← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

روى عن أبي علي محمد بن محمد بن الحارث، الحافظ السمرقندي، وغيره. ذكره الحافظ أبو سعد الإدريسي، في "تاريخ سمرقند". وقال: كان من الفقهاء على مذهب أبي حنيفة، وكان يتّهم (١) بمذهب الاعتزال. كتبنا عنه. ومات في شهر ربيع الأول، سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. * * * ٥١٦ - الإمام الهمام قدوة الأنام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، رضى الله عنه *.

стр. 1087

قال الإمام الكوثري رحمه الله تعالى: هو من أعاظم المجتهدين في الفقه الإسلامي، وقد خلّف مؤلّفات عظيمة النفع للغاية، في علوم الرواية والدراية. وقد جمع بين براعتين: البراعة في علوم الحديث والبراعة في الفقه وأصوله، جمعا قلّ مَنْ جمع بينهما جمعَه في علماء هذه الأمّة، كما يعترف بذلك مَنْ نهل من مناهل آثاره الفيّاضة، فأحببتُ إفرادَ ترجمته بنوع من الإفاضة في رسالة، سمّيتها: "الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي" ﵀، ورضى عنه، وأرضاه، عرفانا لجميله، قياما ببعض ما يجبُ في تبجيله، والله سبحانه ولي التوفيق، والهادي إلى أقوم طريق. نسب الطحاوي وميلاده: عداده في حجر الأزد من قبائل "اليمن"، سكن أجداده "مصر" بعد الفتح الإسلامي، والحَجْر بفتح الحاء وسكون الجيم فخذ من أفخاذ قبيلة الأزد المعروفة، ويقال للأزد هذه: أزد الحجر، تمييزا لها من أزد شنوءة، والأزد بفتح الهمزة وسكون الزاي لها أفخاذ كثيرة، شرحها في كتب أنساب العرب، وقد ساق مسلمة بن القاسم القرطبي نسب أبي جعفر الطحاوي في كتابه المعروف بـ "الصلة" لكونه ذيلا لـ "تاريخ البخاري الكبير"، فقال: هو أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك بن سلمة بن سليم بن سليمان بن جواب الأزدي ثم الحجر المصري الطحاوي، الإمام المحدّث الفقيه الحنفي الحافظ أبو جعفر. ووقف الحافظ ابن عساكر في سوق نسبه عند سليم، وابن خلّكان عند عبد الملك، واختلفوا في ميلاده، فقال ابن عسكر نقلا عن ابن يونس: إنه ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، وعليه اقتصر الذهبي وأبو المحاسن، لكن قال البدر العيني في "نخب الأفكار": قال السمعاني: ولد الطحاوي سنة

стр. 1088

تسع وعشرين ومائتين، وهو الصحيح. وقال أبو سعيد بن يونس: قال الطحاوي: ولدت في سنة تسع وعشرين، وهذا يخالف ما حكاه ابن عساكر عن ابن يونس، و"تاريخ ابن يونس" من التواريخ التي لم نظفرْ بها، ولا بدّ أن أحدهم وهم، إلا أن الثاني بخطّ المؤلّف. وقال ابن خلّكان: وكانتْ ولادته سنة ثمان وثلاثين ومائتين. وقال أبو سعد السمعاني: ولد سنة تسع وعشرين ومائتين، وهو الصحيح، وزاد غيره، فقال: ليلة الأحد لعشر خلون من ربيع الأول. وقال ابن كثير: أبو جعفر الطحاوي، نسبة إلى قرية بـ "صعيد مصر"، الفقيه الحنفي، صاحب المصنّفات المفيدة، والفوائد الغزيرة، وهو أحد الثقات الأثبات، والحفّاظ الجهابذة، وهو ابن أخت المزني … وذكر أبو سعد السمعاني أنه ولد في سنة تسع وعشرين ومائتين، فعلى هذا الميلاد كما فعل ابن نقطة الحافظ في "التقييد لمعرفة رواة المسانيد"، وذكر أن مولده سنة تسع وعشرين ومائتين. وقال البدر العيني: (فعلى هذا كان عمر الطحاوي حين مات أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صاحب "الصحيح" سبعا وعشرين سنة، لأن البخاري مات سنة ستّ وخمسين ومائتين، وكان عمره حين مات مسلم بن الحجّاج صاحب "الصحيح" اثنين وثلاثين سنة، لأن مسلما مات في سنة إحدى وستين ومائتين، وشاركه الطحاوي في روايته -عن بعض شيوخه- وكان عمره حين مات أبو داود صاحب "السنن" ستا وأربعين سنة، لأن أبا داود مات في سنة خمس وسبعين ومائتين، وشاركه أيضا في روايته -عن بعض شيوخه- وكان عمره حين مات أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي صاحب "الجامع" خمسين سنة، لأن الترمذي مات في سنة تسع وسبعين ومائتين، وكان عمره حين مات أحمد بن شعيب

стр. 1089

بن على النسائي أربعا وسبعين سنة، لأن السنائي مات في سنة ثلاثة وثلاثمائة، وشاركه أيضا في روايته، وروى الطحاوي عنه أيضا، وكان عمره حين مات محمد بن يزيد بن ماجة صاحب "السنن" أربعا وأربعين سنة، لأن ابن ماجة مات في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وشاركه أيضا في روايته -عن بعض شيوخه- وكان عمره حين مات الإمام أحمد بن حنبل ﵀ اثنتي عشرة سنة، لأن أحمد مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان عمره حين مات يحيى بن مَعين أربع سنين، لأن يحيى بن مَعين مات سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين، وهذا كلّه على القول الصحيح: إن مولده سنة تسع وعشرين ومائتين. وكذا ذكر مولدَه الحافظُ محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن نقطة البغدادي في كتابه "التقييد لمعرفة رواة المسانيد" (١) في باب الأحمدين في ترجمة أبي جعفر الطحاوي. فهكذا كما رأيت لقد عارض الطحاوي هؤلاء الأئمة الحفّاظ الكبار، وشاركَ بعضهم في روايتهم، فإن من جملة مشايخ الطحاوي هارون بن سعيد الأيلى، وقد روى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. قال الحافظ عبد الغني المقدسي في "الكمال" في ترجمة هارون بن سعيد: روى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، ومن جملة مشايخه الربيع بن سليمان الجيزي. وقد روى عنه أبو داود، والنسائي. قال في "الكمال": الربيع بن سليمان الجيزي المصري الأعرج، روى عنه أبو داود، والنسائي، وعبد الله بن حمدان، وأبو جعفر الطحاوي، ثم قال: وستقف على مثل هذا كثيرا في أثناء الكتاب عند ذكر مشايخ أبي جعفر الطحاوي، الذين روى عنهم، وكتب، وحدّث.

стр. 1090

كثرة شيوخ الطحاوي في العلم وكثرة تلاميذه والرواة عنه: وقد جمع مشايخَ الطحاوي في جزء واحد عبدُ العزيز بن أبي طاهر التميمي، فمن شيوخه خاله المزني، وقد سمع منه كثيرا، وروى عنه "سنن الشافعي"، قال ابن يونس: سمع الطحاوي من خاله المزني كثيرا، وروى عنه "مسند الشافعي". قال العيني: قلتُ وروايته عنه كثيرة في تصانيفه، ولا سيّما في "معاني الآثار"، وإن غالب مَنْ يروي "مسندَ الشافعي" إلى يومنا هذا يروون عن طريقه. ا هـ. أقول: إن الأحاديث المروية عن الشافعي بطريق الطحاوي هى مَنْ جمع الطحاوي من مسموعاته من المزني عن الشافعي رضى الله عنه، فيعرف هذا المجموع بـ "سنن الشافعي"، و "سنن الطحاوي"، وله نسخ في غاية الصحة، وعليها خطوط التسميع طبقة فطبقة، منها النسخة المحفوظة في مكتبة أيا صوفيا بـ "الآستانة"، والنسخة المطبوعة جيّدة أيضا، إلا أن ما جمعه ابنُ مطر النيسابوريّ من مسموعاته من أبي العبّاس الأصمّ، صاحب الربيع المرادي، عن الربيع عن الشافعي، مما هو مسموعه في "كتاب الأم" ففي حاجة ماسّة إلى التهذيب والإصلاح، فقام بذلك الحافظ محمد عابد السندي في كتابه "ترتيب مسند الشافعي" حيث رتّبه، وحذف المكرّر منه، فأصبح هذا العمل منه نافعا، -والله سبحانه يكافئه على هذا-، فنتمنّى أن يقوم بعض أهل الشأن بنشر هذا المسند المرتّب المهذّب ليعمّ نفعه، لأن ما سبق طبعه من "مسند الشافعي" من رواية أبي العبّاس الأصمّ في "الهند" و "مصر" لا يخلو من أغلاط فظيعة. وقال ابن عسكر في "تاريخه" في ترجمة الطحاوي: سمع هارون بن سعيد الأيلى، وأبا شريح محمد بن زكريا كاتب العمري، وأبا عثمان سعيد

стр. 1091

ابن بشر بن مروان الرقّي، والربيع بن سليمان الجيزي، وأبا الحارث أحمد بن سعيد الفهري، وعلى بن معبد بن نوح، وعيسى بن إبراهيم الغافقي، ويونس بن عبد الأعلى، وأبو قرّة محمد بن حميد الرعيني، ومالك بن عبد الله التجيبي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وإبراهيم بن منقذ الخولاني، وإبراهيم بن مرزوق، وبحر بن نصر الخولاني، وسليمان بن شعيب الكيساني، وجماعة غير من سمّيت. وقال ابن عساكر في ترجمة النسائي: إن الطحاوي روى عن النسائي، وقال أبو سعيد بن يونس: سمع الطحاوي الحديث من خلق من المصريين والغرباء القادمين إلى "مصر"، منهم: سليمان بن شعيب الكيساني، وأبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي. وقال البدر العيني: شارك فيه مسلما، وغيره. وقال عبد الغني في "الكمال": يونس بن عبد الأعلى الصدفي أبو موسى المصري روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، وابنه عبد الرحمن، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. وروى عن الطحاوي خلق كثير. وقد أفرد بعضُ أهل العلم، الذين رووا عنه بالتأليف في جزء، فمن أخذ عنه أبو الحسن علي بن أحمد الطحاوي، وأبو محمد عبد العزيز بن محمد التميمي الجوهري قاضى "الصعيد"، وأبو بكر مكّي بن أحمد بن سعدويه البردعي، وأبو القاسم مسلمة بن القاسم بن إبراهيم القرطبي، وأبو القاسم عبيد الله بن علي الداودي القاضي، شيخ أهل الظاهر في عصره، والحسن بن القاسم بن عبد الرحمن أبو محمد المصري الفقيه، وابن أبي العوام القاضي الكبير، وأبو الحسن محمد بن أحمد الأخميمي، وميمون بن حمزة العبيدلي، ويوسف بن القاسم الميانجي، وأحمد بن عبد الوارث الزجّاج، ومحمد بن بكر بن مطروح، وأبو بكر أحمد بن محمد بن منصور الدامَغاتي الأنصاري القاضي، وأبو سليمان محمد بن عبد الله بن زبر، وغيرهم.

стр. 1092

وروي عنه من المشايخ الأجلّاء الأثبات: الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني صاحب "المعجم"، والحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري صاحب "التاريخ"، والحافظ المفيد أبو بكر محمد بن جعفر بن الحسين البغدادي المعروف بغندر، والحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقرئ، سمع منه "كتاب معاني الآثار"، وهو راويته في أسانيد الرواة على توالي الطبقات، والحافظ أحمد بن القاسم بن عبد الله البغدادي المعروف بابن الخشاب، والحافظ محمد بن المظفّر بن موسى أبو الحسين البغدادي. سمع منه بـ "مصر" "سنن الشافعي" بروايته عن خاله إسماعيل بن يحيى المزني، كذا قال الحافظ ابن نقطة فيما ذكره البدر العيني. سرد أسماء شيوخ الطحاوي على ترتيب الحروف: أ - إبراهيم بن أبي داود البرلسي، إبراهيم بن منقذ الخولاني، إبراهيم بن محمد الصيرفي، إبراهيم بن مرزوق البصري، إبراهيم بن على بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، إبراهيم بن أحمد بن مروان، أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي، أحمد بن داود بن موسى السدوسي، أحمد بن سهل الرازي، أحمد بن أصرم المزني، أحمد بن مسعود المقدسي، أحمد بن سعيد الفهري، أحمد بن محمد بن حمّاد أبو بشر الدولابي، أحمد بن يوسف، أحمد بن خالد بن يزيد الفارسي، أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، أحمد بن حمّاد التجيبي، أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطَّان، أحمد بن محمد بن سلام البغدادي، أحمد بن محمد بن بشّار، أحمد بن خلف، أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، أحمد بن شعيب النسائي، أحمد بن عبد المؤمن المروزي، أحمد بن أبي عمران موسى البغدادي، إسحاق بن إبراهيم بن يونس

стр. 1093

البغدادي الورّاق، إسحاق بن إسماعيل الأيلي، إسحاق بن الحسن بن الحسين الطحّان المروزي، إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي، إسماعيل بن حمدويه البكائي، إسماعيل بن يحيى المزني خاله. ب - بحر بن نصر بن سابق الخولاني، بكّار بن قتيبة البصري، بكر بن إدريس بن الحجّاج بن هارون الأزدي. ج - جعفر بن سليمان بن محمد الهاشمي، جعفر بن أحمد بن الوليد الأسلمي. ح - الحجّاج بن عمران المازني، الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، الحسن بن عبد الأعلى الصنعاني، الحسن بن سعيد الأزدي، الحسين بن نصر بن المبارك البغدادي، حكيم بن سيف الرقي. ر - الربيع بن سليمان الأزدي الجيزي، الربيع بن سليمان المرادي، روح بن الفرج أبو الزنباع. ز - زكريا بن يحيى بن أبان. س - سعيد بن بشر بن مروان الرقّي، سعيد بن سليمان الواسطي، سليمان بن شعيب الكيساني. ص - صالح بن حكيم التمّار البصري، صالح بن شعيب بن أبان البصري، صالح بن عبد الرحمن الأنصاري. ط - طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق. ع - عبد الله بن محمد بن خشيش البصري، عبد الله بن أبي داود، عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي أبو زرعة، عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عبد الرحمن بن الجارود بن عبد الله بن زادان الكوفي، عبد العزيز بن معاوية الغسّاني، عبد الملك بن مروان الرقّي، عبد الله بن أحمد

стр. 1094

ابن زكريا بن الحارث بن أبي ميسرة المكّي، عبد الغني بن رفاعة اللخمي، عبيد بن رجال المصري، علي بن شيبة البصري، علي بن معبد بن نوح، على بن سعيد بن بشر الرازي، علي بن عبد العزيز صاحب أبي عبيد -وبطريقه يروي قراءات عاصم والأعمش وحمزة والكسائي إجازة- علي بن أحمد بن سليمان، على بن الحسين بن عبد الرحمن بن فهم، علي بن زيد الفرائضي، علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المخزومي علان، علي بن عبد الرحمن الأنصاري، عمران بن موسى الطائي. عمر بن إبراهيم بن يحيى البغدادي، عيسى بن إبراهيم بن مشرود الغافقي، عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي أبو خازم. ف - فهد بن سليمان المكّي. ق - القاسم بن عبيد الله بن مهدي الأخميمي، القاسم بن محمد بن جعفر البصري. ل - الليث بن عبدة بن محمد المروزي. م - محمد بن سليمان بن هشام الخزّاز (اليشكري)، مبشر بن الحسن بن مبشر البصري، محمد بن على بن داود البغدادي، محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، محمد بن سنان الشيزري، محمد بن خزيمة بن راشد الأسدي، محمد بن جعفر الفريابي، محمد بن عمرو بن يونس الكوفي، محمد بن حرملة، محمد بن أحمد بن العبّاس الرازي إجازة، محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، محمد بن على بن زيد المكّي، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن جنادة البغدادي، محمد بن حميد بن هشام أبو قرّة الرعيني، محمد بن أحمد الكوفي أبو العلاء، محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ المكّي، محمد بن الحجّاج بن سليمان الحضرمي، محمد بن علي بن داود البغدادي، المطلب

стр. 1095

ابن شعيب بن حبّان الأزدي، محمد بن زكريا كاتب العمري، محمد بن عبد الرحمن الهروي، محمد بن ربيعة المكّي، موسى بن الحسن بن عبد الله المروزي السهيلي، محمد بن العبّاس بن الربيع اللؤلؤي، محمد بن عزيز الأيلي، محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي، محمد بن بحر بن مطير الواسطي، محمد بن النعمان السقطي، محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، محمد بن هشام الشيزري، محمد بن حرب النسائي الحمصي، محمد بن عيسى بن فليح الخزاعي، محمد بن عيسى بن جابر الرشيدي، محمد بن عمرو بن ثمام الكلبي أبو الكردوس، محمد بن زياد بن ريان الكلبي، محمد بن سليمان الباغندي، موسى بن عيسى المقرئ شيخه في القراءات، موسى بن النعمان المكّي، محمد بن سلامة الطحاوي أبوه، محمد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، محمد بن أحمد بن جعفر الدهلي الكوفي، محمد بن جعفر بن محمد بن أعين، موسى بن الحسن البغدادي، محمد بن علي بن يزيد المكّي، مالك بن عبد الله بن يوسف التجيبي، محمد بن رجال، محمد بن على بن زيد الحلواني، محمد بن عبده المروزي، مسعدة بن حازم، موسى بن الحسن المروزي، مالك بن يحيى الهمداني، محمد بن علي بن محرز البغدادي، محمد بن يحيى بن مطر البغدادي، مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري. ن - نصر بن حرب المسمعي، نصر بن مرزوق العتقي. و - الوليد بن محمد التميمي أبو القاسم (ولاد). هـ - هارون بن كامل أبو موسى المصري، هارون بن محمد العسقلاني. ي - يحيى بن عثمان بن صالح السهمي المصري، يحيى بن نصير، يحيى بن إسماعيل البغدادي أبو زكريا، يوسف بن يزيد، يونس بن عبد الأعلى.

стр. 1096

سرد أسماء بعض أصحاب الطحاوي: وقد ذكرتُ جملةً صالحةً من أصحاب أبي جعفر الطحاوي فيما سبق، وهم في غاية الكثرة، ولا أريد إطالة الكلام هنا بسرد أسمائهم لقلّة جدواها، وأكتفي بذكر بعضهم كنماذج، فمنهم: أحمد بن إبراهيم بن حمّاد أبو عثمان قاضى "مصر" حفيد إسماعيل القاضي، وأحمد بن عبد الوارث الزجاج، وأحمد بن القاسم بن عبد الله البغدادي الحافظ المعروف بابن الخشاب، وأحمد بن محمد بن منصور أبو بكر الأنصاري الدامغاني القاضي، والحسن بن القاسم بن عبد الرحمن أبو محمد المصري، وسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني الحافظ صاحب "المعاجم"، وعبد الله بن أحمد بن زبر أبو محمد القاضي، والد أبي سليمان، وعبد الله بن حديد بن الشواء أبو محمد الأرزني، وعبد الله بن محمد بن أحمد أبو القاسم المعروف بابن أبي العوّام الحافظ القاضي الكبير، وعبد الرحمن بن إسحاق الجوهري قاضى "مصر"، وعبد الرحمن بن أحمد بن يونس أبو سعيد المصري الحافظ المؤرّخ، وعبد العزيز بن محمد التميمي الجوهري قاضى "الصعيد"، وعبيد الله بن علي الداودي أبو القاسم شيخ أهل الظاهر في عصره، وعلى بن أحمد بن محمد بن سلامة أبو الحسن الطحاوي ابنه، وعلي بن الحسين بن حرب أبو عبيد قاضي "مصر"، ومحمد بن أحمد الأخميمي أبو الحسن، ومحمد بن إبراهيم بن علي المقرئ أبو بكر الحافظ، ومحمد بن عبد الله بن أحمد بن زبر أبو سليمان الحافظ، ومحمد بن عبيدة أبو عبيد الله قاضى "مصر"، ومحمد بن جعفر بن الحسين البغدادي المعروف بغندر الحافظ المفيد، ومحمد بن عمر الترمذي أبو الفضل، ومسلمة بن القاسم بن إبراهيم أبو القاسم القرطبي. ومكّي بن أحمد بن سعدويه البردعي أبو بكر، ومحمد بن المظفِّر بن موسى أبو الحسين البغدادي الحافظ،

стр. 1097

وميمون بن حمزة العبيدلي، وهشام بن محمد بن أبي خليفة الرعيني، وهشام بن محمد بن قرّة المصري، ويوسف بن القاسم الميانجي أبو القاسم، وفي هذا القدر كفاية في سرد أسماء أصحابه وتلاميذه، كنماذج لأصحابه من حفّاظ الحديث والفقهاء، ﵃ أجمعين. ثناء أهل العلم على الطحاوي: قال البدر العيني في "نخب الأفكار" أما الطحاوي فإنه مجمع عليه في ثقته وديانته وأمانته، وفضيلته التامة، ويده الطولى في الحديث وعلله وناسخه ومنسوخه، ولم يخلْفه في ذلك أحد، ولقد أثنى عليه السلف والخلف، فقال أبو سعيد بن يونس في ترجمته في "تاريخ العلماء المصريين": كان الطحاوي ثقة ثبتا فقيها عاقلا، لم يخلفْ مثله. وكذا قال الحافظ ابن عساكر، وقال مسلمة بن القاسم القرطبي في "الصلة": كان ثقة، جليل القدر، فقيه البدن، عالما باختلاف العلماء، بصيرا بالتصنيف. ثم ذكر كلمة عن ابن الأحمر، وسنتحدّث عنها، وقال حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر: كان الطحاوي كوفي المذهب، وكان عالما بجميع مذاهب الفقهاء. وفي "تاج التراجم"، قال ابن عبد البر في "كتاب العلم": كان من أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم، مع مشاركته في جميع مذاهب الفقهاء. وقال الحافظ السمعاني: كان الطحاويّ ثقة ثبتا. وقال ابن الجوزيّ في "المنتظم": كان الطحاويّ ثبتا فهما فقهيا عاقلا من"طحا" قرية في "صعيد مصر"، وكذا قال سبطُه في "مرآة الزمان"، ثم قال: واتفقوا على فضله وصدقه وزهده وورعه. وقال الذهبي في "تاريخه الكبير": الفقيه المحدّث الحافظ أحد الأعلام، وكان ثقة ثبتا فقيها عاقلا. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية"، وفي ترجمة الطحاوي: وهو أحد الثقات الأثبات والحفّاظ الجهابذة. ا هـ.

стр. 1098

وقال الصلاح الصفدي في "الوافي": كان ثقة نبيلا ثبتا فقيها عاقلا، لم يخلفْ بعده مثله. وقال اليافعي: برع في الفقه والحديث، وصنّف التصانيف المفيدة. ا هـ. وقال السيوطي: الإمام العلامة الحافظ، صاحب التصانيف البديعة، وكان ثقة، ثبتا، فقهيا، لم يخلفْ بعده. ا هـ. وقال البدر العيني بعد أن ذكر نصوص كثير: ممن أثنوا على الطحاوي: ولقد أثنى عليه كلّ مَنْ ذكره من أهل الحديث والتاريخ، كالطبراني، وأبي بكر الخطيب، وأبي عبد الله الحميدي، والحافظ ابن عساكر، وغيرهم من المتقدّمين والمتأخّرين، كالحافظ أبي الحجّاجْ المزّي، والحافظ الذهبي، وعماد الدين بن كثير، وغيرهم، من أصحاب التصانيف. ولا يشكّ عاقل منصف أنّ الطحاوي أثبت في استنباط الأحكام من القرآن، ومن الأحاديث النبوية، وأقعد في الفقه من غيره، ممن عاصرَه سنا، أو شاركه رواية، من أصحاب الصحاح والسنن، لأنّ هذا إنما يظهر بالنظر في كلامه وكلامهم. ومما يدلّ على ذلك، ويقوي ما ادّعيناه تصانيفه المفيدة الغزيرة في سائر الفنون من العلوم النقلية والعقلية. وأما في رواية الحديث، ومعرفة الرجال، وكثرة الشيوخ فهو كما ترى إمام عظيم، ثبت ثقة حجّة، كالبخاري، ومسلم، وغيرهما، من أصحاب الصحاح والسنن. يدلّ على ذلك اتساع روايته، ومشاركته فيها أئمة الحديث المشهورين، كما ذكرناهم. وأما تصانيفه فتصانيف حسنة، كثيرة الفوائد، ولا سيّما "كتاب معاني الآثار". فإن الناظر فيها المنصف إذا تأمّله يجده راجحا على كثير من كتب الحديث المشهورة المقبولة، ويظهر له رجحانه بالتأمل في كلامه

стр. 1099

وترتيبه، ولا يشكّ في هذا إلا جاهل أو معاند متعصب، وأما رجحانه على نحو "سنن أبي داود"، و "جامع الترمذي"، و "سنن ابن ماجه"، ونحوها، فظاهر لا يشكّ فيه عاقل، ولا يرتاب فيه إلا جاهل، وذلك لزيادة ما فيه من بيان وجوه الاستنباطات، وإظهار وجوه المعارضات، وتمييز النواسخ من المنسوخات، ونحو ذلك. فهذه هي الأصل، وعليها العمدة في معرفة الحديث، والكتب المذكورة غير مشحونة بها كما ينبغي. كما ترى ذلك، ونعاينه. فإن ادّعى المدّعي كونه مرجوحا بوجود بعض الضعفاء والأسقاط في رجاله، فيجاب بأن السنن المذكورة ملأي بمثل ذلك. بل وقد قيل: إنها لا تخلو في بعض أحاديث باطلة، وأحاديث موضوعة. وأما الأحاديث الضعيفة فكثيرة جدًّا. وأما "سنن الدارقطني"، أو "الدارمي" أو "البيهقي"، ونحوها فلا تقارب خطوة، ولا تداني حقوة. ولا هي مما تجري معه في الميدان. ولا مما تعادل معه في كفتي الميزان. ولم يظهرْ رجحان هذا الكتاب عند كثير من الناس، لكونه كنزا مخفيا، ومعدنا مخبيا. لم يصادفْه مَنْ يستخرج ما فيه من العجائب. ولم يعثرْ عليه مَنْ يستنبط ما فيه من الغرائب. فلم يبرح الكمون والاختفاء. ولم يبرزْ على منصة الاجتلاء. حتى كاد أن تضيف شمسه إلى الأفول، وبدره إلى النحول. وذلك لقصور فهم المتأخّرين، وتركهم هذا الكتاب، واشتغالهم بما لا يفيد شيئا في هذا الباب. مع استيلاء المخالفين المتعصّبة على بقاع مناره. وتحامل الخصوم المعادية على اندراس معالمه وآثاره، ولكن الله يحقّ الحقّ، ويبطل الباطل، حيث خلق أناسا قاموا بحقوقه، وأحيوا مواته، وقضوا على محاسن معالمه ما فاته، فظهر له الترجح على أمثاله، والتفوّق على أشكاله. ا هـ.

стр. 1100

وتلك بعض ما قاله أعلام العلماء في الثناء على الطحاوي الجدير بكلّ ثناء. نشأة الطحاوي على مذهب خاله، ثم انتقاله منه: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني أفقه أصحاب الإمام الشافعي وأحدّهم ذكاء كان خال الطحاوي، فأخذ يتفقّه عليه في نشأته، فكلّما تقدّم في الفقه كان يجد نفسَه بين تدافع مدّ وجزر في التأصيل والتفريع، وبين إقدام وإحجام في النقض والإبرام، في قديم المسائل وحديثها، وكان لا يجد عند خاله ما يشفى غلّته في بحوثه، فأخذ يترصّد ما يعمله خاله في المسائل الخلافية، فإذا هو كثير المطالعة لكتب أبي حنيفة، فينفرد عن إمامه منحازا إلى رأي أبي حنفية في كثير من مسائل، سجّلها في "مختصره"، فأخذ يطلع على المنهج الفقهي عند أهل "العراق"، فاجتذبه، حتى أخذ يتفقّه على أحمد بن أبي عمران القادم من "العراق" بعد أن اطّلع على ردّ بكّار بن قتيبة على "كتاب المزني"، فأصبح في عداد المتخيّرين لهذا المنهج، نابذا منهجه القديم، فأثار ذلك بعض ضجة حيكت حولها حكايات، فأسوقها مع ما لها وما عليها بمبلغ علمي، فيختار القارئ ما يراه أقرب إلى الصحة من تلك الروايات. وأشهر تلك الروايات ما ذكره أبو إسحاق الشيرازي الشافعي في "طبقات الفقهاء"، وإليك نصّه: انتهتْ إلى أبي جعفر -الطحاوي- رياسةُ أصحاب أبي حنيفة بـ "مصر"، أخذ العلم عن أبي جعفر أحمد بن أبي عمران، وأبي خازم، وغيرهما، وكان شافعيا، يقرأ على المزني، فقال له يوما: والله لا جاء منك شيء. فغضب من ذلك، وانتقل إلى ابن أبي عمران، فلمّا

стр. 1101

صنّف "مختصره"، قال: رحم الله أبا إبراهيم، لو كان حيّا لكفّر عن يمينه. وهذا خبر خال عن السند (١)، و "لا جاء" بصيغة الماضي، والحلف على الماضي غموس أو لغو، لا يوجب الكفّارة في مذهب المزني، و "شيئ" بمعنى شيء يعتدّ به في باب العلم بقرينة المقام، والطحاوي أعلى مقاما في العلم من أن يجهل حكم الحلف على الماضي في المذهبين، فيكون مع الخبر ما يكذبه. وأما رواية السلفي في "معجم شيوخه" عن أحمد بن عبد المنعم الآمدي، عن محمد بن علي الدامغاني، عن القدروي، أن المزني قال للطحاوي يوما: والله لا أفلحت، فغضب، وانتقل من عنده، وتفقّه على مذهب أبي حنيفة … ، وكان يقول: رحم الله أبا إبراهيم لو كان حيا، ورآني لكفّر عن يمينه، فعلى صيغة الماضي أيضا فلا يوحب الحلف على الماضي الكفّارة في المذهبين، على أن هذا الخبر مقطوع للمفازة بين القدوري والطحاوي. وأما ما ذكره ابن عساكر في "تاريخه" من قوله: بلغني أن سبب تركه لمذهب الشافعي أنه تكلّم يوما بحضرة المزني في مسألة، فقال له المزني: والله لا تفلح أبدا. فغضب من قول المزني، وانقطع إلى أبي جعفر بن أبي عمران، وقال بقول أبي حنيفة، حتى صار رأسا فيه، فاجتاز بعد ذلك بقبر المزني، فقال: يرحمك الله يا أبا إبراهيم! لو كنت حيا لكفّرت عن يمينك، فحلف على المستقبل، لكنّه كلام لا سندَ له، لأنه من بلاغاته، كما ترى.

стр. 1102

وقال ابن عساكر: قرأتُ على أبي محمد السلمي، عن عبد العزيز بن أحمد، قال: قرأتُ على أبي الحسين علي بن موسى بن الحسين السمسار، قال: قال لنا أبو سليمان بن زبر، قال: قال لي أبو جعفر الطحاوي: أول من كتبتُ عنه الحديثَ المزني، وأخذتُ بقول الشافعي، فلمّا كان بعد سنين قدم أحمد بن أبي عمران، قاضيا على "مصر"، فصحبتُه، وأخذتُ بقوله. وكان يتفقّه للكوفيين. وتركتُ قولي الأول، قرأيتُ المزني في المنام، وهو يقول لي: يا أبا جعفر! اغتصبك أبو جعفر، يا أبا جعفر اغتصبك أبو جعفر، وليس في هذا حلف. وقال أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" عن محمد بن أحمد الشروطي، أنه قال للطحاوي: لم خالفتَ مذهب خالك؟ واخترتَ مذهبَ أبي حنيفة، فقال لأني: كنتُ أرى خالي يديم النظرَ في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلتُ إليه، هكذا في نقل البدر العيني، وابن خلّكان، يعني فبدأتُ أديم النظرَ فيها، فاجتذبتني إلى المذهب، كما حملت تلك الكتب خالي على الانحياز إلى أبي حنيفة في كثير من المسائل، كما يظهر من "مختصر المزني"، ومخالفاته للشافعي فيه في كثير من المسائل، وقول الطحاوي نفسه في سبب انتقاله هو الجدير بالتعويل. وباقى الحكايات لا تخلو من مأخذ سندا ومتنا، كما سبق، فليأخذ القارئ بما يطمئنّ إليه بعد الإلمام بأطراف هذا الحديث، ومما يلاحظ هنا أنّ ابن أبي عمران الذي يقال: إن الطحاوي انتقل إلى مجلسه، تاركا مجلس خاله، إنما ولي قضاء "مصر" بعد القاضي بكّار (١).

стр. 1103

وهو توفي سنة ٢٧٠ هـ بـ "مصر" بعد وفاة المزني سنة ٢٦٤ هـ بمدّة كبيرة. وقد قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": (٣: ٢٩). وأما ابن أبي عمران الحنفي (١). فكان قاضى "الديار المصرية" بعد القاضى بكّار. اهـ. وأبو سليمان بن زبر الحافظ من كبار أصحاب الطحاوي قد حكى من لفظه ما سبق ذكرُه مع السند إليه، فيكون الاعتماد على حكاية ابن زبر والشروطي، لكون قولهما متلقى من الطحاوى مباشرة. والله أعلم. والذى حكاه ابن حجر في "اللسان": أنه كان أولا على مذهب الشافعي، ثم تحوّل إلى مذهب الحنفية، لكائنة جرتْ له مع خاله المزني: وذلك أنه كان يقرأ عليه، فمرّتْ مسألة دقيقة، فلم يفهمْها أبو جعفر، فبالغ المزني في تقريبها له، فلم يتفقْ ذلك، فغضب المزني متضجّرا، فقال: والله لا جاء منك شئ. فقام أبو جعفر من عنده، وتحوّل إلى أبي جعفر

стр. 1104

ابن أبي عمران، وكان قاضي "الديار المصرية" بعد القاضي بكّار فتفقّه عنده، ولازمه إلى أن صار منه ما صار. اهـ. ثم حكى ما قاله أبو إسحاق الشيرازى في "الطبقات" من قول يعزى إلى الطحاوي بعد تصنيفه "المختصر": لو كان المزني حيا لكفّر عن يمينه، وقال شرحا لقوله هذا: يعني الذي حلفه أنه لا يجيء منه شيئ. فحوّل الماضى إلى المستقبل، كما ترى، ثم قال: وتعقّب هذا بعض الأئمة، بأنه لا يلزم المزني في ذلك كفّارة، لأنه على غلبة ظنّه. ثم قال: ويمكن أن يجاب عن أبي جعفر، بأنه أورد ذلك على سبيل المبالغة. ولا شكّ أنه تستحبّ الكفّارة في مثل ذلك، ولو لم يقلْ بالوجوب، وليس يخفى مثل ذلك على أبي جعفر. لكن قرأتُ بخطّ المنذري أن الطحاوي إنما قال ذلك كيما يعير المزني. فأجابه بعضُ الفقهاء بأن المزني لا يلزمْه الحنث أصلا، لأن من ترك مذهب أصحاب الحديث، وأخذ بالرأي، لم يفلح. اهـ. وهذا تصرّف طريف من ابن حجر، وفيه كثير من العبر، ومن المعلوم أن الغباء الفطري قلّما يتحوّل إلى ذكاء بممارسة العلم، وكتبُ الطحاوي شهودُ صدق على ذكائه الفطري، ومثله لا يكون ممن لا يفهم المسألة مهما بولغ في تقريبها، كما أن المزني لا يستعصى عليه بيان مسألة بحيث لا يفهمها مثل الطحاوي في اتقاد ذهنه. على أن المزني ممن ورث رحابة الصدر والصبر أمام تلاميذه، من إمامه العظيم البالغ الذكاء، الصابر على تعليم من في فهمه بطء من أصحابه. وقد حكى أبو بكر القفّال المروزي في "فتاواه": أن الربيع المرادي -راوية المذهب الجديد- كان بطئ الفهم، فكرّر عليه الشافعي مسألة واحدة أربعين مرّة، فلم يفهمْ، وقام من المجلس حياء، فدعاه الشافعي في

стр. 1105

خلوة، وكرّر عليه، حتى فهمه -كما نقله ابن السبكى- فمن البعيد أن لا يصبر المزني مع الطحاوي في التعليم، وهو ابن أخته، ويتسرّع في الحلف بتلك الصورة البعيدة عن الاتزان. وأما دعوى أنهم هم أهل الحديث دون الآخرين، فشنشنة تعودنا أن نسمعها من أفواه أناس، فقدوا سلامة التفكير، فلو فكروا جيّدا في مبلغ توسّع أصحابهم في قياس الشبه والمناسبة وردّ المرسَل، مع التساهل في قبول الأحاديث عن كلّ من هبّ ودبّ، ودرسوا جيّدا "مسند أبي العباس" الأصمّ لأقلعوا عن ادّعاء أنهم هم الذين يأخذون بالسنّة، دون سائر الطوائف من فقهاء هذه الأمة، وليس بين طوائف أهل السنّة مَنْ لا يتّخذ الحديث ثاني أصول الاستنباط، لكن بعد تصفيته بمصفاة النقد القويم متنا وسندا، لا باسترسال في قبول مرويّات النقلة من غير بحث ولا تنقيب، عن كلّ ما ورد في البحث الموضوع على مشرحة التمحيص، والله وليّ الهداية. سعة دائرة رواية الطحاوي عن شيوخ عصره: من اطّلع على تراجم شيوخ الطحاوي علم أن بينهم مصريين، ومغاربة، ويمنيين، وبصريين، وكوفيين، وحجازيين، وشاميين، وخراسانيين، ومن سائر الأقطار، فتلقّي منهم ما عندهم من الأخبار والآثار، وقد تنقّل في البلدان المصرية وغير المصرية لتحمّل ما عند شيوخ الرواية فيها، من الحديث وسائر العلوم، وكان شديد الملازمة لكلّ قادم إلى "مصر" من أهل العلم من شتى الأقطار، حتى جمع إلى علمه ما عندهم من العلوم، وسمع من أصحاب ابن عيينة وابن وهب، وهذه الطبقة، وخرج إلى "الشام"، فسمع بـ "بيت المقدس" و"غزّة" و"عسقلان"، وتفقّه بـ "دمشق" على القاضى أبي خازم عبد الحميد، كما تفقّه بـ "مصر" على ابن أبي عمران، وبكّار بن قتيبة،

стр. 1106

وكان يتردّد إلى القضاة الواردين إلى "مصر"، يستقي ما عندهم من العلوم، حتى أصبح واحد عصره في تحقيق المسائل، وتدقيق الدلائل بحيث يرحل إليه أهل العلم من شتى الأقطار، ليستمتعوا بغزير علومه، على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم، وكانوا يتعجبّون جدّا من سعة دائرة استبحاره في شتى العلوم. قال ابن زولاق في "قضاة مصر": حدّثنى عبد الله بن عمر الفقيه، سمعت أبا جعفر الطحاوي، يقول: كان لمحمد بن عبدة القاضى مجلس للفقه عشية الخميس، يحضره الفقهاء وأصحاب الحديث، فإذا فرغ وصلّى المغرب انصرف الناس، ولم يبق أحد إلا من تكون له حاجة، فيجلس، ففي ليلة رأينا إلى جنب القاضي شيخا، عليه عمامة طويلة، وله لحية حسنة، لا نعرفه، فلمّا فرغ المجلس، وصلى القاضى التفت، فقال: يتأخّر أبو سعيد، يعني الفارابي، وأبو جعفر وانصرف الناس، ثم قام يتركّع، فلمّا فرغ استند، ونصبتُ بين يديه الشموع، ثم قال: خذوا في شيء، فقال ذلك الشيخ: أيش روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أمّه عن أبيه؟ فلم يقلْ أبو سعيد الفارابي شيئا، فقلت أنا: حدّثنا بكّار بن قتيبة، ثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن عبد الأعلى الثعبي، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أمه، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليغار للمؤمن فليغر"، قال: فقال لي ذلك الشيخ: أتدري ما تتكلّم به؟ فقلت أيش الخبر؟ فقال لي: رأيتك العشمية مع الفقهاء في ميدانهم، ورأيتك الساعة في أصحاب الحديث في ميدانهم، وقلّ من يجمع ما بين الحالتين. فقلت: هذا من فضل الله وإنعامه، فأعجب الفريابي القاضي في وصفه لي، ثم أخذنا في المذاكرة. اهـ.

стр. 1107

وأبو سعيد هذا هو محمد بن عقيل يعدّ في كبار فقهاء الشافعية من أصحاب المزني، ولم يكنْ يسعه غير السكوت أمام الطحاوي، المستبحر في العلوم، وبهذا العلم الواسع تمكّن من تأليف كتب، لا نظيرَ لها بين مؤلّفات أهل عصره، وكان الحامل له على استجماع الروايات ما لمس في منهجه الجديد من الحاجة الماسّة في استعراض جميع ما ورد في كلّ موضوع فقهي، من خبر مرفوع، أو موقوف، أو مرسَل، أو أثر من السلف، أو رأي منهم، بأسانيد مختلفة المراتب، ليستخلص من بينها الحقّ الصراح، لأن مَنْ قصر في جمع الرواية، واكتفى بخبر يعدّه صحيحا لا يكون وفي العلم حقّه، لأن الروايات تختلف زيادة ونقصا، ومحافظة على الأصل، ورواية بالمعنى واختصارا، فلا يتحصّل طمأنينة في قلب الباحث، إلا باستعراض جميعها، مع آراء فقهاء الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، فيتمكّن بذلك من ردّ المردود، وتأييد المقبول. وهذا ما فعله الطحاوي في كتبه، وقد أهّله علمه الواسع لحمل هذه الأعباء المضنية بمقدرة فائقة، أثارتْ نفوس بعض المخالفين، فتقولوا عليه، فازداد رفعة عند الله وعند الناس، ولولا هذه الهمّة القَعْسَاء عنده لكان في إمكانه أن يكتفي بكتاب من كتب الصحاح، أو السنن، فيعكف عليه وحدَه، ظانّا أنه هو العلم كلّه. لكن مواهبه أبتْ إلا هذا الاعتلاء. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وزيادة على هذا له منهج حكيم في ترجيح الروايات بعضها على بعض، من غير اكتفاء بنقد رجال الأسانيد فقط، وهو دراسة الأحكام المنصوصة وتبيين الأسس الجامعة لشتى الفروع من ذلك، فإذا شذ الحكم المفهوم من رواية راو عن نظائره في الشرع يعدّ ذلك علّة قادحة في قبول الخبر، لأن الأصل الجامع لشتى الفروع والنظائر في حكم المتواتر وانفراد راو

стр. 1108

بحكم مخالف لذلك لا يرفعه إلى درجة الاعتداد به، مع هذه المخالفة الصارخة. وهو أجاد تطبيق هذه القاعدة الحكيمة في كتبه جدّ الإجادة، وليس هذا ترجيحا لخبر على خبر بموافقة القياس، كما ظنّ على ما شرحت ذلك في "الإشفاق")، وغيره، ولم يكتف بمجرد نقد الرجال علما منه بمبلغ اختلاف النقاد، حتى في أشهر مشهوري حملة الآثار، ولذا وجد النظّار من المتكلّمين من غير أهل السنّة ما يتخذونه وسيلة، إلا إعلال رواياتهم في كتب أمثال الكرابيسي، وابن أبي خيثمة، وابن مَعين، وابن المديني، وغيرهم، ممن أطلقوا لسان النقد في كثير من الأجلّة، كما يظهر من كتاب أبي القاسم الكعبي، وكتاب الصاحب بن عباد في ذلك، فالطحاوي لم يكتف بهذا النقد القابل للمعارضة. بل سلك منهجا تخيره أصحابنا، وسار سيرهم فيه، وهو عدم إهمال ناحية موافقة حكم الخبر لنظائره أو مخالفته لها. وهذه طريقة بديعة، تركها المتأخّرون، وهي محفوظة بجدتها في كتب الطحاوي، وبروعتها، ويرعاها في بحوثه، بحيث لو تتبعها المتفقه نمتْ ملكته، وانكشفتْ مواهبه، وليس ذلك من جهله بأحوال الرجال، بل كان ما قاله أصحاب الشأن في رجال الرواية على طرف لسانه، ومبلغ سعة علمه في الرجال يظهر عند كلامه في الأحاديث المتعارضة في كتبه. وكتابه الكبير في تاريخ الرجال موضع ثناء أهل العلم، وإن لم نطلعْ عليه، لكن رأينا كثيرا من النقول عنه في كتب أهل الشأن مما يدلّ على زاخر علمه في هذا الباب، وليس ترجيحه لرواية على أخرى لموافقة إحداهما الأصول الجامعة دون الأخرى، من قبيل الترجيح بموافقة القياس، بل ردّ لما لا نظيرَ له في الشرع بالشذوذ، وهو أخذ بأقوى الحجج، ولا يهمل الكلام في الرجال أصلا، كما تجد مصداق ذلك في "معاني الآثار"، و"مشكل الآثار"،

стр. 1109

وغيرهما، من مؤلّفاته الخالدة، ومن زعم خلاف ذلك فقد قصرَ في التنقيب، ورمى بدائه غيره، والله المستعان. بعض أنباء الطحاوي لدى القضاة والحكّام: ذكر ابن زولاق أن الطحاوي أراد مقاسمة عمّه في الربع الذي بينهما، فحكم له القاضي بالقسمة، وأرسل إليه بمال يستعين به في ذلك، ووافق ذلك أملاكا في مجلس أحمد بن طولون، فحضره أبو جعفر الطحاوي، وقرأ الكتاب، وعقد النكاح، فخرج خادم بصينية فيها مائة دينار، وطيب، فقال: كم القاضي. فقال: كم أبي جعفر، فألقاها في كمّه، ثم خرج إلى الشهود، وكانوا عشرة بعشر صوان، والقاضى يقول: كم أبي جعفر، ثم خرجتْ صينية أبي جعفر، فانصرف أبو جعفر في ذلك اليوم بألف ومائتي دينار سوى الطيب. قال ابن زولاق: حدّثني عبد الله بن عثمان قال: سمعت أبا جعفر الطحاوي يقول: كانتْ لأبي الجيش بن أحمد بن طولون أمير "مصر" شهادة، فحضر الشهود، وكان كلّما كتب شاهد شهادته قرأها الأمير والقاضي، وكان كلّ شاهد يكتب: أشهدني الأمير أبو الجيش بن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين، قال أبو جعفر: فلمّا شهدت أنا كتبت: أشهدُ على إقرار الأمير أبي الجيش بن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين -أطال الله بقائه، وأدام عزّه وعلوه بجميع ما في هذا الكتاب-، فلمّا قرأه الأمير قال للقاضي: من هذا؟ قال: هذا كاتبي، فقال: أبو مَنْ؟ قال: أبو جعفر، فقال: وأنت يا أبا جعفر! -فأطال الله بقاءك، وأدام عزّك-، قال: فقمت بسبب ذلك محسودا من الجماعة. قال ابن زولاق: فلم يزلْ محمد بن عبدة

стр. 1110

وأصحابه (يسمّون)، فأغروا به نائب هارون بن أبي الجيش، فاعتقل أبا جعفر الطحاوى بسبب اعتبار الأوقاف. قال ابن زولاق: وسمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول، وذكر فضل أبي عبيدة بن حربويه وفقهه، فقال: كان يذاكرني بالمسائل، فأجبتُه يوما في مسألة، فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة، فقلتُ له: أيّها القاضي أوَ كلّ ما قاله أبو حنيفة أقول به؟ فقال: ما طننتُ إلا مقلّدا، فقلتُ له: وهل يقلّد إلا عصبيّ؟ فقال لي أو غبيّ. قال: فطارتْ هذه الكلمةُ بـ "مصر"، حتى صارتْ مثلا، وحفظها الناس. قال: وكان الشهود ينفسون على أبي جعفر بالشهادة، لئلا يجتمع له رياسةُ العلم وقبولُ الشهادة، فلم يزلْ أبو عبيد في سنة ٣٠٦ هـ، حتى عدله بشهادة أبي القاسم مأمون، ومحمد بن موسى سقلاب، فقبله، وقدمه، وكان أكثر الشهود في تلك السنة قد حجّوا، وجاوروا بـ "مكة" فتمّ لأبي عبيد ما أراد من تعديله، وكان لأبي عبيد في كلّ عشية مجلس لواحد من الفضلاء، يذاكره، وقد قسم أيام الأسبوع عليهم، منها عشية لأبي جعفر، فقال له في بعض كلامه: ما بلغه عن أمناء القاضي وحضه على محاسبتهم، فقال القاضي أبو عبيد: كان إسماعيل بن إسحاق لا يحاسبهم، فقال أبو جعفر: قد كان القاضي بكّار يحاسبهم، فقال القاضى أبو عبيد: كان إسماعيل … وقال أبو جعفر قد حاسب رسول الله ﷺ أمناءه، وذكر له قصّة ابن الأتبية (١).

стр. 1111

فلمّا بلغ ذلك الأمناء لم يزالوا، حتى أوقعوا بين أبي عبيد وأبي جعفر، وتغيّر كلّ منهما للآخر، وكان ذلك قرب صرف أبي عبيد عن القضاء، قال: فلمّا صرف أبو عبيد عن القضاء أرسل الذي ولي بعده إلى أبي جعفر بكتاب عزله، قال: فحدّثني علي بن أبي جعفر، قال: فجئتُ إلى أبي، فهنأته، فقال لي أبي: ويحك أهذه تهنئة؟ هذه والله تعزية، مَنْ أذاكر بعده أو مَنْ أجالس؟. قال ابن زولاق: ولما تولّى عبد الرحمن بن إسحاق الجوهري القضاءَ بـ "مصر" كان يركب بعد أبي جعفر، وينزل بعده، فقيل له في ذلك، فقال: هذا واجب، لأنه عالمنا، وقدوتنا، وهو أسنّ مني بإحدى عشرة سنة، ولو كانتْ إحدى عشرة ساعة لكان القضاء أقلّ من أن أفتخر به على أبي جعفر، ولما ولي أبو محمد عبد الله بن زبر قضاء "مصر"، وحضر عنده أبو جعفر الطحاوي، فشهد عنده، أكرمه غايةَ الإكرام، وسأله عن حديث ذكر أنه كتبه عن رجل عنه من ثلاثين سنة، فأملاه عليه. وقال: وحدّثني الحسين بن عبد الله القرشي، قال: وكان أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حمّاد في ولايته القضاء بـ "مصر"، يلازم أبا جعفر الطحاوي، يسمع عليه الحديث، فدخل رجل من أهل أسواء، فسأل أبا جعفر عن مسألة، فقال أبو جعفر: من مذهب القاضي أيّده الله كذا وكذا، فقال: ما جئتُ إلى القاضي إنما جئتُ إليك، فقال له: يا هذا! من مذهب القاضي ما قلت لك، فأعاد القول، فقال أبو عثمان تفتيه، أعزّك الله، فقال: إذا أذنت أيّدك الله أفتيته، فقال: قد أذنت، فأفتاه، قال: فكان ذلك يعدّ في فضل أبي جعفر، وأدبه. اهـ. وكان أبو عبيد في غاية المعرفة بالأحكام، وأبو عثمان القاضي حفيد إسماعيل القاضي، كان ملكيا كجده ولم يكنْ اختلاف المذاهب يوثّر في

стр. 1112

تواصل هؤلاء العلماء أصحاب النفوس الطاهرة، وتلك الأنباء تكشف عن مبلغ التصافي بين علماء ذلك العهد، -رحمهم الله تعالى-. يقال: إن أمير "مصر" أبا منصور تكين الخزرى الشهير بالجيار دخل على الطحاوي يوما، فلمّا رأه داخله الرعب، فأكرمه الأمير، وأحسن إليه، ثم قال له: يا سيّدي! أريد إن أزوّجك ابنتي، فقال له: لا أفعل ذلك، فقال له: ألك حاجة بمال؟ قال له: لا، قال: فهل أقطع لك أرضا؟ قال: لا، قال: فاسألْني ما شئتَ، قال: وتسمع؟ قال: نعم، قال: احفظْ دينَك لئلا ينفلت، واعملْ في فكاك نفسك قبل الموت، وإياك ومظالم العباد، ثم تركه، ومضى، فقال: إنه رجع عن ظلمه لأهل "مصر"، كما في "تحفة الأحباب". هكذا كانتْ معاملة الطحاوي مع حكّام "مصر"، يأبى المصاهرة، ويأبى إنعامهم بالمال أو الإقطاع، ويأبي قبول قضائهم لأيّ حاجة له، بل ينصحهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وأين هذا ممن يزوّج بناته الثلاث للمماليك، تزلّفا إليها: ثم يطول لسانه في مثل الطحاوي. كلام بعض الناس في الطحاوي: وقد سبق ذكرُ كلمات أهل العلم في الثناء على أبي جعفر الطحاوي بما هو جدير به، وشهادة أهل الشأن بثقته وديانته، وحفظه وأمانته، وفهمه وفطانته. ومن أمثال أبي سعيد بن يونس الحافظ، وأبي سعد السمعاني، وابن الجوزي، وسبطه، وابن عبد البر، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم، فلا داعى إلى إعادة ذكرهم، ومع ذلك لم يسعْ بعض المتعصّبين أن لا ينالوا منه، ليخفضوا منزلته العالية. لكن ما زادوا في مقامه السامي إلا علوّا وارتفاعا، ولا في نفوسهم المريضة، إلا انخذالا واتضاعا، -سامحهم الله، وألهمه الصنع عن هؤلاء المرضى في عقولهم وديانتهم، وفي ثقتهم وأمانتهم-، فأقول: قال أبو بكر

стр. 1113

البيهقى في أول "كتاب معرفة السنن": وحين شرعتُ في كتابي هذا جاءني شخص من أصحابي بكتاب لأبي جعفر الطحاوي، فكم من حديث ضعيف فيه صحّحه لأجل رأيه، وكم من حديث صحيح ضعّفه لأجل رأيه، هكذا قال البيهقي في "معرفة السنن"، وهي المعروفة بـ "السنن الوسطى". وقد قال الحافظ عبد القادر القرشي في كتابه "الجواهر المضية" في "كتاب الجامع" منه (٤٣١): معلّقا على هذه الكلمة: وحاش لله أن الطحاوي -رحمه الله تعالى- يقع في هذا. فهذا الكتاب الذي أشار إليه هو الكتاب المعروف بـ "معاني الآثار" -وبعد أن توسّع الحافظ القرشى في بيان ما صنّفه في تخريج أحاديثه بإشارة شيخه- قال: والله لم أرَ في هذا الكتاب شيئا مما ذكره البيهقي عن الطحاوي، وقد اعتنى شيخنا … ووضع كتابا عظيما نفيسا على "كتاب السنن الكبير" له، وبيّن فيه أنواعا مما ارتكبها من ذلك النوع، الذي رمى به البيهقي الطحاوي، فيذكر حديثا لمذهبه، وفي سنده ضعيف، فيوثقه، ويذكر حديثا على مذهبنا، وفيه ذلك الرجل الذي وثقه، فيضعّفه. ويقع هذا في كثير من المواضع. وبين هذين العملين مقدار ورقتين أو ثلاثة. وهذا كتابه موجود بأيدي الناس، فمن شكّ في هذا فلينظرْ فيه. وكتاب شيخنا كتاب عظيم، لو رآه من قبله من الحفّاظ لسأله تقبيل لسانه، الذي تفوه بهذا، كما سأل أبو سليمان الداراني أبا داود صاحب "السنن" أن يخرج إليه لسانه حتى يقبّله. والقصّة مشهورة. ثم قال القرشي: يقول الناس: إن الشافعي له فضل على كلّ أحد، والبيهقي فضله على الشافعي، فوالله ما قال هذا من شيم توجّه الشافعي وعظمته ولسانه في العلوم، ولقد أخرج الشافعى بابا من العلم ما اهتدى إليه الناس من قبله. وهو علم الناسخ والمنسوخ، وعليه مدار الإسلام. اهـ.

стр. 1114

وكتاب شيخه هو "الجوهر النقي في الردّ على سنن البيهقي" طبع أولا وحدَه في "حيدر آباد الدكن"، ثم طبع مع "السنن الكبرى". وأما "معرفة السنن" فلم تطبعْ بعد، وهى موجودة بمكتبة رواق المغاربة بـ "الأزهر"، والبيهقي (١). وإن أساء إلى نفسه بهذا الصنيع المكشوف الدخائل، لكنّه أحسن إلى العلم من حيث إن صنعه ذلك أدّى إلى تأليف "الجوهر النقي" النافع للغاية. والبيهقي ﵀ له كتب نافعة. لكن في معيار نقده خلل، يدعو إلى التبصّر في الاستسلام له، كما يتيقّن بذلك من طالعَ الكتابين الأصل والنقد. فيجد الردودَ الموجّهةَ إليه غاية الوجاهة إزاء أشياء ملموسة، في حين أن كلامه في الطحاوي كلام مرسَل على عواهنه، و"الحاوي في تخريج أحاديث الطحاوي" للحافظ عبد القادر القرشي، و"نخب الأفكار"، و"معاني الأخبار" للبدر العيني قامتْ بتمحيص الحقّ في ذلك، وهذا المقام لا يتّسع لأكثر من هذا. ثم تكلّم ابن تيمية في "منهاجه"، وقال في حقّ الطحاوي: ليستْ عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولهذا روى في "شرح معاني الآثار" الأحاديث المختلفة. وإنما رجّح ما يرجّحه منها في الغالب من جهة القياس، الذي رآه حجّةِ، ويكون أكثره مجروحا من جهة الإسناد، ولا يثبت، فإنه لم يكنْ له معرفة بالإسناد، كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث، فقيها، عالما. اهـ.

стр. 1115

فتراه يحكم عليه هذا الحكم القاسي، لأنه صحّح حديث ردّ الشمس لعليّ -كرّم الله وجهه-. فيكون الاعتراف بحصّة هذا الحديث ينافي انحرافه عن عليّ ﵁، وتبدو على كلامه آثار بغضه لعليّ ﵇ في كلّ خطوة من خطوات تحدثه عنه. ولا مجالَ لردّ حديث أسماء في ذلك من جهة الصناعة الحديثية، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية، ومعرفة الطحاوي بالعلل لا يتجاهلها إلا من اعتلّ بعلل، لا دواءَ لها، وقد جمع أهل العلم بالحديث طرق هذا الحديث قديما وحديثا، وحكموا عليه بالصحة، رضى ابن تيمية أم لم يرضَ، منهم: أبو القاسم العامري الحكم النيسابوري الحافظ، وللسيوطي جزء خاص في ذلك، وكذا لمحمد بن يوسف الصالحي، ومن القائلين بصحة ذلك الحديث القاضي عياض في "الشفا في تعريف حقوق المصطفى" ﷺ . لكن لا مجالا لرفع الغشاوة عن أبصار المنحازين إلى الخوارج، نسأل الله السلامة. وعادة ابن تيمية أنه إذا رأى مسألة واحدة لبعض أهل العلم يجعلها قاعدة كلّية عنده، فيعزو إلى ذلك الناطق بتلك المسألة الواحدة كليا خياليا، واستيلاد الكلّي من الجزئي منطق طريف، ينفرد هو به. على أن ما ظنّ أنه ترجيح بموافقة القياس ترجيح بعدم الشذوذ عن موارد الشرع، كما سبق، ثم الكلام في الأحاديث المختلفة بالتحدّث عن رجالها جرحا وتعديلا لا يخلو عنه بحث من بحوث كتابه، وكتابه بين أيدي أهل العلم، فمثل هذا التهجّم إزاء الحقائق الماثلة لا يصدر ممن يحترم نفسه، ولو أخذنا نسرد كلامَه في الرجال من ثنايا كتبه لطال بنا الكلام جدا، وخرجنا عن الموضوع، ومن الذي ردّ على كتاب المدلّسين للكرابيسي (١).

стр. 1116

سواء؟ أهذا شأن مَنْ يجهل علمَ الرجال؟ والجاهل بالرجال هو الذي يكتب أبو بكر الصامت الحنبلي في أغلاطه في الرجال جزءا مع تخيّره إليه. وكتب الطحاوي شهود صدق على علمه الواسع بالرجال، ثم إن ابن حجر العسقلاني لم يرضَ إلا أن يذكر الإمامَ الطحاويّ في "لسان الميزان"، وبهذا آذى نفسَه قبل أن يؤذي الطحاويّ لشذوذه عن جماعة أهل العلم في الثناء عليه، وهو كما يقول أبرّ أصحابه له الحافظ السخاوي في "تعليقاته" على "الدرر الكامنة": لا يستطيع أن يترجم لحنفى إلا باخسا لحقّه. ومنتقصا لشأنه، وفي هوامش "الدرر" كثير من كلام السخاوي في ذلك، فبهذا يتبيّن صواب ما قاله المحبّ بن الشِّحْنة في ابن حجر، إلا أنه لا يعلو على كلامه في حنفيّ متقدّم ولا متأخر لبالغ تعصّبه. وقد ترجم ابن حجر للطحاوي في "لسان الميزان" مستدركا على الذهبي ترجمة واسعة ليدسّ في خلالها هذه الكلمة، نقلا عن مسلمة بن القاسم عن ابن الأحمر التاجر الرحال: دخلت "مصر" قبل الثلاثمائة، وأهل "مصر" يرمون الطحاوي بأمر عظيم فظيع، فيقول ابن حجر شرحا لتلك الكلمة: يعني من جهة أمور القضاء أو من جهة ما قيل: إنه أفتى به أبا الجيش في أمر الخصيان. أهـ. كبرتْ كلمة تخرجُ من أفواههم، تراه يلوح، ولا يصرّح، لتذهب نفس السامع إلى كلّ سوء بشأنه، وليسئ إلى سمعته الطيّبة، أهكذا يكون الجرح والتعديل عند أهل النقد؟! ومن هؤلاء الذين كانوا يرمونه من أهل "مصر"؟ فليذكر واحدا أو اثنين منهم بدل أن يعزو هذا الرمي إلى جميع أهل "مصر" ليمكن النظر في حال الرامين، الذين لا يكونون عشر معشار أهل "مصر"، وما هذا الأمر الفظيع الذي يساق لتشويه سمعته؟ وماذا يفيد خبر

стр. 1117

المجاهيل في أمور مجهولة غير الكشف عن جهل مسجّلة بملء شدقيه، وعن طويته بين جنبيه؟. أكان الطحاوي قاضيا، حتى يصبح رميه بأمور تتعلّق بالجور في القضاء؟ وهو الذي كان يحضّ القاضى على محاسبة الأمناء، صونا للحقوق عن الضياع، وإيصالا لها إلى أصحابها، فيثورون، ويفورون، ويدبّرون تدابير ضدّه، من غير أن يحيق المكرُ السيئ إلا بأهله، كما سبق، وليس الفاجر يستفتي العلماء في استباحة الفجور، ولم يكن الطحاوي من الطراز الذي يخصّ أميرا أو وزيرا بفتيا، وكتاب السر يعزى إلى غيره، وقد وردت على المعري فريته السخيفة في موضعه، وبهت الأشرار على الأبرار، لا يأخذ به نيلا منهم إلا مثلهم. وكان الطحاوي ﵁ من أشدّ العلماء ردّا على مبيحى الأثفار. راجع معاني الآثار (٢: ٢٣)، بخلاف ابن حجر، فإنه قوى ثبوت القول به في "التلخيص الحبير" (٣٠٧)، وهذا مما يندي جبين العالم خجلا، لكن من لم يأب التغزّل في الغزلان، وألّف خمس رسائل في هذا الشأن، لا يأبى أن يلطخ الجباه الطاهرة بصنوف الأقذار من أهل الهذيان، وهو يعلم تكذيب كثير من علماء "الأندلس" لمسلمة بن القاسم القرطبي، وقول ابن الفَرَضى وغيره فيه: إنه ضعيف العقل، صاحب رقى ونير نحات حفظ عليه كلام سوء في التشبيهات. وقول الذهبي وغيره فيه: إنه ضعيف، وما قيل: إنه كان من المشبّهة، فبرواية مثله الموهمة، لا يطعن فيمن ثبتتْ أمانته وديانته، وثقته وإمامته، إلا من في نفسه حاجة -حفظنا الله من شرور أنفسنا، وألهمنا العدلَ في كلّ الأمور- وكان مسلمة أخذ مذهب المشبّهة عن شيخ السالمية أحمد بن محمد بن سالم البصري المذكور، حاله فيما علّقناه على "تبيين كذب المفتري"، وليس في استطاعة ابن حجر تبرئته من هذا المذهب الردي. ومضرب المثل

стр. 1118

السائر المصري فضحت نفسك بيديك يعرفه ابن حجر جيّدا، وقد سجّله الجمال بن عبد الهادي المعروف بابن المبرّد في كتابه عن القرن التاسع في ترجمة ابن حجر، وصيغة مثل ابن النديم بعيدة عن أن تكون صالحة للاحتجاج بها. راجع طبقات ابن السبكى (٤: ١٨) لتعلم رأي الشافعية في لزوم الحدّ أو سقوطه. ولله الأمر من قبل ومن بعد. وأما قول الأستاذ أبي منصور عبد القاهر التميمي في نقضه لكتاب أبي عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني في ترجيح مذهبه: واستقصى محمد بن جرير الطبري الشروط قي كتاب على أصول الشافعي، وسرق أبو جعفر الطحاوي من كتابه ما أودعه كتابه، وأوهم أنه من منتجات أهل الرأي فدليل على صواب ما ادّعاه الفخر الرازي من أهل مذهبه فيه من أنه كان شديد التعصّب على المخالفين، ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه -راجع: رسالة الرازي في مناظرته لأهل "ما وراء النهر"- فهل كان ابن جرير مصري الدار يسكن الطحاوي، حتى يتمكّن الطحاوي من سرقة كتاب ابن جرير في الشروط؟ وكتب الطحاوي في الشروط على مذهب أصحاب أبي حنيفة أفهل كان الكتاب المسروق مؤلّفا على مذهب أبي حنيفة؟! فإن كان ابن جرير كتب كتابا في الشروط، فإنما يكتبه على مذهبه الخاص، لأنه مجتهد مطلق بستقلّ، لا على مذهب أبي حنيفة، ولا على مذهب الشافعي، ودار ابن جرير في "طبرستان" في حوض بحر الخرز مدّة، وفي "بغداد" مدّة، وبعدهما عن "مصر" معلوم، فيكون يتصوّر أن يسرق أحدهما من الآخر خلسة؟! وليس بين وفاتيهما مدّة كبيرة، تسع لإخفاء السرقة، على أكبر تنزيل، على أن كتاب الشروط المعزو إلى ابن جرير باسم "أمثلة العدول" مما لا وجودَ له بين تراث السلف إلا في كتب التراجم.

стр. 1119

وأما كتب الشروط للطحاوي من صغير ومتوسّط كبير فمعروفة شرقا وغربا، متداولة في أيدى العلماء. ثم إن ابن جرير. أطال المقام في "طبرستان"، وعند ما عاد إلى "بغداد" كان مقهورا تحت سلطان الحشوية بـ "بغداد"، يرمون بيته بأحجار، ولا يتمكّن من المحافظة على نفسه إلا نجرس من الحكومة، ويضطرّ في بعض الأحوال أن يدفن بعض كتبه مثل "اختلاف الفقهاء"، فلم يكنْ حرا طليقا في نشر العلم في عهد سطوة الحشوية، وطال ذلك العهد هناك. وأما الطحاوي في "مصر" فكان موفور الكرامة، يجلّه الكبير والصغير، ويوالي القضاة الاستعانة بغزير علمه في الفقه والحديث والتوثيق وتسجيل الشروط، حتى سارتْ بتصانيفه وأنبائه الركبانُ في جميع البلدان شرقا وغربا. أمثله يكون في حاجة إلى السرقة في علم الشروط؟ وقد تلقّى علم الشروط من أمثال القاضى بكّار (١)، وابن أبي عمران، وأبي خازم عبد الحميد (٢) أصحاب أئمة علم الشروط بـ "البصرة" و"الكوفة" و"بغداد"، فمهما أبعد بعض العلوم عن الحنفية، لا يمكن إبعاد علم الشروط والتوثيق عنه، فإنهم أئمة هذا العلم من عهد أبي يوسف، وقبل عهده، وما جرى بين إبراهيم بن الجراح وبين حمّاد بن زيد مسجّل في موضعه،

стр. 1120

وقول يحيى بن أكثم في شروط هلال الرأي وغيره من أهل "البصرة" معروف (١)، ومن أحاط علما بذلك كلّه لا يتردّد لحظة في أن هذا الزعم نسج خيال التعصّب، وافتعال غير مدبر، نسأل الله السلامة، وعلى كلّ حال فإن كتاب أبي عبد الله الجرجاني وكتاب نقضه لأبي منصور عبد القاهر لا يخلوان من غلو وإسراف في القول، على جلالة قدر مؤلّفيهما، وأصاب ابن الصلاح حيث قال فيهما: كلّ واحد منهما لم يخل كلامه من ادّعاء ما ليس له، والتشنيع بما لا يؤبه به مع وهم كثير أتياه. -سامحهم الله تعالى وإيانا بمنّه وكرمه-. مؤلّفات أبي جعفر الطحاوي: أما تصانيف أبي جعفر الطحاوي ففى غاية الحسن والجمع والتحقيق وكثير الفوائد، ولم تحظ "مصر" بطبع شئ منها سوى رسالة صغيرة سبقتْها بلاد في طبعها، رغم كون مصنّفها من مفاخر "وادي النيل"، ولو كان مثل هذا العالم في الغرب لانتدب أهل الشأن لدراسة كتبه، وتحقيقها رجالا خاصّة، بل نراهم يعملون هذا في بعض رجال الشرق في حين أننا أصبحنا بعداء عن تقدير مقادير الرجال. أغنياء بما نستقى من أدمغتنا فقط، من غير أن نرى حاجة إلى البحث والتنقيب في التراث الشرقي الفاخر، مع

стр. 1121

محاولتنا التجديد في كلّ شيء، فلو زاحمناهم في البحث والتعب وراء اجتلاء معارفنا، وباعدناهم في الموبقات، وصنوف السقوط لانبعثنا من جديد. وليس ذلك على الله ببعيد. فمن مصنّفات الطحاوي الممتعة: "كتاب معاني الآثار" في المحاكمة بين أدلّة المسائل الخلافية، يسوق بسنده الأخبار، التى يتمسّك بها أهل الخلاف في تلك المسائل، ويخرج من بحوثه بعد نقدها إسنادا ومتنا، رواية ونظرا بما يقتنع به الباحث المنصف المتبرّئ من التقليد الأعمى، وليس لهذا الكتاب نظيرٌ في التفقيه، وتعليم طرق التفقّيه، وتنمية ملكة الفقه، رغم إعراض من أعرض عنه. ولذلك كان الأستاذ المغفور له شيخنا العلامة محمد خالص الشرواني ﵀ اختاره في عداد كتب الدراسة مع "الآثار" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وكان لأهل العلم عناية خاصة بتدريس "كتاب معاني الآثار"، وروايته، وتلخيصه، وشرحه، والكلام في رجاله، فمن شرّاحه: الحافظ أبو محمد المنبجي، مؤلّف "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب"، وقطعة من شرحه موجودة في مكتبة أيا صوفيا بـ "الآستانة"، ومنهم: الحافظ عبد القادر القرشي صاحب "الحاوي في تخريج أحاديث معاني الآثار للطحاوي" -وقطعة منه موجودة بدار الكتب المصرية- وذكر القرشى في قسم الجامع من "طبقاته" (٤٣١) سبب تأليفه، وقال: كان ذلك بإشارة شيخنا الحجّة علاء الدين المارديني لما سأله بعض الأمراء عن ذلك الوقت، وقال له: عندنا. "كتاب الطحاوي"، فإذا ذكرنا لخصمنا الحديث منه يقولون لنا: ما نسمع إلا من البخاري ومسلم -في كلام نحو هذا- فقال له شيخنا: والأحاديث التي في كتاب الطحاوي أكثرها في البخاري ومسلم، والسنن وغير ذلك من كتب الحفّاظ -في كلام نحو هذا،

стр. 1122

فقال له الأمير: أسألك أن تخرجه، وتعزو أحاديثه إلى هذه الكتب، فقال له شيخنا: ما أتفرّغ لذلك. ولكن عندي شخص من أصحابي يفعل ذلك، وتكلّم معه ﵀ في الإحسان إلىّ، وعظّمني عنده، وجعلني أمة في هذا العمل. فحملني إلى الأمير، وأحسن إليّ، وأمدّني الأمير بكتب كثيرة، كـ "الأطراف" للمزّي، و"تهذيب الكمال" له، وغيرهما، وشرعتُ فيه، وكان ابتدائي فيه سنة ٧٤٠ هـ، وأمدّني شيخنا بكتاب لطيف، فيه أسماء شيوخ الطحاوي، وقال لي: هذا يكفيك من عندي، فحصلَ لي النفع العظيم. اهـ. إلى آخر ما ذكرَه هناك. وطريقته في التخريج أنه يتكلّم على أسانيده، ويعزو أحاديثه وإسناده إلى الكتب الستة، و"المصنّف" لابن أبي شيبة، و"كتاب الحفّاظ"، وهكذا، فخدم خدمة عظيمة في هذا الباب. ومن شرّاح الكتاب: البدر العيني الحافظ، وقد عني بتدريسه سنين متطاولة في المؤيّدية -وكان المؤيّد شيخ ملمّا بالعلم، يناقش العلماء في العلى، حتى جعل لهذا الكتاب كرسيا خاصا في جامعته، كباقي أمهات كتب الحديث، وعيّن لهذا الكرسي البدر العينيّ، فقام البدر بتدريس هذا الكتاب خيرَ قيام مدّة مديدة، وألّف شرحين ضخمين فخمين، صورة ومعنى. أحدهما "نخب الأفكار في شرح معاني الآثار"، ويتعرّض لتراجم رجال الكتاب في صلب هذا الشرح، كما فعل في "شرح صحيح البخاري". وهذا من محفوظات دار الكتب المصرية في ثمانية مجلّدات بخطّ المؤلّف وبها خروم. وتوجد بعض أجزاء منه في مكتبة أحمد الثالث في طوبقبو، ومكتبة (عموجة حسين باشا) بـ "الآستانة". والشرح الآخر هو "مباني الأخبار في شرح معاني الآثار" للبدر العيني، وهو محفوظ في دار الكتب المصرية بخطّ المولّف في ستة مجلّدات.

стр. 1123

وهو خلو من الكلام في الرجال، حيث أفردهم في تأليف، سماه "معاني الأخيار في رجال معاني الآثار" في مجلّدين، مع نقص في نسخة دار الكتب المصرية، يستدرك من نسخة مكتبة رواق الأتراك في "الأزهر الشريف"، وخدمة البدر العيني لـ "معاني الآثار" لا تقلّ عن خدمته لـ "صحيح البخاري"، والله سبحانه يكافئه على تلك الخدمات الجسيمة، ولا سيّما في تحقيق أحاديث الأحكام. وممن لخّص "معاني الآثار" حافظ المغرب ابن عبد البر، وبه امتلأ قلبه إجلالا للطحاوي، ويكثر النقل عنه في كتبه، ولا سيّما لـ "التمهيد"، وممن لخّصه أيضا الحافظ الزيلعي صاحب "نصب الرأية". وملخّصه محفوظ بمكتبة رواق الأتراك، ومكتبة الكوبريلي بـ "الآستانة"، وشرحه صاحب "اللباب في الجمع بين السنّة والكتاب" أيضا، وهو محفوظ في مكتبة أيا صوفيا في "الآستانة"، ولمحمد بن محمد الباهلي المالكي "كتاب تصحيح معاني الآثار" محفوظ في بانكوك، كما ذكره بروكلمان، ولم أطلعْ عليه. و "كتاب معاني الآثار" طبع عدّة مرّات في "الهند". لكن أين جمال الطبع المصري من الطبع الهندي فيا حبّذا! لو طبعتْ تلك الكتب مع إعادة طبع "المعاني الآثار" بـ "مصر" بعناية خاصة. ويقول الطحاوي في صدر "كتاب معاني الآثار": سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتابا، أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله ﷺ في الأحكام، التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضا، لقلّة علمهم بناسخها من منسوخها، وما يجب به العمل منها لما يشهد له من الكتاب الناطق والسنّة المجتمع عليها، وأجعل لذلك أبوابا، أذكر في كلّ كتاب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء،

стр. 1124

واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحجّة لمن صحّ عندي قوله منهم بما يصحّ به مثله، من كتاب أو سنّة أو إجماع أو تواتر، من أقاويل الصحابة أو تابعيهم. وأني نظرتُ في ذلك، وبحثتُ عنه بحثا شديدا، فاستخرجتُ منه أبوابا على النحو الذي سأل، وجعلتُ ذلك كتابا ذكرتُ في كلّ كتاب منها جنسا من تلك الأجناس، فبهذا تعلم بمبلغ ثقل ما قام بحمله الطحاوي، وعظيم مقدار عمله، ﵁، وأرضاه-. ومن مؤلّفات الطحاوي أيضا: "بيان مشكل الحديث" المعروف بـ "مشكل الآثار" في نفي التضادّ عن الأحاديث واستخراج الأحكام منها. وهو من محفوظات مكتبة فيض الله شيخ الإسلام في "إستانبول" تحت أرقام (٢٧٣ - ٢٧٩) في سبعة مجلّدات ضخام. وهي نسخة صحيحة مقروءة، من رواية أبي القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة الرعيني عن الطحاوي، قابلها، وصحّحها ابن السابق المترجم له في "الضوء اللامع". وللقسم المطبوع منه في "حيدر آباد" في أربعة أجزاء، ربما لا يكون نصف الكتاب على سقم الطبع، ومن اطّلع على "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي ﵁، و "مختلف الحديث" لابن قتيبة. ثم اطّلع على كتاب الطحاوي هذا يزداد إجلالا له، ومعرفة لمقداره العظيم، وكم كنا نود لو طبع بـ "مصر" تمام الكتاب من النسخة المذكورة، وقد اختصر أبو الوليد بن رشد الجدّ "كتاب مشكل الآثار" مع بعض اعتراضات منه عليه، واختصاره محفوظ بدار الكتب المصرية، واختصر هذا المختصر قاضي القضاة جميل الدين يوسف بن موسى الملطي من

стр. 1125

شيوخ البدر العيني في كتاب سماه (المعتصر من المختصر"، فأجاد في التلخيص والإجابة عما أورده ابن رشد. وطبع "المعتصر" بـ "الهند" مع الخطأ في اسم مؤلّفه، واسم مختصره - وهذا "المعتصر" نافع أيضا (١). و "اختلاف العلماء" للطحاوي في نحو مائة وثلاثين جزءا حديثيا. وقد اختصره أبو بكر الرازي، واختصاره هو الموجود في مكتبة جار الله ولي الدين في "إستانبول"، وأما الأصل فلم أظفرْ به، وأما القطعة الموجودة بدار الكتب المصرية فهى من "مختصر اختلاف علماء الأمصار" لأبي بكر الرازى، وإن نسبتْ غلطا إلى الطحاوي، وفي "المختصر" يذكر أقوال الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وأقوال النخعي، وعثمان البتي، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وابن شبرمة، وابن ليلى، والحسن بن حي، وغيرهم، من المجتهدين الأقدمين، الذين صعب اليوم الاطلاعُ على آرائهم في المسائل الخلافية، فيا ليت الأصل بحث عنه، وعن مختصره، وطبع هو أو مختصره، أو كلاهما. و "أحكام القرآن" للطحاوي في نحو عشرين جزءا، ويقول القاضي عياض في "الإكمال": إن للطحاوي ألف ورقة في تفسير القرآن، وذلك هو "أحكام القرآن" له، وللطحاوي أيضا "كتاب الشروط الكبير" في التوثيق في نحو أربعين جزءا، وقد طبع بعض المستشرقين جزءا منه، وتوجد قطعة منه في مكتبة على باشا الشهيد، وأخرى في مكتبة مراد ملا
следующие страницы →