← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8197

خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام

فيصل آل مبارك

Полный текст (406 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عند الجمهور، و (الربيبة) : بنت زوجة الرجل، مشتقَّة من الرب وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمرها غالبًا. قوله: ((فلا تعرِضَنَّ عليَّ بناتَكن ولا أخواتكن)) قال القرطبي: جاء بلفظ الجمع وإن كانت القصة لاثنتين وهما: أم حبيبة وأم سلمة؛ ردعًا وزجرًا أن تعود واحدة منهما أو غيرهما إلى مثل ذلك. قوله: ((وثويبة مولاة لأبي لهب)) قال أبو نعيم: لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غير ابن منده، والذي في السِّيَر أن النبي ﷺ كان يكرمها وكانت تدخل عليه بعدما تزوَّج خديجة، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت ومات ابنها مسروح. قوله: "فلمَّا مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرِّحِيبه"؛ أي: سوء حال، وذكر السهيلي أن العباس قال: لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شرِّ حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفَّف عنِّي في كل يوم اثنين، وذلك أن النبي ﷺ وُلِد يوم الاثنين، وكانت ثويبة بشَّرت أبا لهب بمولده فأعتقها. قوله: "غير أني سقيت من هذه بعتاقتي ثويبة" في رواية: "وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه" وفي أخرى: "وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها" وفي ذلك حقارة ما سقي من الماء. * * * الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجمع الرجل بين المرأة وعمَّتها، ولا بين المرأة وخالتها)) . قوله: ((لا يجمعُ)) بالرفع على الخبر عن المشروعية، وهو يتضمَّن النهي، فإنْ جمع بينهما بعقد بطل نكاحهما معًا، وإن كان مرتَّبًا بطل الثاني، وقال الترمذي بعدما أخرج الحديث: العمل على هذا عند عامَّة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحلُّ للرجل أن يجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها، ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، اهـ. وخصَّ العلماء بهذا الحديث عموم قوله - تعالى -: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ

стр. 282

مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وهو دليلٌ على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد، والحكمة في النهي عن الجمع بينهما ما يقع بسبب المضارَّة من التباغض والتنافر فيفضي ذلك إلى قطيعة الرحم، والله أعلم. * * * الحديث السادس عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحقَّ الشروط أن توفُّوا به ما استحللتم به الفروج)) . أي: أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح؛ لأن أمره أحوط وبابه أضيق، قال الخطابي: الشروط في النكاح مختلفة: فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقًا؛ وهو ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا يُوفى به اتفاقًا؛ كسؤال طلاق أختها، ومنها ما اختُلِف فيه؛ كاشتراط أن لا يتزوج أو لا يتسرَّى أو لا ينقلها من منزلها، اهـ. قال الموفق: وإن شرط لها طلاق ضرَّتها، فقال أبو الخطاب: هو صحيح، ويحتمل أنه باطل؛ لقول رسول الله ﷺ : ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها)) ، اهـ. وعن عبد الرحمن بن غنم قال: "كنت مع عمر حيث تمسُّ ركبتي ركبته، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، تزوجت هذه وشرطت لها دارها، وإني أجمع لأمري أو لشأني أن أنتقل إلى أرض كذا وكذا، فقال له: اشرطها، فقال الرجل: هلك الرجال إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت، فقال عمر: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم"؛ أخرجه سعيد بن منصور. والحديث دليلٌ على لزوم الوفاء بالشروط وإن لم تكن من مقتضى العقد، قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة، منهم عمر قال: "إذا تزوج الرجل المرأة وشرط أن لا يخرجها لزم"، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. * * *

стр. 283

الحديث السابع عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار"؛ والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. قوله: "والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق" في حديث جابر مرفوعًا: "نهى عن الشغار، والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق، بضع هذه صداق هذه، وبضع هذه صداق هذه"؛ رواه البيهقي. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته، فالجمهور على البطلان، وفي رواية عن مالك: "يفسخ قبل الدخول لا بعده" وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المثل، اهـ. وقال النووي: أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عن عليّ بن أبي طالب ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية". نكاح المتعة: هو تزوج المرأة إلى أجل، وقد أُبِيح ذلك ثم نُسِخ. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث)) ؛ أخرجه ابن حبان في "صحيحه". وعن سبرة الجهني قال:

стр. 284

رأيت رسول الله ﷺ قائمًا بين الركن والباب وهو يقول: ((يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة)) ؛ رواه مسلم. وعن سلمة بن الأكوع قال: "رخص لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها"؛ رواه أحمد ومسلم. قال النووي: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعَا مرتين، فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها، ثم أُبِيحت عام الفتح وهو عام أوطاس، ثم حرمت تحريمًا مؤبدًا. وقال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة في نكاح المتعة، ولا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقولٍ يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال عياض: وأمَّا ابن عباس فرُوِي عنه أنه أباحها، ورُوِي عنه أنه رجع عن ذلك، اهـ. وعن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان؛ وقال فيها الشعراء - يعني: في المتعة - فقال: والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة لا تحلُّ إلا للمضطر"؛ أخرجه الخطابي والفاكهي. وعن جعفر بن محمد: "أنه سُئِل عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه"؛ نقله البيهقي. ومتى وقع نكاح المتعة بطل سواء كان قبل الدخول أو بعده، قال عياض: وأجمعوا على أن شرط البطلان التصريح بالشرط، فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدَّة صحَّ نكاحه إلا الأوزاعي فأبطله، واختلفوا هل يحد بنكاح المتعة أو يعزر على قولين. قوله: "وعن لحوم الحمر الأهلية" ظاهر النهي التحريم والتقييد بالأهلية يُخرِج الحمر الوحشية، ولا خلاف في إباحتها، والله أعلم. * * * الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تنكح الأيم حتى تُستَأمر، ولا تنكح البكر حتى تُستَأذن)) ، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: ((أن تسكت)) .

стр. 285

قوله: ((لا تنكح)) بكسر الحاء للنهي وبرفعها للخبر، وهو أبلغ في المنع، والأيِّم هي الثيِّب التي فارَقَت زوجها بموت أو طلاق، والاستئمار طلب الأمر. وفي روايةٍ عند ابن المنذر: ((الثيب تشاور)) ؛ والمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، والاستئذان طلب الإذن من البكر. وعن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، البكر تستحي، قال: ((رضاها صمتها)) ، ولمسلم من حديث ابن عباس: ((والبكر يستأذنها أبوها في نفسها)) . والحديث دليلٌ على أنه لا يجوز للأب ولا غيره من الأولياء تزويج الثيب والبكر إلا برضاهما، ويجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة التي لا تعرف الإذن لحديث عائشة: أن النبي ﷺ تزوَّجها وهي بنت ست سنين، وأُدخِلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعًا؛ رواه البخاري. قال في "الاختيارات": والجد كالأب في الإجبار وهو رواية عن الإمام أحمد، وليس للأب إجبار بنت التسع بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو رواية عن أحمد اختارها أبو بكر، ورضا الثيب الكلام، والبكر الصمات، اهـ، والله أعلم. * * * الحديث العاشر عن عائشة ﵂ قالت: "جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلَّقني فبَتَّ طلاقي، فتزوَّجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيلَته ويذوق عُسَيلَتك)) ، قالت: وأبو بكر عنده وخالد بن سعيد بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: يا أبا بكر، ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند رسول الله ﷺ .

стр. 286

قولها: ((فطلَّقني فبَتَّ طلاقي)) في رواية: أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات. قولها: "وإنما معه مثل هدبة الثوب"؛ تعني: في الاسترخاء أو عدم الانتشار، وفي رواية: "فلم يقربني إلا هنة واحدة ولم يصل مِنِّي إلى شيء"، وفي رواية: "فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز تريد رفاعة، قال: ((فإن كان ذلك لم تحلَّ له ... )) الحديث. قوله: ((لا، حتى تذوقي عُسَيلَته ويذوق عُسَيْلَتك)) العُسَيْلَة: حلاوة الجماع، ويكفي من ذلك ما يوجب الحد ويفسد الحج، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلَّ للأول إلا سعيد بن المسيب، اهـ. قال عياض: اتَّفق كافَّة العلماء على أن للمرأة حقًّا في الجماع، فيثبت الخيار لها إذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعنين أجل سنة لاحتمال زوال ما به، وفي الحديث ما كان الصحابة عليه من سلوك الأدب بحضرة النبي ﷺ وإنكارهم على مَن خالف ذلك بفعله أو قوله. * * * الحديث الحادي عشر عن أنس بن مالك ﵁ قال: "من السنَّة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم"، قال أبو قلابة: "ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ ". قوله: "من السنَّة"؛ أي: سنَّة رسول الله ﷺ قوله: "ولو شئت لقلت إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ "؛ أي: لأنه في حكم المرفوع. وعن أم سلمة: أن النبي ﷺ لما تزوَّجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: ((إنه ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي)) ؛ رواه مسلم، وفي روايةٍ له: ((إن شئت ثلَّثت ثم درت)) . * * *

стр. 287

الحديث الثاني عشر عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا، فإن قُدِّر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا)) . قوله: ((لم يضره الشيطان أبدًا)) ؛ أي: لم يسلط عليه لأجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] ، قال مجاهد: إن الذي يجامع ولا يسمى يلتفُّ الشيطان على إحليله فيُجامِع معه، قيل للبخاري: مَن لا يحسنها بالعربية يقولها بالفارسية؟ قال: نعم. وفي الحديث استحباب التسمية والدعاء والمحافظة على ذلك في كل حال حتى في حالة الملاذِّ، وفيه الاعتصام بذكر الله ودعائه من الشيطان، والتبرُّك باسمه والاستعاذة به من جميع الأسواء، وفيه إشارة إلى أن الشيطان ملازم لابن آدم لا ينطرد عنه إلا إذا ذكر الله. * * * الحديث الثالث عشر عن عقبة بن عامر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((إياكم والدخول على النساء)) ، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو الموت)) ، ولمسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب قال: "سمعت الليث يقول: (الحمو) أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه.

стр. 288

قوله: ((إياكم والدخول على النساء)) روى الترمذي عن جابر مرفوعًا: ((لا تدخلوا على المغيبات؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) . ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((لا يدخل رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)) ، وفي الحديث الآخر: ((لا يخلوَنَّ رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما)) ، وفي الحديث الآخر: ((لا يخلوَنَّ رجلٌ مع امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم)) . قوله: فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو الموت)) ، قال النووي: المراد به في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها ولا يُوصَفون بالموت، وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابن العم وابن الأخت، ونحوهم ممَّن يحلُّ لها تزويجه لو لم تكن متزوِّجة، وجرت العادة بالتساهل فيه فيخلو الأخ بامرأة أخيه فشبه بالموت وهو أَوْلَى بالمنع من الأجنبي، فإن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره، والشر يتوقَّع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكن لتمكُّنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكير عليها بخلاف الأجنبي، والله أعلم. * * * باب الصداق الحديث الأول عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها". الأصل في مشروعية الصداق الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] الآية، وقال - تعالى -: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] ، وكلُّ ما كان مالاً جاز أن يكون صداقًا قليلاً كان أو كثيرًا.

стр. 289

قوله: "أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" فيه دليلٌ على أن الرجل إذا أعتق أمَتَه على أن يجعل عتقها صداقها أنه يصحُّ العقد والعتق والمهر، قال الترمذي بعد إخراج الحديث: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهرًا سوى العتق، والقول الأول الأصح. * * * الحديث الثاني عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: "أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله، زوِّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؟ فقال: ((هل عندك من شيء تصدقها؟)) ، فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : ((إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئًا)) ، قال: ما أجد، قال: ((فالتمس ولو خاتمًا من حديدٍ)) ، فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : ((هل معك شيء من القرآن)) ، قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : ((زوجتكما بما معك من القرآن)) . هذه الواهبة غير الواهبة المذكورة في قوله - تعالى -: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] . وفي الحديث جواز التزويج بالقرآن لِمَن لم يكن عنده مال، وفيه أنه لا حدَّ لأقلِّ المهر، وفيه أن الإمام يزوج مَن ليس لها وليٌّ خاص إذا رضيت بذلك، وفيه

стр. 290

جواز تأمُّل محاسن المرأة لإرادة تزويجها وإن لم تتقدَّم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها. وعن محمد بن مسلمة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها)) ؛ رواه أحمد وابن ماجه. وفيه أن النكاح لا بُدَّ فيه من الصداق، وفيه استحباب ذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير ذكر صداق صحَّ ووجب لها مهر المثل بالدخول، وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر، وفيه جواز النكاح بالخاتم الحديد وما هو نظير قيمته، ونقل عياض الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتموَّل ولا له قيمة لا يكون صداقًا ولا يحلُّ به النكاح، وفيه جواز كون الإجارة صداقًا، وقد نقل عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافَّة إلا الحنفية، وفيه دليل على أن مَن قال: زوجني فلانة، فقال: زوجتها بكذا، كفى ذلك، ولا يحتاج إلى قول الزوج: قبلت، إذا ظهر منه قرينة القبول، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكلِّ لفظ يدل عليه، وهو قول الحنفية والمالكية وإحدى الروايتين عن أحمد، وأصوله تشهد بأن العقود تنعقد بما يدلُّ على مقصودها من قول أو فعل. وفيه أن طالب الحاجة ينبغي عليه ألاَّ يلحَّ في طلبها، بل يطلبها برفق وتأنٍّ ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين من مستفتٍ وسائل وباحث عن علم، وفيه نظر الإمام على مصالح رعيَّته وإرشاده إلى ما يصلحهم، وفيه المراوضة في الصداق وخطبة المرء لنفسه، وفيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وفيه فوائد أُخَر، والله الموفق. * * * الحديث الثالث عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع زعفران، فقال النبي

стр. 291

- ﷺ : مَهْيَم؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة، فقال: ((ما أصدقتها؟)) ، قال: وزن نواة من ذهب، قال: ((بارك الله لك، أَوْلِم ولو بشاة)) . قوله ﷺ : ((مهيم)) ؛ أي: ما شأنك - أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهام مبنية على السكون، وفي رواية للطبراني: فقال له: ((مهيم)) وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشيء. قوله: "وزن نواة من ذهب" المراد واحدة نوى التمر، وللطبراني، قال أنس: "جاء وزنها ربع دينار"، وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عمَّا قيمته خمسة دراهم من الورق. قال الشافعي: النواة ربع النشِّ، والنشُّ نصف أوقية، والأوقية أربعون درهمًا. قوله: ((بارك الله لك أولم ولو شاة)) (لو) للتقليل، وفيه دليل على توكيد أمر الوليمة، قال عياض: وأجمعوا على أن لا حدَّ لأكثرها، وأمَّا أقلها فكذلك، والمستحبُّ أنها على قدر حال الزوج، وفيه استحباب الدعاء للمتزوِّج، وسؤال الإمام والكبير أصحابه وأتباعه عن أحوالهم، وجواز خروج العروس وعليه أثر العرس من خلوق وغيره. وفيه جواز التزعفر للعروس وخصَّ به عموم النهي عن التزعفر للرجال، والله أعلم. * * *

стр. 292

كتاب الطلاق الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فتغيَّظ منه رسول الله ﷺ ثم قال: ((ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسَّها، فتلك العدة كما أمر الله ) ، وفي لفظ: ((حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلَّقها فيها)) ، وفي لفظ: "فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله كما أمر رسول الله ﷺ ". (الطلاق) : حل قيد النكاح، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] ، وقال - تعالى -: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . قالت عائشة ﵂: "لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدَّة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال: والله لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله فيه: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، فوقَّت الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره"؛ أخرجه ابن مردويه. قال البخاري: "وطلاق السنة أن يطلقها

стр. 293

طاهرًا من غير جماع، ويشهد شاهدين". قوله: "طلق امرأته وهي حائض"، ولمسلم: "تطليقة واحدة فتغيَّظ منه رسول الله ﷺ "، قال ابن عباس: "الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام: فأمَّا اللذان هما حلال أن يطلق الرجل امرأته طاهرًا من غير جماع، أو يطلقها حاملاً مستبينًا حملها، وأمَّا اللذان هما حرام: فأن يطلقها حائضًا، أو يطلقها عند الجماع لا يدري أشتمل الرحم على ولد أم لا"؛ رواه الدارقطني. قوله: ((ليراجعها)) فيه دليلٌ على وجوب المراجعة لِمَن طلَّق في الحيض لأنه حرام، وفي رواية: ((مُرْهُ فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا - أو حاملاً)) . قوله: ((ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر)) ، في رواية: ((مُرْهُ أن يراجعها، فإذا طهرت مسَّها حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها)) ، والحكمة في ذلك أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق. قوله: ((فتلك العدة كما أمر الله ) ؛ أي: في قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . قوله: "فحسبت من طلاقها"، في لفظ: "حسبت عليَّ بتطليقة"، وفي رواية: عن ابن عمر عن النبي ﷺ - قال: ((هي واحدة)) ؛ رواه الدارقطني. وفي الحديث من الفوائد أن الرجعة يستقلُّ بها الزوج دون الولي ورضا المرأة كما قال - تعالى -: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وفيه تحريم الطلاق في الحيض أو في طهر جامَعَها فيه، وفيه أن الطلاق يقع بالحائض ويُحسَب عليه بتطليقة واحدة، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن فاطمة بنت قيس ﵂: "أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة وهو غائب"، وفي رواية: "طلقها ثلاثًا، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ((ليس لك عليه نفقة)) .

стр. 294

وفي لفظ: ((ولا سكنى)) ، فأمرها أن تعتدَّ في بيت أم شريك، ثم قال: ((تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدِّي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني)) ، قالت: فلمَّا حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : ((أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمَّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد)) ، فكرهته، ثم قال: ((انكحي أسامة بن زيد)) ، فنكحته فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت به. قوله: "طلقها ألبتة وهو غائب"؛ وفي رواية: "طلقها ثلاثًا"، في روايةٍ لمسلم: "أن زوجها خرج مع عليٍّ ﵁ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فبعث إليها بتطليقة ثالثة بقيت لها". قوله: ((ليس لك عليه نفقة)) فيه دليل لقول الجمهور: أن المطلقة البائن لا نفقة لها. قوله: "وفي لفظ ولا سكنى" فيه دليل لمذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور: أنه لا نفقة لها ولا سكنى أيضًا. قوله: ((تلك امرأة يغشاها أصحابي)) ؛ أي: يزورونها لصلاحها. قوله: ((أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه)) ، في رواية: ((أنه ضرَّاب للنساء)) . وفي الحديث دليلٌ على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة، وأنه لا يكون من الغيبة المحرمة، وفيه استعمال المبالغة وجواز نكاح القرشية للمولى، والله أعلم. * * *

стр. 295

باب العدة الحديث الأول عن سُبَيعة الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممَّن شهد بدرًا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته، فلمَّا تعلت من نفاسها تجمَّلت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَكٍ - رجل من بني عبد الدار - فقال لها: ما لي أراك متجمِّلة؟ لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكحٍ حتى تمرَّ عليك أربعة أشهرٍ وعشر، قالت سُبَيعة: فلمَّا قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي، قال ابن شهاب: ولا أرى بأسًا أن تتزوَّج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر. الأصل في وجوب العدَّة الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وقال - تعالى -: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، وقال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، والعدة اسم لمدَّة التربص، والمقصود الأصلي منها

стр. 296

براءة الرحم، والحديث دليل على أن الحامل تنقضي عدَّتها بوضع الحمل أي وقت كان. قوله: "فلمَّا تعلت من نفاسها"؛ أي: طهرت. وفي الحديث من الفوائد أنه ينبغي لِمَن ارتاب في فتوى المفتي أن يبحث عن النص في تلك المسألة، وفيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم، وفيه جواز تجمُّل المرأة بعد انقضاء عدَّتها لِمَن يخطبها، وفيه غير ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن زينب بنت أم سلمة ﵂ قالت: "توفي حميم لأم حبيبة فدعت بصفرة فمسحت بذراعيها، فقالت: إنما صنعت هذا لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميتٍ فوق ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا)) ، (الحميم) القرابة. قال ابن بطال: الإحداد امتناع المرأة المتوفى عنها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع، وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام؛ لما يغلب من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، انتهى. وقال البخاري، قال الزهري: لا أرى أن تقرب الصبية الطيب؛ لأن عليها العدة. وفي الحديث دليل على تحريم الإحداد على غير الزوج، ووجوب الإحداد في المدَّة المذكورة على الزوج، وفيه أنه لا إحداد على امرأة المفقود لقوله ((على ميت)) ، وأمَّا المطلقة الرجعية فلا إحداد عليها بالإجماع، وقال الجمهور: لا إحداد على البائن أيضًا، وفيه أن الإحداد على كل زوج سواء كان الموت قبل الدخول أو بعده، لقوله: ((إلا على زوج)) ، ولقوله - تعالى -: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] .

стр. 297

قوله: ((أربعة أشهر وعشرًا)) قيل: الحكمة فيه أن الولد يتكامل تخليقه وتُنفَخ فيه الروح بعد مائة وعشرين، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلَّة، فجبر الكسر إلى عقد العشرة على طريق الاحتياط، وتجب عدَّة الوفاة في المنزل لقول النبي ﷺ لفُرَيعَة بنت مالك: ((امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله)) ؛ رواه الخمسة، ويجوز خروجها للعذر. وعن ابن مسعود: في نساء نعي إليهن أزواجهن ويشتكين الوحشة، فقال: "يجتمعن بالنهار، ثم ترجع كلُّ امرأة منهن إلى بيتها بالليل"؛ أخرجه عبد الرزاق، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن أمِّ عطية ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تُحِدُّ امرأة على ميتٍ فوق ثلاثٍ، إلا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصبٍ، ولا تكتحل ولا تمسُّ طيبًا ولا شيئًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار)) . (العصب) : ثياب من اليمن فيها بياض وسواد. * * * الحديث الرابع عن أم سلمة ﵂ قالت: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : ((لا)) ، مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: ((لا)) ، ثم قال: ((إنما هي أربعة

стр. 298

أشهرٍ وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول، فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت خِفْشًا، ولبست شرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طيبًا ولا شيئًا حتى تمرَّ عليها سنة، ثم تؤتى بدابة حمارٍ أو طيرٍ أو شاةٍ فتفتضُّ به، فقلَّما تفتضُّ بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيبٍ أو غيره)) . قوله: ((إلا ثوب عصب)) قال الحافظ: هي برود اليمن يعصب غزلها؛ أي: يربط ثم يصبغ، ثم ينشج معصوبًا، ثم يخرج موشى لبقاء ما عصب به أبيض لم ينصبغ، وإنما يعصب السدي دون اللحمة. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادَّة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلاَّ ما صُبِغ بسواد، فرخَّص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتَّخذ للزينة، بل هو من لباس الحزن. قوله: ((ولا تمسُّ طيبًا ولا شيئًا إلا إذا ظهرت نبذة من قسط أو أظفار)) قال النووي: القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، رخَّص فيه للمغتسِلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم. قولها: "إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ قال رسول الله ﷺ : ((لا)) " فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادَّة، وفي الموطأ وغيره من حديث أم سلمة: ((اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار)) ، وعنها قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرًا، فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، فقال: ((إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وانزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب)) ، قالت: قلت: بأيِّ شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: ((بالدر تغلغلين به رأسك)) ؛ رواه أبو داود والنسائي. قال الحافظ: ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج

стр. 299

إلى الكحل لا يحلُّ، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل، مع أن الأَوْلَى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار. قوله: ((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول)) فيه إشارة إلى تقليل المدَّة بالنسبة إلى ما كان قبل ذلك، وفي رواية: فقال: ((لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها - أو: شر بيتها - فإذا كان حولٌ فمرَّ كلب رمت ببعرة، فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر)) . قوله: ((دخلت حفشًا)) هو البيت الصغير الشعث البناء. قوله: ((بدابة حمار أو طير أو شاة فتفتضُّ به)) قال مالك: تمسح به جلدها، وقال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدَّة كانت لا تمسُّ ماء ولا تقلِّم ظفرًا ولا تزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضُّ؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح به قُبُلَها وتنبذه، فلا يكاد يعيش بعدما تفتضُّ به. قوله: ((ثم تخرج فتعطي بعرة فترمي بها)) ، وفي رواية: ((من بعر الغنم أو الإبل فترمي به أمامها فيكون ذلك إحلالاً لها)) ، وقيل: ترمي من عرض من كلب أو غيره تُرِي مَن حضرها أن مُقامَها حولاً أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا؛ والمراد: الإشارة إلى أنها رمت العدَّة رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربُّص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارًا له وتعظيمًا لحق زوجها، والله أعلم. * * * باب اللعان الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن فلان بن فلانٍ قال: يا رسول الله، أرأيت لو وجد أحدُنا امرأتَه على فاحشةٍ كيف يصنع؟ إن تكلَّم تكلَّم بأمرٍ عظيمٍ، وإن سكت سكت على مثل ذلك،

стр. 300

قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلمَّا كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ [النور: ٦] ، فتلاهن عليه ووعظه، وأخبره أن عذاب الدنيا أَهْوَن من عذاب الآخرة، فقال: لا، والذي بعثك بالحق نبيًّا ما كذبت عليها، ثم دعاها ووعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أَهْوَن من عذاب الآخرة، فقالت: لا، والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم ثنَّى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليه إن كان من الصادقين، ثم فرَّق بينهما، ثم قال: ((الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب)) ثلاثًا، وفي لفظ: ((لا سبيل لك عليها)) ، قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: ((لا مال لك إن كنت صدتَ عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنتَ كذبتَ عليها فهو أبعد لك منها)) . * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رجلاً رمى امرأته وانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ فأمرهما

стр. 301

رسول الله ﷺ فتلاعنا كما قال الله - تعالى - ثم قضى بالولد للمرأة وفرَّق بين المتلاعنين)) . الأصل في اللعان قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦- ٩] . واللعان والملاعنة والالتعان: بمعنًى، وهو مأخوذ من اللعن، وخصَّت المراة بالغضب لعظم ذنبها إن كانت كاذبة؛ لما فيه من تلويث الفراش والتعرُّض لإلحاق ما ليس من الزوج به، قال القفال في "محاسن الشريعة": كررت أيمان اللعان لأنها أُقِيمت مقام أربعة شهود في غيره ليقام عليها الحد، ومن ثَمَّ سُمِّيت شهادات، اهـ. وفي أحاديث اللعان من الفوائد: أن المفتي إذا سُئِل عن واقعة ولم يعلم حكمها ورجا أن يجد فيها نصًّا لا يبادر إلى الاجتهاد فيها، وفيه أن البلاء موكَّل بالمنطق، وأنه إن لم يقع بالناطق وقع بِمَن له به وصلة، وفيه أن الحاكم يردع الخصم عن التمادي على الباطل بالموعظة والتحذير ويكرِّر ذلك ليكون أبلغ، وفيه أن اللعان إذا وقع سقط حدُّ القذف عن الملاعن للمرأة والذي رميت به، وفيه أنه ليس على الإمام أن يعلم المقذوف بما وقع من قاذفه، وفيه أن الحامل تلاعن قبل الوضع لأن اللعان شرع لدفع حدِّ القذف عن الرجل ودفع حدِّ الرجم عن المرأة، فلا فرق بين أن تكون حاملاً أو حائلاً، وفيه أن الحكم يتعلَّق بالظاهر، وأمر السرائر موكلاً إلى الله - تعالى - وفيه غير ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجلٌ من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال

стр. 302

النبي ﷺ : ((هل لك إبل؟)) ، قال: نعم، قال: ((فما ألوانها؟)) ، قال: حُمْرٌ، قال: ((فهل يكون فيها من أَوْرَق؟)) ، قال: إن فيها لَوُرْقًا، قال: ((فأنَّى أتاها ذلك؟)) ، قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: ((وهذا عسى أن يكون نزعه عرق)) . قوله: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود"، في رواية لمسلم: "وهو يعرِّض بأن ينفيه" والتعريض هو ذكر شيء يُفهَم منه شيء آخر لم يُذكَر. قال المهلب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال لا حدَّ فيه، وإنما يجب الحدُّ في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة والمشاتمة. قوله: ((هل فيها من أَوْرَق)) هو الذي فيه سواد وليس بحالك بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء. قوله: ((فأنى أتاها ذلك؟)) ، قال: عسى أن يكون نزعه عرق؛ أي: يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور فاجتذبه فجاء على لونه. وفي الحديث ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريبًا لفهم السائل، وفيه أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرَّد الظن، وأن الولد يلحق به ولو خالف لونه لون والديه، وفيه الاحتياط للأنساب وإبقاؤها مع الإمكان والزجر عن تحقيق ظن السوء، وفيه تقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشبه. قال القرطبي: لا يحلُّ نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة كالأدمة والسمرة، ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقرَّ بالوطء ولم تمضِ مدَّة الاستبراء، اهـ، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عن عائشة ﵂ قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلامٍ، فقال سعد: يا رسول الله، هذا ابن أخي

стр. 303

عتبة بن أبي وقاص عهد إليَّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة، فلم يرَ سودة قطُّ)) . قال الحافظ: والذي يظهر من سياق القصة أنها كانت أمَة مُستَفْرَشة لزمعة، فاتَّفق أن عتبة زنى بها، وكانت طريقة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إن استلحقه لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإن ادَّعاه غيره كان مردُّ ذلك إلى السيد أو القافة. وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسند حسن إلى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "قام رجل فقال: يا رسول الله، إن فلانًا ابني عاهرت بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : ((لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر)) . قوله: ((الولد للفراش)) ؛ أي: سواء كانت المستفرشة حرَّة أو أمَة، ولا تصير الأمَة فراشًا إلا بالوطء، وأمَّا الزوجة فتكون فراشًا بمجرَّد العقد، بشرط الإمكان زمانًا ومكانًا. قال الموفق: مَن أتت امرأته بولد يمكن كونه منه؛ وهو أن تأتي به بعد ستة أشهر منذ أمكن اجتماعه بها، ولأقل من أربع سنين منذ أبانها، وهو ممَّن يُولَد لمثله - لَحِقَه نسبه. وقال ابن دقيق العيد: والحديث أصلٌ في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرَّم، وقال الشافعي: هو له ما لم ينفِه، فإذا نفاه بما شرع له كاللعان انتفى عنه. قوله: ((وللعاهر الحجر)) ؛ أي: للزاني الخيبة والحرمان، وجرت عادة العرب أن تقول لِمَن خاب: له الحجر، وبفيه الحجر والشراب، وأخرج الحاكم في حديث زيد بن أرقم: ((الولد للفراش وفي فم العاهر الحجر)) ، وقيل: المراد بالحجر أنه يُرجَم. قوله: ((واحتجبي منه يا سودة)) ؛ أي: ابنة زمعة، زوج النبي - صلى الله

стр. 304

عليه وسلم - أخت عبد بن زمعة، أمرها بالحجاب احتياطًا لما رأى الشبه بينًا بعتبة، ولأن الحجاب في حق أمهات المؤمنين أغلظ منه في غيرهن. وفي الحديث دليلٌ على أن القائف إنما يعتمد في الشبه إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه؛ لأن النبي ﷺ لم يتلفت هنا إلى الشبه بل حكم بالولد لصاحب الفراش، وكذا لم يُحكَم بالشبه في قصة الملاعنة؛ لأنه عارَضَه حكم أقوى منه وهو مشروعية اللعان، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: ((ألم تري أن مجزرًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد. فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض)) ، وفي لفظ: ((كان مجزر قائفًا)) . (القائف) : هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر والجمع القافة. قوله: "تبرق أسارير وجهه" (الأسارير) : الخطوط التي في الجبهة. قوله: ((ألم تري أن مجزرًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد)) ، وفي رواية: ((ألم تري أن مجزرًا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطَّيَا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)) ، (المدلجي) : نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبدمناف بن كنانة، وكانت العرب تعترف لهم بالقيافة، وليس ذلك خاصًّا بهم. قال أبو داود: نقل أحمد بن صالح عن أهل النسَب أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة؛ لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه أبيض من القطن، فلمَّا قال القائف ما قال مع اختلاف اللون سُرَّ النبي ﷺ -

стр. 305

بذلك لكونه كافلاً لهم، اهـ. وأم سلمة هي أم أيمن مولاة النبي ﷺ قال ابن شهاب: كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد النبي ﷺ . قال الحافظ: وفي الحديث جواز الشهادة على المنتقبة، والاكتفاء بمعرفتها من غير رؤية الوجه، وقبول شهادة مَن شهد أن يستشهد عند عدم التهمة، وسرور الحاكم لظهور الحق لأحد الخصمين عند السلامة من الهوى، وبالله التوفيق. * * * الحديث السادس عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "ذكر العزل لرسول الله ﷺ فقال: ((ولِمَ يفعل أحدُكم ذلك؟)) ، ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم، فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها. * * * الحديث السابع عن جابر ﵁ قال: "كنَّا نعزل والقرآن ينزل لو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن". (العزل) : النزع بعد الإيلاج ليُنزِل خارج الفرج. قوله: "ذكر العزل لرسول الله ﷺ "، في رواية: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب، وطالت علينا الغربة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا: نفعل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا لا نسأله، فسألناه". وفي روايةٍ لمسلم قال: "ذُكِر العزل لرسول الله ﷺ قال: ((وما ذلكم؟)) ، قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع له فيصيب منها ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له الأمَة فيصيب منها ويكره أن تحمل منه.

стр. 306

قوله: فقال: ((ولم يفعل أحدكم ذلك؟)) ، ولم يقل: "فلا يفعل ذلك أحدكم"، أشار إلى أنه لم يصرِّح لهم بالنهي، وإنما أشار إلى أن الأَوْلَى ترك ذلك؛ لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد فلا فائدة في ذلك؛ لأن الله إن كان قدَّر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء فلا يشعر العازل فيحصل العلوق ويلحقه الولد، ولا رادٌّ لما قضى الله، ولهذا قال: فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها. قوله: "كنَّا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن"، كأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نقرَّ عليه، ولمسلم عن جابر: "أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: ((اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها)) ، فلبث الرجل، ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت، قال: ((قد أخبرتك)) ، وفي رواية: فقال: ((أنا عبد الله ورسوله)) . قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرَّة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقِّها ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل، اهـ. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: "تُستَأذن الحرَّة في العزل ولا تُستَأمر الأمَة، فإن كانت أمَة تحت حر فعليه أن يستأمرها". * * * الحديث الثامن عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((ليس من رجلٌ أدعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومَن ادَّعى ما ليس له فليس منَّا، وليتبوَّأ مقعده من النار، ومَن دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه)) ، كذا عند مسلم، وللبخاري نحوه.

стр. 307

قوله: ((إلا كفر)) ؛ أي: فعل فعلاً شبيهًا بفعل أهل الكفر، وذلك حرام، وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر الذي يخلِّد صاحبه في النار، فهو كفر دون كفر. قال ابن بطال: ليس معنى هذا أن مَن اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه أن يدخل في الوعيد كالمقداد بن الأسود، وإنما المراد مَن تحوَّل عن نسبه لأبيه إلى غير أبيه عالمًا عامدًا مختارًا. قوله: ((ومَن ادَّعى ما ليس له فليس منَّا وليتبوَّأ مقعده من النار)) ؛ أي: ليتَّخذ منزلاً من النار، وهو خبر بلفظ الأمر. قوله: ((ومَن دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه)) ؛ أي: رجع. قال ابن دقيق العيد: وهذا وعيد عظيم لِمَن كفَّر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين ومن المنسوبين إلى السنة، وأهل الحديث لمَّا اختلفوا في العقائد فغلظوا على مخالفيهم وحكموا بكفرهم، والحقُّ أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها، فإنه حينئذ يكون مكذبًا للشرع، اهـ. قال الحافظ: وفي الحديث تحريم الانتفاء من النسب المعروف والادِّعاء إلى غيره، وقيد في الحديث بالعلم، ولا بُدَّ منه في الحالتين إثباتًا ونفيًا؛ لأن الإثم إنما يترتَّب على العالم بالشيء المتعمِّد له، وفيه جواز إطلاق الكفر على المعاصي لقصد الزجر، ويُؤخَذ من رواية مسلم تحريم الدعوى بشيءٍ ليس هو للمدَّعي فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها؛ مالاًً وعلمًا، وتعلمًا ونسبًا، وحالاً وصلاحًا، ونعمة وولاء، وغير ذلك، ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتِّبة على ذلك، اهـ، والله أعلم. * * *

стр. 308

كتاب الرضاع الحديث الأول عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة: ((لا تحلُّ لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة)) . الأصل في التحريم بالرضاع الكتاب السنة والإجماع؛ قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ... ﴾ [النساء: ٢٣] الآية. قوله: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) قال بعض الفقهاء: كلُّ ما يحرم من النسب يحرم من الرضاع إلا أربعًا، وقال بعضهم: إلا ستًّا، وقال بعضهم: إلا أم أخته وأخت ابنه، قال ابن كثير: والتحقيق أنه لا يُستَثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يَرِد على الحديث شيء أصلاً ألبتة، ولله الحمد، اهـ. والمقصود أن الأم تحرم بالرضاع كما تحرم بالنسب، وكذا الجدات وإن علون، والبنات وبنات الأولاد وإن سفلن، والأخوات من كل جهة، والعمَّات وعمَّات الوالدين وإن علوا، والخالات وخالات الوالدين وإن علوا، وبنات الأخ وبنات الأخت وبنات أولادهم وإن سفلن، وأم الزوجة وجداتها وإن علون من الرضاعة والنسب فحرمن بعقد النكاح، والربائب، وهن بنات المرأة من غيره وبنات أولادها وإن سفلن من الرضاع والنسب بعد الدخول، وزوجات أبنائه وأبناء

стр. 309

أولاده وإن سفلوا من الرضاع والنسب بنفس العقد، وحلائل الأب والأجداد وإن علوا من الرضاع والنسب، وكل امرأة تحرم بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين، فلو ملك أختين من نسب أو رضاع لم يجز له أن يجمع بينهما في الوطء، وكذلك بين المرأة وعمَّتها أو خالتها من نسب أو رضاع. * * * الحديث الثاني عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الرضاع يحرم ما يحرم من الولادة)) . وعنها قالت: "إنَّ أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليَّ بعدما أنزل الحجاب، قلت: والله لا آذَن له حتى استأذن النبي ﷺ فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ - فقلت: يا رسول الله، إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال: ((ائذني له فإنه عمُّك، تربت يمينك)) ، قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب". وفي لفظ: "استأذن عليَّ أفلح فلم آذَن له، فقال: أتحتجبين مِنِّي وأنا عمك، فقلت: كيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، قالت: فسألت رسول الله ﷺ فقال: ((صدق

стр. 310

أفلح، ائذني له، تربت يمينك)) ؛ أي: افتقرت، والعرب تدعو على الرجل ولا تريد وقوع الأمر به. وعنها ﵂ قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجل، فقال: ((يا عائشة، مَن هذا؟)) ، قلت: أخي من الرضاعة، فقال: ((يا عائشة، انظرن مَن إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة)) . الحديث دليلٌ على أن لبن الفحل يحرِّم، وصورته أن يكون لرجل امرأتان فترضع إحداهما صبيًّا أجنبيًّا والأخرى صبية فتحرم على الصبي؛ لأنها أخته لأبيه من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، قال ابن عباس: اللقاح واحد، يُشِير إلى أن سبب اللبن هو ماء الرجل وماء المرأة. قولها: "والله لا آذن له حتى أستأذن النبي ﷺ " فيه أن مَن شكَّ في حكم يتوقَّف عنه حتى يسأل العلماء. وفيه مشروعية استئذان المحرم على محرمه. قولها: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجل"، وفي رواية: "دخل عليها وعندها رجل فكأنه تغيَّر وجهه كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: ((انظرن مَن إخوانكن)) ، فإنما الرضاعة من المجاعة)) ، قال المهلب: معناه: انظر ما سبب هذه الأخوة فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسدَّ الرضاعة المجاعة. قوله: ((فإنما الرضاعة من المجاعة)) ؛ أي: الرضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحلُّ بها الخلوة حيث يكون الرضيع طفلاً لسد اللبن جوعته، وروى الترمذي عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام)) . وعن أم الفضل: "أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أتحرم المصَّة؟ فقال: ((لا، تحرِّم الرضعة والرضعتان، والمصَّة والمصَّتان)) ، وفي رواية قالت: "دخل أعرابي على نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله، إني كانت لي امرأة فتزوَّجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت

стр. 311

امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين، فقال النبي ﷺ : ((لا تحرِّم الإملاجة والإملاجتان)) ؛ رواه أحمد ومسلم. ((الإملاجة)) : الإرضاعة الواحدة مثل المصة، وفي الحديث أن الزوج يسأل زوجته عن سبب إدخال الرجل بيته والاحتياط في ذلك والنظر فيه. * * * الحديث الثالث عن عقبة بن الحارث: "أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمَة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ قال: فأعرض عنِّي، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، فقال: ((وكيف وقد زعمتْ أن قد أرضعَتْكما؟)) . في رواية: "فنهاه عنها"، وفي رواية: ((دعها عنك)) أو نحوه، وفي رواية: "ففارَقَها عقبة ونكحت زوجًا غيره"، والحديث دليلٌ على قبول شهادة المرضعة وحدها في الرضاع، وحمل الجمهور النهي على التنزيه والأمر على الإرشاد، وفي رواية عند المالكية: أنها تقبل وحدها لكن بشرط فشو ذلك في الجيران، وقال عمر: فرق بينهما إن جاءت ببيِّنة وإلا فخلِّ بين الرجل وامرأته إلا أن يتنزَّها، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت. قال الحافظ: وفي الحديث جوار إعراض المفتي لينبِّه المستفتي على أن الحكم فيما سأله الكف عنه، وجواز تكرار السؤال لِمَن لم يفهم المراد، والسؤال عن السبب المقتضي لرفع النكاح. قوله: "فجاءت أمَة سوداء" فيه دليلٌ على قبول شهادة الإمَاء والعبيد، قال البخاري: وقال أنس: شهادة العبد جائزة إذا كان عدلاً، وقال ابن سيرين: شهادته جائزة إلا العبد لسيده اهـ، والله أعلم. * * *

стр. 312

الحديث الرابع عن البراء بن عازب ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ يعني: من مكة - فتبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عمِّ، يا عمِّ، فتناولها علي ﵁ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فاحتملتها، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد، فقال علي: أنا أحقُّ بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمِّي وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: ((الخالة بمنزلة الأم)) ، وقال لعلي: ((أنت مِنِّي وأنا منك)) ، وقال لجعفر: ((أشبهت خَلْقِي وخُلُقِي)) ، وقال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)) . قوله: خرج رسول الله ﷺ - يعني: من مكة؛ أي: في عمرة القضية. قوله: "فاختصم فيها عليٌّ وجعفر وزيد"؛ أي: في أيِّهم تكون عنده، وكانت خصومتهم في ذلك بعد أن قَدِمُوا المدينة، وكان لكلٍّ من هؤلاء الثلاثة فيها شبهة، أمَّا زيد فللأخوة التي ذكرها روي أن النبي ﷺ كان آخَى بين حمزة وزيد بن حارثة، ولكونه بدأ بإخراجها من مكة، وأمَّا عليٌّ فلأنه ابن عمِّها وحملها مع زوجته، وأمَّا جعفر: فلكونه ابن عمِّها وخالتها عنده، فيترجَّح جانب جعفر باجتماع قرابة الرجل والمرأة منها. قوله: ((الخالة بمنزلة الأم)) ؛ أي: في الحضانة؛ لأنها تقرب منها في الحنوِّ والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد، وفيه دليلٌ على أن الحاضنة إذا تزوَّجت بقريب المحضونة لا تسقط حضانتها. قوله: وقال لعليٍّ: ((أنت مِنِّي وأنا منك)) ؛ أي: في النسب والصهر والسابقة والمحبة، وغير ذلك من المزايا. قوله: وقال لجعفر: ((أشبهت خَلْقِي وخُلُقِي)) ، ((الخَلْق)) بالفتح: الصورة، وبالضم: الطبع

стр. 313

والسجيَّة، وهذه منقبة عظيمة لجعفر؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . قوله: وقال لزيد: ((أنت أخونا)) ؛ أي: في الإيمان، ((ومولانا)) ؛ أي: من جهة أنه أعتقه، وفي الحديث الآخر: ((مولى القوم من أنفسهم)) . وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا تعظيم صلة الرحم؛ بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التوصُّل إليها، وأن الحاكم يبيِّن دليل الحكم للخصم، وأن الخصم يُدلِي بحجَّته، والحديث أصلٌ في باب الحضانة، وقد روى أحمد والأربعة عن أبي هريرة: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فجاء زوجها فقال النبي ﷺ : ((يا غلام، هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمِّه فانطلقت به)) . قال ابن القيم: ينبغي قبل التخيير والاستهام ملاحظة ما فيه المصلحة للصبي، فإذا كان أحد الأبوين أصلح للصبي من الآخر قُدِّم عليه من غير قرعة ولا تخيير. * * *

стр. 314

كتاب القصاص الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارِك لدينه المفارِق للجماعة)) . (القصاص) : مأخوذ من القص: وهو القطع، أو من اقتصاص الأثر؛ لأن المقتصَّ يتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها؛ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩] ، وقال - تعالى -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] . قال ابن عباس: كان في بني إسرائيل قصاص ولم تكن فيهم ديَة، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ، قال بن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمد، وقال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أن يطلب بمعروف ويؤدِّي بإحسان؛ رواه البخاري.

стр. 315

قال أبو عبيد: ذهب ابن عباس إلى أن هذه الآية ليست منسوخة بآية المائدة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، بل هما محكمتان، وكأنه أراد أن آية المائدة مفسِّرة لآية البقرة، وأن المراد بالنفس نفس الأحرار ذكورهم وإناثهم دون الأرقَّاء، فأنفسهم متساوية دون الأحرار. وقال سعيد بن جبير في قول الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ؛ يعني: إذا كان عمدًا الحر بالحر، "وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيَّين يتطاوَل على الآخَر في العدَّة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منَّا الحر منهم، وبالمرأة من الرجل منهم، فنزل فيهم: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ؛ رواه ابن أبي حاتم. قال الحافظ: والآية أصلٌ في اشتراط التكافؤ في القصاص، وهو قول الجمهور. قوله: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث)) ؛ أي: خصال ثلاث: ((الثيِّب الزاني)) ؛ أي: فيحلُّ قتله بالرجم ((والنفس بالنفس)) ؛ أي: مَن قتل نفسًا عمدًا بغير حقٍّ قُتِل ((والتارك لدينه)) ؛ أي: المرتد وهو المسلم يكفر بعد إسلامه. قوله: ((المفارِق للجماعة)) المراد: جماعة المسلمين؛ أي: فارَقَهم بالارتداد، قال القرطبي: ظاهر قوله: ((المفارق للجماعة)) ، أنه نعت للتارك لدينه؛ لأنه إذا ارتدَّ فارَق جماعة المسلمين، غير أنه يلتحق به كلُّ مَن خرج عن جماعة المسلمين وإن لم يرتدَّ، كمَن يمتنع من إقامة الحد عليه إذا وجب ويقاتل على ذلك؛ كأهل البغي، وقطَّاع الطريق، والمحارِبين من الخوارج، وغيرهم، فيتناوَلهم لفظ المفارق للجماعة بطريق العموم، انتهى. وقال الإمام أحمد: إذا ترك الصلاة كفر وقتل ولو لم يجحد وجوبها، وقال الجمهور: يقتل حدًّا لا كفرًا، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أوَّل ما يُقضَى بين الناس يوم القيامة في الدماء)) .

стр. 316

أي: أو القضايا يوم القيامة القضاء في الدماء التي وقعت بين الناس في الدنيا وعند النسائي: ((أوَّل ما يُحاسَب عليه العبد صلاته، وأوَّل ما يُقضَى بين الناس في الدماء)) ، وفي الحديث الصدر الطويل عن أبي هريرة رفعه: ((أوَّل ما يُقضَى بين الناس في الدماء، ويأتي كلُّ قتيل قد حمل رأسه فيقول: يا ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قتلني؟)) الحديث. قال الحافظ: وفي الحديث عظم أمر الدماء، فإن البداءة إنما تكون بالأهمِّ، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك، انتهى، والله المستعان. * * * الحديث الثالث عن سهيل بن أبي حثمة ﵁ قال: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعودٍ إلى خيبر وهي يومئذ صلح فتفرَّقَا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحَّط في دمه قتيلاً، فدفنه ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعودٍ إلى النبي ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلَّم فقال ﷺ : ((كبِّر كبِّر)) ، وهو أحدث القوم فسكت فتكلَّما، فقال: ((أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟)) ، قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نرَ؟ قال: ((فتبرئكم يهود يخمسين يمينًا؟)) ، قالوا: وكيف نأخذ بأيمان قومٍ كفار، فعقله النبي ﷺ من عنده.

стр. 317

وفي حديث حماد بن زيد: "فقال رسول الله ﷺ : ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمَّته)) ، قالوا: أمر نشهده كيف نحلف؟ قال: ((فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟)) ، قالوا: يا رسول الله، قوم كفار". وفي حديث سعد بن عبيد: "فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوَدَاه بمائةٍ من إبل الصدقة". هذا الحديث أصلٌ في مشروعية القسامة؛ وهي: الأيمان المكرَّرة في دعوى القتل عند وجود اللوث، وهو ما يغلب على الظن صحَّة الدعوى به. قال الزهري: قال لي عمر بن عبد العزيز: إني أريد أن أدع القسامة يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون، فقلت: إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك فيبطل دمه، وإن للناس في القسامة لحياة. قال القاضي عياض: هذا الحديث أصلٌ من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، انتهى. وقال أبو الزناد عن خارجة: "قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان"؛ أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي. وقال القرطبي: الأصل في الدعاوى أن اليمين على المدَّعَى عليه، وحكم القسامة أصلٌ بنفسه لتعذُّر إقامة البيِّنة على القتل فيها غالبًا، فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة، ويترصَّد للغفلة، وتأيَّدت بذلك الرواية الصحيحة المتَّفَق عليها وبقي ما عدا القسامة على الأصل. قوله: ((يُقسِم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته)) (الرمة) : حبل يكون في عنق الأسير، وهذا اللفظ يُستَعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل. وروى النسائي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر، فقال رسول الله ﷺ : ((أَقِم شاهدين على مَن قتله أدفعه إليكم برمَّته)) ، فقال: يا رسول الله، ومن أين أُصِيب شاهدين

стр. 318

وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟ قال: فتحلف خمسين قسامة؟ فقال: يا رسول الله، فيكف أحلف على ما لم أعلم؟ فقال رسول الله ﷺ : ((فاستحلف منهم خمسين قسامة)) ، فقال: يا رسول الله، كيف نستحلفهم وهم يهود؟ فقسم رسول الله ﷺ ديَتَه عليهم، وأعانهم بنصفها. قال الشافعي: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينًا سواء قلُّوا أم كثروا، فلو كانوا بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقلَّ أو نكل بعضهم رُدَّت الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحدًا حلف خمسين يمينًا واستحقَّ. وقال مالك: إن كان ولي الدم واحدًا ضمَّ إليه آخر من العصبة، ولا يُستَعان بغيرهم، قال في "الفروع": ولا قسامة على أكثر من واحد، نصَّ عليه، فإن النبي ﷺ قال: ((فتستحقون دم صاحبكم)) وعنه: بلى في غير هذه دم وتجب الدية، انتهى. وعن الشعبي: "أن قتيلاً وُجِد بين وادعة وشاكر فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى وادعة أقرب، فأحلفهم عمر خمسين يمينًا كل رجل: ما قتلته ولا علمت قاتله، ثم أغرمهم الديَة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا دفعت عن أموالنا، ولا أموالنا دفعت عن أيماننا، فقال عمر: كذلك الحق"؛ أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي. قال الحافظ: وفي الحديث أن الحلف في القسامة لا يكون إلا مع الجزم بالقاتل، والطريق إلى ذلك المشاهدة أو إخبار مَن يُوثَق به مع القرينة الدالَّة على ذلك، وفيه الاكتفاء بالمكاتبة وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة، انتهى. قال في "الاختيارات": نقل الميموني عن الإمام أحمد أنه قال: اذهب إلى القسامة إذا كان ثَمَّ لطخ، وإذا كان ثَمَّ سبب بيِّن، وإذا كان ثَمَّ عداوة، وإذا كان مثل المدَّعَى عليه بفعل هذا، وهذا هو الصواب، فإذا كان ثم لوث يغلب على الظن أنه قتل مَن اتهم بقتله جاز لأولياء القتيل أن يحلفوا خمسين يمينًا ويستحقُّوا دمه، وأمَّا ضربه ليقرَّ فلا يجوز إلا مع القرائن التي تدلُّ على أنه قتله، فإن بعض العلماء جوَّز تقريره بالضرب في مثل هذه الحال، وبعضهم منع من ذلك مطلقًا، انتهى، والله أعلم. * * *

стр. 319

الحديث الرابع عن أنس بن مالك ﵁: "أن جارية وُجِد رأسُها مرضوضًا بين حجرين، فقيل: مَن فعل هذا بك فلان فلان؟ حتى ذُكِر يهودي، فأَوْمَأَت برأسها، فأُخِذ اليهودي فاعترف؛ فأمر النبي ﷺ أن يُرَضَّ رأسه بين حجرين". ولمسلم والنسائي عن أنس: "أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح، فأقاده رسول الله ﷺ ". (الأوضاح) بالمهملة: حليُّ الفضة، قال المهلب: فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدلَّ على أهل الجنايات، ثم يتلطَّف بهم حتى يقرُّوا ليُؤَاخَذوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاؤوا تائبين فإنه يعرض عمَّن لم يصرح بالجناية، فإنه يجب إقامة الحدِّ عليه إذا أقرَّ، وفيه أنه تجب المطالبة بالدم بمجرَّد الشكوى وبالإشارة. وقال المازري: فيه الردُّ على مَن أنكر القصاص بغير السيف، وقتل الرجل بالمرأة، انتهى. والحديث يدلُّ على أن القاتل يُقتَل بما قتَل به، ولقوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ، وقوله - تعالى -: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وهذا قول الجمهور، وأمَّا حديث ((لا قَوَد إلا بالسيف)) ، فقال الحافظ: هو ضعيف، وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة، قال ابن المنذر: قال الأكثر: إذا قتله بشيء يقتل مثله غالبًا فهو عمد، وقال ابن العربي: يُستَثنى من المماثلة ما كان فيه معصية؛ كالخمر واللواط والتحريق، وفي الثالثة خلاف عند الشافعية والأوَّلان بالاتفاق، لكن قال بعضهم: يُقتَل بما يقوم مقام ذلك، قال الحافظ: وفي قصَّة اليهودي حجَّة للجمهور في أنَّه لا يُشتَرط في الإقرار بالقتل أن يتكرَّر، انتهى.

стр. 320

وقال البخاري: باب القصاص بين الرجال والنساء والجراحات، وقال أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة، ويذكر عن عمر: تُقَاد المرأة من الرجل في كلِّ عمد يبلغ نفسه فما دونها من الجراح، انتهى. قال الحافظ: قوله: "تُقَاد"؛ أي: يقتص منها إذا قتلت الرجل ويقطع عضوها الذي تقطعه منه وبالعكس، انتهى. * * * الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁ قال: ((لما فتح الله - تعالى - على رسول الله ﷺ مكة قتلت هذيل رجلاً من بني ليث بقتيلٍ كان لهم في الجاهلية، فقام النبي ﷺ فقال: ((إن الله قد حبس عن مكة الفيل وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وأنها لم تحلَّ لأحدٍ كان قبلي ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحلِّت لي ساعةً من نهارٍ، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يعضد شجرها، ولا يُختَلى خلاها، ولا يُعضَد شوكها، ولا تُلتَقط ساقطتها إلا لمُنشِد، ومَن قُتِل له قتيل فهو بخير النظرين، إمَّا أن يقتل وإمَّا أن يفدى)) ، فقام رجل من أهل اليمن يُقال له: أبو شاه، فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال رسول الله ﷺ : ((اكتبوا لأبي شاه)) ، ثم قام العباس فقال: يا رسول الله، إلاَّ الإذخِر، فإنَّا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله ﷺ : ((إلا الإذخِر)) . قوله: "قتلتْ هذيل"، الذي في البخاري: "قتلت خزاعة". قوله: ((إن الله قد حبس عن مكة الفيل)) أشار بحبسه عن مكة إلى قصة الحبشة وهي مشهورة،
следующие страницы →