← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8197

خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام

فيصل آل مبارك

Полный текст (406 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يقول عام الفتح: ((إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يُطلَى بها السفن ويُدهَن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: ((لا، هو حرام)) ، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: ((قاتَل الله اليهود، إن الله لمَّا حرَّم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) . ((جملوه)) ؛ أي: أذابوه. الميتة ما زالت عنه الحياة بغير ذكاة شرعية، وهي حرام بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِْ﴾ [المائدة: ٣] . ويُستَثنى من الميتة السمك والجراد؛ لقوله ﷺ : ((أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان؛ فأمَّا الميتتان فالجراد والحوت، وأمَّا الدمان فالطحال والكبد)) . قوله: "فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس"؛ أي: فهل يحلُّ بيعها، فقال: ((لا، هو حرام)) ؛ أي: البيع، قال في "الاختيارات": وقرن الميتة وعظمها وظفرها وما هو من جنسه كالحافر ونحوِه طاهرٌ، وقال غير واحد من العلماء: ويجوز الانتفاع بالنجاسات، وسواء في ذلك شحم الميتة وغيرُه وهو قول الشافعي، وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور، ويطهُر جلد الميتة الطاهرة حال الحياة بالدباغ، وهو روايةٌ عن أحمد، انتهى. قال الحافظ: والظاهر أن النهي عن بيع الأصنام للمبالغة في التنفير عنها، ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظِّمها النصارى، ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته، انتهى. قوله: ((قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) فيه إبطال الحِيَل والوسائل إلى المحرم. * * *

стр. 247

باب السَّلَم الحديث الأول عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قَدِم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: ((مَن أسلف في شيء فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ)) . (السَّلَم) : هو السَّلَف وزنًا ومعنًى، وقيل: السَّلَف لغة أهل العراق، والسَّلَم لغة أهل الحجاز، وهو بيع موصوف في الذمة، واتَّفق العلماء على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس، إلا مالكًا فإنه أجاز تأخير اليومين والثلاثة. والسَّلَم جائز بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . قوله: ((في شيء)) قال الحافظ: أُخِذ منه جواز السلم في الحيوان إلحاقًا للعدد بالكيل، والعدد والذرع ملحق بالكيل والوزن للجامع بينهما وهو عدم الجهالة بالمقدار، انتهى. وقال مالك: يجوز السَّلَم في المكيل وزنًا وفي الموزون كيلاً إذا كان الناس يتبايعون التمر وزنًا، قال الموفق: وهذا أصحُّ إن شاء الله تعالى؛ لأن الغرض معرفة قدره وخروجه من الجهالة وإمكان تسليمه من غير تنازُع فبأي قدر قدَّره جاز، انتهى. وقال مالك أيضًا: يجوز السَّلَم إلى الحصاد وقدوم الحاج. وعن عبد الله بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى قالا: "كنَّا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلقهم في الحنطة والشعير والزبيب - وفي رواية: والزيت - إلى أجل مسمى، قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنَّا نسألهم عن ذلك"؛ رواه البخاري. ويجوز الرهن في السلم والكفيل به، وهو قول مالك والشافعي وأهل الرأي ورواية عن أحمد؛

стр. 248

لقوله الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، قال في "الاختيارات": ويصحُّ السَّلَم حالاً إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه وإلاَّ فلا، ويجوز بيع الدَّين في الذمَّة من الغريم وغيره ولا فرق بين دين السلم وغيره، وهو رواية عن أحمد، وقاله ابن عباس، لكنَّه بقدر القيمة فقط لئلاَّ يربح فيما لم يضمن، وقال أيضًا: ويصحُّ الصلح عن المؤجَّل ببعضه حالاً وهو روايةٌ عن أحمد وحكى قولاً للشافعي، انتهى، والله أعلم. * * * باب الشروط في البيع الحديث الأول عن عائشة ﵂ قالت: "جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كلِّ عام أوقية، فأعينيني، فقالت: إنْ أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس، فقالت إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: ((خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لِمَن أعتق)) ، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد، فما بالُ رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لِمَن أعتق)) .

стр. 249

هذا الحديث جليل كثير الفوائد، قال النووي: صنَّف ابن خزيمة وابن جرير في قصة بريرة تصنيفين كبيرين، وقال الحافظ: استنبط بعضهم منه أربعمائة فائدة. قولها: "كاتبت أهلي" (المكتابة) بيع العبد نفسه بمال في ذمته؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] . قوله ﷺ : ((خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لِمَن أعتق)) كان ﷺ قد أعلم الناس بأن اشتراط الولاء باطل. قوله: ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط)) قال ابن بطال: المراد بكتاب الله هنا حكمه من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة، انتهى. ويُستَفاد منه أن الشروط التي لم تخالف الشرع صحيحة ولو تعدَّدت، كما قال ﷺ : ((والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا)) . قوله: ((قضاء الله أحق)) ؛ أي: بالاتِّباع من الشروط المخالفة له ((وشرط الله أوثق)) ؛ أي: باتِّباع حدوده التي حدَّها ((وإنما الولاء لمن أعتق)) (إنما) للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. قال الحافظ: وفي حديث بريرة من الفوائد جواز كتابه الأمَة كالعبد، وجواز كتابة المتزوِّجة ولو لم يأذن الزوج، وفيه جواز السؤال لِمَن احتاج إليه من دين أو غرم أو نحو ذلك، وفيه أن المرأة الرشيدة تتصرَّف لنفسها في البيع وغيره ولو كانت مزوجة، وفيه جواز رفع الصوت عن إنكار المنكر، وأنه لا بأس لِمَن أراد أن يشتري للعتق أن يُظهِر ذلك لأصحاب الرقبة ليتساهلوا له في الثمن ولا يُعَدُّ ذلك من الرياء، وفيه أن الشيء إذا بِيعَ بالنقد كانت الرغبة فيه أكثر ممَّا لو بِيعَ بالنسيئة، وفيه جواز الشراء بالنسيئة، وفيه جواز البيع على شرط العتق بخلاف البيع بشرط أن لا يبيعه لغيره مثلاً ولا يهبه، وأن من الشروط في البيع ما لا يبطل ولا يضرُّ البيع، وفيه جواز بيع المُكاتِب إذا رضِي وإن لم يكن عاجزًا عن أداء نجم قد حلَّ، وأنه لا بأس للحاكم أن يحكم لزوجته بالحق، وأن بيع الأمَة ذات الزوج ليس بطلاق، وفيه البداءة في الخطبة بالحمد والثناء، وقوله: أمَّا بعد فيها، وجواز تعدُّد الشروط؛ لقوله: ((مائة شرط)) ، وفيه أن لا كراهة في السجع في الكلام إذا لم يكن عن قصد ولا متكلفًا،

стр. 250

وفيه جواز شراء السلعة للراغب في شرائها بأكثر من ثمن مثلها؛ لأن عائشة بذلت ما قرر نسيئة على جهة النقد مع اختلاف القيمة بين النقد والنسيئة، وفيه جواز استدانة مَن لا مال له عند حاجته إليه، وفيه مشاورة المرأة زوجها في التصرُّفات، وسؤال العالم عن الأمور الدينية، وإعلام العالم بالحكم لِمَن رآه يتعاطى أسبابه ولو لم يسأل، وفيه أن المدين يبرأ أداء غيره عنه، وفيه أن الأيدي ظاهرة في الملك، وأن مشتري السلعة لا يسأل عن أصلها إذا لم تكن ريبة، وفيه جواز عقد البيع بلا كتابة، وفيه جواز اليمين فيما لا تجب فيه ولا سيَّما عند العزم على فعل الشيء، وأن لغو اليمين لا كفارة فيه؛ لأن عائشة حلفت أن لا تشترط، ثم قال لها النبي ﷺ : ((اشترطي)) ولم ينقل كفارة، وفيه ثبوت الولاء للمرأة المعتقة، فيستثنى من عموم: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) ؛ فإن الولاء لا ينتقل إلى المرأة بالإرث بخلاف النسب، وفيه أن حق الله مقدَّم على حق الآدمي لقوله: ((شرط الله أحقُّ وأوثق)) ، ومثله الحديث الآخر: ((دين الله أحق أن يُقضَى)) . وفيه أن البيان بالفعل أقوى من القول، وجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وفيه أن الحاجة إذا اقتضت بيان حكم عام وجب إعلانه أو ندب بحسب الحال، انتهى ملخصًا، وسيأتي بعض الكلام على فوائده في الفرائض - إن شاء الله تعالى. * * * الحديث الثاني عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه كان يسير على جملٍ له فأعيا فأراد أن يسيبه فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله قط، فقال: ((بعنيه بأوقية)) ، قلت: لا، ثم قال: ((بعنيه)) ، فبعته بأوقية واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلمَّا بلغت أتيتُه بالجمل فنَقَدني ثمنه ثم رجعت فأرسل في أثري، فقال: ((أتُراني ماكستك لآخُذ جملك، خُذْ جملك ودراهمك فهو لك)) .

стр. 251

(المماكسة) : المناقصة في الثمن، وفي الحديث جوازُ اشتراط مثل هذا في البيع؛ كسكنى الدار وخدمة العبد مُدَّة معلومة ونحو ذلك، وفيه جواز الاستثناء في البيع إذا لم يكن المستثنى مجهولاً، قال الحافظ: وفي الحديث جواز المساومة لِمَن يعرض سلعته للبيع، والمماكسة في المبيع قبل استقرار العقد، وأن القبض ليس شرطًا في صحة البيع، وأن إجابة الكبير بقول: (لا) جائزٌ في الأمر الجائز، وفيه توقير التابع لرئيسه، وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ انتهى ملخصًا. تتمَّة: قال في "الاختيارات": سأل أبو طالب الإمام أحمد عمَّن اشترى أمَة يشترط أن يتسرَّى بها لا للخدمة، قال: لا بأس به، وهذا من أحمد يقتضي أنه إذا شرط على البائع فعلاً أو تركًا في البيع ممَّا هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه صحَّ البيع والشرط كاشتراط العتق، وكما اشترط عثمان لصهيب وقف داره عليه، انتهى، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبادٍ ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في إنائها. قوله: "ولا يبيع ولا يخطب" بإثبات التحتانية في يبيع وبالرفع فيهما على أنه نفي، وسياق ذلك بصيغة الخبر أبلغ في المنع، وفي حديث ابن عمر: ((لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبلُ أو يأذن له الخاطب)) .

стр. 252

قوله: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في إنائها"، وفي حديث آخر: ((لا يحلُّ لامرأة تسأل طلاق زوجة الرجل)) ؛ أي: سواء كانت ضرتها أو أجنبية. قال الطيبي: هذه استعارة مستملحة تمثيلية شبَّه النصيب والبخت بالصحفة وحظوظها وتمتعاتها بما يُوضَع في الصحفة من الأطعمة اللذيذة، وشبَّه الافتراق المسبَّب عن الطلاق باستفراغ الصحفة من تلك الأطعمة. * * * باب الربا والصرف الحديث الأول عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربًا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء)) . الربا حرامٌ بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآيات، وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] . قال مالك: عن زيد بن أسلم، كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل حق إلى أجل، فإذا حلَّ قال: أتقضي أم تُربِي؟ فإن قضاه أخذ وإلا زاد في حقه وزاد الآخر في الأجل. والربا في اللغة: الزيادة، وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة. وأمَّا الصرف: فهو دفع ذهب وأخذ فضة وعكسه، وله شرطان: منع النسيئة مع اتِّفاق النوع واختلافه، ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما.

стр. 253

وقوله: ((الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء)) الذي في البخاري: ((الذهب بالورق)) ، ورواية مسلم: ((الورق بالذهب)) ، ولفظه عن ابن شهاب عن مالك بن أوس: أخبره أنه التمس صرفًا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مِنِّي، فأخذ الذهب يقلِّبها في يده ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء)) . ولمسلم: قال عمر بن الخطاب: كلاَّ والله لتعطينه ورقه أو لتردن إليه ذهبه، فإن رسول الله ﷺ قال: ((الورق بالذهب ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء)) ، فذكره. قال الحافظ: قوله: ((الذهب بالورق ربًا)) قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك فيه وحمله عنه الحفَّاظ، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة، وشذَّ أبو نعيم عنه فقال: "الذهب بالذهب". قال الحافظ: الذهب يُطلَق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها، والورق الفضة، والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة، انتهى. قوله: ((إلا هاء وهاء)) ؛ أي: يعطيه ما في يده ويأخذ ما في يد صاحبه، كالحديث الآخر: ((إلا يدًا بيد)) ؛ يعني: مقابضة في المجلس. قوله: ((والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير)) قال الحافظ: واستدلَّ به على أن البر والشعير صنفان وهو قول الجمهور، قال ابن عبد البر: فيه أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق، وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة فأحرى ألا يجوز في الذهب بالذهب وهو جنس واحد، وكذا الورق بالورق، قال الحافظ: وقد نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على هذا الحكم، انتهى. وروى مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) ، قال النووي: قوله ﷺ : ((يدًا بيد)) حجة للعلماء كافَّة في وجوب التقابض وإن اختلف الجنس. * * *

стр. 254

الحديث الثاني عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز)) ، وفي لفظ: ((إلا يدًا بيد)) ، وفي لفظ: ((إلا وزنًا بوزنٍ، مثلاً بمثلٍ، سواء بسواء)) . قوله: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل)) ، وفي رواية: ((الذهب بالذهب مثلاً بمثل والورق بالورق مثلاً بمثل)) ، قال الحافظ: ويدخل في الذهب جميع أصنافه من مضروب ومنقوش، وجيد ورديء، وصحيح ومكسر، وحلى وتبر، وخالص ومغشوش، ونقل النووي تبعًا لغيره في ذلك الإجماع. قوله: ((ولا تشفوا)) ؛ أي: لا تفضلوا، قال الحافظ: والشف الزيادة، وتطلق على النقص. قوله: (ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز)) ؛ أي: مؤجلاً بحالٍّ، قال الحافظ: البيع كله إمَّا بالنقد أو بالعرض حالاًّ أو مؤجلاً؛ فهو أربعة أقسام: بيع النقد إمَّا بمثله وهو المراطلة، أو بنقد غيره وهو الصرف، وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنًا والعرض عِوَضًا، وبيع العرض بالعرض يسمى مقابضة والحلول في جميع ذلك جائز، وأمَّا التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرًا فلا يجوز وإن كان العرض جاز، وإن كان العرض مؤخرًا فهو السَّلَم وإن كانا مؤخَّرَين فهو بيع الدين بالدين، وليس بجائز إلا في الحوالة عند مَن يقول إنها بيع، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي -

стр. 255

صلى الله عليه وسلم - بتمر برني، فقال له النبي ﷺ : ((من أين هذا؟)) ، قال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع ليطعم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ عند ذلك: ((أوَّه عين الربا عين الربا لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشترِ به)) . قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل، وسواء فيه الطيب والدون، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد. قال الحافظ: وفي الحديث قيام عذر مَن لا يعلم التحريم حتى يعلمه، وفيه جواز الرفق بالنفس، وترك الحمل على النفس لاختيار أكل الطيب على الرديء خلافًا لِمَن منع ذلك من المتزهِّدين، وفيه أن البيوع الفاسدة تُرَدُّ، انتهى ملخصًا. * * * الحديث الرابع عن أبي المنهال قال: "سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵃ عن الصرف فكلٌّ واحدٍ منهما يقول: هذا خيرٌ مِنِّي، وكلاهما يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا". الصرف: بيع الدراهم بالذهب أو عكسه، وفي رواية: "سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فقالا: كُنَّا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف؟ فقال: ((إن كان يدًا

стр. 256

بيد فلا بأس، وإن كان نسيئًا فلا يصلح)) . قال الحافظ: وفي الحديث ما كان عليه الصحابة من التواضع وإنصاف بعضهم بعضًا، ومعرفة أحدهم حقَّ الآخر، واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم. * * * الحديث الخامس عن أبي بكرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواءً بسواءٍ، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله رجلٌ فقال: يدًا بيدٍ؟ فقال: هكذا سمعت". قال الحافظ: اشتراط القبض في الصرف متَّفق عليه، واستدلَّ به على بيع الربويات بعضها ببعض إذا كان يدًا بيد، وأصرح منه حديث عبادة بن الصامت: ((فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) ، انتهى. وقال ابن دقيق العيد: قوله: "ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا" بالنسبة إلى التفاضل والتساوي، لا إلى الحلول أو التأجيل، انتهى. تتمَّة: قال في "الاختيارات": العلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم وهو رواية عن أحمد، ويحرم بيع اللحم بحيوان من جنسه مقصود اللحم، ويجوز بيع الموزونات الربوية بالتحرِّي وقاله مالك: وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعض ببعض كيلاً ووزنًا، وظاهر مذهب أحمد جواز بيع السيف المحلَّى بجنس حليته؛ لأن الحلية ليست بمقصودة، ولا يُشتَرَط الحلول والتقابض في صرف الفلوس النافقة بأحد النقدين وهو رواية عن أحمد، وإن اصطَرَفَا دينًا في ذمَّتهما جاز، ومَن باع ربويًّا نسيئة حرم أخذه عن ثمنه ما لا يباع

стр. 257

به نسيئة ما لم تكن حاجة، والتحقيق في عقود الربا إذا لم يحصل فيها القبض أن لا عقد، والكيمياء باطلة محرَّمة، وتحريمها أشدُّ من تحريم الربا، ولا يجوز بيع الكتب التي تشتمل على معرفة صناعتها، وأفتى بعض ولاة الأمور بإتلافها، ويجوز قرض الخبز وردُّ مثله عددًا بلا وزن من غير قد الزيادة، وهو مذهب أحمد، ولو أقرضه في بلد آخر جاز على الصحيح، ويجوز قرض المنافع مثل أن يحصد معه يومًا، ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها، انتهى، والله أعلم. * * * باب الرهن وغيره الحديث الأول عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعًا من حديد". (الرهن) : هو المال الذي يُجعَل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذَّر استيفاؤه من الغريم، وهو جائزٌ بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . قال الحافظ: وإنما قيَّده بالسفر لأنه مظنَّة فَقْدِ الكاتب فأخرجه مخرَج الغالب، قال: وفي الحديث جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم، واستنبط منه جواز معاملة مَن أكثر ماله حرام، وفيه جواز بيع السلاح ورهنه وإجارته وغير ذلك من الكافر ما لم يكن حربيًّا، وفيه ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم، وجواز الشراء بالثمن المؤجَّل، واتِّخاذ الدروع والعدد وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح في التوكُّل، وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والزهد في الدنيا والتقلُّل منها مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم

стр. 258

الادِّخار حتى احتاج إلى رهن درع والصبر على ضيق العيش والقناعة باليسير، وفيه فضيلة لأزواجه لصبرهن معه على ذلك. قال العلماء: الحكمة في عدوله ﷺ عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود إمَّا لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خشي أنهم لا يأخذون منه ثمنًا أو عوضًا فلم يرد التضييق عليهم، والله أعلم. وفي الحديث الردُّ على مَن قال: إن الرهن في السلم لا يجوز، انتهى. وقال مالك: يلزم الرهن بمجرَّد العقد قبل القبض؛ لأنه عقد يلزم بالقبض فلزم قبله كالبيع وهو روايةٌ عن أحمد. قال الزجاج في قول الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] : أي: العقود التي عقد الله عليكم وعقدتم بعضكم على بعض، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((مطل الغني ظلم، إذا أُتبِع أحدكم على مَلْْءٍ فليَتْبع)) . (المطل) : المدافعة، والمراد تأخير ما استحقَّ أداؤه بغير عذر. قوله: ((وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)) ؛ أي: إذا أُحِيل فليحتل، قال الحافظ: ومناسبة هذه الجملة للتي قبلها أنه لمَّا دلَّ على أن مطل الغني ظلم عقبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء؛ لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على المحتال دون المحيل، ففي قبول الحوالة إعانة على كفِّه عن الظلم. وفي الحدث الزجر عن المطل، واختُلِف هل يُعَدُّ فعله عمدًا كبيرة أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يفسق، لكن هل يثبت فسقه بمطله مرَّة واحدة أم لا؟ قال: ويدخل في المطل كلُّ مَن لزمه حقٌّ؛ كالزوج لزوجته، والسيد لعبده، والحاكم لرعيته وبالعكس، واستدلَّ به على أن العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم وهو بطريق

стр. 259

المفهوم، انتهى. وقال البخاري: باب الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟ وقال الحسن وقتادة: إذا كان يوم أحال عليه مليًّا جاز، وقال ابن عباس: يتخارج الشريكان وأهل الميراث فيأخذ هذا عينًا وهذا دينًا، فإن تَوِيَ لأحدهما لم يَرجِع على صاحبه، انتهى. قال في "الاختيارات": والحوالة على ماله في الديوان إذن في الاستيفاء فقط، والمختار الرجوع ومطالبته، انتهى، والله أعلم. قال الحافظ: واستدلَّ بالحديث على ملازمة المماطل وإلزامه بدفع الدين، والتوصُّل إليه بكل طريق وأخذه منه قهرًا، واستدلَّ به على اعتبار رضا المحيل والمحتال دون المحال عليه؛ لكونه لم يذكر في الحديث، وبه قال الجمهور، وفيه الإرشاد إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب؛ لأنه زجر عن المماطلة وهي تؤدِّي إلى ذلك، انتهى، وبالله التوفيق. * * * الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أو قال: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: ((مَن أدرك ماله بعينه عند رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلس فهو أحقُّ به من غيره)) . قوله: ((مَن أدرك ماله بعينه)) ؛ أي: لم يتغيَّر ولم يتبدَّل سواء كان بيعًا أو قرضًا أو وديعة. قوله: ((عند رجل أو إنسان)) شكٌّ من الراوي. قوله: ((قد أفلس)) ؛ أي: تبيَّن إفلاسه، والمفلس مَن تزيد ديونه على موجوده، وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: "قضى رسول الله ﷺ أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقُّ بمتاعه إذا وجده"، زاد بعضهم: "إلا أن يترك صاحبه وفاء". فائدة: روى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن وجد عين ماله عند رجل فهو أحقُّ به ويتبع البيع مَن باعه)) ، وفي لفظ: ((إذا سرق من الرجل متاع أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحقُّ به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن)) ؛ رواه أحمد وابن ماجه.

стр. 260

تتمَّة: قال في "الاختيارات": والدين الحالُّ يتأجَّل بتأجيله سواء كان الدين قرضًا أو غيره، وهو قول مالك، ووجه في مذهب أحمد، وإذا كان الذي عليه الحق قادرًا على الوفاء ومطل صاحب الحق حتى أحوجه إلى الشكاية، فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد، انتهى. * * * الحديث الرابع عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "جعل - وفي لفظ: قضى - النبي ﷺ بالشفعة في كلِّ مالٍ لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". الشفعة ثابتة بالسنة والإجماع، وهي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها ولا يحلُّ الاحتيال لإسقاطها. وروى الخمسة عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا)) ، والحكمة في مشروعية الشفعة دفع الضرر. وقد روى الطحاوي من حديث جابر: "قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء". قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق"؛ أي: بينت مصارف الطرق وشوارعها "فلا شفعة" قال في "المقنع": ولا شفعة فيما لا تجب قسمته في إحدى الروايتين، انتهى. واختار ابن عقيل وشيخ الإسلام الشفعة فيه، قال الحارثي: وهو أحق، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه،

стр. 261

فما تأمرني به؟ قال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بها)) ، قال: فتصدَّق بها عمر غير أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمولٍ فيه"، وفي لفظ: "غير متأثل". هذا الحديث أصلٌ في مشروعية الوقف، وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة في طرق الخير. قوله: "أنفس"؛ أي: أجود، والنفيس: الجيد المغتبط به. قوله: "فتصدق بها عمر غير أنه لا يباع أصلها" في لفظ: فقال النبي ﷺ : ((تصدق بأصله لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث ولكن يُنفق ثمره)) . قوله: "وفي القربى"؛ يعني: قربى الواقف. قوله: "لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف"؛ يعني: بالقدر الذي جرت به العادة، قال القرطبي: جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل يستقبح ذلك منه. قوله: "غير متموِّل فيه"؛ أي: غير متَّخذ مالاً، و (التأثل) : اتخاذ أصل المال حتى كأنه عند قديم، وكتب عمر هذا الوقف في خلافته، ونصه: "هذا ما كتب عبد الله أمير المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها، والمائة وسق الذي أطعمني النبي ﷺ فإنها مع ثمغ على سنته الذي أمرت به إن شاء ولي ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم". وفيه من الفوائد جواز إسناد الوصية والنظر على الوقف للمرأة، وإسناد النظر إلى مَن لم يسمَّ إذا وصف بصفة تميِّزه، وأن الواقف له النظر على وقفه، وفيه استشارة أهل العلم والدين والفضل، وفيه فضيلة ظاهرة لعمر، وفيه فضل الصدقة الجارية، وفيه صحة شروط الواقف إذا لم تخالف الشرع، وفيه جواز الوقف

стр. 262

على الأغنياء، وفيه أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف، وفيه جواز وقف المشاع، وفيه دليل على المسامحة في بعض الشروط؛ حيث علق الكل بالمعروف وهو غير منضبط. * * * الحديث السادس عن عمر ﵁ قال: "حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي ﷺ فقال: ((لا تشترِه ولا تَعُد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه)) ، وفي لفظ: ((فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)) . وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه)) . الحديث دليلٌ على تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، وفي لفظ: ((ليس لنا مثل السوء: الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه)) ، وهذا أبلغ في الزجر عن ذلك. قوله: "حملت على فرس في سبيل الله"؛ أي: حمل تمليك ليجاهد به، فأضاعه الذي كان عنده، وفي رواية: "وكان قليل المال". قوله: ((لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم)) سمي الشراء عودًا في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في ذلك، قال الطبري: يخصُّ من عموم هذا الحديث مَن وهب بشرط الثواب،

стр. 263

ومَن كان والدًا، والموهوب ولده، والهبة التي لم تقبض، والتي ردَّها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باستثناء كلِّ ذلك، وفي الحديث جواز إذاعة عمل البر للمصلحة. تتمَّة: قال في "الاختيارات": وتصحُّ هبة المعدوم كالثمر واللبن، واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر بخلاف البيع، وتصحُّ هبة المجهول كقوله: ما أخذت من مالي فهو لك، أو مَن وجد شيئًا من مالي فهو له، وفي جميع هذه الصور يحصل الملك بالقبض ونحوه، وللمبيح أن يرجع فيما قال قبل التملُّك، وهذا نوعٌ من الهبة يتأخَّر القبول فيه عن الإيجاب كثيرًا وليس بإباحة، انتهى. * * * الحديث السابع عن النعمان بن بشير ﵄ قال: "تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﷺ فانطلق أبي إلى رسول الله ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : ((أفعلت هذا بولدك كلهم؟)) ، قال: لا، قال: ((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم)) ، فرجع أبي فرد تلك الصدقة"، وفي لفظ: قال: ((فلا تشهدني؛ إذًا فإني لا أشهد على جور)) ، وفي لفظ: ((فأشهد على هذا غيري)) . الحديث دليلٌ على وجوب التسوية بين الأولاد. وفي رواية لمسلم: ((اعدلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر)) ، وفيه الندب إلى التآلف بين الإخوة، وترك ما يورث العقوق للآباء، وفيه مشروعية استفصال الحاكم والمفتي، وجواز تسمية الهبة صدقة، وفيه أن للأم كلامًا في مصلحة الولد، وفيه

стр. 264

أمر الحاكم والمفتي بتقوى الله في كل حال، وفيه إشارة إلى سوء حال عاقبة الحرص والتنطُّع؛ لأن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه، فلمَّا اشتدَّ حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه. قوله: ((فأشهد على هذا غيري)) المراد به التوبيخ، وفي حديث جابر عند مسلم: ((فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق)) ، وفيه كرامة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح، وأن للإمام أن يتحمل الشهادة. * * * الحديث الثامن عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ عامَل أهل خيبر شطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ". الحديث دليلٌ على جواز المساقاة في النخل وجميع الشجر وعلى جواز المزارعة بجزء معلوم، وقد عامَل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا، وفي الحديث جواز دفع النخل مساقاة والأرض مزراعة من غير ذكر سنين معلومة، وقال أبو ثور: إذا أطلقا حمل على سنة واحدة. * * * الحديث التاسع عن رافع بن خديج قال: "كنَّا أكثر الأنصار حقلاً، وكنَّا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، وربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك، فأمَّا الذهب والورق فلم ينهنا". ولمسلم عن حنظلة بن قيس قال: "سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال: لا بأس به إنما كان الناس يؤاجرون

стр. 265

على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذِيانَات وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأمَّا شيء معلوم مضمون فلا بأس به. الماذيانات: الأنهار الكبار، والجدول: النهر الصغير. النهي عن كراء الأرض محمول على الوجه المُفضِي إلى الضرر والمجادلة والمخاطرة، وفي الحديث جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة. وفي الصحيحين على أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه، فإن أبي فليمسك أرضه)) ، قال المجد: وبالإجماع تجوز الإجارة ولا تجب الإعارة، فعلم أنه أراد الندب. * * * الحديث العاشر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قضى النبي ﷺ بالعُمرَى لِمَن وهبت له"، وفي لفظ: "مَن أعمر عمرى فهي له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، وقال جابر: إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأمَّا إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها". وفي رواية لمسلم: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه مَن أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًّا وميتًا ولعقبه".

стр. 266

"العمرى": مأخوذة من العمر؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، يعطى الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إياها؛ أي: أبحتها لك مدَّة عمرك؛ وكذا قيل لها: رقبى؛ لأن كلاً منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه، وإذا وقعت كانت ملكًا للآخِذ ولا ترجع إلى الأوَّل إلا إن صرح باشتراط ذلك، وهي كسائر الهبات. والحاصل أن للعمرى ثلاثة أحوال: أحدها أن يقول: هي لك ولعقبك، فهذا صريح في أنها للموهوب له ولعقبه، الثاني أن يقول: هي لك ما عشت، فإذا مت رجعت إليَّ، فهذه عارية مؤقتة وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذين أعطى، الثالث أن يقول أعمرتكها ويطلق فحكمها حكم الأولى ولا ترجع إلى الواهب، وهذا قول الجمهور. وعن ابن عباس يرفعه: ((العمرى لِمَن أعمرها، والرقبى لِمَن أرقبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه)) . وعن جابر: "أن رجلاً من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخيل حياتها فماتت، فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء، قال: فأبى، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقسمها بينهم ميراثًا"؛ رواه أحمد، والله أعلم. * * * الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال: لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرِضين، والله لأضربن بها بين أكتافكم". قوله: "خشبة" روى بالإفراد والجمع والمعنى واحد؛ لأن المراد الجنس، والحديث دليل على أن الجار إذا طلب إعارة حائط جاره ليضع خشبة عليه، وجب ذلك على المالك إذا لم يتضرَّر به. وروى مالك أن الضحاك بن خليفة سأل محمد

стр. 267

بن مسلمة أن يسوق خليجًا له فيمرُّ به في أرض محمد بن مسلمة فامتنع، فكلَّمه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله ليمرَّن به ولو على بطنك، فحمل عمر الأمر على ظاهره وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه. قوله: "ما لي أراكم عنها معرضين"؛ أي: عن هذه السنَّة "والله لأضربن بها بين أكتافكم"، روى بالمثناة وبالنون، قال في "الاختيارات": وإذا كان الجدار مختصًّا بشخص لم يكن له أن يمنع جاره من الانتفاع بما يحتاج إليه الجار، ولا يضرُّ بصاحب الجدار، ويجب على الجار تمكين جاره من إجراء مائه في أرضه إذا احتاج إلى ذلك ولم يكن على صاحب الأرض ضرر، وحكم به عمر بن الخطاب ﵁. * * * الحديث الثاني عشر عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن ظلم من الأرض قِيدَ شبرٍ طُوِّقه من سبع أرضين)) . قوله: ((قِيدَ شبر)) ؛ أي: قدر شبر، وهو إشارة إلى الوعيد في قليل ظلم الأرض وكثيره، وفي الحديث تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته وأنه من الكبائر، وأن مَن ملك أرضًا ملك أسفلها بما فيه من حجارة ومعادن وغير ذلك، وفيه أن الأرضيين السبع طباق كالسموات. وروى البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : ((مَن أخذ من الأرض شيئًا بغير حقِّه خُسِف به يوم القيامة إلى سبع أرضيين)) . * * *

стр. 268

باب اللقطة الحديث الأول عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: "سُئِل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق، فقال: ((اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرِّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدِّها إليه)) ، وسأله عن ضالة الإبل، فقال: ((ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربُّها)) ، وسأله عن الشاة، فقال: ((خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب)) . "اللقطة": المال الضائع من ربه. قوله: "عن لقطة الذهب والورق" هو كالمثال وإلا فلا فرق بينهما وبين غيرهما في الحكم. قوله: ((اعرف وكاءها وعفاصها)) (الوكاء) : ما يُربَط به الشيء، و (العفاص) : الوعاء الذي تكون فيه. قوله: ((ثم عرفها سنة)) ؛ أي: اذكرها للناس، ومحلُّ ذلك المحافل؛ كالأسواق، وأبواب المساجد خارجها، ونحو ذلك من مجامع الناس، يقول: من ضاعت له نفقة، ونحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئًا من الصفات. قوله: ((فإن لم تعرف فاستنفقها)) فيه دليلٌ على أن الملتقط يتصرَّف فيها بعد الحول سواء كان غنيًّا أو فقيرًا. قوله: ((ولتكن وديعة عندك)) ؛ أي: في وجوب أدائها إذا عرفها صاحبها بعد الحول. قوله: ((فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدِّها إليه)) ؛ أي: بعد معرفة صفتها ولا يحتاج إلى بينة، فإن كان قد استنفقتها غرمها، وإن كان أبقاها على حكم الأمانة أدَّاها. وقد روى الخمسة إلا الترمذي عن عياض بن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 269

((مَن وجد لُقَطة فليشهد ذوي عدل وليحفظ عفاصها ووكاءها ثم لا يكتم ولا يغيب، فإن جاء ربها فهو أحقُّ بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه مَن يشاء)) . قوله: "وسأله عن ضالة الإبل" الضالة لا تقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال له: لقطة، ويقال للضوالِّ: الهوامي والهوامل، قال العلماء: حكمة النهي عن التقاط الإبل أن بقاءها حيث ضلَّت أقرب إلى وجدان مالكها لها من تطلبه في رحال الناس، وقالوا: في معنى الإبل كلُّ ما امتنع بقوَّته من صغار السباع. قوله: "وسأله عن الشاة فقال: ((خذها؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب)) " فيه جواز التقاطها لأنها ضعيفة، قال في "الاختيارات": ولا تُمَلَّك لقطة الحرم بحال، انتهى. وعن جابر ﵁ قال: "رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به"؛ رواه أحمد وأبو داود، وعن عبيد الله بن حميد عن الشعبي أن النبي ﷺ قال: ((مَن وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيَّبوها فأخذها فأحياها فهي له)) ؛ رواه أبو داود والدارقطني، والله أعلم. * * * باب الوصايا وغير ذلك الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) ، زاد مسلم: "قال ابن عمر: فوالله ما مرَّت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي". الوصية نوعان: أحدهما: الوصية بالحقوق الواجبة على الإنسان وذلك واجب، الثاني: الوصية بالتطوُّعات في القربات وذلك مستحب، والحديث محمول على النوع

стр. 270

الأول، وتُطلَق الوصية أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهيَّات والحث على المأمورات، ويشترط لصحة الوصية العقل والحرية، ولا تندب الوصية بالمال لِمَن كان له ورثة وماله قليل. قوله: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه)) ، ولأحمد: ((حقٌّ على كلِّ مسلم ألاَّ يبيت ليلتين وله ما يوصى فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده)) ، وفي الحديث من الفوائد: التأهُّب للموت والحزم قبل الفوت، واستدلَّ به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط إذا عرف ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، ويُستفاد منه أن الأشياء المهمَّة ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ لأنه يخون غالبًا. * * * الحديث الثاني عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتدَّ بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا)) ، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: ((لا)) ، قلت: فالثلث، قال: ((الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك)) ، قال: فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم)) .

стр. 271

لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة. قوله: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت بها)) كأنه قيل له: لا توصِ بأكثر من الثلث، فإنك إن متَّ تركت ورثتك أغنياء، وإن عشت تصدَّقت وأنفقت، فالأجر حاصل لك في الحالتين. قوله: ((ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون)) وقع كما قال ﷺ فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة، وانتفع به المسلمون بالغنائم ممَّا فتح الله على يديه من بلاد الشرك وضُرَّ به المشركون الذين هُتكوا على يديه. قال بعض العلماء: (لعلَّ) وإن كانت للترجي لكنها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسول الله ﷺ غالبًا. قوله: "لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة"، "البائس": الذي اشتدَّ بؤسه، والبؤس: شدة الفقر. قوله: "يرثي له" أن يتوجَّع له لكونه مات في البلد التي هاجر منها. وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعيةُ عيادة المريض للإمام فمَن دونه، واستحباب الفسح للمريض في طول العمر، وجواز إخبار المريض بشدَّة مرضه لطلب دعاء أو دواء، وأن ذلك لا يُنافِي الصبر المحمود، وفيه إباحة جمع المال بشروطه، وفيه الحثُّ على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد، وفيه الإنفاق على مَن تلزمه مؤنتهم والحث على الإخلاص في ذلك، وفيه منع نقل الميت من بلد إلى بلد، وفيه النظر في مصالح الورثة، وفيه أن مَن ترك مالاً قليلاً فالاختيار له ترك الوصية وإبقاء المال للورثة، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لو أن الناس غضُّوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: ((الثلث والثلث كثير)) .

стр. 272

قوله: "غضوا"؛ أي: نقصوا، وعند الإسماعيلي "لو غض الناس إلى الربع كان أحب إلى رسول الله ﷺ "، وفيه دليل على استحباب النقص من الثلث في الوصية. وعند النسائي في حديث سعد: "عادني رسول الله ﷺ في مرضي فقال: ((أوصيت؟)) ، قلت: نعم، قال: ((بكم؟)) ، قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: ((فما تركت لولدك؟)) ، قلت: هم أغنياء، قال: ((أوصِ بالعشر)) ، فما زال يقول وأقول حتى قال: ((أوصِ بالثلث، والثلث كثير - أو: كبير)) . * * * باب الفرائض الحديث الأول عن عبد الله الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر)) ، وفي رواية: ((اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجلٍ ذكر)) . (الفرائض) : هي قسمة المواريث: جمع فريضة بمعنى مفروضة، وخصَّت المواريث باسم الفرائض لقوله - تعالى -: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] . وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: ((العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة)) ؛ رواه أبو داود وابن ماجه. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعلَّموا القرآن وعلِّموه الناس، وتعلَّموا الفرائض وعلِّموها، فإني امرؤ مقبوض والعلم مرفوع، ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة والمسألة فلا يجدان أحدًا يخبرهما)) ؛ ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله.

стр. 273

قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها)) المراد بالفرائض هنا: الأنصباء المقدَّرة في كتاب الله - تعالى - وهي النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس، والمراد بأهلها مَن يستحقها بنصِّ القرآن. قوله: ((فما بقي فلأولى رجل ذكر)) ؛ أي: فما بقي من المال بعد ذوي الفروض فهو لأقرب رجل من العصبة، وأقربهم البنوَّة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الإخوة من الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم أعمام الأب ثم بنوهم، ثم أعمام الجد لا يرث بنو أبٍ أعلى مع بني أب أقرب وإن نزلوا، ومَن أدلى بأبوين يُقدَّم على مَن أدلى بأب، ويُقدَّم الأخ من الأب على ابن الأخ لأبوين، وإذا انقرض العصبة من النسب ورث المولى المعتق ثم عصباته من بعده، ولا يرث النساء بالولاء إلا مَن أُعتِقن أو أعتقه مَن أعتقن. وجهات العصوبة ست: البنوة، الأبوة، ثم الأخوة، ثم بنو الإخوة، ثم العمومة، ثم الولاء، فإذا اجتمع عاصبان فأكثر قُدِّم الأقرب جهةً، فإن استووا فيها فالأقرب درجة، فإن استووا فيها قُدِّم مَن لأبوين على مَن لأبٍ، وهذا كقول الجعبري - رحمه الله تعالى -: فَبِالْجِهَةِ التَّقْدِيمُ ثُمَّ بِقُرْبِهِ = وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيمُ بِالْقُوَّةِ اجْعَلاَ وإذا لم تستوعب الفروض المال ولم يكن عصبة رُدَّ على ذوي الفروض بقدر فروضهم إلاَّ الزوجين، فإن لم يكن ذو فرض ولا عصبة ورث أولو الأرحام بالتنزيل؛ وهو أن تجعل كل شخص بمنزلة مَن أدلى به، وهم أحق بالميراث من بيت المال؛ لقول النبي ﷺ ((الخال وارثُ مَن لا وارث له)) ، وفي الحديث دليلٌ على أن ابن الابن يحوز المال إذا لم يكن دونه ابن، وأن الجد يرث جميع المال إذا لم يكن دونه أبٌ، وأن الأخ من الأم إذا كان ابن عم يرث بالفرض والتعصيب، وكذا الزوج إذا كان ابن عم، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أتنزل

стр. 274

غدًا في دارك بمكة؟ فقال: ((وهل ترك لنا عقيل من رباعٍ أو دور؟)) ، ثم قال: ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)) . الحديث دليلٌ على انقطاع التوارث بين المسلم والكافر بالنسب، وكذا بالولاء، وهو قول جمهور العلماء ورواية عن أحمد. قوله: أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور)) (الرباع) جمع ربع: وهو المنزل المشتمل على أبيات، وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرث عليٌّ ولا جعفر ﵄ شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين. قال الحافظ: وأخرج هذا الحديث الفاكهي من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره: ويُقال إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبدمناف، ثم صارت لعبد المطلب ابنه فقسمها بين ولده حين عمر فمن ثَمَّ صار للنبي ﷺ حق أبيه عبد الله، وفيها وُلِد النبي ﷺ . قال الحافظ: إن النبي ﷺ لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة وفقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها، انتهى، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته". (الولاء) : حقٌّ ثبت بوصفٍ وهو الإعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجهٍ من الوجوه؛ فلهذا قال النبي ﷺ : ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يُباع ولا يُوهَب)) . قال الموفق: والولاء لا يورث وإنما يورث به، ولا يُباع ولا يُوهَب وهو للكبر، فإذا مات المعتق وخلف عتيقه وابنين فمات أحد الابنين بعده عن

стр. 275

ابن ثم مات العتيق فالميراث لابن المعتق، فإن مات الابنان بعده وقبل المولى وخلف أحدهما ابنا والآخر تسعة فولاؤه بينهم على عددهم لكلِّ واحد عشرة، انتهى. وعن ابن عباس ﵄: "أن رجلاً مات على عهد النبي ﷺ ولم يترك وارثًا إلا عبدًا هو أعتقه فأعطاه ميراثه"؛ رواه الخمسة إلا النسائي. قال في "الاختيارات": أسباب التوارث: رحم ونكاح وولاء عتق إجماعًا، وذكر عند عدم ذلك كله موالاته ومعاقدته وإسلامه على يديه والتقاطه كونهما من أهل الديوان، وهو رواية عن الإمام أحمد، ويرث مولى من أسفل عند عدم الورثة وقاله بعض العلماء، انتهى، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عن عائشة ﵂ قالت: "كانت في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدى لها لحم فدخل عليَّ رسول الله ﷺ والبرمة على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وإدام من إدام البيت، فقال: ((ألم أرَ البرمة على النار فيها لحم؟)) ، فقالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: ((هو عليها صدقة، وهو لنا منها هدية)) ، وقال النبي ﷺ : ((إنما الولاء لِمَن أعتق)) . فيه دليل على حصر الولاء لِمَن أعتق، وفي رواية للبخاري: ((الولاء لِمَن أعطى الورق وولى النعمة)) . قولها: "كانت في بريرة ثلاث سنن"، وفي رواية: ثلاث قضيات والمراد ما وقع من الأحكام فيها مقصودًا، وإلا ففي قصتها فوائد كثيرة تُؤخَذ بطريق التنصيص أو الاستنباط، وفي الحديث دليل على أن الأمة إذا عتقت تحت

стр. 276

عبد فلها الخيار، فإن مكنته من وطئها عالمة سقط خيارها، وأن بيعها لا يكون طلاقًا ولا فسخًا، وفيه ثبوت الولاء للمرأة المعتقة، وفيه أن المرء إذا خير بين مباحين فاختار ما ينفعه لم يُلَم ولو أضرَّ ذلك برفيقه، وفيه اعتبار الكفاءة في الحرية وسقوطها بالرضا، وفيه جواز أكل الغني ما تصدق به على الفقير إذا أهداه له، وجواز أكل الإنسان من طعامِ مَن يسرُّ بأكله ولو لم يأذن له فيه بخصوصه، وفيه جواز الصدقة على مَن يمونه غيره، وفيه أن مَن حَرُمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغيَّر حكمها، وفيه أن الهدية تُمَلَّك بوضعها في بيت المهدي له ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول، وفيه أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إذا لم يكن فيه شبهة، ولا عن الذبيحة إذا ذُبِحت بين المسلمين، وفيه تسمية الأحكام سننًا وإن كان بعضها واجبًا، وفي قصة بريرة من الفوائد أيضًا استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم؛ لقول النبي ﷺ لبريرة: ((زوجك وأبو ولدك)) ، وفيها غير ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 277

كتاب النكاح الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء)) . (النكاح) في الشرع: عقد التزويج، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ، وقال - تعالى -: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، وهو في اللغة: الضم والتداخل، قال الفارسي: إذا قالوا: نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد العقد وإذا قالوا: نكح زوجته فالمراد الوطْء. قوله: ((يا معشر الشباب)) (المعشر) جماعة يشملهم وصف، و (الشباب) : جمع شاب، وهو اسم لِمَن بلغ حتى يكمل ثلاثين، ثم هي كهل إلى أن يجاوز الأربعين ثم شيخ. قوله: ((مَن استطاع منكم البَاءَة فليتزوج)) ، المراد بالباءة هنا القدرة على مُؤَن النكاح، وهو في اللغة الجماع؛ أي: مَن استطاع منكم مؤنة النكاح فليتزوَّج، ومَن لم يستطع فليصم لدفع شهوته، والوجاء رضُّ الأنثيين، والإخصاء: سلهما، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة. وفي الحديث إرشاد العاجز عن مُؤَن النكاح إلى الصوم؛ لأن شهوة الجماعة تابعة لشهوة الأكل، تقوَى بقوة الأكل وتضعف بضعفه، وفيه الحثُّ على غض البصر وتحصين الفرج بكلِّ ممكن، وعدم التكليف بغير المستطاع. وأخرج ابن أبي شيبة وغيره

стр. 278

من حديث طاوس، قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد: إنما يمنعك عن التزويج عجز أو فجور. فائدة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ((إذا أفاد أحدكم امرأة أو خادمًا أو دابة فليأخذ بناصيتها وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه)) ؛ رواه ابن ماجه، والله الموفق. * * * الحديث الثاني عن أنس بن مالك ﵁: "أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، فبلغ النبي ﷺ ذلك فحمد الله وأثنى عليه وقال: ((ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمَن رغب عن سنتي فليس مِنِّي)) . قوله: "سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر" وفي رواية: "فلمَّا أُخبِروا بها كأنهم تقالُّوها وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فقال بعضهم ... إلى آخره، وفيه: فقال النبي ﷺ : ((أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له)) . قوله: ((فمَن رغب عن سنتي فليس مِنِّي)) ؛ أي: مَن ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مِنِّي؛ وطريقة النبي ﷺ هي الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوَّى على الصوم، وينام ليتقوَّى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل، وفي

стр. 279

الحديث دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه، وفيه تقديم الحمد والثناء على الله عند إلقاء مسائل العمل، وبيان الأحكام للمكلفين، وإزالة الشبهة عن المجتهدين، وأن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة والاستحباب، وفيه النهي عن التعمُّق في الدين والتشبُّه بالمبتدعين؛ قال الله : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] ، وبالله التوفيق. * * * الحديث الثالث عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "ردَّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتُّل ولو أَذِن له لاختصينا". المراد بالتبتل هنا: الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذِّ إلى العبادة، وأمَّا التبتُّل المأمور به في قوله - تعالى -: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] فالمراد به الإكثار من ذكره - تعالى - والانقطاع إليه، وإخلاص العبادة له والرغبة إليه، كما قال - تعالى -: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧- ٨] ؛ أي: إذا فرغت من أشغالك فانصب في طاعته وعبادته لتكون فارغ البال. قوله: "ولو أَذِن له لاختصينا"؛ أي: لو أَذِن له بالتبتل وترك النكاح لاختصينا، وكان ذلك قبل تحريم الخصاء، قال القرطبي: الخصاء في غير بني آدم ممنوعٌ في الحيوان إلا لمنفعة حاصلة في ذلك كتطييب اللحم أو قطع ضرر عنه، قال الحافظ: والنهي عن الخصاء نهي تحريم في بني آدم بلا خلاف. * * * الحديث الرابع عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: ((أوتحبين ذلك؟)) ، فقلت:

стр. 280

نعم، لست لك بمخلية، وأحبُّ مََن شاركني في خير أختي، فقال النبي ﷺ : ((إن ذلك لا يحلُّ لي)) ، قالت: فإنا نحدِّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: ((بنت أم سلمة؟)) ، قلت: نعم، فقال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة مولاة لأبي لهب فلا تعرِضَنَّ عليَّ بناتكن ولا أخواتكن)) . قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ فلمَّا مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرِّحِيبة، قال: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألقَ بعدكم خيرًا غير أني سقيت من هذه بعتاقتي ثويبة. (الحِيبة) بكسر الحاء. تحريم الربيبة منصوصٌ عليه في القرآن مع المحرَّمات في النكاح وكذلك الجمع بين الأختين. قوله: ((أوَتحبين ذلك؟)) هو استفهام تعجب من كونها تطلب أن يزوج غيرها مع ما طُبِع عليه النساء من الغيرة. قوله: ((لست لك بمخلية)) ؛ أي: بمنفردة بك ولا خالية من ضرَّة. قوله: ((وأحبُّ مَن شاركني في خيرٍ أختي)) وفي رواية: ((وأحبُّ مَن شركني فيك أختي)) . قوله: "فإنا نحدِّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة" اسمها (درة) ، واسم أخت أم حبيبة (عزة) . قوله: ((بنت أم سلمة؟)) هو استفهام إثبات لرفع الإشكال أو استفهام إنكار، والمعنى: أنها إن كانت بنت أبي سلمة من أم سلمة فيكون تحريمها من وجهين، وإن كانت من غيرها فمن وجه واحد. قوله: ((إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي)) ؛ أي: لو كان بها مانع واحد لكفى في التحريم فكيف وبها مانعان. قوله: ((في حجري)) خرج مخرج الغالب ولا مفهوم له

стр. 281

عند الجمهور، و (الربيبة) : بنت زوجة الرجل، مشتقَّة من الرب وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمرها غالبًا. قوله: ((فلا تعرِضَنَّ عليَّ بناتَكن ولا أخواتكن)) قال القرطبي: جاء بلفظ الجمع وإن كانت القصة لاثنتين وهما: أم حبيبة وأم سلمة؛ ردعًا وزجرًا أن تعود واحدة منهما أو غيرهما إلى مثل ذلك. قوله: ((وثويبة مولاة لأبي لهب)) قال أبو نعيم: لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غير ابن منده، والذي في السِّيَر أن النبي ﷺ كان يكرمها وكانت تدخل عليه بعدما تزوَّج خديجة، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت ومات ابنها مسروح. قوله: "فلمَّا مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرِّحِيبه"؛ أي: سوء حال، وذكر السهيلي أن العباس قال: لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شرِّ حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفَّف عنِّي في كل يوم اثنين، وذلك أن النبي ﷺ وُلِد يوم الاثنين، وكانت ثويبة بشَّرت أبا لهب بمولده فأعتقها. قوله: "غير أني سقيت من هذه بعتاقتي ثويبة" في رواية: "وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه" وفي أخرى: "وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها" وفي ذلك حقارة ما سقي من الماء. * * * الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجمع الرجل بين المرأة وعمَّتها، ولا بين المرأة وخالتها)) . قوله: ((لا يجمعُ)) بالرفع على الخبر عن المشروعية، وهو يتضمَّن النهي، فإنْ جمع بينهما بعقد بطل نكاحهما معًا، وإن كان مرتَّبًا بطل الثاني، وقال الترمذي بعدما أخرج الحديث: العمل على هذا عند عامَّة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحلُّ للرجل أن يجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها، ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، اهـ. وخصَّ العلماء بهذا الحديث عموم قوله - تعالى -: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ

стр. 282

مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وهو دليلٌ على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد، والحكمة في النهي عن الجمع بينهما ما يقع بسبب المضارَّة من التباغض والتنافر فيفضي ذلك إلى قطيعة الرحم، والله أعلم. * * * الحديث السادس عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحقَّ الشروط أن توفُّوا به ما استحللتم به الفروج)) . أي: أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح؛ لأن أمره أحوط وبابه أضيق، قال الخطابي: الشروط في النكاح مختلفة: فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقًا؛ وهو ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا يُوفى به اتفاقًا؛ كسؤال طلاق أختها، ومنها ما اختُلِف فيه؛ كاشتراط أن لا يتزوج أو لا يتسرَّى أو لا ينقلها من منزلها، اهـ. قال الموفق: وإن شرط لها طلاق ضرَّتها، فقال أبو الخطاب: هو صحيح، ويحتمل أنه باطل؛ لقول رسول الله ﷺ : ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها)) ، اهـ. وعن عبد الرحمن بن غنم قال: "كنت مع عمر حيث تمسُّ ركبتي ركبته، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، تزوجت هذه وشرطت لها دارها، وإني أجمع لأمري أو لشأني أن أنتقل إلى أرض كذا وكذا، فقال له: اشرطها، فقال الرجل: هلك الرجال إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت، فقال عمر: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم"؛ أخرجه سعيد بن منصور. والحديث دليلٌ على لزوم الوفاء بالشروط وإن لم تكن من مقتضى العقد، قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة، منهم عمر قال: "إذا تزوج الرجل المرأة وشرط أن لا يخرجها لزم"، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. * * *

стр. 283

الحديث السابع عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار"؛ والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. قوله: "والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق" في حديث جابر مرفوعًا: "نهى عن الشغار، والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق، بضع هذه صداق هذه، وبضع هذه صداق هذه"؛ رواه البيهقي. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته، فالجمهور على البطلان، وفي رواية عن مالك: "يفسخ قبل الدخول لا بعده" وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المثل، اهـ. وقال النووي: أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عن عليّ بن أبي طالب ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية". نكاح المتعة: هو تزوج المرأة إلى أجل، وقد أُبِيح ذلك ثم نُسِخ. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث)) ؛ أخرجه ابن حبان في "صحيحه". وعن سبرة الجهني قال:

стр. 284

رأيت رسول الله ﷺ قائمًا بين الركن والباب وهو يقول: ((يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة)) ؛ رواه مسلم. وعن سلمة بن الأكوع قال: "رخص لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها"؛ رواه أحمد ومسلم. قال النووي: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعَا مرتين، فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها، ثم أُبِيحت عام الفتح وهو عام أوطاس، ثم حرمت تحريمًا مؤبدًا. وقال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة في نكاح المتعة، ولا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقولٍ يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال عياض: وأمَّا ابن عباس فرُوِي عنه أنه أباحها، ورُوِي عنه أنه رجع عن ذلك، اهـ. وعن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان؛ وقال فيها الشعراء - يعني: في المتعة - فقال: والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة لا تحلُّ إلا للمضطر"؛ أخرجه الخطابي والفاكهي. وعن جعفر بن محمد: "أنه سُئِل عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه"؛ نقله البيهقي. ومتى وقع نكاح المتعة بطل سواء كان قبل الدخول أو بعده، قال عياض: وأجمعوا على أن شرط البطلان التصريح بالشرط، فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدَّة صحَّ نكاحه إلا الأوزاعي فأبطله، واختلفوا هل يحد بنكاح المتعة أو يعزر على قولين. قوله: "وعن لحوم الحمر الأهلية" ظاهر النهي التحريم والتقييد بالأهلية يُخرِج الحمر الوحشية، ولا خلاف في إباحتها، والله أعلم. * * * الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تنكح الأيم حتى تُستَأمر، ولا تنكح البكر حتى تُستَأذن)) ، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: ((أن تسكت)) .

стр. 285

قوله: ((لا تنكح)) بكسر الحاء للنهي وبرفعها للخبر، وهو أبلغ في المنع، والأيِّم هي الثيِّب التي فارَقَت زوجها بموت أو طلاق، والاستئمار طلب الأمر. وفي روايةٍ عند ابن المنذر: ((الثيب تشاور)) ؛ والمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، والاستئذان طلب الإذن من البكر. وعن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، البكر تستحي، قال: ((رضاها صمتها)) ، ولمسلم من حديث ابن عباس: ((والبكر يستأذنها أبوها في نفسها)) . والحديث دليلٌ على أنه لا يجوز للأب ولا غيره من الأولياء تزويج الثيب والبكر إلا برضاهما، ويجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة التي لا تعرف الإذن لحديث عائشة: أن النبي ﷺ تزوَّجها وهي بنت ست سنين، وأُدخِلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعًا؛ رواه البخاري. قال في "الاختيارات": والجد كالأب في الإجبار وهو رواية عن الإمام أحمد، وليس للأب إجبار بنت التسع بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو رواية عن أحمد اختارها أبو بكر، ورضا الثيب الكلام، والبكر الصمات، اهـ، والله أعلم. * * * الحديث العاشر عن عائشة ﵂ قالت: "جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلَّقني فبَتَّ طلاقي، فتزوَّجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيلَته ويذوق عُسَيلَتك)) ، قالت: وأبو بكر عنده وخالد بن سعيد بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: يا أبا بكر، ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند رسول الله ﷺ .
следующие страницы →