← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8199

مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر

مساعد الطيار

Полный текст (224 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فمعنى الاستواء: العلوُّ والارتفاعُ، وهذا هو التَّفسيرُ. لكن كيف استوى؟ هذا من الغيبِ الذي استأثر الله بعلمه، فهو من المتشابِه الكليِّ الذي لا يعلمُه إلاَّ اللهُ، ولذا لا تجدُ لعلماء الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومن سارَ على نهجهم تفسيراً للكيفِ، وإنما تفسيرُهم للمعنى، ومن أشهرِ ما وردَ في هذه الصِّفةِ الإلهيَّةِ، قول مالك بن أنس (ت:١٩٧) لما سئل: كيف استوى؟. فقال: «استواؤه معقولٌ، وكيفيَّتُه مجهولةٌ، وسُؤالُك عن هذا بدعةٌ، وأراك رجلَ سوءٍ» (١). القول في الأحرف المقطعة: وقبل أن أختم الحديث عن هذا الموضوع، أشيرُ إلى

стр. 142

ما قد يسأل عنه القارئ، وهو هل الأحرف المقطعة من المتشابه؟. الجواب: فيه تفصيل، فإن كان المراد أنها من المتشابه النسبي الذي قد يخفى على قوم، فنعم. وإن كان المراد أنها من المتشابه الكلي، فلا، ومن أدخلها في المتشابه الكلي، فقد أخطأ؛ لأن السلف قد تعرَّضوا للقول فيها، ولو كانت من المتشابه الكلي لما قالوا فيها شيئاً، وهذا من أدلِّ الدليل على خروجها عن أن تكون من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله. ويورد بعض أعلام المتكلِّمين هنا سؤالاً: هل يجوز أن يخاطبنا الله بما لا نعلم معناه؟. أو هل في القرآن ما لا نعلم تأويله؟ (١). وبعضهم يبنون على هذا أنَّ الأحرف المقطعة، وغيرها من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله، لذا يقولون في تفسيرها: الله أعلم بمراده بها.

стр. 143

وتركيب السؤال غلط؛ لأنه لا يوجد في القرآن ما لا يُعلمُ معناه، حتى يخفى على الجميع، وما يوجد فيه مما لا يصل إليه علم البشر هو خارج عن المعنى وداخل في أمر آخر، وهو أمر الغيبيات التي سبق الإشارة إليها من وقت وقوعها وكيفياتها، وكذا بعض الحِكَمِ التي أخفاها الله على عباده، فكل هذه لا علاقة لها بفهم المعنى، بل هي خارجة عنه. وإذا تأملت الأحرف المقطعة وما قال العلماء فيها، وجدتهم فريقين: الفريق الأول: من قال: إن الله استأثر بعلمها، وفحوى قولهم أن لها معنى، لكن لا يعلمه إلاَّ الله. الفريق الثاني: من تعرَّض للحديث عنها، وذكر فيها كلاماً، وهم على قسمين: قسم يظهر من كلامهم أن لها معنى، ولها تفسير يعلمُ معناه. وقسم يجعلها حروفاً لا معنى لها؛ لأن الحرف في لغة العرب لا معنى له. والصحيح في ذلك ـ والله أعلم ـ ما لخَّصه العلاَّمةُ أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى

стр. 144

(ت:١٤٢١)، فقد قال في جواب له عنها: «هذه الحروف ليس لها معنى، ولها مغزى». وهذا الجواب مبني على أنَّ الحرف في لغة العرب لا معنى له، والقرآن نزل بلغتهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، والعرب لم تجعل للحرف المفرد معنى، فحرف الصاد بمفرده لا معنى له، وكذا حرف الدال، وحرف القاف، لكن إذا جمعتها إلى بعضها تركَّب منها كلمة لها مدلول، وهي «صدق»، وهكذا غيرها من الأحرف التي هي مباني الكلام. ولما كان الحرف لا معنى له في لغتهم، فإنه لا يُتطلَّب لهذه الأحرف معنى محدَّداً تدلُّ عليه. وإذا تأمَّلت جمهور تفسير السلف، وجدته راجعاً إلى هذا التحرير الذي ذكرته لك، وقد أشار إلى ذلك بعض المحققين. قال الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٠٠): «... وقال: ﴿أَلَمْ﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] تنبيهاً على أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادة الكلام» (١).

стр. 145

وقال: «إن المفهوم من هذه الحروف، الأظهر بلا واسطة، ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة؛ كالفراء وقطرب ـ وهو قول ابن عباس وكثير من التابعين على ما نبينه من بعد ـ وهو أن هذه الحروف لما كانت عنصر الكلام ومادته التي يتركب منها، بيَّن تعالى أنَّ هذا الكتاب من هذه الحروف التي أصلها عندكم، تنبيهاً على إعجازهم، وأنه لو كان من عند البشر لما عجزتم ـ مع تظاهركم ـ عن معارضته» (١). وقال: «وما روي عن ابن عباس أن هذه الحروف اختصار من كلمات، فمعنى: «ألم»: أنا الله أعلم، ومعنى «ألمر»: أنا الله أعلم وأرى، فإشارة منه إلى ما تقدم. وبيان ذلك ما ذكره بعض المفسرين أنَّ قصده بهذا التفسير ليس أن هذه الحروف مختصة بهذه المعاني دون غيرها، وإنما أشار بذلك إلى ما فيه الألف واللام والميم من الكلمات تنبيهاً أن هذه الحروف منبع هذه الأسماء، ولو قال: إنَّ اللام يدل على اللعن، والميم على المكر، لكان يُحمل، ولكن تحرَّى في المثال اللفظ الأحسن؛ كأنه قال: هذه الحروف هي أجزاء ذلك الكتاب.

стр. 146

ومثل هذا في ذكر نُبَذٍ تنبيهاً على نوعه، قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أنه الماء الحار في الشتاء، ولم يُرِدْ به أن النعيم ليس إلا هذا، بل أشار إلى بعض ما هو نعيم تنبيهاً على سائره، فكذلك أشار بهذه الحروف إلى ما يتركب منها، وعلى ذلك ما رواه السُّدِّيُّ عنه أن ذلك حروف إذا رُكِّبت يحصل منها اسم الله. وكذلك ما روي عنه أنه قال: هي أقسام = غير مخالف لهذا القول، وذاك أن الأقسام الواردة في فواتح السور إنما هي بنعم، وأجوبتها تنبيه عليها، ـ فيكون قوله: ﴿أَلَمْ﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] جملة في تقدير مقسم به. وقوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] جوابها، ويكون إقسامه بها تنبيهاً على عِظَمِ موقعها، وعلى عجزنا عن معارضة كتابه المؤلف منها. فإن قيل: لو كان قسماً، لكان فيه حرف القسم. قيل: إن حرف القسم يُحتاج إليه إذا كان المقسم به مجروراً. فأما إذا كان مرفوعاً نحو: «ويمُ الله»، أو منصوباً نحو: «يمينَ الله»، فليس بمحتاج إلى ذلك. وما قاله زيد بن أسلم والحسن ومجاهد وابن جريج

стр. 147

أنها أسماء للسور، فليس بمناف للأول، فكل سورة سُمِّيت بلفظ متلو منها، فله في السورة معنى معلوم. وعلى هذا القصائد والخطب المسماة بلفظ منها ما يفيد معنى فيها. وكذلك ما قاله أبو عبيدة، وروي أيضاً عن مجاهد وحكاه قطرب والأخفش: أن هذه الفواتح دلائل على انتهاء السورة التي قبلها، وافتتاح ما بعدها، فإن ذلك يقتضي من حيث إنها لم تقع إلاَّ (١) في أوائل السور = يقتضي ما قالوه، ولا يوجب ذلك أن لا معنى سواه ...» (٢). ومن هذا يتبين أن هذه الأحرف تخرج عن المتشابه الكلي، كما لا تدخل في السؤال الذي يطرحه بعض العلماء، وهو هل في القرآن ما لا يعلم معناه؟ لأنها أحرف لا تحتوي على معنى بذاتها فيطلب منها، أما إذا تركب منها الكلام، فلا يمكن أن يكون في القرآن كلام لا يعرف معناه، والله الموفق. وبقي في هذه الأحرف مسألة، وهي المغزى من هذه الأحرف، وهو على التحقيق: ما ذكر ابن كثير (ت:٧٧٤)، قال: «وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل

стр. 148

السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مُرَكَّبٌ من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وقد حَكَىَ هذا المذهب الرازيُّ في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقَرَّره الزمخشريُّ في كشافه، ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن. قال: وجاء منها على حرف واحد؛ كقوله: ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾، وحرفين مثل: ﴿حم﴾، وثلاثة مثل: ﴿الم﴾، وأربعة مثل: ﴿المر﴾ و ﴿المص﴾، وخمسة مثل: ﴿كهعيص﴾ و ﴿حمعسق﴾؛ لأن أساليب كلامهم على هذا: من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك. قلت: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلا بد أن

стр. 149

يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢]. ﴿الم *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]. ﴿المص﴾ ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١ - ٢]. ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]. ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١ - ٢]. ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١ - ٢]. ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ١ - ٣]. وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم» (١). وبهذا ينتهي الحديث عن الأحرف المقطعة، وبالله التوفيق.

стр. 150

مفهوم الاستنباط

стр. 151

بعد أن بَانَ حدُّ التفسيرِ، وعلمتَ أنَّ كثيراً مما في كتب التفسيرِ قد يكون خارجاً عن حدِّ البيانِ؛ ككثيرٍ من اللطائفِ والمُلَحِ العلميةِ، والنِّكاتِ البلاغيةِ، والاستنباطاتِ العلميةِ من فقه وآدابٍ وتربوياتٍ وهداياتٍ قرآنيةٍ وغيرِها، فاعلمْ أنَّ من أهمِّ ما هو خارجٌ عن البيانِ، ومن أنفعِه للناس بعد التفسير = علمُ الاستنباطِ من القرآنِ الذي لا حدَّ له، وقد يفتح الله على عبادِه في عصرٍ ما لم يفتحْهُ على من قبلَهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. معنى الاستنباط: تدورُ مادَّةُ «نَبَطَ» على أصلٍ واحدٍ، وهو استخراجُ شيءٍ (١)، والألف والسين والتاء في استنبط تدلُّ على تطلُّبِ الشيءِ لأجلِ حصولِه، وكأنَّ فيها معنى التَّكلُّفِ في إعمالِ العقلِ الذي يحتاجُه المستنبطُ حال الاستنباطِ، واللهُ أعلمُ. قال الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «وكلُّ مستخرجٍ شيئاً كان مستتراً عن العيون أو عن معارف القلوبِ، فهو له مستنبطٌ،

стр. 152

يقال: استنبطتُ الرَّكِيَّة: إذا استخرجتَ ماءها» (١). وقال الصَّغانيُّ: «وكلُّ شيءٍ أظهرته بعد خفائه: فقد انبطتَه واستنبطتَه. وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]؛ أي: يستخرجونه. ويقال: استنبط الفقيه: إذا استخرج الفِقهَ الباطنَ بفَهْمِه واجتهادِه» (٢). مِمَّ يكونُ الاستنباط ؟: ينقسم القرآن إلى قسمين: نص ظاهر لا يخفى، ولا يحتاج إلى تفسير، وهذا يستنبط منه مباشرة. ونص يحتاج إلى تفسيرٍ، وهذا يكون الاستنباط منه بعد بيانه وتفسيرِه. تحليل عملية الاستنباط، وذكر أنواعه المندرجة تحته: الاستنباطُ ربط كلامٍ له معنى بمدلول الآيةِ، بأي نوع

стр. 153

من أنواع الربطِ، كأن يكون بدلالة إشارةٍ أو دلالة مفهومٍ، أو غيرها. وكلُّ كلامٍ رُبِطَ بمعنى الآيةِ فإنه من هذا الباب؛ لأنَّ الذي يقول به يرى أنَّ الآيةَ دلَّت عليه بأي نوع من أنواع الدِّلالة. وقد يكون استنباطَ حكمٍ فقهيٍّ، أو يكونُ استنباطَ أدبٍ تشريعيٍّ عامٍّ، أو يكونُ استنباطَ أدبٍ أخلاقيٍّ في معاملةِ الناسِ، أو يكونُ استنباطَ فوائدَ تربويةٍ تتعلق بتزكيةِ النفوسِ، أو يكون استنباطَ فائدةٍ علميةٍ. ومن أمثلة ذلك ما يأتي: ١ - ما يُستنبط من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال الجصَّاص (ت:٣٧٠): «وفيها الدلالةُ على أنَّ الجَنَابَةَ لا تُنَافِي صحَّةَ الصومِ لما فيه من إباحةِ الجماعِ

стр. 154

من أوَّلِ الليل إلى آخره مع العلم بأنَّ المجامعَ في آخر الليل ـ إذا صادف فراغُه من الجماع طلوعَ الفجر ـ يصبح جُنُباً، ثم حُكِمَ ـ مع ذلك ـ بصحَّةِ صومه بقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾» (١). ٢ - ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٨) في معرض حديثه عن الإسرائيليات، قال: «.... ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعَّفَ القولين الأوَّلَين وسكت عن الثالث، فدل على صحَّته، إذ لو كان باطلاً لردَّه كما ردَّهما، ثم أرشد إلى أنَّ الاطلاع على عدَّتِهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن

стр. 155

أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تُستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن يُنبَّه على الصحيح منها ويبطل الباطل، وتُذكر فائدةُ الخلاف وثمرته لئلا يطول النِّزاع، والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيُشتغل به عن الأهم. فأما من حكى خلافاً في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضاً، فإن صحَّحَ غير الصحيح عامداً فقد تعمَّد الكذب، أو جاهلاً فقد أخطأ. كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالاً متعددة لفظاً ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيَّع الزمان وتكثَّر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثَوبَيْ زُورٍ، والله الموفق للصواب» (١).

стр. 156

٣ - ومنها ما ذكر السيوطي (ت:٩١١) من جملة الاستنباطات والفوائد في قصة موسى مع الخضر ﵉، قال: «فيها: أنه لا بأس بالاستخدام واتخاذ الرقيق والخادم في السفر. واستحباب الرحلة في طلب العلم. واستزادة العالم من العلم. واتخاذ الزاد للسفر، وأنه لا ينافي التوكل. ونسبة النسيان مجازاً وتأدباً عن نسبتها إلى الله تعالى. وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه، ولو كان دونه في المرتبة. واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه ما لا يحتمله طبعُه. وتقديم المشيئة في الأمر. واشتراط المتبوع على التابع. وأنه يلزم الوفاء بالشرط. وأن النسيان غيرُ مأخوذ به. وأنَّ الثلاث اعتباراً في التكرار ونحوه.

стр. 157

وأنه لا بأس بطلب الغريب للطعام والضيافة. وأن صنع الجميل لا يُتركُ ولو مع اللئام. وجواز أخذ الأجرة على الأعمال. وأنَّ المسكين لا يخرج عن مسكنته بكونه له سفينة أو آلة تَكَسُّبٍ أو شيء لا يكفيه. وأنَّ الغصب حرام. وأنَّه يجوز إتلاف مال الغير وتعييبه لوقاية باقيه؛ كمال المودِع واليتيم. وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب الأخف. وأنَّ الولدَ يُحفَظُ بصلاح أبيه ...» (١). وهذه الاستنباطات قد تكون قريبة المأخذ تتضح بلا إعمال ذهنٍ، وقد يَدِقُّ مسلَكُها ويخفى، فتحتاجُ إلى تفهُّمٍ وإعمالِ ذهنٍ، وقد يكون فيها تكلُّفٌ، وقد تكون ضعيفةً غير مقبولة. حكم الاستنباط: هذه الاستنباطاتُ ـ ويلحقُ بها الفوائد التَّفسيريَّة

стр. 158

وغيرها مما يُرْبطُ بنصِّ الآيةِ ـ من القولِ بالرَّأي، فإن كان الاستنباط عن علمٍ، فهو من الرأي المحمود الذي دلَّت النصوص على جوازه. وإن كان الاستنباط عن جهل، أو دخل فيه الهوى فحصل فيه تحريفٌ، فإنَّه من الرَّأي المذمومِ، وهذا النوع من الرَّأي حرامٌ، وهو داخلٌ تحت قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وغيرها من النُّصوصِ الواردةِ في ذمِّ الرَّأي الذي لا دليلَ عليه، واللهُ أعلمُ. القانون الكليِّ لصحة الاستنباط من عدمه: أنت في صياغة هذا القانون أمام ثلاثةِ أمور: نصٌّ مفسَّرٌ، إمَّا تفسيراً صحيحاً، وإمَّا تفسيراً خطأً، ونصٌّ ظاهرٌ، ومعلومة مرتبطة بأحدهما. وربطُ أيِّ معلومةٍ من المعلوماتِ، والزَّعمُ أنَّ القرآنَ دلَّ عليها لا يخلو من أحوالٍ: الحالُ الأولى: أن تكون المعلومةُ بذاتها فاسدةً باطلةً، تخالفُ ما جاءت به الشريعةُ، وحكم هذه المعلومة واضحٌ، فهي باطلةٌ بذاتِها، وربطُها بآياتِ القرآنِ خطأٌ بلا إشكالٍ.

стр. 159

وقد يكون ربطها بنصٍّ ظاهرٍ، أو بتفسير صحيحٍ، أو بتفسيرٍ غيرِ صحيحٍ. الحال الثانيةُ: أن تكونَ المعلومةُ بذاتِها صحيحةً، ولا تخالفُ الشريعةَ، بل هي مما دلَّت عليه الشريعة، وهذه على قسمين: الأول: أن يكونَ ربطُها بالآيةِ صحيحاً؛ أي أن الآية دلت عليها دلالة واضحةً لا يخالِفُ فيها مخالفٌ. وقد يكون الربطُ هنا بنصٍّ ظاهرٍ، أو بتفسيرٍ صحيحٍ. الثاني: أن تكون المعلومةُ صحيحةً بذاتِها، لكنَّ ربطها بالآيةِ خطأٌ؛ لأنَّ الآيةَ لا تدلُّ عليها بحالٍ. فالمعلومةُ لو حُكيت بدون ربطها بالآيةِ لكانت صحيحةً لا يخَالَفُ في صحتها؛ لكن الذي يُخالَفُ فيه هو كون الآيةِ دلَّت عليها. وقد يكون الربطُّ هنا بنصٍّ ظاهرٍ، أو بتفسيرٍ صحيحٍ. أمثلة للاستنباطات من النص الظاهر، ومن النصِّ الذي يحتاج إلى تفسير: يمكنُ تقسيمُ الاستنباط من الآياتِ إلى أقسامٍ: أوَّلاً ـ الاستنباط من النص الظَّاهرِ الذي لا يحتاج إلى تفسير: وهو على قسمين:

стр. 160

١ - أنْ يكونَ الاستنباطُ صحيحاً ، ومثاله: ما ذكر السيوطي (ت:٩١١) في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، قال: «واستدل به الشافعي على صحة أنكحة الكفار» (١). ٢ - أنْ لا يكون الاستنباطُ صحيحاً ، ومثاله: استنباطُ بعض الصُّوفيَّة جوازَ الرَّقصِ من قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، وهذا الاستنباطُ غيرُ صحيحٍ، والمعنى المدلول عليه خطأ بذاته، وهو الرَّقصُ؛ إذ الرَّقصُ لا يجوز أصلاً. قال القرطبي (ت:٦٧١): «استدل بعض جهال المتزهدة وطغام المتصوفة بقوله تعالى لأيوب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] على جواز الرَّقص. قال أبو الفرج الجوزي: وهذا احتجاج بارد؛ لأنه لو كان أُمِرَ بضربِ الرِّجلِ فَرَحاً كان لهم فيه شبهة، وإنما أُمِرَ بضرب الرِّجلِ ليَنْبُعَ الماءُ. قال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أُمِرَ ـ عند كشف البلاء ـ بأن يضرب برجله الأرض؛ لينبع الماء إعجازاً = من الرقص، ولئن جاز أن يكون تحريكُ رِجلٍ قد أَنْحَلَها

стр. 161

تَحَكُّمُ الهوامِّ دلالةً على جواز الرقص في الإسلام = جاز أن يُجعلَ قوله سبحانه لموسى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠] دلالة على ضرب الجماد بالقضبان، نعوذ بالله من التَّلاعب بالشرع (١) ...» (٢). • وقال الماورديُّ (ت:٤٥٠): «ذهب بعض من يتفقه من المفسِّرين إلى أنَّ من وصَّى بجزءٍ من مالِه لرجلٍ، أنها وصيَّةٌ بالعُشُرِ؛ لأنَّ إبراهيمَ وضعَ أجزاءَ الطَّيْرِ على عَشرَةِ جبالٍ» (٣). ثانياً ـ الاستنباطُ من نص غير ظاهر يحتاج إلى تفسير: وهذا النوع يكون الاستنباط منه بعد بيان المعنى؛ أي: التفسير، وهو على أقسام: ١ - أن يكونَ التفسيرُ صحيحاً، والاستنباطُ صحيحاً، وهذا كثيرٌ جِدًّا . ومثاله: ما استنبطه ابن عطيَّةَ الأندلسيُّ (ت:٥٤٢) من

стр. 162

قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، قال: «وظاهرُ هذه الآيةِ يقتضي أنَّ التَّدبُّرَ من أسبابِ إنزالِ القرآنِ، فالتَّرتيلُ إذاً أفضلُ لهذا؛ إذ التَّدبُّرُ لا يكونُ إلاَّ مع التَّرتيلِ» (١). ٢ - أن يكونَ التفسير صحيحاً، والاستنباط غير صحيح . ومثاله: ما استنبطَه ابنُ عطيَّةَ الأندلسيُّ (ت:٥٤٢) من قولِه تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ *أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]:، فبعد تفسيرِه للآيةِ تفسيراً صحيحاً، قال: «وهذه الآيةُ تَقْضِي بفسادِ وجودِ الخُنْثَى المُشْكِلِ» (٢). والآية لا تدلُّ على ما قالَه، ولم تنفِ وجوده، وإنَّمَا تُرِكَ ذكرُ الخُنثى المُشكلِ لندرَته وقلَّتِهِ أمامَ هذهِ الأقسامِ المذكورةِ، واللهُ أعلمُ. وقال ابن العربي (ت:٥٤٣) ـ وهو معاصرٌ لابن عطيَّةَ ـ:

стр. 163

«... أنكرَه قومٌ منْ رءوسِ العوامِ، فقالوا: إنَّه لا خُنْثَى، فإنَّ اللهَ تعالى قسَّمَ الخلقَ إلى ذكرٍ وأنثى. قلنا: هذا جَهْلٌ باللُّغةِ، وغباوةٌ عنْ مَقْطَعِ الفَصَاحَةِ، وقُصُورٌ عن مَعْرِفَةِ سَعَةِ القُدْرَةِ. أمَّا قدرةُ اللهِ سبحانَهُ، فإنَّه واسعٌ عليمٌ. وأمَّا ظاهرُ القرآنِ، فلا ينفي وجودَ الخُنْثَى، لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٤٩]، فهذا عمومُ مدحٍ، فلا يجوزُ تخصيصُه؛ لأنَّ القدرةَ تقتضيه. وأمَّا قولُه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]، فهذا إخبارٌ عن الغالبِ في الموجوداتِ، وسكت عن ذكر النَّادرِ؛ لدخوله تحت عمومِ الكلامِ الأوَّلِ. والوجودُ يشهدُ له، والعيانُ يُكَذِّبُ منكرَه» (١). ٣ - أن يكونَ التَّفسيرُ غيرَ صحيحٍ، ويكونَ الاستنباطُ غيرَ صحيحٍ كذلك .

стр. 164

ومثاله: تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قالت المعتزلة: إنَّ لن تفيد التأبيد، والمعنى: لن تراني أبداً، فيشمل نفيَ الرؤيةِ في الدنيا والآخرة. قال أبو الفضلِ الطَّبرسيُّ الرافضيُّ المعتزليُّ (ت:٥٤٨): «﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾: هذا جوابٌ من اللهِ، ومعناه: لا تراني أبداً؛ لأنَّ «لن» ينفي على وجه التَّأبيدِ، كما قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، وقال: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]» (١). وتفسيرُ «لن» في هذا الموضعِ على أنَّه للتَّأبيدِ غيرُ

стр. 165

صحيحٍ، وما بُنِي عليه من عدمِ جوازِ رؤيةِ الباري في الآخرةِ غيرُ صحيحٍ. وذكر القاسميُّ (ت:١٣٣٢) عن معاصرٍ له: أنَّ تفسير قوله: ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين: ١]: يعني به شجرةَ «بوذا» مؤسس الدِّيانة البوذيَّة. وبنى على هذا التَّفسيرِ فائدةً، وهي: أنَّ التَّرتيبَ في ذكرِها في الآيةِ باعبتارِ درجةِ صحَّتِها بالنِّسبةِ لأصولِها الأولى، فبدأ بالبوذيَّة لأنها أقلُّ درجةً في الصحَّةِ وأشدُّ الأديانِ تحريفاً عن أصلِها، ثُمَّ بالنَّصرانيَّةِ، وهي أقلُّ من البوذيَّةِ تحريفاً، ثُمَّ باليهوديَّةِ، وهي أصحُّ من النَّصرانيَّةِ، ثُمَّ بالإسلامِ، وهو أصحُّها جميعاً وأبعدُها عن التَّحريفِ والتَّبديلِ. وقد ذكر فوائد واستنباطات أخرى مبنية على هذا التَّفسيرِ الفاسدِ. وتفسيرُ هذا المفسِّرِ لهذه الآياتِ غيرُ صحيحٍ، وما بناه من الفوائد على ذلك غير صحيح أيضاً. ٤ - قد تكون الفائدة المستنبطة في ذاتها صحيحة، لكن حملها على معنى الآية غير صحيح . ومثال ذلك ما فسَّر به بعضُهم قولَه تعالى: ﴿فَلَمَّا

стр. 166

فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٢٤٩]، قال: «هذه الآية مثل ضربَه الله للدُّنيا، فشبَّهها الله بالنهرِ، والشَّاربَ منه بالمائلِ إليها المستكثرِ منها، والتَّاركَ لشرِبِهِ بالمنحرفِ عنها والزاهدِ فيها، والمغترفَ بيدهِ بالآخذِ منها قدرَ الحاجةِ، وأحوالُ الثَّلاثةِ عندَ اللهِ مختلفةٌ» (١). قال القُرْطُبِيُّ (ت:٦٧١): «ما أحسن هذا الكلام لولا ما فيه من التَّحريف في التَّأويلِ، والخروجِ عن الظَّاهرِ، ولكن معناه صحيحٌ في غير هذا» (٢). ثالثاً ـ الاستنباطُ من ربطِ آيتينِ ببعضهما: قد تردُ بعضُ الآياتِ مبيِّنةً لحكم ما، وتردُ آيةٌ أخرى مبيِّنةً لحكمٍ آخر، فيكونُ بجمعِ الآيتينِ بيانٌ لحكمٍ جديد لا يدلُّ عليه أحدُ الآيتين على انفرادِها. ومن الفوائدِ المستنبطةِ من الجمعِ بين آيتينِ: أنَّ أقلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ ستَّةُ أشهرٍ، وذلك لقولِه تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ

стр. 167

وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وقولِه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] (ت:٩١١): قال السيوطي: «أخرج ابنُ أبي حاتم عن معمر بن عبد الله الجُهَنيِّ، قال: تزوَّجَ رجلٌ منَّا امرأةً، فولدتْ لتمامِ ستَّةِ أشهرٍ، فانطلقَ إلى عثمان، فأمرَ برجْمِها. فقال عَلِيٌّ: أمَا سمعتَ اللهَ يقولُ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فكم تَجِدُ بَقِيَ إلاَّ ستَّةُ أشهرٍ. فقالَ عثمانُ: والله ما تفطَّنْتُ لهذا» (١). رابعاً ـ الاستنباطُ بإعمالِ مفهومِ المخالفةِ: وذلك أن يأتيَ النَّصُّ بخبرٍ أو حكمٍ، فما كانَ فيه من معنى الخبر أو الحكم المنصوص عليه مباشرةً، فهو من التَّفسيرِ، وما يُفهَمُ عنه من معانِ أحكامٍ أخرى، فهو من الاستنباطِ. ومن الفوائدِ المستنبطةِ بإعمالِ مفهومِ المخالفةِ،

стр. 168

استنباط الشَّافِعِيُّ (ت:٢٠٤) وقوع الرؤية من قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، قال: «فَلَمَّا أن حَجَبَوا هؤلاء في السُّخْطِ، كان في هذا دَليلٌ على أنَّهم يرونه في الرِّضا» (١). ولا تخلو بعض الاستنباطاتِ من البعدِ والغرابةِ في الاستنباطِ، وكم من اجتهادٍ في الاستنباطِ لم يُوفَّقْ؟. وقد مرَّ لذلك أمثلةٌ، ومما وردَ كذلك: قال ابن عطية (ت:٥٤٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]: «قال المهدوي: ودلَّتْ هذه الآيةُ على أنَّ السَّقفَ لربِّ البيتِ الأسفلِ، إذ هو منسوبٌ إلى البيوتِ. قال القاضي أبو محمد: وهذا تَفَقُّهٌ واهنٌ» (٢). مسألةٌ في التَّفسيرِ الإشاري (٣) وفوائدِ الآياتِ: التَّفسيرُ الإشاريُّ يُمَثِّلُ جانباً مشكلاً في علمِ التَّفسيرِ،

стр. 169

وهو في حقيقتهِ خارجٌ عن حدِّ التَّفسيرِ؛ لأنَّه يأتي بعدَ بيانِ الآيةِ أو بعد معرفةِ ظاهرِها. وتعودُ كثيرٌ من التَّفاسيرِ الإشاريَّةِ وتفاسيرِ الوُّعاظِ وما يذكرُه بعض المعاصرينَ من فوائِد الآياتِ = إلى الاستنباطِ، ومن ثَمَّ، فإنَّ حُكْمَها حُكْمُ ما سبقَ من الاستنباطات، وإنَّما أفردتها هنا لحاجتها لبيانٍ خاصٍّ، فأقولُ: هذه الفوائدُ والإشاراتُ على قسمين: القسمُ الأوَّلُ: أن تكونَ هذه الفوائد والإشارات صحيحة بذاتِها، لا تخالفُ أمراً من أمورِ الشَّريعةِ، وهي على قسمين من حيثُ ربطها بالآيةِ: أوَّلاً: أن يكونَ الرَّبطُ صحيحاً؛ أي: أن يكونَ بين الفائدة المذكورةِ والآيةِ ارتباطٌ بوجهٍ ما. ثانياً: أن يكونَ الرَّبطُ بالآيةِ غيرُ صحيحٍ، فالكلامُ باستقلاله صحيحٌ، ولكن ربطه بالآيةِ خطأٌ؛ لأنَّ الآيةَ لا تدلُّ عليه. القسمُ الثَّاني: أن تكونَ هذه الفوائد والإشارات غيرَ صحيحةً بذاتِها، لأنَّها تحملُ خطأً ما، وفي هذه الحالُ فإنَّ ربطَها بالآيِ خطأٌ قطعاً.

стр. 170

وبعد هذا الملخَّصِ في علاقةِ الإشاراتِ والفوائدِ بالنَّصِّ، أذكر لك ملخَّصاً لكلامِ ثلاثةٍ من الأئمَّةِ الأعلامِ في التَّفسيرِ الإشاريِّ لأهميَّةِ ما أوردُوه، ولِتَجِدَهُ مجموعاً بين يديك. أولاً ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٨): ١ - أنَّ التفسيرَ المعتمدَ على الإشاراتِ المنسوبَ إلى بعضِ الأعلامِ؛ كجعفر الصَّادق (ت:١٤٨) وغيره، بعضها كلامٌ حسنٌ، وبعضُها باطلٌ مردودٌ، وبعضُها مكذوبٌ مفترى على قائله. ٢ - هذه الإشاراتُ هي من بابِ الاعتبارِ والقياسِ، وإلحاقِ ما ليس بمنصوصٍ بالمنصوصِ، مثلُ الاعتبارِ والقياسِ الذي يستعمله الفقهاء في الأحكامِ. ٣ - إذا كانت هذه الإشارات من جنس القياسِ الصَّحيحِ، كانت حسنة مقبولةً، كما في قوله ﷺ : «إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب». فإذا قيس على تطهير القلب عن الأخلاق الخبيثة كان هذا من جنس إشارات الصوفية وقياس الفقهاء. وإذا كانت من جنس القياسِ الضَّعيفِ، كان لها

стр. 171

حكمُه، كما ذكر من أنَّ موسى أُمِرَ مع خلعه للنَّعلين (١) بخلع الدنيا والآخرة. وإذا كانت تحريفاً للكلامِ على غيرِ تأويلِه، كانت باطلاً، وهي من جنس كلام القرامطةِ والباطنيَّةِ والجهميَّةِ، كقول من قال: إنَّ ما ينْزلُ على قلوب أهل المعرفة من جنس خطاب تكليم موسى وتكليمه بهذا باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها (٢). ثانياً: ما ذكره ابن القيم (ت:٧٥١) والشاطبي: (ت:٧٩٠): لقد ذكر هذان العلمان ضوابط في قبول هذه الإشارات، وهذا نصُّ قولَيهما: قال ابنُ القيِّمِ (ت:٧٥١): «وتفسير النَّاسِ يدورُ على ثلاثةِ أصولٍ:

стр. 172

تفسيرٌ على اللَّفظِ، وهو الذي ينحو إليه المتأخِّرون. وتفسيرٌ على المعنى، وهو الذي يذكره السَّلفُ. وتفسيرٌ على الإشارةِ والقياسِ، وهو الذي ينحو إليه كثيرٌ منَ الصُّوفيَّةِ وغيرهم. وهذا لا بأسَ به بأربعةِ شرائط: أن لا يناقضَ معنى الآية. وأن يكون معنًى صحيحاً في نفسِهِ. وأن يكون في اللَّفظِ إشعارٌ به. وأن يكون بينه وبين معنى الآيةِ ارتباطٌ وتلازمٌ، فإذا اجتمعت هذه الأمورُ الأربعةُ كان استنباطاً حسناً» (١). وقال الشَّاطبيُّ (ت:٧٩٠): «... وكَونُ الباطنِ هو المرادُ من الخطابِ قد ظَهَرَ أيضاً مما تقدَّم في المسألةِ قبلَها، ولكن يُشترطُ فيه شرطان: أحدهما: أن يَصِحَّ على مقتضى الظَّاهرِ المقرَّرِ في لسان العربِ، ويجري على المقاصدِ العربيَّةِ.

стр. 173

والثاني: أن يكونَ له شاهدٌ ـ نصًّا أو ظاهراً ـ في محلٍّ آخر يشهدُ لصحَّتِه من غير معارضٍ» (١). وقدْ ذكرَ في كلامٍ لاحقٍ ما يصلحُ أن يُضافَ إلى ضوابطِ قبول التَّفسير الإشاريِّ، وهو قوله: «... ولكن له وجه جارٍ على الصِّحَّةِ، وذلك أنَّه لم يقل إنَّ هذا هو تفسير الآيةِ ...» (٢). هذا، وإذا لم يكن الكلامُ الَّذي ينبِّه إليه المفسِّرُ باطلاً في ذاتِه، بل كان صحيحاً في ذاته، فإنَّ عدمَ قبولِه يقعُ من جهةٍ أخرى، وهي عدم صحَّة دلالةِ الآيةِ عليه. واليوم، يقعُ في هذا بعض الوعَّاظِ، ومتطلبو فوائدِ الآياتِ، والذين يكتبونَ في بعض المجلاَّتِ الإسلاميةِ، تحت عنوان: «آية العدد» أو «إشراقة آية» أو «في ظلال آيةٍ» أو غيرها من العناوين. وإنَّك لتجدُ بعضهم يتكلَّفُ في استنباط الفوائد،

стр. 174

ويربطها بالآيةِ، ويجعل الآية تدلُّ عليها، أو يتكلَّفُ بإدخالِ بعضِ ما يراه في الواقعِ تحت حُكْمِ الآيةِ، أو قد يجعلُ الآيةَ مدخلاً لموضوعٍ من الموضوعاتِ التي يريدُ الحديث عنها، فتراه يريد الحديثَ عن الحسدِ مثلاً، ويذكر آيةً من الآياتِ التي ذكرت الحسدَ، ثمَّ ينطلقُ يتحدَّثُ عن الحسدِ بتفصيلٍ لا علاقةَ له بالآيةِ التي ذكرَها في أوَّل موضوعِه. وكلُّ هؤلاء المتكلفين ما لا يُحسنون عليهم أن يتَّقُوا الله، وأن يعلموا أنهم قد يدخلون فيمن يقول على الله بغير علم، فيكونون من أصحاب الرأي المذموم. وإذا بَانَ لك هذا، عَلِمْتَ أنَّ ما يُعابُ على من كتبَ في ما يُسمَّى بالتفسيرِ الإشاري من تكلُّفهم ربطَ أقوالِ المتصوِّفةِ بتفسيرِ الآيةِ وأنها على سبيلِ الإشارةِ، فإنه يعابُ على بعض الوُّعاظ والدعاةِ الذين يسلكون هذا المنهج، وإن اختلفت المحاملُ عندَ الفريقينِ، والله أعلم.

стр. 175

مفهوم التدبر

стр. 176

تدلُّ مادة «دَبَرَ» على آخرِ الشَّيءِ، ومنه دُبُرُ الشيء؛ أي آخره؛ كأدبار الصلوات. والتَّدبُّرُ: النَّظرُ في أدبارِ الشَّيء، والتفكيرُ في عاقبتِه. وقد استُعملَ في كلِّ تأمُّلٍ يقعُ من الإنسانِ في حقيقةِ الشَّيءِ أو أجزائه أو سوابقِه أو لواحقه أو أعقابه (١). وجاءَ على صيغةِ التَّفعُّلِ، ليدلَّ على تكلُّفِ الفعلِ، وحصولِه بعد جُهْدٍ، والتَّدبُّرُ: حصول النَّظرِ في الأمرِ المُتَدَبَّرِ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ. وقد جاءَ الأمرُ بتدبُّرِ القرآنِ في أربعةِ مواضعَ من القرآنِ، والعجيبُ أنَّ آيتينِ نزلتْ في سياقِ المنافقينَ، وهما قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وجاءت آيتانِ في سياقِ الكفَّارِ، وهما قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:

стр. 177

٦٨ -]، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وتحتملُ آيةُ سورةِ «ص» أن يكون المؤمنونَ داخلونَ في الأمرِ بالتَّدبُّرِ، ويشهدُ له قراءةُ من قرأ: ﴿لتدبروا آياته﴾ بالتاء (١)، بمعنى: لتتدبَّره أنت يا محمد وأتباعُك (٢). وليس نزولُ الآيةِ في سياق غيرِ المؤمنينَ يعني أنَّ المؤمنينَ لا يُطلبُ منهم التَّدبُّرُ، بل هم مأمورونَ به، وداخلونَ في الخطاب من باب أولى؛ لأنَّهم أهلُ الانتفاعِ بتدبُّرِ القرآنِ. وإنَّما المرادُ هنا بيانُ من نزلت بشأنه الآياتُ، دون بيان صحَّةِ دخولِ المؤمنينَ في الخطابِ، واللهُ أعلمُ. والآياتُ الآمرةُ بالتَّدبُّرِ منها ما جاءَ على شيءٍ مخصوصٍ؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ومنها ما جاءَ مطلَقاً بالتَّدبُّرِ العامِّ؛ كقوله تعالى:

стр. 178

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. والأصلُ أنَّ مرحلةَ التَّدبُّرِ تأتي بعدَ الفَهْمِ، إذ لا يُمكنُ أن يُطلبَ منك تدبُّرُ كلامٍ لا تعقِلُه، وهذا يعني أنَّه لا يوجدُ في القرآنِ ما لا يُفهَمُ معناهُ مطلقاً، وأنَّ التَّدبُّرَ يكونُ فيما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ؛ أي أنَّه يتعلَّقُ بالمعنى المعلومِ. قال الطبري (ت:٣١٠): «وفي حَثِّ الله عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات ـ بقوله جل ذكره لنبيه ﷺ : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]، وما أشبه ذلك من آي القرآن، التي أمر الله عباده وحثَّهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتعاظ بمواعظه ـ ما يدل على أن عليهم معرفة تأويل ما لم يحجب عنهم تأويله من آيه. لأنه مُحَالٌ أن يُقال لمن لا يفهم ما يقال ولا يعقل تأويلَه: اعتبر بما لا فَهْمَ لك به ولا معرفةَ من القِيلِ والبيان والكلام إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك، فمستحيل أمره بتدبره وهو بمعناه

стр. 179

جاهل. كما محال أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلام العرب ولا يفهمونه، لو أنشد قصيدة شعر من أشعار بعض العرب ذات أمثال ومواعظ وحكم: اعتبر بما فيها من الأمثال، وادكر بما فيها من المواعظ إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلام العرب ومعرفته، ثم الاعتبار بما نبهها عليه ما فيها من الحكم. فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق، فمحال أمرها بما دلت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعبر. بل سواءٌ أَمْرُها بذلك وأَمْرُ بعض البهائم به، إلا بعد العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها. فكذلك ما في آي كتاب الله من العِبَرِ والحِكَمِ والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: اعتبرْ بها إلا لمن كان بمعاني بيانه عالماً، وبكلام العرب عارفاً وإلا بمعنى الأمر لمن كان بذلك منه جاهلاً أن يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبره بعد، ويتعظ بحكمه وصنوف عبره. فإذ كان ذلك كذلك وكان الله ـ جل ثناؤه ـ قد أمر عبادَه بتدبُّرِه وحثَّهم على الاعتبار بأمثاله = كان معلوماً أنه لم يأمر بذلك من كان بما يَدُلُّهم عليه آيُهُ جاهلاً. وإذ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهم بما يدلهم عليه عالمون، صَحَّ أنهم بتأويل ما لم يحجب عنهم علمه من آيه الذي

стр. 180

استأثر الله بعلمه منه دون خلقه، الذي قد قدمنا صفته آنفاً = عارفون. وإذ صَحَّ ذلك، فسد قول من أنكر تفسير المفسرين من كتاب الله وتنْزيله ما لم يحجب عن خلقه تأويله» (١). ولربطِ هذا المبحثِ بسابق مباحث هذا الكتاب يمكن تقسيمُ مستويات التَّدبُّرِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: القسمُ الأوَّلُ ـ التدبر والتفسير: سبق الإشارةُ إلى أنَّ التدبُّر يكون بعد فهم المعنى، لكن يحسن هنا أنْ أنبِّه إلى أنه قد لا يُفهم المعنى المراد، فتحتاج إلى البحث عنه. وتطلُّب المعنى يحتاجُ نَظَراً وفِكْراً، وهذا نوع من التدبر يكون سابقاً للفهم، والله أعلم. وقد يكون عدم فهم الآية وقع من جهة جهل لغة أو سبب نزول، أو غيرها من الجهات وهذا يعني أنَّ التَّدبُّرَ يتعلَّقُ بالمعنى، وفي الغالب يكونُ هذا في فهم المتشابهِ النِّسبيِّ الذي قد يخفى على بعض الناس. وقد يكون التَّدبُّر باختيار أحد الأقوال المذكورة في
следующие страницы →