← Адаб

Адаб · id 8190

إعتاب الكتاب

ابن الأبار

Полный текст (220 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وكنت أُعدّك للنائبات ... فهأنا أطلب منك الأمانا قال: فأوصلت الرقعة، فقرأها وفكر ساعة ثم وقع في آخرها: ارجع مذموماً، لا حاجة بنا إلى أُخوّتك ولا صداقتك ولا الاستعانة بك: إذا ما بدأت امرأً جاهلاً ... ببرٍّ فقصّر عن حمله ولم تلفه قائلاً بالجميل ... ولا عارف العزّ من ذلّه فسمه الهوان فإنّ الهوان ... دواء لذي الجهل من جهله كذا في رسائل ناح الأصبهاني وحسبك ما أخلدت إليه ضعةً ونقصاً، وفي كفاية الله غنى عنك! قال: فلما قرأ إبراهيم التوقيع جعل يتحرق على دابته ساعة وقال لي: إن انقطاعي اليوم إلى الله ثم إليك! فقلت: قل ما شئت! قال: توصل لي رقعةً أُخرى؟ قلت: قد رأيت التوقيع! قال: أكتب الرقعة وتكون في يدك فإنه سيسأل ما فعل إبراهيم؛ فقلت: أُكتب؛ فثنى رجله على سرجه وكتب: من شكرك على درجة رفعتها، أو نعمة أوليتها، أو زيادة مننت بها، فإني أشكرك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق

стр. 107

قمت به، وحلت بين التلف وبينه، فلا تسقطني عندك هنة إن كانت، فإني والله واحدك بالأسباب التي تجتمع فيك ولك، ولا تجتمع لك في غيري من أخ ولا صاحب، وكنت أعدك الوفاء، فقد والله فعلت، وكنت تعدني ألا أُضام في دولتك وأيامك، فلا تخذلني في حال إن أخليتني فيها من نصرتك لم يلحقني مقدار في نفسي ومودتي إلا لحقك مثله والسلام! وقال في آخره: أبا جعفرٍ عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلاً من مدى غلوائكا فإن كنت قد أُوتيت في اليوم رفعةً ... فإنّ رجائي في غدٍ كرجائكا فلما قرأ الرقعة أذن له في الدخول، وقرب مجلسه، ونادمه يومه، وصرفه محبواً مكرماً. وقال الصولي: لم يزل محمد بن عبد الملك بالواثق إلى أن وجه أحمد بن سيف للنظر في عمل إبراهيم، فكتب إبراهيم إلى الواثق: أتقبل علي قول رجل كافر قال كذا ... وذكر شعراً يخاطب ملك الموت به عند موت غلامه،

стр. 108

فوجه الواثق من يحقق له الخبر، وعلم سعي محمد بن عبد الملك بإبراهيم، فحسن مذهبه فيه. وسعى أحمد بن المدبر إلى المتوكل بإبراهيم بن العباس، وكان بينهما تباعد، فقال للمتوكل: قلدت إبراهيم ديوان الضياع وهو متخلف آية من الآيات ما يحسن قليلاً ولا كثيراً؛ وطعن عليه طعناً قبيحاً، فقال له المتوكل: في غد أجمع بينكما، واتصل الخبر بإبراهيم فأيقن بحلول البلاء، وعلم أنه لا يفي بأحمد بن المدبر في صناعته، وغدا إلى دار السلطان آيساً من نفسه ونعمته، وحضر أحمد فقال المتوكل: قد حضر إبراهيم وحضرت، ومن أجلكما قعدت، فهات واذكر ما كنت فيه أمس! فقال أحمد: أي شيء أذكر عنه، وما أقول فيه! أول ما أذكر ما لا يذهب على أحد، أنه لا يعرف أسماء عماله في النواحي، ولا يعلم ما يثبت في ديوانه من تقديراتهم وحزورهم وكفولهم، ولا يحفظ أسماء النواحي التي يتقلدها.. ومر في أبواب بعدها فاحشة سمجة منكرة، فالتفت المتوكل إلى إبراهيم فقال: ما سكوتك؟ تكلم! فقال يا أمير المؤمنين: جوابي في بيتين، إن أذن أمير المؤمنين أن أذكرهما فعلت! قال: اذكرهما، فأنشأ يقول:

стр. 109

ردّ قولي وصدّق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذّالا أتراه يكون شهر صدودٍ ... وعلى وجهه رأيت الهلالا فقال المتوكل: زه زه أحسنت والله أحسنت! إئتوني بمن يعمل في هذا لحناً وهاتوا ما نأكل، وأتوني بالندماء والمغنين، ودعونا من فضول ابن المدبر، واخلعوا على إبراهيم بن العباس! فخلع عليه، وانصرف إلى منزله. قال الحسن ابن مخلد وكان يخلف إبراهيم على ديوان الضياع: فمكث يومه مفكراً مغموماً ساهياً، فقلت: يا سيدي هذا يوم سرور وجذل بما جدده الله لك وعندك من نعمه، وخصك من كفايته، فما هذا الغم؟ فقال: يا بني، الحق أولى بمثلي وأشبه، إني لم أدفع أحمد بن المدبر بحجة، ولا كذب في شيء مما ذكرني به، ولا أنا ممن يعشره في الخراج، كما أنه لا يعشرني في البلاغة، وإنما فلجت بمخرقة وهزل، أفلا أبكي فضلاً عن أن أغتم من زمان يدفع فيه ذلك الحق كله بما دفعته من الباطل، وسيكون لهذا وشبهه نبأ بعد! وجلت حال إبراهيم عند المتوكل، واختص بكتابته، وله عنه الرسالة الغريبة في تأخير النيروز، ولما قرأها عليه أعجب بها كل من حضر، فكان

стр. 110

الفتح بن خاقان يقول للمتوكل: إبراهيم فضيلة خبأها الله لك! وكان إبراهيم إذا دخل على المتوكل أمر ألا يهزأ أحد بين يديه حتى يقوم. محمد بن الفضل الجرجرائي كتب للفضل بن مروان، ثم وزر للمتوكل بعد ابن الزيات، وكان يسمع الفضل يقول: نجاح بن سلمة أشد الناس إقداماً على إهلاك الأموال! فلما ولي خافه نجاح، فاعتذر إليه يوماً من شيء بلغه فقال له الجرجرائي: إن من الإخوان من ودّه ... آلٌ على ديمومةٍ يلمع يخاله الظمآن ماءً ولا ... ماء به من ظمإٍ ينقع

стр. 111

وأنت منهم غير شك فلا ... ترجع عن غيٍّ ولا تقلع ولم يزل نجاح يطالبه حتى عزل، وأسلم إليه ليحاسبه، فكتب إلى صديق له: أنا مع أمير المؤمنين وتسليمه إياي لنجاح كما قال أبو تمام: رأيتك من محبّك ذا بعاد ... وممن لا يحبك ذا دنوّ ومع نجاح كما قال في البيت الآخر: وحسبك حسرةً لك من صديقٍ ... يكون زمامه بيدي عدوّ وكتب إلى المتوكل: يا ملكاً أملك بي منّي ... اصفح فدتك النفس لي عنّي والله ما خنتك في حالةٍ ... عالم ما أُبدي وما أُكني ففيم سلّمت إلى حاسدٍ ... منيته راحته منّي فأمر المتوكل أن يصالح فيما كان يطالب به، تخفيفاً عنه، وكان صالح الرأي فيه. ويذكر أنه قال له قبل عزله: بلغني أنك تتشاغل بالغناء عن الأمور! فقال: ما أُنكر يا أمير المؤمنين أني أستعين بهزل على جد، وبراحة على تعب، وأما الإضاعة فلو لم أقض حقك وحق الله لقضيت حق نفسي فيما يلزمني من ذلك!

стр. 112

ثم كتب إليه أسماء جواريه العوامل، وعرضها عليه، فأبى أن يقبلهن، ووصله بعشرة آلاف دينار، ثم صرفه في تلك السنة. وقال أبو محمد بن السيد البطليوسي في شرح قول ابن قتيبة: وأي موقف أخزى لصاحبه من موقف رجل من الكتاب قال ابن القوطية: هذا الرجل هو محمد بن الفضل وهذا غلط لأن محمد بن الفضل إنما وزر للمتوكل، وكان شاعراً كاتباً حلو الشمائل، عالماً بالغناء. وولي الوزارة أيضاً في أيام المستعين. عمرو بن بحر الجاحظ كان مائلاً إلى ابن الزيات، منحطاً في هواه، فلما نكبه المتوكل أُدخل الجاحظ على أحمد بن أبي دواد مقيداً، فقال له: والله ما أعلمك إلا متناسياً

стр. 113

للنعمة كفوراً للصنيعة، معدداً للمساوئ، وما فتني باستصلاحي لك، ولكن الأيام لا تصلح منك لفساد طويتك، ورداءة جبلتك، وسوء اختيارك، وتكالب طباعك! فقال الجاحظ: خفض عليك أصلحك الله، فوالله لأن يكون لك الأمر علي خير من أن يكون لي عليك، ولأن أُسيء وتحسن أُحسن في الأُحدوثة من أن أُحسن فتسيء، ولأن تعفو عني في حال قدرتك علي، أجمل بك من الانتقام مني!.. فعفا عنه. وأرق من هذا الاستعطاف على أن بلاغة الجاحظ في رسائله وخطبه لا يتعاطاها الفحول ذوو الإدراك ما كتب به بعض الكتاب إلى أبي غالب، ابن أخي إبراهيم بن المدبر وهو: وجدت استصغارك لعظيم ذنبي أعظم لقدر تجاوزك عني، ولعمري ما جل ذنب يقاس إلى فضلك، ولا عظم جرم يقاس إلى صفحك، ويعول فيه على كرم عفوك، ولئن كان قد وسعه حلمك فأصبح جليله عندك محتقراً وعظيمه لديك مستصغراً، إنه عندي لفي أقبح صور الذنوب، وأعلى رتب العيوب؛ غير أنه لولا بوادر الجهلاء لم يعرف فضل الحلماء، ولولا ظهور نقص الأتباع لم يبن كمال الرؤساء، ولولا إلمام الملمين بالذنب لبطل تطول المتطولين بالصفح، وإني لأرجو أن يمنحك الله السلامة بطلبك منها، ويقيلك

стр. 114

العثرات بإقالتك لها، وما علمت أني وقفت على نعمة أتدبرها إلا وجدتها تشتمل على عائدة فضل، معها فائدة عقل فيها؛ إنى وجدتني قد وصلت إلى تفضلك من غير مسألة، ودخلت إلى إحسانك من بابه، ووصلت إلى تقلد عملك بمن أشركته في الشكر معك، إن لم أكن جعلته دونك، فنقلتني بما استكرهتك عليه، إلى ما تطوعت لي به، ومما كان لي فيه سبب إليك، إلى ما لا سبب لي فيه غيرك، ومما يطالبني بالشكر عليه سواك، إلى ما تنفرد معه بشكري إياك، ثم جعلت ما نقلتني إليه أجل قدراً، وأخص من خدمتك محلاً مما نقلتني عنه، كنت في ذلك كما قال الشاعر: لا أظأر النفس إكراهاً إلى أحدٍ ... وشرٌّ ودّك ما يأتي وقد نهكا من مّجه فوك لم تنفعه آصرةٌ ... والنفس مجّاجةٌ ما مجّه فمكا ولم أر تأديباً ألطف ولا فعلاً أشرف، ولا تقويماً أنفع، ولا استصلاحاً أنجع، ولا كرماً أبرع مما توصلت إليه في، وتغلغلت في الإنعام به علي، وإني لأرجو بمن الله وستره ألا تقف مني علي أُخت لهذه الفعلة، ولا نظير لهذه الزلة ما اختلف الجديدان، وتجاور الفرقدان.

стр. 115

أحمد بن محمد بن المدبر حكي عنه أنه قال: كنت أكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات على الجيش، واحتيج إلى توجيه بعض القواد في أمر مهم، فعملت باستحقاقه ورجاله عملاً مفصلاً، ثم أجملت التفصيل فغلطت فيه، وصككت به، وحمل المال إلى القائد وقبضه وشخص، ثم رجعت إلى العمل فتتبعته فوقعت على الغلط، فاستحييت من محمد بن عبد الملك، فجلست عنه ثلاثة أيام فوجه إلي فاستحضرني، فكتبت إليه أصدقه عن القصة، وأعترف بالخطأ، وأعلمته أن الحياء منعني من الحضور، وأُحكمه على نفسي في العقوبة، فوقع إلي: لا جرم لك فيما لم تتعمد فارجع إلى مكانك وتحرز من وقوع ما كان منك، وقاص الرجل وأصحابه بما قبضوه عند استحقاقهم. ثم تولى أيام المتوكل الأعمال الجليلة وكان له إدلال: قال له يحيى بن أكثم بحضرة المتوكل: أنت كاتب تتفقه، وتذكر أنك لا تلزم الناس إلا بحجج فقهية، أو كما قال، فمن كتب للنبي ﷺ ؟ فقال أحمد: ليس على الكاتب أن يعلم ذلك

стр. 116

ولا يتعلمه، ولا على الفقيه أيضاً، لأنه ليس مما يحل حلالاً ولا يحرم حراماً، ولا يزيد بصراً في صناعة، وقد روى الناس أن عثمان وعلياً وزيد بن ثابت وحنظلة ومعاوية وغيرهم كتبوا للنبي ﷺ ، ولكن أخبرني من عمل عند النبي ﷺ عملك فأمر النبي ﷺ بقتله؟ يعرض له باللواط، فأفحم يحيى واستغرب المتوكل عليه ضحكاً. واحتال الفضل بن مروان في تغيير المتوكل عليه حتى عزله عن قهرمة الدار، وادعى الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان عليه مالاً جليلاً تسبب من أجله إلى أخيه إبراهيم حتى نكب؛ وكان أحمد أسن منه وأعلم بالأعمال، إلا أن سعده أقل من سعد إبراهيم، وهما من جلة الكتاب. قال ابن عبد ربه، وسمى جماعة ممن نبه بالكتابة بعد الخمول فيهم أحمد بن محمد بن المدبر: فهؤلاء نبلوا بالكتابة واستحقوا اسمها. ولأحمد يخاطب أخاه إبراهيم في نكبته وقد أهدى إليه شعره مجموعاً، فقرأه وكتب عليه بخطه:

стр. 117

أبا إسحق إن تكن اللّيالي ... عطفن عليك بالخطب الجسيم فلم أر صرف هذا الدهر يجري ... بمكروهٍ على غير الكريم وولي أحمد هذا خراج دمشق، وامتدحه البحتري وديك الجن، وغيرهما، فقال فيه رجل من بني هاشم: يا بن المدبّر أنت أكرم ماجدٍ ... عاذت به السادات عند عثار إنّي امتدحتك مدحةً شرّفتها ... شرفين من أصلي ومن أشعاري فاحتمل عنه ما مبلغه مائة ألف درهم. إبراهيم بن محمد بن المدبر أخوه قال الصولي: كان إبراهيم بن المدبر رجلاً جليلاً عالماً شاعراً، لا يدانيه في ذلك كله أحد، وخدم المتوكل وكانت له عنده حظوة. وقال أبو الفرج الأصبهاني: سعى به عبيد الله بن يحيى لانحرافه عنه،

стр. 118

ونفاسته عليه ومخالفته فيه رأي المتوكل، فادعى على أخيه أحمد بن المدبر مالاً جليلاً، ذكر أنه عند إبراهيم، وأوغر صدر المتوكل عليه، حتى أذن له في حبسه، وكان من وجوه كتاب العراق ومتقدميهم، فقال من قصيدة يخاطب بها أبا عبد الله ابن حمدون ويستنهضه لتذكير الفتح بن خاقان بأمره: يأبن حمدونٍ فتى الجود الذي ... أنا منه في جنى وردٍ جني ما الذي ترقبه أم ما ترى ... في أخٍ مضطهدٍ مرتهن وأبو عمران موسى حنقٌ ... حاقدٌ يطلبني بالإحن وعبيد الله أيضاً مثله ... ونجاحٌ فمجدٌّ لا يني ليس يشفيه سوى سفك دمي ... أو يراني مدرجاً في كفن والأمير الفتح إن أذكرته ... حرمتي قام بأمري وعني فأل صدقٍ حين أدعو باسمه ... وسرورٍ حين يعرو حزني ظفر الأعداء بي عن حيلةٍ ... ولعل الله أن يظفرني

стр. 119

ولج عبيد الله فلم يكن لأحد في خلاصه معه حيلة حتى استغاث بمحمد بن عبد الله بن طاهر، وقال فيه من قصيدة: دعوتك في كربٍ فلبّيت دعوتي ... ولم تعترضني إذ دعوت المعاذر إليك وقد حلّئت أوردت همتي ... وقد أعجزتني عن همومي المصادر نمى بك عبد الله في العز والعلا ... وحاز لك المجد المؤثّل طاهر فأنتم بنو الدنيا وأملاك شرقها ... وساستها والأعظمون الأكابر مآثر كانت للحسين ومصعبٍ ... وطلحة لا يحوي مداها المفاخر إذا بذلوا قيل الغيوث البواكر ... وإن غضبوا قيل الليوث الهواصر تعظّمكم يوم اللّقاء البواتر ... وتزهى بكم يوم المقال المنابر فما لكم غير الأسرّة مجلسٌ ... وما لكم غير السيوف مخاصر إلى أن يقول فيها: ولي حاجةٌ إن شئت أحرزت مجدها ... وسرّك منها أولٌ ثم آخر

стр. 120

كلام أمير المؤمنين وعطفه ... فمالي بعد الله غيرك ناصر فإن ساعد المقدار فالصفح واقع ... وإلاّ فإني مخلص الودّ شاكر فعزم على تخليصه، ولم يلتفت إلى عبيد الله، وبذل أن يتحمل في ماله كل ما يطالب، فأعفاه المتوكل من ذلك ووهبه له. وكان إبراهيم يقول: نكبنا نكبةً من نكباتنا، فسقط من إخواننا من كنا نجعل من أهل الود، فكتبت إلى بعضهم: وصديقٍ تراه حلواً أنيقا ... مؤنساً ملطفاً حفيّاً شفيقا ثم لمّا رماني الدهر بالغل ... ظة منه صار البعيد السحيقا وولي إبراهيم بعد ذلك البصرة والأهواز، وأسره صاحب الزنج، فهرب منه، ووزر للمعتمد، ثم طلب، واستخفى، فظفر به وحبس، إلى أن رضي الموفق عنه؛ وكان المعتمد يقول: ما استوزرت بعد عبيد الله بن يحيى وزيراً أرضاه غير الحسن بن مخلد وإبراهيم بن المدبر. وقصته مع المتوكل تشبه قصة عثمان بن عمارة بن خريم المري، خرج عليه

стр. 121

خمس مائة ألف وسبعون ألفاً، فحبس، فدخل عليه يزيد بن مزيد فقال: أحملها إليك؟ فقال: يعدل حملها إلي أبيات شعر تحملها إلى أمير المؤمنين الرشيد عني! فقال: وما هي؟ فأنشده: أغثني أمير المؤمنين بنظرةٍ ... تزول بها عني المخافة والأزل فعفوك أرجو لا البراءة جاهداً ... أبى الله إلاّ أن يكون لك الفضل فإلاّ أكن أهلاً لما أنا طالبٌ ... فأنت أمير المؤمنين له أهل قال: فعرضها على الرشيد، فأسقط ما كان عليه. أبو الجهم الكاتب كان من صنائع ابن الزيات، وعادى من أجله إبراهيم بن العباس الصولي وأضر به، فلما ولي الحسن بن مخلد بعض الأعمال، أشار عليه إبراهيم بطلب أبي الجهم في عمل كان يتولاه بالتشدد عله فيه، وكان الحسن كاتب إبراهيم والغالب عليه، فكتب أبو الجهم إلى المتوكل أبياتاً منها:

стр. 122

فلا تسلمنّي يأبن عمّ محمدٍ ... إلى حسنٍ أعدى العداة ابن مخلد ومالي ذنبٌ عنده غير أنّني ... عليمٌ بما يختان في اليوم والغد فوصلت الأبيات إلى الحسن قبل وصولها إلى المتوكل، فأحضر عليها أبا الجهم فأنكرها، ثم تقاربا وعمل الحسن في ذلك بمقتضى قوله: من صادر الناس صادروه ... وأعنتوه وماكروه وجاحدوه الحقوق بهتاً ... وبالأباطيل ناظروه ومثل ما راح من قبيحٍ ... أو حسنٍ منه باكروه ولأبي الجهم يخاطب نجاح بن سلمة معتذراً وهو محبوس وقد تمثل بهذا الشعر سهل بن هارون في كتابه إلى صاحب له وجد عليه: إن تعف عن عبدك المسيء ففي ... عفوك مأوى الفضل والمنن أتيت ما أستحقّ من خطإٍ ... فجد بما تستحق من حسن

стр. 123

عبد الله بن محمد بن يزداد كتب أبوه للمأمون ووزر له، وكان هو أيضاً كاتباً، لكن يغلب عليه القصور، ولأبيه الشفوف المعروف خطاً وبياناً، يملأ أن السمع والبصر حسناً وإحساناً. حكى الصولي قال: جلس المأمون للمظالم، ومحمد بن يزداد بين يديه، فأحب بعض من عنده أن يغض منه، فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت محمداً أن يكتب كتاباً في أمر الزكاة، يقرأ على الناس، فكتب من غير فكرة: أما بعد فإن الله جعل عمود الدين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، فسن رسول الله ﷺ أنه لا شيء في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، فحينئذ يكون فيها خمسة دراهم، وما زاد فبحساب ذلك، وأن لا شيء في الذهب حتى يبلغ عشرين ديناراً، ففيها نصف دينار، ثم إذا بلغ الأربعين ففيها دينار، ثم ما زاد فبحساب ذلك، ولا زكاة على أحد في ماله حتى يحول عليه الحول، فإن ملك بعضه، وكمل ما ذكرناه في وقت كان ابتداء الحول من يوم كمل فيه ما حد، " يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلوا واللهُ بكل شيء عليم " وكتب ذلك بأحسن

стр. 124

خط، فقال المأمون: يا محمد إنا إن شركناك في اللفظ فقد فارقناك في الخط! فقال: يا أمير المؤمنين إنك أقرب الناس برسول الله ﷺ ، والمتقلد لأمره، فمن هناك جاءت المشابهة. وعن غير الصولي أنه قال له: يا أمير المؤمنين إن من أعظم آيات النبي ﷺ أنه أدى عن الله رسالته، وحفظ عنه وحيه، وهو أُمي لا يعرف من فنون الخط فناً، ولا يقرأ من سائره حرفاً، فبقي عمود ذلك في أهله فهم يشرفون بالشبه الكريم في نقص الخط كما يشرف غيرهم بزيادته، وإن أمير المؤمنين أخص الناس برسول الله ﷺ والوارث موضعه والمتقلد لأمره ونهيه، فعلقت به المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة! فقال المأمون: يا محمد لقد تركتني لا آسى على الكتابة ولو كنت أُمياً! وسعي بعبد الله إلى المتوكل وقد ولاه عملا، وذكر له انه اختان مائة ألف: فلم يطلبه بها ولم يزل بعد يصرفه؛ وكان بفارس إذ ولي المستعين الخلافة فاستقدمه ابن الخصيب وزيره، فاختاره المستعين لوزارته، وصرف ابن الخصيب فضبط الأموال واشتد على الموالي، ثم خافهم، فهرب إلى بغداد، وولي شجاع ابن القاسم الوزارة، ثم أُعيد إليها عبد الله بن محمد ثانية.

стр. 125

أحمد بن محمد بن ثوابة خاف من المهتدي لما اتهم به من اعتقاد الرفض، وكان يكتب لبعض رؤساء الأتراك، فاستتر ونودي عليه، ثم شفع فيه، فرضي المهتدي عنه، وخلع عليه أربع خلع، وقلده سيفاً، ورجع إلى حاله. وجرى بين ابن ثوابه وبين أبي الصقر إسماعيل بن بلبل كلام في دار صاعد بن مخلد الوزير، فقال إسماعيل لأبن ثوابه: حكمك والله أن تشد وتحد، فقال له: يا جاهل أما علمت أنه من يشد لا يحد، ومن يحد لا يشد! وجرى له معه أيضاً غير هذا، فحمي أبو العيناء لإسماعيل وانتصر له من ابن ثوابة فقال: ما استب اثنان إلا غلب ألأمهما! فقال أبو العيناء: فلهذا غلبت بالأمس أبا الصقر! فلما ولي الوزارة أبو الصقر، دخل عليه ابن ثوابة ووقف بين يديه،

стр. 126

وجعل يقول: أيها الوزير " تالله لَقَدْ آثركَ الله علينا وإنْ كنا لخَاطِئين " فقال أبو الصقر " لا تثريب عليكم اليوم " أبا العباس يغفر الله لكم! ثم رفع محله وولاه، وما قصر في الإحسان إليه والإبقاء عليه مدة وزارته. الحسن بن رجاء كان من جلة الكتاب، ونشأ في خلافة المأمون، فدخل يوماً بعض الدواوين فنظر إليه وهو غلام جميل وعلى أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين، الناشيء في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤمل لخدمتك الحسن بن رجاء، خادمك وعبدك! فقال المأمون: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول؛ وأمر أن يرفع عن مرتبة الديوان. وحكى الصولي في كتاب الأخبار المنثورة، من تأليفه، قال: كان الحسن بن رجاء الكاتب يهوى جارية من القيان، وكان إسماعيل بن بلبل يهواها،

стр. 127

فكانا يتنافسان فيها، فلما تقلد إسماعيل الوزارة ملك الجارية وأحسن إليها، ثم سألها يوماً: هل في نفسك شيء لم تبلغيه؟ فقالت: قد بلغت كل ما أُحب وزيادة، ولم يبق في نفسي إلا قدح بلور مصنوع مورد كان عند الحسن بن رجاء، فكنت إذا زرته ناولنيه، فتقدم أبو الصقر إلى أبي بكر ابن أُخته بإحضار الحسن ومطالبته بالقدح عفواً أو عسفاً؛ فركب أبو بكر إليه، وجلس عنده، فحادثه ثم قال له: قد جئتك في حاجة وما أحسبك تردني عنها، فقال له: كل ما عندي فلك! قال: قدح البلور المورد تمنحني إياه. قال: قد انكسر! قال: فأعطني كسره! فقال: ما ظننت أني أُطالب بزجاج قد انكسر فأحتفظ به! فقال: إن هذا الرجل قد صارت له يد وسلطان، ولأن تهديه إليه وتمتن عليه أحسن من أن تكاشفه وتعاديه! فقال: أما لسؤالك فأفعل، ولكن على شريطة، توصل لي معه أبياتاً، فقال: أفعل، فأنفذ إليه القدح ومعه رقعة فيها أبيات: سلّم على أربع بالكرخ تقلاها ... من أجل جاريةٍ فيهنّ أهواها تمكنت نوب الأيّام منك بها ... والدهر إن أسلف الحسنى تقاضاها يا بؤس قلبك ما أقصى مراميه ... وشجو نفسك ما أدنى بلاياها وطيب عيشٍ مضى ما كان أحسنه ... لو أنّ أيامنا منه نملاّها إليك أشكو أبا بكرٍ هوىً بجوىً ... أطعته مرضياً نفسي فعاصاها

стр. 128

فأسعد الصبّ إن كنت امرأً غزلا ... واعطف على ذي البلا إن كنت أوّاها قد جاءك القدح المسلوب بهجته ... مذ حيل دون التي أدنت له فاها خذه إليك عزيزاً أن يجاد به ... لو أن إحدى ليالينا كأُولاها فلما قرأ إسماعيل الأبيات وأخذ القدوح رق له، فقلده أصبهان وأخرجه إليها. عيسى بن الفاسي كتب لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل في وزارته للمعتمد، وكان قد امتحن بصاعد بن مخلد الوزير قبل أبي الصقر، ورجا الحسن بن مخلد، فلما ولي لقي منه أكثر مما لقي من صاعد فقال في ذلك. أقيك بنفسي سوء عاقبة الدهر ... ألست ترى صرف الزمان بما يجري يصاب الفتى في اليوم يأمن نحسه ... وتسعده الأيام من حيث لا يدري وقد كنت أبكي من تحامل صاعدٍ ... وأشكو أُموراً منه ضاق بها صدري فلمّا انقضت أيّامه وتبدلت ... بأيّام ميمون النقيبة والذكر

стр. 129

سرت أسهمٌ منه إليّ أمنتها ... ولو خفتها داريتها قبل أن تسري وذكّرني بيتاً من الشعر سائراً ... وقد تضرب الأمثال في سائر الشعر عتبت على عمرو فلمّا فقدته ... وجرّبت أقواماً بكيت على عمرو وقال أيضاً في صاعد وقد قرأ كتاباً على الموفق فلم يفهم بعض ما فيه، وفهمه الموفق: أرى الدهر يمنع من جانبه ... ويهدي الحظوظ إلى عائبه ومن عجب الدهر أنّ الأمي ... ر أصبح أكتب من كاتبه كذا في كتاب ابن عبدوس؛ وفي اليتيمة لأبي منصور الثعالبي: أن أبا بكر الخوارزمي نسب هذا الشعر إلى البحتري في محاورة جرت بينه وبين الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد أثناء مسامرة، فقال الصاحب للخوارزمي وقد أعجبه تنظيره بذلك: جودت وأحسنت، هكذا يكون الحفظ! وروى يموت بن المزرع عن أبيه قال: كان عيسى بن الفاسي يكتب لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل، وكانت له جارية يحبها، فاصطبح معها ذات يوم فهو في

стр. 130

صبوحه حتى وافاه رسول إسماعيل في مهم له، فكتب إليه: هبني لجاريتي وأرحم تفرّدها ... بالوجد إن غبت عنها أيها الملك فقد غدونا وستر الله منسدلٌ ... وألتام ما بيننا وأنحلّت التكك فحلف إسماعيل أنه يقيم عندها ثلاثة أيام، ووجه إليه بطيب ومال وكسوة. عبد الله بن محمد الزجالى قال أبو مروان بن حيان بن خلف بن حيان في كتابه المقتبس من أنباء أهل الأندلس: كان الأمير عبد الله يعني عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، قد عزل عبد الله بن محمد الزجالي عن خطتي الوزارة والكتابة في بعض أوقاته لموجدة وجدها عليه، ثم أقاله بعد مديدة، وأعاده إلى خطته، وكان محبباً في الناس فأبدوا فرحاً لرجعته، وقال في ذلك أحمد بن محمد بن عبد ربه الشاعر من أبيات:

стр. 131

يا ملكاً يزدهي به المنبر ... والمسجد الجامع الذي عمّر خليفة الله في بريّته ... يسرّ للناس مثل ما يجهر يا قمر الأرض إن تغب فلقد ... أقمت للناس كوكباً يزهر ما فرح الناس مثل فرحتهم ... لمّا أُقيل الأديب واستوزر وابتهج الملك حين دبّره ... عين الإمام التي بها يبصر قطبٌ عليه المدار أجمعه ... في الأمر والرأي كلما دبّر لم يزل البيت طول غيبته ... أعمى فلمّا استوى به أبصر وقال ابن عبد ربه في ذلك أيضاً مما لم يذكره ابن حيان: تجددت الدنيا وأبدت جمالها ... وردّت إلينا شمسها وهلالها عشية يوم السبت جاءت بنعمةٍ ... من الله لا يرجو العدوّ زوالها بها جبر الله الكسير من العلا ... وأدرك منه عثرةً فأقالها فأشرقت الآفاق نوراً وبهجةً ... ومدت علينا بالنعيم ظلالها بتجديد عبد الله أعظم دولةٍ ... لمولاه عبد الله كان أزالها ولمّا تولت نضرة العيش ردّها ... فآلت إلى العبد القديم مآلها

стр. 132

فتىً نشأت من كفه ديم الندى ... فظلت سجال الرزق تجري خلالها ترى الجود يجري من فريد يمينه ... كصفحة هنديٍّ أرتك صقالها ولو نيط من نجم السماء فضيلةٌ ... لمدّ إليها الكفّ حتى ينالها ومحمد بن سعيد الزجالي والد عبد الله هذا هو أول من رأس من هذا البيت وجل بالكتابة وأورثها عقبة، وكانت نباهته ورياسته بعلمه وبيانه، كأحمد بن يوسف وابن الزيات وطبقتهما، ويعرف بالأصمعي لعنايته بالأدب وحفظ اللغة. ويذكر في سبب اتصاله بالسلطان أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم عثرت به دابته، وهو في غزاة، فأنشد متمثلاً: وما لا ترى مما يقي الله أكبر وطلب صدر البيت فعزب عنه، فسأل أصحابه عنه فأضلّوه، وأمر بسؤال كل من اتسم بمعرفة في عسكره، فلم يلف أحد يقف عليه غير محمد بن سعيد هذا، فقال: أصلح الله الأمير، أول البيت: نرى الشيء ممّا نتّقي فنهابه فأعجب الأمير عبد الرحمن ما كان منه، وراقه بيانه، فاستخدمه.

стр. 133

عبيد الله بن سليمان بن وهب لما تقلد المعتضد أبو العباس أحمد ولاية العهد بعد وفاة أبيه الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل، وذلك يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين في آخر خلافة المعتمد بن المتوكل، أقر أبا الصقر إسماعيل بن بلبل على ما كان عليه من الوزارة والتدبير، إلى يوم الاثنين بعده، ثم قبض عليه وعلى أبنائه وحاشيته، وانتهبت منازلهم، وطلب ابن الفرات، فاستتر، وبعث إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، وكان قبل ذلك بمدة منكوباً من قبل المعتمد، وأمره بالانصراف إلى منزله والبكور إليه، ليخلع عليه، فانصرف في طياره، وبكر من الغد إلى المعتضد، فخلع عليه، وانصرف وبين يديه جميع القواد والغلمان. ولما توفي المعتمد في آخر رجب من سنة تسع وسبعين أخذ البيعة للمعتضد عبيد الله بن سليمان على الناس، فأحسن التدبير، ونظم سياسة الأمور، واستكتب

стр. 134

ابنه القاسم بن عبيد الله لبدر المعتضدي، وجلت حاله، فاستنابه في العرض على المعتضد، وسعى به بعض حسدته، فلم يقبل المعتضد سعايته، وحضر عبيد الله، فدفع إليه السعاية، فأنشده: كفاية الله خيرٌ من توقّينا ... وعادة الله بالإحسان تغنينا كاد الوشاة ولا والله ما تركوا ... قولاً وفعلاً وبأساءً وتهجينا فلم نزد نحن في سرٍ وفي علنٍ ... على مقالتنا الله يكفينا وحكي أن المعتضد تقدم إليه بأن يوعز إلى القواد وسائر الجند بالخروج إلى الصيد معه، وذلك في فصل الشتاء، فقال له: يا أمير المؤمنين، لهؤلاء القوم استحقاق والمال عزيز، ومتى أُمروا بذلك طالبونا بما يجددون به التهم! فأمسك عنه إلى أن خرج من حضرته، ثم تقدم إلى خفيف السمرقندي حاجبه بالقبض عليه وأخذ سيفه ومنطقته، ففعل ذلك. وانصرف القاسم بن عبيد الله من دار بدر فسأل عن أبيه، فعرف الخبر، فعاد من وقته إلى بدر، فتلطف في الوصول إليه، وبكى بين يديه، فركب بدر إلى الدار، فاستأذن على المعتضد، فتبسم وعلم ما جاء به، فوجه إليه: لي شغل مع الحرم، فقال بدر: إن معي خبراً

стр. 135

لا يجوز تأخيره، فوجه إليه: قد عرفت الخبر فانصرف فوجه إليه: إني قد استعملت في هذه الحال ما لا يحب من الأدب، ولا بد أن أُخاطبه! فأذن له، فلما مثل بين يديه حل سيفه وقال: يا أمير المؤمنين، دمي معقود بدم عبيد الله، فمتى هممت في أمره بشيء، أمرت في بمثله! فقال المعتضد: يبلغ من مقداره أن آمره بأمر فيعارضني فيه، ما أنا محتاج إلى رأيه، وإنما مجراه مجرى من ينفذ ما آمره به؛ فقال بدر: ليس يعاود ولا يجاوز ما تأمره به؛ فقال: امض فخذه! فخرج بدر، فكسر غلق الحجرة وأخذه، وتقدم إليه بترك المعارضة فيما يأمره به. وكان المعتضد يصف عبيد الله بالدهاء والرجلة، فلما أشار إليه بإخراجه مع بدر إلى الجبل، وقع له أنه إنما أراد التخلص والبعد منه، فقال لبدر: قد استوحشت من عبيد الله لالتماسه الخروج، وقد عزمت على أن أقبض عليه، وأقلدك خراجها مكانه؛ فدافعه عن ذلك وراجعه، وكان أحمد بن الطيب قريباً منهما، وكان المعتضد يأنس به، فوقف على كلامهما، فمضى من فوره فعرف عبيد الله ما جرى، بعد أن أحلفه أن يستره، فقلق عبيد الله، ولم تسمح نفسه بكتمانه، فصار من غد إلى المعتضد ومعه ثلث جميع ما يملك من ضيعة وعقار ومال، فوضعه بين يديه وقال له: قد جعلت لك يا أمير المؤمنين جميع ملكي حلالاً طيباً

стр. 136

وتؤمنني على نفسي وولدي! فأنكر المعتضد ذلك وسأل عن سبب ما بلغه، فدافعه، فأمسك المعتضد وصرفه، وأحضر بدراً فأسمعه كل مكروه وقال: أنت أخبرت عبيد الله، ولم يحصل إلا على فساد نيته لنا! فحلف له بدر بأيمان صدقه فيها؛ ولما كان من غد حضر عبيد الله، فخلا به وألح عليه أن يعرفه من الذي رقى إليه ذلك؛ فقال: أخبرني به أحمد بن الطيب. فقال: كذب وإنما أراد التشوق عندك، فكن على ثقة، فليس لك عندي إلا ما تحبه. ثم قبض على أحمد بن الطيب وحبسه في المطامير إلى أن مات. وقيل إن أحمد بن الطيب المذكور كان يقول للمعتضد: كثير من الأمور يخفى عليك ويستر دونك! فقال له يوماً: فما الدواء؟ فقال: توليني الخبر على بدر وعبيد الله؛ فقال: قد فعلت! قال: فإذ قد فعلت فاكتب لي رقعة! فكتب له بذلك، فأخذ التوقيع وجاء به إلى عبيد الله ليتقرب إليه، فأخذه عبيد الله، ثم وثب، فطلبه ابن الطيب فقال: أنا أخرجه إليك؛ ووكل به في داره وركب إلى بدر، فأقرأه إياه، فدخلا إلى المعتضد، فرمى عبيد الله بنفسه بين يديه وقال له: أنت نعشتني وابتدأتني بما لم أؤمله، وكل نعمة لي منك وبك وتفعل هذا بفلان! فقال: إنه يسعى عليكما عندي فأكره ذلك فاقتلاه وخذا ماله؛ فأُدخل في وقته إلى المطامير.

стр. 137

علي بن محمد بن الفياض كتب للمعتضد، وكان يؤمل وزارته، فلما وجه المعتضد إلى عبيد الله وأمره بالبكور إليه ليخلع عليه ويقلده الوزارة، دخل في انصرافه إلى علي هذا وأعلمه بما فوض إليه المعتضد، وسأله معاضدته ومشاركته في أمره، فأجابه إلى ذلك، وتعاهدا عليه، ثم فسد ما بينهما، فلاحاه عبيد الله بحضرة المعتضد وقال له: لمن كتبت حتى تدعي الفصاحة؟ فقال: ألي تقول هذا؟ أنت كتبت لموسى بن بغا، وأنا كتبت لأمير المؤمنين، فأينا أولى بالفخر! ويقال إن القواد قالوا لبدر: مولاك ﵁ على ما تعرفه وماله في صدور الناس من الهيبة، وقد أحب أن تستوزر ابن الفياض، وهو من تعلم في جفائه، فلا يجد الناس بين الخليفة وكاتبه فرقاً! فلم يزل بدر يلطف به حتى صرفه عن ذلك الرأي. وكان لأبن الفياض كاتب يكتب لأبي عيسى بن المتوكل، فلما حدثت الحادثة على أبي عيسى قبض على كاتبه، فاستتر ابن الفياض، فدخل يوماً عبيد الله بن سليمان إلى المعتضد، وكره أن يهجم عليه من ابن الفياض بما يكره، ولا يدري ما يكون جوابه، ولا ما يجده عنده، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد استوحش

стр. 138

ابن الفياض لما اعتقل كاتب أبي عيسى، لأنه كان يكتب له؛ وتأمل وجه المعتضد عند ذلك، فقال له: ابعث إليه وآنسه وأزل وحشته! فقال: السمع والطاعة! وأحضره الدار، فدخل والناس وقوف ينظرون إليه، فقال المعتضد لما رآه: يا علي نأمر بحبس كاتبك، لشيء بيننا وبينه من غير جهتك فتستوحش! فقال ابن الفياض متمثلاً: وذلك من تلقاء مثلك رائع فتبسم المعتضد، وألان خطابه له رفقاً به، وإبقاءً عليه. علي بن محمد بن الفرات لما قبض المعتضد على أبي الصقر استتر علي هذا وأخوه أحمد وكانا من كتابه ومتقدمين في الأعمال، ثم ظفر بهما وحبسا، ودعا بعلي منهما يوماً عبيد الله ابن سليمان، فجيء به وهو مقيد وعليه جبة دنسة، فقال: الله الله أيها

стр. 139

الوزير! وجعل يشكو ما لحقه وأخاه، فهدأه وسكنه، وأمره بالجلوس، فلما زال عنه الروع أخذ معه في أمر العمل وما يحتاج إليه، فاتصل كلامه وانبسط في ذكر الأموال والعمال انبساط رجل جالس في الصدر، وجعل يقول: ناحية كذا مبلغ مالها كذا، وهي كذا، وعاملها فلان من حاله كذا، وناحية كذا عاملها فلان ينبغي أن يشد بمشرف أو شريك، حتى أتى على الآفاق.. فتهلل وجه عبيد الله وقال له: اعتزل واعمل عملاً بما قلت به! فاعتزل علي ومعه أحد الكتاب، فأملى عليه ما طلب وجاء بالعمل، ثم كلم الوزير في أمره وأمر أخيه، فأمر بحل قيودهما والتوسعة عليهما، وقال لهما: لن يبعد خلاصكما، وأنا أسأل المعتضد في أمركما، ارجعا إلى موضعكما، والتفت إلى من حضر فقال: أرأيتم مثل هذا الفتى قط يعني ابن الفرات والله لا فارقت الأمير أو استوهبهما منه، فإني أعلم أن الملك لا يقوم إلا بهما، فأطلقهما بعد أيام واستعملهما. ويقال إن عبيد الله قيل له: إن أردت أن يتمشى أمرك فأطلق ابني الفرات واستعن بهما؛ فنهض إلى المعتضد وأعلمه أن هؤلاء القوم قد داسوا الدنيا وعلموا أعمالها، قال: وكيف تصلح لنا نياتهم، وقد نكبناهم؟ فقال: إذا رددت ضياعهم واستخلصتهم صلحوا! فقال: إنهم غير مأمونين في السعي عليك والإفساد بيني وبينك، وأمرهم إليك؛ فخرج وأحضر أحمد بن محمد، فأدناه وآنسه،

стр. 140

وقال له: قد استوهبتك من المعتضد لأستعين بك، وقص عليه القصة، فقال: يتقدم الوزير بإحضار الطائي وعلي بن محمد أخي؛ فقال: افعل، فأحضرهما فأخذ دواة، واعتزل بهما، فلم يزل هو وأخوه يناظران الطائي على ضمان الكوفة وسوادها وما يتصل بها، وعلى أن يحمل من مالها كل شهر ستين ألف درهم، وفي كل يوم سبعة آلاف دينار، ففعل ذلك وضمناه، وأخذا خطه وجاءا به إلى عبيد الله فسره، وكان ذلك سبب ارتقائهما إلى أن ولي علي منهما وزارة المقتدر ثلاث مرات بعد نكبات عظيمة. ولما جلس للمظالم في وزارته الثانية رميت إليه رقعة فيها: أبا حسنٍ عزاءً وأحتسابا ... إذا سهمٌ من الحدثان صابا فإنّ الله يأخذ ثم يعطي ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا القاسم بن عبيد الله عرض على المعتضد في حياة أبيه عبيد الله بن سليمان بن وهب، فلما توفي

стр. 141

عبيد الله كتب إلى المعتضد رقعة يعرفه بذلك منها: ولما أفقت من هذه الصدمة التي وقعت علي، لم آمن أن يدخل علي الخلل الواقع في أوائل الحوادث، وكرهت أن أُحدث شيئاً من الأعمال دون علم رأي أمير المؤمنين سيدنا، فتوقفت ليأتيني من أمره ما يكون عملي بحسبه! فأجابه المعتضد: أستمتع الله النعمة ببقائك؛ وصل كتابك بالحادث العظيم والله عندي، فأورد علي ما أقلقني وأرمضني وأبكاني وبلغ مني، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله أحتسب أبا القاسم، وإياه أسأل أن يغفر له، وما مضى من مثلك وراءه، ولست أشك فيما نزل بك، وحقيق عليك، ولست ممن يحتاج إلى وصية، فبحياتي عليك لما تعمل بنفسك عملاً يضر ببدنك، وأخرج اللوعة بالبكاء، فإن فيه راحةً وفرجاً، ودع تجاوز ذلك إلى غيره؛ وأما الأعمال التي استأذنتنا فيها فتقلدها ونفذها، وأجر الأمور على ما كان أبوك يجريها عليه، وأحذ حذوه، واسلك طريقه، فإني أرجو زيادتك، ولا أخشى إضاعتك إن شاء الله!. وبعث المعتضد من صار إليه من خدمه بالقاسم في غد ذلك اليوم، وكان نازلاً بالثريا، فلما رآه عزاه عن أبيه، وبسطه وآنسه، وقال: ثق بمالك عندي فإن الثقة بذلك توفي على المصيبة وإن عظمت! ثم خلع عليه للوزارة، فخرج معه

стр. 142

بدر وجميع القواد والجيش حتى صار إلى منزله. ولما توفي المعتضد في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين بعد سنة كاملة من وزارة القاسم، أخذ البيعة للمكتفي ابن المعتضد على الناس، واستقامت الأمور وعظمت هيبته وجل شأنه. وكان من رأي بدر توليه عبد الواحد بن الموفق، فخالفه القاسم، ثم خالفه فأغرى به المكتفي حتى قتله. وذكر أن المعتضد أحب أن يستكتب أحمد بن محمد المعروف بجرادة، بعد وفاة عبيد الله بن سليمان، فألح عليه بدر يقبل الأرض بين يديه ويقول: تربيتك وصنيعتك القاسم! فيقول له المعتضد: القاسم حدث غر وجرادة شيخ مجرب! فلم يزل به إلى أن قال: اختر عشرة آلاف دينار أو القاسم! فاختار أمر القاسم؛ فقال له المعتضد: والله لأقتلك غيره! فكان كما قال. واستثقل المكتفي بعد ذلك القاسم، وأنكر قلة وفائه لبدر، وعزم على صرفه وتقليد غيره، فبلغه ذلك، فصار إلى المكتفي، ورمى بنفسه بين يديه، وقال: قد قمت ببيعتك وأنت غائب.. وذكر أشياء من خدمته توجب حرمته،

стр. 143

ثم قال: وهذه رقعة بجميع ما أملك، لك كله، وأمني، ولا تسلمني إلى عدوي! فقال المكتفي: وما السبب في هذا الكلام؟ فأخبره بمن حكى عنه ذلك، فعرف صحته وغاظه وقال: ما من ذلك شيء، وإنما أردت تولية الدواوين! واحتال القاسم في إتلاف المرشح لمكانه من كتاب المكتفي، فتم له ذلك. وقال الصولي: لعهدي بالقاسم قد حل سيفه ومنطقته بين يدي المكتفي وهو يتقلب بالأرض ويقبلها، والمكتفي يطيب نفسه؛ قال: ثم مضى المكتفي إلى حرب القرمطي والقاسم معه، فكانت له في ذلك آراء مشهورة أدت إلى الظفر به. وركب مع المكتفي يوم دخولهم بالقرمطي، وكان من أيام الدنيا، وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائتين. قال: وسأل القاسم المكتفي أن يشرفه بتزويج ابنه محمد بنته، فأجابه ومهرها مائة ألف دينار، فخلع عليه القاسم وعلى أهل الدولة، ولقب بولي الدولة، وكان يكتب عن نفسه: من ولي الدولة أبي الحسين القاسم بن عبيد الله وأمر أن تؤرخ الكتب عنه بأسماء أصحاب الدواوين، وهذا ما كان قط إلا لخليفة.

стр. 144

علي بن عيسى بن الجراح كتب للقاسم بن عبيد الله هو والعباس بن الحسن، وأشار القاسم وهو في آخر علته على المكتفي باستكتاب أحدهما، فقدم العباس للوزارة، وكان علي زاهداً متواضعاً حافظاً للقرآن، عالماً بمعانيه وإعرابه، وله في ذلك تأليف، وقد حمل عن أبيه الحديث، وله بلاغات لا تعرف لغيره من الكتاب، ثم وزر للمقتدر غير مرة في أول خلافته وآخرها، ولم يكن يهوى ذلك، بل كان يحب الاعتزال، ويقول: ما كنت أحتسب بمقامي في هذا الأمر إلا أني مجاهد في سبيل الله، خوفاً من فتنة لا تبقي ولا تذر. ولما ضبط أمر الملك، ومنع الأيدي من الظلم، اشتد ذلك على من اعتاده، فطولب ولم يعبه أعداؤه بشيء سوى قولهم: إن شغله بمحقرات الأمور تشغله عن جليلها، لأن زمانه لا يفي بذلك؛ إلى أن صرف وحبس حبساً كريهاً، فكتب في نكبته عدة مصاحف، وكان يحمل في وزارته إلى بيت المال ما يرد عليه مما

стр. 145

كان الوزراء قبله يرتفقون به؛ فقال المقتدر: قد استحييت من الله في مال علي ابن عيسى، فإني أخذته ظلماً، وأحاله به على مال مصر، فاشترى به ضياعاً ووقفها على مكة والمدينة. ولما استقدم من مكة بعد إخراجه إليها، والوزير إذ ذاك أبو علي محمد ابن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقد تبين عجزه، خلع عليه وقدم للوزارة، وأُمر بالقبض على محمد وابنيه عبيد الله وعبد الواحد، وكانوا قد ركبوا إلى دار الخلافة ووعدوا أن يسلم إليهم فسلموا إليه، فأطلق عبد الواحد وقال: إنه مظلوم؛ وعامل محمداً وعبيد الله أحسن معاملة، ورفق بهما، وكانا قد أرادا قتله في طريق مكة، فلم يمكنهما فيه حيلة. ورفع إليه أن رجلاً من جلساء عبيد الله قال: إن علي بن أبي طالب قتل، فمن علي بن عيسى حتى لا يقتل! فما زاد علي أن قال: أما اتقى الله ولا خافه!! ثم كان يقضي حوائج ذلك الرجل ويثني عليه؛ فلما جلس للناس ورأى تكاثرهم تمثل: ما الناس إلاّ مع الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوماً به انقلبوا يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا
следующие страницы →