تدلُّ مادة «دَبَرَ» على آخرِ الشَّيءِ، ومنه دُبُرُ الشيء؛ أي آخره؛ كأدبار الصلوات.
والتَّدبُّرُ: النَّظرُ في أدبارِ الشَّيء، والتفكيرُ في عاقبتِه.
وقد استُعملَ في كلِّ تأمُّلٍ يقعُ من الإنسانِ في حقيقةِ الشَّيءِ أو أجزائه أو سوابقِه أو لواحقه أو أعقابه (١).
وجاءَ على صيغةِ التَّفعُّلِ، ليدلَّ على تكلُّفِ الفعلِ، وحصولِه بعد جُهْدٍ، والتَّدبُّرُ: حصول النَّظرِ في الأمرِ المُتَدَبَّرِ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ.
وقد جاءَ الأمرُ بتدبُّرِ القرآنِ في أربعةِ مواضعَ من القرآنِ، والعجيبُ أنَّ آيتينِ نزلتْ في سياقِ المنافقينَ، وهما قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وجاءت آيتانِ في سياقِ الكفَّارِ، وهما قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:
стр. 177
٦٨ -]، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وتحتملُ آيةُ سورةِ «ص» أن يكون المؤمنونَ داخلونَ في الأمرِ بالتَّدبُّرِ، ويشهدُ له قراءةُ من قرأ: ﴿لتدبروا آياته﴾ بالتاء (١)، بمعنى: لتتدبَّره أنت يا محمد وأتباعُك (٢).
وليس نزولُ الآيةِ في سياق غيرِ المؤمنينَ يعني أنَّ المؤمنينَ لا يُطلبُ منهم التَّدبُّرُ، بل هم مأمورونَ به، وداخلونَ في الخطاب من باب أولى؛ لأنَّهم أهلُ الانتفاعِ بتدبُّرِ القرآنِ. وإنَّما المرادُ هنا بيانُ من نزلت بشأنه الآياتُ، دون بيان صحَّةِ دخولِ المؤمنينَ في الخطابِ، واللهُ أعلمُ.
والآياتُ الآمرةُ بالتَّدبُّرِ منها ما جاءَ على شيءٍ مخصوصٍ؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
ومنها ما جاءَ مطلَقاً بالتَّدبُّرِ العامِّ؛ كقوله تعالى:
стр. 178
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
والأصلُ أنَّ مرحلةَ التَّدبُّرِ تأتي بعدَ الفَهْمِ، إذ لا يُمكنُ أن يُطلبَ منك تدبُّرُ كلامٍ لا تعقِلُه، وهذا يعني أنَّه لا يوجدُ في القرآنِ ما لا يُفهَمُ معناهُ مطلقاً، وأنَّ التَّدبُّرَ يكونُ فيما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ؛ أي أنَّه يتعلَّقُ بالمعنى المعلومِ.
قال الطبري (ت:٣١٠): «وفي حَثِّ الله عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات ـ بقوله جل ذكره لنبيه ﷺ : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]، وما أشبه ذلك من آي القرآن، التي أمر الله عباده وحثَّهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتعاظ بمواعظه ـ ما يدل على أن عليهم معرفة تأويل ما لم يحجب عنهم تأويله من آيه.
لأنه مُحَالٌ أن يُقال لمن لا يفهم ما يقال ولا يعقل تأويلَه: اعتبر بما لا فَهْمَ لك به ولا معرفةَ من القِيلِ والبيان والكلام إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك، فمستحيل أمره بتدبره وهو بمعناه
стр. 179
جاهل. كما محال أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلام العرب ولا يفهمونه، لو أنشد قصيدة شعر من أشعار بعض العرب ذات أمثال ومواعظ وحكم: اعتبر بما فيها من الأمثال، وادكر بما فيها من المواعظ إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلام العرب ومعرفته، ثم الاعتبار بما نبهها عليه ما فيها من الحكم. فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق، فمحال أمرها بما دلت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعبر. بل سواءٌ أَمْرُها بذلك وأَمْرُ بعض البهائم به، إلا بعد العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها.
فكذلك ما في آي كتاب الله من العِبَرِ والحِكَمِ والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: اعتبرْ بها إلا لمن كان بمعاني بيانه عالماً، وبكلام العرب عارفاً وإلا بمعنى الأمر لمن كان بذلك منه جاهلاً أن يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبره بعد، ويتعظ بحكمه وصنوف عبره.
فإذ كان ذلك كذلك وكان الله ـ جل ثناؤه ـ قد أمر عبادَه بتدبُّرِه وحثَّهم على الاعتبار بأمثاله = كان معلوماً أنه لم يأمر بذلك من كان بما يَدُلُّهم عليه آيُهُ جاهلاً. وإذ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهم بما يدلهم عليه عالمون، صَحَّ أنهم بتأويل ما لم يحجب عنهم علمه من آيه الذي
стр. 180
استأثر الله بعلمه منه دون خلقه، الذي قد قدمنا صفته آنفاً = عارفون. وإذ صَحَّ ذلك، فسد قول من أنكر تفسير المفسرين من كتاب الله وتنْزيله ما لم يحجب عن خلقه تأويله» (١).
ولربطِ هذا المبحثِ بسابق مباحث هذا الكتاب يمكن تقسيمُ مستويات التَّدبُّرِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
القسمُ الأوَّلُ ـ التدبر والتفسير:
سبق الإشارةُ إلى أنَّ التدبُّر يكون بعد فهم المعنى، لكن يحسن هنا أنْ أنبِّه إلى أنه قد لا يُفهم المعنى المراد، فتحتاج إلى البحث عنه. وتطلُّب المعنى يحتاجُ نَظَراً وفِكْراً، وهذا نوع من التدبر يكون سابقاً للفهم، والله أعلم.
وقد يكون عدم فهم الآية وقع من جهة جهل لغة أو سبب نزول، أو غيرها من الجهات وهذا يعني أنَّ التَّدبُّرَ يتعلَّقُ بالمعنى، وفي الغالب يكونُ هذا في فهم المتشابهِ النِّسبيِّ الذي قد يخفى على بعض الناس.
وقد يكون التَّدبُّر باختيار أحد الأقوال المذكورة في
стр. 181
الآية، والاختيار يحتاج إلى فِكْرٍ ونَظَرٍ يدلُّ على القول الصحيح المحتمل للآية.
وأمثلةِ هذا القسمِ كثيرةٌ، فمنها ما يقعُ من بحثِ آيةٍ مشكلةٍ، ومنها نقاشاتُ المفسِّرينَ التي يظهرُ فيها ترجيحُهم لوجهٍ من وجوهِ التَّفسيرِ، وغيرَها مما يحتاجُ إلى اختيارٍ من أجلِ البيانِ، وهذا ما لا تخلو منه كتب التفسير، ومن أمثلته:
قال الطبري (ت:٣١٠): «القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
فقال بعضهم بما: حدثني موسى بن هارون ... عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، يقول: لم تكونوا شيئاً فخلقكم ثم يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.
عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله: ﴿أَمَتَّنَا
стр. 182
اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال: هي كالتي في البقرة: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].
... عن حصين، عن أبي مالك في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال: خلقتنا ولم نكن شيئاً، ثم أمتَّنا، ثم أحييتنا.
... عن حصين، عن أبي مالك في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال: كانوا أمواتاً، فأحياهم الله، ثم أماتهم، ثم أحياهم.
... عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، قال: لم تكونوا شيئاً حين خلقكم، ثم يميتكم الموتة الحق، ثم يحييكم، وقوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] مثلُها.
... عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: هو قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
... عن الربيع، قال: حدثني أبو العالية في قول الله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]، يقول: حين لم يكونوا شيئاً، ثم أحياهم حين خلقهم، ثم أماتهم،
стр. 183
ثم أحياهم يوم القيامة، ثم رجعوا إليه بعد الحياة.
... عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال: كنتم تراباً قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة. ثم أحياكم فخلقكم، فهذه إحياءة. ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى. ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه إحياءة، فهما ميتتان وحياتان، فهو قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
وقال آخرون بما: حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن أبي صالح: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، قال: يحييكم في القبر، ثم يميتكم.
وقال آخرون بما: حدثنا به بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨]. قال: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله وخلقهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان.
стр. 184
وقال بعضهم بما: حدثني به يونس، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] قال: فكسبهم العقل، وأخذ عليهم الميثاق، قال: وانتزع ضلعاً من أضلاع آدم القُصَيرى فخلق منه حواء ـ ذكره عن النبي ﷺ قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، قال: وبثَّ منهما بعد ذلك في الأرحام خلقاً كثيراً، وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]، قال: خلقاً بعد ذلك. قال: فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١]، وقرأ قول الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، قال: يومئذٍ. قال: وقرأ قول الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧].
стр. 185
قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال التي حكيناها عمن رويناها عنه وجه ومذهب من التأويل.
فأما وجه تأويل من تأول قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]؛ أي: لم تكونوا شيئاً، فإنه ذهب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميت، وهذا أمر ميت؛ يراد بوصفه بالموت: خمولُ ذِكْرِهِ ودُرُوسُ أثرِه من الناس.
وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمرٌ حَيٌّ وذِكْرٌ حَيٌّ؛ يراد بوصفه بذلك: أنه نَابِهٌ متعالم في الناس، كما قال أبو نخيلة السعدي:
فأحييت لي ذكري وما كنت خاملا
ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
يريد بقوله: فأحييت لي ذكري؛ أي: رفعته وشَهَرْتَهُ في الناس حتى نَبُهَ فصار مذكوراً حيًّا بعد أن كان خاملاً ميتاً. فكذلك تأويل قول من قال في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]: لم تكونوا شيئاً؛ أي: كنتم خُمُولاً لا ذِكْرَ لكم، وذلك كان موتكم، فأحياكم فجعلكم بشراً أحياء تُذكرون وتُعرفون، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، كالذي كنتم قبل أن يحييكم، من دُرُوسِ ذِكْرِكم، وتعفِّي آثارِكم، وخمول أموركم، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى
стр. 186
هيئاتها، ونفخ الروح فيها، وتصييركم بشراً كالذي كنتم قبل الإماتة لتعارفوا في بعثكم وعند حشركم.
وأما وجه تأويل من تأول ذلك: أنه الإماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] إلى أنه خطاب لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم، وذلك معنى بعيد؛ لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم، لا استعتاب واسترجاع، وقوله جل ذكره: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] توبيخُ مستعتبٍ عبادَه، وتأنيبُ مسترجعٍ خلقَه من المعاصي إلى الطاعة ومن الضلالة إلى الإنابة، ولا إنابة في القبور بعد الممات، ولا توبة فيها بعد الوفاة.
وأما وجه تأويل قول قتادة ـ: ذلك أنهم كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم ـ فإنه عنى بذلك: أنهم كانوا نُطَفاً لا أرواح فيها، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها، وإحياؤه إياها تعالى ذكره نفخه الأرواح فيها، وإماتته إياهم بعد ذلك قبضه أرواحهم، وإحياؤه إياهم بعد ذلك نفخ الأرواح في أجسامهم يوم ينفخ في الصور ويبعث الخلق للموعود.
стр. 187
وأما ابن زيد، فقد أبان عن نفسه ما قصد بتأويله ذلك، وأن الإماتة الأولى عنده إعادة الله ـ جل ثناؤه ـ عبادَه في أصلاب آبائهم بعد ما أخذهم من صلب آدم، وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم، وأن الإماتة الثانية هي قبض أرواحهم للعود إلى التراب، والمصير في البرزخ إلى اليوم البعث، وأن الإحياء الثالث هو نفخ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة.
وهذا تأويل، إذا تدبره المتدبر، وجده خلافاً لظاهر قول الله الذي زعم مفسِّره أن الذي وصفنا من قوله تفسيره، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه عن الذين أخبر عنهم من خلقه أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، وزعم ابن زيدٍ في تفسيره أن الله أحياهم ثلاث إحياءات وأماتهم ثلاث إماتات.
والأمر عندنا، وإن كان فيما وصف من استخراج الله جل ذكره من صلب آدم ذريته وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف، فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين؛ أعني قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] في شيء؛ لأن أحداً لم يَدَّعِ أنَّ الله أمات من ذرأ يومئذٍ غير
стр. 188
الإماتة التي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث، فيكون جائزاً أن يوجَّه تأويل الآية إلى ما وَجَّهه إليه ابن زيدٍ.
وقال بعضهم: الموتة الأولى: مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي ميتة من لدن فراقها جسده إلى نفخ الروح فيها، ثم يحييها الله بنفخ الروح فيها، فيجعلها بشراً سوياً بعد تاراتٍ تأتي عليها، ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه، فهو في البرزخ ميت إلى يوم ينفخ في الصور، فيرد في جسده روحه، فيعود حيًّا سوياً لبعث القيامة، فذلك موتتان وحياتان.
وإنما دعا هؤلاء إلى هذا القول؛ لأنهم قالوا: موت ذي الرُّوحِ مفارقة الرُّوحِ إياه، فزعموا أن كل شيء من ابن آدم حي ما لم يفارق جسده الحي ذا الروح، فكل ما فارق جسده الحي ذا الروح، فارقته الحياة فصار ميتاً؛ كالعضو من أعضائه، مثل: اليد من يديه، والرِّجل من رِجليه، لو قطعت وأُبِينَتْ، والمقطوع ذلك منه حي، كان الذي بان من جسده ميتاً لا روح فيه بفراقه سائر جسده الذي فيه الروح.
قالوا: فكذلك نطفته حيَّة بحياته ما لم تفارق جسده ذا الروح، فإذا فارقته مباينةً له صارت ميتة، نظير ما وصفنا من حكم اليد والرجل وسائر أعضائه، وهذا قول ووجه من
стр. 189
التأويل، لو كان به قائل من أهل القدوة الذين يرتضي للقرآن تأويلهم.
وأولى ما ذكرنا من الأقوال التي بينا بتأويل قول الله جل ذكره: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وعن ابن عباس من أن معنى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]: أموات الذِّكْرِ، خمولاً في أصلاب آبائكم، نطفاً لا تُعرَفون ولا تُذكَرون، فأحياكم بإنشائكم بشراً سوياً حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رفاتاً لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك؛ كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]؛ لأن الله ـ جل ثناؤه ـ يحييهم في قبورهم قبل حشرهم، ثم يحشرهم لموقف الحساب، كما قال ـ جل ذكره ـ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١].
والعلة التي من أجلها اخترنا هذا التأويل، ما قد قدمنا
стр. 190
ذكره للقائلين به، وفساد ما خالفه، بما قد أوضحناه قبل» (١).
وهذا المثال ـ مع طوله ـ يبيِّن صورة التَّدبُّر الذي يكون من أجل فهم المعنى المراد.
القسم الثَّاني: التَّدبُّر والاستنباط:
عند تأمُّلِ عملية الاستنباط يظهر أنَّ فيها إعمال فكر ونظر، وقد يكون التدبر الذي ينتج عنه استنباط من آية ظاهرة المعنى لا تحتاجُ إلى تفسيرٍ، وقد يكون من آية ظهر معناها الصحيحُ، فيكون التدبُّر في هذه الحال بعد معرفةِ التفسير، فيتدبَّرُ المتدبر ما يحتويه معنى الآيةِ من وجوه الاستنباطاتِ والفوائد، وهو تدبُّرٌ لاستخراجِ الحِكَمِ والأحكامِ والآدابِ وغيرِها مما يستنبطُه المستنبطُ، وهذا يعني أنَّ الاستنباطات نتيجةٌ للتَّدبُّرِ.
ومن أمثلةِ هذا القسم من التَّدبُّرِ، ما ذكره ابن القيِّمِ (ت:٧٥١) في كتابه «زاد المهاجر» من تفسير قصَّةِ إبراهيم ﵇ في سورة الذَّارياتِ، قال: «فصل في: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢، محمد: ٢٤].
стр. 191
فإن قلتَ: إنَّك قد أشرْتَ إلى مقامٍ عظيمٍ، فافتحْ لي بابَه واكشفْ لي حجابَه، وكيف تَدَبُّرُ القرآنِ وتَفَهُّمُهُ والإشرافُ على عجائبه وكنوزه؟! وهذه تفاسيرُ الأئمَّةِ بأيدينا، فهل في البيانِ غيرُ ما ذكروه؟.
قلتُ: سأضرب لك أمثالاً تَحْتَذِي عليها، وتجعلها إمَاماً لك في هذا المقصدِ.
قال اللهُ تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ *فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ *فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَاكُلُونَ *فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ *فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ *قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٣٠].
فعهدي بكَ إذا قرأتَ هذه الآية، وتطلَّعتَ إلى معناها، وتدبَّرتها، فإنَّما تَطْلُعُ منها على أنَّ الملائكةَ أتَوا إبراهيمَ في صورةِ الأضيافِ يأكلونَ ويشربون، وبشَّرُوه بغلامٍ عليمٍ، وإنَّما امرأتُه عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة: أن اللهَ قال ذلك، ولم يتجاوزْ تَدَبُّرُكَ غير ذلك.
فاسمعِ الآنَ بعضَ ما في هذه الآيات من أنواعِ الأسرارِ، وكم قد تضمَّنت من الثَّنَاءِ على إبراهيم؟.
стр. 192
وكيف جمعتِ الضِّيافةَ وحقوقَها؟ وما تضمَّنتْ منَ الرَّدِّ على أهلِ الباطلِ من الفلاسفةِ والمعطِّلةِ.
وكيف تضمَّنتْ علماً عظيماً من أعلام النُّبوَّةِ؟.
وكيف تضمَّنتْ جميعَ صفاتِ الكمالِ التي رَدَّهَا إلى العلمِ والحكمةِ؟
وكيف أشارت إلى دليلِ إمكانِ المعاد بألطفِ إشارة وأوضحِها، ثُمَّ أفصحتْ وقوعَه؟.
وكيف تضمَّنتْ الإخبار عن عدلِ الرَّبِّ وانتقامِه من الأممِ المكذِّبةِ، وتضمَّنتْ ذِكْرَ الإسلامِ والإيمانِ والفرقِ بينهما، وتضمنتْ بقاءَ آياتِ الرَّبِّ الدَّالَّةِ على توحيدِه وصدقِ رُسُلِهِ وعلى اليوم الآخرِ، وتضمَّنتْ أنَّه لا ينتفعُ بهذا كلِه إلاَّ من في قلبِه خوفٌ من عذابِ الآخرةِ، وهم المؤمنون بها، وأمَّا من لا يخافُ الآخرةِ ولا يؤمنُ بها، فلا ينتفعُ بتلك الآياتِ؟ فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملةِ» (١).
ثُمَّ بدأ يسردُ فوائدَ واستنباطاتٍ من هذه الآيات، ولولا طولُها، لذكرتُها.
стр. 193
القسم الثَّالث: ـ التدبر والتأويل: ما تؤول إليه حقيقة الشيء:
أغلب ما تؤول إليه حقيقة الشيء يرتبط بما استأثر الله بعلمه، وهو ما يسمى بالمتشابِه الكليِّ، وهذا لا يمكن وقوع التدبر فيه؛ لأنَّه لا يعلمُه إلاَّ اللهُ، كما سبقَ بيانُه، ومن هنا فالتَّدبُّرُ لا يدخلُ في الغيبيَّاتِ التي استأثرَ اللهُ بعلمها؛ كزمنِ وقوعِ ما أخبرَ اللهُ بوقوعِه أو كيفيَّاتِ هذه المغيَّباتِ.
وبما أنَّ هذا القسم لا يمكنُ أن يقعَ فيه تدبُّرٌ، فإنه ليسَ له مثالٌ يُحكى، واللهُ أعلمُ.
وخلاصة الأمر أنَّ التدبر يقع في المعلوم، وهو معرفة التفسير والاستنباط من القرآن، أما ما لا يدركه العقل من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها فالواجب الإيمان بها دون الدخول في اجتهادات لبيانها، وهي مما لا يحصل بيانه من جهة العقل، ومتى وقع طلبها من جهته حصل الانحراف والزيغ في شرع الله.
المعاني المقاربةِ للتَّدبرِ:
ويقربُ من معنى التَّدبُّرِ التَّفكُّرُ والتَّذكُّرُ والنَّظرُ والتَّأملُّ والاعتبارُ والاستبصارُ، وقد وردت هذه المعاني في القرآن في مواطن.
стр. 194
قال ابن القيِّمِ (ت:٧٥١): «... وهذا يسمَّى تفكُّراً وتذكُّراً ونظراً وتأمُّلاً واعتباراً وتدبُّراً واستبصاراً، وهذه معانٍ متقاربةٌ تجتمعُ في شيءٍ وتتفرقُ في آخر.
ويسمَّى تفكُّراً؛ لأنه استعمالُ الفكرةِ في ذلك، وإحضارُه عنده.
ويسمَّى تذكُّراً؛ لأنَّه إحضارٌ للعلمِ الذي يجب مراعاته بعد ذهولِه وغيبتِه عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
ويسمَّى نظراً؛ لأنَّه التفاتٌ بالقلبِ إلى المنظورِ فيه.
ويسمَّى تأمُّلاً؛ لأنه مراجعةٌ للنَّظرِ كرَّةً بعد كرَّةٍ، حتى يتجلَّى له وينكشفَ لقلبِه.
ويُسَمَّى اعتباراً، وهو افتعالٌ من العبورِ؛ لأنَّه يَعْبُرُ منه إلى غيرِه، فَيَعْبُرُ من ذلك الذي قد فَكَّرَ فيه إلى معرفةٍ ثالثةٍ، وهي المقصود من الاعتبار، ولهذا يُسَمَّى عِبْرَةً، وهي على بناءِ الحالاتِ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ والقِتْلَةِ إيذاناً بأنَّ هذا العلمَ والمعرفةَ قد صار حالاً لصاحبِه يَعْبُرُ منه إلى المقصودِ به، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]،
стр. 195
وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣].
ويُسمَّى تدبُّراً؛ لأنَّه نظرَ في أدبارِ الأمورِ، وهي أواخرُها وعواقبها، ومنه تدبُّرُ القول ...» (١).
الفرقُ بين التَّدبُّرِ والتَّأثُّرِ من سماعِ القرآن:
يخلطُ بعضُ النَّاسِ بين التَّدبُّرِ والتَّأثُّرِ من سماعِ القرآن، فيجعلونَ القشعريرةَ التي تصيبُ الإنسان والخشوعَ الذي يلحقُه بسبب تأثيرِ القرآنِ عليه هو التَّدبُّرُ، وليسَ الأمرُ كذلك.
فالتَّدبُّرُ عمليَّةٌ عقليَّةٌ تحدثُ في الذِّهنِ، والتَّأثُّرُ انفعالٌ في الجوارحِ والقلبِ، وقد يكونُ بسبب التَّدبُّرِ، وقد يكونُ بسبِ روعةِ القرآنِ ونظمه، وقد يكونُ بسبب حالِ الشَّخصِ في تلكَ اللَّحظةِ، واللهُ أعلمُ.
стр. 196
مفهوم المفسِّرِ
стр. 197
لم يحظ مصطلح المُفَسِّرِ من علماء القرآن والتفسير بتعريفٍ (١) كما عرَّفوا مصطلح التفسير، ويعتبر كتاب السيوطي (ت:٩١١) طبقات المفسرين أول كتاب يجمع تراجمهم في كتاب مستقلٍّ، وقد قسم المفسرين إلى أنواع:
النوع الأول: المفسرون من السلف: الصحابة والتابعون وأتباع التابعين.
النوع الثاني: المفسرون من المحدِّثين، وهم الذين صنفوا التفاسير مسندة مُورداً فيها أقوال الصحابة والتابعين بالإسناد.
النوع الثالث: بقية المفسرين من علماء السنة، الذين ضموا إلى التفسيرِ التأويلَ (٢) والكلامَ على معاني القرآن وأحكامه وإعرابه وغير ذلك.
стр. 198
النوع الرابع: من صنف تفسيراً من المبتدعة؛ كالمعتزلة والشيعة وأضرابهم (١).
ثمَّ قال: «والذي يستحق أن يسمى من هؤلاء، القسم الأول، ثم الثاني، على أنَّ الأكثرَ في هذا القسم نَقَلَةٌ، وأما الثالث فمؤولة، ولهذا يسمون كتبهم ـ غالباً ـ بالتأويل، ولم أستوف أهل القسم الرابع، وإنما ذكرت منهم المشاهير؛ كالزمخشري والرُّماني والجبَّائي وأشباههم» (٢).
وهذا يعني أنك لو اعتمدت ما يذكره هو ومن كتب بعده في طبقات المفسرين = لقلت:
المفسر: من كان له مشاركة في علم التفسير، أو كتب فيه.
ويظهر أنَّ هذا سيكون من باب التسامح في المصطلح، دون التحرير له، وهذا ما يشير إليه كلام السيوطي عن الطبقة الثانية، حيث جعل أكثرهم نقلة
стр. 199
للتفسير، ومع ذلك ذكرهم في طبقات المفسرين.
ولا شكَّ أن من كتب في طبقات المفسرين لم يكن قصدُه تعريفَ المفسر، بل كان قصدُه إيرادَ من له كتابةٌ في التفسير، دون تحليلٍ لنوع هذه الكتابة، من حيث كونها نقل أو اجتهاد من المفسر.
ولا تكاد تَجِدُ ضابطاً في إيراد فلان من العلماء في عِداد المفسرين، ولذا ترى من أصحاب التراجم إدخالاً لبعض الصحابة في المفسرين، وإن كان الوارد عنهم فيه قليلٌ؛ كزيد بن ثابت (ت:٤٥) وعبد الله بن الزبير (ت:٧٣).
وقد يكون في ذلك تساهل في عَدِّهِمْ من المفسِّرين، وإذا نظرت إلى بعضهم وجدت أنه قد برز في بعض العلوم، فزيد بن ثابت (ت:٤٥) كان مقرئاً، وهو الذي قام بكتابة المصحف، وكان فرضيًّا، فقد يكون بسبب بروزه في هذين العلمين ـ خصوصاً لعلم القراءة المتعلِّق بالقرآن ـ تُسُمِّحَ في إطلاق لقب المفسر عليه، والله أعلم.
والبروزُ العلميُّ العامُّ لا يلزمُ منه البروز في علمٍ معيَّنٍ من العلومِ، بل لقد كانَ علمُ الفقه وعلمُ القراءةِ أشهرَ العلومِ التي كانَ الصحابة يعلِّمونها للتَّابعينَ، ولذا لا يُستبعدُ أنَّ من كتبَ في طبقاتِ المفسِّرين قد تأثَّر بكتاباتِ من سبقَه
стр. 200
في طبقاتِ الفقهاءِ، وأدخلَ بعضهم في علمِ التَّفسيرِ، وإنْ لم يكن من المعتنينَ به.
ولا يعني إخراجُ فلان من العلماء المتقدِّمين أو المتأخِّرينَ من عِدادِ المفسِّرينَ نقصاً في حقِّه، أو حطًّا من منْزلتِه العلميَّةِ، لا يعني ذلك هذا أبداً، وعدمُ ورودِ هذه المزيَّةِ الخاصَّةِ لا يعني انتفاء المزيَّةِ العامَّةِ، وكونه من العلماءِ.
ولو سبرت المفسرين المذكورين في كتب طبقات المفسرين، واطَّلعت على ما دوَّنوه من منجزاتهم في التفسير = لظهر لك أنَّهم لا يخرجون عن أربعة أنواع:
الأول ـ طبقة المجتهدين الأُوَلِ:
وهم مفسرو السلف من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، الذي دونت أقوالهم في كتب التفسير المسندة. وقد كان لهؤلاء اجتهاد واضح في التفسير، وكانوا أصحاب آراءٍ فيه، فمن المفسرين من جيل الصحابة: ابن مسعود (ت:٣٥)، وابن عباس (ت:٦٨).
ومن المفسرين من جيل التابعين: أبو العالية (ت:٩٣)، وسعيد بن جبير (ت:٩٤)، والشعبي (ت:١٠٣)، ومجاهد بن
стр. 201
جبر (ت:١٠٤)، والضحاك بن مزاحم (ت:١٠٥)، وعكرمة (ت:١٠٥)، والحسن البصري (ت:١١٠)، وعطاء بن أبي رباح (١١٤)، وقتادة (ت:١١٧)، ومحمد بن كعب القرظي (ت:١١٨)، والسدي (ت:١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت:١٣٦)، وأبو مالك غزوان الغفاري (ت:؟).
ومن المفسرين في جيل أتباع التابعين: الكلبي (ت:١٤٦)، ومقاتل بن حيان (ت:١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت:١٥٠)، وابن جريج (ت:١٥٠)، وسفيان الثوري (ت:١٦١)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت:١٨٢)، ويحيى بن سلام البصري (ت:٢٠٠).
وقد ظهر في عهد أتباع التابعين جمع من اللُّغويين كان لهم رأي واجتهاد في تفسير القرآن، وإن كان يغلب عليه الجانب اللغوي؛ كقطرب (ت:٢٠٦)، والفراء (ت:٢٠٧)، وأبي عبيدة (ت:٢١٠)، وغيرهم. وكلُّ أولئك كان لهم رأي واجتهاد في التفسير، ولم يكونوا مجرد نقلة له.
كما شاركَ بعضُ المعتزلةِ في علمِ التَّفسيرِ؛ كأبي بكرٍ عبد الرحمن بن كيسان الأصمِّ (ت:٢٠١) (١)، ويوسفَ بن
стр. 202
عبد الله الشَّحَّامِ (ت:٢٣٣) (١)، وغيرهم (٢)، وقد كان بعضُ اللُّغويِّين منهم؛ كقطرب (ت:٢٠٦)، والأخفش (ت:٢١٥).
ولا شكَّ أنَّ معتقداتهم العقليَّة كان لها أثرٌ على تفسيرِهم، ولم يصلْ من كتبِهم التَّفسيريَّةِ في هذه الفترةِ سوى معاني القرآنِ للأخفشِ (ت:٢١٥)، ونزعةُ الاعتزالِ واضحةٌ فيه.
стр. 203
الثاني ـ نَقَلَةُ التفسير:
وهم جملة من المحدِّثين وغيرِهم ممن لم يكن لهم إلاَّ النقل لتفسير من سبقهم، ولم يكن لهم فيه أيَّ رأي واجتهاد، ومنهم: عبد الرزاق الصنعاني (ت:٢١١)، حيث تجده في كتاب التفسير يسنده في أغلبه إلى قتادة (ت:١١٧) من طريق شيخه معمر بن راشد الصنعاني (ت:١٥٤)، ولا تجد له أي نقد أو نقاشٍ لما يرويه، بل يكتفي بالإسناد إلى المفسرين، ويمكنُ أن يُطلقَ عليهم وعلى أمثالِهم «مشاركون في التَّفسيرِ».
ومع ذلك تجد أنَّ الذين كتبوا في طبقات المفسِّرين يَعُدُّون عبد الرزاق الصَّنعانيِّ (ت:٢١١) من المفسرين، وهذا فيه تَسَمُّحٌ وتجوُّزٌ، وقد فعلوا هذا مع غيره فعدُّوهم في طبقاتِ المفسِّرين؛ كعبد بن حميد (ت:٢٤٩)، وابن المنذر (ت:٣١٩)، وعبد الرَّحمن بن أبي حاتم (ت:٣٢٧)، وغيرهم من نَقَلَةِ التفسير الذين لم يتصدوا لترجيح الروايات ونقدها.
الثالث ـ المفسر الناقد:
وهو الذي يجمع مرويات المفسرين ويرجح بينها، وإمامُ هذه الطريقة ابنُ جرير الطبري (ت:٣١٠) (١)، حيث كان
стр. 204
يذكر ما وصله من المرويات التفسيرية عن السلف، ثمَّ يرجح بينها بقواعد الترجيح التي تعتبر من أهم ميزات كتابه جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
والمفسر الناقد صاحب رأي؛ لأنه يستعرض الأقوال المذكورة في الآية، ثمَّ يختار منها ما يراه راجحاً، فاختياره قولاً من الأقوال دون غيره رأيٌ واجتهادٌ منه، ولذا فهو من الذين لهم رأي في التفسير.
الرابع ـ المفسر المتخيِّر قولاً واحداً:
وهو أن يعمد المفسر إلى أقوال التفسير فيختار منها قولاً دون غيره، ولا يتعرَّض لنقد ما سواه، فهو في تخيره يوافق المفسر الناقد، غير أنَّ المفسر الناقد يتميز عنه بنقده الغالب لما لا يختار، وعمل المفسر المتخير شبيه بعمل بعض الفقهاء
стр. 205
لكتب مذهبهم، حيث كتب بعضهم كتاباً على قول في المذهب، وأغلب المختصرات التفسيرية، كتفسير الجلالين، من هذا النوع، ويظهر أنَّ أول من قام بهذه الطريقة علي بن أحمد الواحدي (ت:٤٦٨) الذي كتب ثلاث كتب في التفيسر:
الأول: البسيط، وحشد فيه الأقوال، وتعرض فيه للترجيح.
الثاني: الوسيط، وهو أقلُّ عرضاً للأقوال والترجيح من البسيط.
الثالث: الوجيز، وجعله على قولٍ واحدٍ، قال في مقدمته: «وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا تعجيلاً لمنفعتهم، وتحصيلاً للمثوبة في إفادتهم بما تمنوه طويلاً، فلم يغنِ عنهم أحد فتيلاً، وتاركٌ ما سوى قولٍ واحدٍ مُعْتَمَدٍ لابن عباس رحمة الله عليه، أو من هو في مثل درجته» (١).
وبعد هذا العرض لأنواع المشاركين في علم التفسير، اجتهدت في بيان من يمكن أن ينطبق عليه هذا المصطلح منهم، فظهر لي أن يكون تعريف المفسِّر:
من كان له رأي في التفسير، وكان متصدياً له.
стр. 206
فمن انطبق عليه أحدهما خرج بذلك عن أن يكون مفسِّراً بالمعنى المصطلح عليه للتفسير، وهو بيان معاني القرآن.
فإن كان بعض المشاركينَ في التَّفسيرِ لا رأي لهم؛ كناقلي التَّفسير الذين لا رأي لهم فيه، بل كان همُّ أحدهم أن يجمع المرويات التي بَلَغَتْهُ عن السلف = فإنهم لا يدخلون في عداد من يبين كلام الله.
وإن كان ممن يُقرأُ عليه كتاب من كتبِ التَّفسيرِ، وليس له عليه أيُّ تعليقٍ تفسيريٍّ = فإنَّه لا عمل له في التَّفسيرِ، وليس من المفسِّرين ما دام هذا سبيله.
وإن كان له آراء، لكنها قليلة = فإنه لا يدخل في هذا المصطلح، والله أعلم.
وأخيراً ...
بعد هذا العرض لهذه المصطلحات، أرجو أن لا يكون فيها شيء من التمحُّل والتكلُّف، وإنما حرصت على بيانها لأنها تدعو إلى الانضباط في المعلومات، وتجعل المرء يميِّز بين المتشابه منها، فلا تتداخل عليه المعلومات، ويعرف بها كثيراً من الزيادات التي لا تدخل في المصطلح، ويبين له متى دخلت، وكيف دخلت، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 207
الفهارس العلمية والمراجع
стр. 208
فهرس معلومات الكتاب
المقدمة والتطبيق
٨ - الإعجاز العلمي = دلائل صدق القرآن:
٨ - نسبة الإعجاز إلى العلمي فيها خلل، وقد يفهم منها أن غيره ليس علمياً:
٨ - مصطلح «العلمي» أثر من آثار التغريب الذي يصف العلوم الدنيوية دون غيرها بالعلمية:
١٤ - من فوائد تحرير المصطلحات: بيان المصطلح بذاته، وعدم دخول ما ليس منه فيه، والتفريق بين ما يُظَنُّ أنه مترادف من هذه المصطلحات:
١٩ - تحديد التفسير بالمأثور بأنه تفسير القرآن بالقرآن وبالسنة وبأقوال الصحابة وأقوال التابعين من المصطلحات المعاصرة:
١٩ - التفسير بالرأي يقابل التفسير بالمأثور عند من اصطلح عليه بهذه الأنواع الأربعة:
١٩ - من جعل التفسير بالمأثور يشمل هذه الأنواع الأربعة لم يبين سبب هذا التحديد:
٢٠ - أقدم من نص على هذا التقسيم الرباعي محمد عبد العظيم الزرقاني، ثم محمد حسين الذهبي:
٢٠ - تتابع بعض المعاصرين على هذا المصطلح:
стр. 209
٢١ - المعروف من لفظة مأثور: ما أُثِرَ عن السابقين، فكيف يكون تفسير القرآن بالقرآن مأثوراً؟:
٢٣ - القرآن مصدر من مصادر التفسير، وهو من أحسن طرق التفسير، لكن لا يسمى التفسير به تفسيراً بالمأثور:
٢٣ - لم يذكر أصحاب التقسيم الرباعي للمأثور تفسير أتباع التابعين:
٢٣ - محمد حسين الذهبي يعلل لإدخال تفسير التابعين بوجود تفسيراتهم في التفاسير التي تُعنى بتفسير السلف، وهذه العلَّة تشمل أتباع التابعين، ومع ذلك لم يُدخلهم في التفسير بالمأثور:
٢٤ - أصل هذا المصطلح مأخوذ من طرق التفسير التي ذكرها شيخ الإسلام، وهي تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين، فجعلوها تفسيراً بالمأثور، وهي طرق التفيسر عند شيخ الإسلام:
٢٧ - غفلة من مشى على مصطلح التفسير بالمأثور عن اجتهادات السلف في التفسير:
٢٨ - التفسير الوارد عن السلف مصدر من مصادر التفسير، وهو مأثور بالنسبة لمن جاء بعدهم، لكن لا يعني كونه مأثوراً أنه لم يقع فيه اجتهاد ورأي منهم:
٢٩ - تفسير كل طبقة هو مأثور لمن جاء بعدهم، لكنه لا يقبل لكونه مأثوراً، بل لعلل أخرى:
٢٩ - التفسير المأثور عن ينقسم إلى قسمين:
٢٩ - القسم الأول: المنقول المحض الذي لا رأي فيه، ويشمل تفسير النبي ﷺ ، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، والمغيبات:
стр. 210
٢٩ - القسم الثاني: ما كان فيه اجتهاد، ويظهر فيما يرد عليه الاحتمال في التفسير:
٢٩ - الرأي الوارد في تفسير السلف هو الرأي المحمود الذي يكون عن علم:
٣٠ - وجود الأقوال الضعيفة في تفسيراتهم لا يعني أنها من الرأي المذموم:
٣٠ - ورود بعض الأقوال الغريبة في تفسيراتهم قليلة جدًّا، وليست منهجاً ظاهراً في تفاسيرهم:
٣٠ - الرأي الذي جاء بعد السلف قسمان:
٣٠ - القسم الأول: الرأي المحمود المبني على علم، ويشمل الاختيار من أقوالهم والترجيح بينها، والإتيان بمعنى جديد صحيح لا يُبْطِل تفسير السلف ولا يُقصَر معنى الآية عليه:
٣٢ - القسم الثاني: الرأي المذموم، وله صور، وغالباً ما يكون عن جهل أو هوى.
٣٢ - وينتج من هذا: أنَّ التفسير بالرأي لا يقابل التفسير بالمأثور، وإن التفسير الوارد عن السلف يسمى مأثوراً ولا يقابله التفسير بالرأي، وأنَّ قبوله ليس لأنه مأثور فقط، بل هناك حجج أخرى مع كونه مأثوراً:
٣٤ - نقد طريقة الشوكاني في تقسيم كتابه في التفسير إلى الرواية والدراية، وذكر ما وقع فيها من الخلل:
٣٥ - تلخيص ما يتعلق بالتفسير المأثور: أن إطلاقه على تفسير النبي ﷺ ، وعلى تفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم صحيح، وإن هذا المأثور من أهم مصادر التفسير، وأنَّ المروي عن النبي ﷺ حجة بلا =
стр. 211
خلاف، وأن جملة من المروي عن السلف معتمده النقل، وأنَّ من تفسيرهم ما هو اجتهاد منهم، وهو من الرأي المحمود الذي يكون عن علم، وأن القرآن مصدر مهم من مصادر التفسير، وأن التعامل مع تفسير السلف يختلف من مصدر إلى آخر:
٣٧ - من نتائج هذا التقسيم للمأثور: أن حُكِمَ بأنه يجب الأخذ به دون تفصيل، وأنه قد يخالف التفسير بالرأي، وأن كتب التفسير تُقسَم على هذين المصطلحين:
٤٧ - تصحيح المسار في مصطلح التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي:
٤٧ - التفسير الذي لا يدخله الرأي: الذي لا يحتمل إلا قولاً واحداً، والمنقول الذي ليس للمفسر فيه إلا النقل؛ كتفسير النبي ﷺ ، وأسباب النُّزول، والأخبار الغيبية:
٤٨ - التفسير الذي يدخله الرأي، وهو كل ما يدخله الاحتمال:
مفهوم التفسير
٥٣ - التفسير ليس مقلوب «سفر»:
٥٤ - أي معلومة فيها بيان عن معنى الآية فهي تفسير
٥٤ - أي معلومة ليس فيها بيان عن معنى الآية فليست من التفسير:
٥٥ - وجود المعلومة في كتب التفسير ليس حجة في عدها من علم التفسير:
стр. 212
٥٥ - تنبيه بعض المفسرين على بعض المعلومات الخارجة عن التفسير:
٥٥ - ابن عطية: صور الطلاق وتنويعه مما لا يختص بالتفسير:
٥٦ - أبو حيان: تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً ليس من علم التفسير:
٥٦ - الشوكاني: ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء ليس مقصوداً في كتب التفسير:
٥٧ - الطاهر بن عاشور: صور الظهار عديدة، وليست الإحاطة بها مفيدة، وذلك من مجال الفتوى، وليس من مهيع التفسير:
٥٧ - المعلومات الواردة في كتب التفسير:
٥٨ - بيان القرآن بياناً مباشراً:
٥٩ - معلومات تفيد في تقوية بيان المعنى:
٦٠ - استنباطات عامة في الفقه والآداب وغيرها:
٦١ - لطائف ومُلَح تفسيرية:
٦١ - معلومات علمية تتعلق بعلوم القرآن:
٦٣ - معلومات علمية عامة في شتى المعارف الإسلامية وغيرها:
٦٤ - التفسير: شرح وبيان للقرآن، فما كان فيه بيان، فهو تفسير، وما كان خارجاً عن حدِّ البيان، فإنه ليس من التفسير، وإن وُجِدَ في كتب المفسرين:
٦٥ - تعريفات بعض العلماء لعلم التفسير:
٦٨ - ملحوظات على هذه التعريفات:
٦٨ - بعضها ذكر ضابط البيان في حدِّ التفسير:
стр. 213
٦٨ - بعضها أدخل جملة من علوم القرآن في تعريف التفسير:
٦٩ - بعضها أدخل ما ليس من مهمة المفسر في حدِّ التفسير:
٧١ - لو جُرِّدت كتب التفسير من المعلومات التي هي خارج حدِّ البيان لتقاربت مناهج المفسرين:
٧١ - المعلومات التي هي خارج حدِّ البيان معلومات علمية مفيدة، لكن يحسن إبراز صلب التفسير:
٧٣ - مصطلح التفسير المذكور بضابطه، وهو حدُّ البيان = أقرب إلى منهج تفسير السلف، وهو الذي يعمل به الطبري في بيان المعنى الجملي للآية:
٧٣ - زيادات المتأخرين على تفسير السلف:
٧٣ - تقوية أحد وجوه التفسير الواردة عن السلف:
٧٣ - ذكر معلومات قرآنية لا علاقة لها بالتفسير:
٧٣ - التوسع في العلم الذي برز فيه المفسر:
٧٤ - ذكر وجوه جديدة لم ترد عن السلف:
٧٤ - ذكر جملة من الاستنباطات في العلوم الشرعية وغيرها:
٧٤ - تطبيق حد البيان وما كان خارجاً عن هذا الحدِّ على سورة الكوثر:
٨٥ - ليس المراد من هذا البحث أن تقف على التفسير، وإنما المراد بيان المصطلح:
٨٥ - أنه لا يُعترض على المفسرين الذين أدخلوا هذه المعلومات الزائدة عن التفسير في كتبهم؛ لأن ذلك منهج لهم انتهجوه:
стр. 214
٨٥ - فائدة معرفة مفهوم التفسير:
٨٥ - معرفة صلب التفسير الذي هو أول وأولى ما يُعرف من علم التفسير:
٨٦ - معرفة علاقة المعلومات الواردة في كتب التفسير بعلم التفسير:
٨٦ - معرفة العلوم التي يجب على المفسر معرفتها:
مفهوم التأويل
٩١ - التأويل على قسمين: بيان مراد المتكلم، وهو التفسير، والموجود الذي يؤول إليه الكلام:
٩٢ - تفسير الكلام ليس من جنس ما يوجد في الخارج:
٩٢ - مثال على التأويل بمعنييه:
٩٣ - آثار في إطلاق التأويل على التفسير:
٩٧ - آثار على إطلاق التأويل بمعنى ما تؤول إليه حقيقة الشيء:
١٠٢ - المصطلح المتأخر في مفهوم التأويل: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح لقرينة تدل عليه:
١٠٤ - مثال لأثر هذا المصطلح في تفسير كلام رسوله ﷺ : «وعلمه التأويل» أنه التأويل بالمعنى الحادث، وقد ورد ذلك عن ابن الجوزي وابن الأثير:
١٠٦ - صاحب لسان العرب وتاج العروس نقلا هذا المصطلح الحادث عن ابن الأثير، وليس وجوده في كتبهم حجة لغوية:
١٠٧ - سبب ظهور هذا المصطلح الحادث هو القول بالمجاز:
стр. 215
١٠٨ - تطلب بعض العلماء الفرق بين التفسير والتأويل بسبب المصطلح الحادث:
١٠٩ - نقول من أقوالهم في الفرق بين التفسير والتأويل:
١١٣ - معنيا التأويل الواردان في لغة القرآن والسنة وأقوال السلف وأهل اللغة هو الأصل الذي يرجع إليه في معرفة الفرق، وعليه تعرض جميع التفريقات التي ذكرها المتأخرون:
١١٣ - إذا رجع الفرق بين التفسير والتأويل الذي يذكره المتأخرون إلى أحد المعاني الصحيحة المذكورة فإنه يقبل، ولا يكون هو حدُّ الفرق بل جزء منه، مع ذكر مثال لهذا.
١١٦ - وإذا لم يرجع إلى من هذه الفروق الصحيحة فإنه لا يقبل:
١١٦ - المصطلح الحادث قد يكون صحيحاً إذا كان المراد من الكلام غير ظاهره عند المتكلم به، ويكون في كلامه ما يبين ذلك، ولا يكون من التأويل بالمصطلح الحادث، بل هو من تفسير الكلام:
١١٧ - أما إذا لم يكن في كلامه ما يدل على ذلك، فالتأويل المزعوم لكلامه إنما هو تحريف:
١١٧ - ذكر مثال للحالتين السابقتين:
١٢٢ - لا يوجد لمصطلح التأويل الحادث حدٌّ يقف عنده، لهذا يؤوِّل الفلاسفة أحوال الآخرة، ويؤوِّل الباطنية الشرائع إلى غير ذلك:
١٢٥ - ذكر مثال لتأويل الفلاسفة:
١٢٧ - معنى التأويل في آية سورة آل عمران: