← Адаб

Адаб · id 8190

إعتاب الكتاب

ابن الأبار

Полный текст (220 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وما هو؟ قال: إن الله يقول " ولو كُنتَ فظّاً غَليظَ القلبِ لأنْفَضُّوا من حَولك " وهأنت فظ غليظ القلب، ونحن نتكاثر عليك! فقال له: حاجتك؟ قال ترتبني في دار أمير المؤمنين المأمون. قال: قد فعلت! قال: وتقضي ديني وهو ثلاثون ألف درهم! قال: قد فعلت. ثم إنه اعتل من فساد مزاج، فتخلف عن المأمون إلى أن مات، فحضر المأمون جنازته، وصلى عليه، ووقف على قبره، فلما دلي فيه قال: رحمك الله فلأنت كما قال الشاعر: أخو الجدّ إن جدّ الرّجال وشمّروا ... وذو باطلٍ إن شئت ألهاك باطله أحمد بن يوسف وزر للمأمون بعد أحمد بن أبي خالد، وكانا جميعاً مع عمرو بن مسعدة من كتاب الحسن بن سهل، وهو أشار على المأمون بهما، فقد مهما لوزارته، ولم يكن في زمن أحمد بن يوسف أكتب منه، وشعره يرتفع عن أشعار الكتاب، وهو أحد من رأس ببلاغته وبيانه.

стр. 72

وكان أول ظهوره وارتفاعه أن المخلوع محمد بن الرشيد لما قتل، أمر طاهر بن الحسين الكتاب أن يكتبوا إلى المأمون، فأطالوا، فقال طاهر: أُريد أخصر من هذا! فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق بينهما حكم الكتاب والسنة في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين، لقول الله فيما اقتص علينا من نبأ نوح: " يا نوحُ إنّه ليس من أهلِك إنه عملٌ غيرُ صالح "، ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله، وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع ورداه رداء نكثه، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظره من سابق وعده، والحمد لله رب العالمين، الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، الكائد له من ختر عهده، ونقض عقده، حتى رد الله به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الدين بعد دروسها، وقد بعثت إليك بالدنيا وهي رأس المخلوع، وبالآخرة

стр. 73

وهي البردة والقضيب، والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين حقه، الراجع إليه تراث آبائه الراشدين. فرضي طاهر ووصله، وشهر أمره، ولم يكن قبل مذكوراً. وكان المأمون يقول بعد أن بلاه واختبره، إذا وصفه له أحمد بن أبي خالد: يا عجبا لأحمد بن يوسف كيف استطاع أن يكتم نفسه! قال أبو العيناء: كان أحمد بن يوسف الكاتب قد تولى صدقات البصرة، فجار فيها وظلم، وكثر الشاكي به والداعي عليه، ووافى باب أمير المؤمنين المأمون زهاء خمسين من جلة البصريين، فعزله المأمون وجلس لهم مجلساً خاصاً، وأقام أحمد بن يوسف لمناظرتهم، فكان مما حفظ من كلامه أن قال يا أمير المؤمنين لو أن أحداً ممن ولي الصدقات سلم من الناس لسلم رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: " ومنهم من يَلْمِزُك في الصّدَقاتِ، فان أُعطوا منها رضوا، وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون ". فأعجب المأمون جوابه، واستجزل مقامه، وخلى سبيله. وحكى الصولي خلاف هذا قال: شغب أهل الصدقات على المأمون

стр. 74

وناظروه، فقال أحمد بن يوسف وهو إذ ذاك وزيره: إنهم ظلموا رسول الله ﷺ ، فكيف من بعده! قال الله : وتلا الآية ... فاستحسن ذلك المأمون. عمرو بن مسعدة كان أعلى الكتاب منزلة عند المأمون، ولم يكن وزيراً، وقد تقدم إعتاب المأمون إياه، واعتذاره إليه وماء الحياء يدور في وجهه، واغتفاره لما أثار من وجده عليه، في اسم ابن أبي خالد، ومن توقيعات المأمون في قصة متظلم منه: يا عمرو اعمر نعمتك بالعدك فإن الجور يهدمها؛ ثم بلغ من حظوته أنه كان في مجلس المأمون يقرأ عليه الرقاع، فجاءته عطسة فردها، ولوى عنقه، فرآه المأمون فقال: يا عمرو لا تفعل، فإن رد العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعاً في العنق. فشكر له ذلك بعض ولد المهدي وقال: ما أحسنها من مولى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما في هذا؟ إن هشام بن عبد الملك اضطربت عمامته، فأهوى إليها الأبرش الكلبي ليصلحها، فقال هشام:

стр. 75

إنا لا نتخذ الإخوان خولاً! فالذي فعل هشام أحسن مما فعلت! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إن هشاماً يتكلف ما طبعت عليه، ويظلم فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله ﷺ ، ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك كما قال النابغة الذبياني: ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً ... ترى كلّ ملكٍ دونها يتذبذب فإنّك شمسٌ والملوك كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب علي بن الهيثم كان المأمون يوماً جالساً وعنده أحمد بن الجنيد الاسكافي، وجماعة من خاصته، إذ دخل علي هذا، ويعرف في الكتاب بجونقا، فلما قرب من المأمون قال: يا عدو الله لأفرقن بين لحمك وعظمك، ولأفعلن بك..! ثم سكن قليلاً؛ فقال أحمد بن الجنيد: نعم والله يا أمير المؤمنين إنه وإنه ... ولم يدع شيئاً من المكروه إلا ذكره، فقال المأمون وقد هدأ غضبه: يا أحمد متى اجترأت علي هذه الجرأة؟ رأيتني غضبت هذه الغضبة فأردت أن تزيد في

стр. 76

غضبي، أما سأؤدبك وأؤدب غيرك! يا علي قد صفحت عنك، ووهبت لك كل ما كنت أطالبك به! ثم رفع رأسه إلى الحاجب فقال: لا يبرح أحمد بن الجنيد من الدار حتى يحمل إلى علي بن الهيثم مائة ألف درهم من ماله ليكون ذلك عقل؛ فلم يبرح حتى حملها. وقال الصولي: كان علي بن الهيثم يكتب للفضل بن الربيع؛ وخبره مع المأمون عن ابن عبدوس. صالح بن علي كان من وجوه الكتاب، وكان يعرف بالأضخم، فطالت به العطلة في أيام المأمون، والوزير إذ ذاك أحمد بن أبي خالد، فحدث صالح أنه أضاق جداً واشتد اختلاله، قال: فبكرت يوماً إلى أحمد بن أبي خالد مغلساً، لأكلمه في أمري، فخرج من بابه، وبين يديه الشمع، قاصداً إلى دار المأمون، فلما نظر إلي أنكر بكوري، وعبس في وجهي، وقال: في الدنيا أحد يبكر هذا البكور ليشغلنا عن أمورنا! قال: فقلت له: أصلحك الله، ليس العجب مما تلقيتني به، إنما العجب مني إذ سهرت ليلي، وأسهرت جميع من في منزلي توقعاً

стр. 77

للصبح، حتى أسير إليك، أستعينك في أموري على صلاحها، وعلي وعلي إن وقفت لك بباب أو سألتك حاجةً، حتى تصير إلي معتذراً! وانصرفت مغموماً لما لقيني به، مفكراً فيه، متندماً على ما فرط مني من اليمين، غير شاك في العطب؛ فأنا كذلك إذ دخل علي بعض الغلمان فقال: الوزير أحمد بن أبي خالد مقبل إليك في الشارع! ثم دخل آخر فقال: قد دخل دربنا؛ ثم دخل آخر وقال: قد قرب من الباب؛ ثم تبادر أحد الغلمان بين يديه فقال: قد دخل، فخرجت مستقبلاً له، فلما استقر به المجلس قال لي: كان أمير المؤمنين قد أمرني بالبكور إليه في بعض مهماته، فدخلت إليه وقد غلبني البهر مما فرط مني إليك حتى أنكر علي، فقصصت عليه القصة فقال لي: قد أسأت بالرجل، امض إليه معتذراً مما قلت! فقلت: فأمضي إليه فارغ اليدين؟ قال: فتريد ماذا؟ فقلت: تقضي دينه، قال: وكم هو؟ فقلت: ثلاث مائة ألف درهم؛ فأمرني بالتوقيع لك بها، فوقعت بها، ثم قلت: فإذا قضى دينه يرجع إلى ماذا؟ قال: فوقع له ثلاث مائة ألف يصلح بها أمره؛ فقلت: فولاية يشرف بها؟ قال: وله مصر أو غيرها مما يشبهها، فقلت: بمعونة يستعين بها على سفره! فأمر بالتوقيع لك بمائة ألف، وهذه التوقيعات لك بسبع مائة ألف درهم، والتوقيع بمصر؛ قال: فدفعها إلي وانصرف.

стр. 78

علي بن عيسي القمي ضمن للمأمون أعمال الضياع والخراج ببلده، وبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينار، أنكر المأمون تأخيرها، وألح في المطالبة بها، فأحضره يوماً، وتقدم إلى علي بن صالح حاجبه بإنظاره ثلاثة أيام، فإن أحضر المال وإلا ضربه حتى يتلف؛ وكانت بينه وبين غسان بن عباد عداوة، فانصرف من دار المأمون آيساً من نفسه، لا يقدر على شيء من المال، فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان ابن عباد فسلمت عليه، وأخبرته أنا بين يديك بخبرك، لرجوت أن يعينك على بعض أمرك! فحملته حاله على قبول ذلك، ومضى إلى غسان، فاستؤذن له عليه، فأذن له ورحب به، وتلقاه ووفاه حق القصد، وقص عليه الكاتب القصة، فقال: أرجو أن يكفيه الله! ونهض علي بن عيسى كاسف البال، آيساً من نفسه، نادماً على قصده، فلما خرج من دار غسان قال لكاتبه: ما زدتني بقصد غسان شيئاً غير تعجيل المهانة والذل بقصد من كان يعاديني! وعاد إلى منزله منصرفاً، بعد أن تشاغل في طريقه مع بعض إخوانه، فوافاه وببابه بغال عليها أربعون ألف دينار مع رسول غسان، فبلغه سلامه، وعرفه غمه بما رفع إليه، وتقدم إليه بحضور دار المأمون من غد ذلك اليوم مبكراً، فلما

стр. 79

وصل الناس إلى المأمون ووصل فيهم علي بن عيسى، مثل غسان بين يدي الصفين وقال: يا أمير المؤمنين، إن لعلي بن عيسى خدمةً وحرمةً وسالف أمل، ولأمير المؤمنين عنده إحسان، وهو أولى بربه، وقد لحقه من الخسران في ضمانه ما قد تعارفه الناس، وعليه من حدة المطالبة وشدتها، والوعيد بضرب السياط ما قد حيره، وقطعه عن الاحتيال فيما عليه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسعفني ببعض ما عليه ويضعه عنه فعل! ولم يزل به إلى أن حطه إلى النصف مما عليه، واقتصر به على عشرين ألفاً، فقال غسان: على أن يجدد له الضمان، ويشرف بخلعة، فأجابه المأمون؛ فقال: يأذن لي أمير المؤمنين أن أحمل الدواة ليوقع منها أمير المؤمنين بذلك ويبقى شرف حملها علي وعلي عقبي؟ قال: افعل، بتجديد الضمان، وعليه الخلع، فلما وصل إلى منزله رد العشرين ألفاً الباقية إلى غسان وشكره، فردها إليه وقال: لم أستحطها لنفسي، وإنما أحببت توفيرها عليك، وليس والله يعود إلي من هذا المال حبة واحدة أبداً، وترك الجميع له.

стр. 80

كاتب طاهر بن الحسين لما قتل طاهر بن الحسين علي بن عيسى بن ماهان في خروجه إليه من بغداد، دعا بكاتبه ليكتب إلى الفضل بن سهل بخبره، فلم يكن في الكاتب فضل من إفراط الجزع وشدة الزمع، مما شاهده، فكتب طاهر بيده إلى الفضل، وكان من عادته أن يخاطبه بالإمارة، فأسقط ذلك وكتب إليه: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداءك، كتبت إليك ورأس علي ابن عيسى بين يدي وخاتمه في اصبعي، وعسكره تحت يدي، والحمد لله رب العالمين. ثم لما نظر بالأمين وأنفذ رأسه إلى المأمون، قال الفضل بن سهل: ما فعل بنا طاهر! سل علينا سيوف الناس وألسنتهم، أمرناه أن يبعث به إلينا أسيراً، فبعث به عقيراً. وكان لطاهر كاتب يعرف بعيسى بن عبد الرحمن، فأنفذه إلى الفضل بن

стр. 81

سهل يظهر الإعتذار إليه، ويتشفى بمخاطبته إياه، وطاهر مقيم بالجزيرة والفضل بخراسان، وقد كان الشغب الذي حدث بينهما ظاهراً، فورد عسكر المأمون بمرو، وكثير ممن بها من الوجوه عاتب على الفضل، فحضره وبحضرته عبد الله ابن مالك الخزاعي، وهو أشدهم عتباً عليه، فكلمه بكلام كثير أغلظ له فيه، وعرض له بكل ما يكرهه، ثم قال له بعقبه: ولولا أني رسول مأمون ما قلت ما قلته! فقال له الفضل: أما خشيت في تحمل مثل هذه الرسالة القتل؟ فقال له عيسى: ما شككت في القتل، إلا أني ميلت بين أن آبى على صاحبها تحملها، وبين أن أقبلها، فرأيت أني إن لم تحملها عجل لي القتل، وحصل لي مذمة بمخالفته، وإن قبلتها كنت قد شكرت نعمته وأطعت أمره، وعشت بينه وبين الأمير أعزه الله المسافة التي قد عشتها، ثم لعلي أن أكون قد وردت من فضل الأمير وعفوه على ما أرجو ألا اُبعد عنه! فقال له الفضل: لو أطعت فيك النصحاء لأسترحت منك، ولم تك تكلمني في مجلس أمير المؤمنين ودار الخلافة بما كلمتني به، فقال له عيسى: وما رأى النصحاء أعز الله الأمير؟ فقال: أن كنت أضرب عنقك قبل أن تصل إلي، وأرد رأسك في مخلاة إلى صاحبك، فأكون قد قطعت يده ولسانه! فقال له عيسى: أنا يده ولسانه؟ والله لو أن صاحبي أخرج يده من مضربه لوجد حوله سبعين بل سبع مائة بل سبعة آلاف كلهم

стр. 82

أغنى وأجزى وأكفى مني، ومن أنا فيمن عضده الله تعالى به، وأعطاه من كفاته؟ فبلغ هذا الكلام من الفضل كل مبلغ، وقام مغضباً.. فوجه عبد الله بن مالك الخزاعي إلى عيسى أن مسيري إليك لو كان يستتر لسرت إليك، ولكني أُحب أن تسير إلي، فسار إليه، فلما رآه قال له: إني أردت إتيانك لشيء أُحب فعله، قال: فليقل الأمير ما أحب! فنهض إليه وقبل بين عينيه، وقال: شفيتني من العلج في كل ما كلمته به، ولكن الذي غاظه وبلغ منه غاية المساءة آخر كلامك!.. ثم انصرف مكرماً. وكان الفضل مهيباً حليما، وقال لبعض من استحجبه: إنك قد صرت حاجبي وتسمع مني السر والعلانية، وربما ذكرت الرجل واسأت ذكره، فلا يؤثرن ذلك فيك، ولا تتغيرن له، فلعل ذلك غاية عقوبتنا إياه. ميمون بن إبراهيم حكى الزبيدي في كتاب طبقات النحويين من تأليفه عن أبي العباس ثعلب، عن ابن قادم أستاذه قال: وجه إلي إسحق يعني ابن إبراهيم

стр. 83

المصعبي يوماً، فأحضرني ولم أدر ما السبب، فلما قربت من مجلسه، تلقاني ميمون بن إبراهيم كاتبه على الرسائل، وهو على غاية الهلع والجزع، فقال لي بصوت خفي: إنه إسحق!! ومر غير متلبث ولا متوقف، حتى رجع إلى مجلس إسحق، فراعني ذلك، فلما مثلت بين يديه قال لي: كيف يقال: وهذا المال مال أو هذا المال مالاً؟ قال: فعلمت ما أراد ميمون، فقلت له: الوجه وهذا المال مال، ويجوز: وهذا المال مالاً؛ فأقبل إسحق على ميمون بغلظة وفظاظة ثم قال: الزم الوجه في كتبك ودعنا من يجوز ويجوز! ورمى إلي بكتاب كان في يده، فسألت عن الخبر، فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون وهو ببلاد الروم عن إسحق، وذكر مالاً حمله إليه، فكتب: وهذا المال مالاً فخط المأمون على الموضع من الكتاب، ووقع بخطه في حاشيته: تكاتبني بلحن! فقامت القيامة على إسحق، فكان ميمون بعد ذلك يقول: لا أدري كيف أشكر ابن قادم، بقى علي روحي ونعمتي. قال أبو العباس ثعلب: فكان هذا مقدار العلم، وعلى حسب ذلك كانت الرغبة فيه، والحذر من الزلل، قال: وهذا المال مالاً ليس بشيء، ولكن أحسن ابن قادم في التأتي لخلاص ميمون. ويشبه هذا الخبر ما حكى الجاحظ، أن الحصين بن أبي الحر كتب إلى عمر

стр. 84

رضي الله عنه كتاباً، فلحن في حرف منه، فكتب إليه عمر أن قنع كاتبك سوطاً. وفي كتاب ابن عبدوس: أن عمر وجد في كتاب لأبي موسى الأشعري لحناً، فكتب إليه بذلك. وخالف ابن عبدوس أبو جعفر بن النحاس فروى أن كاتباً لأبي موسى كتب إلى عمر: من أبو موسى، فكتب إليه عمر أن اضربه خمسين سوطاً واعزله عن عملك؛ إلا أن تكون القضيتان لكاتب واحد. وقال المأمون لبعض ولده، وسمع منه لحناً: ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويزين مشهده، ويفل حجج خصمه بمسكتات حكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه. أيسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان أمته أو عبده فلا يزال الدهر أسير كلمته!. ويروى أنه كان يتفقد ما يكتب به الكتاب، فيسقط من لحن، ويحط مقدار من أتى بما غيره أجود منه في العربية؛ وكان يقول: إياكم والشونيز في كتبكم؛ يعني النقط والإعجام. وقال محمد بن عبد الله ابن طاهر، وقد رفعت إليه قصة أكثر صاحبها إعجامها: ما أحسن ما كتب إلا أنه أكثر شونيزها! وكان سعيد بن حميد يقول: لأن يشكل الحرف على القارئ أحب إلي من أن يعاب الكاتب بالشكل، فإذا كرهوا الإعجام والشكل فما ظنك باللحن! إلا أن ترك ذلك قد يورث إشكالاً.

стр. 85

حكى الماوردي عن قدامة بن جعفر أن بعض كتاب الدواوين حاسب عاملاً لعبيد الله بن سليمان بن وهب، فشكا منه إلى عبيد الله، وكتب رقعةً يحتج فيها بصحة دعواه ووضوح شكواه، فوقع فيها عبيد الله: هدا هدا فأخذها العامل وظن أن عبيد الله أراد: هذا هذا إثباتاً لصحة دعواه، كما يقال في إثبات الشيء: هو هو فحمل الرقعة إلى كاتب الديوان، وأراه خط أبي عبد الله وقال: إنه صدق قولي وصحح ما ذكرت! فخفي على الكاتب ذلك، وطيف به على كتاب الدواوين، فلم يقفوا على مراده، فشدد عبيد الله الكلمة الثانية وكتب تحتها: والله المستعان! استعظاماً منه لتقصيرهم في استخراج مراده حتى احتاج إلى إيضاح مراده بالنقط والشكل. وكان عبد الله بن طاهر يفرط في تفقد المخاطبات عنه وإليه، ويتوعد عليها، ويعاقب فيها. قال لكاتب له أمره بشيء يعمله: إحذر أن تخطئ فأعاقبك بكذا وكذا.. وذكر أمراً عظيماً، فقال له الكاتب: أيها الأمير فمن كانت هذه عقوبته على الخطأ فما ثوابه على الإصابة؟.. وكتب إليه بعض عماله على العراق كتاباً صحائفه غليظة، فأمر عبد الله بإشخاص كاتب العامل إليه، فلما ورد عليه

стр. 86

قال له عبد الله: إن كان معك فأس فاقطع حزم كتابك ثم ارجع إلى عملك، وإن عدت إلى مثلها عدنا إلى إشخاصك لقطعها. وقد أوصى عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز، حين وجهه إلى مصر فقال: تفقد كاتبك وحاجبك وجليسك، فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يذكرك بجليسك! أبو بكر بن سليمان الزهري أراده زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية على كتابته، وكان عالماً أديباً شاعراً مترسلاً، مع دين وصيانة، فأبى عليه واستعفاه، فلم يعفه، فاشترط عليه ثلاثة شروط، قال زيادة الله: وما هي؟ قال: لا أخلع ردائي، وأجلس في مجلسك بغير إذن، أنا شيخ ومجلسك لا يجلس فيه إلا بإذنك، ولا أكتب في دم أحد ولا ماله! قال: لك ذلك؛ ووفى له بهذه الشروط. وروي أنه قال له يوماً: يا زهري أصليبة أنت أم مولى؟ فقال: صلبني القدم أعز الله الأمير! فقال زيادة الله: إني لأسر بصدقه مني بعلمه. ومر به زيادة الله يوماً وهو يصلي فناداه: يا زهري يا زهري! فلم

стр. 87

يجبه، وتمادى في صلاته، فغضب عليه وعاتبه وقال: دعوتك فلم تجبني! فقال: كنت بين يدي من هو أعظم منك! قال: صدقت! ويشبه هذا ما حدث به عبد الصمد بن المعذل قال: ركب أبي إلى الأمير عيسى بن جعفر وكان على البصرة، فوقف ينتظره، فلما أبطأ عليه أقبل يصلي، وكان المعذل إذا دخل في الصلاة لم يقطعها، فجعل عيسى يصيح: يا معذل! يا أبا عمرو.. والمعذل على صلاته لم يعرج عليه، فغضب عيسى ومضى، فلما أتم صلاته لحق عيسى وأنشأ يقول: قد قلت إذ هتف الأمير ... يا أيّها القمر المنير حرم الكلام فلم أُجب ... وأجاب دعوتك الضمير فلو أنّ نفسي طاوعت ... ني إذ دعوت ولا أُحير لبّاك كلّ جوارحي ... بأناملٍ ولها السرور شوقاً إليك وحقّ لي ... ولكدت من فرحٍ أطير فرضي عنه عيسى، وأمر له بعشرة آلاف درهم. وروى هذه القصة أبو علي البغدادي في نوادره عن أبي بكر الأنباري عن أبيه عن عبد الصمد بن المعذل، وبينهما خلاف يسير.

стр. 88

الفضل بن مروان كان في أيام الرشيد على ديوان الخراج، ثم كتب للمعتصم قبل خلافته، وتولى أخذ البيعة له عند وفاة المأمون، والمعتصم إذ ذاك غاز معه، وكان الفضل في ذلك الوقت خليفةً على بغداد للمأمون، فأعطى الجند رزق أربعة أشهر، ثم ورد المعتصم يوم السبت مستهل رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين، فاستوزره يوم وروده، ورد الأمر كله إليه، فغلب عليه لتربيته إياه. ولما ظهر بين إبراهيم بن المهدي والفضل بن مروان من العداوة ما ظهر، قصده العباس وعلي ابنا المأمون، وعبد الوهاب بن علي، وأعلموه أنهم قد علموا على ذكر مساوئ الفضل للمعتصم، وسألوه معاونتهم والشهادة بتصديقهم، فلم يستوف كلامهم ولا أجابهم، حتى جاءهم رسول المعتصم فطلبهم، فساروا إليه، فابتدأ العباس بكل قبيح، وتكلم عبد الوهاب وعلي بأقبح وأشنع منه، وأقبل علي بن المأمون على إبراهيم، فقال له: مالك يا عم لا تتكلم، وما أحد ركبه الفضل بأكثر مما ركبك به؟ فقال له إبراهيم: ليس كل ما ركبني به الفضل يعرف، وإن أياديه السود عندي لكثيرة، إلا أن مجالس الملوك لا يغضب فيها لغيرها.. ثم أقبل على المعتصم فقال له: يا أمير المؤمنين قد رفعت الفضل إلى مرتبة لم ترفع الخلفاء

стр. 89

إليها أحداً، ولا تكون محطته إلا لإحدى ثلاث خصال: إما خيانة في نفس المملكة، وإما خيانة في حرمة، وإما خيانة في نفسه بإفشاء سر يعود بضرر، ولا يعتقد الفضل ذنباً يعادي به بني العباس، فيحاول نقل الخلافة منهم إلى غيرهم، فقد سلم من الخيانة في المملكة، وليس الفضل بمستهتر يجرم نفسه بإفشاء سر يعود منه ضرر وهو آمن منه، لأن المعروف منه أن يؤثر دنيا أمير المؤمنين على دنيا نفسه وعلى آخرته أيضاً؛ فقال علي بن المأمون: فقد ظهرت خيانة الفضل في الأموال! فقال إبراهيم: ليس من خان أمير المؤمنين مالاً يعد عدواً، لأن الناس كلهم إلا من عصم الله يرغبون في الأموال، ويقوى بها على خدمة السلطان، ومن بلغ منزلة الفضل لم يسأ به الظن! فاستحسن المعتصم ما كان من إبراهيم وشكره له الفضل بن مروان، وندم على ما كان أسلفه من المكروه. قول إبراهيم بن المهدي: لا تكون محطته إلا لإحدى ثلاث خصال من قول المأمون: يحتمل الملوك كل شيء إلا ثلاثة: القدح في الملك وإفشاء السر والتعرض للحرم. ثم اتصلت مطالبة الفضل والسعاية به، وقيل للمعتصم: إنه يفعل وأنت خليفة كما كان يفعل وأنت أمير، لا يهابك! فنكبه، وكان يقول: عصى الله وأطاعني فسلطني الله عليه؛ ومما قيل في نكبته:

стр. 90

لا تغبطنّ أخا الدنيا بمقدرةٍ ... فيها وإن كان ذا عزٍ وسلطان يكفيك من غير الأيّام ما صنعت ... حوادث الدهر بالفضل بن مروان إنّ الليالي لم تحسن إلى أحدٍ ... إلاّ أساءت إليه بعد إحسان والعيش حلوٌ ومرٌّ لا بقاء له ... جميع ما الناس فيه زائلٌ فان وندم المعتصم على عزله، فكان يقول: إذا نصر الهوى بطل الرأي! وترك أمواله لم ينفق منها شيئاً، وقال: لا أستحلها! ثم استقل بعد ذلك وتصرف للواثق والمتوكل وغيرهما، وكان ابن الزيات يعاديه، فوقف يوماً في وزارته الواثق على باب ديوان الخراج، ودعا بالفضل وقال له: إن أمير المؤمنين يقول: يا بن الفاعلة لأسفكن دمك، وآخذن مالك! قال: وأمرك بسماع الجواب؟ قال له: لا، ولكن قله! قال: لا.. ثم انصرف، وأمر ونهى ما تبين منه شيء، ثم بكر إلى دار الخلافة، فحجب، وفعل فعله بالأمس كذلك ثلاثة أيام، ثم أُدخل بعد إلى الواثق، فبكى وقال: الله في دمي وقد بلغت السبعين، وما ذنبي غير حبي للمعتصم وغلمانه، فضلاً عن ولده! ومالك ول جمعه غيري، فقد سقطت هيبتي عمن يحمله إلي، فإن ابن الزيات قال كذا وكذا، قال له: أو كلمك به على رؤوس الناس؟ قال: نعم! قال: والله لأدفعنه إليك فتستصفي ماله! فانصرف الفضل إلى مكانه ما ظهر عليه شيء من السرور. وكان

стр. 91

الفضل عاقلاً داهياً جزلا، يذكر عنه أنه ما ظهر عليه سرور بفرح قط ولا حزن بمصيبة. وتلاحى هو وأحمد بن المدبر يوماً بين يدي المتوكل قال الصولي: وكان الخلفاء لا ينكرون تنازع الكتاب بين أيديهم وابن المدبر يلي في ذلك الوقت أمر دار المتوكل كله، المطابخ والفرش وغير ذلك، وفي المجلس مرفقة قد جعلت لأمر ولم ترفع، فضرب الفضل بيده على المرفقة ضرباً شديداً، فقام منها غبار كثير، فقال له أحمد: أتغبر بين يدي أمير المؤمنين؟ أما لك أدب! أما خدمت الملوك! فضحك الفضل وقال: من خدمتي للملوك فعلت هذا، ليرى أمير المؤمنين قلة كفايتك في فرشه، وأنك لا تهتم بنفضها، ويعلم كيف يكون فيما يبعد عنه، ولولا خوفي من سوء الأدب حقاً لضربت البساط فيرى ما هو أعظم من هذا! فبهت أحمد، وجعل يعتذر، فما مضت إلا أيام حتى عزل عن الدار. محمد بن عبد الملك الزيات كتب للمعتصم ووزر له ولأبنه الواثق بعده خلافته كلها وأياماً يسيرة من خلافة المتوكل، وهو أحد من رأس بعلمه وبيانه وبلاغته. ولما استقصر المعتصم

стр. 92

أحمد بن عمار المزاري، وسأله عن الكلأ فلم يعرفه، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! خليفة أُمي، وكاتب أُمي!! فعرف مكانة ابن الزيات من الأدب، فأمر بإدخاله عليه، وقال له: ما الكلأ؟ فأجابه بما هو مشهور عنه، فاستحسن المعتصم ذلك، وقال لأبن عمار: انظر في الدواوين والأعمال، وهذا يعرض علي الكتب، فلم ير اطراح ابن عمار لقصوره، ولا بخس ابن الزيات حق منظومه ومنثوره. وحكي أن المعتصم شاور بعض خاصته في محمد بن عبد الملك الزيات، فأشار به، فعزم عليه، ثم ورد فتح بابك على المعتصم، فسر به وأحب أن ينشأ فيه كتاب يبقى ذكره، فأشار ابن أبي دواد عليه بتكليفه ابن الزيات، ففعل ذلك، فكتب فيه كتاباً مشهوراً، أبر فيه على كل نسخة عملت في ذلك الفتح، ثم قلده وزارته، وكان حاقداً عليه قبل إفضاء الخلافة إليه، لقصة ذكرها ابن عبدوس، وهي أن المعتصم أمر محمد بن عبد الملك أن يعطي الواثق عشرة آلاف ألف درهم، يستعين بها على أموره ويصلح بها ما يحتاج إلى إصلاحه، فدافعه بذلك مدافعة متصلة، أحوجت الواثق إلى أن شكاه إلى المعتصم، فأنكر عليه تأخير المال عن

стр. 93

الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، العدل أولى بك وأشبه بعقلك، ولك عدة أولاد، أنت في أمرهم بين خلتين: إما أن تسوي بينهم في العطية فتجحف ببيت المال، وإما أن تخص بعضهم فتحيف على الباقي! فقال له: قد رهنت لساني بشيء، فماذا أصنع فيه؟ قال: تأمر لباقي أولادك بأشياء أُخر من إقطاعات وصلات، وتطلق لهارون صدراً من المال وتدافعه بباقيه، وتتسع أنت قليلاً، وندبر الأمر بعد ذلك بما يراه أمير المؤمنين! قال: فقال له وفقك الله، فما زلت أتعرف الخيرات في رأيك والسداد في مشورتك، وتأدى الخبر إلى هارون، فحلف بعتق عدة من عبيده، وبحبس عدة خيل، وبوقف عدة ضياع، وبصدقة مال جليل، أنه إذا ظفر بمحمد بن عبد الملك قتله، وكتب اليمين بخطه في رقعة وجعلها في درج، وأودعه دايته، فلما توفي المعتصم، وأفضى الأمر إلى الواثق، وكان ذا أناة، كره أن يعاجله فيقول الناس إنه بادر بشفاء غيظه، ثم عزم على الإيقاع به، فتقدم بأن يجمع له من وجوه كتاب الدواوين من يصلح لولاية الدواوين والوزارة، فجمع له عشرة نفر، فأثبت أسماءهم وجلس الواثق ودعا بواحد منهم، وقال له: اكتب في كذا، في أمر رسمه له، فاعتزل وكتب، وعرض الكتاب عليه، فلم يجده صنع شيئاً، ثم دعا بآخر وأمره أن يكتب كتاباً في معنى أمره به، فاعتزل وكتب، وعرض الكتاب عليه، فلم يرضه، حتى امتحن العشرة، فلم يرض

стр. 94

ما كتبه كل واحد منهم، فأقبل على حاجبه فقال: أدخل من الملك مضطر إليه، وهو محمد بن عبد الملك الزيات، فجيء به وهو واجم متغير مضطرب، فلما وقف بين يديه قال: اكتب إلى صاحب خراسان في كذا، فأخرج من كمه قصباً ومن خفه دواةً، وابتدأ فكتب بين يديه، حتى فرغ من الكتاب وأصلحه، وتقدم فناوله إياه، وقد أتى فيه على جميع ما في نفسه، فلما قرأه أُعجب به جداً، وقال له: امضه، فأخرج من الخريطة طيباً فوضعه عليه، وناوله الخاتم، فختمه وأنفذه من حضرته ووقف بين يديه؛ فقال الواثق لخادم بين يديه: امض إلى دايتي وقل لها توجه إلي بالدرج الفلاني، فمضى الخادم، فوافى به، ففتحه وأخرج الرقعة، فدفعها إلى محمد فقرأها وقال: يا أمير المؤمنين، أنا عبد من عبيدك، فإن وفيت بيمينك فأنت محكم، وإن عفوت وصفحت كان أشبه بك! فقال: لا والله، لا يمنعني من الوفاء بيميني إلا النفاسة أن يخلو الملك من مثلك! وأمر بعتق العبيد الذين حلف بعتقهم، وبوقف الضياع وحبس الخيل وصدقة المال. وكثرت في أيام الواثق نكبات الكتاب، كسليمان بن وهب، وأحمد ابن الخصيب وغيرهما، بسعاية ابن الزيات، فقال إبراهيم بن العباس الصولي في ذلك يخاطبه من أبيات:

стр. 95

إيهٍ أبا جعفرٍ وللدّهر كرّم ... اتٌ وعما يريب متّسع أرسلت ليثاً على فرائسه ... وأنت منها فانظر متى تقع لمّظته قوته وفيك له ... إذا تقضّت أقواته شبع وقد كان أحمد بن أبي دواد حمل الواثق على الإيقاع بابن الزيات، وأمر علي بن الجهم فقال فيه أرجوزة: هارون يا بن سيد السادات ... أما ترى الأُمور مهملات تشكو إليك عدم الكفاة! فهم الواثق بالقبض عليه وقال: لقد صدق قائل هذا الشعر، ما بقي لنا كاتب! فطرح نفسه على إسحق بن إبراهيم، وكانا مجتمعين على عداوة ابن أبي دواد، فقال للواثق: أمثل ابن الزيات مع خدمته وكفايته يفعل به هذا، وما جنى عليك ولا خانك، وإنما دلك على خونة أخذت ما اختانوه فهذا ذنبه! وبعد، فلا ينبغي لك أن تعزل أحداً حتى تعد لمكانه جماعة يقومون مقامه، فمن لك بمن يقوم مقامه؟ فمحا ما كان في نفسه عليه ورجع له.

стр. 96

وحكي أن الواثق أصلح بين ابن الزيات وابن أبي دواد، فكف محمد عن ذكر ابن أبي دواد، وجعل هو يخلو بالواثق فيغريه، وكان فيما أبلغه عنه أنه قد عزم على الفتك به والتدبير عليه، إلى أن قبض على ابن الزيات، ثم أطلقه بعد مدة وأعاده إلى حاله، وقبض الواثق عليه ليس بمشهور، لأنه من خلفاء العباسيين الذين لم ينكبوا وزيراً، وهم قليل كالهادي والأمين قبله، والمعتضد والمكتفي بعده. سليمان بن وهب لم يكن في دار المأمون حدثٌ أحسن خطاً من سليمان، ولا آدب من أخيه الحسن؛ وكتب لإيتاخ التركي في أيام المعتصم، فكان السبب في عتقه، فتبرك به وفوض إليه أمره كله. وما زال يعلو بعلوه، فسعى ابن الزيات إلى الواثق به وبأحمد بن الخصيب، وكان يكتب لأشناس التركي، ورفع قصيدة نسبها إلى بعض أهل العسكر، وقيل إنه صنعها في الإغراء بهما، من أبياتها:

стр. 97

ولّيت أربعةً أمر العباد معاً ... وكلّهم حاطبٌ في حبل محتبل كأنهم في الذي قسّمت بينهم ... بنو الرشيد زمان القسم للدول حوى سليمان ما كان الأمين حوى ... من الخلافة والتبليغ للأمل وأحمد بن خصيبٍ في إمارته ... كالقاسم بن الرشيد الجامع السّبل سمّيت باسم الرشيد المرتضى فبه ... قس الأُمور التي تنجي من الزلل عث فيهم مثل ما عاثت يداه معاً ... على البرامك بالتّهديم للقلل فلما قرأ الواثق الشعر غاظه وبلغ منه، ونظر بعقب ذلك إلى أحمد بن الخصيب يمشي في داره فتمثل: من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليّان لو شاءا لقد قضياني خليليّ أمّ أُمّ عمروٍ فمنهما ... وأمّا عن الأُخرى فلا تسلاني فبلغ ذلك سليمان بن وهب فقال: إنا لله، أحمد بن الخصيب والله أم عمرو، وأنا الأخرى! فنكبهما بعد أيام؛ والبيتان من أشعار الغناء، وهما من قصيدة طويلة لكعب القيسي المعروف بالمخبل، ذكر ذلك أبو الفرج، ومنها:

стр. 98

أفي كلّ يومٍ أنت رامٍ بلادها ... بعينين إنساناهما غرقان إذا أغر ورقت عيناي قال صحابتي ... لقد أُولعت عيناك بالهملان وكتب الحسن بن وهب إلى أخيه في نكبته: اصبر أبا أيوب صبراً يرتضى ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها الله يفرج بعد ضيقٍ كربها ... ولعلّها أن تنجلي ولعلّها وكان الحسن آلى ألا يذوق طعاماً طيباً، ولا يشرب شراباً حتى يتخلص أخوه، فوفى بذلك، وقال سليمان في نكبته: نوائب الدّهر أدّبتني ... وإنّما يوعظ الأريب قد ذقت حلواً وذقت مراً ... كذاك عيش الفتى ضروب ما مرّ بؤسٌ ولا نعيمٌ ... إلاّ ولي منهما نصيب كذا قال الصولي وغيره. وقال أبو الحسن الماوردي، عن ثعلب قال: دخلت على عبيد الله بن سليمان بن وهب، وعليه خلع الرضى بعد النكبة، فلما مثلت بين يديه، قال لي: يا أبا العباس اسمع ما أقول: نوائب الدّهر أدّبتني ... ....

стр. 99

وذكر الأبيات، وزاد رابعاً في آخرها: كذاك من صاحب الليالي ... تعروه في مرّها الخطوب قلت: لمن هذه الأبيات؟ قال: لي. ثم استقل سليمان وخلص من اعتقاله، وتناهى بعد ذلك ارتقاء حاله، فتقلد الأعمال الجليلة، وكتب لعظماء الدولة، وولاه المتوكل مناظرة ابن الزيات لما سخط عليه؛ ثم وزر للمهدي في خلافته، ثم للمعتمد، وذكر البحتري في رثائه أنه أقام سبعين حولاً في التدبير. واستقل ابن الخطيب أيضاً، فكتب للمنتصر في حياة أبيه المتوكل، ثم وزر له لما تقلد الخلافة، ووزر للمستعين بعده. ومن عجيب ما اتفق لسليمان في نكبته مع ابن الزيات، ما حكاه محمد بن داود ابن الجراح، صاحب كتاب الورقة، قال: جلس عبيد الله بن سليمان يوماً

стр. 100

للمظالم يعني في وزارته للمعتضد فقام إليه عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات متظلماً من أحمد بن إسرائيل في ضيعة، فنظر في أمره، وقال: أنت عمر بن محمد؟ قال له: نعم! قال: أنت ابن سكران يعني أمه فأين كنت؟ فقص عليه أمره وخبره؛ فلما كان في عشي ذلك اليوم، جلس ابناه وابن الجراح بين يديه، فتحدث عبيد الله واستروح وقال: سبحان الله العظيم، ما أعجب شيئاً كنت فيه اليوم! قال ابن الجراح: فلم أسأله إجلالاً، ثم قال: قال لي أبو أيوب يعني أباه إنه كان في أيام الواثق في ذلك البلاء والضرب والقيد، وإنه حمل يوماً إلى محمد بن عبد الملك ليناظره ويرد إلى محبسه، فوضع بين يديه على تلك الحال، فجعل يناظره، والحسن بن وهب كاتبه، ودواته بين يديه، فربما تكلم يرققه عليه، وربما أمسك، ومحمد دائم في الغلظة على أبي أيوب والتشفي منه، إذ مر بعض خدم محمد، ومعه صبي يحمله وعليه لباس مثله من أولاد الملوك، فلما رآه محمد صاح بالغلام، فأتاه به، فقربه وقبله، وترشفه وضمه إليه وجعل يداعبه، وحانت منه التفاتة إلى أبي أيوب، وإذا دمعته قد سبقته وهو يمسح عينيه بجبة الصوف التي كانت عليه، فقال له: ما الذي أبكاك؟ فقال: خير أصلحك الله! فقال له: لا تبرح أو تخبرني بالأمر على جهته! فلما رأى ذلك الحسن بن وهب قال له: أنا أصدقك أعزك الله، لما رأى أبا محمد أمتعك الله ببقائه وجعلنا جميعاً فداءه ذكر بنياً له، ولد وهو

стр. 101

في وقت واحد، وهو في مثل سنه! قال: وما اسمه؟ قال: عبيد الله؛ قال: فالتفت محمد إليه كالهازئ به، ثم قال: يقدر أن يكون ابنه هذا وزيراً! قال الحسن: فلما أمر بحمله إلى محبسه، التفت إلي ثم قال: لولا أن هذا من أمور السلطان التي لا سبيل إلى التقصير فيها ما سؤتك فيه، ولو أعانني على نفسه لخلصته؛ فقال له أبو علي: والله ما رأيته، فإن رأيت أن تأمر به إلى بعض المجالس، وتأذن لي في القيام إليه والخلوة به، فأشير عليه بامتثال أمرك فعلت! فأمر بذلك؛ قال: فقمت إلى أبي أيوب، فتعانقنا وبكينا، فقال لي: أعجب من بغيه وقوله بالهزء والتطانز: أتراه يقدر أن يكون ابنه هذا وزيراً والله إني لأرجو أن يبلغه الله الوزارة ويتقدم إليه عمر متظلماً، فلما كان في يومنا هذا تقدم إلي عمر يتظلم كما رأيتم، فذكرت ذلك الحديث وقول أبي أيوب ما قال، وما كنت رأيته قبل ذلك. وقال الصولي في هذه الحكاية: جلس عبيد الله يوماً للمظالم، فوقعت بيده رقعة، فقال: عمر بن محمد بن عبد الملك! فأدخل إليه، فقال: أنت عمر؟ قال: نعم! ثم جعل ينظر إليه ويفكر، ثم وقع له بجائزة ونزل؛ فلما تفرق الناس حدث من يأنس به قال: رأيتم فكرتي في الرجل وما فعلت؟ قالوا: رأينا! فقال: حدثني أبو أيوب أبي قال: كنت في يدي محمد بن عبد الملك

стр. 102

الزيات، وهو يطالبني بمال، وأنا مقيد منكوب بين يديه، في جبة صوف، وكان أخي الحسن يكتب له، ولم يكن يتهيأ له شيء في أمر، إلا أنه كان إذا رآني مقبلاً استقبلني، وإذا رآني قد رجعت إلى موضعي شيعني، إذ أقبل خادم له ومعه ابن له صغير، فقام إليه كل من في المجلس، وجعلوا يقبلونه ويدعون له، ولم أتحرك أنا لما كنت فيه، فقال لي يا أبا سليمان لم لم تفعل بهذا الصبي ما فعله من كان في المجلس؟ فقلت له: لشغلي ببلائي! فقال: لا ولكن لعداوتك له ولأبيه، وكأني بك وقد أملت في ابنك عبيد الله الآمال، والله لا رأيت ما تؤمله فيه أبداً! وزاد في الحمل علي والدعاء بما يسوءني، فقلت في نفسي: إنه قد بغى علي، وإني أثق بالله! فلم يمض إلا قليل حتى سخط عليه المتوكل، وقلدني مناظرته وإحصاء متاعه، فوافيت داره، ورأيت ذلك الصبي مع ذلك الخادم بعينه، والصبي يبكي، فقلت للخادم: ما خبره؟ فقال: قد منع من جميع ماله! فقلت: لا بأس عليه؛ ودخلت فسلمت إليه كل ما كان باسمه؛ ثم قال لي: يا بني إن تهيأت لك حال ورأيت ذلك الصبي فأحسن إليه لتقابل نعمة الله عندي وعندك، فلما رأيته تذكرت ما قال أبو أيوب، وامتثلت فيه أمره، ثم صرفه عبيد الله وأقبل عليه إلى أن استخلفه في دار بدر.

стр. 103

إبراهيم بن رياح كان على ديوان الضياع فعزله الواثق، ودفعه إلى عمر بن فرج الرخجي فحبسه، وكان جواداً ممدحاً، وفيه يقول عبد الصمد بن المعذل: قد تركت الرياح يأبن رياحٍ ... وهي حسرى إن هبّ منها نسيم نهكت مالك الحقوق فأضحى ... لك مالٌ نضوٌ وفعلٌ جسيم وصنع أبو العيناء خبراً في إبراهيم هذا وجماعة من رجال السلطان رجاء أن ينتهي إلى الواثق فينتفع به، ومن ألفاظه: قلت: ما عندك من خبر إبراهيم ابن رياح؟ قال: ذلك رجل أوثقه كرمه، وإن يفز للكرام قدح فأحر بمنجاته، ومعه رجاء لا يخذله، ورب لا يسلمه، وفوقه خليفة لا يظلمه! فلما قرئ على الواثق ضحك واستظرفه وقال: ما صنع هذا كله أبو العيناء إلا في سبب إبراهيم ابن رياح، وأمر بتخليته.

стр. 104

إبراهيم بن العباس الصولى ولي الأهواز في أيام الواثق، فطالبه ابن الزيات وقصده بكل مكروه، حتى صرف عنها وكان قبل ذلك أشد الناس اتصالاً به وصداقةً له، ثم تغير عليه لأن رآه مع ابن أبي دواد، فكتب إليه إبراهيم: إني متى أحقد بحق ... دك لا أضرّ به سواكا ومتى أطعتك في أخي ... ك أطعت فيك غداً أخاكا حتى أُرى متقسّما ... يوماً لذا وغداً لذاكا

стр. 105

وحكي عن حاجب محمد بن عبد الملك الزيات قال: لما انصرف إبراهيم ابن العباس معزولاً عن الأهواز، وقف بباب عبد الملك يطلب الإذن، فاستأذنت له ثلاث مرات، فلم يأذن، فخرجت إليه فقلت: يا أبا إسحق قد حملت نفسي على سوء الأدب بأن كررت الاستئذان على الوزير فلم يأذن! فسألني إيصال رقعة إليه، فقلت: هاتها، فثنى رجله على سرجه وكتب: من كان واحدك إذ جعلت لنفسك واحداً، وواحدي إذ خفت من زماني نبوة؟ أما والله لو أمنتك لقلت، ولكني أخاف منك عتباً لا تنصفني فيه، وأخشى من نفسي لائمةً لا تحتملها لي، وما قدر فقد كان ويكون وكائن، وعن كل حادثة أُحدوثة، وما أقول إني تبدلت بحالة كنت بها مغتبطاً حالةً أنا في مكروهها، بل أقول إني قهرت، فلما فزعت إلى ناصري، وجدت من ظلمني أخف نيةً في ممن استنصرت به، وأحمد الله كثيراً وأشكره! وكتب في آخر الرقعة: وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا وكنت إليك أذم الزمان ... فأصبحت فيك أذمّ الزمانا

стр. 106

وكنت أُعدّك للنائبات ... فهأنا أطلب منك الأمانا قال: فأوصلت الرقعة، فقرأها وفكر ساعة ثم وقع في آخرها: ارجع مذموماً، لا حاجة بنا إلى أُخوّتك ولا صداقتك ولا الاستعانة بك: إذا ما بدأت امرأً جاهلاً ... ببرٍّ فقصّر عن حمله ولم تلفه قائلاً بالجميل ... ولا عارف العزّ من ذلّه فسمه الهوان فإنّ الهوان ... دواء لذي الجهل من جهله كذا في رسائل ناح الأصبهاني وحسبك ما أخلدت إليه ضعةً ونقصاً، وفي كفاية الله غنى عنك! قال: فلما قرأ إبراهيم التوقيع جعل يتحرق على دابته ساعة وقال لي: إن انقطاعي اليوم إلى الله ثم إليك! فقلت: قل ما شئت! قال: توصل لي رقعةً أُخرى؟ قلت: قد رأيت التوقيع! قال: أكتب الرقعة وتكون في يدك فإنه سيسأل ما فعل إبراهيم؛ فقلت: أُكتب؛ فثنى رجله على سرجه وكتب: من شكرك على درجة رفعتها، أو نعمة أوليتها، أو زيادة مننت بها، فإني أشكرك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق

стр. 107

قمت به، وحلت بين التلف وبينه، فلا تسقطني عندك هنة إن كانت، فإني والله واحدك بالأسباب التي تجتمع فيك ولك، ولا تجتمع لك في غيري من أخ ولا صاحب، وكنت أعدك الوفاء، فقد والله فعلت، وكنت تعدني ألا أُضام في دولتك وأيامك، فلا تخذلني في حال إن أخليتني فيها من نصرتك لم يلحقني مقدار في نفسي ومودتي إلا لحقك مثله والسلام! وقال في آخره: أبا جعفرٍ عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلاً من مدى غلوائكا فإن كنت قد أُوتيت في اليوم رفعةً ... فإنّ رجائي في غدٍ كرجائكا فلما قرأ الرقعة أذن له في الدخول، وقرب مجلسه، ونادمه يومه، وصرفه محبواً مكرماً. وقال الصولي: لم يزل محمد بن عبد الملك بالواثق إلى أن وجه أحمد بن سيف للنظر في عمل إبراهيم، فكتب إبراهيم إلى الواثق: أتقبل علي قول رجل كافر قال كذا ... وذكر شعراً يخاطب ملك الموت به عند موت غلامه،

стр. 108

فوجه الواثق من يحقق له الخبر، وعلم سعي محمد بن عبد الملك بإبراهيم، فحسن مذهبه فيه. وسعى أحمد بن المدبر إلى المتوكل بإبراهيم بن العباس، وكان بينهما تباعد، فقال للمتوكل: قلدت إبراهيم ديوان الضياع وهو متخلف آية من الآيات ما يحسن قليلاً ولا كثيراً؛ وطعن عليه طعناً قبيحاً، فقال له المتوكل: في غد أجمع بينكما، واتصل الخبر بإبراهيم فأيقن بحلول البلاء، وعلم أنه لا يفي بأحمد بن المدبر في صناعته، وغدا إلى دار السلطان آيساً من نفسه ونعمته، وحضر أحمد فقال المتوكل: قد حضر إبراهيم وحضرت، ومن أجلكما قعدت، فهات واذكر ما كنت فيه أمس! فقال أحمد: أي شيء أذكر عنه، وما أقول فيه! أول ما أذكر ما لا يذهب على أحد، أنه لا يعرف أسماء عماله في النواحي، ولا يعلم ما يثبت في ديوانه من تقديراتهم وحزورهم وكفولهم، ولا يحفظ أسماء النواحي التي يتقلدها.. ومر في أبواب بعدها فاحشة سمجة منكرة، فالتفت المتوكل إلى إبراهيم فقال: ما سكوتك؟ تكلم! فقال يا أمير المؤمنين: جوابي في بيتين، إن أذن أمير المؤمنين أن أذكرهما فعلت! قال: اذكرهما، فأنشأ يقول:

стр. 109

ردّ قولي وصدّق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذّالا أتراه يكون شهر صدودٍ ... وعلى وجهه رأيت الهلالا فقال المتوكل: زه زه أحسنت والله أحسنت! إئتوني بمن يعمل في هذا لحناً وهاتوا ما نأكل، وأتوني بالندماء والمغنين، ودعونا من فضول ابن المدبر، واخلعوا على إبراهيم بن العباس! فخلع عليه، وانصرف إلى منزله. قال الحسن ابن مخلد وكان يخلف إبراهيم على ديوان الضياع: فمكث يومه مفكراً مغموماً ساهياً، فقلت: يا سيدي هذا يوم سرور وجذل بما جدده الله لك وعندك من نعمه، وخصك من كفايته، فما هذا الغم؟ فقال: يا بني، الحق أولى بمثلي وأشبه، إني لم أدفع أحمد بن المدبر بحجة، ولا كذب في شيء مما ذكرني به، ولا أنا ممن يعشره في الخراج، كما أنه لا يعشرني في البلاغة، وإنما فلجت بمخرقة وهزل، أفلا أبكي فضلاً عن أن أغتم من زمان يدفع فيه ذلك الحق كله بما دفعته من الباطل، وسيكون لهذا وشبهه نبأ بعد! وجلت حال إبراهيم عند المتوكل، واختص بكتابته، وله عنه الرسالة الغريبة في تأخير النيروز، ولما قرأها عليه أعجب بها كل من حضر، فكان

стр. 110

الفتح بن خاقان يقول للمتوكل: إبراهيم فضيلة خبأها الله لك! وكان إبراهيم إذا دخل على المتوكل أمر ألا يهزأ أحد بين يديه حتى يقوم. محمد بن الفضل الجرجرائي كتب للفضل بن مروان، ثم وزر للمتوكل بعد ابن الزيات، وكان يسمع الفضل يقول: نجاح بن سلمة أشد الناس إقداماً على إهلاك الأموال! فلما ولي خافه نجاح، فاعتذر إليه يوماً من شيء بلغه فقال له الجرجرائي: إن من الإخوان من ودّه ... آلٌ على ديمومةٍ يلمع يخاله الظمآن ماءً ولا ... ماء به من ظمإٍ ينقع
следующие страницы →