← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

اللّهم إلا أن يُقال: إنه أحد أصحابه في غير الفقه، من علوم الحديث، وغيرها، ولم أقفْ على تصريح في ذلك إلى الآن، وإنما ذكرتُه تبعًا لصاحب "الجواهر". قال الحسن بن رِزْقُوْيه، وقد ذكر أحمد بن كامل: لم تر عيناي مثله. وحدّث الحسن بن أبي بكر، قال: سمعتُ أحمد بن كامل القاضي، يقول: رأيتُ النبي ﷺ في النوم، وكأنه في المسجد الذي في أصحاب البارزي، في الجانب الشرقي في المِحراب، فتقدّمت، فقرأتُ عليه، واستعذتُ، وابتدأتُ بأمّ القرآن أقرأها، وأعدّ على عدد أهل "الكوفة". فلمّا قرأتُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ) قلتُ: يا رسول الله! كيف أقرأ هذا الحرف (مَالِكِ)، أو (مَلِكِ). فقال لي: (مَلِكِ يَوْم الدِّينِ). فقلتُ: بألف أو بغير ألفٍ؟ فقال: بغير ألف. وقرأتُ من سورة البقرة، فلمّا قرأتُ، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (١)، قال: ختَم الله على أفئدتهم، وهمزه. فوقع في نفسي في المنام أنه ﷺ أراد أن يُعَلِّمَني أن القلب هو الفؤاد، فبلغتُ عليه إلى خمسين آية، من سورة البقرة، على عدد أهل "الكوفة". وسُئل أبو الحسن الدارقطني، عن ابن كامل، فقال: كان متساهلًا، وربما حدّث من حفظه بما ليس عنده في كتاب، وأهلكه العجب، فكأنه (٢) كان يختار ولا يضع لأحد من العلماء الأئمة.

стр. 982

فقيل: كان جريري المذهب؟. فقال أبو الحسن: بل خالف، واختار لنفسه. وهذا يُؤيّد ما تقدّم من كونه ليس بحنفي، ولكن قوله (اختار لنفسه) يمُكن حمله على أنه اختار لنفسه ما يُوافق رأي الإمام الأعظم، بحيث صار لكثرة أخذه برأيه يُعدّ من أتباعه. والله أعلم. وأملى كتابًا في "السِّيَر"، وتكلّم على الأخبار. ومن شعره (١): إِنَّ الثَّمانِينَ عقْدٌ ليس يَبْلُغُهُ … إِلَّا المؤَخَّرُ لِلأَخْبَارِ والْعِبَرُ (٢) ومنه (٣): ليس لي عُدَّةٌ تَشُدُّ فؤادي … غيرَ ذِي الطِّولِ عُدَّتِي وظَهيري (٤) هو فَخْرِي لِكُلِّ ما أرتَجِيه … وغِياثي ورَاحمي ونَصيري (٥) ومنه أيضًا (٦): صَرْفٌ الزمانِ تَنَقُّلُ الأَيَّامِ … والمرءُ بين مُحلَّلٍ وحزامِ وإذا تعسَّفتَ الأُمورَ تَكَشَّفَتْ … عن فَضْلِ إنْعامٍ وقُبْحِ أَثَامِ (٧)

стр. 983

وكانت وفاته يوم الأربعاء، لثمان خلون من المحرّم، سنة خمسين وثلاثمائة. وكانت ولادته في سنة ستين ومائتين. * * * ٤٦٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن كُشتغدي بن عبد الله الخطائي *. مولده في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وستمائة. ووفاته في صفر، سنة أربع وأربعين وسبعمائة. قال في "الجواهر": شيخ فقيه، عنده فهم. سمع من النجيب (١)، وأبي حامد المحمودي الصابوني الإمام، روى لنا عنهما. وأجاز له من "دمشق" جماعة، منهم؛ الإمام جمال الدين ابن مالك رحمه الله تعالى. * * * ٤٦١ - الشيخ الفاضل أحمد بن أبي الكرم بن هبة الله الفقيه ،

стр. 984

من أصحاب أبي حنيفة ﵀، ذكره ابن العديم فى "تاريخ حلب" *. قال وكان فقيها حسنا، ديّنا، كثير التلاوة للقرآن، وولي التدريس بـ "الموصل"، ومشيخة الرباط، وطلب الحديث، وقدم "حلب" مرارا رسولا من جهة بدر الدين لؤلؤ صاحب "الموصل"، وورد "دمشق" رسولا إلى الملك الناصر داود فى سنة ثمان وأربعين وستّ مائة، وورد "بغداد" رسولا أيضا فى هذه السنة، وتوفي بـ "الموصل" فى شوّال سنة خمسين وستّ مائة. قال ابن العديم بلغني وفاته وأنا بـ "بغداد" فى هذا التاريخ، رحمه الله تعالى. * * * ٤٦٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن كُنْدُ غْدِي. بالنون السكنة، والكاف المضمومة، والغين المعجمة، بعد الدال المضمومة * *. وقبل الدال المهملة أيضًا المكسورة، والياء آخر الحروف شهاب الدين، ابن التركي، القاهري نزيل "الحسينية"، بالقرب من جامع آل ملك. كان عالمًا، فقيهًا، ديّنًا، بزىّ الأجناد. توجّه عن الناصر فرج رسولًا إلى تمرلنك، فمرض بـ "حلب"، واشتدّ مرضه، حتى مات في ليلة السبت، رابع عشر شهر ربيع الأول، سنة سبع

стр. 985

وثمانمائة، وصُلّى عليه من الغد، ودُفن خارج باب المقام بـ "تربة موسى الحاجب"، وقد جاوز الستين. ذكره ابن خطيب الناصرية. قال السخاوي: وأورده شيخُنا -يعني ابن حجر- في "مُعجمه"، وقال: أحد الفضلاء المهرة في فقه الحنفية، والفنون. اتصل أخيرًا بالظاهر برقوق، ونادمه. ثم أرسله الناصر إلى تمرلنك، فمات بـ "حلب" في جُمادى الأولى. كذا قال. ثم قال: سمعت من فوائده كثيرًا. وقرأ عليه صاحبنا المجدُ ابن مكانس المقامات بحثًا. زاد في "إنبائه": فكان يُجيد تقريرها، على ما أخبرني به المجد. وقال فيه: اشتغل في عدّة علوم، وفاق فيها. واتصل بالظاهر في أواخر دولته، ونادمه بتربية (١) شيخ الصفوي، أحد خواصّ الظاهر، وحصل الكثير من الدنيا. وقال: إنه مات قبل أن يؤدّي الرسالة، في رابع عشر ربيع الأول. وأرّخه البرهان المحدّث، وأثنى عليه بالعلم، والمروءة، ومكارم الأخلاق. وقال العيني: إنه كان ذكيًا، مُستحضرًا، مع بعض مجازفة، ويتكلّم بالتركي. ذكره في "الضوء اللامع". * * *

стр. 986

٤٦٣ - الشيخ الفاضل أحمد بن مبارك شاه بن حسين بن إبراهيم بن سليمان القاهري ويعرف بابن مبارك شاه (شهاب الدين) *. ولد سنة ٨٠٦ هـ بـ "القاهرة"، وتوفي في ربيع الأول سنة ٨٦٢ هـ. صنّف أشياء، وجمع التذكرة. * * * ٤٦٤ - الشيخ الفاضل المعروف بسيّد أحمد خان الرجل الكبير، الشهير أحمد بن المتقي بن الهادي بن عماد بن برهان الحسيني التقوي الدهلوي * *. كان من مشاهير الشرق، لم يكن مثله في زمانه في الدهاء ورزانة العقل، وجودة القريحة، وقوّة النفس والشهامة والفطنة بدقائق الأمور، وجودة التدبير، وإلقاء الخطبة على الناس، والمعرفة بمواقع الخطبة على حسب

стр. 987

الحوادث، والتفرّس من الوجوه، وقد وقع له مع أهل عصره قلاقل وزلازل، وصار أمرُه في حياته أحدوثة، وجرتْ فتن عديدة. والناس قسمان في شأنه: فبعض منهم مقصّر به عن المقدار الذي يستحقّه، بل يريعه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه، ويجاوز به الحدّ، ويلقّبه بالمجدّد الأعظم والمجتهد الأكبر، ويتعصّب له كما يتعصبّ القسم الأول عليه، وهذه قاعدة مطّردة في كلّ من يفوق أهل عصره في أمر. وهو ما بلغ رتبة العلماء، بل قصارى أمره إدلاجه في الفضلاء، وهو ما أتقن فنا، وتصانيفه شاهدة بما قلتُه، فإن رأيت مصنّفاته علمتَ أنه كان كبير العقل، قليل العلم، ومع ذلك كان سامحه الله تعالى قليل العمل، لا يصلّى، ولا يصوم غالبا. وشأنه عجيب كلّ العجب، فإنه كان في بداية أمره على مذهب المشايخ النقشبندية، لأنه نشأ فيهم، وكان والده محمد المتّقي من أصحاب الشيخ غلام على الدهلوي، وأمّه عزيز النساء بنت فريد الدين الكشميري الوزير، كانت بايعت السيّد الإمام المجاهد السيّد أحمد الشهيد السعيد البريلوي، فصنّف الرسائل في إثبات الرابطة، وتصوّر الشيخ، وفي إثبات عمل المولد، وكان الناس يبدعونه في ذلك الحال، ثم رغب إلى طائفة السيّد الإمام ومختاراته، وصنّف الرسائل في الانتصار له، فنسبه الناس إلى الوهّابية، ثم ارتقى إلى ذروة التحقيق والاجتهاد في المذهب، وصدرتْ منه الأقاويل في تفسير القرآن الكريم، وفي تهذيب الأخلاق، فكفّره الناس، وبعضهم بدعوه، ونسبوه إلى نيجر، وهي كلمة إنكليزية، معناه الفطرة، لقوله: الإسلام هو الفطرة، الفطرة هى الإسلام.

стр. 988

وكان مولده في خامس ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بعد الألف بـ "دهلي"، وتربّى في حجر أمّه وجدّه لأمّه خواجه فريد الدين، وقرأ النحو والصرف وبعض رسائل المنطق إلى "شرح التهذيب" لليزدي، وقرأ "شرح هداية الحكمة" للميبذي، و"مختصر المعاني"، و"المطوّل" على علماء بلدته، ثم صرف همّته إلى الهيئة والهندسة، وقرأ "تحرير الأقليدس"، و"شرح الجغميني"، وبعض الرسائل في الآلات الرصدية للبرجندي، وأعمال الكرّة وأعمال الاصطرلاب وصنعة الاصطرلاب والربع المجيب والربع المقنطر والهلزون وجريب الساعة، وفرجاء التقسيم والفرجاء المتناسب كلّها على خاله زين العابدين. ثم قرأ "القانونجه"، و"الموجز"، و "معالجات السديدي"، و"كليات النفيسي"، وشرح الأسباب والعلامات إلى أمراض العين على الحكيم غلام حيدر خان الدهلوي، وتطبّب عليه برهة من الزمان، ثم تقرّب إلى بعض متوسِّلي الحكومة الإنكليزية، وولي التحرير في ديوان الحاكم لأقطاع "آكره"، وبعد مدّة ولي القضاء لفتحبور سيكري، فصار (صدر أمين)، واستقلّ بالقضاء أربع سنوات، ولقّبه في هذه السنين بهادر شاه بن أكبر شاه بن شاه عالم التيموري جواد الدولة عارف جنك، ثم نقل من "فتحبور" إلى "دهلي"، وسنحتْ له فرصة للأخذ والقراءة، فقرأ "القدوري"، و "شرح الوقاية"، و "أصول الشاشي"، و "نور الأنوار"، وبعض كتب أخرى على مولانا نوازش على الدهلوي، وقرأ بعض المقامات من "مقامات الحريري"، وبعض القصائد من "السبع المعلّقات" على مولانا فيض الحسن السهارنبوري، وقرأ "مشكاة المصابيح"، وقدرا صالحا

стр. 989

من "جامع الترمذي"، وبعضا من "صحيح مسلم" على مولانا مخصوص الله بن رفيع الدين العمري الدهلوي، وأسند عنه للقرآن الكريم. وصنّف "أثار الصناديد" كتابا في تاريخ "دهلي"، وتجشّم الصعوبة في تصنيفه سنة ١٢٦٤ هـ، فتلقّاه الناس بالقبول، ونقل من "دهلى" إلى "بجنور" سنة ١٢٧٢ هـ، وصنّف بها "تاريخ بجنور"، وجدّ في تصحيح "آئين أكبري"، لأبي الفضل بن المبارك الناكوري، فصحّحه بمقابلة النسخ العديدة، كتب عليه الحواشي المفيدة. وكان في "بجنور" إذ ثارت الفتنة العظيمة ببلاد "الهند"، وثارت العساكر الإنكليزية على الحكومة سنة ١٢٧٣ هـ، فقام على ساق لنصرة الحكومة الإنكليزية، فلمّا تسلّطت الحكومة مرّة ثانية رتّبت له مائتي ربية شهرية له إلى حياته، وبعده لولده الكبير حامد بن أحمد الدهلوي إلى حياته، وجعلتْه صدر الصدور ببلدة "مراد آباد"، وهو عبارة عن نيابة القاضي في إحدى المتصرّفيات، فسار إلى "مراد آباد"، سنة ١٢٧٥ هـ، وصنّف الرسائل في أسباب الثورة والخروج، واشتهر أمره في "الهند"، وظهر فضله بين أهلها عند الحكومة الإنكليزية، ثم صنّف "تفسير الإنجيل"، و "سماه تبيين الكلام"، ولكنه لم يتمّ، واجتهد فيه في تقريب دين الإسلام إلى دين النصارى. ثم نقل إلى "غازيبور" سنة ١٢٧٩ هـ، وأنشا بها مجمعا علميا لنقل الكتب العلمية والتاريخية من اللغة الإفرنجية إلى لغة أهل "الهند"، يسمّونها أردو، وحرّض أهل تلك البلدة من المسلمين والهنادك لإنشاء مدرسة إنكليزية، فأنشأوها، وسمّوها وكتوريه أسكول، على اسم ملكة إنكلترا.

стр. 990

ثم نقل من "غازيبور" إلى "عليكرة" سنة ١٢٨١ هـ، فنقل معه ما كان للمجمع العلمي من الآلات والأدوات إلى "عليكره"، وجمع الناس عليه، وجع الإعانات له، وبنى بناء شامخا لإدارته، فنقل أكثر الكتب المفيدة إلى أردو من العربية والإنكليزية، وأنشأ من تلك الرابطة العلمية صحيفة أسبوعية لإصلاح أهل "الهند"، ونقل من "عليكره" إلى بلدة "بنارس" سنة ١٢٨٤ هـ، وصنّف كتابا في حلّة طعام أهل الكتاب والمؤاكلة معهم سنة ١٢٨٥ هـ، وسفر مع ولديه حامد ومحمود إلى جزائر بريطانية سنة ١٢٨٦، فأقام في العاصمة سنة وخمسة أشهر، زار في خلالها المراكز الثقافية والمجامع العلمية وبعض الجامعات الشهيرة والمصانع والمعامل الكبيرة، واطّلع على المشاريع التعليمية والفنية، ولقي الأساتذة الكبار، وأعيان الدولة، وقابل الملكة وكتوريا، واحتفت به الدوائر الرسمية، وصنّف بها "الخطبات الأحمدية" في السيرة النبوية، وشرح العقيدة الإسلامية، وردّ ما أورده السر وليم ميور على السيرة ومهاجمته للإسلام وصاحب رسالته، في كتابه الشهير "حياة محمد"، ورجع إلى "الهند" سنة ١٢٩٢ هـ، وأنشأ مجلّة "تهذيب الأخلاق". وفشا أمره في الناس، فكفّره قوم من العلماء لأقاويل صدرتْ منه في المجلة، وتبعه الآخرون، وشرع في تصنيف تفسير القرآن، واحتضن المدرسة التي اسّسها المولوي سميع الله خان باتفاقه وتوجيهه للمسلمين بـ "عليكره"، أصبح بعده بمدّة الجامعة الإسلامية سنة ١٢٩٢ هـ، وسكن بتلك البلدة، وطلب من الحكومة أن يحال إلى المعاش، وأجيب إلى ذلك، فانتقل إلى "عليكره"، ووهب لهذه المدرسة (التي توسّعتْ بعد حياته، واشتهرتْ باسم جامعة عليكره الإسلامية ذكاءه ونفوذه ومواهبه كلّها،

стр. 991

وانصرف إليها انصرافا كليا، يرغب فيها جميع طبقات المسلمين، ويجمع لها التبرّعات والإعانات بكلّ وسيلة وحيلة، ويختار لها الأساتذة الماهرين من الإنجليز وغيرهم، ويبني لها البنايات العظيمة، ويقوم لتعريفها والدعوة إليها بالجولات في أنحاء "الهند"، ويقوم بالدعوة إلى التعليم العصري واقتباس الحضارة الغربية وعادات الغربيين، ويكتب، ويؤلّف، ويشير على الحكومة بما يراه صالحا لها وللمسلمين، ويشارك في تشريع بعض القوانين وتهذيبها، ويخطب في المجلس التشريعي. وأسّس في سنة ١٣٠٤ هـ المؤتمر التعليمي الإسلامي لمساعدة المسلمين في الاستفادة بالتعليم الحديث وتوجيههم، وعارض المؤتمر الوطني العام، ودعا المسلمين إلى التنحّي عنه، والعمل لوحدهم متمسّكا بقلّة عددهم، وتخلّفهم في مجال السياسة والثقافة، وقرب العهد بالثورة التي أثارت حولهم الشبهات، ومنحتْه الحكومة سنة ١٣٠٦ هـ وساما ممتازا يسمّى بـ "نجم الهند"، لقّبتْه بـ: كي. سى. ايس. آئي. ومنحتْه جامعة إيدمبرا الدكتوراه الفخرية في سنة ١٣٠٧ هـ، ونشأ بينه وبين أعضاء المجلس التأسيسي للمدرسة خلاف في بعض القضايا الإدارية، وعارضه صديقه القديم، وعضده الأيمن في تأسيس المدرسة المولوي سميع الله خان في اختياره نجله القاضي سيّد محمود سكرتيرا مساعدا للجنة، فانفصل سميع الله وزملاؤه عن المجلس، واستقالوا عن العضوية، وكان لذلك الأثر العميق في نفس السيّد أحمد خان وأعصابه، وتأثّرت صحته، وحدث أن الكاتب الهندكي الذي كان يثق به السيّد أحمد خان وجعله أمين الصندوق في الكلّية تحقّقتْ عليه خيانة في مائة ألف وخمسة آلاف ربية بالتزوير، فكانت ضربة قاضية، لم تحتملها أعصاب السيّد أحمد خان وصحته، تكدّرتْ أيامه

стр. 992

الأخيرة، ومات ابنه السيّد حامد في سنة ١٣١٥ هـ، فانهارتْ صحته، ولزم الصمت، واعتراه في غرّة ذي القعدة ١٣١٥ هـ احتباس البول، وفي الرابع من ذي القعدة ١٣١٥ هـ أصابه الصداع الشديد والحمّى، وفارق الحياة في الليل، ودفن بجوار مسجده الذي بناه في وسط الجامعة. وكان السيّد أحمد خان رغما عن المآخذ ومواضع النقد التي أشار عليها المؤلّف من لرجال العصامين، الذين أثّروا في عصرهم وجيلهم تأثيرا، لم يعرفْ لغيره من معاصريه، وقد أثّر في عقلية أبناء عصره، ومن جاء بعدهم، وفي السياسة والأدب والإنشاء وحركة التأليف، وتخرّج في مدرسته الفكرية -على ما فيها من ضعف وانحراف- رجال قادوا الحركة الفكرية والسياسية في شبه القارة الهندية، كان قويّ الشخصية، قويّ النفوذ على أصحابه وجلسائه، عاملا دؤبا، لا يتعب، ولا يملّ، وكان نشاطه كثير الجوانب، متنوّع الأغراض، واسع النطاق، وكان على رقّة في الدين وشذوذ في العقيدة، شديدَ الحبّ للمسلمين، شديدَ التألّم بما أصيبوا به، تواقا إلى تقدّمهم وسبقهم في مضمار العلم والمدنية والرفاهية، يستخدم لذلك كلّ وسيلة وحيلة. وكان رجلا مرهف الحسّ، حادّ الذهن، عصبيا، سريع الانفعال والقبول، كثير الاعتداد برأيه، كتير الاعتماد على غيره، إذا أعجب به، ووثّق، شديد الإجلال للحضارة الغربية. كان أبيضَ اللون، تغلب عليه الحمرةُ، واسعَ الجبين، كبيرَ الهامة في غير عيب، وكان في أنفه قصر عن وجهه الكبير، كبير الأذنين، وكان في نحره غدّة تغطيها لحيته الكبيرة، وكان جسيما بدينا، وكان في قامته طول، قد عدله سمنُ جسمه وضخامةُ بدنه، وكان قويّ الأعضاء، ضخمَ الكراديس، وكان يلبس لباسَ أهل وطنه قبل أن يسافر إلى "إنكلترا"،

стр. 993

وبقي بعد ذلك يلبس اللباسَ التركيَّ، ويلبس الطربوشَ، وكان يعيش كالغربيين في بيت منعزل، ويأكل على طريقتهم. وأما مختتاراته في المسائل الكلامية والعقائد الدينية، فمنها: (١) إن الله سبحانه علّة العلل لجميع الكائنات. (٢) إنه عالم بجميع مكان وما يكون، وعلمه هذا هو التقدير. (٣) صفاته تعالى عين ذاته. (٤) العقل يكفي في معرفة الله، وفي التمييز بين الكفر والإسلام. (٥) لا يقبل العدم ما كان يبقى من الموجودات بعد انعدام العوارض، نوعية كانتْ أو شخصية. (٦) لا ينتقض قانون الفطرة، لأن أفعاله تعالى قانونه. (٧) حسن الأشياء وقبحها عقلي. (٨) الإنسان مجبور في فطرته وجبلّته، ومختار في قدرته. (٩) إجماع الأمة ليس بحجّة شرعية. (١٠) لا يجب على أحد تقليد أحد غير النبي المعصوم ﵌. (١١) الإيمان تصديق بالقلب، فإن أذعن أحد بالشهادتين في القلب فهو مؤمن، ولو تشابه بقوم في خصوصيات الدين، وشعار الكفر، كالزنّار والصليب والأعياد. (١٢) أحكام الشريعة كلّها مطابقة للفطرة. (١٣) النبوّة ملكة راسخة فطرية من باب تهذيب الأخلاق. (١٤) ملكة النبوة هي الناموس الأكبر، ويقال لها بلسان الشرع: جبريل. (١٥) معجزات الأنبياء ليست من دلائل النبوة.

стр. 994

(١٦) المعجزة ليست غير مطابقة للفطرة، ولكن خفيتْ على الناس أسبابها، فظنّوا أنها خارقة للعادة. (١٧) الملائكة والشياطين ليستْ بأشخاص متحيّزة بالذات. (١٨) المراد بالملائكة القويّ الملكية، والمراد بالشياطين القويّ البهيمية، فإنها موجودة في وجود الإنسان، ليستْ خارجة عنهم. (١٩) القرآن ليس بمعجز في الفصاحة والبلاغة، لأنه ليس مما ألقي في قلب النبي ﵌ بلفظه، بل بمضمونه ومعناه، والمراد من قوله تعالى: فأتوا بسورة من مثله: وقوله: فأتوا بعشر سور مثله: التحدّي في الهداية والتعليمات. (٢٠) رؤية الله سبحانه لأحد من الإنسان محال، لا يقبله العقل. (٢١) الجنة والنار غير موجودتين في الخارج، بل المراد تخييل الراحة والعذاب بقدر فهم الإنسان. (٢٢) السماء هو بعد غير متناه، يتّصل بعضه ببعض، ولذلك أطلق عليه سبع سماوات، فهو ليس بأجرام فلكية، كما يزعمه الحكماء. (٢٣) ليست في القرآن آية منسوخة، لا منسوخة التلاوة، ولا منسوخة الحكم. (٢٤) لا رقّ في الإسلام. (٢٥) الطوفان في زمن نوح ﵇ ما كان عامّا لسائر الأرض. (٢٦) معراج النبي صلَّى الله علي وآله وسلّم ما كان جسمانيا، كذلك شقّ الصدر، فإنهما كان على طريق الرؤيا.

стр. 995

(٢٧) نحن مجبورون في اتباع النبي ﵌، في الأمور الدينية، مختارون في الأمور الدنيوية. (٢٨) ما وقع التحريف اللفظي في الكتب السماوية. (٢٩) الخلافة بعد النبي صلّى الله وآله وسلَّم ما كانت خلافة النبوة. (٣٠) يحلّ أكل الطيور التي خنقها النصارى، وطبخوها للأكل. وله مختارات في المذهب غير ذلك، ذكرها ألطاف حسين في كتابه "حياة جاويد". قلت: وقد ردّ العلامة حكيم الإمة أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى على السيّد أحمد خان ومن يتبعهم ردّا بليغا، حيث ذكر في المجلّد السادس من كتابه الشهير "إمداد الفتاوى" خمسين عقيدةً له، كلّها فاسدة مفسدة مُضِلة، فإن التهانوي ذكر جدولا، كتب فيه أولا عقيدة السيّد الباطلة مرقّما، ثم بيّن موضعها، بذكر اسم الكتاب مع بيان عدد الصفحة، ثم أتى بالآية والحديث تدليلا وترديدا. جزاه الله تعالى عن سائر المسلمين أحسن الجزاء، وأطيبه، آمين. * * * ٤٦٥ - الشيخ العالم الكبير أحمد بن مجد الدين تاج الأفاضل الشيباني النارنولي * كان من نسل الإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب الإمام أبي حنفية.

стр. 996

ولد، ونشأ ببلدة "نارنول"، وقرأ العلم على الشيخ حسين بن خالد الناكوري، والشيخ بايزيد بن قيام الدين الأجميري، ولازمهما مدّة، ثم أخذ الطريقة عن الشيخ حسين المذكور، وتصدّر للتدريس، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وراح إلى "أجمير"، واعتكف على قبر الشيخ معين الدين حسن السجزي، وأقام بها نحو اثنتين وسبعين سنة، ولما تسلّط رانا سانكا عظيم الهنادك على بلدة "أجمير"، وقتل المسلمين، ونهب أموالهم خرج من تلك البلدة يوم الاثنين سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فرحل إلى "نارنول"، ومكث بها زمانا، ثم سار إلى "ناكور"، ومات بها. وكان فاضلا، تقيّا، متورّعا، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولا يخاف في الله سبحانه أحدا. وكان يقوم في جوف الليل، ويشتغل بالذكر والمراقبة والتهجّد، ولا يتكلّم إلى الضحى، ثم يشتغل بالدرس، ويدرّس إلى الظهر، ثم يشتغل بأوراده المرتبة إلى العصر، ثم يدرّس، ويذاكر في "مدارك التنزيل" في التفسير على طريق الوعظ والتذكير. وتغلب عليه الرقّة والبكاء، فيتكيف الناس بحالته، وكانتْ مذاكرة "المدارك" مأثورة عن مشايخه. توفي لخمس بقين من صفر سنة سبع وعشرين وتسعمائة، ذكره الشيخ عبد الحق في "أخبار الأخيار". قلت: ذكر العلامة عبد الحق الدهلوي رحمه الله تعالى في كتابه "أخبار الأخيار" أنه ولد سنة ٨٣٢ هـ. * * *

стр. 997

٤٦٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم بن إبراهيم بن داود بن حازم أبو العبّاس، الأذرعي ابن قاضى القضاة أبي عبد الله *. كان إمامًا فاضلًا، مُفنّنًا. تفقّه على أبيه، وتصدّر بالجامع الحكمي، وناب في الحُكم، وحصَّل من الكتب شيئًا كثيرًا. ومات في الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودفن بـ "القَرَافة". وكان مولده سنة ستّ وثمانين وستمائة. رحمه الله تعالى. * * * ٤٦٧ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم بن رزمان، بضم الراء ابن علي بن بشارة، أبو العبّاس الدمشقي * *. مولده بـ "دمشق"، سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.

стр. 998

وتُوفي سنة إحدى وستين وستمائة، ببستان ظاهر "دمشق"، وصُلّي عليه بجامع العُقيبة، ودُفن بسفح "قاسيون" (١). كتب عنه الدمياطي، وذكره في "معجم شيوخه". رحمه الله تعالى. * * * ٤٦٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم بن على البخاري، أبو سعيد ابن أبي الخطاب *. تفقّه عليه ولده أحمد، وتقدّم. وسمع منه. وكان موجودًا بعد الخمسمائة. ويأتي ابن ابنه محمد بن أحمد. ويأتي أبوه أبو الخطّاب محمد بن إبراهيم بن علي في الكنى. كذا في "الجواهر". * * * ٤٦٩ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم بن علي ،

стр. 999

أبو طاهر القاضي، القصاري *. قال ابن النجّار: مولده سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. وقال السمعاني في "ذيله" سنة خمس وسبعين، بتقديم السين، وثلاثمائة. وذكر كلّ منهما أنه قرأه بخطّ أبي محمد عبد الله بن السمرقندي. روى عنه ابنه أبو عبد الله محمد بن أحمد، والحافظ عبد الوهّاب الأنماطي. قال ابن ناصر: مات سنة أربع وسبعين وأربعمائة. ويأتي ابنه محمد في بابه، إن شاء الله تعالى. * * * ٤٧٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد الأنطاكي، الحلبي، المعروف بابن حمادة * *. فقيه. ولد بـ "أنطاكية"، ونشأ بها.

стр. 1000

من تآليفه: "منسك". * * * ٤٧١ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو الحسن، الأشعري اليمنى، القُرشي *. كان فقيهًا، فرضيًا، حسابيًا، نحويًا، لغويًا، متأدّبًا، نسَّابة. صنّف في فنون، وله "اللباب في الآداب"، و"مختصر في النحو"، وغير ذلك. كذا ذكره السيوطي في "طبقات النحاة"، ومن نُسخة مصحّحة بخطّه نقلت، ولم يؤرّخ له مولدًا، ولا وفاة. ولا أدري هل قوله "الحنفي" نسبة إلى المذهب، أو القبيلة، فذكرته احتياطًا. والله أعلم. قلت: ذكر الشيخ عمر رضا كحّالة من تصانيفه: "التعريف بالأنساب"، و"التفاحة في المساحة". وذكر أيضا أنه توفي في حدود ٥٥٠ هـ، وفي الكشف ص ٤٢٦: المتوفّى سنة نيّف وخمسمائة أو ستمائة. * * *

стр. 1001

٤٧٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو عمرو الفقيه، الزوزني *. ذكره الحافظ أبو سعد (١) عبد الكريم في "الأنساب"، قال: تفقّه على مذهب أبي حنيفة، وسكن "باب عزرة" (٢) سنين، ثم تحوّل إلى "زوزن". ومات بها في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. * * * ٤٧٣ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو سعيد، الفقيه النيسابوري * *. سمع إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، راوي "صحيح مسلم" عن مسلم، وأبا بكر بن خُزيمة. سمع منه الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الحافظ. وكان شيخ "نيسابور" في عصره، أقام يُدرّس، ويُفتي على مذهب أبي حنيفة زمنًا طويلًا.

стр. 1002

مات ليلة الأربعاء، العشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين، [وثلاثمائة] وهو ابن إحدى وتسعين سنة، رحمه الله تعالى. * * * ٤٧٤ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو العبّاس، الرومي، ثم الدمشقي، المعروف بابن الشِّهاب *. ولي إمامة الحنفية بالجامع الأموي، وتدريس "المعينية" (١)، و"مشيخة الخاتونية" (٢). وكانتْ له زاوية بـ "الشرف الشمالي" (٣). مات في صفر سنة سبع عشرة وسبعمائة، رحمه الله تعالى، كذا قاله ابن حجر.

стр. 1003

وقال صاحب "درة الأسلاك" في حقّه، إمام يُلازم المحراب، وقارئ يتقن الإعراب، وشيخ يعرف طريق القوم، وفقيهٌ في بحر العلم، يُجيد العَوْم. كان ذا وجاهة ظاهرة، ومُروءة وافرة، وأخلاق جميلة، وعصبية جزيلة، ينصرُ الحقّ، ويُعين الضعيف، ويجتهد فيما يُزلفه عند الخبير اللطيف. ولي بالجامع الأموي إقامة محراب الحنفية، وباشر تدريس "المعينية" و"مشيخة الخاتونية". وبنى بـ "الشرف الأعلى" زاوية مشهورة، وأبان عن فِعال محمودة وخلال مشكورة. وكانتْ وفاته بـ "دمشق"، رحمه الله تعالى. * * * ٤٧٥ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن على السُلمى الصوفي *. قال الحافظ أبو صالح أحمد بن عبد الملك: سألتُه عن كُنيته، فقال: نحن من العرب، لا نكني أنفسنا حتى يُولد لنا، فمات، ولم يُولدْ له. ذكره الفارسي في "السياق"، فقال: شيخ زاهد، عالم، عفيف، صوفي، من أصحاب أبي حنيفة، جميلُ الطريق والسيرة، تُحكى له الكرامات، وقيل: إنه من الأولياء.

стр. 1004

وكان يُلقّب بحمرويه. وتُوفي سنة تسع وأربعمائة. رحمه الله تعالى. * * * ٤٧٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن عبدوس ابن كامل، أبو الحسن، الزَّعْفَرَاني عُرف بذلك، وبالدَّلَّال، الإمام ابن الإمام *. روى عنه الخطيب وفاة أبيه، كما يأتي. وقال: كتبتُ عنه من سماعاته الصحيحة. وسألته عن مولده، فقال: ولدتُ يوم الأحد، الثامن عشر من المحرّم، سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. ومات في يوم الأربعاء، السادس عشر من صفر، سنة سبع وأربعين وأربعمائة. ودفن في "مقبرة الشونيزي". وكان يسكن "درب الآجُرِّ" (١)، من "نهر طَابَق". انتهى.

стр. 1005

وسمع أحمد هذا أبا بكر بن مالك القطيعي، وأبا محمد بن ماسي، وأبا أحمد النَّيْسَابوري، والقاضى الجرجاني، وغيرهم. * * * ٤٧٧ - الشيخ الفاضل الإمام الهمام أبو الحسين أحمد بن بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان البغدادي القُدُوري *. القُدُوري: بضمِّ الكاف والدال، وسكون الواو، وفي آخرها راء. وفي "الفوائد البهية" ص ٢٤ قيل: إنه نسبة إلى قريةٍ من قرى "بغداد"، يقال لها: قدورة. وقيل: نسبة إلى بيع القدور. وقيل: نسبة إلى صنعة القدور. وقي الحاشية القدورُ محلّةٌ في "بغداد" عند محلّة "الميدان"، وفي حاشية ومنسوبٌ إلى قريةٍ من قرى "بغداد"، ويقال لها: قدورة (يقصد قدروة). وقيل: نسبة إلى

стр. 1006

القدور، جمع قِدْرٍ. قال الإمام عبد الحي اللكنوي -رحمه الله تعالى-: لا أعلم سببَ نسبتِه إليها، بل هكذا ذكره السمعاني. انتهى. وكانتْ ولادتُه كما في "الأنساب" سنة اثنين وستين وثلاثمائة، ووفاته كما في "وفيات الأعيان" يوم الأحد الخامس من رجب ٤٢٨ هـ. ودفن من يومه بداره في "درب أبي خلف"، ثم نقل إلى تربة في "شارع المنصور"، ودفن هناك بجنب أبي بكر الخوارزمي الحنفي. ذكره ابن كمال الرومي ومَنْ تبعه في أصحاب الترجيح، من المقلّدين الذين شأنهم تفضيلُ الروايات على بعض من دون قدرة على الاجتهاد. وتعقّبه بعضُ الفضلاء، بأن القدوري يتقدّم على شمس الأئمة الحلواني، وأعلى منه كعبًا، وأطول باعًا، فما باله نقص مرتبته. والله أعلم (١). وذكر الإمام بدر الدين العينى في "البناية شرح الهداية" أن الإمام القدوري لما فرغ من تصنيف "مختصره" المنسوب إليه حجّ، وأخذ "المختصر" معه، ولما فرغ من طوافه سأل الله سبحانَه أن يوفّقه على خطا فيه، وسهو منه عن قلم، ثم أنه فتح "المختصر"، وتصفَّحه ورقةً ورقةً إلى آخره، فوجد فيه خمسةَ مواضعَ أو ستةَ مواضعَ ممحوّة، وهذا يعدّ من كرامته (٢). وصَّفه الامام الذهبي بأنه شيخ الحنفية، والخطيب البغدادي بقوله: الفقيه، وجمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكى المتوفّى ٨٧٤ هـ. بقولهم: الإمام العلامة الفقيه.

стр. 1007

قال الخطيب: كتبتُ عنه، وكان صدوقا، وكان ممن أنجبَ في الفقه لذكائه، وانتهتْ إليه رياسةُ أصحاب أبي حنيفة، وعظم عندهم قدرُه، وارتفع جاهُه، وكان حسنَ العبارة في النظر، جريَ اللسانِ، مُدِيمْا لتلاوة القرآن. قال ابن تغري بردي: قال أبو بكر الخطيب: لم يحدّثْ إلا شيئًا يسيرًا، كتبتُ عنه، وكان صدوقا، وانتهتْ إليه بـ "العراق" رياسةُ أصحاب أبي حنيفة، وعظم عندهم، وارتفع جاهُه، وكان حسنَ العبارة في النظر، جريَ اللسان، مُدِيْمًا لتلاوة القرآن. قلتُ: والفضل ما شهدتْ به الأعداء، ولولا أن شأنَ هذا الرجل كان قد تجاوزَ الحد في العلم والزهد ما سَلِمَ من لسان الخطيب، بل مدحه مع عظمة تعصّبه على السادة الحنفية وغيرهم، فإن عادتَه ثلم أعراض العلماء والزهّاد بالأقوال الواهية والروايات المنقطعة، حتى أشحنَ "تاريخَه" من هذه القبائح. قال عبد الحى بن عِماد الحنبلي: أبو الحسين القدوري أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان البغدادي، الفقيه، شيخ الحنفية بـ "العراق". انتهتْ إليه رياسةُ المذهب، وعظم جاهُه، وبعد صيتُه، وكان حسنَ العبارة في النظم. قال الحافظ عبد القادر القرشي: قال السمعاني: كان فقيها، صدوقا. ذكره أبو محمد القاضى في "طبقات الفقهاء"، فأثنى عليه، وقال: كان له ابن، فلم يعلّمْه الفقهَ، وكان يقول دعوه يعيش لروحه، فمات، وهو شابّ. ذكره الإمام ابن عابدين الشامي في "شرح عقود رسم المفتي" عند ذكر طبقات الفقهاء أن كنيته أبو الحسن، وكذا يرى في نُسَخِ "القدوري". وهو

стр. 1008

غلط، والصحيح أبو الحُسَيْن بلفظ التصغير. كما في "الكشف"، و"الجواهر المضية"، و"الفوائد البهية"، و"وفيات الأعيان" (١). فليحفظْ. نشأته وأسرته: كما لم يذكر المؤرّخون شيئا من نشأة إمامنا وطفولته وتلقّيه العلوم الأولية، وكذلك كانتِ الكتبُ غفلا عن ذكر ترعرُعه وتربيته بين أكناف والديه أو غيرهما وغير ذلك، وحتى أسرته، لم تصلْ أخبار الرواة عنها، بما يمكن للقارئ أن يتعرّف على ملامح قضاء طفولة الإمام أو المؤثر فيه من العائلة في نبوغه وبروزه عن كثب إلا ما ذكره القرشي عن والد الإمام أبي الحسين أحمد صاحب "المختصر"، حكى عن أبى بكر الشبلي روى عنه القاضى أبو تمام علي بن محمد بن الحسن الواسطي. وقال أيضا عن ولده: هو محمد بن أحمد بن محمد أبو بكر بن أبي الحسين القدوري ابن الإمام صاحب "المختصر". وهذا محمد أبو بكر سمع الحديث من أبي علي الحسن بن أحمد بن شاذان، والقاضي أبي القاسم التنوخي، وغيرهما، ومات شابا قبل أوان الرواية، سنة أربعين وأربعمائة. والد الإمام القدوري: هو محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو بكر القدوري، والد الإمام أبي الحسين أحمد صاحب "المختصر". حكى عن أبى بكر الشِّبْلِي، وروى عنه القاضي أبو تمام على بن محمد بن الحسن الواسطي. قال القدوري: رأيتُ الشِّبْلِيَّ في جامع "المدينة"، وقد كثر الناسُ عليه في الرُّوَاقِ الوسطاني، وهو يقول: رحم الله عبدًا، ورحم والديه، دعا لرجل كانتْ له بضاعةٌ، وقد فَقَدَها،

стр. 1009

وهو يسأل الله أنْ يردّها عليه، والناس صُموت، فخرق الحلقةَ غلامٌ حَدَثٌ، وقال له: مَنْ هو صاحب البضاعة؟ قال: أنا، قال: فإيش، كانت بضاعتُك؟ قال: الصبر، وقد فقدتُه، فبكى الناسُ بكاءً شديدًا (١). ابن الإمام القدوري: هو محمد بن أحمد بن محمد أبو بكر بن أبي الحسين القدوري، ابن الإمام صاحب "المختصر"، وهو محمد بن أبي بكر، سمع الحديثَ مِنْ أبي علي الحسن بن أحمد بن شاذان، والقاضي أبي القاسم التَّنُّوخِي، وغيرهما. ومات شابًا قبل أوان الرواية سنة أربعين وأربعمائة. وفي "الطبقات السنية" بعد هذا زيادة. وقيل: أدرك الروايةَ (٢). طلب العلم وشيوخه: لم يزوِّدْنا التاريخُ بمعلوماتٍ كافيةٍ عن حياة القدوري العلمية، ولا بذكر مشايخه الذين أخذَ عنهم منذ بدايةِ طلبِه للعلم إلى أن تبوّأ المكانة العلمية العالية المرموقة بين علماء دهره وفقهاء عصره. ولم يحدّثْنا القدوري عن نفسِه أيضا بالتفصيل. وكلّ ما وصل إلينا هو ذكر بعض من المشاهير، الذين أكثر القدوري من الأخذ عنهم، والذين كانَ لهم الأثرُ في تكوين شخصيته العلمية والخلقية. أهمّ مشايخه الكرام: ولما أردتُ استيعابَ شيوخِه وتذكرتَهم تتبَّعتُ وتفحَّصْتُ كتبَ طبقاتِ الفقهاء والرجال النبلاء، فوجدتُ مؤلّفي الكتب أنهم يذكرون أن الإمامَ

стр. 1010

القدوري تلقّي العلمَ عن كثيرين، غيرَ أنهم لم يذكروا من شيوخه إلا قليلا، وقد أتاحَ لنا المحدِّثُ الجليلُ والحافظُ النبيلُ عبدُ القادر القَرْشِي في كتابه "الجواهر المضية" التعرّف إلى شيوخه، فإنه ذكرَهم في أثناء التراجم، ونذكر ههنا عِدّةً. منهم: ١ - الفقيه الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجُرْجَاني الحنفي، نزيل "بغداد"، المتوفّي سنة ٣٩٨ هـ، على الأرجح أحد أعلام الحنفية الكِبار. ٢ - المحدّث الشيخ عبيد الله بن محمد بن أحمد، أبو الحسين الشيباني المعروف بالحوشي، المتوفّى ٣٧٥ هـ، وكان ثقةً ثَبْتًا، مستورًا أمينًا، وَثّقَه المحدّثون، كالخطيب البغدادي، والبرقاني، والتنوخي، وغيرهم، روى الحديثَ عنه الإمامُ أبو الحسين القدوري. ٣ - المحدّث الشيخ أبو بكر محمد بن علي بن سُويد المؤدّب، المتوفّى سنة ٣٨١ هـ. لم يعرف الكثير من العلماء والأئمة إلا مِنْ خِلال مؤلّفاتهم وتلامذتهم، فهم عنوان مكانتهم في العلم، ومِرْآة رجاحة عقلهم وفهمهم. وقد عرف من تلامذة إمامنا الكثير من النابغين النابهين في العلم. أهم تلامذته العظام: ١ - الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السَّرَخْسِي. صنّف "تكملة تجريد القدوري"، و"مختصر المختصرين". وهو من طبقة أبي عبد الله قاضي القضاة الدامَغاني، تفقّه بأبي الحسين القُدُوري، وقصدَ بلادَ "خوزستان"، فاستنابَه أبو الحسين عبد الوهّاب بن منصور بن المشتري، قاضي ممالك الملِك أبي كاليجار بن بُوَيْهِ على قضاء "البصرة".

стр. 1011

وكان ابن المشتري عظيمَ النعمة، كثيرَ الإفضال على أهل العلم، شافعي المذهب، فلمّا وصلَ السرخسي إلى "البصرة"، وبها الوزير أبو الفرج بن فسانْجس، ولقبه ذو السعادات، وكان فاضلا أديبا، فكتب إلى القاضي أبي الحسين ابن المشتري مظهرا للتعجّب من استخلافه، ويقول: ولَّيتَ رجلا غريبًا فقيرًا، على بلدٍ فيه ذَوُو الأنساب والأموال والعلوم! فلما ورد الكتابُ على ابن المشتري قرأه، وأمسكَ، فقالَ الحاضرون: ينبغى أن تكتب إلى الوزير، وتعرفه بموضعه من العلم والدين. فقال ما يحتاج إلى هذا، وما يتأخر كتابُه بشُكْرِي على ولايته، وإن كان ما عرفه، فسيعرفه. فلمّا كان من الغد جاءه كتاب يعتذر بما كتب به، ويعتدّ له باستخلافه. فقال ابن المشتري: رآه في أول اجتماعهما نحيفَ الجسم، منقطع الكلام، فلمّا ازدراه كتب ذلك الكتاب، ثم اعترفَه، فعرف هديَه وعلمَه، وما خفى عليه ذلك في بكرة يوم وعشية. وكان ذو السعادات ينفق عليه الفضلاء، وبالفضل تقدّم عنده رئيس الرؤساء أبو القاسم على بن الحسن ابن المسلمة، حتى سعى له في وزارة الخليفة، وسأل ذو السعادات أبا بكر السرخسي، فقال ما تقول في رجل شَوَّه باسم الله الأعظم، فكتبَ في أول كتابه ما هذه صورته: "مع". فقال له في الجواب: يكره للناس أن يكتبوا في أول الرِّقاع الاسمَ المحقّق، لأن الأيدي تتداولُه، والناس يبتذلونه، ويطرحونه، وكرهوا أن يخلوَ الموضعُ من شئ يكتب، ليعلم أنه أول الحساب. فاستحسنَ ذلك الوزيرُ. قال الهمذاني: وحكى أبو عمر محمد بن أحمد النهاوندي أحد المعدَّلين بـ "البصرة"، قال: ولي أبو بكر السرخسي قضاءَ بلدِنا نوبتين، عزل نفسَه في إحداهما، ومضى إلى "رامهرمز"، وقصد أبا الفضل الجواليقي،

стр. 1012

شيخا كان بها، فأعطاه خمسَمائة دينار. وكان يداوِم الصومَ، وعرف بالزهد وكسر النفس. وغابَ بمسجد طلحة بن عبيد الله -رضى الله تعالى عنه- في ليلة نصف من الشهر، وصلّى طولَ ليلته، وصلَى الفجرَ بوضوء العشاء، وجُمِعَ له الآلاتُ والصنَّاعُ، ففزعوا منه تلك الليلة. وتوفّي في ثالث عشر من رمضان، سنة تسع وثلاثين أربعمائة. ومن تصانيفه: "تكملة التجريد"، و "كتاب مختصر المختصرين" في مجلّدٍ (١). ٢ - القاضى المفضّل بن مسعود بن محمد بن يحيى بن أبي الفرج أبو المحاسن التَّنَّوْخِي المصري، الفقيه الحنفي النحوي. مولِده بعد السبعين وثلاثمائة. تفقّه على القدوري، وعلى الصيمري. وقرأ الأدبَ على علي بن عيسى بن الفرج الربعى، وغيره. وسمع بـ "بغداد"، وبـ "دمشق"، وغيرهما. وحدّث، روى عنه أبو القاسم على بن إبراهيم بن الحسن الدمشقي، وغيره. له من المصنفّات: "كتاب أخبار النحويين"، و"كتاب التنبيه"، ردّ فيه على الشافعي، ذكر فيه ما خالف النصوصَ من القرآن والحديث، وله رسالة في وجوب غسل الرجلين، وله "البيان" عن الفصل في الأشربة بين الحلال والحرام. مات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وأربعمائة. (٢). ٣ - الأديب الفقيه عبد الواحد بن علي بن برهان أبو القاسم العَكْبَري. صاحب التصانيف، وكان فقيهًا حنفيًا، وكان عالما من أعلام العربية والأنساب. من أصحاب أبي الحسين القدوري.

стр. 1013

قال ابن مكولا: ذهب بموته علمُ العربية من "بغداد". وكان فقيها حنفيا. وقرأ الفقه، وأخذ الكلامَ عن أبي الحسين البصري، وصار صاحبَ اختيارٍ في علم الكلام. وكان أحد مَنْ يَعْرِف الأنسابَ، ولم أر مثلَه. وذكره القِفْطِي في "تاريخ النحاة"، وقال: كان من العلماء القائمين بعلوم كثيرة. منها: النحو، واللغة، ومعرفة النسب، والحفظ لأيام العرب، وأخبار المتقدّمين. وله أنسٌ شديدٌ بعلم الحديث، ولم يروِ شيئًا من الحديث. قال محمد بن هلال: مات عبد الواحد بن على بن برهان سنة ست وخمسين وأربعمائة (١). ٤ - الحافظ أحمد بن على بن أحمد بن مَهْدِي أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة ٤٦٣ هـ. المؤرّخ الكبير، صاحب التصانيف الكثيرة، وأحد أعيان الشافعية، المشهود له بالفضل والعلم. هو من تلامذة الإمام القدوري. سمع الحديث في حلقة أبي الحسن بن رزقويه بجامع "بغداد"، صاحب التأليفات الكثيرة، ولد سنة ٣٩٢ هـ، تفقّه على مذهب الشافعي، ومن مولّفاته: "تاريخ بغداد"، الذي لم يصنّف مثلُه، وكتاب "الفقيه والمتفقه"، توفّي

стр. 1014

٤٦٣ هـ، ودفن في مقبرة باب حرد في جوار بِشر الحافي. قلت: إن الخطيب البغدادي كان شديدَ النقد على أبي حنيفة الإمام، ومتعصّبًا فيه، وما أورده في "تاريخه" لا يليق بشأن الإمام الأعظم لما حواه أكاذيب ظاهرة، وقد ردّ عليه الإمام الكوثري في أسلوبه، فمن أرادَ أن يطَّلِع عليه، ليراجعْ كتابَه "تأنيبَ الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة الأكاذيب"، وكذا "الترحيب بنقد التأنيب". ٥ - الفقيه أبو نصر أحمد بن محمد بن محمد الأقطع البغدادي، المتوفّى سنة ٤٧٤ هـ، درس الفقهَ على مذهب أبي حنيفة على أبي الحسين القدوري، حتى برع فيه، وشرح "مختصر القدوري" شرحا حسنًا. أحد شرّاح "المختصر". سكن "بغداد" بدرب أبي زيد بنهر الدجاج. قال ابن النجّار: درس الفقهَ على مذهب أبي حنيفة على أبي الحسين القدوري، حتى برع فيه، وقرأ الحسابَ، حتى أتقنَه. وخرج من "بغداد" في سنة ثلاثين وأربعمائة إلى "الأهواز"، وأقام بـ "رامهرمز". وشرح "المختصر"، وكان يدرّس هناك إلى أن توفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة (١). ٦ - الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن على بن محمد بن الحسين الدامَغاني الكبير، المتوفّى سنة ٤٧٨ هـ. أحد أعيان الحنفية بـ "بغداد" في زمانه، برعَ في الفقه، حتى فاقَ أقرانَيه، وانتهتْ إليه رياسةُ مذهب أبي حنيفة في زمانه. شهد عند والده في الحكم بـ "بغداد" سنة إحدى … وخمسمائة، فقبلَ شهادتَه، واستنابَه في الحكم بـ "بغداد" وغيرها، وأذِن للشهود بـ "مدينة السلام" بالشهادة عنده، وعليه فيما سجَّلَه.

стр. 1015

ولما توفّي والدُه رُشِّحَ لقضاء القضاة، ولم يتيسَّرْ له، ثم نُفِّذَ في رسالةٍ من الديوان العزيز إلى الملك خان محمد بن سليمان بن داؤد بن إبراهيم طنغاج ملك "ما وراء النهر" في صحبة الرسول القادم من هناك، فمضى، فأدركه أجلُه هناك. وكان حَسَنَ القضاءِ، مرضيَّ الطريق، جميلَ السيرة، محمودَ الأفعال، غزيرَ الفضل. سمع الحديثَ من أبي الحسن الصيرفي، لم يروِ شيئًا، لأنه ماتَ شابًا. مولِده في ضحوة يوم السبت الثامن من شوّال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ومات في العشر الأول من المحرّم سنة ستّ عشرة وخمسمائة بـ "ما وراء النهر". ذكره ابن النجّار (١). مكانته العلمية بين الفقهاء الحنفية: بلغ الإمام القُدُوري مكانةً بارزَةً بين فقهاء مذهبه في عصره، حتى قال الحافظ الخطيب البغدادي عنه بعد أن عظم قدرُه، وارتفع جاهُه عند الحنفية: انتهتْ إليه بالعراق رياسةُ مذهبِ أبي حنيفة. وقال أبو إسحاق الشيرازي: وكان أبو الحسين البغدادي المعروف بالقُدُوري إمامَ مذهبِ أبي حنيفة في عصرنا. كما جعله فضلاء الحنفية الذين قسموا طبقاتِ الفقهاء الحنفية من طبقة أصحاب الترجيح، بما أنه بطول باعه وعلوِّ كَعْبِه في الأصول والفروع، يستحقّ أن يكون من أصحاب الترجيح إن لم يكنْ من طبقة المجتهدين في المسائل التي لا روايةَ فيها عن صاحب المذهب. قالوا: الطبقة الخامسة: طبقة

стр. 1016

أصحاب الترجيح من المقلّدين، كأبي الحسين القُدُوري، وصاحب "الهداية"، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحّ رواية، وهذا أرفقَ للناس. تدرك، وتعرف مكانةُ العالم من خلال آثاره ومؤلّفاته، ومؤلّفات الإمام القُدُرى مع قلّتها، هي الأثر الخالد لهذه الشخصية العلمية، التي تشهد برسوخه في الفقه. تصانيف الإمام القدوري: أذكر ههنا مؤلَّفاتِ الإمام القدوري -رحمه الله تعالى- مما يكون أنموذجًا لمساعيه الجبارة في مِضْمار تدوين المؤلَّفات. ١ - التجريد في الفروع في سبعة أسفار وهو كتابٌ عظيمٌ في فقه الموازنة، وبخاصّةٍ في مسائل الخلاف بين الحنفية والشافعية، شرع في إملائه سنة خمس وأربعمائة، وأبانَ فيه عن حفظه لما عند الدارقطني من أحاديث الأحكام وعِلَلِها. أوله: اللّهمَ اعصمْنا من الزلل إلخ. أفردَ فيه ما خالفَ فيه الشافعي من المسائل بإيجاز الألفاظ، وأوردَ بالترجيح، ليشتركَ المبتدي والمتوسّطُ في فهمه، وشرعَ في إملائه سنةَ خمسٍ وأربعمائة، ثم كتب أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السرخْسي، المتوفّى سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة تكملةَ "التجريد"، ولجمال الدين محمود بن أحمد القونوي الحنفى، المتوفّى سنة سبعين وسبعمائة مختصره المسمّى بـ "التفريد" (١). ٢ - شرح "مختصر الكَرْخي" في فروع الحنفية. قال الحافظ القرشي: و"شرحه" على "مختصر الكَرْخِي" في عِدّةِ مجلّدات.

стр. 1017

وهذا المختصر للإمام أبي الحسين عبد الله الحسين بن دلّال بن دلهم الكَرْخي، المتوفّى سنة ٣٤٠ هـ. وشرح الإمام أبو الحسين أحمد بن محمد القُدُوري المختصرَ المذكورَ، أوله: الحمد لله وليّ الحمد، ومستحقّه إلخ. شرح هذا "المختصرَ" أيضا الإمام أبو بكر أحمد بن علي، المعروف بالجصّاص، الحنفي المتوفّى سنة ٣٧٠ هـ. ٣ - له شرح على "أدب القاضي" للخصّاف. وهو الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو الخصّاف، المتوفّى سنة إحدى وستين ومائتين. رتّبَ على مائة وعشرين بابا، وهو كتاب جامع غاية ما في الباب، ونهاية مآرب الطلّاب، ولذلك تلقّوْه بالقبول، وشرحه فحولُ أئمةِ الفروع والأصول، ومنهم: أبو بكر علي الجصّاص، والإمام أبو جعفر محمد بن عبد الله الهندواني، والإمام أبو الحسين القُدُوري (١). ٤ - التقريب في الفروع. وهو مجرّد عن ذكر المسائل الخلافية بين أبي حنيفة وأصحابه في مجلّد. ٥ - التقريب الثاني. صنّف ثانيا في عدّة مجلّدات. ٦ - جزء من الحديث. وله جزء من حديثه من رواية أبي عبد الله الدامغاني. ٧ - مختصر القُدُوري في فقه الحنفية. هو الكتاب المعروف المتداول بين الكَمَلَة والطَّلَبَة، جعله صاحبُ "الهداية" أصلا لـ "البداية". قال القرشي: فنفع الله به خلقًا لا يُحْصون.

стр. 1018

وفي التعليق على "سير أعلام النبلاء"، وله عِدّة مصنّفاتٍ نفيسة، وأشهرُها كتاب "المختصر" في فروع الحنفية. وهو من الكنب المعتمدة في فقه أبي حنيفة، واشتهرَ باسم الكتاب، فإذا أطلق لفظ الكتاب عند الحنفية ينصرف إليه، كما إذا أطلق لفظ الكتاب عند النحاة ينصرف إلى "كتاب سيبويه". قال الإمام المرْغيناني صاحب "الهداية" في "بداية المبتدي": كان يخطر ببالي عند ابتداء حالي أن يكونَ كتابٌ في الفقه، فيه من كلّ نوع، صغير الحجم، كبير الرسم، وحيث وقع الاتفاق بتطواف الطرق، وجدتُ "المختصرَ" المنسوبَ إلى القدوري أجملَ كتابٍ في أحسن إيجاز وإعجاب، ورأيتُ كبراءَ الدهر يُرَغِّبون الصغيرَ والكبيرَ في حفظ "الجامع الصغير"، فهَمَمْتُ أن أجمعَ بينهما، ولا أتجاوز فيه عنهما، إلا ما دعتِ الضرورةُ إليه، سمّيتُه "بداية المبتدي"، ولو وفَّقتُ لشرحه لسمّيتُ بـ "كفاية المنتهى". انتهى (١). وقد طبع عِدّةَ طبعاتٍ في "دهلي"، و"لاهور"، و"بومبائي"، و"إستانبول"، و"القاهرة"، وأفرد من هذا "المختصر" بالطبع كتاب الجهاد في ليبزغ ١٨٢٥ م. تبرك العلماء بـ "القدوري ": قال الملا كاتب الجلبي في كتابه "كشف الظنون": قال صاحب "مصباح أنوار الأدعية": إن الحنفيةَ يتبرّكون بقراءته أي "مختصر القدوري" في أيام الوباء، وهو كتاب مبارَك، مَنْ حفظه يكون أمينا من الفقر، حتى قيلَ: إن مَنْ قرأه على أستاذ صالح، ودعا له عند ختم الكتاب بالبركة، فإنه يكون

стр. 1019

مالكًا لدراهمَ على عددِ مسائلِه. وفي بعض شروح "المجمع" أنه مشتمل على اثني عشرَ ألف مسألة. انتهى. وكذا قال صاحب "مفتاح السعادة" (١) ٢: ١٤٦ وقال: هذا المختصر يتبرّك به العلماء، حتى جرَّبوا قراءته أوقات الشدائد وأيام الطاعون. اهـ. وفي "الكشف" وقد كان أبو على الشاشي يقول: مَنْ حفظَ هذا الكتابَ فهو أحفظ أصحابِنا، ومَنْ فهمَه فهو أفهم أصحابنا. اهـ. من اعتنى على القدوري بالتشريح والتعليق: وقد توارثَ فقهاءُ الأحناف الاهتمامَ بهذا الكتاب الجليل المشهور المبارك اهتماما بالغا، لم يظهرْ في أيّ كتابٍ منا الكتب الفِقْهية في المذهب، وبرزَ ذلك الاهتمام بإقراره وتحفيظه للصغار ووجودِه في مَكْتبَات العالم ومَدارِسِه. وبما قامَ الفقهاءُ اللاحِقون للمؤلَّف بأنواع الخدمات على هذا المختصر، فخدموا تشريحًا، وتوضيحًا، وتصحيحًا، وتعليقًا، وتهذيبًا، وتنقيحًا، وترجمةً بلغات شتّى، فأجادوا، وأفادوا خلقًا لا يُحصى، وكان اهتمامُهم به اهتمامًا فاقَ سائرَ الكتب الفِقْهِية في المذهب الحنفي، وبلغتْ الشروحُ والتعليقاتُ على هذا الكتاب مبلغا كبيرَ العدد. فههنا نذكر تراجمَ هولاء الرجال على نسق حروف المعجم، من أوائل أسمائهم، وبدأتُ منهم بذكر مَنْ ابتدأ اسمُه بحرف الألف، ثم ثَنَّيْتُ

стр. 1020

بحرف الباء، ثم بعدها من الحروف على ترتيبها إلى أخرها، ليسهلَ إدراكُ ذلك على طالبِيه، وتقربَ معرفتُه من مُبْتَغِيه، ومن الله التوفيق، وعليه التكلان. منهم: إبراهيم بن عبد الرزاق أبي إسحاق الرسعني، عُرِفَ بابن المحدّث، سمع بـ "الموصل" من والده الإمام عزّ الدين، وتفقّه على أبيه. وله منظومة منثور، وشرح "القُدُوري"، ولم يتمّه. مولده في جُمَادَى الأولى سنةَ اثنتين وأربعين وستّمائة. ومات في شهر رمضان سنة خمس وستمائة بـ "دمشق". ودُفِنَ بـ "قاسيون" في سفحه (١). ومنهم: إبراهيم بن عبد الكريم بن أبي السعادات أبو إسحاق الموصلي. شرح قطعةً كبيرةً من "مختصر القُدُوري"، وكتب الإنشاء لصاحب الموصلي، ثم استعفى من ذلك. توفّى سنة ثمان وعشرين وستمائة. ومنهم: العلامة المحدّث المفتي إبراهيم البنغلاديشي رحمه الله تعالى. من آثاره: شرح على "القُدُوري باللغة الأردية، وسمّاه "التوضيح الضروري لحلّ مسائل مختصر القدوري" تَرْجَمَه أولا بالأردية، ثم شَرَحه. ومن تصانيفه: "التقريب لحلّ شرح التهذيب"، و "التشريحات شرح المرقاة"، وله أيضا "شرح على الهداية"، و "شرح السراجي"، وغيرها. قد ذكرتُ ترجمتَه في "ما ينبغى به العِناية لمن يطالع الهداية" عند ذكر شراح "الهداية".
следующие страницы →