← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8197

خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام

فيصل آل مبارك

Полный текст (406 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قوله: ((أتجد شاة)) ، فقلت: لا، قال ابن عبد البر: فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا إيجابه. قوله: ((فصُمْ ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)) ؛ أي: من كل شيء، ولأحمد: ((لكل مسكين نصف صاع من طعام)) . قوله: "نزلت في خاصة وهي لكم عامة"، في رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: "أن رسول الله ﷺ رآه وأنه يسقط على وجهه، فقال: ((أيؤذيك هوامك؟)) ، قال: نعم، فأمره أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يتبيَّن لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله ﷺ أن يطعم فرقًا بين ستة، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام"، قال الحافظ: والصيام المطلق في الآية مقيد بما ثبت في الحديث بالثلاثة. قال ابن التين وغيره: جعل الشارع هنا صوم يوم معادلاً بصاع. وفي الفطر في رمضان عدل مُدٍّ، وكذا في الظهار والجماع رمضان، وفي كفارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث، وفي ذلك أقوى دليل على أن القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات. قال: وفي حديث كعب بن عجرة من الفوائد أن السنة مبيِّنة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسنَّة، وتحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقه إذا آذَاه القمل أو غيره من الأوجاع، وفيه تلطُّف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقُّده لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضررًا سأل عنه وأرشده إلى المخرج منه، انتهى. واستدلَّ به على أن الفدية لا يتعيِّن لها مكان، وبه قال أكثر التابعين. قال الموفَّق: وكلُّ هدى أو إطعام فهو لمساكين الحرم إذا قدر على إيصاله إليهم إلا فدية الأذى واللبس ونحوهما إذا وجد سببها في الحلِّ فيفرقها حيث وجد سببها، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر، وأمَّا الصيام فيجزيه بكل مكان، انتهى، والله أعلم. * * * باب حرمة مكة الحديث الأول عن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي ﵁ أنه

стр. 177

قال لعمرو بن سعيد بن العاص وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدِّثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن مكة حرَّمها الله يوم خلق السموات والأرض ولم يحرمها الناس، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإنْ أحدٌ ترخَّص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب)) . فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدمٍ ولا فارًّا بخربة)) ، ((الخربة)) : بالخاء المعجمة والراء المهملة، قيل: الجناية، وقيل: البلية، وقيل: التهمة، وأصلها في سرقة الإبل، قال الشاعر: وَالْخَارِبُ اللِّصُّ يُحِبُّ الْخَارِب قوله: "وهو يبعث البعوث إلى مكة"؛ أي: يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير؛ لكونه امتنع عن مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة. قال الحافظ: عمرو ليست له صحبة، ولا كان من التابعين بإحسان، وهو المعروف بالأشدق. قوله: "ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح"؛ أي: ثاني يوم الفتح.

стр. 178

قال الحافظ: يُستَفَاد منه حسن التلطُّف في مخاطبة السلطان؛ ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يُخاطَب إلا بعد استئذانه، ولا سيَّما إذا كان في أمرٍ يعترض به عليه، فترك ذلك والغلظة له يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندة مَن يخاطبه. قوله: "فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به" فيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه. قوله: "أنه حمد وأثنى عليه" قال الحافظ: ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة. قوله: ((إن مكة حرَّمها الله)) قال الحافظ: أي: حكَم بتحريمها وقضاه، وظاهره أن حكم الله - تعالى - في مكة أن لا يقاتل أهلها، ويؤمن مَن استجار بها ولا يتعرَّض له، وهو أحد الأقوال المفسِّرين في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] . قوله: ((ولم يحرمها الناس)) ؛ أي: إن تحريمها ثابتٌ بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرَّمات الله فيجب امتثال ذلك، وليس من محرَّمات الناس؛ يعني: في الجاهلية كما حرَّموا أشياء من عند أنفسهم. قوله: ((فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر)) قال الحافظ: فيه تنبيهٌ على الامتثال؛ لأن مَن آمَن بالله لزمته طاعته، ومَن آمَن باليوم الآخر لزِمَه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه؛ خوف الحساب عليه. قوله: ((أن يسفك بها دمًا)) ، استدلَّ به على تحريم القتل والقتال بمكة. قوله: ((ولا يعضد بها شجرة)) ؛ أي: لا يقطع. قال القرطبي: خصَّ الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله - تعالى - من غير صنع آدمي؛ فأمَّا ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور على الجواز، انتهى. واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول؛ فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي، وقال الشافعي: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة، وقال الموفق: ومَن قلعه ضَمِن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، وقال أيضًا: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمي ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا. قوله: ((فإن أحد ترخَّص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن

стр. 179

لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار)) قال الحافظ: مقدارها ما بين طلوع الشمس إلى صلاة العصر، ولفظ الحديث عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: لما فتحت مكة قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر فأَذِن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كفوا السلاح، فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غَدٍ بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال - ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة ... فذكر الحديث. قوله: ((وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس)) ، في رواية: ((ثم هي حرام إلى يوم القيامة)) . قوله: ((فليبلغ الشاهد الغائب)) فيه دليلٌ على وجوب تبليغ العلم، وعلى قبول خبر الواحد. قوله: "أنا أعلم بذلك يا أبا شريح" قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان يكون أعلم من صاحب رسول الله ﷺ . قوله: ((إن الحرم لا يعيذ عاصيًا)) ؛ أي: لا يجيره ولا يعصمه. قوله: ((ولا فارًّا)) ؛ أي: هاربًا بدم. قال الحافظ: والمراد: مَن وجوب عليه حدُّ القتل فهرب إلى مكة مستجيرًا بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل وفي تخصيصه العموم بلا مستند، انتهى. قوله: ((ولا فارًّا بخربة)) قال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد، وبالفتح السرقة، وقد تصرَّف عمرو في الجواب وأتى بكلام ظاهره حق، لكن أراد به الباطل، فإن الصحابي أنكر عليه نصب الحرب على مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص وهو صحيح، إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء من ذلك، انتهى. وعند أحمد: قال أبو شريح: "فقلت لعمرو: قد كنت شاهدًا وكنت غائبًا، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغتك". قال الحافظ: وفي حديث أبي شريح من الفوائد غير ما تقدَّم: إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين والموعظة بلطف وتدريج، والاقتصار في الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد، ووقوع التأكيد في الكلام للتبليغ، وجواز المجادلة في الأمور الدينية، وفيه الخروج عن عهدة التبليغ والصبر على المكاره لِمَن لا يستطيع بدًّا من ذلك، وفيه شرف مكة، وتقديم الحمد والثناء على القول المقصود؛ وفضل أبي شريح لاتِّباعه أمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه وغير ذلك. * * *

стр. 180

الحديث الثاني عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفِرتم فانفروا)) . وقال يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلا ساعةً من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا مَن عرفها ولا يختلى خلاه)) ، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: ((إلا الإذخر)) ، والقين: الحداد. قوله: ((لا هجرة بعد الفتح)) ؛ أي: فتح مكة، قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على مَن أسلم؛ لقلَّة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلمَّا فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على مَن قام به أو نزل به عدو. قال الحافظ وكانت الحكمة في وجوب الهجرة على مَن أسلم ليسلم من أذى ذَوِيه من الكفار؛ فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] الآية. وهذه الهجرة باقية الحكم في حق مَن أسلم في دار الكفر وقدَر على الخروج منها. وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((لا يقبل الله

стр. 181

من مشرك عملاً بعد ما أسلم أو يفارق المشركين)) . ولأبي داود في حديث سمرة مرفوعا ((أنا برئ من كلِّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين)) وهذا محمولٌ على مَن لم يأمن على دينه، انتهى. وقال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام، انتهى. قوله: ((ولكن جهاد ونية)) قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك. قال الحافظ: وتضمَّن الحديث بشارة من النبي ﷺ بأن مكة تستمرُّ دار إسلام. قوله: ((وإذا استُنفِرتم فانفروا)) ؛ أي: إذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد فاخرجوا، قال الحافظ: وفي الحديث وجوب تعين الخروج في الغزو على مَن عيَّنه الإمام، وأن الأعمال تعتبر بالنيات، انتهى. قوله: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله)) ؛ أي: بتحريمه، واستدلَّ به على تحريم القتل والقتال بالحرم. فأمَّا القتل فنقل بعضهم الاتِّفاق على جواز إقامة حدِّ القتل فيها على مَن أوقعه فيها، وخص الخلاف بِمَن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممَّن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي. وأمَّا القتال فقال الماوردي: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل، فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلا بالقتال؛ فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله - تعالى - فلا يجوز إضاعتها، وقال آخَرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة. قال الطبري من الشافعية: مَن أتى حدًّا في الحل واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يحاصره ويضيِّق عيه حتى يذعن للطاعة؛ لقوله ﷺ : ((وإنما أُحِلَّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس)) ، فعلم أنها لا تحلُّ لأحدٍ بعده بالمعنى الذي

стр. 182

حلَّت له به، وهو محاربة أهلها والقتل فيها. وقال ابن المنير: قد أكَّد النبي ﷺ التحريم بقوله: ((حرمه الله)) ، ثم قال: ((فهو حرام بحرمة الله)) ، ثم قال: ((ولم تحلَّ لي إلا ساعة من نهار)) ، وكان إذا أراد التأكيد وذكر الشيء ثلاثًا، قال: فهذا نصٌّ لا يحتمل التأويل. وقال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه ﷺ لاعتذاره عمَّا أُبِيح له من ذلك، مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقِّين للقتال والقتل؛ لصدِّهم عن المسجد الحرام وإخراجهم منه وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شريح وقال به غير واحد من أهل العلم. وقال ابن كثير في تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] ، يقول - تعالى -: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعًا للصائل، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية. قوله: ((لا يعضد شوكه)) ؛ أي: لا يقطع. قوله: ((ولا ينفر صيده)) ، قال النووي: يحرم التنفير وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكوته ضمن وإلا فلا، قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بأولى. قوله: ((ولا يلتقط لقطته إلا مَن عرفها)) ، وفي حديث أبي هريرة: ((ولا تحلُّ ساقطتها إلا المنشد)) ؛ أي: معرف. قال الحافظ: واستدلَّ بحديثي ابن عباس وأبي هريرة على أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة، وهو قول الجمهور. قوله: ((ولا يختلى خلاء)) الخلا: هو الرطب من النبات، واختلاؤه قطعه واحتشاشه. قال الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش فإنه المنهي عنه، فلا يتعدَّى ذلك إلى غيره. قال ابن قدامة: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبَتَه الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم، فلا بأس برعيه واختلائه. قوله: فقال العباس يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال: ((إلا الإذخر)) ، وفي رواية: ((فإنه لصاغتنا وقبورنا)) ، كان أهل مكة يسقفون البيوت بالإذخر بين الخشب، ويسددون به الخلل بين اللبنات في القبور، ويستعلمونه بدلاً من الحلفاء في الوقود.

стр. 183

قال الحافظ: في تقريره ﷺ للعباس على ذلك دليلٌ على جواز تخصيص العام. وقال الطبري: ساغَ للعباس أن يستثنى الإذخر؛ لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الإختلاء فإنه من تحريم الرسول باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر. وقال ابن المنير: الحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة، وترخيص النبي ﷺ كان تبليغًا عن الله إمَّا بطريق الإلهام أو بطريق الوحي. قال الحافظ: وفي الحديث بيان خصوصية النبي ﷺ بما ذكر في الحديث، وجواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية، والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد، وعظيم منزلة العباس عند النبي ﷺ وعنايته بأمر مكة؛ لكونه كان بها أصله ومنشؤه، وفيه رفع وجوب الهجرة من مكة إلى المدينة وإبقاء حكمها من بلاد الكفر إلى يوم القيامة، وأن الجهاد يشترط أن يقصد به الإخلاص، ووجوب النفير مع الأئمة. * * * باب ما يجوز قتله الحديث الأول عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((خمسٌ من الدواب كلهن فواسق يُقتَلن في الحرم: الغراب، والحِدَأَة، العقرب، والفأرة، والكلب العقور)) ، ولمسلم: ((خمس فواسق يُقتَلن في الحل والحرم)) . قوله: ((خمس من الدواب كلهن فواسق يُقتَلن في الحرم)) ، وفي حديث ابن عمر: ((خمسٌ من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح)) . قال الحافظ: وعرف بذلك

стр. 184

أن لا إثم في قتلها على المحرم ولا في الحرم، ويؤخذ من جواز ذلك للحلال وفي الحل من باب الأَوْلَى. قوله: ((الغراب)) في رواية عند مسلم: ((الأبقع)) وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، قال الحافظ، قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شارَكَه في الإيذاء وتحريم الأكل، وقد اتَّفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحِق بالأبقع. قوله: ((والحدأة)) ، وفي رواية: ((والحُدَيَّا)) ، قال الحافظ: ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين. قوله: ((والعقرب)) وفي حديث ابن عمر عند أحمد: ((والحية)) بدل: ((والعقرب)) ، قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها. قوله: ((والفأرة)) قال الحافظ: بهمزة ساكنة ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حُكِي عن إبراهيم النخعي، فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم؛ أخرجه ابن المنذر، وقال هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم، والفأر أنواع: منها الجرذ، والخلد وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، انتهى. قوله: ((والكلب العقور)) قال مالك في "الموطأ": كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم؛ مثل: الأسد والنمر، والفهد والذئب، هو العقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال بعض العلماء: أنواع الأذى مختلفة، وكأنَّه نبَّه بالعقرب على ما يُشارِكها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السموم؛ كالحية، والزنبور، وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرض كابن عرس، وبالغراب والحدأة على ما يشاركها في الأذى بالاختطاف كالصقر، وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى بالعدوان والعقر كالأسد والفهد، انتهى. قال في "القاموس": ابن عرس دُوَيبة أشتر أصلم أسك. تتمَّة: عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ قال: ((الوزع فويسق)) ، ولم أسمعه أمر بقتله"؛ رواه البخاري. قال الحافظ: وقضية تسميته إيَّاه فويسقًا أن يكون قتله مباحًا، وكونها لم تسمعه لا يدلُّ على منع ذلك فقد سمعه

стр. 185

غيرها، انتهى. ونقل ابن عبد البر: الاتِّفاق على جواز قتله في الحل والحرم، وروى ابن أبي شيبة: أن عطاء سُئِل عن قتل الوزغ في الحرم، فقال: إذا آذاك فلا بأس بقتله، والله أعلم. * * * باب دخول مكة وغيره الحديث الأول عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المِغْفَر، فلمَّا نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلِّق بأستار الكعبة، فقال: ((اقتلوه)) . قال الحافظ: "المغفر" هو زرد من الدرع على قدر الرأس، وقيل: هو رفرف البيضة، قاله في "المحكم"، وفي "المشارق": هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة، والسبب في قتل ابن خطل وعدم دخوله في قوله ﷺ : ((مَن دخل المسجد فهو آمِن)) ، ما روى ابن إسحاق في "المغازي": حدثني عبد الله بن أبي بكر وغيره أن رسول الله ﷺ حين دخل مكة قال: ((لا يقتل أحدٌ إلا مَن قاتل)) ، إلا نفرًا سماهم فقال: ((اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة)) ، منهم عبد الله بن خطل، وعبد الله بن سعد، وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله مصدقًا، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه، وكان مسلمًا، فنزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيسًا ويصنع له طعامًا، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا، وكانت له قينتان تغنِّيان بهجاء رسول الله ﷺ ، انتهى. واستدلَّ بالحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام إذا لم يقصد الحج أو العمرة قال البخاري: "باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام ودخل ابن عمر، وإنما أمر النبي - صلى الله

стр. 186

عليه وسلم - بالإهلال لِمَن أراد الحج أو العمرة ولم يذكر الحطابين وغيرهم"، وذكر حديث ابن عباس في المواقيت وحديث الباب، واستدلَّ بالحديث على أنه ﷺ فتح مكة عنوة. قال الحافظ: وفيه مشروعية لبس المِغْفَر وغيره من آلات السلاح حال الخوف من العدو، وأنه لا ينافي التوكُّل، وفيه جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة ولا النميمة. * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى". قوله: "دخل مكة من كداء من الثنية العليا" وفي حديث عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من كداء أعلى مكة"، قال عروة: وكان هشام يدخل على كلتيهما من كداء وكدا وأكثر ما يدخل من كدا، وكانت أقربهما إلى منزله. قال الحافظ: كداء هي الثنية التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها: الحجون، وكدا عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان. واختلف في المعنى الذي لأجله خالَف ﷺ بين طريقيه؛ فقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: ليشهد له الطريقان، وقيل: لأنه ﷺ خرج منها مختفيًا في الهجرة فأراد أن يدخلها ظاهرًا عاليًا، وقيل: لأن مَن جاء من تلك الجهة كان مستقبِلاً للبيت، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمرَّ على ذلك، والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعباس: لا أسلم

стр. 187

حتى أرى الخيل تطلع من كداء، فقلت: ما هذا؟ قال: شيء طلع بقلبي، وإن الله لا يطلع الخيل هناك أبدًا، قال العباس: فذكرت أبا سفيان بذلك. وللبيهقي من حديث ابن عمر قال: قال النبي ﷺ لأبي بكر: ((كيف قال حسان؟)) ، فأنشده: عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا = تُثِيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءُ فتبسَّم وقال: ((ادخلوها من حيث قال حسان)) ، انتهى. وفي "السيرة"؛ لابن إسحاق: عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا = تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ * * * الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "دخل رسول الله ﷺ البيت وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم الباب، فلمَّا فتحوا الباب كنت أوَّل داخل، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين". قوله: "دخل رسول الله ﷺ البيت"، في رواية: "أقبل النبي ﷺ يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد"، وفي روايةٍ: "عند البيت وقال لعثمان: ائتنا بالمفتاح، ففتح له الباب، فدخل". قال الحافظ: وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزي بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، ويقال له: الحجبي، ولآل بيته: الحجبة لحجبهم

стр. 188

الكعبة، ويعرفون الآن بالشيبيين، نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي يطلحة، وهو ابن عمِّ عثمان هذا لا ولده، وله أيضًا صحبة. قوله: "فأغلقوا عليهم الباب"، وعند أبي عوانة من داخل قوله: "فلما فتحو الباب"، في رواية "فلبث فيه ساعة ثم خرجوا". قوله: "فلمَّا فتحوا الباب كنت أول داخل"، في رواية: "ثم خرج فابتدر الناس الدخول فسبقتهم". قوله: "فلقيت بلالاً"، في رواية: "فأقبلت والنبي ﷺ قد خرج، وأجد بلالاً قائمًا بين البابين، فسألت بلالاً فقلت: أَصَلَّى النبي ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين". قوله: "بين العمودين اليمانيين"، في رواية: "جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره"، وفي رواية: "بين ذينك العمودين المقدمين"، وكان البيت على ستة أعمدة سطرين، صلى بين العمودين من السطر المقدَّم وجعل باب البيت خلف ظهره". وفي روايةٍ عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حين يدخل، ويجعل الباب قبل الظهر، يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاث أذرع فيصلي، يتوخَّى المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله ﷺ صلى فيه، وليس على أحد بأسٌ أن يصلي في أيِّ نواحي البيت شاء"، وفي الحديث استحباب دخول الكعبة، والصلاة فيها، وليس ذلك بواجب. قال البخاري: وكان ابن عمر يحجُّ كثيرًا ولا يدخل. قال النووي: لا خلاف أنه ﷺ دخل في يوم الفتح لا في حجة الوداع. قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد رواية الصحابية عن الصحابي، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به، والحجة بخبر الواحد، وفيه اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة، وفيه السؤال عن العلم والحرص فيه، وفضيلة ابن عمر؛ لشدَّة حرصه على تتبُّع آثار النبي ﷺ ليعمل بها؛ وفيه أن الفاضل من الصحابة قد كان يغيب عن النبي ﷺ في بعض المشاهد الفاضلة ويحضره مَن هو دونه فيطَّلع على ما لم يطَّلع عليه؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممَّن هو أفضل من بلال ومَن ذكر معه لم يشاركوهم في ذلك، وفيه أن السترة إنما تشرع حيث

стр. 189

يخشى المرور، فإنه ﷺ صلى بين العمودين ولم يصلِّ إلى أحدهما، والذي يظهر أنه ترك ذلك للقرب من الجدار، وفيه استحباب دخول الكعبة، ومحل استحبابه ما لم يؤذِ أحدًا بدخوله، انتهى. وعن عائشة ﵂ قالت: "كنت أحبُّ أن أدخل البيت أصلِّي فيه فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني الحجر، فقال لي: ((صلِّي في الحجر إذا أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت)) ؛ رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصحَّحه الترمذي. * * * الحديث الرابع عن عمر ﵁: "أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله، وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك". قوله: "جاء إلى الحجر الأسود فقبله"، في رواية: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للركن: "أمَا والله إني لأعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك"، فاستَلَمه. وفي حديث ابن عمر: "رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبِّله"، ولابن المنذر عن نافع: "رأيت ابن عمر استَلَم الحجر وقبَّل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله". قال الحافظ: ويستفاد منه الجمع بين الاستلام والتقبيل، بخلاف الركن اليماني فيستَلَمه فقط، انتهى. وعن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال له: ((يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلِّل وكبِّر)) ؛ رواه أحمد. قوله: "إني لأعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك".

стр. 190

قال الطبري: إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهدٍ بعبادة الأصنام؛ فخشي عمر أن يظنَّ الجهَّال أن استلام الحجر من باب تعظيم لهذه الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتِّباعٌ لرسول الله ﷺ لا لأن الحجر ينفع ويضرُّ بذاته، كما كان الجاهلية تعتقده في الأوثان، انتهى. وعن ابن عباس مرفوعًا: ((إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لِمَن استلمه يوم القيامة بحق)) ؛ رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، وصحَّحه ابن حبان والحاكم. قال الحافظ: وفي قول عمر هذا التسليمُ للشارع في أمور الدين وحسن الاتِّباع فيما لا يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتِّباع النبي ﷺ فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة، وفيه دفع ما وقع لبعض الجهَّال، أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته، وفيه بيان السنن بالقول والفعل، وأن الإمام إذا خشي على أحدٍ من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك. قال شيخنا في "شرح الترمذي": فيه كراهة تقبيل ما لم يَرِد الشرع بتقبيله. وأمَّا قول الشافعي: ومهما قبَّل من البيت فحسن فلم يرد به الاستحباب؛ لأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين انتهى، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قومٌ قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم". * * *

стр. 191

الحديث السادس عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود، أوَّل ما يطوف يَخُبُّ ثلاثة أشواط". قوله في حديث ابن عباس: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة"؛ أي: في عمرة القضاء. قوله: "فقال المشركون إنه يقدم عليكم قومٌ قد وهنتهم حمى يثرب"؛ أي: أضعفتْهم، و (يثرب) اسم المدينة النبوية في الجاهلية، ونهي النبي ﷺ عن تسميتها بذلك، وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين. قوله: "فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة" (الرمل) : هو الإسراع في المشي، و (الأشواط) جمع شوط، وهو الجري مرة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة. قوله: "وأن يمشوا ما بين الركنين"؛ أي: اليمانيين، وعند أبي داود: "وكانوا إذا تواروا عن قريش بين الركنين مشوا وإذا طلعوا عليهم رملوا"، وللبخاري: "لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال: ((ارملوا)) ؛ ليرى المشركون قوتهم، والمشركون من قِبَل قعيقعان)) . قال الحافظ: وهو يُشرِف على الركنين الشاميين، ومَن كان به لا يرى مَن بين الركنين اليمانيين، ولمسلم: "فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم، لهؤلاء أجلد من كذا". قال الحافظ: ويؤخذ منه جواز إظهار القوة بالعدَّة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابًا لهم، ولا يُعَدُّ ذلك من الرياء المذموم، وفيه جواز المعاريض بالفعل كما يجوز بالقول، وربما كانت بالفعل أَوْلَى. قوله في حديث ابن عمر: "يَخُبُّ ثلاثة أشواط"، في رواية: "يَخُبُّ ثلاثة أطواف من السبع"؛ أي: يسرع في مشيه. قال الحافظ: اقتصروا عند مراءاة المشركين على الإسراع إذا مرُّوا من جهة الركنين الشاميين؛ لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية،

стр. 192

فإذا مرُّوا بين الركنين اليمانيين مشوا على هيئتهم كما هو بيِّن في حديث ابن عباس، ولما رملوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كلِّ طوفة فكانت سنة مستقلَّة. قال الموفق: ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمرًا، أو طواف القدوم إن كان مفردًا أو قارنًا، ويطوف سبعًا يرمل في الثلاثة الأولى منها وهو إسراع المشي مع تقارب الخُطَا ولا يثب وثبًا ويمشي أربعًا، انتهى. قال الحافظ: لا يشرع تدارك الرَّمَل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه في الأربع؛ لأن هيئتها السكينة فلا تغير، ويختصُّ بالرجال فلا رَمَل على النساء، ويختصُّ بطواف يعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماشٍ وراكب، ولا دم بتركه عند الجمهور. * * * الحديث السابع عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعيرٍ يستلم الركن بمحجن". (المحجن) : عصى محنية الرأس، وفي رواية لمسلم: "يستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن". وله من حديث ابن عمر: أنه استلم الحجر بيده ثم قبله، ورفع ذلك، قال الحافظ: وبهذا قال الجمهور إن السنة أن يستلم الركن ويقبِّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلَمَه بشيء في يده وقبَّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، انتهى. وقال البخاري: باب المريض يطوف راكبًا؛ وأورد فيه حديث ابن عباس، وحديث أم سلمة قالت: "شكوت إلى رسول الله ﷺ أني اشتكي، قال: ((طوفي من وراء الناس وأنت راكبة)) ، فطفت ورسول الله يصلي إلى البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور". قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يُؤكَل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. * * *

стр. 193

الحديث الثامن عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "لم أرَ النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين". روى أحمد عن أبي الطفيل قال: "كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمرُّ بركن إلا استَلَمه، فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الحجر اليماني، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال له ابن عباس: لقد كان لكم في رسول أسوة حسنة، فقال معاوية: صدقت". قال الداودي: ظنَّ معاوية أنهما ركنَا البيت، وليس كذلك لحديث عائشة؛ يعني: قول النبي ﷺ - لها: ((ألم ترَيْ أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم)) ، فقلت: يا رسول الله: ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: ((لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)) . فقال عبد الله بن عمر: "لئن كانت عائشة ﵂ سمعتْ هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترَك استلام الركنَين اللذَين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمَّم على قواعد إبراهيم"؛ متفق عليه. قال الشافعي: إنَّا لم ندع استلامهما؛ يعني: الركنين الشاميين هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنَّا نتبع السنة فعلاً وتركًا. * * * باب التمتع الحديث الأول عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: "سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيه جزور أو بقرة

стр. 194

أو شاة أو شرك في دم، قال: وكأن أناسًا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانًا ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس فحدَّثته فقال: الله أكبر، سنَّة أبي القاسم ﷺ ". التمتُّع: هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلُّل من تلك العمرة، والإهلال بالحج في تلك السنة؛ قال الله - تعالى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتُّع المراد بقوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع القِرَان؛ لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتُّع أيضًا فسخ الحج إلى العمرة، انتهى. قوله: "سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها"، وفي رواية: "تمتَّعت فنهاني ناسٌ، فسألت ابن عباس ﵄ فأمرني بها"، قال الحافظ: وكان ذلك في زمن ابن الزبير، وكان ينهى عن المتعة. قوله: "وسألته عن الهدي"؛ أي: المذكور في قوله - تعالى -: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . قوله: "فيه جزور"؛ أي: في المتعة؛ يعني: يجب على مَن تمتَّع دمٌ، والجزور البعير ذكرًا كان أو أنثى. قوله: "أو شرك في دم"؛ أي: مشاركة في الجزور والبقرة. قال الحافظ: وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مُهِلِّين بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة"، وبهذا قال الشافعي والجمهور سواء كان الهدي تطوعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقرِّبين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرُّب وبعضهم يريد اللحم، وأجمعوا على أن الشاة لا يصحُّ الاشتراك فيها. قوله: "وكأن أناسًا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانًا ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة"، وفي رواية: "كأن رجلاً يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبَّلة"، وفي رواية: "عمرة متقبَّلة وحج مبرور"، والحج المبرور

стр. 195

هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم. ولأحمد من حديث جابر: قالوا: يا رسول الله، ما بر الحج؟ قال: ((إطعام الطعام وإفشاء السلام)) . قوله: "فأتيت ابن عباس فحدَّثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم ﷺ "، وفي رواية: "ثم قال لي: أقم عندي فأجعل لك سهمًا من مالي، قال شعبة: فقلت: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيت". قال الحافظ: ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسرُّه، وفرح العالم بموافقته الحق، والاستئناس بالرؤيا لموافقته الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم، والتكبير عند المسرَّة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم ليعمل بالراجح منه الموافق للدليل، وبالله التوفيق. * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "تمتَّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فسَاقَ الهدي من ذي الحُلَيْفَة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة ثم أهلَّ بالحج، فتمتَّع الناس مع رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس مَن تمتَّع فسَاقَ الهدي من ذي الحُلَيْفَة، ومنهم مَن لم يهدِ، فلمَّا قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: مَن يكن منكم قد أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومَن لم يكن أهدى فليَطُف بالبيت وبالصفا والمروة، ليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهدِ، ومَن لم يجد هديًا فليَصُم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى

стр. 196

أهله، فطاف رسول الله ﷺ حين قَدِم إلى مكة واستلم الركن أول شيء، ثم خبَّ ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعًا، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلَّم وانصرف فأتى الصفا، فطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم لم يحلَّ من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرم منه، وفعل مثلما فعل رسول الله ﷺ مَن أهدى فساق الهدي من الناس. قوله: "تمتَّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج"، قال الحافظ: يحتمل أن يكون معنى قوله: "تمتِّع" محمولاً على مدلوله اللغوي، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغير ذلك، بل قال النووي: إن هذا هو المتعين. قال الحافظ: وقوله: "بالعمرة إلى الحج"؛ أي: بإدخال العمرة على الحج. قوله: "وأهدى فساق الهدي من ذي الحُلَيْفَة" قال الحافظ: وفيه الندب إلى سَوْقِ الهدي من المواقيت ومن الأماكن البعيدة، وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس. قوله: "وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة ثم أهلَّ بالحج"، قيل: المراد به صورة الإهلال؛ أي: لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما، فقال: لبيك بعمرة وحجة، وفي الصحيحين من حديث أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لبيك عمرة وحجًّا)) . قال ابن القيم: الذي صنعه رسول الله ﷺ هو متعة القِرَان بلا شكٍّ كما قطع به أحمد. قوله: "فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة إلى الحج"، هذا محمولٌ على التمتُّع اللغوي؛ فإنهم لم يكونوا متمتِّعين بمعنى التمتُّع المشهور، قال الحافظ: الذين تمتَّعوا إنما بدؤوا بالحج، لكن فسخوا

стр. 197

حجهم إلى العمرة حتى حلُّوا بعد ذلك بمكة ثم حجوا من عامهم. قوله: "فلمَّا قدم النبي ﷺ قال للناس: ((مَن يكن منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حرم منه حتى يقضى حجه)) قال ابن دقيق العيد: هو موافق لقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فلا يجوز أن يحلَّ المتمتُّع الذي ساق الهدي حتى يبلغ الهدي محلَّه. قوله: ((ومَن لم يكن منكم أهدى فليَطُف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهدِ)) قال النووي: معناه: أنه يفعل الطواف والسعي والتقصير ويصير حلالاً، وهذا دليل على أن الحلق أو التقصير نسك وهو الصحيح، وإنما أمَرَه بالتقصير دون الحلق مع أن الحلق أفضل؛ ليبقى له شعر يحلقه في الحج. قال الحافظ: وقوله: ((وليحلل)) هو أمرٌ معناه الخبر؛ أي: قد صار حلالاً فله فعل كل ما كان محظورًا عليه في الإحرام، وقوله: ((ثم ليهلَّ بالحج)) ؛ أي: يحرم وقت خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى بـ (ثم) الدالَّة على التراخي، وقوله: ((وليهدِ)) ؛ أي: هدي التمتُّع. قوله: ((ومَن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)) ؛: أي مَن لم يجد الهدي بذلك المكان ويتحقَّق ذلك بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه حينئذ، أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك فينتقل إلى الصوم كما هو نص القرآن. قال الحافظ: والمراد بقوله: ((في الحج)) ؛ أي: بعد الإحرام به. وقال النووي: هذا هو الأفضل، فإن صامها قبل الإهلال بالحج أجزأ على الصحيح، وأمَّا قبل التحلُّل من العمرة فلا على الصحيح، فإن فاته الصوم قضاه، وفي صوم أيام التشريق لهذا قولان للشافعية أظهرهما: لا يجوز، وأصحهما من حيث الدليل: الجواز. قوله: "ثم سلم وانصرف فأتى الصفا" في حديث جابر عند مسلم: "ثم رجع إلى الحجر فاستَلَمَه، ثم خرج من باب الصفا". قوله: ((ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه)) ، قال الحافظ: سبب عدم إحلاله كونه ساق الهدي وإلا لكان يفسخ الحج إلى العمرة ويتحلَّل منها كما أمر به أصحابه. قوله: "وفعل مثلما فعل رسول الله ﷺ مَن أهدى فساق الهدي من الناس"، قال الحافظ: إشارة إلى عدم خصوصيته ﷺ بذلك، وفيه مشروعية طواف القدوم والرَّمَل فيه إن عقبه بالسعي، وتسمية السعي طوافًا، وطواف الإفاضة يوم النحر. * * *

стр. 198

الحديث الثالث عن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلُّوا من العمرة ولم تحلَّ أنت من عمرتك؟ قال: ((إني لبَّدت رأسي وقلَّدت هديي، فلا أحلُّ حتى أنحر)) . قوله: ((إني لبَّدت رأسي)) قال الحافظ: هو أن يجعل فيه شيء ليلتصق به، ويُؤخَذ منه استحباب ذلك للمحرم؛ أي: لئلاَّ يتشعَّث شعره في الإحرام. قوله: ((فلا أحلُّ حتى أنحر)) ؛ يعني: يوم النحر، وفي رواية: ((فلا أحلُّ حتى أحلَّ من الحج)) ، قال الحافظ: استدلَّ به على أن مَن ساق الهدي لا يتحلَّل من عمل العمرة حتى يهلَّ بالحج ويفرغ منه؛ لأنه جعل العلَّة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وكذا وقع في حديث جابر، وأخبر أنه لا يحلُّ حتى ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة وأحمد ومَن وافَقَهما، ويؤيِّده قوله في حديث عائشة: ((فأمَّا مَن لم يكن ساق الهدي فليحل) ، والأحاديث بذلك متضافرة؛ والذي تجتمع به الروايات أنه ﷺ كان قارنًا؛ بمعنى: أنه أدخل العمرة على الحج بعد أن أهلَّ به مفردًا، لا أنه أوَّل ما أهل أحرم بالحج والعمرة معًا. وقال النووي: الصواب الذي نعتقده أن النبي ﷺ كان قارنًا، وقال عياض: وأمَّا إحرامه ﷺ فقد تضافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردًا، وأمَّا رواية مَن روى: ((متمتعًا)) فمعناه أمر به؛ لأنه صرَّح بقوله: ((ولولا أن معي الهدي لأحللت)) فصحَّ أنه لم يحلَّ، وأمَّا رواية مَن روى القِرَان فهو إخبار عن آخر أحواله؛ لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي، وقيل له: قل عمرة في حجة. قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمَد، ويترجَّح رواية مَن روى القِرَان بأمور منها: أن معه زيادة علمٍ على مَن روى الإفراد وغيره، وبأن مَن روى الإفراد والتمتُّع اختلف عليه في ذاك. إلى أن قال: ومقتضى ذلك أن يكون القِرَان أفضل من الإفراد والتمتُّع،

стр. 199

وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، واختاره من الشافعية المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى أن التمتُّع أفضل؛ لكونه ﷺ تمناه، فقال: ((لولا أني سقت الهدي لأحلت)) ولا يتمنَّى إلا الأفضل، وهو قول أحمد بن حنبل المشهور عنه، انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: إن ساق الهدي فالقِرَان أفضل، وإن لم يَسُقْ فالتمتُّع أفضل، ومَن أراد أن ينشئ لعمرته من بلده سفرًا فالإفراد أفضل له، وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، انتهى ملخصًا. * * * الحديث الرابع عن عمران بن حصين ﵁ قال: "أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله ﷺ ولم ينزل قرآن بحرمتها ولم ينهَ عنها حتى مات، فقال رجل برأيه ما شاء". قال البخاري: يُقال: إنه عمر، ولمسلم: "نزلت آية المتعة؛ يعني: متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله ﷺ ثم لم ينزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينهَ عنه حتى مات"، ولهما بمعناه. قوله: "أنزلت آية المتعة"؛ يعني: قوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية. قوله: "ولم ينهَ عنها"؛ أي: المتعة، وفي الرواية الأخرى: "ولم ينه عنه"؛ أي: التمتع. قوله: "فقال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يُقال: إنه عمر"، وعند مسلم: أن ابن الزبير كان ينهى عنها، وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أن أوَّل مَن نهى عنها عمر، قال الحافظ: استقرَّ الأمر بعد على الجواز: وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر

стр. 200

الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلَّت العمرة لِمَن اعتمر، فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلِّين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظَم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: ((حل كله)) . قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد جواز نسخ القرآن بالقرآن ولا خلاف فيه، ونسخه بالسنة، وفيه اختلاف شهير، ووجه الدلالة منه قوله: "ولم ينهَ عنها" رسول الله ﷺ فإن مفهومه أنه لو نهى عنها لامتنعت، ويستلزم رفع الحكم، ومقتضاه جواز النسخ، وقد يُؤخَذ منه أن الإجماع لا يُنسَخ به؛ لكونه حصَر وجوه المنع في نزولِ آيةٍ أو نهيٍّ من النبي ﷺ وفيه وقع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنص، والله الموفق. باب الهدي الحديث الأول عن عائشة ﵂ قالت: "فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم أشعَرَها وقلَّدها أو قلَّدتها، ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلالاً". * * * الحديث الثاني عن عائشة ﵂ قالت: "أهدى النبي ﷺ مرة غنمًا".

стр. 201

الأصل في مشروعية الهدي الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٦- ٣٧] ، وقال - تعالى -: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٢- ٣٣] . قال البخاري: قال مجاهد: سميت (البدن) : لبدنها، و (القانع) : السائل، و (المعتر) : الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير، و (شعائر الله) : استعظام البدن واستحسانها، و (العتق) : عتقه من الجبابرة، ويقال: (وجبت) : سقطت إلى الأرض، ومنه: وجبت الشمس. قولها: "فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي ثم أشعرها"، قال الحافظ: فيه مشروعية الإشعار، وهو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلت، فيكون ذلك علامة على كونها هديًا، وبذلك قال الجمهور. وقال الخطابي وغيره: اعتلال مَن كره الإشعار بأنه من المثلة مردودٌ، بل هو باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان ليصير علاَمة، وقال الترمذي: "سمعت أبا السائب يقول: كنَّا عند وكيع، فقال له رجل: روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة، فقال له: أقول لك: أشعر رسول الله ﷺ - وتقول: قال إبراهيم! ما أحقك بأن تُحبَس. قال الحافظ: اتَّفق مَن قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها، ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار. وأخرج مسلم من حيث جابر قال: "صلى النبي ﷺ بذي الحُلَيْفَة، ثم دعا بناقته فأشعرها في سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلمَّا استوت به على البيداء أهلَّ بالحج"، وفي "الموطأ" عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدى هديًا من المدينة - على ساكنها الصلاة والسلام - قلَّده بذي الحُلَيْفَة، يقلِّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو متوجِّه إلى القبلة، يقلِّده بنعلين، ويشعره من الشق

стр. 202

الأيسر، ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به، فإذا قدم غداة النحر نحره. وعن نافع عن ابن عمر: "كان إذا طعن في سنام هديه بالشفرة قال: بسم الله الله أكبر". قال الحافظ: وفي الحديث مشروعية الإشعار، وفائدته الإعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها مَن يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميَّزت أو ضلَّت عرفت أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعائر الشرع وحث الغير عليه. وقال ابن دقيق العيد: في الحديث دليلٌ على استحباب بعث الهدي من البلاد لِمَن لا يسافر بها معه، وفيه دليلٌ على استحباب تقليده للهدي، وإشعاره من بلده بخلاف ما إذا سافر مع الهدي فإنه يؤخِّر الإشعار إلى حين الإحرام، وفيه دليلٌ على استحباب الإشعار في الجملة خلافًا لِمَن أنكره، وهو شق صفحة السنام طولاً وسلت الدم عنه. واختلف الفقهاء هل يكون في الأيمن أو الأيسر، ومَن أنكره قال: إنه مثلة، والعمل بالسنة أَوْلَى، وفيه دليلٌ على أن مَن بعث بهدي لا يحرم عليه محظورات الإحرام، وفيه دليلٌ على استحباب فتل القلائد، انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد تناولُ الكبير الشيء بنفسه وإن كان له مَن يكفيه إذا كان مما يهتم به، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة، وأن الأصل في أفعاله ﷺ التأسِّي به حتى تثبت الخصوصية. قولها: "أهدى النبي ﷺ مرة غنمًا"، وفي رواية: "كنت أفتل القلائد للنبي ﷺ فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالاً"، وفي رواية: "كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ فيبعث بها ثم يمكث حلالاً"، وفي رواية: "فتلت قلائدها من عهن كان عندي"، قال الحافظ، قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأي تقليدها، زاد غيره: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجة إلا قول بعضهم: إنها تضعف عن التقليد، وهي حجة ضعيفة؛ لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتَّفقوا على أنها لا تشعر لأنها تضعف عنه فتقليدها لا يضعفها انتهى، والله أعلم. * * *

стр. 203

الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: ((اركبها)) ، قال: إنها بدنة؟ قال: ((اركبها)) ، فرأيته راكبها يساير النبي ﷺ "، وفي لفظ: قال في الثانية أو الثالثة: ((اركبها، ويلك - أو: ويحك)) . قوله: "فرأيته راكبها يساير النبي ﷺ " في رواية: "والنعل في عنقها"، ولمسلم: "بينا رجل يسوق بدنة مقلدة". قوله: "قال في الثانية أو الثالثة: ((اركبها ويلك - أو ويحك)) "، في حديث أنس: أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: ((اركبها)) ، قال: إنها بدنة؟ قال: ((اركبها)) ، قال: إنها بدنة؟ قال: ((اركبها)) ثلاثًا، وللنسائي: "وقد جهده المشي". قوله: ((ويلك - أو: ويحك)) ، وعند مسلم: ((ويلك اركبها، ويلك اركبها)) ، ولأحمد قال: ((اركبها ويحك)) ، قال: إنها بدنة؟ قال: ((اركبها ويحك)) ، قال الهروي: (ويل) تقال لِمَن وقع في هلَكَة يستحقُّها، وويح: لِمَن وقع في هلَكَة لا يستحقُّها، قال القرطبي، قال له: ويلك تأديبًا له؛ لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. قال الحافظ: واستدلَّ به على جواز ركوب الهدي سواء كان واجبًا أو متطوعًا به، لكنه ﷺ لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك، فدلَّ على أن الحكم لا يختلف بذلك، وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد من حديث علي: "أنه سُئِل: هل يركب الرجل هديَه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبي ﷺ يمرُّ بالرجال يمشون، فيأمرهم يركبون هديه؛ أي: هدي النبي ﷺ " إسناده صالح، انتهى. وأخرج مسلم من حديث جابر مرفوعًا: ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا)) . وروى أبو داود في "المراسيل" عن عطاء: "كان النبي ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركبها غير منهكها"، قلت: ماذا؟ قال: الراجل والمتيع اليسير، وهذا قول الجمهور، ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها.

стр. 204

قال الحافظ: وفي الحديث تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وزجر مَن لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه، وجواز مسايرة الكبار في السفر، وأن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها، واستنبط منه البخاري جواز انتفاع الواقف بوقفه، وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة، أمَّا الخاصة فالوقف على النفس لا يصحُّ عند الشافعية ومَن وافقهم، والله أعلم. تتمَّة: عن ابن عمر ﵄ قال: "أهدى عمر نجيبًا، فأُعطِي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبًا، فأُعطِيت بها ثلاثمائة دينار، فأبيعها واشتري بثمنها بدنًا؟ قال: انحرها إياها"؛ رواه أحمد وأبو داود والبخاري في "تاريخه". * * * الحديث الرابع عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بدنِه، وأن أتصدَّق بلحمها وجلودها وأجلتها، ولا أعطي الجزار منها شيئًا، وقال: ((نحن نعطيه من عندنا)) . قوله: "أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بدنه"، قال الحافظ: أي: عند نحرها للاحتفاظ بها، ويحتمل أن يريد ما هو أعمُّ من ذلك؛ أي: على مصالحها في علفها ورعيها وسقيها وغير ذلك. وفي رواية: "أهدى النبي ﷺ مائة بدنة، فأمرني بلحومها فقسمتها، ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها". وفي حديث جابر الطويل عند مسلم: "ثم انصرف ﷺ إلى المنحر فنحر ثلاثًا وسبعين بدنة، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدَنَة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلاَ من لحمها وشربَا من مرقها". قوله: "وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها" (الأجلة) : جمع جل، وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه، قال البخاري: "وكان ابن عمر -

стр. 205

رضي الله عنهما - لا يشق من الجلال إلا موضع السنام، وإذا نحرها نزع جلالها مخافة أن يفسدها الدم ثم يتصدَّق بها". قال المهلب: ليس التصدُّق بجلال البدن فرضًا، وإنما صنع ذلك ابن عمر لأنه أراد أن لا يرجع في شيء أهلَّ به لله، ولا في شيء أُضِيف إليه. وروى ابن المنذر عن نافع: أن ابن عمر كان يجلل بدنه الأنماط والبرود والحِبَر حتى يخرج من المدينة ثم ينزعها فيطويها حتى يكون يوم عرفة فيلبسها إياها حتى ينحرها ثم يتصدق بها، قال نافع: وربما دفعها إلى بني شيبة". قال الحافظ: واستدلَّ به على منع بيع الجلد قال القرطبي: فيه دليلٌ على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم وإعطائها حكمه، وقد اتَّفقوا على أن لحمها لا يُباع فكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو وجهٌ عند الشافعية، قالوا: ويُصرَف ثمنه مصرف الأضحية، واستدلَّ أبو ثور على أنهم اتَّفقوا على جواز الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعُورِض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه، وأقوى من ذلك في ردِّ قوله ما أخرجه أحمد في حديث قتادة بن النعمان مرفوعًا: ((لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدَّقوا وكلوا واستمتعوا بجلودها، ولا تبيعوا، وأن أطعمتم من لحومها فكلوا إن شئتم)) . قوله: ولا أعطي الجزار منها شيئًا، وقال: ((نحن نعطيه من عندنا)) ، وللنسائي: ((ولا يعطى في جزارتها منها شيئًا)) . قال الحافظ: والمراد منع عطية الجزار من الهدي عوضًا عن أجرته، قال ابن خزيمة: والنهي عن إعطاء الجزار المراد به: أن لا يعطى منها عن أجرته، وكذا قال البغوي في "شرح السنة"، قال: وأمَّا إذا أعطي أجرته كاملة، ثم تصدَّق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدَّق على الفقراء فلا بأس بذلك. وقال غيره: إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، وأمَّا إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقِّه فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلاَّ تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه فيرجع إلى المعاوضة. قال: وفي حديث عليٍّ من الفوائد سَوْقُ الهدي، والوكالة في نحر الهدي، والاستئجار عليه، والقيام عليه وتفرقته والاشتراك فيه، وأن مَن وجب عليه شيء لله فله تخليصه، ونظيره الزرع يعطي عشرة ولا يحسب شيئًا من نفقته على المساكين، والله أعلم. * * *

стр. 206

الحديث الخامس عن زياد بن جبير قال: "رأيت ابن عمر قد أتى على رجل قد أناخ بدنه ينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيَّدة سنة محمد ﷺ ". قوله: "مقيدة"؛ أي: معقولة. وعن سعيد بن جبير قال: "رأيت ابن عمر ينحر بدنته وهي معقولة إحدى يديها"؛ رواه سعيد بن منصور. ولأبي داود من حديث جابر: "أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقى من قوائمها"، وقال ابن عباس في قوله - تعالى -: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] قال: قيامًا. قال الحافظ: وفي هذا الحديث استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة، وفيه تعليم الجاهل، وعدم السكوت على مخالفة السنة وإن كان مباحًا، وفيه أن قول الصحابي: من السنة كذا مرفوع عند الشيخين؛ لاحتجاجهما بهذا الحديث في صحيحيهما. تتمَّة: قال البخاري: "وقال عبيد الله: أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر، ويؤكل مما سوى ذلك، وقال عطاء: يأكل ويطعم من المتعة"، انتهى. وروى سعيد بن منصور عن عطاء: "لا يؤكل من جزاء الصيد ولا مما يجعل للمساكين من النذر"، قال ابن مفلح في "الفروع": واختار أبو بكر والقاضي والشيخ الأكل من أضحية النذر كالأضحية على رواية وجوبها في الأصح انتهى. وقال ابن رجب في القاعدة المائة: الواجب بالنذر هل يلحق بالواجب بالشرع أو بالمندوب؟ فيه خلاف يتنزَّل عليه مسائل كثيرة: منها الأكل من أضحية النذر، وفيه وجهان، اختار أبو بكر الجواز انتهى، والله أعلم. * * *

стр. 207

باب الغسل للمحرم الحديث الأول عن عبد الله بن حنين: "أن عبد الله بن عباس ﵄ والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء؛ فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوبٍ، فسلَّمت عليه فقال: مَن هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسَلَني إليك ابن عباس يسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب، فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصبُّ عليه الماء: اصبب، فصبَّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيديه، ثم أقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل"، وفي رواية: "فقال المسور لابن عباس: لا أماريك بعدها أبدًا". (القرنان) : العمودان اللذان يُشَدُّ فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة. قوله: "باب الغسل للمحرم"، قال البخاري: "وقال ابن عباس ﵄: يدخل المحرم الحمام، ولم يرَ ابن عمر وعائشة بالحكِّ بأسًا". قال الموفق: فإن حكَّ فرأى في يده شعرًا أحببنا أن يفديه احتياطًا، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قلعة. وقال أيضًا: ويكره له غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما؛ لما فيه من إزالة

стр. 208

الشعث والتعرُّض لقلع الشعر. قوله: "اختلفا بالأبواء"؛ أي: وهما نازلان بها. قوله: "لا أماريك"؛ أي: لا أجادلك، قال ابن عبد البر: الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نصٌّ عن النبي ﷺ أخَذَه عن أبي أيوب أو غيره؛ ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب: كيف كان يغسل رأسه ولم يَقُل: هل كان يغسل رأسه. قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد مناظرة الصحابة في الأحكام ورجوعهم إلى النصوص، وفيه اعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضًا، وفيه استتار الغاسل عند الغسل، والاستعانة في الطهارة، وجواز الكلام والسلام حالة الطهارة، وجواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء، ودلكه بيده إذا أمن تناثره، والله أعلم. * * * باب فسخ الحج إلى العمرة الحديث الأول عن جابر ﵁ قال: "أهلَّ النبي ﷺ وأصحابه بالحج وليس مع أحدٍ منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة، وقَدِم علي ﵁ من اليمن فقال: أهللت بما أهل به النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرةً فيطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا، إلاَّ مَن كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منًى، وذكر أحدنا يقطر فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)) ، وحاضت عائشة فنسكت المناسك

стр. 209

كلها، غير أنها لم تَطُف بالبيت، فلمَّا طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بحج، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. "فسخ الحج إلى العمرة" هو الإحرام بالحج، ثم يتحلَّل منه بعمل عمرة فيصير متمتعًا. قوله: "أهلَّ النبي ﷺ وأصحابه بالحج"، (الإهلال) أصله رفع الصوت، والمراد به هنا التلبية. قوله: "وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة" في حديث عائشة عند مسلم: "كان مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وذوي اليسار"، وفي حديث ابن عباس: "وكان طلحة ممن ساق الهدي ولم يحلَّ". قوله: "وقدم عليٌّ ﵁ من اليمن فقال: أهللت بما أهل به النبي ﷺ "، ولمسلم في حديث ابن عباس فقال: "لبيك بما أهلَّ به رسول الله ﷺ فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي". قوله: "فقالوا ننطلق إلى منًى وذكَر أحدِنا يقطر"؛ أي: لقرب ملامستهم النساء. قوله: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)) قال ابن دقيق العيد: معلل بقوله: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، انتهى. وفيه جواز استعمال (لو) في تمنِّي القربات والعلم والخير. قوله: "وحاضت عائشة فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت"، وفي حديث عائشة: "أن النبي ﷺ قال لها: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) ، قال الحافظ: والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل؛ لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معنى الحائض الجنب والمحدِث وهو قول الجمهور، وذهب جمعٌ من الكوفيين إلى عدم الاشتراط، وعند أحمد رواية: أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وعند المالكية قول يوافق هذا، انتهى.

стр. 210

قال ابن مفلح في "الفروع": وتشترط الطهارة من حدث، قال القاضي وغيره: الطواف كالصلاة في جميع الأحكام إلا في إباحة النطق، وعنه: يجبره بدم، وعنه: إن لم يكن بمكة، وعنه: يصحُّ من ناسٍ ومعذور فقط، وعنه: يجبره بدم، وعنه: وكذا حائض، وهو ظاهر كلام القاضي وجماعة، واختاره شيخنا؛ يعني: شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وأنه لا دم لعذر، ونقل أبو طالب: والتطوُّع أيسر وإن طاف فيما لا يجوز له لبسه صحَّ وفدى، ذكره الآجرِّي، انتهى. قوله: "قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة وأنطلق بحج، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج"، وفي رواية: "في ذي الحجة، وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي ﷺ وهو بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: ((لا، بل للأبد)) . قال الحافظ: الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عمَّا هو أعمُّ من ذلك؛ أي: فيتناول جواز العمرة في أشهر الحج، وجواز القِرَان، وجواز فسخ الحج إلى العمرة، انتهى. وعن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي ﷺ : ((مَن كان معه هدي فليهلَّ بالحج، ثم لا يحلُّ حتى يحلَّ منهما جميعًا، فقدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك للنبي ﷺ فقال: ((انقضى رأسك وامتشطي وأهلِّي بالحج ودعي العمرة)) ، ففعلت، فلمَّا قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك، قالت: فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلُّوا ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى، وأمَّا الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا"؛ متفق عليه. قال الحافظ: وفي الحديث جواز الخلوة بالمحارم سفرًا وحضرًا، وإرداف المحرم محرمه معه، واستدلَّ به على تعيُّن الخروج إلى الحلِّ لِمَن أراد العمرة ممَّن كان بمكة. * * *

стр. 211

الحديث الثاني عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة". قال الحافظ: يؤخذ من هذا الحديث فسخ الحج إلى العمرة، وقد ذهب الجمهور إلى أنه منسوخ، وذهب ابن عباس إلى أنه محكم، وبه قال أحمد وطائفة يسيرة، انتهى. قال الموفق: ومَن كان مفرِدًا أو قارِنًا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة؛ لأمر رسول الله ﷺ أصحابه بذلك، إلا أن يكون معه هدي فيكون على إحرامه انتهى، والله أعلم. وقال البخاري: "باب التمتع والقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لِمَن لم يكن معه هدي"، ثم ذكر حديث جابر وعائشة وغيرهما. * * * الحديث الثالث عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة أربعة من ذي الحجة مهلِّين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فقالوا: يا رسول الله، أيُّ الحل؟ قال: ((الحلُّ كله)) . هذا آخر الحديث، وأوَّله: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر

стр. 212

وانسلخ صفر حلت العمرة لِمَن اعتمر، قدم رسول الله ﷺ - وأصحابه ... " الحديث، وفيه دليلٌ على مشروعية فسخ الحج إلى العمرة. قوله: فقالوا: يا رسول الله، أيُّ الحل؟ قال: ((الحل كله)) قال الحافظ: كأنهم يعرفون أن للحج تحلُّلَين فأرادوا بيان ذلك فبيَّن لهم أنهم يتحلَّلون الحلَّ كله؛ لأن العمرة ليس لها إلا تحلُّل واحد، انتهى. والمراد: إباحة الجماعة وغيره من محظورات الإحرام. * * * الحديث الرابع عن عروة بن الزبير ﵁ قال: "سُئِل أسامة بن زيد وأنا جالس: كيف كان رسول الله ﷺ يسير حين دفع؟ فقال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص"، العنق: انبساط السير، والنص: فوق ذلك. قوله: "حين دفع"؛ أي: من عرفة، و (الفجوة) : المتَّسع، وفي رواية "فرجة". قال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلَّى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام، وفيه أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله ﷺ في جميع حركاته وسكونه؛ ليقتدوا به في ذلك. تتمَّة: عن ابن عمر ﵄ قال: "غدَا رسول الله ﷺ من منًى حين صلَّى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجِّرًا، فجمَع بين الظهر والعصر، ثم خطَب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة"؛ رواه أحمد وأبو داود. قوله: "حين صلى الصبح"

стр. 213

في حديث جابر عند مسلم: "ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس"، واختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في جواز الجمع والقصر بعرفة لأهل مكة، فلم يجوِّزه الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه، وجوَّزه مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه، واختارَه شيخ الإسلام ابن تيميَّة وأبو الخطاب. وقال ابن القيم: "خطب ﷺ واحدة، فلمَّا أتمَّها أمر بلالاً فأذَّن، ثم أقام الصلاة فصلَّى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة وصلُّوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع"، ومَن قال: إنه قال لهم: ((أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) فقط غلط، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين، ولهذا كان أصحُّ أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي ﷺ انتهى. وقال الموفق في "المغني": والحجة مع مَن أباح القصر لكلِّ مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه، انتهى. وعن عروة بن مضرِّس بن أوس بن حارثة بن لامٍ الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيِّئ أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : ((مَن شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفه ليلاً أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه وقضى تفَثَه)) ؛ رواه الخمسة وصحَّحه الترمذي. قال المجد: وهو حجَّة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف. وعن عبد الرحمن بن يعمر: "أن ناسًا من أهل نجد أتَوْا رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة فسألوه، فأمر مناديًا ينادي: ((الحج عرفة، مَن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر أدرك أيام منًى ثلاثة أيام، فمَن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومَن تأخر فلا إثم عليه)) ، وأردف رجلاً ينادي بهن"؛ رواه الخمسة. قال الشوكاني: وقد أجمع العلماء على أن مَن وقف في أيِّ جزء كان من عرفات صحَّ وقوفه، ولها أربعة حدود: حد إلى جادة طريق المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبِل الكعبة، والرابع وادي عرنة، وليست هي ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم،

стр. 214

انتهى. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((نحرت ها هنا ومني كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف)) ؛ رواه أحمد ومسلم وأبو داود، ولابن ماجه وأحمد أيضًا نحوه، وفيه: كل فِحَاجِ مكة طريق ومنحر. وعن أسامة بن زيد قال: "كنت ردف النبي ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى"؛ رواه النسائي. قال الموفق: والمستحبُّ أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة ويستقبِل القبلة؛ لما جاء في حديث جابر: "أن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة"، انتهى. تنبيه: ما يفعله العوامُّ من استقبال قرن عرفة واستدبار القبلة عند الدعاء بدعة مخالفة للسنة، ولا أعلم لذلك أصلاً من كتاب الله - تعالى - ولا سنة رسوله ﷺ ولا قول مَن يقتدي به، وبالله التوفيق. * * * الحديث الخامس عن عبد الله بن عمرو ﵄: "أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، قال: ((اذبح ولا حرج)) ، وقال الآخر: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ((ارمِ ولا حرج)) ، فما سُئِل يومئذٍ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: ((افعل ولا حرج)) . قوله: "عن عبد الله بن عمر"، قال الحافظ: هو ابن العاص، بخلاف ما وقع في بعض نسخ "العمدة"، وشرح عليه ابن دقيق العيد ومَن تبعه على أنه ابن عمر. قوله: أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع"؛ أي: بمنًى "فجعلوا يسألونه"، وفي رواية: "رأيت النبي ﷺ عند الجمرة وهو يسأل"،

стр. 215

وفي رواية: "وقف رسول الله ﷺ على ناقته"، وفي رواية: "أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أنَّ كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك، فقال النبي ﷺ : ((افعل ولا حرج)) لهن كلهن، فما سُئِل يومئذ عن شيء إلا قال: ((افعل ولا حرج)) . قال الحافظ: كان ذلك يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب عند الجمرة، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذ رماها، ففي حديث ابن عمر: أنه ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات فذكر خطبته، فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منى. قوله: "فقال رجل لم أشعر أي لم أفطن"، ولمسلم: "لم أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمي"، وقال آخر: "لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر"، ولمسلم: "إني حلقت قبل أن أرمي"، وقال آخر: "أفضت إلى البيت قبل أن أرمي". قوله: ((أذبح ولا حرج)) ؛ أي: لا ضيق عليك في ذلك، قال الحافظ: أي: لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب ولا في ترك الفدية، هذا ظاهره، وقال بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات الصحيحة: "ولم يأمر بكفارة"، وقال الحافظ أيضًا: وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة. وفي حديث أنس في الصحيحين: "أن النبي ﷺ أتى منًى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنًى فنحر وقال للحلاق: ((خذ)) ، ولأبي داود: "رمى ثم نحر ثم حلق". وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض؛ فأجمعوا على الإجزاء في ذلك، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع. وقال القرطبي: ذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعدم وجوب الدم؛ لقوله للسائل: ((لا حرج)) ، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن اسم الضيق يشملها، انتهى. ولمسلم: فما سمعته سُئِل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجعل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها إلا قال: ((افعلوا ولا حرج)) ،
следующие страницы →