أصحاب الترجيح من المقلّدين، كأبي الحسين القُدُوري، وصاحب "الهداية"، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحّ رواية، وهذا أرفقَ للناس.
تدرك، وتعرف مكانةُ العالم من خلال آثاره ومؤلّفاته، ومؤلّفات الإمام القُدُرى مع قلّتها، هي الأثر الخالد لهذه الشخصية العلمية، التي تشهد برسوخه في الفقه.
تصانيف الإمام القدوري:
أذكر ههنا مؤلَّفاتِ الإمام القدوري -رحمه الله تعالى- مما يكون أنموذجًا لمساعيه الجبارة في مِضْمار تدوين المؤلَّفات.
١ - التجريد في الفروع في سبعة أسفار
وهو كتابٌ عظيمٌ في فقه الموازنة، وبخاصّةٍ في مسائل الخلاف بين الحنفية والشافعية، شرع في إملائه سنة خمس وأربعمائة، وأبانَ فيه عن حفظه لما عند الدارقطني من أحاديث الأحكام وعِلَلِها.
أوله: اللّهمَ اعصمْنا من الزلل إلخ. أفردَ فيه ما خالفَ فيه الشافعي من المسائل بإيجاز الألفاظ، وأوردَ بالترجيح، ليشتركَ المبتدي والمتوسّطُ في فهمه، وشرعَ في إملائه سنةَ خمسٍ وأربعمائة، ثم كتب أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السرخْسي، المتوفّى سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة تكملةَ "التجريد"، ولجمال الدين محمود بن أحمد القونوي الحنفى، المتوفّى سنة سبعين وسبعمائة مختصره المسمّى بـ "التفريد" (١).
٢ - شرح "مختصر الكَرْخي" في فروع الحنفية.
قال الحافظ القرشي: و"شرحه" على "مختصر الكَرْخِي" في عِدّةِ مجلّدات.
стр. 1017
وهذا المختصر للإمام أبي الحسين عبد الله الحسين بن دلّال بن دلهم الكَرْخي، المتوفّى سنة ٣٤٠ هـ. وشرح الإمام أبو الحسين أحمد بن محمد القُدُوري المختصرَ المذكورَ، أوله: الحمد لله وليّ الحمد، ومستحقّه إلخ. شرح هذا "المختصرَ" أيضا الإمام أبو بكر أحمد بن علي، المعروف بالجصّاص، الحنفي المتوفّى سنة ٣٧٠ هـ.
٣ - له شرح على "أدب القاضي" للخصّاف.
وهو الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو الخصّاف، المتوفّى سنة إحدى وستين ومائتين. رتّبَ على مائة وعشرين بابا، وهو كتاب جامع غاية ما في الباب، ونهاية مآرب الطلّاب، ولذلك تلقّوْه بالقبول، وشرحه فحولُ أئمةِ الفروع والأصول، ومنهم: أبو بكر علي الجصّاص، والإمام أبو جعفر محمد بن عبد الله الهندواني، والإمام أبو الحسين القُدُوري (١).
٤ - التقريب في الفروع.
وهو مجرّد عن ذكر المسائل الخلافية بين أبي حنيفة وأصحابه في مجلّد.
٥ - التقريب الثاني.
صنّف ثانيا في عدّة مجلّدات.
٦ - جزء من الحديث.
وله جزء من حديثه من رواية أبي عبد الله الدامغاني.
٧ - مختصر القُدُوري في فقه الحنفية.
هو الكتاب المعروف المتداول بين الكَمَلَة والطَّلَبَة، جعله صاحبُ "الهداية" أصلا لـ "البداية". قال القرشي: فنفع الله به خلقًا لا يُحْصون.
стр. 1018
وفي التعليق على "سير أعلام النبلاء"، وله عِدّة مصنّفاتٍ نفيسة، وأشهرُها كتاب "المختصر" في فروع الحنفية. وهو من الكنب المعتمدة في فقه أبي حنيفة، واشتهرَ باسم الكتاب، فإذا أطلق لفظ الكتاب عند الحنفية ينصرف إليه، كما إذا أطلق لفظ الكتاب عند النحاة ينصرف إلى "كتاب سيبويه".
قال الإمام المرْغيناني صاحب "الهداية" في "بداية المبتدي": كان يخطر ببالي عند ابتداء حالي أن يكونَ كتابٌ في الفقه، فيه من كلّ نوع، صغير الحجم، كبير الرسم، وحيث وقع الاتفاق بتطواف الطرق، وجدتُ "المختصرَ" المنسوبَ إلى القدوري أجملَ كتابٍ في أحسن إيجاز وإعجاب، ورأيتُ كبراءَ الدهر يُرَغِّبون الصغيرَ والكبيرَ في حفظ "الجامع الصغير"، فهَمَمْتُ أن أجمعَ بينهما، ولا أتجاوز فيه عنهما، إلا ما دعتِ الضرورةُ إليه، سمّيتُه "بداية المبتدي"، ولو وفَّقتُ لشرحه لسمّيتُ بـ "كفاية المنتهى". انتهى (١).
وقد طبع عِدّةَ طبعاتٍ في "دهلي"، و"لاهور"، و"بومبائي"، و"إستانبول"، و"القاهرة"، وأفرد من هذا "المختصر" بالطبع كتاب الجهاد في ليبزغ ١٨٢٥ م.
تبرك العلماء بـ "القدوري ":
قال الملا كاتب الجلبي في كتابه "كشف الظنون": قال صاحب "مصباح أنوار الأدعية": إن الحنفيةَ يتبرّكون بقراءته أي "مختصر القدوري" في أيام الوباء، وهو كتاب مبارَك، مَنْ حفظه يكون أمينا من الفقر، حتى قيلَ: إن مَنْ قرأه على أستاذ صالح، ودعا له عند ختم الكتاب بالبركة، فإنه يكون
стр. 1019
مالكًا لدراهمَ على عددِ مسائلِه. وفي بعض شروح "المجمع" أنه مشتمل على اثني عشرَ ألف مسألة. انتهى.
وكذا قال صاحب "مفتاح السعادة" (١) ٢: ١٤٦ وقال: هذا المختصر يتبرّك به العلماء، حتى جرَّبوا قراءته أوقات الشدائد وأيام الطاعون. اهـ.
وفي "الكشف" وقد كان أبو على الشاشي يقول: مَنْ حفظَ هذا الكتابَ فهو أحفظ أصحابِنا، ومَنْ فهمَه فهو أفهم أصحابنا. اهـ.
من اعتنى على القدوري بالتشريح والتعليق:
وقد توارثَ فقهاءُ الأحناف الاهتمامَ بهذا الكتاب الجليل المشهور المبارك اهتماما بالغا، لم يظهرْ في أيّ كتابٍ منا الكتب الفِقْهية في المذهب، وبرزَ ذلك الاهتمام بإقراره وتحفيظه للصغار ووجودِه في مَكْتبَات العالم ومَدارِسِه. وبما قامَ الفقهاءُ اللاحِقون للمؤلَّف بأنواع الخدمات على هذا المختصر، فخدموا تشريحًا، وتوضيحًا، وتصحيحًا، وتعليقًا، وتهذيبًا، وتنقيحًا، وترجمةً بلغات شتّى، فأجادوا، وأفادوا خلقًا لا يُحصى، وكان اهتمامُهم به اهتمامًا فاقَ سائرَ الكتب الفِقْهِية في المذهب الحنفي، وبلغتْ الشروحُ والتعليقاتُ على هذا الكتاب مبلغا كبيرَ العدد.
فههنا نذكر تراجمَ هولاء الرجال على نسق حروف المعجم، من أوائل أسمائهم، وبدأتُ منهم بذكر مَنْ ابتدأ اسمُه بحرف الألف، ثم ثَنَّيْتُ
стр. 1020
بحرف الباء، ثم بعدها من الحروف على ترتيبها إلى أخرها، ليسهلَ إدراكُ ذلك على طالبِيه، وتقربَ معرفتُه من مُبْتَغِيه، ومن الله التوفيق، وعليه التكلان.
منهم: إبراهيم بن عبد الرزاق أبي إسحاق الرسعني، عُرِفَ بابن المحدّث، سمع بـ "الموصل" من والده الإمام عزّ الدين، وتفقّه على أبيه. وله منظومة منثور، وشرح "القُدُوري"، ولم يتمّه.
مولده في جُمَادَى الأولى سنةَ اثنتين وأربعين وستّمائة. ومات في شهر رمضان سنة خمس وستمائة بـ "دمشق". ودُفِنَ بـ "قاسيون" في سفحه (١).
ومنهم: إبراهيم بن عبد الكريم بن أبي السعادات أبو إسحاق الموصلي.
شرح قطعةً كبيرةً من "مختصر القُدُوري"، وكتب الإنشاء لصاحب الموصلي، ثم استعفى من ذلك. توفّى سنة ثمان وعشرين وستمائة.
ومنهم: العلامة المحدّث المفتي إبراهيم البنغلاديشي رحمه الله تعالى.
من آثاره: شرح على "القُدُوري باللغة الأردية، وسمّاه "التوضيح الضروري لحلّ مسائل مختصر القدوري" تَرْجَمَه أولا بالأردية، ثم شَرَحه.
ومن تصانيفه: "التقريب لحلّ شرح التهذيب"، و "التشريحات شرح المرقاة"، وله أيضا "شرح على الهداية"، و "شرح السراجي"، وغيرها. قد ذكرتُ ترجمتَه في "ما ينبغى به العِناية لمن يطالع الهداية" عند ذكر شراح "الهداية".
стр. 1021
ومنهم: إبراهيم بن محمد الحلبي صاحب "ملتقى الأبحر" في فروع الحنفية. جعل كتابه مشتملا على مسائل "القدوري"، و"المختار"، و"الكنز"، و"الوقاية" بعبارة سهلة، وأضافَ إليه بعضَ ما يحتاج إليه من مسائل "المجمع"، ونبذةً من "الهداية"، وقدّم من أقاويلهم ما هو الراجح، وأخّر غيرَه، واجتهدَ في التنبيه على الأصحّ والأقوى، وفي عدم ترك شئ من مسائل كتب الأربعة، ولهذا بلغ صيتُه في الآفاق، ووقع على قبوله بين الحنفية الاتّفاق. توفّي سنة ٩٥٦ هـ. (١).
ومنهم: أبو بكر بن علي بن محمد الحدّاد العبادي اليمني الفقيه الحنفي -رحمه الله تعالى-، هو الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام. توفّي سنة ٨٠٠ هـ ثمانمائة.
وله "السراج الوهّاج الموضِح لكلّ طالب محتاج" في شرح "مختصر القُدُوري". أوله: الحمد لله، ولا قوّة إلا بالله، وما توفيقي إلا بالله. قال الشارح: جمعتُه بألفاظٍ مختصرةٍ، وعباراتٍ ظاهرةٍ، تشتمل على كثيرٍ من المعاني والمذاكرة، وأوضحتُه لذوي الأفهام القاصرة، والهِمَم المتقاصرة، وسمَّيتُه بـ "الجوهرة النيِّرة"، واستغنتُ في ذلك بمَنْ له الحمد في الأولى والآخرة، سبحانَه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
ومنهم: أبو بكر بن على بن موسى الهاملي سراج الدين الفقيه الحنفي -رحمه الله تعالى-، نزيل "زبيد". توفىّ بها سنة ٧٦٩ تسع وستين وسبعمائة.
له "درّ المهتدي وذُخر المقتدي"، يعرف بـ "المنظومة الهاملية" في الفروع مشهور، و"شرح مختصر القُدُوري".
стр. 1022
ومنهم: أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى الماردِيْنِي تاج الدين التُّرْكُماني الحنفي المصري. ولد بـ "مصر" سنة ثمانين وستّمائة، وتوفّي بها سنة أربع وأربعين وسبعمائة. من تصانيفه: "شرح الجامع الكبير" للشيباني، و"شرح الهداية"، للمَزغِيْناني، و"الطرق والوسائل إلى معرفة أحاديث خلاصة الدلائل"، مع "شرح مختصر القُدُوري"، وغير ذلك.
ومنهم: أحمد بن على بن تغلب بن أبي الضياء مظفّر الدين ابن الساعاتي البغدادي الأصل البعلبكّي. سكن بـ "بغداد"، ونشأ بها، وبرعَ في الفقه، كتبَ الخطَّ المنسوبَ، وصنَّف كتابَ "مجمع البحرين"، جمع فيه بين "مختصر القُدُوري"، و"المنظومة" مع زوائد، أحسنَ، وأبدعَ في اختصاره. وشرحه في مجلّدين، وله "كتاب البديع" في الأصول، جمع فيه بين "أصول" فخر الإسلام علي البزدوي، و"الأحكام" للآمدي.
قلتُ: وله "الدرّ المنضود في الردّ على فيلسوف اليهود"، يعني ابنَ كمونة، وكان -رحمه الله تعالى- موجودًا سنة تسعين وستمائة.
ومنهم: أحمد بن محمد بن محمد أبو نصر المعروف بالأقطع، أحد شرّاح "المختصر"، سكن "بغداد" بدرب أبي زيد بنهر الدجّاج.
قال ابن النجّار: درسَ الفقهَ على مذهب أبي حنيفة على أبي الحسين القُدُوري، حتى برعَ فيه، وقرأ الحسابَ حتى أتقَنَه، وخرج من "بغداد" في سنة ثلاث وأربعمائة إلى "الأهواز"، وأقام بـ "رَامْهُرْمُز". وشرح "المختصر"، وكان يدرّس هناك إلى أن توفّي، فمال إلى حدث، فظهرتْ على الحدث سرقة، فاتّهم بأنه شاركَه فيها، فقطعتْ يدُه اليسرى.
قلت: قيل: إن يدَه قطعتْ في حربٍ بين المسلمين والتتار، وهذا الاحتمال أقرب وأبعد من التهمة للمسلم، بمجرّد خبرٍ يفيد الظنّ، كذا نقل
стр. 1023
ابن قُطْلُوبُغا، وطاش كبري زاده عن الصفدي في "الوافيات" والله أعلم. وتوفّي سنة أربعة وسبعين وأربعمائة (١).
ومنهم: إسماعيل بن الحسين بن عبد الله البَيْهَقِي، أبو القاسم الحنفى. ولد سنة ٣٢٨ هـ، وتوفّي سنة ٤٠٢ اثنتين وأربعمائة. له "الخلافيات"، و "سمط الثريا" في معاني غريب الحديث الشامل في الفروع، وفي "كشف الظنون" أنه شرح "مختصر القُدُوري"، وهو المسمّى بـ "الكفاية".
ومنهم: الأديب الأريب الفقيه المحدّث العلامة إعزاز علي بن محمد مزاج علي بن حسن على بن خير الله المراد آبادي الأمروهي -رحمه الله تعالى-. ولد سنة ١٣٠٠ هـ.
من فضلاء "دار العلوم ديوبند".
من شيوخه: شيخ الهند محمود حسن الديوبندي، ومولانا غلام رسول الهزاروي، والمفتي عزيز الرحمن الديوبندي -رحمهم الله تعالى-.
كان أستاذَ الحديث والفقه والأدب بـ "ديوبند". له حاشية على "كنز الدقائق"، و "القُدُوري"، و "نور الإيضاح"، و "مفيد الطالبين"، و "ديوان المتنبيّ"، وله "نفحة العرب" في الأدب، وحاشية عليه، و "شرح المِقَامات الحريرية"، وغير ذلك. توفّي سنة ١٣٧٤ هـ.
ومنهم: حسين بن عبد الله الآقحصاري القاضي الحنفي الزاهد، المعروف بكافي البسنوبي. توفّي سنة خمس وعشرين وألف في بلدة
стр. 1024
"آقحصاري"، ودفن في المسجد الذي بناه. له "روضات الجنّات في أصول الاعتقادات"، و"شرح مختصر القُدُوري" في الفروع، و"شرح مقدمة الصلاة" للكيراني، و "نور اليقين في أصول الدين".
ومنهم: الشيخ العالم الفقيه حسن بن نوح بن محمود الحسيني البلغرامي. أحد الرجال المعروفين بالتفقّه. له حاشية على "مختصر القُدُوري". وكان حيًّا إلى سنة ثمان بعد الألف، ومات في شعبان، كما في "مآثر الكِرَام"، ولم أقفْ على سنة وفاته.
ومنهم: مولانا خليل الرحمن النعماني -رحمه الله تعالى-. له "ترجمة القُدُوري" بالأردية.
ومنهم: ركن الأئمة الصباغي -رحمه الله تعالى-، إمام كبير، له مشاركة تامّة في العلوم، أخذ عنه جماعةٌ، منهم نجم الدين مختار الزاهدي صاحب "القُنْيَة". له "شرح مختصر القُدُوري"، وغيره. ذكره صاحب "الكَشْف" عند ذكر شرّاح "مختصر القُدُوري" أن اسمَه عبد الكريم بن محمد بن أحمد على الصباغي أبو المكارم المديني. تفقّه على أبي اليسر البزدوي -رحمه الله تعالى-.
ومنهم: الشريف ناصر بن الحسن الحسيني البستي، الكيلاني الحنفي، نزيل "قرطبة". له "شرح مختصر القُدُوري"، و"مطالع النقش"، و"النصوص في شرح الفصوص"، للشيخ الأكبر ابن العربي. وسمّاه أيضا "مجمع البحرين"، فرغ منها سنة ٩٤٠ هـ.
ومنهم: عاشق إلهى البَرْنِي. هو الشيخ المفتي عاشق إلهي البَرْنِي المظاهري. وهو من أخصّ تلاميذ شيخ شيوخنا المحدّث الجليل الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، المعروف بشيخ الحديث -رحمه الله تعالى-.
стр. 1025
شرح "مختصر القدوري"، وسمّاه "التسهيل الضروري لمسائل القدوري"، سلكَ فيه المؤلّفُ مسلكَ الشرح والإيضاح على نهج السؤال والجواب، بأعذب بيان وأوفى تبيان، في أسهل عبارة، لا تخلّ ولا تملّ، تفهيمًا للمبتدئين، وتقريبا إلى أذهان الناشئين.
أضاف إلى "القدوري" أشياءَ كثيرةً من كتب الحديث والفقه، بعضها في المتن، وبعضها في الحواشي، وحلّ الغريبَ من الألفاظ، وزاد القيودَ والشروطَ، التي أهملَها الإمامُ القدوري -رحمه اللّه تعالى-، اعتمادًا على فهوم مَهَرَة الفن. ومن تصانيفه: "المواهب الشريفة في مناقب الإمام أبي حنيفة"، وقامَ بنشر هذا الكتاب مكتبةُ الشيخ بـ "كراتشي".
ومنهم: مولانا عبد الحليم البنغلاديشي. من فضلاء دار العلوم "ديوبند"، شرح "مختصر القدوري" باللغة البنغالية. وسمّاه بـ "درس القدوري".
ومنهم: المولوي عبد الحميد بن عبد الحليم اللكنوي. له "حلّ الضروري شرح مختصر القُدُوري".
ومنهم: عبد الربّ بن منصور بن إسماعيل بن إبراهيم أبو المعالي الغزنوي، كانتْ وفاتُه في حدود الخمسمائة. شرح "مختصر القُدُوري" في مجلّدين. سمّاه "ملتمس الإخوان" (١).
ومنهم: عبد الرحمن بن محمد السرخسي. تفقّه بأبي الحسين القُدُوري، وكان يداوِم الصومَ، وعُرِفَ بالزهد وكسرِ النفس. وقصد بلادَ "خوزستان"، فاستنابَه أبو الحسين عبدُ الوهّاب بن منصور بن المشتري
стр. 1026
قاضي ممالك الملك أبي كاليجار بن بُوَيْه على قضاء "البصرة". ذكرتُ ترجمته في محلّ ذكر تلامذة الإمام القدوري. وتوفّي في ثالث عشرَ من رمضان سنة تسع وثلاثين وأربعمائة.
ومن تصانيفه: "تكملة التجريد" أي "تجريد القدوري"، و "كتاب مختصر المختصرين" في مجلّد (١).
ومنهم: عبد الرحيم بن رضى الدين محمد بن يونس ابن محمد بن منعة تاج الدين أبو القاسم الموْصِلي الفقيه الشافعى، نزيل "بغداد". من تصانيفه: "جوامع الكَلِم الشريفة على مذهب الإمام أبي حنيفة" في اختصار "مختصر القدوري".
ومنهم: عبد الرحيم بن على الآمدي القاضى الحنفي. صنّف "زبدة الدراية في شرح الهداية"، و "المهمّ الضروري في شرح مختصر القُدُوري".
ومنهم: عبد الغني الغنيمي الميداني الحنفي. صنّف "اللباب في شرح الكتاب"، أعني "مختصر القُدُوري" في الفروع. فرغ منه في ٧ محرّم سنة ١٢٦٨ هـ، في مجلّد، طبع بـ "القسطنطينية". ومات سنة ١٢٧٤ هـ.
ومنهم: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرْغيناني الحنفي. كان إماما فقيها، حافظا، محدّثا، مفسّرا، جامعا للعلوم، وضابطا للفنون، مُتْقِنًا محقّقًا، نظّارًا، مدقّقا، زاهدًا، ورعًا، بارعًا، فاضلا، ماهرًا، أصوليًا، أديبًا، شاعرًا، لم تر العيونُ مثلَه في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف، والباع الممتدّ في المذهب.
стр. 1027
قال ابن كمال باشا: هو من طبقات أصحاب الترجيح، القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض، برأيهم النجيح، وتعقّب بأن شأنه ليس أدونَ من قاضى خان، وله في نقد الدلائل واستخراج المسائل شأنٌ أي شأن، فهو أحقّ بالاجتهاد بالمذهب، وعدّه من المجتهدين في المذهب إلى العقل السليم أقرب.
ومن آثاره: "الهداية"، وهو شرح "بداية المبتدي". ذكر في البداية أنه جمع "مختصر القدوري"، و"الجامع الصغير"، واختارَ ترتيبَ "الجامع الصغير"، تبرّكا بما اختارَه محمدُ بن الحسن الشيباني.
ومن تصانيفه: "كفاية المنتهي" في نحو ثمانين مجلّدًا، و"كتاب التجنيس والمزيد"، وهو لأهل الفتوى غير عتيد. و"المزيد"، ذكره الحلبي في "كشف الظنون" أنه في فروع الحنفية. وكتاب "مختار مجموع النوازل"، و"نشر المذاهب"، و"شرح الجامع الكبير" للشيباني، و"كتاب في الفرائض"، و"كتاب المنتقى"، عدّه الكَفَوي من تصانيف الإمام المرْغيناني (١).
ومنهم: على بن أحمد بن مكّى الرازي الإمام حسام الدين. وضع كتابًا نفيسًا على "مختصر القُدُوري"، سمّاه "خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل".
قال الإمام عبد القادر القرشي: وهو الكتاب الذي حفظتُه في الفقه، وخرّجتُ أحاديثَه في مجلّد ضَخْم، ووضعتُ عليه شرحًا وصلتُ فيه إلي كتاب الشركة حين كتابتي لهذه الترجمة في يوم الجمعة ثامن شوّال سنة تسع وخمسين وسبعمائة، ألقيتُه في الدروس التي أدرّس فيها، وأسأل الله العظيمَ بجاهِ رسول الله ﷺ إتمامَه في خيرٍ وعافيةٍ في دروسي. آمين.
стр. 1028
ذكره ابن عسكر في "تاريخه"، وقال: قدم "دمشق"، وسكنها، وكان يدرّس بـ "المدرسة الصادرية"، ويفتي على مذهب أبي حنيفة، ويشهد، ويناظر في مسائل الخلاف.
قال ابن العديم: تفقّه عليه بـ "حلب" عمّي أبو غانم، وجماعة. وسمع منه عمر بن بدر الموصلي.
توفي في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ودفن خارجَ بابِ الفراديس (١).
ومنهم: عمر بن عبد الجليل بن محمد جميل الدين بن درويش ابن عبد المحسن الحنفي البغدادي القادري نزيل "دمشق". ولد سنة ١٠٥٥ هـ، وتوفّي سنة ١١٩٤ هـ.
وله من التآليف: "حاشية على الاستعارات"، و"شرح الصلاة المحمدية" للشيخ الأكبر محي الدين، و"شرح مختصر القُدُوري"، و"الكمالين على الجمالين" لعلي القارئ، وصل فيها إلى أوائل سورة العمران، وغير ذلك.
ومنهم: المفتي غلام محي الدين بن نور الدين أحمد القرشي الوزير آبادي الأفغاني. له "ترجمة القُدُوري" بالفارسية، وبشتو.
ومنهم: الأستاذ أبو سعيد غلام مصطفى السندي القاسمي. ولد في قرية "بهنبهو خان"، من مضافات "لارْكانه". قرأ كتبَ الأحاديث عند شيخ العرب والعجم شيخ الحديث بـ "دار العلوم ديوبند" السيد حسين أحمد المِدَني.
стр. 1029
له "حاشية على القُدُوري"، وفي مبدئه مقدّمة مبسوطة بالتحقيق على الفقه الحنفي يُحسّ ضرورتَها كلُّ مَنْ يطالِعها.
ومنهم: قاسم بن قُطْلُوبُغا الزين، وربما لقب الشرف أبو العدل السودوني. نسبة بمعتق أبيه سودون، الشّيخوني، نائب السلطنة الجمالي، الحنفي، ويعرف بقاسم الحنفي.
ولد في المحرّم سنة اثنتين وثمانمائة بـ "القاهرة"، ومات أبوه، وهو صغيرٌ، فنشأ يتيما، وحفظ القرآن، وكتبا عرض بعضها على العزّ بن جماعة، وتكسب بالخياطة وقتا، وبرعَ فيها، بحيث كان يخيط بالأسود في "بغداد"، فلا يظهر.
ثم أقبَل على الاشتغال، فسمع تجويدَ القرآن على الزراتني، وبعض التفسير على العلاء البخاري، وأخذ علومَ الحديث عن التاج أحمد الفَرْغاني، النعماني، قاضي "بغداد"، والفقه عن أولى الثلاثة، والسراج قارئ "الهداية"، والمجد الرومي، والنظام السيرامي، والعزّ عبد السلام البغدادي، وعبد اللطيف الكِرْماني.
واشتدّتْ عنايتُه بملازمة ابن الهُمام بحيث سمع عليه غالبَ ما كانَ يقرأ عنده في هذه الفنون وغيرها. وذلك من سنة خمس وعشرين، حتى مات. وكان معظَمُ انتفاعه به، ومما قرأ عليه الربع الأولَ من شرحه لـ "الهداية"، وقطعةً من "توضيح" صدر الشريعة، وجميع "المسايرة" من تأليفه.
وصنّف التصانيف المفيدة، فمن تصانيفه: "شرح درر البحار"، و"تخريج أحاديث الاختيار" بيّض في جزئين، و"رجال شرح معاني الآثار" للطحاوي بيّض في مجلّد، و"تخريج أحاديث البزدوي" في الأصول مجلّد لطيف، و"أحاديث الفرائض" كذلك، و"تخريج أحاديث شرح القدوري"، و"الترجيح والتصحيح على القُدُوري" في مجلدّ. و "ثقات الرجال".
стр. 1030
قال إسماعيل باشا البغدادي: من مصنّفاته: "منية الألمعي فيما فاتَ من تخريج أحاديث الهداية للزيلعي"،
توفيّ في ربيع الآخر عن سبع وسبعين سنةً في سنة تسع وتسعين وثمانمائة.
ومنهم: محمد بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد العزيز أبو جعفر الرازي.
قال أبو البركات المستوفي في "تاريخ أربل": كان حنفيّ المذهب، له معرفة بالأصول، وردَ "أربل" غيرَ مرّةٍ، وأقامَ بـ "الموصل" يدرّس.
وله كتاب في الفرائض، وكتاب في الفقه، و "كتاب النوري في مختصر القُدُوري"، و"كتاب التذكرة"، ومات بـ "الموصل" سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة وستمائة.
ومنهم: محمد بن أحمد بن يوسف بهاء الدين أبو المعالي الإسبيجابي، شرح "القدوري" شرحًا نافعًا، وسمّاه "زاد الفقهاء".
ومنهم: محمد بن أسعد بن محمد بن نصر أبو المظفّر بن حكيم الحكيمي الواعظ. سكن "دمشق"، وتفقّه بـ "بغداد". توفّي في المحرّم سنة سبع وستين وخمسمائة بـ "دمشق". ومولده يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وله كتاب "تفسير القرآن"، وكتاب "شرح المِقَامات"، و"كتاب شرح الشهاب"، و"نظم مختصر القُدُوري"، ورزق الحظّ في وعظه، وله شعر، وتكلّم فيه ابنُ النجّار بعظائم.
قلتُ: لم يزدْ فيما رأيتُ على أن قال: كان خليعا، قليلَ المروءة، ساقطا.
стр. 1031
ومنهم: محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين البخاري، المعروف ببكر خواهر زاده ابن أخت القاضى أبي ثابت محمد بن أحمد البخاري.
قال السمعاني: كان إماما، فاضلا، وحنفيًا. وله طريقة حسنة مفيدة، جمع فيها من كل فن، وكان يحفظها. سمع أباه أبا علي، وأبا الفضل منصور بن نصر الكاغِذي. وروى عنه عمرو بن محمد بن لقمان النسفي.
قال السمعاني: روى لنا عنه أبو عمرو عثمان بن عدي بن محمد البِيْكَنْدِي. وهو صاحب "المبسوط". وفي "هدية العارفين": من تصانيفه: "تجنيس" في الفروع، وشرح القاضي لأبي يوسف، و "شرح مختصر القُدُوري".
ومات في جمُادى الأولى في الخامس والعشرين ومائة في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة (١).
ومنهم: محمد بن رسول بن يونس بن محمد الموقاني. ترجمته في "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٤٩٤، و"الطبقات السنية" برقم ٢٠٠١، و"كشف الظنون" ٢: ١٦٣٢، و"الفوائد البهية" ١٦٨، و"هدية العارفين" ٢: ١٢٨، و"الجواهر المضية" برقم ١٣٠٧.
أحد شرّاح "مختصر القُدُوري"، سمّاه "البيان".
стр. 1032
ومنهم: محمد بن رمضان الإمام أبو عبد الله الرومي.
مؤلف "الينابيع" شرح "مختصر القُدُوري".
ومنهم: محمد بن شاه بن محمد، المعروف بابن الحاج حسن الرومي الحنفي المدرّس. توفّي سنة ٩٣٩ هـ، تسع وثلاثين وتسعمائة. له حاشية على "البيضاوي"، و"شرح ثلاثيات البخاري"، و "شرح مختصر القُدُوري"، ومتن في الفروع، لم يذكرْ اسمه.
ومنهم: محمد بن عبد الله أبو عبد الله قاضي القضاة بدر الدين بن أبي البقاء الشبلي. مولده سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. وتوفّي سنة تسع وستين وسبعمائة.
صنّف كتابًا في الأوائل، وكتاب "آكام المرْجان في أحكام الجان"، شرح "القُدُوري"، وسمّاه "الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع"، والمعروف أن "الينابيع" لمحمد بن رمضان، وإن هذا شافعي المذهب فليتحرّرْ هذا النقل.
ومنهم: محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكَرْدَري، البريقيني الإمام حافظ الخوارزمى الحنفي، المعروف بالبزازي. توفيّ سنة ٨٢٧ هـ، سبع وعشرين وثمانمائة.
من تصانيفه: "الجامع الوجيز"، المشهور بـ "الفتاوى البزّازية"، و"شرح مختصر القُدُوري"، و"مناقب الإمام أبي حنيفة"، وغير ذلك.
ومنهم: محمد بن محمد بن عبد الستار العِمَادي حافظ الدين شمس الأئمة أبو الوجد الكَرْدَرِي الفقيه الحنفي. ولد سنة ٥٥٩ هـ، وتوفّي ببخارى سنة ٦٤٢ هـ، اثنتين وأربعين وستمائة.
له من الكتب "تأسيس القواعد في عِصْمَة الأنبياء"، و"الردّ والانتصار لأبي حنيفة إمام فقهاء الأمصار"، وكتاب في حلّ مشكلات "القُدُوري".
стр. 1033
ومنهم: مير محمد بن محمد سعيد الإستانبولي الكاتب المعروف بطاهر سلام البرومي الحنفي. توفّي معزولا عن نظارة الدعاوي سنة ١٢٦٠ هـ، ستين ومائتين وألف.
وله ديوان شعر تركى، و"شرح مختصر القُدُوري"، و"شرح المِقَامات" للحريري.
ومنهم: محمد بن مصطفى بن زكريا بن خواجه حسن فخر الدين الدوركي الصلغري. مولده سنة إحدى وثلاثين وستّمائة، وكان شيخًا فاضلا أديبا.
نظم "مختصر القُدُوري" نظمًا حسنًا، ونظم قصيدةً في العربية كـ "الحاجية"، وقصيدةً في قواعد لسان الترك، وغير ذلك، وتأدّبَ به القاضي محمد بن المنصور قلاون.
ومنهم: مولانا محمد حنيف الكنكوهي من فضلاء أزهر الهند "ديوبند". له شرح على "مختصر القُدُوري"، وسمّاه بـ "الصبح النوري" باللغة الأردية. و"تحفة الأدب شرح نفحة العرب"، و"نيل الأماني شرح مختصر المعاني"، و"قرّة العيون في تذكرة الفنون"، و"فلاح وبهبود شرح قال أبو داؤد" و"معدن الحقائق شرح كنز الدقائق"، و"ظفر المحصّلين في أحوال المصنّفين"، وغيرها. وكلّها باللغة الأردية.
ومنهم: العلامة محمد نظام الدين الكِيْرانوي. له "تنقيح الضروري على مختصر القُدُوري".
ومنهم: محمد بن مكرّم بن سفيان زين الدين أبو منصور الكِرْماني الحنفي، المتوفّى في حدود سنة ٩٧٥ هـ، خمس وسبعين وتسعمائة.
стр. 1034
صنّف "الحُجَج الشافية والدلائل الكافية" في سنن السفر، و"زلّة القرّاء"، وكتاب "مختصر القُدُوري" في الفروع.
ومنهم: محمود بن أحمد بن مسعود القُونَوِي الدمشقي قاضي القضاة بها، عُرف بابن السراج.
درّس بـ "دمشق" بالريحانية سنةَ ثمان وعشرين وسبعمائة، واختصر "شرح الهداية" للصغناقي في مجلّد، سمّاه "خلاصة النهاية"، وله "المنهى في شرح المغني" في أصول الفقه ثلاث مجلّدات، وله "القلائد شرح العقائد" مجلّد، و "التفريد" مختصر "تجريد القُدُوري" أربع مجلّدات، وله "الزبدة شرح العمدة" في أصول الدين وغيرها. وأبوه أحمد بن مسعود.
ومنهم: مختار بن محمود بن محمد الزاهدي، أبو الرجاء الغَزْمِيْني، الإمام العلامة الملقّب نجم الدين. له "شرح القُدُوري" شرح نفيس، وله "القُنْية".
تفقّه على علاء الدين سديد بن محمد الخيّاطي، وبرهان الأئمة محمد بن عبد الكريم التركستاني، وغيرهما. قرأ الكلامَ على سراج الدين يوسف بن أبي بكر السكّاكي الخُوَارَزْمي. مات سنة ثمان وخمسين وستمائة.
ومنهم: مطهر بن الحسين بن سعد بن على بن البزّاز اليزدي. له "شرح القُدُوري"، سمّاه "اللباب"، واختصر "النوادر" لأبي الليث، وسمّاه "الخلاصة".
ومنهم: نصر بن محمد الختلي -رحمه الله تعالى-. الفقيه الحنفي، المتوفّى في سنة ٦٠٠ هـ. و"اختلان" قرية من قرى "سمرقند". له "شرح مختصر القُدُوري" في الفروع.
ومنهم: الفاضل الأديب المحدّث مولانا نور الإسلام شيخ الحديث بالجامعة الإسلامية علماء بازار فيني، وهي مدينة معروفة في "بنغلاديش"، له مصنّفات كثيرة، منها: "المصباح النوري شرح مختصر القُدُوري"، ترجمه أولا
стр. 1035
باللغة الأردية، ثم شرحه، وترجم شرحه هذا ببنغله مولانا عزيز الحق، ومولانا محمد أبو الكلام، ومولانا نور الحق، -حفظهم الله تعالى-، وقام بنشره إسلاميه كتب خانه، "بنغله بازار"، "داكا".
ومنهم: يوسف بن عمر بن يوسف الصوفي -رحمه الله تعالى-، صاحب "جامع المضمرات" شرح "مختصر القُدُوري". وهو شيخ كبير، وعالم نحرير. جمع علمَي الحقيقة والشريعة، وهو أستاذ فضل الله صاحب "الفتاوى الصوفية".
قال الإمام اللكنوي -رحمه الله تعالى-: هو شرح جامع للتفاريع الكثيرة، حاوٍ على المسائل الغزيرة (١).
مَن اعتنى على مختصر القدوري بالحفظ:
قد جرتْ في الناس عادةُ حفظِ كلام الله القديم، والحديث الشريف من عَهْدِ رسول الله ﷺ ، وبعد تدوين الكتب الفِقْهية صارتْ دائرةُ الحفظ وسيعةً جدًا. فكَمْ مِنْ رجلٍ حفظَ المبسوطَ والمختصرَ في الفقه، وبعد تفحّصِ كتبِ الرجال والطبقاتِ يُوجَدُ جمٌ غفيرٌ مِنْ حفّاظ المختصرات الفقهية، وما وقع خلافُ ذلك في حقّ "المختصر" للإمام القدوري، فإن أفذاذًا من الفقهاء النبلاء كانوا حفّاظًا لهذا الكتاب الجليل. وههنا أذكرُ أربعةً منهم.
١ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل البرهاني أبي الوفاء بن الزين المقْرئ أبي هريرة بن الشمس بن المجد الكركي الأصل، القاهري المولد والدار، الحنفي.
стр. 1036
وكان مولدُه يومَ الجمعة تاسعَ رمضان سنة ٨٣٥ هـ، وأمّه أمّ ولد جركسية، فحفظ "القرآن"، و "أربعين النووي"، و"الشاطبية"، و"مختصر القدوري"، و"ألفية ابن مالك"، وعرض على أئمة عصره، كالشهاب بن حجر، والعلم البُلْقيني، والعلاء القلقشندي، وسعد الدين بن الديري، وابن الهُمام، وجماعة -رحمهم الله تعالى-، وكتبوا له. مات سنة ٩١٨ هـ.
٢ - عبد الرحمن بن على بن عبد الرحمن بن على قاضي القضاة التّفْهَني -رحمه الله تعالى-. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: لازمَ الاشتغالَ، فمَهَرَ في الفقه والعربية والمعاني، واشتهر اسمُه، ونابَ في الحكم، ثم وَلِيَ التدريسَ بـ "مصرَ"، ثم القضاءَ.
مات مسموما في شوّال سنةَ خمس وثلاثين وثمانمائة، كذا ذكره السيوطى في "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة". قال الإمام اللكنوي -رحمه الله تعالى-: ذكر السخاوي في "الضوء اللامع" عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن هاشم الزين أبو هريرة التَّفْهَنِي، ثم القاهري الحنفي. ولد سنة أربع وستين وسبعمائة بـ"تَفْهَنا"، بفتح المثناة والفاء وسكون الهاء، بعدها نون، قرية من أسفل الأرض من قرب "دمياط"، وماتَ أبوه، وكان طحّانًا، وهو صغير، فقدم مع أمّه "القاهرة"، وكان أخوه بها، فنزل بعنايته بمكتب الأيتام بـ "صَرْغَتْمَشِيَة"، ثم ترقّى إلى عرافتهم، وأقرأ بعض بني أتراك تلك الخطّة، ونزل في طلبتها، وحفظ "مختصر القُدُوري"، وغيرَه، ولازَمَ الاشتغالَ، ودارَ على الشيوخ.
ومن شيوخه: خير الدين العينتابي إمام الشيخونية، والبدر محمود الكلستاني، فمَهَر في الفقه، وأصوله، وأصول الدين، والعربية، والمعاني، وغيرها. وتصدّى للتدريس والإفتاء سنين، ونابَ في الحكم عن الأمين
стр. 1037
الطرابلسي، ثم عن الكمال بن عديم، وصار من أفاضل طلبة الشيخونية حين كان الكمال شيخَها.
٣ - محمد بن محمد بن محمد نصر الله ابن أسلم بن أبي الوفاء القرشي -رحمه الله تعالى-.
قال الإمام القرشي -رحمه الله تعالى-: تفقّه يسيرًا على العلامة أحمد بن عثمان المارديني، وحفظ "القدوري".
قال الإمام عبد القادر القرشي: وسمع معى "البخاري" من الحجّار، وست الوزراء وزيرة، وأجازَ له جماعة.
مات مستهلَّ جمُادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، ومولدُه سنة ثلاث وتسعين وستمائة (١).
٤ - محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم ابن أبى الوفاء القرشي أبو محمد -رحمه الله تعالى-.
تفقّه يسيرًا، وحفظ "مختصر القدوري"، وحضر المدارس، وتولّى عقودَ الأنكحة، وقرأ القرآن، وكان صوتُه به حسنًا، كتب الكثير، وكان يخطّ خطًّا حسنًا.
مات يومَ الخميس قريبَ الحادي عشر، أو الثاني عشر على حسب اختلافهم فِى أول الشهر، إذ ذاك سنة خمس وثلاثين وستمائة بسفح المقطع من الغد يوم الجمعة.
وكان له معرفة تامّة بالشروط (٢).
стр. 1038
مُناظرة بين أبي الحسين القدوري والقاضي أبي الطيب الطبري الشافعي (١)
استدلّ أبو الحسين في المِختلعة أنه يلحقها الطلاق، بأنها معتدّة من طلاق، فجأز أن يلحقها ما بقي من عدة (٢) الطلاق، كالرجعية.
فكلّمه أبو الطيّب الطبري، وأورد عليه فصلين:
أحدهما، أنه قال: لا تأثير لقولك: إنها معتدّة من طلاق، لأن الزوجة ليست بمعتدّة، ويلحقها الطلاق، فإذا كانت المعتدّة والزوجة التي ليست بمعتدّة في لحاق الطلاق سواء، ثبت أن قولك: المعتدّة، لا تأثير له، ولا يتعلّق الحكم به، ويكون تعليق الحكم على كونها معتدّة، كتعليقه على كونه مظاهرًا منها، وموليًا عنها، ولما لم يصحّ تعليق طلاقها على العدّة، كان حال العدّة وما قبلها سواءً ومن زعم أن الحكم يتعلّق بذلك كان محتاجًا إلى دليل يدلّ على تعليق الحكم به.
وأما الفصل الثاني؛ فإن في الأصل أنها زوجة، والذي يدلّ عليه أنه يستبيح وطئها من غير (عقد جديد)، فجائز أن يلحقها ما بقي من عدد الطلاق، وفي مسألتنا هذه ليست بزوجة، على أنه لا يستبيح وطئها من غير عقد جديد، فهي كالمطلّقة قبل الدخول.
فتكلّم الشيخ أبو الحسين على الفصل الأول بوجهين: أنه قال: لا يخلو القاضى، أيّده الله تعالى، في هذا الفصل، من أحد أمرين؛ إما أن يكون
стр. 1039
مُطالبًا بتصحيح العلّة، والدلالة على صحتها، (فأنا ألتزم بذلك، وأذل بصحته، ولكنه محتاج ألا يخرج المطالبة بتصحيح العلّة، والدلالة على صحتها) مخرج (١) المعترض عليها بعدم التأثير، أو يعترض عليها بالإفساد من جهة عدم التأثير (٢)، فإن كان الإلزام على هذا الوجه لم يلزم، لأن أكثر ما في ذلك أن هذه العلّة لم تعم جميع المواضع التى يثبت فيها الطلاق، وأن الحكم يجوز أن يثبت في موضع مع عدم هذه العلّة، وهذا لا يجوز أن يكون قادحًا في العلّة، مُفسدًا لها. يُبين صحة هذا، أن علّة الربا التي تضرب بها الأمثال في الأصول والفروع، لا تعمّ جميع المعلومات، لأنا نجعلُ العلّة في الأعيان الأربعة؛ الكيل مع الجنس، ثم يثبتُ الربا في الأثمان، مع عدم هذه العلّة، ولم يقل أحد ممن ذهب إلى أن علّة الربا معنى واحد.
فإن قلتم: لا تعمّ جميع المعلومات، ولا تتناول جميع الأعيان التي يتعلّق بها تحريم التفاضل، فيجب أن يكون ذلك موجبًا لفسادها، فإذا جاز لنا بالاتفاق منا ومنكم، أن نعلّل الأعيان الستة بعلّتين، يوجد الحكم مع كلّ واحدة منها، ومع عدمها، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن هذه العلل لا تعمّ جميع المواضع، فوجب أن تكون فائدة (٣)، وجب أن يكون في مسألتنا مثله.
وما أجاب به القاضي الجليل عن قول هذا القائل، فهو الذي نُجيب به عن السؤال الذي ذكره، وأيضًا، فإني أدلّ على صحة العلّة.
стр. 1040
فالذي يدلّ على صحتها أننا أجمعنا على أن الأصول كلّها معلّلة بعلل، وقد اتفقنا على أن الأصل الذي هو الرجعة (١) معلّل أيضًا، غير أنا اختلفنا في عينها، فقلتم أنتم: إن العلّة فيها بقاء الزوجيّة: وقلنا نحن: العلّة وجود العدة من طلاق. ومعلومٌ أننا إذا علّلناه بما ذكرتم من الزوجية لم يبعد (٢)، وإن علّلناه بما ذكرته من العدة (٣) تعدت إلى المِختلعة، فيجب أن تكون العلّة هي المتعدّية دون الأخرى.
وأما معارضتك في الأصل، فهي علّة مدعاة، وتحتاج أن يدلّ على صحتها، كما طالبتني بالدلالة على صحة علتي.
وأما منعُ الفرع فلا نُسلم أنها زوجة؛ فإن الطلاق وضع لحلّ العقد، وما وضع للحلّ إذا وجد ارتفع العقد، كما قلنا في فسخ سائر العقود.
فتكلّم القاضي أبو الطيّب على الفصل الأول، بأن قال: قصدي بما أوردتك من المطالبة بتصحيح الوصف، والمطالبة في الدلالة عليه من جهة الشرع، (وأنَّ الحكم تابع له، غير أني كشفت عن طريق الشرع) له، وقلت: إذا كان الحكم يثبتُ مع وجود هذه العلّة، ويثبت مع عدمها، لم يكن ذلك علّة في الظاهر، إلا أن يدلّ الدليل على أن هذا الوصف مؤثر في إثبات هذا الحكم في الشرع، فحينئذ يجوز أن يُعلّق الحكم عليه، ومتى لم يدلّ الدليل على ذلك، وكان الحكم ثابتًا مع وجوده ومع عدمه (٤)، وليس معه ما يدلّ على صحة اعتباره، دلّ على أنه ليس بعلّة.
стр. 1041
وما ذكره الشيخ الجليل من علّة الربا، وقوله: إنها إحدى العلل.
فليس كذلك، بل هي وغيرها من معاني الأصول سواءٌ فلا معنى لهذا الكلام، هو حجّة عليك، وذلك أن الناس لما اختلفوا في تلك العلل، وادّعت كلّ طائفة معنى، طلبوا ما يدلّ على صحة ما ادّعوه، ولم يقتصروا فيها على مجرّد الدعوى، فكان يجب أن يعمل في علّة الرجعية مثل ذلك؛ لأن هذا تعليل أصل مجمع عليه، فكما وجب الدلالة على صحة علّة الربا وجب أن يدلّ أيضًا على صحة علّة الرجعية.
وأما جريان الربا مع الأثمان، مع عدم علّة الأربعة، فعلّة أخرى، تثبت بالدليل، وهى علّة الأثمان.
وأما في مسألتنا، فلم يثبت كون العدة علّة في وقوع (١) الطلاق، فلم يصح تعليق الحكم عليها.
وأما الفصل الثاني فلا يصحّ، وذلك أنك ادّعيت أن الأصول كلّها معلّلة، وهى دعوى تحتاجُ أن يدلّ عليها، وأنا لا أسأله (٢)؛ لأن الأصل المعلّل عندي ما دلّ عليه الدليل.
وأما كلام الشيخ الجليل، أيّده الله تعالى، على الفصل الثاني، فإن طالبني بتصحيح العلّة فأنا أدلّ على صحّتها.
والدليلُ على ذلك، أنه إذا طلق امرأة أجنبية لم يتعلّق بذلك حكم، فإن عقد عليها، أو حصلت (٣) زوجة له، فطلّقها، وقع عليه الطلاقُ.
стр. 1042
فلو طلّقها قبل الدخول طلقة ثم طلّقها، لم يلحقها؛ لأنها خرجت عن الزوجية، فلو أنه عاد فتزوّجها ثم طلّقها، لحقها طلقة، فدلّ [على أن العلّة فيها] (١) ما ذكرت، وليس في دعوى علتك مثل هذا الدليل.
وأما إنكاره لمعنى الفروع (٢)، فلا يصحّ لوجهين: أحدهما، أن عنده أن الطلاق لا يفيد أكثر من نقصان العدة، ولا يزيل الملك، فهذا لا يتعلّق به تحريم الوطءِ، ومن المحال أن يكون العقد مرتفعًا، ويحلّ له وطؤها.
والثاني، أني أبطل هذا عليه، بأنه لو كان قد ارتفع العقد، لوجب أن لا يستبيح وطئها إلا بنكاح، ولما أجمعنا أنه يستبيح وطئها من غير عقد لأحد، دلّ على أن العقد باقٍ، وأن الزوجية ثابتة.
فتكلّم الشيخ أبو الحسين على الفصل الأول، بأن قال: أما قولك: إني مطالب (٣) بالدلالة على صحة العلّة. فلا يصحّ، والجمعُ بين المطالبة بصحّة العلّة، وعدم التأثير تناقضٌ (٤)، وذلك أن العلّة إما أن تكون مقطوعًا بكونها مؤثّرة، فلا يحتاج فيها إلى الدلالة على صحّتها، ولا المطالبة، أو مقطوعًا بأنها غير مؤثّرة، فلا تجوز المطالبة فيها أيضًا بالدلالة على صحّتها؛ لأن ما يدلّ على صحّتها يدلّ على كونها مؤثّرة، فلا يجوز أن يرد الشرع بتعليق حكم على ما لا تأثير له في المعاني، وإنما ورد الشرع بتعليق الحكم على المعاني المؤثّرة في الحكم، وإذا كانت الصورة على هذا يجوز أن يقال: هذا
стр. 1043
لا تأثير له ولكن دلّ على صحّته لو كانت العلّة مشكوكًا في كونها موثّرة في الحكم لم يجز القطع على أنها غير مؤثّرة، وقد قطع القاضي بأن هذه العلّة غير مؤثّرة، فبان بهذه الجملة، أنه لا يجوز أن يعترض عليها من جهة عدم التأثير، ويحكم بفسادها، ليتنبّه، ثم يطالبني مع هذا بتصحيحها؛ لأن ذلك طلب محال جدًا.
وأما ما ذكرت من علّة الربا، فهو استشهاد صحيح، وما ذكر من ذلك حجّة عليّ؛ لأن كلّ من ادّعى علّة في الربا دلَّ على صحتها، فيجب أن يكون ها هنا مثله. فلا يلزم؛ لأني أمتنع من الدلالة على صحّة العلّة، بل أقول: إن كل علّة ادّعاها المسئول في مسألة من مسائل الخلاف، فطولب بالدلالة على صحتها لزمه إقامة الدليل عليها، وإنما امتنع أن يجعل الطريق المسئول لها وجود الحكم مع عدمه، [وأنه لا يعمّ] (١) جميع المواضع التي بينت (٢) فيها ذلك الحكم، وهو أبقاه الله تعالى، جعل المفسد لهذه العلّة وجود نفوذ (٣) الطلاق مع عدم العلّة، وذلك غير جائز، كما قلنا في علّة الربا في الأعيان الأربعة، إنها تفقد، ويبقى الحكم.
وأما إذا طالبتني بتصحيح العلّة، واقتصرت على ذلك، فإني أدلّ عليها، كما أدلّ على صحة العلّة التي ادّعيتها في مسألة الربا.
وأما الفصل الثاني، وهو الدلالة على صحة العلّة، فإن القاضي، أيّده الله، تعلّق من كلامي بطرفه، ولم يتعرّض لمقصوده (٤)، وذلك أني قلت: إن
стр. 1044
الأصول كلّها معلّلة، وإن هذا الأصل مُعلّل بالإجماع بيني وبينه، وإنما الاختلافُ في غير العلّة، فيجب أن يكون ما ذكرناه هو العلّة؛ لأنها تتعدّى، فترك الكلام على هذا كلّه، وأخذ يتكلّم في أن من الأصول ما لا يعلّل، وأنه لا خلاف فيه، وهذا لا يصحّ؛ لأنه لا خلاف أن الأصول كلّها [معلّلة] (١)، وإن كان في هذا خلاف فأنا أدلّ عليه.
والدليل عليه، هو أن الظواهر الواردة في جواز القياس مطلقة، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٢)، وكقوله ﷺ ، "إذا اجتهدَ الحاكمُ فَأَصابَ، فله أجرَانِ، فإن اجْتَهَدَ فأَخْطَأَ فله أجر".
وعلى أني خرجتُ من عهده بأن قلت: إن الأصل الذي تنازعنا عليه يعلّل بالإجماع، فلا يضرني مخالفة من خالفه في سائر الأُصول.
وأما المعارضة؛ فإنه لا يجوز أن يكون المعنى في الأصل ما ذكرت من ذلك (٣) النكاح، ووجود الزوجيّة؛ يدل على ذلك أن هذا المعنى موجود في الصبي والمجنون، ولا ينفذ طلاقهما، فثبت أن ذلك ليس بعلّة، وإنما العلّة ملك إيقاع الطلاق، مع وجود محلّ موقعه، وهذا المعنى موجود في المختلعة، فيجب أن يلحقه.
وأما معنى الفرع، فلا أسلّمه.
وأما ما ذكرت من إباحة الوطء، فلا يصحّ؛ لأنه يطؤها وهى زوجة، لأنه يجوز له مراجعتها بالفعل، فإذا ابتدأ المباشرة حصلت الرجعة، فصادفها الوطء وهي زوجة.
стр. 1045
وأما أن يبيح وطئها، وهي خارج (١) عن الزوجيّة، فلا.
وأما قوله: لو كان قد ارتفع العقد لوجب أن لا يستبيحها من غير عقد، كما قال أصحابنا فيمن باع عصيرًا، فصار في يد البائع خمرًا، ثم تخلّل: إن البيع يعود بعد ما ارتفع. وعلى أصلكم، إذا رهن عصيرًا فصار خمرًا، ارتفع الرهن، فإذا تخلّل عاد الرهن، وكذلك ها هنا مثله.
فتكلّم القاضي أبو الطيّب على الفصل الأول، بان قال: ليس في الجمع بين المطالبة بالدليل على صحة العلّة، وبين عدم التأثير مناقضة؛ وذلك أني إذا رأيت الحكم ثبت مع وجود هذه العلّة، ومع عدمها، على وجه واحد، كان الظاهر أن هذا ليس بعلّةٍ للحكم، إلا أن يظهر دليل على أنه علّة، فنصير إليه.
وهذا كما تقول في القياس: إنه دليل على الأحكام، إلا أن يعارضه ما هو أقوى منه فيجب تركه، وكذلك خبر الواحد دليل في الظاهر، يجب المصير إليه، إلا أن يظهر ما هو أقوى منه، فيجبُ تركه؛ من نصّ قرآن، أو خبر متواتر، فيجب المصير إليه.
كذلك ههنا، الظاهر بما ذكرته أنه دليل على ذلك، ليس بعلّة، إلا أن تقيم دليلًا على صحته، فنصير إليه.
وأما علّة الربا، فقد عاد الكلام إلى هذا الفصل الذي ذكرت، وقد تكلّمت بما يغني عن إعادته.
وأما الفصل الثاني، فقد تكلّمت على [ما سمعت] (٢)، من كلام الشيخ الجليل، أيّده الله تعالى، وهو أنه قال: الأصول كلّها معلّلة.
стр. 1046
وأما هذه الزيادة فالآن سمعتها، وأنا أتكلّم على الجميع.
وأما دليلك على أن الأصول كلّها معلّلة، فلا يصحّ؛ لأن الظواهر التي وردت في جواب القياس كلّها حجّة عليك، لأنها وردت بالأمر بالاجتهاد، فما دلّ عليه الدليل فهو حجّة (١) يجب الحكم بها، وذلك لا يقتضي أن كلّ أصل معلّل.
وأما قولك: إن هذا الأصل مجمع على تعليله، وقد اتفقنا على أن العلّة فيه أحدى المغنيين؛ أما المعنى الذي ذكرته، (وإما المعنى الذىِ ذكرته)، وأحدهما يتعدّى، والآخر لا يتعدّى، فيجب أن تكون العلّة فيها ما يتعدّى، فلا يصحّ؛ لأن اتفاقي معك على أن العلّة أحد المعنيين لا يكفي في الدلالة على صحّة العلّة، وأن الحكم تعلّق (٢) بهذا المعنى؛ لأن اجتماعنا (٣) ليس بحجّة، لأنه يجوز الخطأ علينا، وإنما تقوم الحجّة بما يقع عليه اتفاق الأمة، التي أخبر النبي ﷺ بعصمتها.
وأما قولك: إن علتي متعدّية فلا تصحّ، لأن التعدّي إنما يذكر لترجيح إحدى العلّتين على الأخرى، وفي ذلك نظر عندي أيضًا، وأما أن يستدلّ بالتعدّي على صحة العلّة فلا، ولهذا لم نحتج نحن وإياكم على مالك (٤) في علّة الربا، فإن علتنا تتعدّى إلى ما لا تتعدّى علته، ولا ذكر أحد في تصحيح علّة الربا ذلك، فلا يجوز الاستدلال.
وأما فصل المعارضة، فإن العلة في الأصل ما ذكرت.
стр. 1047
وأما الصبي والمجنون، فلا يلزمان؛ لأن التعليل واقع، لكونهما محلا لوقوع الطلاق، ويجوز أن يلحقهما الطلاق، وليس التعليل للوجوب، فيلزم عليه المجنون والصبي.
وهذا كما يقال: إن القتل علّة إيجاب القصاص، ثم نحن نعلم أن الصبي لا يستوفى منه القصاص حتى يبلغ، وامتناع استيفائه من الصبي والمجنون لا يدلّ على أن القتل ليس بعلّة لإيجاب القصاص.
كذلك ههنا، يجب أن تكون العلّة في الرجعية كونها زوجة، وإن كان لا يلحقها الطلاق من جهة الصبي؛ لأن هذا إن لزمني على اعتبار الزوجية، لزمك على اعتبار الاعتداد؛ لأنك جعلت العلّة في وقوع الطلاق كونها معتدّة، وهذا المعنى موجود في حق الصبي والمجنون، فلا ينفذ طلاقهما، ثم لا يدلّ (١) ذلك أن ذلك ليس بعلّة، وكلّ جواب له عن الصبي والمجنون في اعتباره العدّة فهو جوابنا في اعتبار الزوجيّة.
وأما علة الفرع، فصحيحة أيضًا، وإنكارك لها لا يصحّ، لما ثبت أن من أصلك أن الطلاق لا يفيد أكثر من نقصان العدد، والذي يدلّ عليه جواز وطء الزوجة (٢)، وما زعمت من أن الرجعة تصحّ منه بالمباشرة غلط؛ لأنه لا يبتدئ بمباشرتها وهي أجنبية، فكان يجب أن يكون ذلك محرمًا، ويكون تحريمه تحريم الزنا، كما قال ﷺ : "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، ويُصدِّق ذلك الفرج"، ولما قُلتُم: إنه يجوز أن يقدم على مباشرتها. دلّ على أنها باقية على الزوجيّة.
стр. 1048
وأما ما ذكرت من مسألة العصير فلا يلزم أن العقود كلّها لا تعود معقودة إلا بعقد جديد.
يبين صحة هذا البيع والإجارات، والصلح، والشركة، والمضاربات، وسائر العقود، فإذا كانت عامة العقود على ما ذكرناه، من أنها إذا ارتفعت لم تعد إلا باستئناف أمثالها (١)، لم يجز إبطال هذا بمسألة شاذّة عن الأصول.
وهذا كما قلت لأبي عبد الله الجرجاني، وقد فرقت بين إزالة النجاسة والوضوء، بأن إزالة النجاسة طريقها التروك، والتروك موضوعة على أنها لا تفتقر إلى النية كترك الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وغير ذلك، وألزمني على ذلك الصوم، فقلت له: غالبُ التروك وعامتها موضوعة على ما ذكرت، فإذا شذَّ منها واحد لم ينتقض به غالب الأصول، ووجب ردّ المختلف فيه (٢) إلى ما شهد له عامة الأصول وغالبها، لأنه أقوى في الظن.
وعلى أن من أصحابنا من قال: إن العقد لا ينفسخ في الرهن، بل هو موقوف مراعى، فعلى هذا لا أسلّمه، ولأن أصل أبي حنيفة أن العقد لا يزول، والملك لا يرتفع.
فتكلّم الشيخ أبو الحسين على الفصل الأول، بأن قال: قد ثبت أن الجمع بين المطالبة بتصحيح العلّة وعدم التأثير، غير جائز.
وأما ما ذكرت، من أن هذا دليل، ما لم يظهر ما هو أقوى منه، كما نقول في القياس، وخبر الواحد، فلا يصحّ، وذلك أنا لا نقول: إن
стр. 1049
كل قياس دليل وحجّة، فإذا حصل القياس في بعض المواضع يعارضه (١) إجماع لم نقل: إن ذلك قياس صحيح، بل نقول: هو قياس باطل، وكذلك لا نقول: إن ذلك الخبر حجّة ودليل.
فأما القاضى، أيّده الله تعالى، فقد قطع في هذا الموضع، بأن هذا لا تأثير له، فلا يصحّ مطالبته بالدليل على صحّة العلّة.
وأما الفصل الآخر، وهو الدلالة على أن الأصول معلّلة فقد أعاد فيه ما ذكره أولًا، من ورود الظواهر، ولم يزد عليه شيئًا يُحكى.
وأما قولك: إن إجماعى وإياه ليس بحجّة، فإني لم أذكره لأني جعلته حجّة، وإنما ذكرته اتفاقيًا (٢)، لقطع المنازعة.
وأما فصل التعدّي فصحيح، وذلك أني ذكرت في الأصل علّة متعدّية، ولا خلاف أن المتعدّية يجوز أن تكون علّة، وعارضني، أيّده الله تعالى، بعلّة (٣) غير متعدّية، وعندي أن الواقعة (٤) ليست بعلّة، وعنده أن المتعدّية أولى من الواقعة، فلا يجوز أن يُعارضني بها، وذلك يوجب بقاء علتي على صحتها.
وأما المعارضة فإن قولك: إن التعليل للجواز، كما قلنا في القصاص. فلا يصحّ؛ لأنه إذا كان علّة ملك إيقاع الطلاق ملك النكاح، وقد علمنا أن ملك الصبي ثابت، وجب إيقاع طلاقه، فإذا لم يقع دلّ على أن ذلك ليس بعلّة.
стр. 1050
وأما القصاص فلا يلزم؛ لأن هناك لما ثبت له القصاص، وكان العقل (١) هو العلّة في وجوده [جاز أن يستوفى له القصاص] (٢).
وأما قوله: إن هذا (٣) يلزم على علّتي (٤). فليس كذلك، لأني قلت: معتدّة من طلاق، "فلا يتصوّر أن يطلّق الصبي، فتكون امرأته معتدّة من طلاق".
فألزمه القاضي، المجنون إذا طلّق امرأته.
انتهت المناظرة، نقلًا من "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي، من نسخة تحتاج إلى التصحيح. والله أعلم.
* * *
٤٧٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن أحمد بن حمزة بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن قارب بن الأسود بن مسعود أبو الحسين، قاضي "الكوفة"، الثقفي *.
стр. 1051
هكذا ساقه ابن النجّار. وقال: جدّه الأسود هو عروة بن مسعود.
مولده، يعني مولد أحمد، سنة ثلاثين وأربعمائة.
وقيل: سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
تفقّه على قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني.
وسمع بـ "الكوفة"، أبا طاهر محمد بن محمد بن الحسين الصبّاغ القرشي، وغيره.
وروى عنه من أهل "بغداد"؛ عبد الوهّاب الأنماطي، وأبو الحسن محمد بن المبارك بن الخَلِّ الفقيه.
ذكره أبو سعد في "ذيله"، وقال: دخل "بغداد" في حال شبيبته.
وتفقّه على الدامغاني.
وحَصَلَ له بـ "الكوفة" وجاهة، وتقدّم، حتى ولي القضاء بها.
قال: وسألتُ الأنماطي عنه، فأثنى عليه، وقال: كان خيرًا، ثقة.
ثم ورد "بغداد" أخيرًا، بعد علوّ سنّه، وحدّث بها.
وكانتْ وفاته في سادس رجب، سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
وقيل: سنة خمس وتسعين. ﵀.
* * *
٤٧٩ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن أحمد بن شُجاع أبو نصر الصفَّار، البخاري *.
стр. 1052
قدم "بغداد" حاجّا، فروى بها عن خلف بن محمد الختّام (١) كتاب "العين" لعيسى بن موسى غُنجار، وغير ذلك.
ورجع من الحجّ في صفر، سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.
وذكره الخطيبُ في "تاريخه".
وروى بسنده إليه، إلى إسحاق بن إبراهيم القاضي، أنه قال: كان رجل من أهل "مرو" يُكنى بأبي زرارة، وكان ولد بـ "البصرة"، ونشأ بها، فقدم "مرو"، وكان يوجه في الوفود إلى ولاة "خُراسان"، فجاء يومًا، فاستقبله الأمير، فقالوا: تنحّ عن الطريق.
فقال: الطريقُ بين المسلمين.
فسمع بذلك الأمير، فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: رجل من أوساط الناس.
فامر أن يُضرب خمسمائة سوط، ويقطع لسانه.
وكان من موالي خزاعة، فقاموا إليه، حتى خلّصوه.
فقال أبو زرارة، رحمه الله تعالى:
لِسانُ المرْءِ يكْسِرُ ما ضِغَيْهِ … إذا يَهْفُو ويُرْمى بالحِجَارَه (٢)
فَلا تَتَعَرَّضَنَّ لِشتْمِ والٍ … أمالَك عِبْرةٌ بأبِي زُرارَهْ
* * *
٤٨٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن
стр. 1053
الرِّيغْذَموني أبو نصر، الملقَّب جمال الدين أستاذ الإمام العقيلي *.
تقدّم جدّه أحمد بن عبد الرحمن.
ويأتي جدّ أبيه عبد الرحمن بن إسحاق، إن شاء الله تعالى.
* * *
٤٨١ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن ثابت بن عثمان بن محمد بن عبد الرحمن بن ميمون بن محمود بن حسان بن سمعان بن يوسف بن إسماعيل النعماني، الفرغاني، البغدادي الأصل، الكوفي الدمشقي * *.
محدّث، فقيه، مشارك في كثير من العلوم.
ولد سنة ٧٥١ هـ بـ "الكوفة"، وسمع الحديث، ودرّس، وأفتى، وولي قضاء "بغداد"، وتوفي سنة ٨٣٤ هـ بـ "دمشق".
من تصانيفه: "أرجوزة في علوم الحديث" ثم شرحها، رسالة تشتمل على أربعة عشر علما، و "مختصر شرح البخاري" للكرماني.
* * *
стр. 1054
٤٨٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف ابن إسماعيل بن شاه، أبو بكر الزاهد ابن أبي عبد الله الإمام بن الإمام، من بيت العلم والفضل *.
تفقّه على والده.
وسمع الحديث من الخليل بن أحمد القاضي السجزى الحنفي.
سمع منه ابنه محمد بن أحمد، وواصل بن حمزة.
قال أبو سعد: كان من أهل العلم والزهد، ويقول: الشعر.
وقال ابن مكولا: أحد الفضلاء المتقدّمين في الأدب، وفي علم التصوّف، والكلام على طريقتهم، وله كرامات مشهورة.
وله شعر كثير جيّد، فيه معان حسنة مستكثرة.
ورأيتُ له "ديوان شعر" أكثره بخطّ تلميذه ابن سينا الفيلسوف.
مات في المحرّم، سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة، وصلّى عليه الإمام أبو بكر بن الفضل البُخاري، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وذكره الذهبي، فقال: كان صدرًا، إمامًا، وكان زاهدًا، مليح التصانيف.
стр. 1055
وله النظم والنثر، و "ديوانه" مشهور، ويذكر عنه كرامات.
يروى عن أبي بكر محمد (بن الفضل).
* * *
٤٨٣ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن أحمد بن محمود، أبو الحسين بن أبي جعفر، السِّمْناني *.
بكسر السين المهملة وسكون الميم، وفتح النون، وفي آخرها نون أخرى؛ نسبة إلى "سِمْنَان العراق".
مولده بـ "سِمْنَان"، في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
تفقّه على والده.
وسمع منه أبو الفتوح عبد الغافر بن الحُسين الألمعى الكاشغري.
وروى عنه أبو محمد يحيى بن على بن محمد بن الطراح، وأبو المعالي عبد الخالق بن عبد الصمد بن على النحّاس، وأبو البدر إبراهيم بن محمد بن منصور الكَرْخي، وأبو منصور بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزّاز.
ذكره الخطيب، في "تاريخه".
وقال: كتبتُ عنه شيئًا يسيرًا، وكان صدوقًا.