← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8199

مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر

مساعد الطيار

Полный текст (224 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال الآلوسي (ت:١٢٧٠): «وعندي أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف، فكل الأقوال فيه ما سمعتها وما لم تسمعها مخالفة للعرف اليوم، إذ قد تعارف من غير نكير (١) أن التأويل: إشارةٌ قدسيةٌ، ومعارفُ سبحانيةٌ تنكشف من سُجُفِ العباراتِ للسالكين، وتنهلُّ من سُحُبِ الغيبِ على قلوب العارفين، والتفسيرُ غيرُ ذلك (٢). وإن كان المراد الفرق بينهما: بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة، فلا أظنك في مرية من رد هذه الأقوال. أو بوجه ما، فلا أراك ترضى إلا أن في كل كشف إرجاعاً، وفي كل إرجاع كشفاً فافهم» (٣). وهذه النقول تدلُّ على وجود إشكال عند هؤلاء العلماء في الفرق بين التفسير والتأويل، والذي يظهر عليها كلها أنها تخصيصاتٌ لا دليل عليها، وتفريقات لا يستقيم

стр. 107

لها وجه، فكلُّ واحدٍ منهم يرى ما لا يراه الآخر، وتراهم لم يثبتوا على قولٍ سوى وجود الفرق، ثمَّ اختلفوا في بيانه. وتحقيق الأمر في ذلك كما يأتي: بعد أن تبيَّنَ أنَّ التفسيرَ يتعلَّقُ ببيانِ المعنى، وأنَّ التَّأويلَ له مفهومانِ صحيحانِ: أحدُهما يوافقُ معنى التَّفسيرِ، والآخر يرادُ به ما تؤول [أي: ترجع] إليه حقيقةُ الشيء؛ أي: كيف تكونُ، فإنَّ ملاك القولِ في ذلكَ أن يُقالَ: إنَّ لهذه الفروق احتمالين: الاحتمال الأول: أن ترجع الفروق إلى أحد هذه المعاني الصحيحة المذكورة في مصطلحِ التَّأويلِ. فإن رجعتْ إلى أحدِ هذه المعاني المذكورةِ، فإنها تُقبَلُ، ولكن لا تكونُ هي حدُّ الفرقِ، بل هي جزءٌ من الفَرْقِ لا غير، وهذا يعني أنه قد يكونُ غيرُها صحيحاً؛ لأنها تذكرُ فرقاً آخرَ صحيحاً، وهو مندرجٌ في المعاني المذكورةِ في المرادِ بالتَّفسيرِ والتَّأويل. ولأضرب لك مثالاً بأحد ما ذُكر من الفروقِ، قال أبو

стр. 108

منصور الماتريدي (ت:٣٣٠): «التفسير: القطعُ على أن المرادَ من اللفظ هذا، والشهادةُ على الله أنه عنَى باللَّفظِ هذا، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة». إذا فسَّرتَ قوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] بأنه يوم القيامة؛ لإجماع المفسرين على ذلك، وقطعت بهذا المعنى، أليس هذا تفسيراً، أليس هذا تأويلاً بمعنى التفسيرِ. فإذا قلتَ: معنى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢]؛ أي اليوم الذي وعد الله عباده بأن يبعثهم فيه، وهو يوم القيامة. أو قلت: تفسير قوله تعالى ... أو قلت: تأويل قوله تعالى ... فالتعبير عن بيان كلام الله بهذه العبارات ـ كما ترى ـ مؤدَّاهُ واحدٌ، ويُفهم منه معنى واحدٌ. وإذا جئت إلى قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]، ورأيت أنَّ للمفسرين أقوالاً: الأول: أنَّ المراد بالخنس: النجوم والكواكب. والثاني: أنَّ المراد بها بقر الوحش والظباء.

стр. 109

فهذه محتملاتٌ في التفسير، واخترت أنَّ المراد بالخنسِ النجومُ والكواكبُ، وعللَّت لذلك الاختيار بأمرين: ١ - موافقة السياق، حيث ذُكرَ في لحاقِها آيات كونية، والنجوم والكواكب آيات كونية، فالنجوم والكواكب أنسبُ لهذا المعنى اللحاقي من أن تكون بقر الوحش والظباءِ. ٢ - وأنَّها أظهر وأشهر للخلق من بقر الوحش والظباء، فلا أحد يخفى عليه معرفة النجومِ، وإن خفي عليه معنى الخنوس والجريان والكنوس فيها، أمَّا بقر الوحش والظباء فإنَّ بعض الناس قد لا يعرفُها وكثير منهم لا يعرف أمر خنوسها وجريانها وكنوسها. فإذا اخترت هذا المحتمل فأنت مؤوِّلٌ عند الماتريدي (ت:٣٣٠). لكن هل تسمية هذا الأسلوب ـ وهو ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة ـ تأويلاً = صحيحٌ؟. ألست قد فسَّرتَ وبيَّنتَ المعنى المراد، فأنت ـ إذاً ـ باختياركَ هذا المعنى دون غيره لو قلت: تأويل هذه الآية كذا، أو تفسير هذه الآية كذا، لكان الأمر واحداً ولا فرق.

стр. 110

وبهذا يظهر أنك سواءً قطعت أو لم تقطع، فأنت مؤوِّلٌ؛ أي: مفسرٌ، ولا معنى لتخصيص التأويل بأنه ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، والله أعلم. الاحتمال الثاني: أن لا يرجع شيءٌ من هذه الفروق إلى هذه المعاني الصحيحةِ، ومن ثمَّ، فإنَّه قولٌ غيرُ مقبولٍ؛ لأنَّه مخالفٌ لمصطلح القرآنِ، ومصطلح السَّلفِ واللُّغةِ. ولأنه لا دليلَ عليه من نقل ولا عقل. وبهذا يكونُ ما وردَ في بيانِ مصطلحِ التَّفسيرِ والتَّأويلِ الواردِ عن السَّلفِ وأهلِ اللُّغةِ أصلاً يقاسُ عليه ما يذكرُه المتأخِّرُون من فروقٍ. مسألة: هل في مصطلح التأويل الحادث حظٌّ من الصِّحة في تطبيقه على بعض الأمثلة ؟ إنَّه إذا عُلِمَ أنَّ المتكلِّمَ أراد المعنى الذي يقال: إنَّه خلافُ الظَّاهرِ، فإنَّه إمَّا أن يكونَ من بيانِ كلامِ المتكلِّمِ، فيكونُ من باب التَّفسيرِ، وإمَّا أن يكونَ هو الحقيقةُ التي يؤولُ إليها الكلامُ، فإذا كان ذلك كذلك كان تأويلاً صحيحاً مندرجاً تحت هذين النَّوعينِ، وإن سُمِّيَ بهذا الاسمِ؛ لأنَّ العبرةَ بصحَّةِ المعنى المذكورِ.

стр. 111

وإذا ظهرَ أنَّ المفسِّرَ أخرجَ الكلامَ عن مرادِ اللهِ ورسولِه ﷺ ، كان ذلك تحريفاً، وإن سُمِّيَ تأويلاً، لأنَّ النَّظرَ هنا إلى خطأ المعنى المذكورِ، فيكونُ من التَّفسيرِ الباطلِ. قال شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة (ت:٧٢٨): «وأمَّا التَّأويلُ؛ بمعنى: صرف اللَّفظِ عن مفهومِه إلى غير مفهومِه، فهذا لم يكن هو المرادُ بلفظِ التَّأويلِ في كلامِ السَّلفِ، اللَّهمَّ إلا أنه إذا عُلِمَ أنَّ المتكلِّمَ أرادَ المعنى الذي يقال أنَّه خلافُ الظَّاهرِ، جعلوه من التَّأويلِ الذي هو التَّفسيرُ؛ لكونه تفسيراً للكلامِ وبياناً لمرادِ المتكلِّمِ به، أو جعلوه من النَّوعِ الآخرِ الذي هو الحقيقةُ الثَّابتةُ في نفسِ الأمرِ التي استأثرَ اللهُ بِعِلْمِهَا؛ لكونِه مندرجاً في ذلك، لا لكونِه مخالفاً للظَّاهرِ. وكان السَّلفُ ينكرونَ التَّأويلاتِ التي تُخْرِجُ الكلامَ عن مرادِ اللهِ ورسولِه التي هي من نوعِ تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه، فكانوا ينكرونَ التَّأويلَ الباطل الذي هو التَّفسيرُ الباطلُ، كما نُنْكِرُ قولَ من فسَّرَ كلامَ المتكلِّمِ بخلافِ مرادِهِ» (١).

стр. 112

ولأضرب لك مثالاً يتضح به هذا المقال: في المراد بالشاهد في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]، قولان عن السلف: الأول: أنَّ الشاهد عبد الله بن سلام، وهو الوارد عن سعد بن أبي وقاص (ت:٥٥)، وعبد الله بن سلام (ت:٤٣)، وابن عباس (ت:٦٨)، ويوسف بن عبد الله بن سلام، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضحاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن زيد (ت:١٨٢). الثاني: أنَّ الشاهد موسى ﵇، وهذا قول مسروق بن الأجدع (نحو: ٦٣) والشَّعبي (ت:١٠٣)، واحتجَّا بأنَّ السورة مكيَّة، وشأن عبد الله بن سلام (ت:٤٣) كان بالمدينة، وإنما هي مُحَاجَّةٌ لرسول الله ﷺ على قومه. وإذا تأمَّلت هذا الخلاف وجدتَ أنَّ قول مسروقٍ (ت: نحو: ٦٣) والشعبي (ت:١٠٣) أنسب للسياق، وهو الأَولى لأنه يجعل الآية مكيةً في سورة مكيةٍ، ولا يُخرَجُ عن هذا إلا بدليل، وهذا يجعلك تميل إلى هذا القول. لكن يصرفك عنه أنَّ قول الجمهورِ على خلافِه، وفيهم ثلاثة من

стр. 113

الصحابة، وهم أعلم بتأويل معاني القرآن، وفيمَ نزل، فتختار هذا القولَ لهذه العلَّةِ، وهذا ما فعله ابن جرير الطبري (ت:٣١٠) عند هذا الاختلاف، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنْزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله ـ تعالى ذكره ـ مشركي قريش، واحتجاجاً عليهم لنبيِّه، وهذه الآية نظيرةُ سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلَّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى. غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله بأن ذلك عنى به عبد لله بن سلام، وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به. فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني: على مثل القرآن وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمداً مكتوب

стр. 114

في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوباً عندهم في التوراة كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي» (١). فإذا رجَّحت هذا وسمَّيته تأويلاً؛ لأنَّك صرفت المعنى عن ظاهر السياق لأجل قرينة أخرى، فإنَّك لم تخرج به عن المعنى الصحيح للآيةِ، وتسمية ذلك تأويلاً لا تُخرجُ هذا المثال عن أن يكون تفسيراً. مثال آخر: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ورد تفسير المعتزلة الذين ينكرون رؤية الباري على خلاف المعنى الظاهر المتبادر الذي فيه إثبات النظر إلى وجه الباري تعالى، ومن ذلك تفسير الأخفش المعتزلي (ت:٢١٥) قال: «يعني ـ والله أعلم ـ بالنظرِ إلى اللهِ: إلى ما يأتيهم منْ نِعَمِهِ ورزقِهِ، وقد تقولُ: واللهِ ما أنظرُ إلا إلى اللهِ وإليك؛ أي: أنتظرُ ما عندَ اللهِ، وما عندك» (٢). وقال: «وقولُه: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، يقول: تَنْظُرُ في رزقِها وما يأتيها من اللهِ؛ كما يقولُ الرجلُ: ما أنظرُ إلا إليك.

стр. 115

ولو كان نَظَرَ البصرِ كما يقول بعضُ النَّاسِ، كانَ في الآية التي بعدها بيانُ ذلكَ، ألا ترى أنَّه قالَ: ﴿وَوَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤ - ٢٥]، ولم يقلْ: ووجوهٌ لا تنظرُ ولا تَرَى. وقولُه ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] يدلُّ الظَّنُّ ها هنا على أنَّ النظرَ ثَمَّ: الثقةُ باللهِ وحُسْنُ اليقينِ، ولا يدلُّ على ما قالوا. وكيفَ يكونُ ذلكَ، واللهُ يقولُ: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]» (١). وهذا المثال من التأويل المذموم الذي هو باسم الانحراف أولى، فتراه صرف اللفظ عن معناه الظاهر، إلى معنى آخر؛ لأجل أنه يعتقد أنَّ الله لا يُرى يوم القيامةِ، وهذا الاعتقاد باطلٌ، لذا فإنَّ التأويل الذي ذكره الأخفش (ت:٢١٥) سيكون باطلاً، وهذا التأويل المنحرف مما لا يوافق عليه؛ لأنَّ فيه سلباً لمعاني القرآن، وإخراجاً لها عن ظاهرها بلا حجَّةٍ. وقد ردَّ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) ما فسَّرَ به الأخفشُ (ت:٢١٥)، فقال: «ومنْ قالَ: إنَّ معنى قولِه: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾

стр. 116

[القيامة: ٢٣]؛ بمعنى: مُنْتَظِرَة، فقد أَخطأَ؛ لأنَّ العربَ لا تقولُ: نَظَرْتُ إلى الشيءِ؛ بمعنى: انْتَظَرْتُهُ، إنما تقولُ: نَظَرْتُ فلاناً؛ أي: انْتَظَرْتُهُ، ومنه قولُ الحطيئةِ (١): وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أَبْنَاءَ صَادِرَةٍ لِلْوِرْدِ طَالَ بِهَا حَوزِي وَتَنْسَاسِي فإذا قلتَ: نَظَرْتُ إليه، لمْ يكنْ إلاَّ بالعينِ. وإذا قلتَ: نَظَرْتُ في الأمرِ، احتملَ أنْ يكونَ تَفَكُّراً وَتَدَبُّراً بالقلبِ» (٢). هل للتأويل بالمصطلح الحادث حدٌّ يقف عنده ؟ التَّأويل بالمصطلح الحادث لا حدَّ له؛ لأنَّ معتمدَه العقلُ، والعقولُ تختلفُ في مذاهبِها، وطريقتِها في فهم نصوصِ الشَّرعِ، فما لم يكن سائغاً تأويلُه عند قومٍ، هو عند غيرِهم صالحٌ لأن يؤوَّلَ؛ لأنه جارٍ على القواعدِ العقليةِ التي سارَ عليها ذلك المؤوِّلُ الذي رفضَ التَّأويلَ في هذا الموضعِ، ولا تكادُ تجدُ ضابطاً يبيِّنُ سببَ الرَّفضِ، سوى احتمالاتٍ لا تقومُ على علمٍ، ومن أمثلةِ ذلك: تحدَّث ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) عن الميزان في قوله تعالى:

стр. 117

﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، وذكر مذهبين في المرادِ بالميزانِ: الأوَّلُ أنه مجازٌ استعيرَ به اللَّفظُ للعدلِ. والثاني: أنه ميزانٌ حقيقيُّ له كفتانِ، كما هو معروفٌ من موازين الناسِ، وأنه توزنُ به الأعمالُ. ثمَّ رجَّحَ القول الثاني، فقال: «وهذا القولُ أصحُّ من الأوَّلِ من ثلاثِ جهاتٍ: أوَّلُها: أنَّ ظواهرَ كتاب الله تقتضيه، وحديث الرسول ﵊ ينطق به، ومن ذلك قوله لبعضِ الصَّحابةِ ـ وقد قال له: يا رسول الله، أين أجدك في يومِ القيامةِ؟ ـ فقال: اطلبني عند الحوضِ، فإن لم تجدني، فعند الميزانِ. ولو لم يكن الميزانُ مرئيَّاً محسوساً لما أحاله رسولُ الله ﷺ على الطلبِ عنده. وجهةٌ أخرى: أنَّ النَّظَرَ في الميزانِ والوزنِ والثِّقَلِ والخِفَّةِ المقترناتِ بالحسابِ لا يفسدُ شيءٌ منه، ولا تختلُّ صِحَّتُهُ. وإذا كانَ الأمرُ كذلك، فَلِمَ نخرجُ من حقيقةِ الأمرِ إلى مجازِه دون علَّةٍ؟.

стр. 118

وجهةٌ ثالثةٌ: وهي أنَّ القولَ في الميزانِ هو من عقائدِ الشَّرعِ الذي لم يُعرفْ إلاَّ سَمْعاً، وإن فتحنا فيه باب المجازِ غَمَرَتْنَا أقوالُ الملحدة والزَّنادقةِ في أنَّ الميزانَ والسِّراطَ والجنَّة والنَّار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظٌ يرادُ بها غيرُ الظَّاهرِ. قال القاضي أبو محمد ﵀: فينبغي أن يُجرى في هذه الألفاظِ إلى حملها على حقائقها ...» (١). وهذا الذي حَذِرَ منه ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) قد وقعَ، وقد اعتمدَ بعضُ الفلاسفةِ الذينَ عاشوا في ظلِّ الإسلامِ على مبدئه في التَّأويلِ، وليسَ له أن يقولَ: هذه الأمورُ إنما تُعلمُ من جهةِ السَّمعِ فقط؛ لأنَّ من يؤوِّلُ نصوص المعادِ يمكنُ أن يقولَ: للعقلِ فيها مدخلٌ. وبهذا تضطربُ الأمورُ ولا يسلمُ في الشَّريعةِ بابٌ؛ لأنَّه يمكنُ أن يُحملَ على المجازِ العقليِّ. وقد اعتمدَ على مبدأ التَّأويلِ الفاسدِ فيلسوفٌ من الفلاسفةِ الذين عاشوا في ظلِّ الإسلامِ، وهو الفيلسوفُ ابن رُشدٍ الحفيد، فقد ذكرَ في كتابه «فصل المقال فيما بين

стр. 119

الحكمة والشريعة من الاتصال» أنَّ الشَّريعةَ على ثلاثةِ أقسامٍ: ظاهرٌ لا يجوزُ تأويله ... وظاهرٌ يجبُ على أهلِ البرهانِ تأويلُه، وحملهم إياه على ظاهره كفرٌ، وتأويل غير أهل البرهانِ له، وإخراجه عن ظاهره كفرٌ في حقِّهم أو بدعة، ومن هذا الصِّنفِ آيةُ الاستواء وحديث النُّزول ... والصِّنف الثَّالث من الشَّرع متردِدٌ بين هذين الصنفينِ، يقع فيه شكٌ، فيلحقُه قومٌ ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوزُ تأويله، ويلحقه آخرونَ بالباطنِ الذي لا يجوزُ حمله على الظاهرِ (١). ثمَّ قال: «فإن قيل: فإذا تبين أن الشَّرع في هذا على ثلاث مراتب، فمن أي المراتبِ الثلاثِ هو عندكم ما جاء في صفات المعاد وأحواله؟. فنقول: إنَّ هذه المسألة الأمر فيها بيِّنٌ أنها من الصِّنفِ المختلَفِ فيه، وذلك أنَّا نرى قوماً ينسبون أنفسهم

стр. 120

إلى البرهان يقولون: إنَّ الواجبَ حملُها على ظاهرِها، إذ كان ليس هناك برهان يؤدي إلى استحالة الظَّاهر فيها، وهذه طريقة الأشعريَّة. وقوم آخرون ممن يتعاطون البرهان (١) يتأوَّلونها، وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافاً كثيراً، وفي هذا الصِّنف أبو حامد (٢) معدودٌ هو وكثيرٌ من المتصوِّفة» (٣). وهنا ترى أنَّ الفيلسوفَ اعتمد التَّأويلَ، فما الذي يدلُّ على خطئه لو كانَ العقلُ المجرَّدُ هو المعتمدُ في ذلكَ؟!. لقد استطالَ هذا الفيلسوفَ وغيرُه على نصوصِ الوحي، وأدخلوا كثيراً من نصوصِه في باب التَّأويلِ الفاسدِ، اعتماداً على هذا المصطلحِ الحادثِ، ولم يقدرْ من سلكَ سبيلَ التَّأويلِ أن يتصدَّى لهم، بل كانَ مُنتقصاً عندهم إذا أرادَ ردَّهم عنه؛ لأنَّ الفيلسوفَ يرى أنَّه سلكَ سبيلاً هم سلكوها، وليست حكراً عليهم، بل هي مُشَاعٌ لجميعِ العقولِ، وانظر مصداقَ ذلك في كتاب الفيلسوفِ ابن رشدٍ

стр. 121

الآنفِ الذِّكرِ، فقد استطالَ على الأشاعرةِ، واستخدم مبدأ التأويل الذي يستخدمونه (١). وإذا أردت أن تعرفَ أنَّه لا حدَّ لأوجه التَّأويلِ التي يذكرُها المؤوِّلونَ، فانظرْ في كتابِ «مجازات القرآنِ» للشَّريفِ الرَّضيِّ الرَّافضيِّ المعتزليِّ، فإنَّك ستجدُ في الكتابِ تطبيقاتِ متأوِّلٍ يستخدمُ المجازَ مطيَّةً له في تحريفِ النُّصوصِ. تفسير آية التأويل من سورة آل عمران: إن من أشهر ما وقعَ فيه الانحرافُ بسببِ مفهومِ التَّأويلِ هذا، تفسيرُ آيةِ آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].

стр. 122

وقد تتبَّعت كلامَ شيخِ الإسلامِ ابن تيميَّةَ (ت:٧٢٨) في هذه الآيةِ، وتخلَّصَ عندي منه ما يأتي: ١ - أنَّ الآيةَ نزلت بسببِ النَّصارى الذين احتجُّوا بألفاظٍ توهم الجمعَ، مثل «نحن»، «إنَّا»، واستدلُّوا بها على صحَّةِ التَّثليثِ الذي يدينون به، وأنهم داخلون في من يتبعون ما تشابه منه. قال شيخ الإسلام (ت:٧٢٨): «والمقصودُ هنا بيانُ بطلانِ احتجاجِ النَّصارى، وأنَّه ليس لهم في ظاهرِ القرآنِ ولا باطنِهِ حجَّةٌ، كما ليس لهم حجَّةٌ في سائرِ كتبِ اللهِ، وإنَّما تمسَّكوا بآياتٍ متشابهاتٍ، وتركوا المُحْكَمَ كما أخبر اللهُ عنهم بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. والآية نزلت في النَّصَارى، فهم مُرَادُونَ من الآية قطعاً» (١). ٢ - أنَّ لفظَ التَّأويل في الآيةِ يحتملُ وجهينِ صحيحين، كلاهما حقٌّ، وهما واردانِ عن السَّلفِ. الأوَّل: أنَّ التَّأويلَ بمعنى التَّفسيرِ، وبهذا يكونُ

стр. 123

الراسخونَ يعلمونَ تأويلَ القرآنِ؛ أي: تفسيره، ويكونُ الوقفُ على هذا القولِ على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١)، وتكون الواو عاطفةً. الثَّاني: أنَّ التَّأويلَ بمعنى ما تؤول إليه حقيقةُ الأشياءِ مما استأثرَ اللهُ بعلمِه، من كيفيَّاتٍ ووقت وقوعٍ، مما أخبر عنه اللهُ في كتابِه من أخبار القيامة وأشراطِها، أو غيرِها من المغيَّبات. ويكونُ الوقفُ على هذا القولِ على لفظ الجلالةِ من قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾، وتكونُ الواو مستأنفةً؛

стр. 124

أي أنَّ جملةَ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ (١). قال شيخ الإسلامِ (ت:٧٢٨): «وأما لفظ التَّأويل في التنْزيل فمعناه الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله ولهذا كان السلف يقولون: الاستواء معلوم والكيف مجهول فيثبتون العلم بالاستواء وهو التأويل الذي بمعنى التفسير وهو معرفة المراد بالكلام حتى يتدبر ويعقل ويفقهه ويقولون: الكيف مجهول وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو» (٢). ٣ - أنه قد وقع من بعض المتأخِّرينَ حملُ التَّأويل على الاصطلاحِ الحادثِ، وهو صرف اللَّفظِ عن الاحتمالِ

стр. 125

الرَّاجحِ إلى الاحتمالِ المرجوحِ لدليلٍ يقترنُ بذلك، وتسميةُ هذا وحده تأويلاً هو من اصطلاحِ طائفةٍ من المتأخِّرين من الفقهاء والمتكلِّمين وغيرِهم. وقد نشأ عن ذلك أن يعتقدوا أنَّ لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالفُ مدلولَها المفهومَ منها، وانقسموا إلى فريقين: الأول: من أجازَ تأويلها، بل أوجبه في بعضِ الأحيانِ؛ لاعتقادِه أنَّ ظاهرَها يفيدُ معنى لا يصحُّ. الثاني: من قال إنَّ ذلك المعنى المراد لا يعلمه إلاَّ اللهُ، لا يعلمُه الْمَلَكُ الَّذِي نزلَ بالقرآنِ، ولا يعلمُه محمَّدٌ ﷺ ، ولا غيرُه من الأنبياء، ولا يعلمُه الصَّحابةُ الَّذِين نزلَ القرآنُ بلسانِهم. قال شيخ الإسلام (ت:٧٢٨): «... وتجد هؤلاء حائرين في مثل قوله تعالى: ﴿تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، حيث ظنُّوا أنَّ المرادَ بالتَّأويلِ صَرْفُ النُّصوصِ عن مقتضاها. وطائفةٌ تقولُ: إنَّ الرَّاسخين في العلمِ يعلمون هذا

стр. 126

التأويل، وهؤلاء يجوِّزُون مثل هذه التَّأويلات التي هي تأويلاتُ الجهميَّةِ النُّفاةِ. ومنهم من يوجُبهاتارةً، ويجوِّزُها تارةً. وقد يحرِّمُونها على بعض النَّاسِ، أو في بعض الأحوالِ لعارضٍ، حتَّى أنَّ الملاحدةَ من المتفلسفةِ والمتصوِّفةِ وأمثالِهم قد يحرِّمون التَّأويلاتِ، لا لأجل الإيمانِ والتَّصديقِ بمضمونِها، بل لعلمِهم بأنَّه ليس لها قانونٌ مستقيمٌ، وفي إظهارِها إفساد الخلقِ، فيرون الإمساكَ عن ذلك مصلحةً، وإن كان حقًّا في نفسِه، وهؤلاء قد يقولون: الرُّسلُ خاطبوا الخلقَ بما لا يدلُّ على الحقِّ لأن مصلحةَ الخلقِ لا تَتِمُّ إلاَّ بذلك، بل لا تَتِمُّ إلا بأنْ تَخَيَّلوا لهم في أنفسهم ما ليس موجوداً في الخارجِ لنوعٍ من المصلحةِ، كما يُخَيَّلُ للنَّائمِ والصبِيِّ والقليلِ العقلِ ما لا وجودَ له؛ لنوعٍ من المناسبةِ لما له في ذلك من المصلحةِ. وطائفةٌ يقولون: هذا التَّأويلُ لا يعلمه إلا اللهُ، ثمَّ من هؤلاء من يقول تُجْرَى على ظواهرِها، ويتكلَّمُ في إبطالِ التَّأويلاتِ بكل طريقٍ. ومن المعلوم أنه إذا كان لها تأويل يخالفُ ظاهرَها لم يُحْمَلْ على ظاهرِه، وما حُمِلَ على ظاهرِه لم يكن له تأويلٌ يخالف ذلك، فضلاً عن أنْ يُقَال: يعلمه الله أو غيره. بل مثل هذا التَّأويلِ يقال فيه كما قال

стр. 127

تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، فإنَّ ما كان منتفياً لا وجودَ له، لا يعلمُه اللهُ إلا منتفياً لا وجود له، لا يعلمه ثابتاً موجوداً. وسببُ هذا الاضطرابِ أنَّ لفظَ التَّأويلِ في عرفِ هؤلاءِ المتنازعين ليس معناه معنى التَّأويلِ في التَّنْزيلِ، بل ولا في عرفِ المتقدِّمين من مفسري القرآنِ، فإن أولئك كان لفظ التَّأويلِ عندهم بمعنى التَّفسيرِ، ومثل هذا التَّأويلِ يعلمُه من يعلمُ تفسيرَ القرآنِ. ولهذا لما كان مجاهدٌ إمامَ أهلِ التَّفسيرِ، وكان قد سألَ ابنَ عباسٍ ﵄ عن تفسيرِ القرآنِ كلِّه وفسَّرَه له = كان يقولُ: إنَّ الرَّاسخينَ في العلمِ يعلمون التَّأويلَ؛ أي التَّفسيرَ المذكورَ، وهذا هو الذي قصده ابن قتيبة وأمثاله ممن يقولُ إنَّ الرَّاسخين في العلم يعلمون التَّأويل، ومرادهم به التَّفسير. وهم يثبتون الصفات، لا يقولون بتأويل الجهميَّة النُّفاة، التي هي صرفُ النُّصوصِ عن مقتضاها ومدلولِها ومعناها ... وأمَّا التَّأويلُ؛ بمعنى: صرف اللَّفظِ عن الاحتمالِ الرَّاجحِ إلى الاحتمالِ المرجوحِ؛ كتأويلِ من تأوَّلَ استوى بمعنى: استولى ونحوه، فهذا عند السَّلفِ والأئمَّةِ باطلٌ لا

стр. 128

حقيقةَ له، بل هو من باب تحريفِ الكَلِمِ عن مواضعِه والإلحادِ في أسماءِ اللهِ وآياتِه» (١). علاقةُ المتشابِه بالتَّأويلِ من خلال آيةِ آل عمران: وبعد هذا التَّلخيصِ، أذكرُ مسألةً متعلِّقةً بموضوع الآيةِ والتَّأويلِ، وهي مسألةُ «المتشابه» الذي نصَّت عليه الآيةُ، في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وسأذكرُ الأمرَ ملخَّصاً حسب حاجةِ هذا البحثِ، فأقولُ: * أوَّلاً ـ إذا كانَ التَّأويلُ بمعنى التَّفسيرِ: إذا كانَ التَّأويلُ بمعنى التَّفسيرِ، فإنَّ المتشابِه يتعلَّقُ بأمرٍ يمكنُ أنْ يَعْلَمَهُ النَّاسُ، وهو المعنى، فإذا خفيَ على بعضِهم شيءٌ من معناه، فهو بالنِّسبةِ لهم متشابِهٌ، ويكونُ من بابِ المتشابِه النِّسبيِّ الذي يعلمُه قومٌ دون قومٍ. وهذا ما وقع في سبب نزولِ الآيةِ مما حُكِيَ عن وفدِ

стр. 129

نصارى نجران، من استدلالهم على كونِ عيسى ابناً لله ـ تعالى الله عمَّا يقولون ـ بما ورد من وصفِه في القرآنِ بأنَّه كلمة الله، وروح منه، واحتجاجهم على التَّثليثِ بخطاب الله عباده بصيغة الجمع «إنَّا»، و «نحن»، وغيرها. ولهذا جاء غالبُ تفسيرِ السَّلفِ لمعنى المتشابه في هذه الآية أمثلةً لشيءٍ يقعُ فيه جهلُ بعض النَّاسِ، ولا يدركونَه؛ كالمنسوخ من الآي، أو ما احتمل أكثرَ من وجهٍ في التَّفسيرِ، أو ما كانت قصَّتُه واحدةً واختلفَ التَّعبيرُ عنها؛ كما في عصا موسى التي وُصِفَتْ في حدثٍ واحدٍ بأنها حية وفي آية أخرى بأنها ثعبانٌ (١). ويدخلُ في المتشابه النِّسبيِّ كلُّ من أخطأ التَّأويلَ الصَّحيحَ ولم يعرفْهُ، فإنَّه بالنِّسبةِ له من المتشابهِ بغضِّ النَّظرِ عن قصدهِ، وذلك كما وقع للسَّائلِ الذي سأل ابن عباس عن آياتٍ رأى أنها يخالفُ بعضُها بعضاً، فعن سعيد بن جبير (ت:٩٤) قال: «قال رجلٌ لابن عبَّاسٍ: إنِّي أجدُ في القرآنِ أشياءَ تَخْتَلِفُ عليَّ، قال: ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ

стр. 130

وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآية. وقالَ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إلى قولهِ: ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فذكرَ خَلْقَ السَّماءِ قبلَ خَلْقِ الأرضِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]، فذكر في هذه خَلْقَ الأرضِ قبل السَّماءِ. وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فكأنه كانَ ثُمَّ مَضَى. فقال: ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠١] في النَّفْخَةِ الأولى، ثُمَّ يُنفخُ في الصُّورِ، فصعق من في السَّماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنسابَ بينهم عند ذلك، ولا يتساءلون. ثُمَّ في النَّفخةِ الآخرةِ أقبل بعضُهم على بعضٍ يتساءلون. وأمَّا قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فإن الله يغفرُ لأهل الإخلاصِ ذنوبَهم، فقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فخُتِمَ على أفواهِهم، فَتَنْطِقُ أيديهم، فعند ذلك عرف أنَّ اللهَ لا يُكْتَمُ

стр. 131

حديثاً، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ٤٢]. وخلقَ الأرضَ في يومينِ، ثم خلقَ السَّماءَ، ثُمَّ استوى إلى السَّماءِ فسواهُنَّ في يومين آخَرَين، ثُمَّ دَحَا الأرضَ، ودَحْوُهَا: أنْ أخرجَ منها الماءَ والمرعَى، وخَلَقَ الجبالَ والجِمَالَ والآكَامَ وما بينهما في يومين آخَرَينِ، فذلك قولُه: ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، وقولُه: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] فَجُعِلَتِ الأرضُ وما فيها مِنْ شَيْءٍ في أربعةِ أيَّامٍ، وخُلِقَتِ السَّماواتُ في يومينِ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سَمَّى نفسَه بذلك، وذلك قولُه؛ أي: لم يَزَلْ كذلك. فإنَّ اللهَ لم يُرِدْ شيئاً إلا أصابَ به الذي أرادَ، فلا يختلفْ عليك القرآنُ، فإن كلاً مِنْ عندِ اللهِ» (١). فهذا سائلٌ اشتبه عليه شيءٌ من القرآنِ، فرجع به إلى الراسخين في العلمِ، إلى حبرِ الأمَّةِ وترجمانِ القرآنِ، فأخبرَه بمعنى ما كان متشابهاً عنده، وكلُّه كما ترى داخلٌ في المعلومِ، وليس فيما استأثرَ اللهُ بعلمِه.

стр. 132

وليس الوقوعُ في المتشابه النِّسبيِّ مشكلاً، إذ لا يسلمُ أحدٌ منه؛ لأنه قد يخفى عليه كثيرٌ من المعاني، فما كان خافياً عليه، كان بالنِّسبةِ له متشابِهاً. لكن إن عمدَ إلى الآياتِ، وحرفَ مدلولها، أو عمد إلى قضيَّةٍ كليَّةٍ؛ كالقدرِ وغيرِه، وأخذَ بجزءٍ من آياتِها التي توافقُ معتقدَه، وحرَّف الآيات الأخرى أو أهملَها = قَصْدَ الزَّيغِ والتَّحريفِ والفتنةِ، كانَ مذموماً بنصِّ الآيةِ، وينطبقُ هذا على عمومِ أهلِ البِدَعِ؛ كالخوارجِ والسَّبئيَّةِ، وغيرهم. فالخوارجُ استدلُّوا ببعضِ آياتٍ على أنَّ الحكمَ لله، وجَهِلُوا وتناسوا الآياتِ الأخرى التي تثبت جواز حُكْمِ الخلقِ في بعض القضايا، فقالوا في مناظرةِ ابن عباس (ت:٦٨) لهم: «أنه حَكَّمَ الرِّجالَ في دين اللهِ (١)، وقد قال الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧، يوسف: ٤٠، ٦٧]». فردَّ عليهم ابن عبَّاسٍ (ت:٦٨)، وقال: «أرأيتم إن قرأتُ عليكم من كتابِ اللهِ المُحْكَمِ وحدَّثُتُكم من سنَّةِ نبيِّكم ﷺ ما لا تنكرون، أترجعون؟. قالوا: نعم.

стр. 133

قال: قلت: أمَّا قولُكم: إنه حَكَّمَ الرِّجالَ في دين الله، فإنه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، أنشدكم اللهَ: أفَحُكْمُ الرِّجالِ في حقنِ دمائهم وأنفسِهم وصلاحِ ذاتِ بينهم أحقُّ، أم في أرنبٍ ثمنُها رُبْعُ دِرْهَمٍ؟!. فقالوا: اللَّهمَّ في حَقْنِ دمائهم وصلاحِ ذاتِ بينهم. قال: أخرجتُ من هذه. قالوا: اللَّهمَّ نعم ...» (١). فانظرْ، كيفَ ضَلُّوا بأخذِهم جزءاً من الآياتِ، وتركهم غيرَها مما يبيِّنُ فسادَ ما اعتقدوه؟! وانظر كيف ردَّهم الراسخُ في العلمِ: حبرُ الأمَّةِ ابن عبَّاسٍ (ت:٦٨)؟! فللَّهِ دَرُّه من راسخٍ في العلمِ. والسَّبئيَّةُ حرَّفوا شيئاً من القرآنِ، وجعلوه يدلُّ على معتقداتِهم، وكذا سارَ على طريقتِهم في التَّحريفِ من جاء بعدهم من غلاةِ الرَّافضةِ ومن الباطنيَّةِ. وقد ذكر الطبريُّ (ت:٣١٠) في تاريخه شيئاً من

стр. 134

تحريفات عبد الله بن سبأ، ومنها قوله: «العجبُ ممن يزعمُ أنَّ عيسى يرجعُ، ويُكَذِّبُ بأنَّ محمداً يرجعُ، وقد قال اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، فمحمَّدٌ أحقُّ بالرجوعِ من عيسى، قال: فقُبِلَ ذلك عنه، ووضَعَ لهم الرَّجعة (١)، فتكلَّمُوا فيها» (٢). ولم يثبتِ البتَّةَ رجوعُ النَّبيِّ ﷺ إلى الدُّنيا بعدَ مماتِه، ولكنَّ ابن سبأ اعتمدَ على هذا الإجمال الوارد في قوله: ﴿لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، وجعلَه في عقيدةٍ جديدةٍ بثَّها في أصحابِه الجُهَّالِ، فقبلُوها. والواردُ عن الرَّاسخينَ في علمِ التَّفسيرِ، الذين هم أعلمُ بالتَّأويلِ: لرادُّك إلى الموتِ، أو إلى الجنَّةِ، أو إلى بلدكَ مكَّةَ (٣)، وليس فيها مثلُ هذه العقيدةِ الفاسدة. وقد أشارَ قتادة (ت:١١٧) إلى هذين الصِّنفين من أهل البِدَعِ، وجعلَهم مقصودينَ بهذه الآيةِ، فقال: «إن لم يكونوا الحروريَّة والسبئيَّة فلا أدري من هم، ولعمري لقد كان في

стр. 135

أهلِ بدرٍ والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله بيعة الرِّضوان من المهاجرين والأنصارِ = خبرٌ لمن استخبرَ، وعبرةٌ لمن استعبرَ، لمن كان يعقل أو يبصر. إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله يومئذٍ كثير بالمدينة والشام والعراق وأزواجه يومئذٍ أحياء، والله إنْ خرج منهم ذكرٌ ولا أنثى حروريًّا قطُّ، ولا رضوا الذي هم عليه، ولا مالؤهم فيه، بل كانوا يحدِّثون بعيب رسول الله إياهم، ونعتِه الذي نعتهم به، وكانوا يبغضونهم بقلوبهم، ويعادوهم بألسنتهم، وتشتدُّ ـ والله ـ عليهم أيديهم إذا لقوهم، ولعمري لو كان أمر الخوارج هُدَىً لاجتمع، ولكنه كان ضلالاً فتفرق، وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله، وجدت فيه اختلافاً كثيراً، فقد ألاصُوا (١) هذا الأمر منذ زمان طويل، فهل أفلحوا فيه يوماً، أو أنجحوا؟! يا سبحان الله! كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم؟ لو كانوا على هدى قد أظهره الله وأفلحه ونصره، ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه. فهم كما رأيتهم، كلما خرج لهم قَرْنٌ أدحض الله

стр. 136

حجتهم، وأكذب أحدوثَتهم، وأهرق دماءهم. إن كتموا كان قَرْحاً في قلوبهم، وغمًّا عليهم. وإن أظهروه أهراقَ اللهُ دماءهم. ذاكم ـ والله ـ دينُ سوءٍ فاجتنبوه، والله إنَّ اليهوديَّة لبدعة، وإنَّ النَّصرانيَّة لبدعةٌ، وإنَّ الحروريَّة لبدعةٌ، وإنَّ السَّبئيَّةَ لبدعة، ما نزل بهن كتاب، ولا سنهن نبي» (١). وهذا يعني أنَّ أهلَ البدعِ وقعوا في المتشابه، فأخذوا بجزءٍ من الكتابِ وحرَّفوا ما لا يوافقُ رأيهم، فالجبريُّ يثبتُ الآياتِ التي يرى فيها إثباتَ الجبرِ، ويؤوِّل غيرها من الآياتِ التي تدلُّ على خلافِ مذهبِه. والقدريُّ يثبتُ الآياتِ التي يرى فيها إثباتَ القدر، ويؤوِّل غيرها من الآياتِ التي تدلُّ على خلافِ مذهبِه. والمعتزليُّ يثبتُ معانيَ آياتٍ يرى أنها تدلُّ على مذهبِه، ويؤوِّلُ غيرها مما لا يوافقُ مذهبَه، فتراه يفسِّر قوله تعالى: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] على أنَّها تثبتُ عدم وقوعِ رؤيةِ الباري، فيعتمدها في نفي رؤيةِ الله في الآخرةِ. وإذا جاء إلى قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إِلَى رَبِّهَا

стр. 137

نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وجدته يؤوِّلها ويحرفُ معناها إلى: تنتظرُ ثوابَ ربِّها. مخالفاً بذلك التَّفسيرَ الصَّحيحَ الدَّالَّ على رؤيةِ اللهه . وهكذا غيرهم من أهل البدع والأهواءِ، تراهم يجعلون القرآن عضين، فيأخذون ببعضه ويتركون بعضه الآخر. وكلُّ هذه المؤوَّلاتِ يعلمُها الرَّاسخونَ في العلمِ، ويبيِّنون فسادَ أقوالِ هؤلاء الذين أخطأوا التَّأويل، وانحرفوا عن جادَّةِ الصوابِ. ثانياً ـ إذا كان التَّأويلُ بمعنى: ما تؤول إليه حقيقةُ الشيءِ: إذا كان التَّأويلُ بمعنى: ما تؤول إليه حقيقةُ الشَّيءِ، فإنَّ المتشابه يتعلَّقُ بأمرٍ لا يمكنُ أنْ يَعْلَمَهُ النَّاسُ، وهو ما تؤولُ إليه حقائقُ الأشياءِ التي ذكرها اللهُ في القرآنِ أو ذكرَها رسولُه ﷺ ، وهذا يتعلَّقُ بالغيبيَّاتِ، وهذا النَّوعُ هو المتشابِه الكُلِّيُّ، الذي يستوي الناس جميعاً في عدمِ إدراكِه، ويتعلَّقُ بأمرينِ: وقتِ الوقوعِ، وكيفيَّةِ ما يقعُ من المغيَّباتِ؛ كوقت خروجِ الدَّابَّةِ، ونزولِ عيسى ﵇، ووقت قيام الساعة، وكيفيَّات كثيرٍ من الغيبيَّاتِ التي لم يُطلِعِ اللهُ عبادَهُ عليها، ككيفيَّاتِ صفاتِه العُلَى، وكيفيَّةِ الدابَّةِ التي

стр. 138

تخرجُ في آخرِ الزَّمانِ، وغيرِها من الكيفيَّاتِ. أمَّا إذا كان الخبرُ الصَّحيحُ وارداً في كيفيَّةٍ من كيفيَّاتِ هذه المغيَّباتِ، فإنَّها خارجةٌ من هذا القسمِ، وداخلةٌ في قسم المعلومِ. وتطلُّبُ هذا القسمِ زيغٌ؛ لأنَّه مما استأثرَ اللهُ بعلمِه، ولم يُرِدْ أنْ يُطلِعَ عبادَه عليه، فمن تعرَّضَ إلى تأويلِه، فقد افترى على اللهِ، وقال عليه بغيرِ علمٍ، ويدخلُ في ذلك من يطلب الآجالَ والمُدَدَ من الحروفِ المقطَّعةِ في أوائلِ السُّورِ، ويزعم أنَّ سرَّ المغيَّباتِ مندرجٌ تحتها، وأنَّه يمكنُ معرفةُ شيءٍ من الغيبِ عن طريقِ تفكيكها وتفسيرِها، أو من يطلبُ المغيَّباتِ بواسطة الأعدادِ المذكورةِ في القرآنِ، ويزعم أنَّه يؤخذُ منها علماً غيبيًّا؛ كبعضِ من كتبَ في ما يُسمى بالإعجاز العدديِّ في القرآن الكريمِ (١). كما يدخل فيه أيضاً من يطلب الحِكَمَ الخفيَّةَ التي لم يطلعِ الله عباده عليها، وذلك شامل لعموم ما جاءت به

стр. 139

الشريعة؛ كمن يجتهد في معرفة سبب تحريم بعض المحرمات أو معرفةِ سببِ جَعْلِ الصلوات بهذا العدد، وجعل صلاة المغرب ثلاثاً والعصر أربعاً، وهكذا. وليس المراد هنا أن بعض الحِكَمِ لا تظهر للعبادِ، لكن المراد أنَّ تطلُّبَها والحرص عليها وتوقُّف الإيمان ببعض الأحكام عليها مما يكون من باب المتشابه الذي يتبعه الزائغون ولا يحصلون وراءه على شيء يفيدهم في العمل. والقاعدة الكبرى في باب الحكم إن لم تظهر لك أن تقول فيها: الحِكمة من فعل ذلك الأمر الشرعيِّ أمرُ الآمرِ به، وهو الله سبحانه، وبذا كان جواب الفقيهة أم المؤمنين عائشة لما سئلت: لم تقضي المرأة الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة. فقالت: كنا نؤمر بذلك. وهذا يعني أنه ما دام الله قد أمر أو نهى، فإنه يُعمل بهذا الحكم؛ لأنَّ الواجب على المسلم التسليم لشرع الله، والعمل به، لا البحث عن حِكْمَةِ تشريعِه أو التأخر في تطبيقه، أو الاعتراض عليه، فإنَّ هذا ينافي الاستسلام لله. ولما كان هذا القسمُ [أي: المتشابه الكلي] مما لا يُدركُه البشرُ، فإنه خارجٌ عن حدِّ التَّفسيرِ، وليس منه على

стр. 140

الإطلاقِ، وهذا الذي يقف عنده العلماءُ الرَّاسخونَ، ويقولون آمنَّا به كلٌّ من عند ربِّنا؛ لأنَّه لا يتأتَّى لهم إلا التَّسليمُ لخبرِ اللهِ وتصديقُه. وإذا تبيَّنَ هذا، عُلِمَ أنَّ اللهَ لم يخاطبْ عبادَه في كتابِه بما لا يعلمون معناه، أمَّا ما يتعلَّقُ بحقائق بعض المغيَّباتِ من وقت وقوعِها أو كيفيَّتِها، فإنَّها موجودةٌ في القرآنِ، ولكنَّها خارجةٌ عن المعنى، فلا يجوزُ بحثُها. مثالُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. فمعنى الدَّابَّةِ معروفٌ، وهي الحيوانُ الذي يدبُّ على الأرضِ، وهذا هو التَّفسيرُ. لكن متى تخرجُ؟ وكيف تخرجُ؟ وما أوصافُها؟ كلُّ هذا من الغيبِ الذي استأثرَ الله بعِلمِه، فهو من المتشابِه الكُليِّ الذي يُوكَلُ عِلمَه إلى الله. وقس على هذا صفاتِ اللهِ سبحانه، فقد أخبر عن نفسه، وهو بها أعلمُ، فقال: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].

стр. 141

فمعنى الاستواء: العلوُّ والارتفاعُ، وهذا هو التَّفسيرُ. لكن كيف استوى؟ هذا من الغيبِ الذي استأثر الله بعلمه، فهو من المتشابِه الكليِّ الذي لا يعلمُه إلاَّ اللهُ، ولذا لا تجدُ لعلماء الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومن سارَ على نهجهم تفسيراً للكيفِ، وإنما تفسيرُهم للمعنى، ومن أشهرِ ما وردَ في هذه الصِّفةِ الإلهيَّةِ، قول مالك بن أنس (ت:١٩٧) لما سئل: كيف استوى؟. فقال: «استواؤه معقولٌ، وكيفيَّتُه مجهولةٌ، وسُؤالُك عن هذا بدعةٌ، وأراك رجلَ سوءٍ» (١). القول في الأحرف المقطعة: وقبل أن أختم الحديث عن هذا الموضوع، أشيرُ إلى

стр. 142

ما قد يسأل عنه القارئ، وهو هل الأحرف المقطعة من المتشابه؟. الجواب: فيه تفصيل، فإن كان المراد أنها من المتشابه النسبي الذي قد يخفى على قوم، فنعم. وإن كان المراد أنها من المتشابه الكلي، فلا، ومن أدخلها في المتشابه الكلي، فقد أخطأ؛ لأن السلف قد تعرَّضوا للقول فيها، ولو كانت من المتشابه الكلي لما قالوا فيها شيئاً، وهذا من أدلِّ الدليل على خروجها عن أن تكون من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله. ويورد بعض أعلام المتكلِّمين هنا سؤالاً: هل يجوز أن يخاطبنا الله بما لا نعلم معناه؟. أو هل في القرآن ما لا نعلم تأويله؟ (١). وبعضهم يبنون على هذا أنَّ الأحرف المقطعة، وغيرها من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله، لذا يقولون في تفسيرها: الله أعلم بمراده بها.

стр. 143

وتركيب السؤال غلط؛ لأنه لا يوجد في القرآن ما لا يُعلمُ معناه، حتى يخفى على الجميع، وما يوجد فيه مما لا يصل إليه علم البشر هو خارج عن المعنى وداخل في أمر آخر، وهو أمر الغيبيات التي سبق الإشارة إليها من وقت وقوعها وكيفياتها، وكذا بعض الحِكَمِ التي أخفاها الله على عباده، فكل هذه لا علاقة لها بفهم المعنى، بل هي خارجة عنه. وإذا تأملت الأحرف المقطعة وما قال العلماء فيها، وجدتهم فريقين: الفريق الأول: من قال: إن الله استأثر بعلمها، وفحوى قولهم أن لها معنى، لكن لا يعلمه إلاَّ الله. الفريق الثاني: من تعرَّض للحديث عنها، وذكر فيها كلاماً، وهم على قسمين: قسم يظهر من كلامهم أن لها معنى، ولها تفسير يعلمُ معناه. وقسم يجعلها حروفاً لا معنى لها؛ لأن الحرف في لغة العرب لا معنى له. والصحيح في ذلك ـ والله أعلم ـ ما لخَّصه العلاَّمةُ أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى

стр. 144

(ت:١٤٢١)، فقد قال في جواب له عنها: «هذه الحروف ليس لها معنى، ولها مغزى». وهذا الجواب مبني على أنَّ الحرف في لغة العرب لا معنى له، والقرآن نزل بلغتهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، والعرب لم تجعل للحرف المفرد معنى، فحرف الصاد بمفرده لا معنى له، وكذا حرف الدال، وحرف القاف، لكن إذا جمعتها إلى بعضها تركَّب منها كلمة لها مدلول، وهي «صدق»، وهكذا غيرها من الأحرف التي هي مباني الكلام. ولما كان الحرف لا معنى له في لغتهم، فإنه لا يُتطلَّب لهذه الأحرف معنى محدَّداً تدلُّ عليه. وإذا تأمَّلت جمهور تفسير السلف، وجدته راجعاً إلى هذا التحرير الذي ذكرته لك، وقد أشار إلى ذلك بعض المحققين. قال الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٠٠): «... وقال: ﴿أَلَمْ﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] تنبيهاً على أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادة الكلام» (١).

стр. 145

وقال: «إن المفهوم من هذه الحروف، الأظهر بلا واسطة، ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة؛ كالفراء وقطرب ـ وهو قول ابن عباس وكثير من التابعين على ما نبينه من بعد ـ وهو أن هذه الحروف لما كانت عنصر الكلام ومادته التي يتركب منها، بيَّن تعالى أنَّ هذا الكتاب من هذه الحروف التي أصلها عندكم، تنبيهاً على إعجازهم، وأنه لو كان من عند البشر لما عجزتم ـ مع تظاهركم ـ عن معارضته» (١). وقال: «وما روي عن ابن عباس أن هذه الحروف اختصار من كلمات، فمعنى: «ألم»: أنا الله أعلم، ومعنى «ألمر»: أنا الله أعلم وأرى، فإشارة منه إلى ما تقدم. وبيان ذلك ما ذكره بعض المفسرين أنَّ قصده بهذا التفسير ليس أن هذه الحروف مختصة بهذه المعاني دون غيرها، وإنما أشار بذلك إلى ما فيه الألف واللام والميم من الكلمات تنبيهاً أن هذه الحروف منبع هذه الأسماء، ولو قال: إنَّ اللام يدل على اللعن، والميم على المكر، لكان يُحمل، ولكن تحرَّى في المثال اللفظ الأحسن؛ كأنه قال: هذه الحروف هي أجزاء ذلك الكتاب.
следующие страницы →