Полный текст (406 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الحديث الثاني
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة".
قال الحافظ: يؤخذ من هذا الحديث فسخ الحج إلى العمرة، وقد ذهب الجمهور إلى أنه منسوخ، وذهب ابن عباس إلى أنه محكم، وبه قال أحمد وطائفة يسيرة، انتهى.
قال الموفق: ومَن كان مفرِدًا أو قارِنًا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة؛ لأمر رسول الله ﷺ أصحابه بذلك، إلا أن يكون معه هدي فيكون على إحرامه انتهى، والله أعلم.
وقال البخاري: "باب التمتع والقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لِمَن لم يكن معه هدي"، ثم ذكر حديث جابر وعائشة وغيرهما.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة أربعة من ذي الحجة مهلِّين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فقالوا: يا رسول الله، أيُّ الحل؟ قال: ((الحلُّ كله)) .
هذا آخر الحديث، وأوَّله: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر
стр. 212
وانسلخ صفر حلت العمرة لِمَن اعتمر، قدم رسول الله ﷺ - وأصحابه ... " الحديث، وفيه دليلٌ على مشروعية فسخ الحج إلى العمرة.
قوله: فقالوا: يا رسول الله، أيُّ الحل؟ قال: ((الحل كله)) قال الحافظ: كأنهم يعرفون أن للحج تحلُّلَين فأرادوا بيان ذلك فبيَّن لهم أنهم يتحلَّلون الحلَّ كله؛ لأن العمرة ليس لها إلا تحلُّل واحد، انتهى.
والمراد: إباحة الجماعة وغيره من محظورات الإحرام.
* * *
الحديث الرابع
عن عروة بن الزبير ﵁ قال: "سُئِل أسامة بن زيد وأنا جالس: كيف كان رسول الله ﷺ يسير حين دفع؟ فقال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص"، العنق: انبساط السير، والنص: فوق ذلك.
قوله: "حين دفع"؛ أي: من عرفة، و (الفجوة) : المتَّسع، وفي رواية "فرجة".
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلَّى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام،
وفيه أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله ﷺ في جميع حركاته وسكونه؛ ليقتدوا به في ذلك.
تتمَّة:
عن ابن عمر ﵄ قال: "غدَا رسول الله ﷺ من منًى حين صلَّى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجِّرًا، فجمَع بين الظهر والعصر، ثم خطَب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة"؛ رواه أحمد وأبو داود.
قوله: "حين صلى الصبح"
стр. 213
في حديث جابر عند مسلم: "ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس"، واختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في جواز الجمع والقصر بعرفة لأهل مكة، فلم يجوِّزه الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه، وجوَّزه مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه، واختارَه شيخ الإسلام ابن تيميَّة وأبو الخطاب.
وقال ابن القيم: "خطب ﷺ واحدة، فلمَّا أتمَّها أمر بلالاً فأذَّن، ثم أقام الصلاة فصلَّى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة وصلُّوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع"، ومَن قال: إنه قال لهم: ((أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) فقط غلط، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين، ولهذا كان أصحُّ أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي ﷺ انتهى.
وقال الموفق في "المغني": والحجة مع مَن أباح القصر لكلِّ مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه، انتهى.
وعن عروة بن مضرِّس بن أوس بن حارثة بن لامٍ الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيِّئ أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه،
فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : ((مَن شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفه ليلاً أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه وقضى تفَثَه)) ؛ رواه الخمسة وصحَّحه الترمذي.
قال المجد: وهو حجَّة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف.
وعن عبد الرحمن بن يعمر: "أن ناسًا من أهل نجد أتَوْا رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة فسألوه، فأمر مناديًا ينادي: ((الحج عرفة، مَن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر أدرك أيام منًى ثلاثة أيام، فمَن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومَن تأخر فلا إثم عليه)) ، وأردف رجلاً ينادي بهن"؛ رواه الخمسة.
قال الشوكاني: وقد أجمع العلماء على أن مَن وقف في أيِّ جزء كان من عرفات صحَّ وقوفه، ولها أربعة حدود: حد إلى جادة طريق المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبِل الكعبة، والرابع وادي عرنة، وليست هي ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم،
стр. 214
انتهى.
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((نحرت ها هنا ومني كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف)) ؛ رواه أحمد ومسلم وأبو داود، ولابن ماجه وأحمد أيضًا نحوه، وفيه: كل فِحَاجِ مكة طريق ومنحر.
وعن أسامة بن زيد قال: "كنت ردف النبي ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى"؛ رواه النسائي.
قال الموفق: والمستحبُّ أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة ويستقبِل القبلة؛ لما جاء في حديث جابر: "أن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة"، انتهى.
تنبيه:
ما يفعله العوامُّ من استقبال قرن عرفة واستدبار القبلة عند الدعاء بدعة مخالفة للسنة، ولا أعلم لذلك أصلاً من كتاب الله - تعالى - ولا سنة رسوله ﷺ ولا قول مَن يقتدي به، وبالله التوفيق.
* * *
الحديث الخامس
عن عبد الله بن عمرو ﵄: "أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، قال: ((اذبح ولا حرج)) ، وقال الآخر: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ((ارمِ ولا حرج)) ، فما سُئِل يومئذٍ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: ((افعل ولا حرج)) .
قوله: "عن عبد الله بن عمر"، قال الحافظ: هو ابن العاص، بخلاف ما وقع في بعض نسخ "العمدة"، وشرح عليه ابن دقيق العيد ومَن تبعه على أنه ابن عمر.
قوله: أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع"؛ أي: بمنًى "فجعلوا يسألونه"، وفي رواية: "رأيت النبي ﷺ عند الجمرة وهو يسأل"،
стр. 215
وفي رواية: "وقف رسول الله ﷺ على ناقته"، وفي رواية: "أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أنَّ كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك، فقال النبي ﷺ : ((افعل ولا حرج)) لهن كلهن، فما سُئِل يومئذ عن شيء إلا قال: ((افعل ولا حرج)) .
قال الحافظ: كان ذلك يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب عند الجمرة، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذ رماها، ففي حديث ابن عمر: أنه ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات فذكر خطبته، فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منى.
قوله: "فقال رجل لم أشعر أي لم أفطن"، ولمسلم: "لم أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمي"، وقال آخر: "لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر"، ولمسلم: "إني حلقت قبل أن أرمي"، وقال آخر: "أفضت إلى البيت قبل أن أرمي".
قوله: ((أذبح ولا حرج)) ؛ أي: لا ضيق عليك في ذلك، قال الحافظ: أي: لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب ولا في ترك الفدية، هذا ظاهره، وقال بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات الصحيحة: "ولم يأمر بكفارة"، وقال الحافظ أيضًا: وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة.
وفي حديث أنس في الصحيحين: "أن النبي ﷺ أتى منًى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنًى فنحر وقال للحلاق: ((خذ)) ، ولأبي داود: "رمى ثم نحر ثم حلق".
وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض؛ فأجمعوا على الإجزاء في ذلك، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع.
وقال القرطبي: ذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعدم وجوب الدم؛ لقوله للسائل: ((لا حرج)) ، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن اسم الضيق يشملها، انتهى.
ولمسلم: فما سمعته سُئِل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجعل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها إلا قال: ((افعلوا ولا حرج)) ،
стр. 216
قال الموفق في "المغني": قال الأثرم عن أحمد: إن كان ناسيًا أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالمًا فلا؛ لقوله في الحديث: ((لم أشعر)) .
وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دلَّ على وجوب اتِّباع الرسول في الحج بقوله: ((خذوا عني مناسككم)) ، وهذه الأحاديث
المرخِّصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قُرِنت بقول السائل: لم أشعر، فيختصُّ الحكم بهذه الحالة وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج.
قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد جواز القعود على الراحلة للحاجة، ووجوب اتباع أفعال النبي ﷺ لكون الذين خالفوها لمَّا علموا سألوه عن حكم ذلك، واستدلَّ به البخاري على أن مَن حلف على شيء ففعله ناسيًا أو جاهلاً أن لا شيء عليه.
* * *
الحديث السادس
عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي: "أنه حجَّ مع ابن مسعود ﵁ فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصياتٍ فجعل البيت عن يساره ومنًى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ ".
قال الأعمش: سمعت الحجاج يقول على المنبر: السورة التي يذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها آل عمران، والسورة التي يذكر فيها النساء، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع ابن مسعود ﵁ حين رمى جمرة العقبة فاستبطن الوادي حتى إذا حاذَى بالشجرة اعترَضَها فرمى بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة، ثم قال: من ها هنا، والذي لا إله غيره قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ .
قال الحافظ: تمتاز جمرة العقبة عن
стр. 217
الجمرتين الأُخرَيَيْن بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمي ضحى، ومن أسفلها استحبابًا.
قال: وليست من منًى بل هي حد مني من جهة مكة، وهي التي بايَع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة، و (الجمرة) : اسم لمجتمع الحصى.
قال: وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو عن يساره، أو من فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها، والاختلاف في الأفضل، انتهى.
وخصَّ ابن مسعود سورة البقرة لأنها التي ذكر الله فيها كثيرًا من أفعال الحج، وقيل: خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام.
قال الحافظ: واستدلَّ بهذا الحديث على اشتراط رمي الجمرات واحدة واحدة؛ لقوله: "يكبر مع كل حصاة"، وقد قال النبي ﷺ : ((خذوا عنِّي مناسككم)) ، وفيه ما كان الصحابة عليه من مراعاة حال النبي ﷺ في كلِّ حركة وهيئة، ولا سيَّما في أعمال الحج، وفيه التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أن مَن لم يكبر فلا شيء عليه.
فائدة:
زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن أبيه في هذا الحديث عن ابن مسعود: أنه لما فرغ من رمي جمرة العقبة قال: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا"، انتهى.
تتمَّة:
عن الفضل بن العباس ﵄ وكان رديف النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال في عشية عرفة وغداةَ جمع للناس حين دفعوا: ((عليكم السكينة)) ، وهو كافٌّ ناقته حتى دخل محسِّرًا وهو من منى، قال: ((وعليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة)) ؛ رواه أحمد ومسلم.
وعن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ أذن لضَعَفة الناس من المزدلفة بليل"؛ رواه أحمد.
وعن جابر ﵁ قال: "رمى النبي ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأمَّا بعد فإذا زالت الشمس"؛ أخرجه الجماعة.
وعن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا"؛ رواه الترمذي وصحَّحه، وفي لفظٍ عنه: أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبًا، وسائر ذلك ماشيًا، ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك؛
стр. 218
رواه أحمد.
وعن سالم عن ابن عمر: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة، ثم يتقدَّم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله؛ رواه أحمد والبخاري.
وعن سعد بن مالك ﵁ قال: "رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضنا يقول: رميت بسبع حصيات، وبعضنا يقول: رميت بست حصيات، فلم يعب بعضهم على بعض"؛ رواه أحمد والنسائي.
وعن وبرة قال: "سألت ابن عمر ﵄: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمِه، فأعدت عليه المسألة، قال: كنَّا نتحيَّن فإذا زالت الشمس رمينا"؛ رواه البخاري.
قال الحافظ: فيه دليلٌ على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالَف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقًا، ورخَّص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد، إلاَّ في اليوم الثالث فيجزئه، انتهى.
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : أنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به؛ رواه البخاري.
وعن عائشة ﵂ قالت: "إنما كان منزلاً ينزله النبي ﷺ ليكون أسمح لخروجه"؛ تعني: بالأبطح، متفق عليه.
وعن عبد العزيز ابن رفيع قال: "سألت أنس بن مالك: أخبِرني بشيء عقلتَه عن النبي ﷺ أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنًى، قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، افعل كما يفعل أمراؤك"؛ متفق عليه.
* * *
الحديث السابع
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((اللهم ارحم المحلِّقين)) ، قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟
стр. 219
قال: ((اللهم ارحم المحلِّقين)) ، قالوا: يا رسول الله، والمقصِّرين؟ قال: ((والمقصِّرين)) .
الحلق أو التقصير: نسك من مناسك الحج والعمرة؛ قال الله - تعالى -: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] .
قوله: ((اللهم ارحم المحلقين)) في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم اغفر للمحلِّقين)) ، قالوا: وللمقصِّرين، قال: ((اللهم أغفر للمحلِّقين)) ، قالوا: وللمقصِّرين، قالها ثلاثًا، قال: ((وللمقصرين)) .
وعن ابن عمر قال: "حلق النبي ﷺ في حجة الوداع وأناس من أصحابه وقصر بعضهم".
وزاد فيه مسلم: أن رسول الله ﷺ قال: ((يرحم الله المحلِّقين)) .
قوله: "قالوا: والمقصرين يا رسول الله" قال الحافظ: الواو في قوله: ((والمقصرين)) معطوفة على شيء محذوف تقديره: قل: والمقصرين، أو: قل: وأرحم المقصرين، وهو يسمى العطف التلقيني، انتهى.
وعن أبي سعيد ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يستغفر لأهل الحديبية، للمحلِّقين ثلاثًا وللمقصِّرين مرَّة"؛ رواه أحمد، قال الحافظ: ظاهر الروايات أن ذلك كان بالحديبية وفي حجة
стр. 220
الوداع، إلاَّ أن السبب في الموضعين
مختلف؛ فالذي بالحديبية كان بسبب توقُّف مَن توقَّف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم مُنِعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فحالَفَهم النبي ﷺ وصالَح قريشًا على أن يرجع من العام المُقبِل، فلمَّا أمرهم النبي ﷺ بالإحلال توقَّفوا، فأشارت أم سلَمَة أن يحلَّ هو ﷺ قبلهم ففعل فتبعوه، فحلق بعضهم وقصَّر بعض، وكان مَن بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممَّن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس؛ فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره: أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال: ((لأنهم لم يشكُّوا)) ، وأمَّا السبب في تكرير الدعاء للمحلِّقين في حجة الوداع، فالأَوْلَى ما قاله الخطابي وغيره: إن عادة العرب أنها كانت تحبُّ توفير الشعر والتزيُّن به، وكان الحلق فيهم قليلاً، وربما كانوا يرَوْنَه من الشهرة ومن زيِّ الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير.
قال: وفي الحديث من الفوائد أن التقصير يجزى عن الحلق، وفيه أن الحلق أفضل من التقصير، ووجهه أنه أبلغ في العبادة وأَبْيَن للخضوع والذلَّة وأدلُّ على صدق النية، والذي يقصر يبقى على نفسه شيئًا مما يتزيَّن به بخلاف الحالق فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله - تعالى - واستدلَّ بقوله: ((المحلقين)) على مشروعية حلق جميع الرأس؛ لأنه الذي تقتضيه الصيغة، وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد، واستحبَّه الكوفيون والشافعي، والتقصير كالحلق، فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه، ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وهذا كله في حق الرجال، وأما النساء: فالمشروع في حقِّهن التقصير بالإجماع، وفيه حديثٌ لابن عباس عند أبي داود، ولفظه: ((ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير)) ، وللترمذي من حديث عليٍّ: "نهى أن تحلق المرأة رأسها".
وفي الحديث أيضًا مشروعيةُ الدعاء لِمَن فعل ما شرع له وتكرير الدعاء لِمَن فعل الراجح من الأمرين المخيَّر فيهما، والتنبيه بالتكرار على الرجحان، وطلب الدعاء لِمَن فعل الجائز وإن كان مرجوحًا، انتهى ملخصًا.
* * *
الحديث الثامن
عن عائشة ﵂ قالت: "حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها حائض، فقال: ((أحابِسَتَنا هي؟)) ، قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر،
стр. 221
قال: ((اخرجوا)) ، وفي لفظ: قال النبي ﷺ : ((عَقْرَى حَلْقَى، أفاضت يوم النحر؟)) ، قيل: نعم، قال: ((فانفري)) .
قوله ﷺ : ((عَقْرَى حَلْقَى)) ؛ أي: عقرها الله وحلق شعرها، والعرب تدعو على الرجل ولا تريد وقوع الأمر به، كما قالوا: قاتَلَه الله، وترِبت يداه، ونحو ذلك.
قوله: ((أحابستنا هي؟)) قال الحافظ: أي: مانعتنا من التوجُّه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجُّه فيه ظنًّا منه ﷺ أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك لأنه كان لا يتركها ويتوجَّه، ولا يأمرها بالتوجُّه معه وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثاني.
قوله: ((أفاضت يوم النحر؟)) ، قيل: نعم، قال: ((فانفري)) قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، انتهى.
وعن عكرمة: "أن أهل المدينة سألوا ابن عباس ﵄ عن امرأة طافت ثم حاضت، قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد، قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا، فقدموا المدينة فسألوا: فكان فيمَن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفية"؛ متفق عليه.
قال الحافظ: وفي الحديث أن طواف الإفاضة ركن، وأن الطهارة شرطٌ لصحة الطواف، وأن طواف الوداع واجب، وقد ذكر مالك في "الموطأ": أنه يلزم الجمال أن يحبس لها؛ أي: لِمَن لم تَطُفْ طواف الإفاضة إلى انقضاء أكثر مُدَّة
الحيض، وكذا على النفساء، واستشكله ابن المواز بأن فيها تعريضًا للفساد كقطع الطريق، وأجاب عياض بأن محلَّ ذلك مع أمن الطريق، كما أن محلَّه أن يكون مع المرأة محرم، انتهى.
وقال ابن مفلح في "الفروع": ويلزم الناس في الأصحِّ وجزَم به ابن شهاب انتظارها إن أمكن، ونقل المروذي في المريض ببلد العدو يقيمون عليه، قال: لا ينبغي للوالي أن يقيم عليه، انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: والمحصَر بمرض أو ذهاب نفقة كالمحصَر بعدوٍّ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومثله حائض تعذَّر مقامها وحرم طوافها أو رجعت ولم تَطُفْ لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها
стр. 222
عنه، أو لذهاب الرفقة، والمحصَر يلزمه دم في أصح الروايتين، ولا يلزمه قضاء حجه إن كان تطوعًا، وهو إحدى الروايتين انتهى، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّف عن المرأة الحائض".
طواف الوداع واجب، ويلزم بتركه دمٌ، وهو قول أكثر العلماء.
قوله: "أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت"؛ أي: أمرهم النبي ﷺ وفي رواية لمسلم قال: "كان الناس ينصرفون في كلِّ وجه، فقال رسول الله ﷺ : ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)) .
قال الحافظ: وفيه دليل على وجوب طواف الوداع للأمر المؤكَّد به وللتعبير في حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلا من أمر مؤكَّد، واستدلَّ به على أن الطهارة شرط لصحة الطواف، انتهى، والله أعلم.
* * *
الحديث العاشر
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له".
قال الحافظ: في الحديث دليلٌ على وجوب المبيت بمنًى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقَع للعلة المذكورة وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور، وفي الحديث
стр. 223
أيضًا استئذان الأمراء والكبراء فيما يطرأ من المصالح والأحكام، وبدار مَن استؤمر إلى الإذن عند ظهور المصلحة، والمراد بليالي منًى ليلة الحادي عشر واللتين بعدها، انتهى.
قال الأزرقي: "كان عبدمناف يحمل الماء في الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحجاج، ثم فعله ابنه هاشم بعده ثم عبد المطلب، فلمَّا حفر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس.
قال ابن إسحاق: ثم ولي السقاية من بعد عبد المطلب ولده العباس وهو يومئذ من أحدث إخوته سنًّا، فلم تزل بيده حتى قام الإسلام وهي بيده، فأقرَّها رسول الله ﷺ معه، فهي اليوم إلى بني العباس، روى الفاكهي عن ابن عباس: أن العباس لما مات أراد عليٌّ أن يأخذ السقاية، فقال له طلحة: أشهد لَرَأيت أباه يقوم عليها، وإن أباك أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة، قال: فكف علي عن السقاية".
ومن طريق ابن جريج قال: "قال العباس: يا رسول الله، لو جمعت لنا الحجابة والسقاية، فقال: ((إنما أعطيتكم ما تُرزؤون ولم أعطكم ما تَرزؤون)) ؛ أي: أعطيتكم ما ينقصكم لا ما تنقصون به الناس.
وعن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، أذهب إلى أمك فائت رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال: ((اسقني)) ، قال يا رسول الله، إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: ((اسقني)) ، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: ((اعملوا
فإنكم على عمل صالح)) ، ثم قال: ((لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه)) ؛ يعني: عاتقه، وأشار إلى عاتقه"؛ رواه البخاري.
تتمَّة:
عن عاصم بن عدي ﵁: "أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منًى، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر"؛ رواه الخمسة وصحَّحه الترمذي.
وفي رواية: "رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا"؛ رواه أبو داود والنسائي، وللترمذي: "ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمون في أحدهما".
قال الشوكاني في قوله: "ويدعوا يومًا": أي: يجوز لهم أن يرموا الأوَّل من أيام التشريق ويذهبوا
стр. 224
إلى إبلهم فيبيتوا عندها، ويدعوا يوم النفر الأول ثم يأتوا في اليوم الثالث فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني مع الثاني مع رمي اليوم الثالث، وفيه تفسير ثانٍ: وهو أنهم يرمون جمرة العقبة ويدعون رمي ذلك اليوم ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من التشريق فيرمون ما فاتهم، ثم يرمون ذلك اليوم كما تقدَّم وكلاهما جائز، انتهى.
وقال الموفق: وإن أخَّر الرمي كله فرماه في آخر أيام التشريق أجزأه ويرتبه بنيته، وإن أخَّره عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنًى في لياليها فعليه دم، وفي حصاة واحدة أو ليلة واحدة ما في حلق شعرة، وليس على أهل سقاية الحاج والرعاء مبيت بمنى، انتهى.
وعن أبي نضرة قال: "حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ في أوسط أيام التشريق فقال: ((يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألاَ لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على
أحمر - إلا بالتقوى، أبلغت؟)) ، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ "؛ رواه أحمد.
وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: "دخلت مع رسول الله ﷺ البيت، فحمد الله وأثنى عليه، وكبر وهلل، ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره عليه وخده ويديه، ثم هلل وكبر ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها، ثم خرج فأقبل على القبلة وهو على الباب فقال: ((هذه القبلة، هذه القبلة)) ، مرتين أو ثلاثًا"؛ رواه أحمد والنسائي.
وعن عبد الرحمن بن صفوان ﵁ قال: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة انطلقت فوافقته قد خرج من الكعبة وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطهم"؛ رواه أحمد وأبو داود، وبالله التوفيق.
* * *
الحديث الحادي عشر
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمعٍ يجعل لكلِّ واحدة منهما إقامة ولم يسبِّح بينهما، ولا على أثر واحدة منهما".
стр. 225
قوله: "بجمع"؛ أي: المزدلفة، وفي حديث أسامة: "دفع رسول الله ﷺ من عرفة، فنزل الشِّعْبَ فبَالَ، ثم توضَّأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، فقال: ((الصلاة أمامك)) ، فجاء المزدلفة فتوضَّأ فأسبغ، ثم أُقِيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أُقِيمت الصلاة فصلى العشاء ولم يصلِّ بينهما"؛ متفق عليه.
ولمسلم: "فأقام المغرب ثم أناخ الناس ولم يحلُّوا حتى أقام العشاء، فصلُّوا ثم حلُّوا"، قال الحافظ: وكأنهم صنعوا ذلك رفقًا بالدواب أو للأمن من تشوُّشِهم بها، وفيه إشعارٌ بأنه خفَّف القراءة في الصلاتين، وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يجمع بينهما ولا يقطع ذلك الجمع، انتهى.
وعن جابر: "أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبيَّن له الصبح بأذان وإقامة"؛ رواه مسلم.
وفي حديث ابن مسعود: فلمَّا طلع الفجر قال: "إن النبي ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة، إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر"؛ رواه البخاري.
قوله: "ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة منهما"، قال الحافظ: ويستفاد منه أنه ترك التنفُّل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة، صرح بأنه لم يتنفَّل بينهما بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون أنه لم يتنفَّل بعدها، لكن تنفَّل بعد ذلك في أثناء الليل، انتهى.
وقال ابن رشد في "بداية المجتهد": واختلفوا إذا كان الإمام مكيًّا، هل يقصر بمنًى الصلاة يوم التروية، وبعرفة يوم عرفة، وبالمزدلفة ليلة النحر إن كان من أحد هذه المواضع؟ فقال مالك والأوزاعي وجماعة: سنة هذه المواضع التقصير سواء كان من أهلها أو لم يكن.
وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وداود: لا يجوز أن يقصر مَن كان من أهل تلك المواضع.
وحجة مالك: أنه لم يروَ أن أحدًا أتمَّ الصلاة معه ﷺ أعني بعد سلامه منها.
وحجة الفريق الثاني البقاء على الأصل المعروف أن القصر لا يجوز إلا للمسافر حتى يدل الدليل على التخصيص، انتهى.
قال شيخ الإسلام
стр. 226
ابن تيميَّة: ويجمع ويقصر بمزدلفة وعرفة مطلقًا، وهو مذهب مالك وغيره من السلف، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، واختاره أبو الخطاب في عباداته، ولا يشترط للقصر والجمع نية، واختاره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره، انتهى، وبالله التوفيق.
* * *
باب الحرم يأكل من صيد الحلال
الحديث الأول
عن أبي قتادة الأنصاري ﵁: "أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم أبو قتادة وقال: خذوا على ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلمَّا انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانًا فنزلنا وأكلنا من لحمها، ثم قلنا: نأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك، فقال: ((أمنكم أحدٌ أمَرَه أن يحمِل عليها أو أشار إليها؟)) ، قالوا: لا، قال: ((فكلوا ما بقي من لحمها)) ، وفي رواية: ((هل معكم منه شيء؟)) ، فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها.
قوله: "إن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا فخرجوا معه"، في رواية: "انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم فأنبئنا بعدو بغسيقة فتوجَّهنا نحوهم فبصر أصحابي بحمار وحشي، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته، فحملت عليه الفرس فطعنته فأثبتُّه فاستعنتهم فأبَوْا أن
стр. 227
يعينوني فأكلنا منه"، وفي رواية عند البيهقي: "خرج حاجًا أو معتمرًا".
قوله: "فلمَّا انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم"، في حديث أبي سعيد: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فأحرمنا، فلمَّا كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة وكان النبي ﷺ بعثه في وجه ... )) الحديث.
قوله: "فبينما هم يسيرون رأوا حمر وحش"، في رواية: "فأبصروا حمارًا وحشيًّا وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به وأحبُّوا لي أني أبصرته والتفتُّ فأبصرته"، وفي رواية: "فقلت ما هذا؟ فقالوا: لا ندري، فقلت: هو حمار وحش، فقالوا: هذا ما رأيت".
قال الحافظ: وفي حديث أبي قتادة من الفوائد أن تمني المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه، وأن الحلال إذا صاد لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوي من حمل الصيد في قوله - تعالى -: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ، على الاصطياد، وفيه الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهدية من الصديق.
وقال عياض: عندي أن النبي ﷺ طلب من أبي قتادة ذلك تطييبًا لقلب مَن أكل منه بيانًا للجواز بالقول والفعل لإزالة الشبهة التي حصلت لهم، وفيه إمساك نصيب الرفيق الغائب ممَّن يتعيَّن احترامه أو تُرجَى بركته، أو يتوقَّع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها، وفيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة واستعمال الطليعة في الغزو، وفيه أن عقر الصيد ذكاته، وفيه استعمال الكناية في الفعل كما تُستَعمل في القول؛ لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحلُّ، وفيه ذكر الحكم مع الحكمة في قوله: ((إنما هي طعمة أطعمكموها الله)) .
تكملة:
لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صالَ عليه فقتله دفعًا فيجوز، ولا ضمان عليه، والله أعلم، اهـ.
* * *
الحديث الثاني
عن الصعب بن جثامة الليثي ﵁: "أنه أهدى إلى النبي
стр. 228
- ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بوَدَّانَ فردَّه عليه، فلمَّا رأى ما في وجهه قال: ((إنا لم نردَّه عليك إلا أنا حرم)) ، وفي لفظ لمسلم: "رجل حمار"، وفي لفظ: "شق حمار"، وفي لفظ: "عجز حمار".
قال الشافعي في "الأم": إن كان الصعب أهدى له حمارًا حيًّا، فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي، وإن كان أهدى له لحمًا، فقد يحتمل أن يكون أنه صيد له.
قوله: "فلمَّا رأى ما في وجهه"؛ أي: من الكراهية، وفي رواية: "فلمَّا عرف في وجهي رده هديتي".
قوله: قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)) ، في رواية: ((لولا أنا مُحرِمون لقبلناه منك)) .
قوله: وفي لفظٍ لمسلم: "رجل حمار"، في روايةٍ له أيضًا عن ابن عباس قال: "قدم زيد بن أرقم فقال له عبد الله بن عباس يستذكره كيف: أخبرني عن لحم صيد أُهدِي لرسول الله ﷺ وهو حرام قال: أهدي له عضو من لحم صيد فرده وقال: ((إنا لا نأكله، إنا حرم)) ، قال الحافظ: جمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صيد له إلا إذا كان محرمًا، فبيَّن الشرط الأصلي وسكت عمَّا عداه فلم يدلَّ على نفيه، وقد بينه في الأحاديث الأخر، ويؤيِّد هذا الجمع حديث جابر مرفوعًا: ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم)) ؛ أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة.
وفي حديث الصعب الحكمُ بالعلامة لقوله: "فلمَّا رأى ما في وجهي"، وفيه جواز رد الهدية لعلَّة، وفيه الاعتذار عن ردِّ الهدية تطييبًا لقلب المهدي، وأن الهبة لا تدخل في الملك إلا بالقبول، وأن قدرته على تملكها لا تصيِّره مالكًا لها، وأن على المحرم أن يرسل ما في يده من الصيد الممتنع عليه اصطياده، والله أعلم، اهـ.
تتمَّة:
قال الموفق: وإن أحرم وفي يده صيد، أو دخل الحرم بصيد لزمه إزالة يده المشاهدة دون الحكمية عنه، فإن لم يفعل فتلف ضَمِنَه، وإن أرسله إنسان
стр. 229
من يده قهرًا فلا ضمان على المرسل.
قوله: "لزمه إزالة يده المشاهدة"؛ أي: مثلما إذا كان في قبضته أو خيمته أو قفصه ونحوه، قال في "الشرح الكبير": إذا أحرم وفي ملكه صيد لم يزل ملكه عنه ولا يده الحكمية مثل أن يكون في بلده، أو في يد نائب له في غير مكانه، ولا شيء عليه إن مات، وله التصرُّف فيه بالبيع والهبة وغيرهما، وإن غصبه غاصب لزمه ردُّه، ويلزمه إزالة يده المشاهدة عنه، ومعناه إذا كان في قبضته أو خيمته أو رحله أو قفص معه أو مربوط بحبل معه لزمه إرساله، وبه قال مالك وأصحاب الرأي.
وقال الثوري: هو ضامن لما في بيته أيضًا، وحُكِي نحو ذلك عن الشافعي، وقال أبو ثور: ليس عليه إرسال ما في يده وهو أحد قولي الشافعي؛ لأنه في يده ولم يجب إرساله كما لو كان في يده الحكمية، ولأنه لا يلزم منع ابتداء الصيد المنع من استدامته بدليل الصيد في الحرم، ولنا على أنه لا يلزمه إزالة يده الحكمية أنه لم يفعل في الصيد فعلاً فلم يلزمه شيء كما لو كان في ملك غيره، وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدة، لأنه فعل الإمساك في الصيد فكان ممنوعًا منه، وكحالة الابتداء فإن استدامة الإمساك إمساك، بدليل أنه لو حلف لا يملك شيئًا فاستدام إمساكه حنث، والأصل المقيس عليه ممنوع والحكم فيه ما ذكرنا قياسًا عليه إذا ثبت هذا فإنه متى أرسله لم يزل ملكه عنه، ومَن أخذه رده عليه إذا حلَّ، ومَن قتله ضَمِنَه له؛ لأن ملكه كان عليه، وإزالة يده لا تزيل الملك بدليل الغصب والعارية، فإن تلف في يده قبل إرساله مع إمكانه ضمنه، اهـ.
وقال ابن مفلح في "الفروع": وإن ملك صيدًا في الحل فأدخله الحرم لزمه رفع يده وإرساله، فإن أتلفه أو تلف ضمنه كصيد الحلِّ في حق المحرم، نقله الجماعة وعليه الأصحاب وفاقًا لأبي حنيفة، ويتوجَّه أنه لا يلزمه إرساله وله ذبحه، ونقل الملك فيه وفاقًا لمالك والشافعي؛ لأن الشارع إنما نهى عن تنفير صيد مكة، ولم
يبيِّن مثل هذا الحكم الخفي مع كثرة وقوعه والصحابة مختلفون، وقياسه على الإحرام فيه نظر؛ لأنه آكد لتحريمه ما لا يحرم، اهـ.
تكميل:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)) .
قال الحافظ: قوله: ((لا تُشَدُّ الرحال)) بضم أوَّله بلفظ النفي،
стр. 230
والمراد النهي عن السفر إلى غيرها، قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي فإنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصَّت به، والرِّحال بالمهملة جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وكني بشدِّ الرحال عن السفر لأنه لازِمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور، ويدلُّ عليه قوله في بعض طرقه: ((إنما يسافر)) ؛ أخرجه مسلم من طريق عمران بن أبي أويس عن سليمان الأغر عن أبي هريرة، اهـ.
وقال الصنعاني في "سبل السلام": والحديث دليلٌ على فضيلة هذه المساجد، ودلَّ بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير الثلاثة، كزيارة الصالحين أحياءً وأمواتًا لقصد التقرُّب ولقصد المواضع الفاضلة لقصد التبرُّك بها والصلاة فيها، وقد ذهب إلى هذا الشيخ أبو محمد الجويني، وبه قال القاضي عياض وطائفة، ويدلُّ عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبي بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور، وقال: لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت، واستدلَّ بهذا الحديث ووافَقَه أبو هريرة.
وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرَّم، واستدلُّوا بما لا ينهض، وتأوَّلوا أحاديث الباب بتآويل بعيدة، ولا ينبغي التأويل إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أوَّلوه الدليل.
وقد دلَّ الحديث على فضل المساجد الثلاثة، وأن أفضلها المسجد الحرام؛ لأن التقديم ذكرًا يدلُّ على مزيَّة المقدَّم، ثم مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى، وقد دلَّ لهذا أيضًا ما أخرجه البزار وحسَّن إسناده من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)) ، وفي معناه أحاديث أُخَر، اهـ.
وقال الشوكاني في "شرح المنتقى": وقد اختلف أقوال أهل العلم في زيارة قبر النبي ﷺ فذهب الجمهور إلى أنها مندوبة، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة، وقالت الحنفية: إنها قريبة من الواجبات، وذهب ابن تيميَّة الحنبلي حفيد المصنف المعروف بشيخ الإسلام إلى أنها غير مشروعة، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة، وروى ذلك عن مالك والجويني والقاضي عياض، اهـ.
وقال ابن القيم: فصل في هديه ﷺ في زيارة
стр. 231
القبور، كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحُّم عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنَّها لأمَّته وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية"، وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه من الدعاء والترحُّم والاستغفار، فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجُّه إليه بعكس هديه ﷺ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إمَّا أن يدعوا الميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجَب وأَوْلَى من الدعاء في المساجد، ومَن تأمَّل هدي رسول الله ﷺ وأصحابه تبيَّن له الفرق بين الأمرين، وبالله التوفيق، اهـ.
وعن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف؛ رواه مالك في الموطأ.
قال الموفق في "المغني": ولا يستحب التمسُّح بحائط قبر النبي ﷺ ولا تقبيله، قال أحمد: ما أعرف هذا، قال الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسُّون قبر النبي ﷺ يقومون من ناحية فيسلمون، قال أبو عبد الله: وهكذا كان ابن عمر يفعل، اهـ.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((ما منكم من أحد يسلم علي إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇) ؛ رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: وإذا سلَّم على النبي ﷺ استقبل القبلة ودعا في المسجد ولم يدعُ مستقبلاً للقبر كما كان الصحابة يفعلونه وهذا بلا نزاع، وما نقل عن مالك فيما يخالف ذلك مع المنصور فليس بصحيح وإنما تنازعوا في وقت التسليم هل يستقبل القبر أو القبلة؟ فقال أصحاب أبي حنيفة: يستقبل القبلة، والأكثرون على أنه يستقبل القبر، انتهى، وبالله التوفيق، والله أعلم.
* * *
стр. 232
كتاب البيوع
الحديث الأول
عن عبد اله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان فكلُّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا وكانا جميعًا، أو يخبر أحدهما الآخر)) ، قال: ((فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع)) .
وما في معناه من حديث حكيم بن حزام وهو:
* * *
الحديث الثاني
قال: قال رسول الله ﷺ : ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا)) ، أو قال: ((حتى يتفرَّقا، فإن صدَقا وبينا بُورِك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحِقت بركة بيعهما)) .
البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
والبيوع: جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: وكلُّ ما عدَّه الناس بيعًا أو هبةً من متعاقب أو متراخٍ من قول أو فعل انعقد به البيع والهبة.
стр. 233
قوله: ((إذا تبايع الرجلان فكلُّ واحد منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا)) ؛ أي: فينقطع الخيار.
وقوله: ((وكانا جميعًا)) تأكيد لذلك.
قوله: ((أو يخير أحدهما الآخر)) ؛ أي: إذا اشترط أحدهما الخيار مدَّة معلومة فإن الخيار لا ينقضي بالتفرُّق بل يبقى حتى تنقضي مدَّة الخيار التي شرطها، فالبيع جائز والشرط لازم؛ لقوله ﷺ : ((والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحلَّ حرامًا)) والخيار طلب أحد الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، والحديث دليلٌ على ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري، فلكلِّ واحدٍ منهما فسخ البيع ما داما في مجلس العقد، فإذا تفرَّقا لزم البيع، وفيه دليل على خيار الشرط.
قال شيخ الإسلام: ويثبت خيار المجلس في البيع وفي كل العقود ولو طالت المدَّة، فإن أطلقا الخيار ولم يؤقتا بمدَّة توجَّه أن يثبت ثلاثًا لخبر حبان بن منقذ: وللبائع الفسخ في مدَّة الخيار إذا ردَّ الثمن وإلا فلا، انتهى.
وخبر حبان أخرجه أصحاب السنن، عن ابن عمر: أن حبان بن منقذ سفع في رأسه في الجاهلية مأمومة فخبلت لسانه، فكان إذا بايع يخدع في البيع، فقال له رسول الله ﷺ : ((بايع وقل لا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاثًا)) ، قال ابن عمر: فسمعته يبايع ويقول: لا خذابة لا خذابة.
قوله: ((فإن صدقًا وبيّنًا)) ؛ أي: إن صدقا في قولهما وبيَّن البائع عيب السلعة وبيَّن المشتري عيب الثمن ((بُورِك لهما في بيعهما، وإن كتما)) : أي العيب ((وكذبا)) في قولهما ((مُحِقت بركة بيعهما)) ، وفي الحديث فضل الصدق والحث عليه، وذم الكذب والتحذير منه، وأنه سبب لذهاب البركة، وأن العمل الصالح يحصل حيري الدنيا والآخرة، والله المستعان.
تتمَّة:
قال في "الاختيارات": والصحيح في مسألة البيع بشرط البراءة من كلِّ عيب، والذي قضى به الصحابة وعليه أكثر أهل العلم: أن البائع إذا لم يكن علم بذلك العيب فلا رد للمشتري، لكن إذا ادَّعى أن البائع علم بذلك فأنكر البائع حلف أنه لم يعلم، فإن نكل قضى عليه، وإذا اشترى شيئًا فظهر به على عيب فله أرشه إن تعذَّر رده وإلا فلا، وهو روايةٌ عن أحمد ومذهب أبي حنيفة والشافعي، وكذا
في نظائره كالصفقة إذا تفرقت، والبيع بالصفة السليمة صحيح وهو مذهب أحمد، وإن باعه لبنًا موصوفًا في الذمة واشتراط كونه من هذه الشاة أو البقرة صحَّ، انتهى.
* * *
стр. 234
باب ما نهى الله عنه من البيوع
الحديث الأول
عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة؛ وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة؛ والملامسة لمس الرجل الثوب لا ينظر إليه.
قوله: "باب ما نهى الله عنه من البيوع"؛ أي: على لسان رسول الله ﷺ قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، قال ابن رشد في "بداية المجتهد": وإذا اعتبرت الأسباب التي من قِبَلها ورد النهي الشرعي في البيوع، وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة: أحدها تحريم عين المبيع، والثاني: الربا، والثالث: الغرر، والرابع: الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو مجموعهما.
قوله: أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه ... إلى آخره، (المنابذة) و (الملامسة) و (الحصاة) : بيوع كانوا يتبايعون بها في الجاهلية وهي من القمار ومن بيوع الغرر.
ولأحمد: والمنابذة أن يقول: إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع، والملامسة: أن يلمس بيده ولا يشره ولا يقلبه، إذا مسه وجب البيع.
تتمَّة:
قال في "الاختيارات": يصحُّ بيع الحيوان المذبوح مع جلده وهو قول جمهور العلماء، وكذا لو أفرد أحدهما بالبيع، ويصحُّ بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه: كالقت والجوز والقلقاس والفجل والبصل وشبه ذلك، وقاله
стр. 235
بعض أصحابنا، ويصحُّ البيع بالرقم، وبما ينقطع به السعر، وكما يبيع الناس، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ولو باع ولم يسمِّ الثمن صحَّ بثمن المثل كالنكاح، انتهى.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تلقوا الركبان، ولا يَبِع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبيع حاضر لبادٍ، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، ومَن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمرٍ)) ، وفي لفظ: ((وهو بالخيار)) ثلاثًا.
قوله: ((لا تلقوا الركبان)) ظاهرٌ في النهي عن ذلك؛ لما يحصل به من الغرر على الجالب والضرر على أهل السوق.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلقوا الجلب، فمَن تلقى فاشترى، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار)) .
قوله: ((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)) ، وللنسائي ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر)) .
ولمسلم: ((لا يسومن المسلم على سوم المسلم)) ، قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لِمَن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأَزْيَد، قال الحافظ: وهو مُجمَع عليه.
وأمَّا السوم فصورته: أن يأخذ شيئًا ليشتريه فيقول له: ردَّه لأبيعك خيرًا منه بثمنه أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر، ومحلُّه بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، اهـ.
وعن أنس ﵁: أنه ﷺ باع حلسًا وقدحًا وقال: ((مَن يشتري هذا الحلس والقدح؟)) ، فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال: ((مَن يزيد على
стр. 236
درهم؟)) ، فأعطاه الرجل درهمين فباعهما منه؛ رواه أحمد وأصحاب السنن.
قوله: ((ولا تناجشوا)) (النجش) : هو الزيادة في ثمن السلعة ممَّن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، فإن كان ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، وإلا
فيختصُّ بذلك الناجش، قال البخاري: وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكِل ربا خائن، وهو خداع باطل لا يحلُّ.
قال النبي ﷺ : ((الخديعة في النار، ومَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)) ، اهـ.
قوله: ((ولا يبيع حاضر لبادٍ)) ، في رواية لمسلم: ((لا يبيع حاضر لبادٍ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) .
وقال البخاري: باب هل يبيع حاضر لبادٍ بغير أجر؟ وهل يعينه أو ينصحه؟ وقال النبي ﷺ : ((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له)) ، اهـ.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لبادٍ)) ، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: ((لا يبيع حاضر لبادٍ)) ؟ قال: لا يكون له سمسارًا، وقوله: ((ولا يبيع)) نفي بمعنى النهي.
وصورة بيع الحاضر للبادي أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعرِ يومِه ويرجع فيأتيه البلديُّ فيقول: ضعه عندي لأبيعه على التدريج بزيادة سعر وذلك إضرار بأهل البلد.
قوله: ((ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم)) بضم التاء من صرَّى يصرِّي تصرية، والمصراة هي التي صرى لبنها وجمع، فلم يُحلَب أيامًا، وهو حرام؛ لأنه غش وخديعة، وفي رواية: ((مَن اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر)) .
قوله: ((فهو بخير النظرين)) ؛ أي: الرأيين.
قوله: ((إن رضيها أمسكها)) ؛ أي: أبقاها على ملكه، قال الحافظ: وهو يقتضي صحة بيع المصراة وإثبات الخيار للمشتري، وحكى البغوي أن لا خلاف في المذهب أنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفى.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصلٌ في النهي عن الغش، وأصلٌ في ثبوت الخيار لِمَن دلَّس عليه بعيب، وأصلٌ في أنه لا يفسد أصل البيع، وأصلٌ في أن مُدَّة الخيار ثلاثة أيام، وأصلٌ في تحريم التصرية وثبوت الخيار فيها.
* * *
стр. 237
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها، قيل إنه كان يبيع الشارف وهي الكبيرة المسنة بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته.
قوله: "كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها"؛ أي: ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد، والمنع في ذلك للجهالة في الأجل، والمنع في التفسير الثاني من جهة أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه فيدخل في بيوع الغرر.
ولأحمد عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتبايعون ذلك البيع يبتاع الرجل بالشارف حبل الحبلة، فنهوا عن ذلك.
قال ابن التين: محصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها، وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين، فصارت أربعة أقوال، اهـ، وكل هذه الصور داخلة في النهي، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهي البائع والمشتري".
ومثل هذا حديث أنس، وهو الذي بعده:
* * *
стр. 238
الحديث الخامس
عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمرَّ أو تصفرَّ، قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة بِمَ يستحلُّ أحدكم مال أخيه؟
سبب هذا النهي ما قال البخاري: وقال الليث: عن أبي الزناد وكان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري قال: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون الثمار فإذا جاذَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان أصابه مرض أصابه قشام عاهات يحتجُّون بها، فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: فإمَّا لا فلا تتبايعوا كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم، وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبيَّن الأصفر من الأحمر.
قوله: "حتى يبدو صلاحها"؛ أي: يظهر، وفي حديث جابر نهى النبي ﷺ أن تُباع الثمرة حتى تشقح، فقيل: ما تشقح؟ قال: تحمار وتصفار ويُؤكَل منها؛ متفق عليه.
قوله: "نهى البائع والمشتري" قال الحافظ: أمَّا البائع فلئلاَّ يأكل مال أخيه بالباطل، وأمَّا المشتري فلئلاَّ يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل، وفيه أيضًا قطع النزاع والتخاصم، ومقتضاه جواز بيعها بعد بُدُوِّ الصلاح مطلقًا، سواء اشترط الإبقاء أم لم يشترط؛ لأن ما بعد الغاية مُخالِف لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدًّا إلى غاية بُدُوِّ الصلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها العاهة، وتغلب السلامة، فيَثِق المشتري بحصولها بخلاف ما قبل بُدُوِّ الصلاح فإنه بصدد الغرر، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر لكثرة الجوائح فيها.
وفي حديث أنس: ((فإذا احمرَّت وأُكِل منها أُمِنت العاهة عليها)) ؛ أي: غالب.
قوله: "نهى عن بيع الثمار حتى تزهى"، في رواية:
стр. 239
أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو.
قوله: "أرأيت إذا منع الله الثمرة بِمَ يستحلُّ أحدكم مال أخيه؟ وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : ((أرأيت إذا منع الله الثمرة بِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) .
وعن ابن شهاب قال: لو أن رجلاً ابتاع ثمرًا قبل أن يبدو صلاحه ثم أصابته عاهة كان ما أصابه على ربه.
وروى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته عاهة فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) ، قال الحافظ: واستدلَّ بهذا على وضع الجوائح في الثمر يشترى بعد بُدُوِّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد وأبو عبيد: يضع الجميع، وقال الشافعي والليث والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها بغير شرط القطع، فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس، والله أعلم.
واستدلَّ الطحاوي بحديث أبي سعيد: أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي ﷺ : ((تصدَّقوا عليه)) ، فتصدَّق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال: ((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)) ؛ أخرجه مسلم وأصحاب السنن، قال: فلمَّا لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار وفيهم باعتها ولم يُؤخَذ الثمن منهم دلَّ على أن الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه، والله أعلم.
قوله: ((بِمَ يستحلُّ أحدكم مال أخيه)) ؛ أي: لو تلف الثمر لانتفى في مقابلته العِوَض، فكيف يأكله بغير عوض؟ وفيه إجراء الحكم على الغالب؛ لأن تطرُّق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم التطرُّق إلى ما لم يبدُ صلاحه ممكن، فأُنِيط الحكم بالغالب في الحالتين، انتهى.
تتمَّة:
قال في "الاحتيارات": والصحيح أنه يجوز بيع المقاثي جمة بعروقها، سواء بدا صلاحها أو لا، وهذا القول له مأخذان: أحدهما: أن العروق كأصول الشجر، فبيع الخضروات قبل بُدُوِّ صلاحها كبيع الشجر بثمره قبل بُدُوِّ صلاحه يجوز تبعًا، والمأخذ الثاني وهو الصحيح أن هذه لم تدخل في نهي النبي ﷺ بل يصحُّ العقد على اللقطة الموجودة واللقطة المعدومة إلى أن يبس
стр. 240
المقثأة؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ويجوز بيع المقاثي دون أصولها، وقال بعض أصحابنا: وإذا بدا صلاح بعض الشجرة جاز بيعها وبيع ذلك الجنس، وهو رواية عن أحمد وقول الليث بن سعد، انتهى.
* * *
الحديث السادس
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تُتَلقَّى الركبان، وأن يبيع حاضر لبادٍ، قال: فقلت لابن عباس ما قوله حاضر لبادٍ، قال: لا يكون له سمسارًا".
(السمسار) : متولِّي البيع والشراء لغيره وهو الدلاَّل، قال البخاري: باب هل يبيع حاضر لبادٍ بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه، وقال النبي ﷺ : ((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له)) .
قال الحافظ: قال ابن المنير وغيره: حمل البخاري النهي عن بيع الحاضر للبادي على معنى خاص وهو البيع بالأجر أخذًا من تفسير ابن عباس، وقوي ذلك بعموم أحاديث ((الدين النصيحة)) ؛ لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالبًا، وإنما غرضه تحصيل الأجرة، فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرة من باب النصيحة، انتهى.
وعن جابر مرفوعًا: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل فلينصح له)) ؛ رواه البيهقي.
* * *
الحديث السابع
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة؛ وهي أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً
стр. 241
بتمرٍ كيلاً، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كلِّه".
قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة"، وفي رواية: "إن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبيعوا الثمر بالتمر)) .
قال سالم: وأخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ رخَّص بعد ذلك في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره)) ، وحقيقة المزابنة بيع مجهول بمعلوم من جنسه، ومن صورها أيضًا ما روى البخاري عن ابن عمر، والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل إن زاد لي وإن نقص فعليَّ.
قال الحافظ: ولا يلزم من كونها ثمارًا ألاَّ تسمى مزابنة؛ واستدلَّ بأحاديث الباب على تحريم بيع الرطب باليابس ولو تساويا في الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي إنما يصحُّ حالة الكمال، والرطب قد ينقص إذا جفَّ عن اليابس نقصًا لا يتقدَّر وهو قول الجمهور، وأصرح من ذلك حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ سُئِل عن بيع الرطب بالتمر فقال: ((أينقص الرطب إذا جفَّ؟)) ، قالوا: نعم، قال: ((فلا إذًا)) ؛ أخرجه مالك وأصحاب السنن وصحَّحه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، انتهى.
قوله: ((كيلاً)) ذكر الكيل ليس بقيد هنا؛ لأن المسكوت عنه أَوْلَى بالمنع من المنطوق، والله اعلم.
* * *
الحديث الثامن
عن أبي مسعود الأنصاري ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن".
* * *
стр. 242
الحديث التاسع
عن رافع بن خديج ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث)) .
قوله: "نهى عن ثمن الكلب" قال الحافظ: ظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب معلَّمًا كان أو غيره ممَّا يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه وبذلك قال الجمهور، انتهى.
وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره؛ لما روى النسائي عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد"، قال الحافظ: أخرجه النسائي بإسناد رجال ثقات إلا أنه طُعِن في صحته.
قوله: "ومهر البغي" هو ما تُعطَاه على الزنا، وسُمِّي مهرًا على سبيل المجاز، وهو حرام لأنه في مقابلة حرام.
قوله: "وحلوان الكاهن" هو ما يُعطَاه على كهانته، قال الحافظ: وهو حرام بالإجماع؛ لما فيه من أخذ العِوَض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم والضرب بالحصا وغير ذلك مما يتعاطاه العرَّافون من استطلاع الغيب، والكهانة ادِّعاء علم الغيب؛ كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجني السمعَ من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن.
والكاهن لفظٌ يُطلَق على العراف، والذي يضرب بالحصا، والمنجم؛ ويطلق على مَن يقوم بأمرٍ آخر ويسعى في قضاء حوائجه، وقال الخطابي: الكهَنَة قومٌ لهم أذهان حادَّة، ونفوس شرِّيرة، وطباع ناريَّة، فألِفَتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور وساعدتهم بكلِّ ما تصل قدرتهم إليه.
قوله: ((وكسب الحجام خبيث)) وفي حديث ابن عباس: "احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه"، قال الحافظ: واختلف العلماء في كسب الحجام؛ فذهب الجمهور إلى أنه حلال، واحتجُّوا بحديث ابن عباس قالوا:
стр. 243
هو كسب فيه دناءة وليس بمحرَّم، فحملوا الزجر عنه على التنزيه، ومنهم مَن ادَّعى النسخ وأنه كان حرامًا ثم أُبِيح، وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقًا، وعمدتهم حديث محيصة: أنه سأل النبي ﷺ عن كسب الحجام فنهاه، فذكر له الحاجة فقال: ((أعلفه نواضحك)) ؛ أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات، انتهى.
قال في "الاختيارات": وإذا كان الرجل محتاجًا إلى هذا الكسب ليس له ما يغنيه عنه إلا المسألة للناس فهو خيرٌ له من مسألة الناس، كما قال بعض السلف: كسبٌ فيه دناءة خيرٌ من مسألة الناس.
* * *
باب العرايا وغير ذلك
الحديث الأول
عن زيد بن ثابت ﵁: "أن رسول الله ﷺ رخَّص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا".
* * *
الحديث الثاني
عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ رخَّص في بيع العرايا في خمسة أَوْسُق أو دون خمسة أَوْسُق)) .
(العرايا) ، جمع عرية: وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة، كان العرب في الجدب يتطوَّع أهل النخل بذلك على مَن لا ثمر له، كما يتطوَّع صاحب الشاء
стр. 244
أو الإبل بالمنيحة، وصورة العرية المرخَّص فيها: أن يشتري ثمرَ نخلاتٍ بأعيانها بخرصها من التمر خمسة أَوْسُق أو دونها فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر ويسلم له النخلات بالتخلية فينتفع برطبها.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن باع نخلاً قد أبرَّت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) .
ولمسلم: ((مَن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع)) .
(التأبير) : التشقيق والتلقيح، قال القرطبي: إبار كل شيء بحسب ما جرت العادة أنه إذا فعل فيه ثبتت ثمرته وانعقدت فيه، ثم قد يعبر به عن ظهور الثمرة وعن انعقادها وإن لم يفعل فيها شيء.
قال الحافظ: وقد استدلَّ بمنطوقه على أن مَن باع نخلاً وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع، بل تستمرُّ على ملك البائع وبمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة أنها تدخل في البيع وتكون للمشتري وبذلك قال الجمهور.
قوله: "إلا أن يشترط المبتاع"؛ أي: المشتري، قال الحافظ: وقد استدلَّ بهذا الإطلاق على أنه يصحُّ اشتراط بعض الثمرة كما يصحُّ اشتراط جميعها، ويُستَفاد من الحديث أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يُفسِد البيع فلا يدخل في النهي عن بيع وشرط، انتهى.
قوله: "ولمسلم: ((مَن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع)) وهو في البخاري أيضًا، قال ابن دقيق العيد: استدلَّ به لمالك على أن العبد يملك لإضافة الملك إليه باللام، وقال غيره: يؤخذ منه أن العبد إذا ملكه سيده مالاً فإنه يملكه، وبه قال مالك وكذا الشافعي في القديم، لكنه إذا باعه بعد ذلك رجع المال لسيده إلا أن يشترط المبتاع، وقال الكرماني: قوله: وله مال، إضافة المال إلى العبد مجاز كإضافة الثمرة إلى النخلة.
* * *
стр. 245
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)) ، وفي لفظ: ((حتى يقبضه)) ، وعن ابن عباس مثله.
قال البخاري: باب بيع الطعام قبل أن يقبض، وبيع ما ليس عندك، وذكر حديث ابن عباس بلفظ: "أمَّا الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض"، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله، ثم ذكر حديث ابن عمر وفي رواية: "قال طاوس قلت لابن عباس: كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجًا".
قوله: ((مَن ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)) هذا نصٌّ في المنع عن بيع الطعام قبل أن يستوفيه.
قوله: ((حتى يقبضه)) فيه زيادة في المعنى؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل ولا يقبضه.
وروى الدارقطني عن جابر: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري"، وروى الجماعة إلا الترمذي عن ابن عمر: "كنَّا نشتري الطعام من الركبان جزافًا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله"، قال في "الاختيارات": ويملك المشتري المبيع بالعقد، ويصحُّ عتقه قبل القبض إجماعًا فيهما، ومَن اشترى شيئًا لم يبعه قبل قبضه سواء المكيل والموزون وغيرهما، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن عقيل ومذهب الشافعي.
وروي عن ابن عباس ﵄: "وسواء كان البيع من ضمان المشتري أو لا"، وعلى ذلك تدلُّ أصول أحمد، انتهى.
* * *
الحديث الخامس
عن جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ -
стр. 246
يقول عام الفتح: ((إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يُطلَى بها السفن ويُدهَن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: ((لا، هو حرام)) ، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: ((قاتَل الله اليهود، إن الله لمَّا حرَّم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) .
((جملوه)) ؛ أي: أذابوه.
الميتة ما زالت عنه الحياة بغير ذكاة شرعية، وهي حرام بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِْ﴾ [المائدة: ٣] .
ويُستَثنى من الميتة السمك والجراد؛ لقوله ﷺ : ((أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان؛ فأمَّا الميتتان فالجراد والحوت، وأمَّا الدمان فالطحال والكبد)) .
قوله: "فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس"؛ أي: فهل يحلُّ بيعها، فقال: ((لا، هو حرام)) ؛ أي: البيع، قال في "الاختيارات": وقرن الميتة وعظمها وظفرها وما هو من جنسه كالحافر ونحوِه طاهرٌ، وقال غير واحد من العلماء: ويجوز الانتفاع بالنجاسات، وسواء في ذلك شحم الميتة وغيرُه وهو قول الشافعي، وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور، ويطهُر جلد الميتة الطاهرة حال الحياة بالدباغ، وهو روايةٌ عن أحمد، انتهى.
قال الحافظ: والظاهر أن النهي عن بيع الأصنام للمبالغة في التنفير عنها، ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظِّمها النصارى، ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته، انتهى.
قوله: ((قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) فيه إبطال الحِيَل والوسائل إلى المحرم.
* * *
стр. 247
باب السَّلَم
الحديث الأول
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قَدِم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: ((مَن أسلف في شيء فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ)) .
(السَّلَم) : هو السَّلَف وزنًا ومعنًى، وقيل: السَّلَف لغة أهل العراق، والسَّلَم لغة أهل الحجاز، وهو بيع موصوف في الذمة، واتَّفق العلماء على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس، إلا مالكًا فإنه أجاز تأخير اليومين والثلاثة.
والسَّلَم جائز بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
قوله: ((في شيء)) قال الحافظ: أُخِذ منه جواز السلم في الحيوان إلحاقًا للعدد بالكيل، والعدد والذرع ملحق بالكيل والوزن للجامع بينهما وهو عدم الجهالة بالمقدار، انتهى.
وقال مالك: يجوز السَّلَم في المكيل وزنًا وفي الموزون كيلاً إذا كان الناس يتبايعون التمر وزنًا، قال الموفق: وهذا أصحُّ إن شاء الله تعالى؛ لأن الغرض معرفة قدره وخروجه من الجهالة وإمكان تسليمه من غير تنازُع فبأي قدر قدَّره جاز، انتهى.
وقال مالك أيضًا: يجوز السَّلَم إلى الحصاد وقدوم الحاج.
وعن عبد الله بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى قالا: "كنَّا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلقهم في الحنطة والشعير والزبيب - وفي رواية: والزيت - إلى أجل مسمى، قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنَّا نسألهم عن ذلك"؛ رواه البخاري.
ويجوز الرهن في السلم والكفيل به، وهو قول مالك والشافعي وأهل الرأي ورواية عن أحمد؛
стр. 248
لقوله الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، قال في "الاختيارات": ويصحُّ السَّلَم حالاً إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه وإلاَّ فلا، ويجوز بيع الدَّين في الذمَّة من الغريم وغيره ولا فرق بين دين السلم وغيره، وهو رواية عن أحمد، وقاله ابن عباس، لكنَّه بقدر القيمة فقط لئلاَّ يربح فيما لم يضمن، وقال أيضًا: ويصحُّ الصلح عن المؤجَّل ببعضه حالاً وهو روايةٌ عن أحمد وحكى قولاً للشافعي، انتهى، والله أعلم.
* * *
باب الشروط في البيع
الحديث الأول
عن عائشة ﵂ قالت: "جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كلِّ عام أوقية، فأعينيني، فقالت: إنْ أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس، فقالت إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: ((خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لِمَن أعتق)) ، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد، فما بالُ رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لِمَن أعتق)) .
стр. 249
هذا الحديث جليل كثير الفوائد، قال النووي: صنَّف ابن خزيمة وابن جرير في قصة بريرة تصنيفين كبيرين، وقال الحافظ: استنبط بعضهم منه أربعمائة فائدة.
قولها: "كاتبت أهلي" (المكتابة) بيع العبد نفسه بمال في ذمته؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] .
قوله ﷺ : ((خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لِمَن أعتق)) كان ﷺ قد أعلم الناس بأن اشتراط الولاء باطل.
قوله: ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط)) قال ابن بطال: المراد بكتاب الله هنا حكمه من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة، انتهى.
ويُستَفاد منه أن الشروط التي لم تخالف الشرع صحيحة ولو تعدَّدت، كما قال ﷺ : ((والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا)) .
قوله: ((قضاء الله أحق)) ؛ أي: بالاتِّباع من الشروط المخالفة له ((وشرط الله أوثق)) ؛ أي: باتِّباع حدوده التي حدَّها ((وإنما الولاء لمن أعتق)) (إنما) للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
قال الحافظ: وفي حديث بريرة من الفوائد جواز كتابه الأمَة كالعبد، وجواز كتابة المتزوِّجة ولو لم يأذن الزوج، وفيه جواز السؤال لِمَن احتاج إليه من دين أو غرم أو نحو ذلك، وفيه أن المرأة الرشيدة تتصرَّف لنفسها في البيع وغيره ولو كانت مزوجة، وفيه جواز رفع الصوت عن إنكار المنكر، وأنه لا بأس لِمَن أراد أن يشتري للعتق أن يُظهِر ذلك لأصحاب الرقبة ليتساهلوا له في الثمن ولا يُعَدُّ ذلك من الرياء، وفيه أن الشيء إذا بِيعَ بالنقد كانت الرغبة فيه أكثر ممَّا لو بِيعَ بالنسيئة، وفيه جواز الشراء بالنسيئة، وفيه جواز البيع على شرط العتق بخلاف البيع بشرط أن لا يبيعه لغيره مثلاً ولا يهبه، وأن من الشروط في البيع ما لا يبطل ولا يضرُّ البيع، وفيه جواز بيع المُكاتِب إذا رضِي وإن لم يكن عاجزًا عن أداء نجم قد حلَّ، وأنه لا بأس للحاكم أن يحكم لزوجته بالحق، وأن بيع الأمَة ذات الزوج ليس بطلاق، وفيه البداءة في الخطبة بالحمد والثناء، وقوله: أمَّا بعد فيها، وجواز تعدُّد الشروط؛ لقوله: ((مائة شرط)) ، وفيه أن لا كراهة في السجع في الكلام إذا لم يكن عن قصد ولا متكلفًا،
стр. 250
وفيه جواز شراء السلعة للراغب في شرائها بأكثر من ثمن مثلها؛ لأن عائشة بذلت ما قرر نسيئة على جهة النقد مع اختلاف القيمة بين النقد والنسيئة، وفيه جواز استدانة مَن لا مال له عند حاجته إليه، وفيه مشاورة المرأة زوجها في التصرُّفات، وسؤال العالم عن الأمور الدينية، وإعلام العالم بالحكم لِمَن رآه يتعاطى أسبابه ولو لم يسأل، وفيه أن المدين يبرأ أداء غيره عنه، وفيه أن الأيدي ظاهرة في الملك، وأن مشتري السلعة لا يسأل عن أصلها إذا لم تكن ريبة، وفيه جواز عقد البيع بلا كتابة، وفيه جواز اليمين فيما لا تجب فيه ولا سيَّما عند العزم على فعل الشيء، وأن لغو اليمين لا كفارة فيه؛ لأن عائشة حلفت أن لا تشترط، ثم قال لها النبي ﷺ : ((اشترطي)) ولم ينقل كفارة، وفيه ثبوت الولاء للمرأة المعتقة، فيستثنى من عموم: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) ؛
فإن الولاء لا ينتقل إلى المرأة بالإرث بخلاف النسب، وفيه أن حق الله مقدَّم على حق الآدمي لقوله: ((شرط الله أحقُّ وأوثق)) ، ومثله الحديث الآخر: ((دين الله أحق أن يُقضَى)) .
وفيه أن البيان بالفعل أقوى من القول، وجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وفيه أن الحاجة إذا اقتضت بيان حكم عام وجب إعلانه أو ندب بحسب الحال، انتهى ملخصًا، وسيأتي بعض الكلام على فوائده في الفرائض - إن شاء الله تعالى.
* * *
الحديث الثاني
عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه كان يسير على جملٍ له فأعيا فأراد أن يسيبه فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله قط، فقال: ((بعنيه بأوقية)) ، قلت: لا، ثم قال: ((بعنيه)) ، فبعته بأوقية واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلمَّا بلغت أتيتُه بالجمل فنَقَدني ثمنه ثم رجعت فأرسل في أثري، فقال: ((أتُراني ماكستك لآخُذ جملك، خُذْ جملك ودراهمك فهو لك)) .
следующие страницы →