← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8197

خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام

فيصل آل مبارك

Полный текст (406 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كتاب الصيام الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه)) . صوم رمضان أحد أركان الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٣- ١٨٤] الآيات. و (الصيام) في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: الإمساك في النهار عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع. وفي الحديث دليلٌ على النهي عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين إلا لِمَن له عادة فوافَق صومه ذلك. قال الحافظ: قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذي لمَّا أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجَّل الرجل بصيامٍ قبل دخول رمضان لمعنى رمضان، انتهى. قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن الحكم علق بالرؤية فمَن تقدَّمه بيومٍ أو يومين فقد حاوَل الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمَد. ومعنى الاستثناء: أن مَن كان له ورد فقد أذن له فيه؛ لأنه اعتاده وألِفَه وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما، وفي الحديث ردٌّ على مَن يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، وردٌّ على مَن قال بجواز صوم النفل المطلق، وفيه بيان لمعنى قوله

стр. 142

في الحديث الآخر: ((صوموا لرؤيته)) فإن اللام فيه للتوقيت لا للتعليل، وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، انتهى ملخصًا. * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ ليكم فاقدِروا له)) . قوله: ((فاقدِروا له)) ؛ أي: انظروا في أوَّل الشهر واحسبوا تمام الثلاثين كما في رواية البخاري: ((فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين)) . وله من حديث أبي هريرة: ((فأكمِلوا عِدَّة شعبان ثلاثين)) . وقال البخاري: "باب قول النبي ﷺ : ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) ". وقال صلة عن عمار: "مَن صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، انتهى. واختلفت الروايات عن الإمام أحمد ﵀ فيما إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر؛ فعنه يجب صومه، وعنه أن الناس تبع للإمام فإن صام صاموا وإن أفطر أفطروا، وعنه لا يجب صومه قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبان، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وقال هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، وعن صومه منهي عنه، وهذا هو الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة. * * * الحديث الثالث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تسحَّروا؛ فإن في السحور بركة)) .

стр. 143

فيه دليل على استحباب السحور. قال الحافظ: البركة في السحور تحصل بجهات متعدِّدة؛ وهي: اتِّباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبُّب بالصدقة على مَن يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبُّب للذكر والدعاء وقت مظنَّة الإجابة. * * * الحديث الرابع عن أنس بن مالك ﵁ عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية". فيه دليلٌ على استحباب تأخير السحور. قال الحافظ: قال المهلب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدِّر الأوقات بالأعمال كقولهم قدر حلب ناقة، وقدر نحر جزور؛ فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة. قال ابن أبي جمرة: كان النبي ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمَّته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحَّر لاتَّبعوه فيشق على بعضهم، ولو تسحَّر في جوف الليل لشق أيضًا على بعض ممَّن يغلب عليه، فقد يفضي إلى ترك صلاة الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي ﷺ وفيه الاجتماع على السحور، انتهى ملخصًا. * * *

стр. 144

الحديث الخامس عن عائشة وأم سلمة ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم". فيه دليلٌ على صحة الصوم من الجنب سواء كان عامدًا أو ناسيًا، سواء كان صيامه فرضًا أو تطوعًا، وفيه دليلٌ على جواز تأخير الغسل إلى بعد طلوع الفجر، ويقاس على ذلك الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلاً ثم طلع الفجر قبل اغتسالها صحَّ صومها. * * * الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((مَن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتِمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) . فيه دليلٌ على أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا لم يفسد صومه، وفيه لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم. * * * الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذا جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت، فقال:

стр. 145

((ما لك؟)) ، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان، فقال رسول الله ﷺ : ((هل تجد رقبة تعتقها؟)) ، قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) ، قال: لا، قال: ((فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟)) ، قال: لا، قال: فسكت النبي ﷺ فبينما نحن على ذلك إذ أُتِي النبي ﷺ بعرق فيه تمر - والعرق: المكتل (١) - قال: ((أين السائل؟)) ، قال: أنا، قال: ((خذ هذا فتصدَّق به)) ، فقال: أعَلَى أفقر مِنِّي يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه الكريمة، ثم قال: ((أطعمه أهلك)) . (الحرة) : الأرض تركبها حجارة سود. هذا حديث جليل كثير الفوائد، قال الحافظ: وقد اعتنى به بعض المتأخِّرين ممَّن أدركه شيوخنا، فتكلَّم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، انتهى. والحديث دليلٌ على وجوب الكفارة على المجامع في نهار رمضان وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا كما في آية الظهار. قال ابن دقيق العيد: استدلَّ بالحديث على أن مَن ارتكب معصية لا حدَّ فيها وجاء مستفتيًا أنه لا يُعاقَب؛ لأن النبي ﷺ لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية، ومن جهة المعنى أن مجيئة مستفتيًا يقتضي الندم والتوبة، والتعزير استصلاح، ولا استصلاح مع الصلاح، ولأن معاقبة المستفتي مفسدة تكون سببًا لترك الاستفتاء من الناس عند وقوعهم في مثل ذلك، وهذه مفسدة عظيمة يجب

стр. 146

دفعها، انتهى. وقال الحافظ بعد ما شرح هذا الحديث فأجاد وأفاد: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم، السؤال عن حكم ما يفعله المرء مخالفًا للشرع، والتحدُّث بذلك لمصلحة معرفة الحكم، واستعمال الكناية فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه؛ لقوله: وقعت، وأصبت، وفيه الرفق بالمتعلِّم، والتلطُّف في التعليم، والتألُّف على الدين، والندم على المعصية، واستشعار الخوف، وفيه الجلوس في المسجد لغير الصلاة من المصالح الدينية كنشر العلم، وفيه جواز الضحك عند وجود سببه، وإخبار الرجل بما يقع منه مع أهله للحاجة، وفيه الحلف لتأكيد الكلام، وقبول قول المكلَّف مما لا يطَّلع عليه إلا من قِبَله؛ لقوله في جواب قوله: "أفقر منَّا": ((وأطعمه أهلك)) ، ويحتمل أن يكون هناك قرينة لصدقه، وفيه التعاون على العبادة والسعي في خلاص المسلم، وإعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة، وإعطاء الكفَّارة أهل بيت واحد انتهى، والله أعلم. باب الصوم في السفر وغيره الحديث الأول عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ : أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، قال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) . فيه دليلٌ على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، وأخرج أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه أسافر وأَكْرِيه، وإنه ربما صادَفَني هذا الشهر - يعني: رمضان - وأنا أجد القوَّة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخِّر فيكون دَيْنًا علي، فقال: ((أي ذلك شئت يا حمزة)) . * * *

стр. 147

الحديث الثاني عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنَّا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم". فيه دليل على التخيير في رمضان للمسافر بين الإفطار والصوم، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: "كنَّا نغزو مع رسول الله ﷺ فلا يجد الصائم على المفطر والمفطر على الصائم، يرون أن مَن وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومَن وجد ضعفًا فأفطر أن ذلك حسن"، قال الحافظ: وهذا التفصيل هو المعتَمَد وهو نصٌّ رافع للنزاع. * * * الحديث الثالث عن أبي الدرداء ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرٍّ شديد، حتى إذا كان أحدنا لَيضع يده على رأسه من شدَّة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة". قال الحافظ: فيه ردٌّ على مَن قال: مَن سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، وفيه دليلٌ على أن لا كراهية في الصوم في السفر لِمَن قوي عليه ولم يصبه منه مشقَّة شديدة. وعن أبي سعيد ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ على نهرٍ من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله ﷺ على بغلة له فقال: ((اشربوا أيها الناس)) ، قال: فأبوا، قال: ((إني لست مثلكم، إني آمركم إني راكب)) ، فأبوا، فثنى رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس وما كان يريد أن يشرب؛ رواه أحمد. * * *

стр. 148

الحديث الرابع عن جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: ((ما هذا؟)) ، قالوا: صائم، قال: ((ليس من البر الصيام في السفر)) . وفي لفظٍ لمسلم: ((عليكم برخصة الله التي رخَّص لكم)) . قوله: ((ليس من البر الصيام في السفر)) ، قال ابن دقيق العيد: أُخِذ من هذه القصة أن كراهة الصوم في السفر مختصَّة بِمَن هو في مثل هذه الحالة ممَّن يجهده الصوم ويشقُّ عليه، أو يؤدِّي به إلى ترك ما هو أَوْلَى من الصوم من وجوه القُرَب. وقوله: ((عليكم برخصة الله التي رخَّص لكم)) دليلٌ على أنه يستحب التمسُّك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، ولا تترك على وجه التشديد والتنطُّع والتعمق انتهى، وبالله التوفيق. * * * الحديث الخامس عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فمنَّا الصائم ومنَّا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، وأكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء، فمنَّا مَن يتَّقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوَّامون وقام المفطِرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : ((ذهب المفطرون اليوم بالأجر)) . فيه دليلٌ على جواز الصوم في السفر وفضيلة الإفطار لِمَن يخدم أصحابه. * * *

стр. 149

الحديث السادس عن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان". فيه دليلٌ على جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، وقال ابن عباس: لا بأس أن يفرق لقوله - تعالى -: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . قال الحافظ: وفي الحديث دليلٌ على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا سواء كان لعذر أو لغير عذر، ويؤخَذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر، انتهى. وعن ابن عباس ﵄ قال: "مَن فرَّط في صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أدركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينًا"؛ رواه الدارقطني. * * * الحديث السابع عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه)) . وأخرجه أبو داود وقال: هذا في النذر خاصة وهو قول أحمد بن حنبل. * * * الحديث الثامن عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر،

стр. 150

أفأقضيه؟ قال: ((لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟)) ، قال: نعم، قال: ((فدين الله أحق أن يُقضَى)) . وفي رواية: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: ((أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدِّي ذلك عنها؟)) ، قالت: نعم، قال: ((فصومي عن أمك)) . قوله: ((مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه)) ، قال الحافظ: خبر بمعنى الأمر تقديره فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر على الوجوب عند الجمهور. وقد اختلف السلف في هذه المسألة؛ فأجاز الصيامَ عن الميت أصحابُ الحديث، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحَّة الحديث وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية. وقال البيهقي في "الخلافيات": هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال: كل ما قلت وصح عن النبي ﷺ خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلِّدوني، وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يُصام عن الميت. وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يُصام عنه إلا النذر؛ حملاً للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما؛ فحديث ابن عباس صورة مستقلَّة سأل عنها مَن وقعت له، وأمَّا حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قال في آخره: ((فدين الله أحق أن يُقضَى)) . وأمَّا رمضان فيطعم عنه، ومعظم المجيزين للصيام لم يوجبوه، وإنما قالوا: يتخيَّر الولي بين الصيام والإطعام، انتهى ملخصًا. وقال النووي: اختلف العلماء فيمَن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضى عنه؛ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران:

стр. 151

أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلا، والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إطعام، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صحَّحه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، انتهى. وقال الشوكاني: ظاهر الأحاديث أنه يصوم عنه وليُّه وإن لم يوصِ بذلك، وأن مَن صدق عليه اسم الولي لغةً أو شرعًا أو عرفًا صام عنه، ولا يصوم عنه مَن ليس بولي، انتهى، والله أعلم. * * * الحديث التاسع عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر وأخَّروا السحور)) . فيه دليلٌ على استحباب تعجيل الإفطار بعد تحقُّق غروب الشمس، وتأخير السحور. قوله: ((ما عجَّلوا الفطر)) (ما) ظرفية؛ أي: لا يزال الناس بخير مُدَّة فعلهم ذلك امتثالاً للسنة واقفين عند حدِّها غير متنطِّعين بعقولهم ما يغير قواعدها، وزاد أبو هريرة في هذا الحديث: "لأن اليهود والنصارى يؤخِّرون"؛ أخرجه أبو داود. ولابن حبان والحاكم من حديث سهل: ((ولا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم)) . قال الحافظ: من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على مَن يريد الصيام زعما ممَّن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذِّنون إلا بعد الغروب بدرجةٍ لتمكين الوقت - زعموا - فأخَّروا الفطر وعجَّلوا السحور وخالَفوا السنة؛ فلذلك قلَّ عنهم الخير وكثر فيهم الشر، والله المستعان. * * *

стр. 152

الحديث العاشر عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم)) . فيه دليل على استحباب تعجيل الفطر إذا تحقَّق غروب الشمس. قوله: ((إذا أقبل الليل من ها هنا)) ؛ أي: من جهة المشرق ((وأدبر النهار من ها هنا)) ؛ أي: من جهة المغرب، وعند البخاري: ((وغربت الشمس فقد أفطر الصائم)) ؛ أي: قد حلَّ له الفطر. قال ابن دقيق العيد: الإقبال والإدبار مثلا زمان؛ أعني: إقبال الليل وإدبار النهار، وقد يكون أحدهما أظهر للعين في بعض المواضع فيستدلُّ بالظاهر على الخفي، كما لو كان في جهة المغرب ما يستر البصر عن إدراك الغروب وكان المشرق ظاهرًا بارزًا فيستدلُّ بطلوع الليل على غروب الشمس، انتهى. * * * الحديث الحادي عشر عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، قالوا يا رسول الله: إنك تواصل، قال: ((إني لست مثلكم؛ إني أطعم وأسقى)) ؛ رواه أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك ﵃. ولمسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: ((فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)) .

стр. 153

في الحديث دليلٌ على كراهة الوصال، وهو ألا يفطر بين اليومين، وفيه دليل على جوازه إلى السحر إذا لم يشقَّ عليه ولم يضعفه عن العبادة. قوله: ((إني أُطعَم وأُسقَى)) ؛ أي: يعطيني الله قوة الآكل والشارب ويفيض عليَّ ما يسد مسد الطعام والشراب، ومَن له أدنى ذوق وتجربة بعبادة الله والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه ومشاهدته، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثيرٍ من الغذاء الجسماني، ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه الذي قرَّت عينه بمحبوبه. قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد استواء المكلَّفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا ما استثني بدليل، وفيه جواز معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتي بسرِّ المخالفة، وفيه الاستكشاف عن حكمة النهي، وفيه ثبوت خصائصه ﷺ وأن عموم قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] مخصوص، وفيه أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته ويبادرون إلى الائتساء به إلاَّ فيما نهاهم عنه، وفيه أن خصائصه لا يتأسَّى به في جميعها، وفيه بيان قدرة الله - تعالى - على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر، انتهى، والله أعلم. * * * باب أفضل الصيام وغيره الحديث الأول عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أُخبِر النبي ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشتُ، فقال رسول الله ﷺ : ((أنت الذي قلت ذلك؟)) ، فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: ((فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة

стр. 154

أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر)) ، قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك، قال: ((فصم يومًا وأفطر يومين)) ، قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك، قال: ((فصم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام داود ﵇ وهو أفضل الصيام)) ، قلت: إن لأطيق أفضل من ذلك، فقال: ((لا أفضل من ذلك)) . وفي رواية: قال: ((لا صوم فوق صوم داود ﵇ شطر الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا)) . هذا الحديث يدلُّ على أن أفضل الصيام صوم يوم وإفطار يوم، وفيه دليلٌ على كراهية الزيادة على ذلك، وفيه استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. قال الخطابي: محصَّل قصة عبد الله بن عمرو، أن الله - تعالى - لم يتعبَّد عبده بالصوم خاصة، بل تعبَّده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصَّر في غيره، فالأَوْلَى الاقتصاد فيه؛ ليستبقي بعض القوة لغيره. قال الحافظ: وفي قصة عبد الله بن عمرو من الفوائد غير ما تقدَّم، بيان رفق رسول الله ﷺ بأمته وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يصلحهم، وحثه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمُّق في العبادة؛ لما يخشى من إفضائه إلى الملل أو ترك البعض، وقد ذمَّ الله - تعالى - قومًا لازموا العبادة ثم فرَّطوا فيها، وفيه الندب على الدوام على ما وظَّفه الإنسان على نفسه من العبادة، وفيه جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة والأوراد ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الرياء، وفيه الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام. * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول

стр. 155

الله ﷺ : ((إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا)) . قال الحافظ: قال المهلب: كان داود ﵇ يجمُّ نفسه بنوم أول الليل ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: ((هل من سائل فأعطيه سؤله)) ، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصَب القيام في بقية الليل، وإنما صارت هذه الطريقة أحب من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يخشى منها السآمة، وقد قال ﷺ : ((إن الله لا يملُّ حتى تملُّوا، والله يحبُّ أن يديم فضله ويوالي إحسانه)) ، وإنما كان ذلك أرفق لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر وذبول الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال، انتهى، وبالله التوفيق. * * * الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني "خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتِر قبل أن أنام". فيه استحباب صلاة الضحى، واستحباب صيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، واستحباب الإيتار قبل النوم لِمَن لم يَثِقْ بالقيام آخر الليل. قال الحافظ: (الخليل) الصديق الخالص، الذي تخلَّلت محبَّته القلب فصارت في خلاله؛ أي: في باطنه. واختلف هل الخلة أرفع من المحبة أو بالعكس، وقول أبي هريرة هذا لا يعارض قول النبي ﷺ : ((لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)) ؛ لأن الممتنع

стр. 156

أن يتَّخذ هو ﷺ غيره خليلاً لا العكس، ولا يُقال: إن المخاللة لا تتمُّ حتى تكون من الجانبين؛ لأنَّا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعلَّه أراد مجرَّد الصحبة أو المحبة، قال: والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام ليدخل في الواجب منها بانشراح، ولينجبر ما لعله يقع فيه من نقص. ومن فوائد ركعتي الضحى أنها تجزى عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كلِّ يوم، وهي ثلاثمائة وستون مفصلاً، كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر، وقال فيه: ((ويجزي من ذلك ركعتا الضحى)) ، انتهى. * * * الحديث الرابع عن محمد بن عباد قال: "سألت جابر بن عبد الله: أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم". وزاد مسلم: "ورب الكعبة". * * * الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده)) . حديث جابر مطلق في النهي عن صوم يوم الجمعة، وهو محمول على صومه مفردًا، كما بيَّن في حديث أبي هريرة فهو مقيَّد به. وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: ((يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده)) ؛ رواه الحاكم وغيره، والأحاديث تدلُّ على كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم. * * *

стр. 157

الحديث السادس عن أبي عبيدة مولى بن أزهر - واسمه سعد بن عبيد - قال: "شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر الذي تأكلون من نُسُكِكم". قال الحافظ: وفي الحديث تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والتطوُّع والقضاء والتمتُّع، وهو بالإجماع، انتهى. * * * الحديث السابع عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين: النحر، والفطر، وعن اشتمال الصَّمَّاء، وأن يحتبي الرجل في ثوبٍ واحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر"؛ أخرجه مسلم بتمامه، وأخرج البخاري الصوم فقط. هذا الحديث أخرجه البخاري في هذا الباب بتمامه، وأخرجه في (باب ما يستر من العورة) ، ولفظه: عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصَّمَّاء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء". قال الحافظ: قوله: "عن اشتمال الصَّمَّاء" قال أهل اللغة: هو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانبًا ولا يبقي ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة: سميت صمَّاء

стр. 158

لأنه يسد المنافذ كلها فتصير كالصخرة الصمَّاء التي ليس فيها خرق. وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيصير فرجه باديًا. قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهًا؛ لئلا يعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم؛ لانكشاف العورة. قال الحافظ: ظاهر سياق المصنف من رواية يونس في اللباس، أن التفسير المذكور فيها مرفوع وهو موافق لما قاله الفقهاء، ولفظه: و (الصمَّاء) أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقَّيه، وعلى تقدير أن يكون موقوفًا فهو حجَّة على الصحيح؛ لأنه تفسيرٌ من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر. قوله: "وأن يحتبي" (الاحتباء) أن يقعد على أليتيه وينصب ساقيه ويلف عليه ثوبًا، ويقال له: الحبوة، وكانت من شأن العرب، وفسَّرها في رواية يونس المذكورة بنحو ذلك، انتهى. * * * الحديث الثامن عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن صام يومًا في سبيل الله بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفًا)) . (الخريف) : زمانٌ معلوم من السنة، والمراد به هنا العام، والفضل المذكور محمولٌ على مَن لم يضعفه الصوم عن الجهاد، قال ابن الجوزي: إذا أطلق ذكر في سبيل الله فالمراد به الجهاد، وقال القرطبي: (سبيل الله) طاعة الله، فالمراد: مَن صام قاصدًا وجه الله. * * *

стр. 159

باب ليلة القدر الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : ((أرى رؤياكم قد تواطَأت في السبع الأواخر، فمَن كان منكم متحرِّيها فليتحرَّها في السبع الأواخر)) . (ليلة القدر) : هي الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن؛ قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] . قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع. وقال البغوي: سميت ليلة القدر لأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام، يقدِّر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة كقوله - تعالى -: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] ، انتهى. وفي حديث أنس عن رسول الله ﷺ قال: ((إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبدٍ قائم أو قاعد يذكر الله ) ؛ ذكره ابن الجوزي. وقد قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ﴾ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥] . قوله: "أروا ليلة القدر في المنام"؛ أي: قيل لهم في المنام: إنها في السبع الأواخر؛ يعني: أواخر الشهر. قوله: ((تواطأت)) ؛ أي: توافقت وزنًا ومعنًى، قال الحافظ: وفي هذا الحديث دلالةٌ على عظيم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية. * * *

стр. 160

الحديث الثاني عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر)) . قال الحافظ: ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير منه، ثم في أوتاره لا في ليلة بعينها، وهذا هو الذي يدلُّ عليه مجموع الأخبار الواردة فيها. * * * الحديث الثالث عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: ((مَن اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر؛ فقد رأيت هذه الليلة ثم أُنسِيتها، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتَمِسوها في العشر الأواخر، والتَمِسوها في كل وتر)) ، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكَف المسجد فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ على وجهه أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين". قوله: "الأوسط" قال الحافظ: هكذا وقع في أكثر الروايات، والمراد العشر الليالي، وكان من حقِّها أن توصَف بلفظ التأنيث، لكن وصفت بالمذكر على إرادة

стр. 161

الوقت أو الزمان، والتقدير الثلث كأنه قال: الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر، انتهى. قال ابن دقيق العيد: في الحديث دليلٌ لِمَن يرجح ليلة إحدى وعشرين في طلب ليلة القدر، ومَن ذهب إلى أن ليلة القدر تنتقل في الليالي فله أن يقول: كانت في تلك السنة ليلة إحدى وعشرين، ولا يلزم من ذلك أن تترجَّح هذه الليلة مطلقًا، والقول بتنقُّلها حسن؛ لأن فيه جمعًا بين الأحاديث، وحثًّا على إحياء جميع تلك الليالي، انتهى. وقال الحافظ بعدما ذكر الاختلاف فيها على ستة وأربعين قولاً، وأرجحها كلها أنها في وترٍ من العشر الأخير، وأنها تنتقل، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين. قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسِها بخلاف ما لو عُيِّنت لها ليلة لاقتصر عليها كما تقدَّم نحوه في ساعة الجمعة. قال: وفي حديث أبي سعيد من الفوائد تركُ مسح جبهة المصلِّي، وفيه جواز السجود في الطين، وفيه الأمر بطلَب الأَوْلَى والإرشاد إلى تحصيل الأفضل، وأن النسيان جائزٌ على النبي ﷺ ولا نقصَ عليه في ذلك لا سيَّما فيما لم يؤذَن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلَّق بالتشريع؛ كما في السهو في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة؛ كما في هذه القصة، وفيه استعمال رمضان بدون شهر، واستح باب الاعتكاف فيه وترجيح اعتكاف العشر الأخير، وأن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطابقًا، وترتُّب الأحكام على رؤيا الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام. * * * باب الاعتكاف الحديث الأول عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله - تعالى - ثم

стр. 162

اعتكف أزواجه من بعده. وفي لفظ: كان رسول الله ﷺ يعتكف في كلِّ رمضان، فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه. (الاعتكاف) : هو المقام في المسجد لطاعة الله - تعالى - على صفة مخصوصة، وهو قربة وطاعة؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] ، وقال - تعالى -: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وهو في اللغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه، برًّا كان أو غيره، ومنه قوله - تعالى -: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] . قال ابن دقيق العيد: وحديث عائشة فيه استحباب مطلق الاعتكاف، واستحبابه في رمضان بخصوصه، وفي العشر الأواخر بخصوصها، وفيه تأكيد هذا الاستحباب بما أشعر به اللفظ من المداوَمَة، وبما صرَّح به في الرواية الأخرى من قولها: "في كل رمضان"، وبما دلَّ عليه من عمل أزواجه من بعده، وفيه دليلٌ على استواء الرجل والمرأة في هذا الحكم، انتهى. قوله: "فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه" فيه أن أوَّل الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، وقال الجمهور: يدخل قبل غروب الشمس. وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتَكَفه، وأنه أمر بخِبَاء فضُرِب لمَّا أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها فضُرِب، وأمرت غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائها فضُرِب، فلمَّا صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأخبية فقال: ((البر يردن)) ، فأمر بخبائه ففوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأواخر من شوال"؛ رواه

стр. 163

الجماعة إلا الترمذي، لكن له منه: "كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه". وفي اعتكافه ﷺ في شوال دليلٌ على استحباب قضاء النوافل المعتادة إذا فاتت، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن عائشة ﵂ أنها كانت تُرَجِّل النبي ﷺ وهي حائض وهو معتكِف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه، وفي رواية: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجه الإنسان، وفي رواية: أن عائشة قالت: "إني كنت لا أدخل البيت إلا للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّه". في الحديث دليلٌ على أن خروج رأس المعتكف من المسجد لا يُبطِل اعتكافه، وفيه دليلٌ على طهارة بدن الحائض، وفيه دليلٌ على عدم خروج المعتكِف إلاَّ لما لا بُدَّ منه، وفيه جواز عيادة المريض على وجه المرور من غير تعريج. قوله: "تُرَجِّل النبيَّ ﷺ "؛ أي: تمشِّط رأسه وتدهنه. قال الحافظ: وفي الحديث جواز التنظُّف والتطيُّب والغسل والحلق والتزيُّن إلحاقًا بالترجُّل، والجمهور على أنه لا يُكرَه في المسجد. قوله: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" قال الحافظ: وفسَّرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتَّفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضَّأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لِمَن احتاج إليه. * * *

стр. 164

الحديث الثالث عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة - وفي رواية: يومًا - في المسجد الحرام، قال: ((فأوفِ بنذرك)) ، ولم يذكر بعض الرواة يومًا ولا ليلة. استدل بالحديث على أن الصوم ليس بشرطٍ في الاعتكاف؛ لأن الليل ليس وقتًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمر به النبي ﷺ وفيه دليلٌ على لزوم الوفاء بنذر القربة، وفيه أنه لا يشترط للاعتكاف حدٌّ معين. * * * الحديث الرابع عن صفية بنت حيي ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ معتكِفًا، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في بيت أسامة بن زيد، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلمَّا رأَيَا رسول الله ﷺ أسرَعَا في المشي، فقال: ((على رِسْلِكُمَا، إنها هي صفية بنت حُيَيٍّ)) ، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا - أو قال: شيئًا)) ، وفي رواية: أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر

стр. 165

الأواخر من رمضان، فتحدَّثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها حتى إذا بلغ باب المسجد عند باب أم سلمة ... ثم ذكره بمعناه. فيه دليلٌ على جواز زيارة المرأة للمعتكِف، وجواز التحدُّث معه، والمشي مع الزائر. قولها: "يقلبني"؛ أي: يردُّها إلى منزلها. قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد جواز اشتغال المعتكِف بالأمور المباحة؛ من تشييع زائره، والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف، وبيان شفَقَتِه ﷺ على أمته، وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم، وفيه التحرُّز من التعرُّض لسوء الظن، والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار. قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكِّد في حق العلماء ومَن يقتدي به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجِب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع يعلمهم، ومن ثَمَّ قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبيِّن للمحكوم عليه وجهَ الحكم إذا كان خافيًا؛ نفيًا للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ مَن يتظاهر بمظاهر السوء ويعتذر بأنه يجرِّب بذلك على نفسه، وقد عَظُم البلاء بهذا الصنف، والله أعلم. وفيه إضافة بيوت أزواج النبي ﷺ إليهن، وفيه جواز خروج المرأة ليلاً، وفيه قول: سبحان الله عند التعجُّب، وقد وقعت في الحديث لتعظيم الأمر وتهويله وللحياء من ذكره كما في حديث أم سليم، انتهى وبالله التوفيق. * * *

стр. 166

كتاب الحج باب المواقيت الحديث الأول عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْنَ المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هن لهن ولِمَن أتى عليهن من غير أهلهن ممَّن أراد الحج أو العمرة، ومَن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهلُ مكة من مكة. * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((يُهَلِّل أهل المدينة من ذي الحُلَيْفَة، وأهل الشام من الجُحْفَة، وأهل نجد من قَرْن)) ، قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ((ويُهِلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم)) . الحج أحد أركان الإسلام الخمسة؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، و (السبيل) : الزاد

стр. 167

والراحلة، وقال - تعالى -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، والحج في اللغة: القصد، وهو في الشرع: القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة. قوله: "باب المواقيت" هي جمع ميقات، قوله: "وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة ... " إلى آخره؛ أي: حدَّد هذه المواضع للإحرام، والتوقيت: التحديد والتعيين، وقوله في حديث ابن عمر: ((يُهِلُّ)) ؛ أي: يحرم، قال الحافظ: المُهَلُّ موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا. قوله: ((هن لهن)) ؛ أي: المواقيت للجماعات، وفي رواية: ((هن لهم)) ؛ أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة، قال الحافظ: ويدخل في ذلك مَن دخل بلدًا ذات ميقات ومَن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلافٌ كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجُحْفَة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخَّر أساء ولزمه دم عند الجمهور. قوله: ((ممن أراد الحج أو العمرة)) قال الحافظ: فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام. قوله: ((ومَن كان دون ذلك)) ؛ أي: بين الميقات ومكة، ((فمن حيث أنشأ)) ؛ أي: فميقاته من حيث إنشاء الإحرام؛ إذ السفر من مكانه إلى مكة. قال الحافظ: ويؤخذ منه أن مَن سافَر غير قاصد للنسك فجاوَز الميقات ثم بدَا له بعد ذلك النُّسُك أنه يُحرِم من حيث تجدَّد له القصد ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات؛ لقوله: ((فمن حيث أنشأ)) . قوله: ((حتى أهل مكة من مكة)) قال الحافظ: أي: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة وهذا خاصٌّ بالحاج، وأمَّا المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، واختلف فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك فلم يحرم، فقال الجمهور: يأثم ويلزمه دم، قال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التلبُّس بالنُّسُك سقط عنه الدم، انتهى ملخَّصًا. فائدة: قال الحافظ: الأفضل في كلِّ ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد من مكة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز.

стр. 168

تتمَّة: وعن ابن عمر ﵄ قال: "لما فُتِح هذان المصران أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرنًا وهو جور عن طريقنا، وإنَّا إن أردنا قرنًا شقَّ علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق". قال الحافظ: والمصران: الكوفة، والبصرة، وهما سرتا العراق، والمراد بفتحهما غلَبَة المسلمين على مكان أرضهما، وإلاَّ فهما من تمصير المسلمين، انتهى. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن إحرام أهل العراق من ذات عرق إحرام من الميقات. قال الموفق: ومَن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذَى أقرب المواقيت إليه أحرم، انتهى، والله أعلم. * * * باب ما يلبس المحرم من ثياب الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال ﷺ : ((لا يلبس القُمُص ولا العمائم ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف، إلا مَن لا يجد نعلين فليلبس خفَّين وليقطعهما من أسفل الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئًا مسَّه زعفران أو وَرْسٌ)) ، وللبخاري: ((ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفَّازين)) . * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت النبي - صلى الله

стр. 169

عليه وسلم - يخطب بعرفات: ((مَن لم يجد نعلَين فليلبس الخفَّين، ومَن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل)) . قوله: "أن رجلاً قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال ﷺ : ((لا يلبس القُمُص ... )) إلى آخره"، قال النووي، قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وأجزله؛ لأن ما لا يلبس منحصِر فحصَل التصريح به، وأمَّا الملبوس الجائز فغير منحصِر، فقال: لا يلبس كذا؛ أي: ويلبس ما سواه، انتهى. قال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبَّه بالقميص والسراويل على كلِّ مَخِيط، وبالعمائم والبرانس على كلِّ ما يغطِّي الرأس بهم خيطًا أو غيره، وبالخفاف على كلِّ ما يستر الرجل. قال الحافظ: والمراد بتحريم المَخِيط ما يلبس على الموضع الذي جعل له ولو في بعض البدن، فأمَّا لو ارتدى بالقميص مثلاً فلا بأس. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسَّه الزعفران أو الوَرْسُ. قال الحافظ: ومما لا يضرُّ الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا ستر الرأس باليد. قوله: ((إلا مَن لا يجد نعلين فليلبس خفَّين)) ، وفي رواية: ((وليُحرِم أحدكم في إزار ورداء ونعلَين، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفَّين)) . قوله: ((وليقطعهما من أسفل الكعبين)) ، وفي رواية: ((حتى يكونا تحت الكعبين)) ، قال الحافظ: والمراد كشف الكعبين في الإحرام وهما العظمان الناتئان عند مِفْصَل الساق والقدَم، وظاهر الحديث على أنه لا فدية على مَن لبسهما إذا لم يجد النعلين، واستدلَّ به على اشتراط القطع، خلافًا للمشهور عن أحمد؛ فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس، وتُعُقِّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيَّد فينبغي أن يقول بها هنا. وقال الشافعي: زيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس؛ لاحتمال أن تكون عزَبَت عنه، أو شك، أو قالها فلم ينقلها عنه بعض رواته، انتهى. وقال الموفق: حديث ابن عمر متضمِّن لزيادةٍ على حديث ابن عباس والزيادة من الثقة مقبولة، والأَوْلَى قطعهما؛ عملاً بالحديث الصحيح وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط، انتهى. قال الحافظ: قال العلماء:

стр. 170

والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب البعدُ عن الترفُّه والاتِّصاف بصفة الخاشع، وليتذكَّر بالتجرُّد القدوم على ربه؛ فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات. قوله: ((ولا يلبس من الثياب شيئًا مسه زعفران أو وَرْسٌ)) قال الحافظ: هو نبتٌ أصفر طيِّب الريح يُصبَغ به. قال ابن العربي: ليس الوَرْسُ بطيب ولكنه نبَّه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشمِّ، فيُؤخَذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرِم وهو مجمَع عليه فيما يقصد به التطيُّب، انتهى. قال مالك في "الموطأ": إنما يُكرَه لبس المصبغات؛ لأنها تنفض. وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تَفُحْ له رائحة لم يمنع. قال الحافظ: والحجَّة فيه حديث ابن عباس بلفظ: "ولم ينهَ عن شيء من الثياب إلا المزعفرة التي تردع الجلد"؛ رواه البخاري. وأمَّا المغسول فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز، انتهى. وقال البخاري: (باب الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجَّل ويدهن) . وقال ابن عباس ﵄: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوَى بما يأكل الزيت والسمن. وقال عطاء: يتختَّم ويلبس الهِمْيَان، وطاف ابن عمر ﵄ وهو محرِم وقد حزم على بطنه بثوب، ولم ترَ عائشة ﵂ بالتبان بأسًا للذين يرحلون هودجها، ثم ذكر حديث عائشة: "كنت أطيِّب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت". قال الحافظ: واختلف في الريحان؛ فقال إسحاق: يباح، وتوقَّف أحمد، وقال الشافعي: يحرم، وكرهه مالك والحنفية. ومنشأ الخلاف أن كل ما يُتَّخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا. قال: و (الهِمْيَان) يشبه تكة السراويل، يجعل فيها النفقة ويشد في الوسط، قال ابن عبد البر: أجاز ذلك فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض. قال الحافظ: والتُّبَّان: سراويل قصيرة بغير أكمام، وكأنه هذا رأي رأتْه عائشة، وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم، انتهى. وعن يعلى بن أمية أنه قال لعمر ﵁: "أرِني النبي حين يُوحَى إليه، قال: فبينما النبي ﷺ بالجِعْرَانة ومعه نفرٌ من أصحابه، جاءه رجل فقال: يا رسول الله ﷺ كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمِّخ بطيب؟ فسكت النبي

стр. 171

- ﷺ ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاء يعلى وعلي رسول الله ﷺ ثوب قد أظلَّ به، فأدخل رأسه، فإذا رسول الله ﷺ محمر الوجه وهو يغطُّ، ثم سُرِّي عنه، فقال: ((أين الذي سأل عن العمرة؟)) ، فأتى بالرجل فقال: ((اغسل الطِّيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجَّتك)) ، قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم"؛ رواه البخاري. قال الحافظ: واستدلَّ بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجِعْرَانة، وهي في سنة ثمانٍ بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيَّبت رسول الله ﷺ بيديها عند إحرامه، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، وبأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعلَّ علة الأمر فيه ما خالَطَه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تَزَعْفُر الرجل مطلقًا، محرمًا أو غير محرم، انتهى. قال الموفق: وإن طيَّب ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه، فإن لبسه افتدى؛ لأن الإحرام يمنع ابتداء الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة، وكذلك إن نقل الطيب من موضع من بدنه إلى موضع آخر افتدى؛ لأنه تطيب في إحرامه، وكذا إن تعمَّد مسَّه بيده أو نحَّاه من موضعه ثم ردَّه إليه، انتهى. قلت: وما ذكره العلماء - رحمهم الله تعالى - من تعمُّد مس الطيب الذي ببدنه وهو محرم لا يحترز منه كثيرٌ من الناس، وقد لا يتطيَّب بعض الجَهَلة حتى يحرم، فإذا كان المقصود من ترك الطيب للمحرم عدم الترفُّه فالأولى عندي ترك استدامته كما قال مالك خصوصًا لراكبي السيارات، فإنهم يقطعون الطريق في مسافة قليلة، والطيب عند الإحرام إنما يُقصَد به دفع الرائحة الكريهة بعد ذلك، والله أعلم. وقد روى ابن ماجه في "سننه" والبغوي في "شرح السنة" عن ابن عمر قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: ما الحاج؟ قال: ((الشَّعِثُ التَّفِلُ)) . وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان يوم عرفة إن الله

стр. 172

ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا ضاحين من كل فجٍّ عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم)) ؛ الحديث رواه في "شرح السنة". قوله: ((ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفَّازين)) النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه محجر العين، والقفَّازان: تثنيه قفَّاز؛ شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها، إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلاً خفيفًا تستر به عن نظر الرجال ولا تخمره، إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: "كنَّا نخمِّر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر"؛ تعني: جدتها. قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلاً، كما جاء عن عائشة قالت: "كنَّا مع رسول الله ﷺ إذا مرَّ بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه"، انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: ويجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها بملاصق خلا النقاب والبرقع، ويجوز عقد الرداء في الإحرام ولا فدية عليه فيه، انتهى. تتمَّة: عن جابر ﵁ قال: "حججنا مع رسول الله ﷺ معنا النساء والصبيان، فلبَّينا عن الصبيان ورمينا عنهم"؛ رواه أحمد وابن ماجه. قال الشوكاني، قال ابن بطال: أجمع أئمَّة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج كان له تطوُّعًا عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ إحرامه، ولا يلزمه شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحجُّ به على جهة التدريب، وقد احتج أصحاب الشافعي بحديث ابن عباس على أن الأم تُحرِم عن الصبي، وقال ابن الصباغ ليس في الحديث دلالة على ذلك، انتهى. وعن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ لقي ركبًا بالروحاء، فقال: ((مَن القوم؟)) ، قالوا: المسلمون، قالوا: مَن أنت؟ فقال: ((رسول الله)) ، فرفعت إليه امرأة صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)) ؛ رواه مسلم. * * *

стр. 173

الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن تلبية رسول الله ﷺ : ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)) ، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها ((لبيك وسعديك والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل)) ؛ معنى (التلبية) : الإجابة. وعن ابن عباس ﵄ قال: "لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل له: أذِّن في الناس بالحج، قال: ربِّ، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس، كُتِب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه مَن بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون"؛ رواه ابن أبي حاتم. وفي رواية: "فأجابوا بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأوَّل مَن أجابه أهل اليمن، فليس حاجٌّ يحجُّ من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا مَن كان أجاب إبراهيم يومئذ". قال ابن المنير: وفي مشروعية التلبية تنبيهٌ على إكرام الله - تعالى - لعباده، بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاءٍ منه . قوله: "وكان ابن عمر يزيد فيها ... " إلى آخره، فيه دليلٌ على جواز الزيادة على ما وَرَد عن النبي ﷺ في ذلك، قال الشافعي: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر وغيره من تعظيم الله ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النبي ﷺ في ذلك. قال الحافظ: وهو شيبهٌ بحال الدعاء في التشهُّد فإنه قال فيه: ((ثم ليتخيَّر من المسألة والثناء ما شاء)) ؛ أي: بعد أن يفرغ من المرفوع، انتهى. وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ : ((لبيك إله الحق لبيك)) ؛ أخرجه النسائي وابن ماجه. قوله: ((لبيك وسعديك)) ؛ أي: إجابة بعد إجابة، وإسعادًا بعد إسعاد. * * *

стр. 174

الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم)) . قوله: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر)) خصَّ المؤمنة بالذكر لأن صاحب الإيمان هو الذي ينتفع بخطاب الشارع وينقاد له. قوله: ((أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم)) وفي حديث ابن عباس، قال النبي ﷺ : ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم)) ، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج، فقال: ((أخرج معها)) . قال الموفق: و (المحرم) : زوجها، أو مَن تحرم عليه على التأييد، بنَسَب أو سبب مباح. قال الحافظ: واستدلَّ به على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماعٌ في غير الحج والعمرة والخروج من دار الشرك، ومنهم مَن جعل ذلك من شرائط الحج. قال أبو الطيب الطبري: الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤدِّيه فلا يجوز لها إلا من محرم أو زوج أو نسوة ثقات، انتهى، والله أعلم. * * * باب الفدية الحديث الأول عن عبد الله بن مغفل قال: "جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حملت إلى رسول

стр. 175

الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ((ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى - أو ما كنت أرى الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟)) ، فقلت: لا، قال: ((فصُمْ ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكلِّ مسكين نصف صاع)) ، وفي رواية: "أمره رسول الله ﷺ أن يطعم فرقًا بين ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام". قال الله - تعالى -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] . قال مجاهد وغيره: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر. قال البغوي: قوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ؛ معناه: لا تحلقوا رؤوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطرُّوا إلى حلقه لمرض أو لأذًى في الرأس من هوام أو صداع، انتهى. قال الموفق: ومَن أحصر بمضر أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلُّل، فإن فاته الحج تحلَّل بعمرة، ويحتمل أنه يجوز له التحلُّل كمَن حصره العدو، انتهى. قوله: "ويحتمل أنه يجوز له التحلل، هو رواية عن أحمد، وروى عن ابن مسعود وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وشيخ الإسلام ابن تيميَّة. قال الزركشي: ولعله أظهر؛ لظاهر قوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، ولحديث الحجاج بن عمرو، انتهى. والحديث رواه أحمد عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن كسر أو وجع أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى)) ، قال فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق. قوله: ((ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى)) ، أو: ((ما كنت أرى الجهد بلغ منك ما أرى)) ، شكٌّ من الراوي، هل قال: الوجع أو الجهد. و (الجَهْد) بالفتح: المشقَّة.

стр. 176

قوله: ((أتجد شاة)) ، فقلت: لا، قال ابن عبد البر: فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا إيجابه. قوله: ((فصُمْ ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)) ؛ أي: من كل شيء، ولأحمد: ((لكل مسكين نصف صاع من طعام)) . قوله: "نزلت في خاصة وهي لكم عامة"، في رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: "أن رسول الله ﷺ رآه وأنه يسقط على وجهه، فقال: ((أيؤذيك هوامك؟)) ، قال: نعم، فأمره أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يتبيَّن لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله ﷺ أن يطعم فرقًا بين ستة، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام"، قال الحافظ: والصيام المطلق في الآية مقيد بما ثبت في الحديث بالثلاثة. قال ابن التين وغيره: جعل الشارع هنا صوم يوم معادلاً بصاع. وفي الفطر في رمضان عدل مُدٍّ، وكذا في الظهار والجماع رمضان، وفي كفارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث، وفي ذلك أقوى دليل على أن القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات. قال: وفي حديث كعب بن عجرة من الفوائد أن السنة مبيِّنة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسنَّة، وتحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقه إذا آذَاه القمل أو غيره من الأوجاع، وفيه تلطُّف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقُّده لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضررًا سأل عنه وأرشده إلى المخرج منه، انتهى. واستدلَّ به على أن الفدية لا يتعيِّن لها مكان، وبه قال أكثر التابعين. قال الموفَّق: وكلُّ هدى أو إطعام فهو لمساكين الحرم إذا قدر على إيصاله إليهم إلا فدية الأذى واللبس ونحوهما إذا وجد سببها في الحلِّ فيفرقها حيث وجد سببها، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر، وأمَّا الصيام فيجزيه بكل مكان، انتهى، والله أعلم. * * * باب حرمة مكة الحديث الأول عن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي ﵁ أنه

стр. 177

قال لعمرو بن سعيد بن العاص وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدِّثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن مكة حرَّمها الله يوم خلق السموات والأرض ولم يحرمها الناس، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإنْ أحدٌ ترخَّص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب)) . فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدمٍ ولا فارًّا بخربة)) ، ((الخربة)) : بالخاء المعجمة والراء المهملة، قيل: الجناية، وقيل: البلية، وقيل: التهمة، وأصلها في سرقة الإبل، قال الشاعر: وَالْخَارِبُ اللِّصُّ يُحِبُّ الْخَارِب قوله: "وهو يبعث البعوث إلى مكة"؛ أي: يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير؛ لكونه امتنع عن مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة. قال الحافظ: عمرو ليست له صحبة، ولا كان من التابعين بإحسان، وهو المعروف بالأشدق. قوله: "ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح"؛ أي: ثاني يوم الفتح.

стр. 178

قال الحافظ: يُستَفَاد منه حسن التلطُّف في مخاطبة السلطان؛ ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يُخاطَب إلا بعد استئذانه، ولا سيَّما إذا كان في أمرٍ يعترض به عليه، فترك ذلك والغلظة له يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندة مَن يخاطبه. قوله: "فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به" فيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه. قوله: "أنه حمد وأثنى عليه" قال الحافظ: ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة. قوله: ((إن مكة حرَّمها الله)) قال الحافظ: أي: حكَم بتحريمها وقضاه، وظاهره أن حكم الله - تعالى - في مكة أن لا يقاتل أهلها، ويؤمن مَن استجار بها ولا يتعرَّض له، وهو أحد الأقوال المفسِّرين في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] . قوله: ((ولم يحرمها الناس)) ؛ أي: إن تحريمها ثابتٌ بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرَّمات الله فيجب امتثال ذلك، وليس من محرَّمات الناس؛ يعني: في الجاهلية كما حرَّموا أشياء من عند أنفسهم. قوله: ((فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر)) قال الحافظ: فيه تنبيهٌ على الامتثال؛ لأن مَن آمَن بالله لزمته طاعته، ومَن آمَن باليوم الآخر لزِمَه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه؛ خوف الحساب عليه. قوله: ((أن يسفك بها دمًا)) ، استدلَّ به على تحريم القتل والقتال بمكة. قوله: ((ولا يعضد بها شجرة)) ؛ أي: لا يقطع. قال القرطبي: خصَّ الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله - تعالى - من غير صنع آدمي؛ فأمَّا ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور على الجواز، انتهى. واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول؛ فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي، وقال الشافعي: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة، وقال الموفق: ومَن قلعه ضَمِن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، وقال أيضًا: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمي ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا. قوله: ((فإن أحد ترخَّص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن

стр. 179

لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار)) قال الحافظ: مقدارها ما بين طلوع الشمس إلى صلاة العصر، ولفظ الحديث عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: لما فتحت مكة قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر فأَذِن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كفوا السلاح، فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غَدٍ بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال - ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة ... فذكر الحديث. قوله: ((وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس)) ، في رواية: ((ثم هي حرام إلى يوم القيامة)) . قوله: ((فليبلغ الشاهد الغائب)) فيه دليلٌ على وجوب تبليغ العلم، وعلى قبول خبر الواحد. قوله: "أنا أعلم بذلك يا أبا شريح" قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان يكون أعلم من صاحب رسول الله ﷺ . قوله: ((إن الحرم لا يعيذ عاصيًا)) ؛ أي: لا يجيره ولا يعصمه. قوله: ((ولا فارًّا)) ؛ أي: هاربًا بدم. قال الحافظ: والمراد: مَن وجوب عليه حدُّ القتل فهرب إلى مكة مستجيرًا بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل وفي تخصيصه العموم بلا مستند، انتهى. قوله: ((ولا فارًّا بخربة)) قال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد، وبالفتح السرقة، وقد تصرَّف عمرو في الجواب وأتى بكلام ظاهره حق، لكن أراد به الباطل، فإن الصحابي أنكر عليه نصب الحرب على مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص وهو صحيح، إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء من ذلك، انتهى. وعند أحمد: قال أبو شريح: "فقلت لعمرو: قد كنت شاهدًا وكنت غائبًا، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغتك". قال الحافظ: وفي حديث أبي شريح من الفوائد غير ما تقدَّم: إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين والموعظة بلطف وتدريج، والاقتصار في الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد، ووقوع التأكيد في الكلام للتبليغ، وجواز المجادلة في الأمور الدينية، وفيه الخروج عن عهدة التبليغ والصبر على المكاره لِمَن لا يستطيع بدًّا من ذلك، وفيه شرف مكة، وتقديم الحمد والثناء على القول المقصود؛ وفضل أبي شريح لاتِّباعه أمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه وغير ذلك. * * *

стр. 180

الحديث الثاني عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفِرتم فانفروا)) . وقال يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلا ساعةً من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا مَن عرفها ولا يختلى خلاه)) ، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: ((إلا الإذخر)) ، والقين: الحداد. قوله: ((لا هجرة بعد الفتح)) ؛ أي: فتح مكة، قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على مَن أسلم؛ لقلَّة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلمَّا فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على مَن قام به أو نزل به عدو. قال الحافظ وكانت الحكمة في وجوب الهجرة على مَن أسلم ليسلم من أذى ذَوِيه من الكفار؛ فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] الآية. وهذه الهجرة باقية الحكم في حق مَن أسلم في دار الكفر وقدَر على الخروج منها. وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((لا يقبل الله
следующие страницы →