← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8197

خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام

فيصل آل مبارك

Полный текст (406 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحديث الثاني عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطب النبي ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة قال: ((مَن صلى صلاتنا ونسَك نسكنا فقد أصاب النسك، ومَن نسَك قبل الصلاة فلا نسك له)) ، فقال أبو بردة بن نِيَار خال البراء بن عازب: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أوَّل ما يُذبَح في بيتي، فذبحت شاتي وتغدَّيت قبل أن آتي الصلاة، قال: ((شاتك شاة لحم)) ، قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقًا وهي أحب إلينا من شاتين، أفتجزي عنِّي؟ قال: ((نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك)) . قوله: ((تجزي)) ؛ أي: تقضي، ومنه قوله - تعالى -: ﴿لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] ، وفي الحديث دليلٌ على مشروعية الصلاة يوم العيد قبل الخطبة، وأمَّا ما ذبح قبل الصلاة لا تجزي عن الأضحية، وأن العناق لا تجزي في الأضحية. قال ابن دقيق العيد: وفيه دليلٌ على أن المأمورات إذا وقعتْ على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالجهل، وقد فرَّقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيَّات فعذَرُوا في المنهيَّات بالنسيان والجهل، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة، انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم، أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبي ﷺ وأن خطابه للواحد يعمُّ جميع المكلَّفين حتى يظهر دليل الخصوصية، وفيه أن الإمام يعلِّم الناس في خطبة العيد أحكام النحر، وفيه جواز الاكتفاء في الأضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته. قال الشيخ

стр. 107

أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع، وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادِّخار، ومع ذلك ثبت لهم الأجر في الذبح، وفي الحديث أن الجذع من المعز لا يجزي وهو قول الجمهور، وفيه تأكيد أمر الأضحية، وأن المقصود منها طيب اللحم وإيثار الجار على غيره، وأن المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهل عليه حتى لو استفتاه اثنان في قضية واحدة جاز أن يفتي كلا منهما بما يناسب حاله، وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يستحق به الثناء عليه بقدر الحاجة، انتهى ملخصًا. قوله: "وتغديت قبل أن آتي الصلاة" فيه جواز الأكل قبل صلاة الأضحى. قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وتختلف الفتوى باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن جندب بن عبد الله البَجَلي ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ يوم النحر، ثم خطب وقال: ((مَن ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومَن لم يذبح فليذبح باسم الله)) . قوله: ((فليذبح بسم الله)) ؛ أي: فليذبح قائلاً: بسم الله، وفيه دليل على أن وقت الأضحية بعد صلاة العيد. * * * الحديث الرابع عن جابر ﵁ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة،

стр. 108

ثم قام متوكئًا على بلال، فأمَر بتقوى الله وحثَّ على الطاعة، ووعَظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكَّرهن، فقال: ((تصدَّقن فإنكنَّ أكثر حطب جهنم)) ، فقامت امرأة من سِطَة النساء سفعاء الخدَّين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ((لأنكن تكثرن الشِّكَاية، وتكفرن العشير)) ، قال: فجعلن يتصدَّقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن". قوله: "فقامت امرأة من سِطَة النساء"؛ أي: من وسطهن في المجلس. قوله: "سفعاء الخدَّين" (الأسفع) و (السفعاء) : مَن أصاب خدَّه لونٌ يخالف لونه الأصلي من سواد أو خضرة أو غيره، والحديث يدلُّ على عدم مشروعية الأذان والإقامة لصلاة العيد وهو بإجماع العلماء. قال ابن دقيق العيد: وكان تخصيص الفرائض بالأذان تمييزًا لها بذلك عن النوافل، وإظهارًا لشرفها، وهذه المقاصد التي ذكرها الراوي من الأمر بتقوى الله والحث على طاعته، والموعظة والتذكير، هي مقاصد الخطبة، انتهى. قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، وحثهن على الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحلُّ ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة، وفيه خروج النساء إلى المصلى، واستدلَّ به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقُّف على إذن زوجها أو على مقدار معيَّن، وفيه أن الصدقة من دوافع العذاب، وفيه بذل النصيحة والإغلاظ بها لِمَن احتِيج في حقِّه إلى ذلك، وفيه جواز طلَب الصدقة للمحتاجين ولو كان الطالب غير محتاج، وفي مبادرة تلك النسوة على الصدقة بما يعزُّ عليهن من حليِّهن مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالة على رفيع مقامهن في الدين وحرصهن على امتثال أمر الرسول ﷺ ، ورضي عنهن. * * *

стр. 109

الحديث الخامس عن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂ قالت: "أمرنا - تعني: النبي، ﷺ أن نُخرِج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحُيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين" وفي لفظ: "كنَّا نُؤمَر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى تخرج الحُيَّض، فيكبِّرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهرَتَه". "العواتق": جمع عاتق، وهي مَن بلغت الحلم، أو قاربت، أو استحقَّت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة. "والخدور": جمع خدر، وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وبين العاتق والبكر عموم وخصوص وجهي. وفي الحديث مشروعية صلاة العيدين في الصحراء، واستحباب خروج النساء يوم العيد، وحضور الحيَّض واعتزالهن المصلى، والله أعلم. * * * باب صلاة الكسوف الحديث الأول عن عائشة ﵂: أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ فبعث مناديًا ينادي: الصلاة جامعة فاجتمعوا، وتقدَّم فكبَّر وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.

стр. 110

(الكسوف والخسوف) : شيء واحد، وكلاهما قد وردت به الأخبار، وقال - تعالى -: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧- ٨] ، وفي الحديث مشروعية صلاة الكسوف جماعة ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجدتان. * * * الحديث الثاني عن أبي مسعود عقبة بن عامر الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوِّف الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحدٍ من الناس ولا لحياته، فإذا رأيتم منها شيئًا فصلُّوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)) . فيه دليل على مشروعية الصلاة لكسوف الشمس أو القمر، وعلى مشروعيتها في أيِّ وقت حدث فيه الكسوف، وفيه الأمر بالدعاء والتضرُّع إلى الله - تعالى - قوله: ((وأنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولا لحياته)) . قال الحافظ: وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الحديث الآخر: ((يقولون: مُطِرنا بنوء كذا)) . قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يُوجِب حدوث تغيُّر في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخَّران ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. قوله: ((يخوف الله بهما عباده)) قال الحافظ: فيه ردٌّ على مَن يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم؛ إذ لو كان كما يقولون لم يكن ذلك تخويف ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر. وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: ((يخوِّف الله بهما عباده)) وليس

стр. 111

بشيء؛ لأن لله أفعالاً على حسب العادة وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كلِّ سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت فالعلماء بالله لقوَّة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء، إذا وقع شيء غريب حدَث عندهم الخوف لقوَّة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلا أن يشاء الله خرقها. وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًّا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوِّفًا لعباد الله - تعالى - والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن عائشة ﵂ قالت: "خُسِفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام فصلَّى رسول الله ﷺ بالناس فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثلما فعَل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد تجلَّت الشمس، فخطَب الناس فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلُّوا وتصدَّقوا)) ، ثم قال: ((يا أمة محمد، والله ما من أحد أَغْيَر من الله - سبحانه - أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد،

стр. 112

والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا)) . وفي لفظ: "فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات". هذا الحديث مشتمِل على صفة صلاة الكسوف، وفيه دليلٌ على مشروعية الخطبة والموعظة بعدها، وفيه الأمر بالصدقة وكثرة الذكر والدعاء والاستغفار. قوله: "ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول"، في رواية: "ثم قال: ((سمع الله لِمَن حمده، ربنا ولك الحمد)) ". قوله: ((ما من أحد أَغْيَر من الله - سبحانه - أن يزني عبده أو تزني أمته)) ، وقيل: غيرة الله - تعالى - ما يغير من حال العاصي بانتقامه منه، ومنه قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . وقال ابن دقيق العيد: أهل الشريعة في مثل هذا على قولين: إمَّا ساكت، وإما مؤوِّل، على أن المراد بالغَيْرَة شدَّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة التي قلت، والسكوت في هذا المقام ونحوه أسلم من الخوض في ذلك، فتفسيرها إمرارها كما وردت، ولما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدها تأثيرًا في إثارة النفوس وغلَبَة الغضب، ناسَب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة مَن حرَّم الفواحش وحماها. قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على غلَبَة مقتضى الخوف، وترجيح الخوف في الموعظة على الإشاعة بالرخص؛ لما في ذلك من التسبُّب إلى تسامح النفوس لما جُبِلت عليه من الإخلاد إلى الشهوات وذلك مرضها الخطر، والطبيب الحاذق يقابل العلة بضدِّها لا بما يزيدها، انتهى. قال الحافظ: وفي حديث عائشة من الفوائد غير ما تقدَّم المبادرة بالصلاة وسائر ما ذكر عند الكسوف، والزجر عن كثرة الضحك والحث على كثرة البكاء، والتحقُّق بما سيصير إليه المرء من الموت والفناء والاعتبار بآيات الله، وفيه الرد على مَن زعم أن للكواكب تأثيرًا في الأرض؛ لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر فكيف بما دونهما؟ وبيان ما يُخشَى اعتقاده على غير الصواب، ومن حكمة وقوع الكسوف تبيين أنموذج ما سيقع في القيامة، وصورة عقاب مَن لم يذنب، والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرجاء لوقوع الكسوف بالكوكب، ثم كشف ذلك عنه ليكون المؤمن من ربه على خوف ورجاء. وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأي مَن يعبد

стр. 113

الشمس أو القمر، وحمل بعضهم الأمر في قوله: ﴿لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] على صلاة الكسوف؛ لأنه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتها، لما يظهر فيهما من التغيير والنقص المنزَّه عنه المعبود - جلَّ وعلا وسبحانه وتعالى. * * * الحديث الرابع عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة حتى أتى المسجد فقام فصلى بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاته قطُّ، ثم قال: إن هذه الآيات التي يرسلها الله - تعالى - لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوِّف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئًا فافزعوا إلى ذكره وإلى دعائه واستغفاره)) . فيه دليلٌ على مشروعية تطويل صلاة الكسوف، وفيه الندب إلى الذكر والدعاء والاستغفار؛ لأنه مما يدفع به البلاء. قوله: "فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة" قدر ﷺ وقوعها لولا ما أعلمه الله - تعالى - بأنها لا تقع قبل الأشراط تعظيمًا منه لأمر الكسوف؛ ليبين لِمَن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى ويفزع. قوله: ((فافزعوا إلى ذكره)) ؛ أي: التجئوا وتوجَّهوا، وفيه أن الالتجاء إلى الله عند المخاوف بالدعاء والاستغفار سببٌ لمحو ما فرط من العصيان يرجى به زوال المخاوف، وأن الذنوب سببٌ للبلايا والعقوبة العاجلة والآجلة، نسأل الله - تعالى - رحمته وعفوه وغفرانه. * * *

стр. 114

باب الاستسقاء الحديث الأول عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ قال: "خرج النبي ﷺ يستسقي فتوجَّه إلى القبلة يدعو وحوَّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة"، وفي لفظ: "أتى المصلى". فيه دليلٌ على مشروعية صلاة الاستسقاء، وهي سنَّة مؤكدة، وفيه دليلٌ على أن سنة الاستسقاء البروز إلى المصلَّى، وفيه استحباب تحويل الرداء في هذه العبادة، واستقبال القبلة عند تحويل الرداء والدعاء. وعن أبي هريرة قال: "خرج نبي الله ﷺ يومًا يستسقي، فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا)) ؛ رواه أحمد وابن ماجه. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه ﷺ بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من بابٍ كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا،

стр. 115

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)) ، قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرْسِ، فلمَّا توسَّطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب بالناس، فقال: يا رسول الله، هلك الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله يمسكها عنَّا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكَام والظِّرَاب وبطون الأودية ومنابت الشجر)) ، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. قال ﵁: الظراب الجبال الصغار. ((الآكام)) : جمع أكمة، وهي أعلى من الرابية ودون الهضبة، ودار القضاء: دار عمر بن الخطاب ﵁ سُمِّيت بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه. قوله: "سبتًا" المراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه كما يقال: جمعة. قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة، وفيه القيام في الخطبة وأنها لا تنقطع بالكلام ولا بالمطر، وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة؛ لأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس: كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية، فيسأل رسول الله ﷺ وفيه سؤال الدعاء من أهل الخير ومَن يُرجَى منه القبول وإجابتهم لذلك، وفيه تكرار الدعاء ثلاثًا وإدخال

стр. 116

دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر ولا تحويل فيه، ولا استقبال والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدلُّ على أنه نواها مع الجمعة، وفيه علَم من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه ﵊ عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء، وفيه الأدب في الدعاء؛ حيث لم يدعُ برفع المطر مطلقًا؛ لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي دفع الضرر وإبقاء النفع. ويستنبط منه أن مَن أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخَّطها لعارض يعرض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة، وفيه أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكُّل وإن كان مقام الأفضل التفويض؛ لأنه ﷺ كان عالمًا بما وقع لهم من الجدب وأخر السؤال في ذلك تفويضًا لربه، ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه في ذلك بيانًا للجواز وتقريرًا لسنة هذه العبادة الخاصة، انتهى. وقال البخاري: "باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء"، وساق حديث أنس قال: "أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون، قال: فما خرجنا من المسجد حتى مُطِرنا، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجل إلى نبي الله ﷺ فقال: يا رسول، بَشِق المسافر ومنع الطريق ... الحديث. قوله: "بَشِق"، بفتح الموحدة وكسر المعجمة بعدها قاف؛ أي: ملَّ واشتدَّ عليه الضرر، والله أعلم. * * * باب صلاة الخوف الحديث الأول عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي

стр. 117

فيها العدو، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلَّى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخَرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة". صلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] . سبب نزول هذه الآية ما قال مجاهد عن أبي عياش الزرقي قال: "كنَّا مع رسول الله ﷺ بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر فقال: ((لقد أصبنا غرَّة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة)) ، فنزلت الآية بين الظهر والعصر". قال الخطَّابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة وبأشكال متباينة، يتحرَّى في كلها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفِقة المعنى، انتهى. قوله: "في بعض أيامه التي لقي فيها العدو" وفي رواية: "غزوت مع رسول الله ﷺ قِبَل نجد". قوله: "فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا" وفي "الموطأ": "ثم استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون". قوله: "وجاء الآخَرون فصلى بهم ركعة وقضت الطائفتان ركعة ركعة"، ولأبي داود من حديث ابن مسعود: "ثم سلم فقام هؤلاء - أي: الطائفة الثانية - فقضَوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلُّوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا". قال الحافظ:

стр. 118

واستدلَّ به على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها لارتكاب أمور كثيرة لا تُغتَفَر في غيرها، ولو صلَّى كلُّ امرئ منفردًا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك، انتهى. * * * الحديث الثاني عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير، عمَّن صلى مع رسول الله ﷺ صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفَّت مع الإمام وطائفة وجاه العدو فصلَّى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وِجَاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلَّى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم الرجل الذي صلى مع رسول الله ﷺ هو سهل بن أبي حثمة. الفرق بين هذا الحديث وحديث ابن عمر: أن الطائفة الأولى أتمَّت لأنفسها مع بقاء صلاة الإمام وتوجَّهت للحراسة فارغة من الصلاة، والذي في حديث ابن عمر أن الطائفة الأولى توجَّهت للحراسة مع كونها في الصلاة. قوله: "ثم سلم بهم" ظاهره أنه انتظرهم في التشهد ليسلموا معه، فالطائفة الأولى أحرموا معه، والأخرى سلموا معه. قال البخاري، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف؛ يعني: حديث سهل. * * * الحديث الثالث عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف والعدو بيننا وبين القبله،

стр. 119

فكبر النبي ﷺ وكبَّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفَع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخَّر في نحر العدو، فلمَّا قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدَّم الصف المؤخَّر وتأخَّر الصف المقدَّم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخَّر في نحر العدو، فلمَّا قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا. قال جابر: "كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم"؛ ذكره مسلم بتمامه، وذكر البخاري طرفًا منه: وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي ﷺ في الغزوة السابعة غزوة ذات الرقاع. هذا الحديث فيه صفة ثالثة لصلاة الخوف، قال النووي: وبهذا الحديث قال الشافعي وأبو يوسف وابن أبي ليلى إذا كان العدو في جهة القبلة، انتهى. وقال الإمام أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة. وعن جابر ﵁ قال: "كنَّا مع النبي ﷺ بذات الرقاع وأُقِيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبي ﷺ -

стр. 120

أربع وللقوم ركعتان"؛ متفق عليه. وللشافعي والنسائي عن جابر: "أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم". وعن أبي هريرة ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف عام غزوة نجد، فقام إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورها إلى القبلة، فكبر فكبروا جميعًا الذين معه والذين مقابل العدو، ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيامًا مقابلي العدو، ثم قام وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ كما هو، ثم قاموا فركع ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومَن معه، ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعًا، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل طائفة ركعتان"؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وعن ثعلبة بن زَهْدَم ﵁ قال "كنَّا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا"؛ رواه أبو داود والنسائي. وعن ابن عباس ﵄ قال: "فرض الله الصلاة على نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة"؛ رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن ابن عمر: أنه وصف صلاة الخوف ثم قال: "فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها". قال مالك، قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلاَّ عن النبي ﷺ ؛ رواه البخاري. قال الشوكاني: وقد أخذ بكلِّ نوع من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي ﷺ طائفة من أهل العلم؛ والحق الذي لا محيصَ عنه أنها جائزة على كلِّ نوع من الأنواع الثابتة، وقد قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا إلا صحيحًا انتهى، والله أعلم. * * *

стр. 121

كتاب الجنائز الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ قال: "نعى النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصفَّ بهم وكبر أربعًا". فيه دليل على استحباب إعلام الأهل والأصحاب والجيران وأهل الصلاح بالميت لشهود جنازته والصلاة عليه، وليس ذلك من النعي المنهي عنه وهو نعي الجاهلية؛ فإنهم كانوا إذا تُوفِّي الرجل ركب رجل دابة ثم صاح في الناس: أنعى فلانًا، واستدلَّ به على جواز الصلاة على الغائب، وهو مذهب الشافعي وأحمد والجمهور؛ وعن المالكية والحنفية لا يشرع ذلك، وعن أحمد لا تجوز الصلاة على الغائب إن كان صلى عليه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وقال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرضٍ ليس بها مَن يصلي عليه. وفي الحديث دليل على أن سنة الصلاة على الجنازة التكبير أربعًا، وفيه علَم من أعلام النبوة. * * * الحديث الثاني عن جابر ﵁: "أن النبي ﷺ صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث". فيه دليل على مشروعية الصفوف على الجنازة، وقد روى أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: ((مَن صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب)) ؛ حسنه

стр. 122

الترمذي وصححه الحاكم. وفي روايةٍ له: ((إلا غُفِر له)) . قال الطبري: ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشوا عليه التغيُّر أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث. * * * الحديث الثالث عن عبد الله بن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ صلى على قبر بعدما دفن فكبر عليه أربعًا". فيه دليلٌ على مشروعية الصلاة على القبر لِمَن لم يصلِّ على الجنازة، وفي رواية قال ابن عباس: "فصففنا خلفه"، وفيه مشروعية صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز. * * * الحديث الرابع عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية (١) ليس فيها قميص ولا عمامة". فيه دليلٌ على استحباب التكفين في ثلاثة أثواب يُدرَج فيها إدراجًا، وفيه استحباب التكفين في البياض. قال ابن دقيق العيد: فيه جواز التكفين بما زاد على الواحد الساتر لجميع البدن، وأنه لا يضايق في ذلك ولا يتبع رأي مَن منع منه من الورثة. * * *

стр. 123

الحديث الخامس عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته زينب، فقال: ((اغسلنها بثلاث أو خمس أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني)) ، فلمَّا فرغنا آذنَّاه فأعطانا حِقْوَه، فقال: ((أشعرنها إياه)) ؛ يعني: إزاره. وفي رواية: ((أو سبعًا)) ، وقال: ((ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)) ، وإن أم عطية قالت: "وجعلنا رأسها ثلاثة قرون". قال ابن المنذر: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطية، وعليه عوَّل الأئمة. قوله: ((إن رأيتن ذلك)) ؛ معناه: التفويض إلى اجتهادهن بسبب الحاجة لا بالتشهِّي. وفي الحديث دليلٌ على وجوب غسل الميت، واستحباب قطع الغسل على وتر إذا حصل الإنقاء، وفيه استحباب الغسل بالماء والسدر وجعل الكافور مع الماء في الغسلة الأخيرة، قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل مَن يحضر من الملائكة وغيرهم أن فيه تجفيفًا وتبريدًا وقوة نفوذ وخاصية في تصليب بدن الميت وطرد الهوامِّ عنه، ومنه ما يتحلَّل من الفضلات، ومنه إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطيِّبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الأخيرة، وفيه استحباب البداءة بميامن الميت ومواضع الوضوء منه. قال الزين بن المنير: والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل، واستدلَّ به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت، وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، واستحباب نقض شعر الميت وغسله وجعله ثلاثة قرون، وفي رواية: "ضفرنا رأسها ثلاثة قرون: ناصيتها وقرنيها

стр. 124

وألقيناه خلفها". وعن ليلى بنت قانف الثقفية قالت: "كنت فيمَن غسَّل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أُدرِجت بعد ذلك في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله ﷺ عند الباب يناولنا ثوبًا ثوبًا"؛ رواه أحمد وأبو داود. قال الحافظ: وفي حديث أم عطية من الفوائد غير ما تقدَّم في هذه التراجم العشر - يعني: تراجم البخاري - تعليم الإمام مَن لا علم له بالأمر الذي يقع فيه وتفويضه إليه إذا كان أهلاً لذلك بعد أن ينبهه على علة الحكم، والله أعلم. * * * الحديث السادس عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال فأقعصته، فقال رسول الله ﷺ : ((اغلسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)) . وفي رواية: ((ولا تخمِّروا وجهه ورأسه)) . قال ﵁: (الوقص) : كسر العنق. (القعص) : القتل في الحال، ومنه قعاص الغنم. وفي رواية: "فأقصعته" بتقديم الصاد؛ أي: هشمته. وفي رواية: "فوقصته"، أو قال: فأوقصته. قال الحافظ: يحتمل أن يكون فاعل وقصته الوقعة أو الراحلة بأن تكون أصابته بعد أن وقع، قال: والأول أظهر. قوله: ((وكفِّنوه في ثوبين)) ، في رواية: ((في ثوبيه)) ، وللنسائي: ((في ثوبيه الذي أحرم فيهما)) .

стр. 125

قوله: ((ولا تحنِّطوه ولا تخمِّروا رأسه)) ، قال النووي: (الحَنُوط) أخلاط من طيب تجمع للميت خاصة لا تستعمل في غيره، انتهى. وفيه دليلٌ على أن الميت غير المحرم يحنَّط كما يخمِّر رأسه، والنهي إنما وقع لأجل الإحرام. قوله: "وفي رواية: ((ولا تخمروا وجهه ورأسه)) " قال النووي: يتأوَّل هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز تغطية وجهه بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطَّوا وجهه لم يؤمن أن يغطي رأسه. قال ابن المنذر: وفيه أن الوتر في الكفن ليس بشرطٍ في الصحة، وأن الكفن من رأس المال، لأمره ﷺ بتكفينه في ثوبيه ولم يستفصل هل عليه دين يستغرق أم لا، وفيه استحباب تكفين المحرِم في ثياب إحرَامه، وأن إحرَامه باقٍ؛ وفيه التكفين في الثياب الملبوسة. قال الحافظ: وفي الحديث إطلاقُ الواقف على الراكب، واستحباب دوام التلبية في الإحرام، وأنها لا تنقطع بالتوجُّه لعرفة، وجواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يُعَدُّ طيبًا. قال ابن بطال: وفيه أن مَن شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت يُرجَى له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، انتهى. قلت: ويشهد لهذا قول الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] . * * * الحديث السابع عن أم عطية الأنصارية قالت: "نُهِينا عن اتِّباع الجنائز ولم يُعزَم علينا". قولها: "نهينا"؛ أي: نهانا رسول الله ﷺ وكل ما ورد بهذه الصيغة فهو في حكم المرفوع. قال ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ على كراهية اتباع النساء الجنائز من غير تحريم، وهو معنى قولها: "ولم يُعزَم علينا" فإن العزيمة دالة على للتأكيد. وقال القرطبي: ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم. وقال المهلب: في حديث أم عطية دلالة على أن النهي من الشارع على درجات. * * *

стр. 126

الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : قال ((أسرِعوا بالجنازة فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم)) . فيه دليلٌ على استحباب الإسراع بالجنازة. قال الحافظ: يُستَحبُّ الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدَّة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقَّة على الحامل أو المشيع، انتهى. وعن أبي موسى ﵁ قال: مرَّت برسول الله ﷺ جنازة تمخض مخض الزق، فقال رسول الله ﷺ : ((عليكم القصد)) ؛ رواه أحمد. وعن المغيرة بن شعبة مرفوعًا: ((الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها)) ؛ أخرجه الأربعة. * * * الحديث التاسع عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها". فيه دليلٌ على مشروعية الصلاة على النفساء، والحائض مثلها، وفيه موقف الإمام من المرأة. قال الزين بن المنير: إن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة. * * * الحديث العاشر عن أبي موسى عبد الله بن قيس ﵁: أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقَّة.

стр. 127

قال ﵁: "الصالقة": التي ترفع صوتها عند المصيبة. في الحديث دليل على تحريم هذه الأفعال. قال المهلب: قوله: ((أنا برئ)) ؛ أي: من فاعل ما ذكر وقت ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن الإسلام. * * * الحديث الحادي عشر عن عائشة ﵂ قالت: "لما اشتكى النبي ﷺ ذكر بعض نسائه كنيسة رأتها بأرض الحبشة يُقَال لها: مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتَا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه ﷺ وقال: ((أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًّا ثم صوَّروا فيه تلك الصور، أولئك هم شرار الخلق عند الله)) . قال ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تظاهَرَت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد مَن قال: إن ذلك محمول على الكراهة. وقوله: ((بنوا على قبره مسجد)) إشارة إلى المنع من ذلك، وقد صرَّح به الحديث الآخر: ((لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ، انتهى. وقال الحافظ: إنما فعل ذلك أوائلهم ليستأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكَّروا أحوالهم الصالحة؛ فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظِّمونها فاعبدوها، فحذَّر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدِّية إلى ذلك. وفي الحديث دليلٌ على تحريم الصور، وفيه جواز حكاية ما يشاهد المؤمن من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به وذم فاعل المحرَّمات،

стр. 128

وأن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل، وفيه كراهية الصلاة في المقابر سواء كانت بجنب القبر أو عليه أو إليه، انتهى ملخصًا. وقال الموفق في "المغنى": ولا يجوز اتخاذ السُّرُج على القبور؛ لقول النبي ﷺ ((لعن الله زوَّارات القبور، والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرُج)) ؛ رواه أبو داود والنسائي، ولو أُبِيح لم يلعن النبي ﷺ مَن فعله، ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر، ولأن النبي ﷺ قال: ((لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر مثل ما صنعوا، متفق عليه. وقالت عائشة: إنما لم يبرز قبر رسول الله ﷺ لئلاَّ يُتَّخذ مسجدًّا، ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرُّب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها، انتهى. * * * الحديث الثاني عشر عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ، قالت: ولولا ذلك لأُبرِز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًّا. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدلُّ على امتناع اتخاذ قبر الرسول ﷺ مسجدًّا، ومنه يفهم امتناع الصلاة على قبره. وقال الحافظ: الوعيد على ذلك يتناول مَن اتخذ قبورهم مساجد تعظيمًا ومغالاة كما صنع أهل الجاهلية وجرَّهم ذلك إلى عبادتهم، ويتناول مًن اتَّخذ أمكنة قبورهم مساجد بأن تنبش

стр. 129

وترمي عظامهم، فهذا يختصُّ بالأنبياء ويلتحق بهم أتباعهم، وأمَّا الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم؛ إذ لا حرج في إهانتهم، ولا يلزم من اتِّخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعُرِف بذلك أن لا تعارض بين فعله ﷺ في نبش قبور المشركين واتِّخاذ مسجده مكانها وبين لعنه ﷺ مَن اتخذ القبور الأنبياء مساجد لما تبيَّن من الفرق، انتهى. قال ابن القيم: ونهى ﷺ عن اتِّخاذ القبور مساجد وإيقاد السُّرُج عليها، واشتدَّ نهيه في ذلك حتى لعن فاعله، وكان هديه أن لا تُهان القبور وتوطَّأ ويجلس عليها ويتكأ عليها ولا تعظَّم بحيث تُتَّخذ مساجد فيصلي عندها وإليها وتتَّخذ أعيادًا وأوثانًا. وقال أيضًا: ولم يكن من هديه ﷺ تعلية القبور ولا بناؤها بآجُر ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها ولا تطييبها ولا بناء القباب عليها، فكلُّ هذا بدعة مكروهة مخالفة لهديه ﷺ وقد بعث علي بن أبي طالب ﵁ أن لا يدع تمثالاً إلا طمسه، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّاه، فسنَّته ﷺ تسوية هذه القبور المشرِفة كلها، ونهى أن يجصَّص القبر، وأن يُبنَي عليه، وأن يُكتَب عليه، وكانت قبور الصحابة لا مشرِفة ولا لاطئة، وهكذا كان قبره الكريم وقبر صاحبيه وقبره ﷺ مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطيَّن، وهكذا كان قبر صاحبيه، وكان يعلم قبر مَن يريد تعرف قبره بصخرة، انتهى. وقال الشوكاني: والسنة أن القبر لا يُرفَع رفعًا كثيرًا مَن غير فرق بين مَن كان فاضلاً ومَن كان غير فاضل، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجَهَلة لها كاعتقاد الكفَّار للأصنام، وعظم ذلك فظنُّوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدُّوا إليها الرحال وتمسَّحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد توارَد إلينا من الأخبار أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجَّهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له: احلف بشيخك

стр. 130

ومعتقدك الولي الفلاني، تلعثم وتلكَّأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أَبْيَن الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك مَن قال: إنه - تعالى - ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟ وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبًا، انتهى ملخصًا من "نيل الأوطار"، والله المستعان. * * * الحديث الثالث عشر عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس منَّا مَن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية)) . فيه وعيد شديد لِمَن فعل ما ذكر، والمراد بدعوى الجاهلية ما يقولونه عند موت الميت كقولهم: واجبلاه، واسَنَداه، واسيِّداه، والدعاء بالويل والثبور. قال الحافظ: وهذا يدلُّ على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره، وكان السبب في ذلك ما تضمَّنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين. * * * الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((مَن شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومَن شهدها

стр. 131

حتى تُدفَن فله قيراطان)) ، قيل: وما القيراطان؟ قال: ((مثل الجبلين العظيمين)) ، ولمسلم: ((أصغرهما مثل جبل أحد)) . فيه دليل على فضل شهود الجنازة عند الصلاة، وأن الأجر يزاد بشهود الدفن مع الصلاة عليها. قال ابن دقيق العيد: والقيراط تمثيل لجزء من الأجر ومقدار منه، وقد مثَّله في الحديث بأن أصغرهما مثل أحد، وهو من مجاز التشبيه تشبيهًا للمعنى العظيم بالجسم العظيم. وقال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم، الترغيب في شهود الميت والقيام بأمره، والحض على الاجتماع له والتنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لِمَن يتولى أمره بعد موته، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان: إما تقريبًا للأفهام، وإما على حقيقته، والله أعلم. * * *

стр. 132

كتاب الزكاة الحديث الأول عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) . الزكاة أحد أركان الإسلام، وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] ، وقال - تعالى -: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . قوله: ((إنك ستأتي قومًا أهل كتاب)) هي كالتوطئة للتوصية لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهَّال من عبَدَة الأوثان. قوله: ((فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)) ، قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث البداءة بالمطالبة بالشهادتين؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصحُّ شيء من فروعه إلا به، فمَن كان

стр. 133

منهم غير موحِّد على التحقيق كالنصارى فالمطالبة متوجِّهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عينًا، ومَن كان موحِّدًا كاليهود فالمطالبة له بالجمع بين ما أقرَّ به من التوحيد وبين الإقرار بالرسالة، وإن كان هؤلاء اليهود الذين باليمن عندهم ما يقتضي الإشراك ولو باللزوم، يكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم، وقد ذكر الفقهاء أن مَن كان كافرًا بشيء مؤمنًا بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بالإيمان بما كفر به، انتهى. قوله: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك)) ؛ أي: شهدوا وانقادوا ((فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)) فيه البداءة بالأهم فالأهم، وذلك من التلطُّف في الخطاب؛ لأنه لو طالَبَهم بالجميع في أوَّل مرَّة لم يأمن النفرة. قوله: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تُؤخَذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) فيه دليل على جواز إخراج الزكاة في صنف واحد. قوله: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم)) قال ابن دقيق العيد: ويدل الحديث على أن كرائم الأموال لا تؤخذ من الصدقة كالأكولة والربا، وهي التي تربي ولدها، والماخض: وهي الحامل، وفحل الغنم وحزارات المال، وهي التي تحزر بالعين وترمق لشرفها عند أهلها، والحكمة فيه أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء من مال الأغنياء ولا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال فسامَح الشرع أرباب الأموال بما يضنُّون به ونهى المصدِّقين عن أخذه، انتهى. قوله: ((واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) ؛ أي: إنها مقبولة ليس لها صارف يصرفها ولا مانع. وعن أبي هريرة مرفوعًا: ((دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه)) ؛ أخرجه أحمد. وفي الحديث تنبيهٌ على المنع من جميع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم. قال الحافظ: وفي الحديث أيضًا الدعاء إلى التوحيد قبل القتال وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها، وفيه بعث السعاة لأخذ الزكاة وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وفيه أن الزكاة لا تُدفَع إلى الكافر لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين، انتهى. وقال عياض: فيه إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لعموم قوله: ((من أغنيائهم)) . وقال البغوي: فيه أن المال إذا تلف قبل التمكُّن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال.

стр. 134

تنبيه: لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث وهما من أركان الإسلام؛ لأن الكلام في الدعاء إلى الإسلام، فاكتفى بالأركان الثلاثة: الشهادة والصلاة والزكاة؛ لأن كلمة الإسلام هي الأصل وهي شاقَّة على الكفار، والصلوات شاقَّة لتكرُّرها، والزكاة شاقَّة لما في جبلَّة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها سهلاً عليه بالنسبة إليها، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة)) . فيه دليلٌ على اعتبار النصاب وسقوط الزكاة فيما دون ذلك. وفي رواية للبخاري: ((ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ من الإبل صدقة)) . وفي روايةٍ لمسلم: ((ليس فيما دون خمسة أوساق من ثمر ولا حب صدقة)) ، ((الوسق)) : ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ و ((الأوقية)) : أربعون درهما، و ((عشرة الدراهم)) : سبعة مثاقيل. * * * الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) ، وفي لفظ: ((إلا زكاة الفطر في الرقيق)) .

стр. 135

فيه دليلٌ على عدم وجوب الزكاة في الخيل والعبيد إذا كان ذلك لغير التجارة. وعن عليٍّ مرفوعًا: ((قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة)) ؛ رواه أبو داود. وقال البخاري: وقال الزهري في المملوكين للتجارة: يزكي في التجارة، ويزكي في الفطر. قال الحافظ: وما نقله البخاري عن الزهري هو قول الجمهور. * * * الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((العَجْمَاء جُبَار، والبئر جُبَار، والمَعْدِن جُبَار، وفي الرِّكَاز الخمس)) ، الجُبَار: الهَدَر الذي لا شيء فيه، و ((العجماء)) : الدابة، سميت البهيمة عجماء؛ لأنها لا تتكلم. وفي الحديث دليلٌ على أنه لا ضمان على أحد في شيء مما ذُكِر إذا لم يكن منه تسبُّب ولا تغرير. وعن البراء بن عازب - رضي اله عنه - قال: "كانت له ناقة ضاربة فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل"؛ أخرجه الشافعي وأبو داود والنسائي وابن ماجه. قوله: ((وفي الركاز الخمس)) ، ((الركاز)) : هو المال المدفون، قال البخاري وقال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيرة والخمس، وليس المعدن بركاز. وقد قال النبي ﷺ : ((في المعدن جُبَار وفي الركاز الخمس)) ، وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مائتين خمسة انتهى. * * * الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد

стр. 136

والعباس عم النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((ما ينقم ابن جميل إلاَّ أن كان فقيرًا فأغناه الله - تعالى - وأمَّا خالد فإنكم تظلمون خالدًا؛ فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأمَّا العباس فهي عليَّ ومثلها)) ، ثم قال: ((يا عمر، أمَا علمت أن عم الرجل صِنْوُ أبيه)) . قوله: ((ما ينقم)) ؛ أي: ما ينكر. قوله: ((وأعتاده)) هو ما يعدُّه الرجل من الدواب والسلاح. قوله: ((فهي علي ومثلها)) ؛ أي: هي عندي قرض، لأنني استسلفت منه صدقة عامين، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه الخمسة إلا النسائي عن علي ﵁ أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخَّص له في ذلك. قوله: ((فإنكم تظلمون خالدًا)) ؛ أي: بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لم يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوَّع بتحبيس سلاحه وخيله في سبيل الله؟ واستدلَّ بقصة خالد على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح، وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبِسه، وعلى صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية، وفيه دليلٌ على وجوب الزكاة في عروض التجارة. قوله: ((يا عمر، أمَا علمت أن عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه)) (الصنو) : المِثْل، وأصله في النخل أن يجمع النخلتين أصلٌ واحد؛ قال - تعالى -: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] . قال الحافظ: وفي الحديث بعث الإمام العمَّال لجباية الزكاة، وتنبيه الغافل على ما أنعم الله به من نعمة الغنى بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه، والعيب على مَن منع الواجب وجواز ذكره في غيبته بذلك، وتحمُّل الإمام عن بعض رعيته ما يجب عليه، والاعتذار عن بعض الرعية بما يسوغ الاعتذار به، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 137

الحديث السادس عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ قال: "لمَّا أفاء الله على نبيه ﷺ يوم حنين قسم في الناس وفي المؤلَّفة قلوبهم ولم يعطِ الأنصار شيئًا، فكأنما وجدوا في أنفسهم؛ إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: ((يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلاَّلاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرِّقين فألَّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟)) ، كلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنُّ، قال: ((ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟)) ، قالوا: الله ورسوله أمنُّ، قال: ((لو شئتم لقلتم: جئتَنا بكذا وكذا، ألا ترضَون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقَون بعدي أثَرَة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) . قوله: "لمَّا أفاء الله على نبيه ﷺ يوم حنين"؛ أي: أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين، وكان السبي ستة آلاف نفس من النساء والأطفال، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أربعين ألف شاة. قوله: ((لو شئتم لقلتم: جئتنا بكذا وكذا)) وفي حديث أبي سعيد: ((فقال أمَا والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريدًا فآويناك وعائلاً فواسيناك)) ، وفي حديث أنس عند أحمد فقالوا: "بل المنُّ علينا لله ورسوله".

стр. 138

قوله: ((ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي إلى رحالكم)) ، في رواية: "قالوا: يا رسول الله، قد رضينا". قوله: ((لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)) ؛ أي: لولا أن النسبة إلى الهجرة نسبة دينية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. قوله: ((ولو سلَك الناس واديًا أو شِعْبًا لسلكت وادي الأنصار وشِعْبَها)) ، قال القرطبي: لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرَّقت في السفر الطرق سلَك كل قوم منهم واديًا وشعبًا، فأراد أنه مع الأنصار. قوله: ((الأنصار شعار والناس دثار)) (الشعار) : الثوب الذي يلي الجلد، و (الدثار) : الذي فوقه، وهي استعارة لطيفة؛ والمعنى: أنهم بطانته وخاصته، و (الأثرة) : الانفراد بالشيء المشترك دون مَن يشركه فيه. قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: إقامة الحجة على الخصم وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه، وحسن أدب الأنصار في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبَّانهم لا عن شيوخهم وكهولهم، وفيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل من ثناء الرسول البالغ عليهم، وأن الكبير ينبِّه الصغير على ما يغفل عنه ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق، وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبة بإقامة حجة مَن عتب عليه، والاعتذار والاعتراف، وفيه علَم من أعلام النبوة لقوله: ((ستلقون بعدي أثَرَة)) فكان كما قال، وفيه أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأن له أن يعطي الغني منه للمصلحة، وأن مَن طلب حقَّه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك، وفيه مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواء كان خاصًّا أم عامًّا، وفيه جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة، وفيه تسلية مَن فاته شيء من الدنيا بما حصل له من ثواب الآخرة، والحض على طلب الهداية والألفة والغني، وأن المنة لله ولرسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عمَّا فات منها؛ ليدَّخر ذلك لصاحبه في الآخرة (والآخرة خير وأبقى) . * * *

стр. 139

باب صدقة الفطر الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "فرَض رسول الله ﷺ صدقة الفطر - أو قال: رمضان - على الذكر والأنثى والحر والمملوك، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير. وفي لفظ: "أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى المصلى". صدقة الفطر ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤- ١٥] . قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله - تعالى -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] : هو زكاة الفطر، والحديث دليلٌ على وجوب صدقة الفطر على جميع المسلمين، ونقَل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب على الجنين، وكان أحمد يستحبُّه ولا يوجِبه. قوله: "أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة"، قال عكرمة: يقدِّم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته؛ فإن الله - تعالى - يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤- ١٥] . وفي الحديث دليلٌ على كراهة تأخيرها عن الصلاة، قال البخاري: وكان ابن عمر ﵄ يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين. * * * الحديث الثاني عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنَّا نعطيها في زمن

стр. 140

الرسول ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب، فلمَّا جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مُدًّا من هذه يعدل مدين، قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ . فيه دليل على مشروعية إخراج زكاة الفطر صاعًا من هذه الأجناس المنصوص عليها، واستدلَّ به على أنه لا يجزئ غير الأصناف المذكورة مع قدرته على تحصيلها. وقال أكثر العلماء: يجزئ قوت بلده مثل الأرز وغيره وهو رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة، واحتجَّ بقوله - تعالى -: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . قوله: "صاعًا من طعام" قال الحافظ: المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيحتمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وقد روى الجوزقي في حديث أبي سعيد "صاعًا من تمر صاعًا من سلت أو ذرة"، انتهى. قوله: "فلمَّا جاء معاوية وجاءت السمراء ... " إلى آخره، قال النووي: تمسَّك بحديث معاوية مَن قال بالمدَّين من الحنطة، وفيه نظر؛ لأنه فِعْلُ صحابي، وقد خالَفَه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممَّن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي ﷺ وقد صرَّح معاوية بأنه رأيٌ رآه لا أنه سمعه من النبي ﷺ قال البيهقي: وقد وردت أخبار عن النبي ﷺ في صاع من بر، ووردت أخبار في نصف صاع ولا يصح شيء من ذلك، انتهى. قال الحافظ: وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدَّة الاتِّباع والتمسُّك بالآثار وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص، وفي صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد وهو محمود، لكنَّه مع وجود النص فاسد الاعتبار انتهى، والله أعلم. * * *

стр. 141

كتاب الصيام الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه)) . صوم رمضان أحد أركان الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٣- ١٨٤] الآيات. و (الصيام) في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: الإمساك في النهار عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع. وفي الحديث دليلٌ على النهي عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين إلا لِمَن له عادة فوافَق صومه ذلك. قال الحافظ: قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذي لمَّا أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجَّل الرجل بصيامٍ قبل دخول رمضان لمعنى رمضان، انتهى. قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن الحكم علق بالرؤية فمَن تقدَّمه بيومٍ أو يومين فقد حاوَل الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمَد. ومعنى الاستثناء: أن مَن كان له ورد فقد أذن له فيه؛ لأنه اعتاده وألِفَه وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما، وفي الحديث ردٌّ على مَن يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، وردٌّ على مَن قال بجواز صوم النفل المطلق، وفيه بيان لمعنى قوله

стр. 142

في الحديث الآخر: ((صوموا لرؤيته)) فإن اللام فيه للتوقيت لا للتعليل، وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، انتهى ملخصًا. * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ ليكم فاقدِروا له)) . قوله: ((فاقدِروا له)) ؛ أي: انظروا في أوَّل الشهر واحسبوا تمام الثلاثين كما في رواية البخاري: ((فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين)) . وله من حديث أبي هريرة: ((فأكمِلوا عِدَّة شعبان ثلاثين)) . وقال البخاري: "باب قول النبي ﷺ : ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) ". وقال صلة عن عمار: "مَن صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، انتهى. واختلفت الروايات عن الإمام أحمد ﵀ فيما إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر؛ فعنه يجب صومه، وعنه أن الناس تبع للإمام فإن صام صاموا وإن أفطر أفطروا، وعنه لا يجب صومه قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبان، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وقال هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، وعن صومه منهي عنه، وهذا هو الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة. * * * الحديث الثالث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تسحَّروا؛ فإن في السحور بركة)) .

стр. 143

فيه دليل على استحباب السحور. قال الحافظ: البركة في السحور تحصل بجهات متعدِّدة؛ وهي: اتِّباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبُّب بالصدقة على مَن يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبُّب للذكر والدعاء وقت مظنَّة الإجابة. * * * الحديث الرابع عن أنس بن مالك ﵁ عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية". فيه دليلٌ على استحباب تأخير السحور. قال الحافظ: قال المهلب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدِّر الأوقات بالأعمال كقولهم قدر حلب ناقة، وقدر نحر جزور؛ فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة. قال ابن أبي جمرة: كان النبي ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمَّته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحَّر لاتَّبعوه فيشق على بعضهم، ولو تسحَّر في جوف الليل لشق أيضًا على بعض ممَّن يغلب عليه، فقد يفضي إلى ترك صلاة الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي ﷺ وفيه الاجتماع على السحور، انتهى ملخصًا. * * *

стр. 144

الحديث الخامس عن عائشة وأم سلمة ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم". فيه دليلٌ على صحة الصوم من الجنب سواء كان عامدًا أو ناسيًا، سواء كان صيامه فرضًا أو تطوعًا، وفيه دليلٌ على جواز تأخير الغسل إلى بعد طلوع الفجر، ويقاس على ذلك الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلاً ثم طلع الفجر قبل اغتسالها صحَّ صومها. * * * الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((مَن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتِمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) . فيه دليلٌ على أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا لم يفسد صومه، وفيه لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم. * * * الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذا جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت، فقال:

стр. 145

((ما لك؟)) ، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان، فقال رسول الله ﷺ : ((هل تجد رقبة تعتقها؟)) ، قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) ، قال: لا، قال: ((فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟)) ، قال: لا، قال: فسكت النبي ﷺ فبينما نحن على ذلك إذ أُتِي النبي ﷺ بعرق فيه تمر - والعرق: المكتل (١) - قال: ((أين السائل؟)) ، قال: أنا، قال: ((خذ هذا فتصدَّق به)) ، فقال: أعَلَى أفقر مِنِّي يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه الكريمة، ثم قال: ((أطعمه أهلك)) . (الحرة) : الأرض تركبها حجارة سود. هذا حديث جليل كثير الفوائد، قال الحافظ: وقد اعتنى به بعض المتأخِّرين ممَّن أدركه شيوخنا، فتكلَّم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، انتهى. والحديث دليلٌ على وجوب الكفارة على المجامع في نهار رمضان وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا كما في آية الظهار. قال ابن دقيق العيد: استدلَّ بالحديث على أن مَن ارتكب معصية لا حدَّ فيها وجاء مستفتيًا أنه لا يُعاقَب؛ لأن النبي ﷺ لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية، ومن جهة المعنى أن مجيئة مستفتيًا يقتضي الندم والتوبة، والتعزير استصلاح، ولا استصلاح مع الصلاح، ولأن معاقبة المستفتي مفسدة تكون سببًا لترك الاستفتاء من الناس عند وقوعهم في مثل ذلك، وهذه مفسدة عظيمة يجب
следующие страницы →