة، وكانت له أشعار ملاح وجوابات مني قد أفردت لذلك كتاباً فيه هذه الأشعار وفيه رسالة عملتها في وصفه ووصف أبيه، ومات تخلف عن جنازته أحد من الأجلاء، ووجد الراضي عليه وجداً شديداً، حتى كان يبكي عليه بحضرتنا ويصفه ويقول: كنت أضيق بالشيء ذرعاً حتى أراه فيوسعه
стр. 142
لي برأي يسير يشير به. وكنا ليلة بين يديه وستارته تغني فأمرهن بأن يضربن بالعيدان ففعلن وجعل يبكي حتى خفنا عليه، وجعلنا نعزيه ونقول ما يجب أن يقال مثله. فقال والله لا بقيت بعده، وصلى عليه ابنه أبو نصر في داره وغسله أبو بكر بن عبد العزيز الهاشمي.
وولي الراضي ابنيه أبا نصر وأبا محمد وخلع عليهما فمرا في الشارع فجعل إلى أبي نصر قضاء بغداد إلى المداين، وولي أبا محمد القضاء من المداين إلى البصرة وصار أبو نصر إلى مسجد الجانب الشرقي في يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان فقرأ عهده، وحكم بين نفسين وانصرف وكان فيما كل به الراضي حين ولاه: قد استوفى سيدنا الأنعام وكمله وشي بآخره أوله، فثبت الله وطأته وأدام دولته. وأريد من أبي نصر مال لبجكم فغرم وباع، ووقف على العدول والأمناء حتى أدى.
وكان النوروز يقع ليومين من شهر رمضان فقدم الخاصة إشعال النار قبل دخول رمضان، وأشعل العامة وصبوا الماء. وعزل غانم بن رحمة عن الشرقية للنصف من شهر رمضان، وصودر على مال. وقلد رجل يعرف بفضل فاضطرب الناس وعجبوا لذلك فعزل وولي رجل يعرق بالقابوس. وحمل مع رسول القرمطي مال ليحج الناس.
واتصل ببجكم رجوع الديلم وأن الترجمان لما بلغه ذلك أقبل يريد حلوان فخرج مبادراً لإحدى عشرة بقيت من شهر رمضان، حتى لحق بالترجمان وقيل له أن بينه وبين الديالمة عقبة إن أخذوا مواضع منها لم يصل إليهم وإنه يحتاج أن يأخذ في طريق بعيد حتى تتم له
стр. 143
الحيلة فوافى بغداد على الجمازات لخمس خلون من شعبان، لنه اتصل به أن الراضي علي، وكان اعتل في هذا الوقت حتى طرح من فيه في يومين وليلتين من الدم أربعة عشر رطلاً، وشاهدنا بعض ذلك، وركب يوم الفطر إلى المصلى تكينك وأبو بكر النقيب، وانقطع الدم عن الراضي وصلح قليلاً. وأخرج ابن مقلة ليلة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال ميتاً من دار السلطان فدفن عند باب الفيل فسأل أهله فيه فنبش ليلة الجمعة للنصف من شوال وسلم إلى أهله فدفنوه في مقابرهم.
وكان الراضي يقول لنا بالموصل أيام ظهور ابن رايق ببغداد: لو كان ذلك الفاعل حياً الساعة لأجلس خليفة، ولأخذ أموال التجار، فالحمد لله الذي حدث هذا وليس هو في الدنيا - يردد هذا مرات لئلا نعلم أنه حي في يده، وكذا كان يقول في أمر القاهر، وحدثنا كيف عذب وكيف مات - حتى وجد حياً بعد وفاته، وكثرت الرفايغ إلى بجكم من ظلم أصحابه للناس، فجلس للمظالم يوم الخميس لتسع بقين من شوال وبين يديه ابن شيرزاد فحمد في جميع ما أمر به ونهى عنه. وورد الخبر بهزيمة ابن طغج لابن رايق حتى صار إلى دمشق. ومات أبو عبد الله المطيعي يوم الأربعاء لأربع بقين من شوال، ومولده سنة ثلاث وثلاثين، وكان مسنداً ثقة. ومات أبو العباس الخصيبي لليلة بقيت من شوال فجأة بلا علة. وجلس بجكم للمظالم لليلتين بقيتا من شوال، ونظر في ثلاثين رقعة، فجرى أمره فيها على سداد. ورجع رسول القرمطي بهدايا لبجكم، فيها فرسان لم ير مثلهما، ووفاه بجكم ما
стр. 144
في ماله، وأهدى له هدايا. وخرج الحاج فلحقهم عطش، ثم أغاثهم الله بمطر عاشوا به. واستبطأ السلطان ابن البريدي في حمل المال وعزم بجكم على الانحدار، فقالوا كيف تقاتل من له اسم الوزارة! واستحضر سليمان بن الحسن للوزارة، وخلع عليه يوم السبت لثمان بقين من ذي القعدة، ومر في الشارع وهنأه الناس. وخرج بجكم يريد واسط، فوجه بأربعة فيهم رفيق يالبا فطرحوا للسباع في البركة التي بناها بالنجمي وقبض على ابن عبدوس بسبب غلام له يقال له بديع، كان في جملة البريدي، وعلى أبي الحسن بن سهل لمصاهرته لهم. وكاتب ابن شيرزاد البريدي بالخروج عن واسط، وأشار عليه ألا يحارب ففعل، ودخلها بجكم فخلع على ابن شيرزاد خلعة حسنة، وقلده سيفين وسر أهل وناسط ببجكم، وحدر حرمه غليه. ومات أبو بكر بن الأنباري يوم الأضحى ودفن في داره. ودخل الترجمان ولؤلؤ غلام التهشم من طريق الجبل، إلى بغداد يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة. وظهر أبو عبد الله الكوفي. وانحدر إلى واسط لسبع ليال. بقين من ذي الحجة وافى واسط من المستأمنة من عسكر البريدي اغبن صفراء فقلد يسكن وقطربل، ووافى حجرية، فأنفذوا إلى بغداد وقتل بجكم ابن الشابشتي الكاتب، وجد معه كتاب إلى أبي طاهر القاضي فانحدر أبو طاهر، وحلف أنه لا يعرف للكتاب سبباً وتكلم فيه فنجا، وهو أهل ذلك لعلمه وفضله.
واستوحش أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي من القاضي أبي
стр. 145
نصر، وأشهد على نفسه ثلاثين عدلاً أنه لا يشهد عنده أبداً، وكان انحرافه عنه أنه اتهمه بميل إلى أخيه أبي محمد، وأنه يسعى له في ولاية بغداد. وأخذ ابن أبي موسى خطوط العدول بتقريظه وتعديله، ولعهدي بأبي عبد الله بن أبي موسى وهو مجتهد ليله ونهاره، في أمر أبي نصر حتى تم له ما أراد. ما أعرته شهادة بذلك، ولكني عرفته مشاهدة ثم إن أبا نصر أحضر العدول فأخذ خطوطهم بأن ابن أبي موسى غير موضع للشهادة وأسقطه.
وقبض على محمد بن القاسم بن سيما، بسبب أن ابن أخته مع البريديين فتكلم فيه وقيل: والله ما ابن أخته بقائد ولا محارب ولا كاتب، وإنما هو كالمضحك ومثل هذا لا يؤخذ أحد به، فخلى. واندر أبو محمد بن عمر بن محمد إلى واسط.
واستحضر بجكم يحيى بن سعيد السوسي فأنفذه إلى السلطان يسأله إسعافه بمائتي ألف دينار فوصل ومعه جماعة من الكتاب فأمرهم الراضي أن يعملوا له عملاً من ضياعه المستخلصة بواسط ونواحيها بهذا المقدار ليأخذ ما فيها من غلة، فكان الأمر قريباً فأطلق الراضي ذلك له.
سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
دخل أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد بغداد يوم الأحد لست خلون من المحرم مقبلاً من واسط واستكتب أبا عبد الله الكوفي
следующие страницы →