فدفع إليه لواءَه، وبعث بلالا، فنادى في الناس أن رسول الله ﷺ يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، واستخلف رسول الله ﷺ على "المدينة" عبدَ الله بن أم مكتوم، ثم سارَ إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف، والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوما أشدّ الحصار، ورموا بالنبل، فانجحروا، فلم يطلع منهم أحد، فلما اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله ﷺ أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم، فشاوروه في أمرهم، فأشارَ إليهم بيده أنه الذبح، ثم ندم، فاسترجعَ، وقال: خنت الله ورسوله، فانصرف فارتبط في المسجد، ولم يأت رسول الله ﷺ ، حتى أنزل الله توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأمر بهم رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة، فكتفوا، ونحوا ناحية، وأخرج النساء والذرية، فكانوا ناحية، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام، وجع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب، فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع، وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحجفة وخمر وجرار سكر، فأهريق ذلك كله، ولم يخمّس، ووجدوا جمالا نواضح وماشية كثيرة.
٣١ - سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء:
ثم سرية محمد بن مسلمة إلى "القرطاء"، خرج لعشر ليال خلون من المحرّم على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، بعثه في ثلاثين راكبا إلى "القرطاء"، وهم بطن من بني بكر من كلاب، وكانوا ينزلون البكرات بناحية "ضرية"، وبين "ضرية"، و"المدينة" سبع ليال، وأمره أن يشنّ عليهم الغارة، فسار الليل، كمن النهار، وأغار عليهم، فقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم.
стр. 107
٣٢ - غزوة رسول الله ﷺ بني لحيان:
ثم غزوة رسول الله ﷺ بني لحيان، وكانوا بناحية "عسفان" في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره، قالوا: وجد رسول الله ﷺ على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد "الشام"، وعسكر لغرة هلال شهر ربيع الأول في مائتي رجل، ومعهم عشرون فرسا، واستخلف على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم، ثم أسرع السير، حتى انتهى إلى "بطن غران"، وبينها وبين "عسفان" خمسة أميال، حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم، ودعا لهم، فسمعت بهم بنو لحيان، فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين، فبعث السرايا في كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى "عسفان"، فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش، فيذعرهم، فأتوا "الغميم"، ثم رجعوا، ولم يلقوا أحدا، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى "المدينة"، وهو يقول: آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون، وغاب عن "المدينة" أربع عشرة ليلة.
٣٣ - غزوة رسول الله ﷺ الغابة:
ثم غزوة رسول الله ﷺ الغابة، وهي على بريد من "المدينة" طريق "الشام" في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره، قالوا: كانت لقاح رسول الله ﷺ ، وهي عشرون لقحة ترعى بـ "الغابة"، كان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن ليلةَ الأربعاء في أربعين فارسا، فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر، وجاءَ الصريخ، فنادى الفزع الفزع، فنودي يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله ﷺ ، فخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعا، فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو، وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له رسول الله ﷺ لواء في رمحه، وقال: امض حتى تلحقك
стр. 108
الخيول، إنا على أثرك، واستخلف رسول الله ﷺ على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم.
٣٤ - سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر:
ثم سرية عكَّاشة بن محصن الأسدي إلى "الغمر" "غمر مرزوق"، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد طريق الأول إلى "المدينة"، وكانتْ في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: وجه رسول الله ﷺ عكَّاشة بن محصن إلى "الغمر" في أربعين رجلا، فخرج سريعا يغذ السير، ونذر به القوم، فهربوا، فنزلوا علياء بلادهم، ووجدوا دارهم خلوفا، فبعث شُجاع بن وهب طليعة، فرأى أثر النعم، فتحملوا، فأصابوا ربيئة لهم، فأمنوه، فدلهم على نعم لبني عم له، فأغاروا عليها، فاستاقوا مائتي بعير، فأرسلوا الرجل، وحدروا النعم إلى "المدينة"، وقدموا على رسول الله ﷺ ، ولم يلقوا كيدا.
٣٥ - سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة:
ثم سرية محمد بن مسلمة إلى "ذي القصة" في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة، وبنى عوال من ثعلبة، وهم بـ "ذي القصة"، وبينها وبين "المدينة" أربعة وعشرون ميلا طريق "الربذة" في عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلا، فأحدق به القوم، وهم مائة رجل، فتراموا ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح، فقتلوهم، ووقع محمد بن مسلمة جريحا، فضرب كعبه، فلا يتحرك، وجردوهم من الثياب، ومرّ بمحمد بن مسلمة رجل من المسلمين، فحمله، حتى ورد به "المدينة". فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرَّاح في أربعين رجلا إلى مصارع القوم، فلم يجدوا أحدا، ووجدوا نعما، وشاء، فساقه، ورجع.
стр. 109
٣٦ - سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة:
ثم سرية أبي عبيدة بن الجرَّاح إلى "ذي القصة" في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: أجدبت بلاد بنى ثعلبة و"أنمار"، ووقعت سحابة بـ "المراض" إلى "تغلمين" و"المراض" على ستة وثلاثين ميلا من "المدينة"، فسارتْ بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يغيروا على سرح "المدينة"، وهو يرعى بـ "هيفا" موضع على سبعة أميال من "المدينة"، فبعث رسول الله ﷺ أبا عُبيدة بن الجرَّاح في أربعين رجلا من المسلمين حين صلوا المغرب، فمشوا إليهم، حتى وافوا "ذا القصة" مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصاب رجلا واحدا، فأسلم، وتركه.
٣٧ - سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم:
ثم سرية زيد بن حارثة إلى بنى سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى بنى سليم، فسَارَ حتى ورد "الجموم" ناحية "بطن نخل" عن يسارها، و"بطن نخل" من "المدينة" على أربعة برد، فأصابوا عليه امرأة من مزينة، يقال لها: حليمة، فدلتهم عن محله من محال بنى سليم، فأصابوا في تلك المحلة نعما، وشاء، وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلمَّا قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله ﷺ للمزنية نفسها وزوجها.
٣٨ - سرية زيد بن حارثة إلى العيص:
ثم سرية زيد بن حارثة إلى "العيص"، وبينها وبين "المدينة" أربع ليال، وبينها وبين "ذي المروة" ليلة في جمادى الأولى سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن عيرا لقريش قد أقبلت من "الشام"، فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب يتعرض لها، فأخذوها، وما فيها.
стр. 110
٣٩ - سرية زيد بن حارثة إلى الطرف:
ثم سرية زيد بن حارثة إلى "الطرف" في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ زيد بن حارثة إلى "الطرف"، وهو ماء قريب من "المراض" دون "النخيل" على ستة وثلاثين ميلا من "المدينة" طريق "البقرة" على "المحجة"، فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، وصبح زيد بالنعم "المدينة"، وهي عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال، وكان شعارهم أمت أمت.
٤٠ - سرية زيد بن حارثة إلى حسمى:
ثم سرية زيد بن حارثة إلى "حسمى"، وهي وراء "وادي القرى" في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: أقبل دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر، وقد أجارَه، وكسَاه، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بـ"حسمى"، فقطعوا عليه الطريق، فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب، فنفروا إليهم، فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحيةُ على النبي ﷺ ، فأخبرَه بذلك، فبعثَ زيدَ بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير الليلَ، ويكمن النهارَ، ومعه دليل له من بني عذرة، فأقبلَ بهم، حتى هجم بهم مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم، فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه.
٤١ - سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى:
ثم سرية زيد بن حارثة إلى "وادي القرى" في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول اللّه ﷺ زيدا أميرا سنة ست.
стр. 111
٤٢ - سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل:
ثم سرية عبد الرحمن بن عوف إلى "دومة الجندل" في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: دَعَا رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف، فأقعدَه بين يديه وعمَّمه بيده، وقال: أغز بسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغلّ، ولا تغدر، ولا تقتل وليدا، وبعثه إلى كلب بـ "دومة الجندل".
٤٣ - سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك:
ثم سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بـ "فدك" في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فبعث إليهم علي بن أبي طالب في مائة رجل، فسارَ الليلَ، كمن النهارَ، حتى انتهى إلى "الهمج"، وهو ماء بين "خيبر" و"فدك"، وبين "فدك" و"المدينة" ست ليال، فوجدوا به رجلا، فسألوه عن القوم، فقال أخبركم على أنكم تؤمنوني، فآمنوه، فدلهم، فأغاروا عليهم، فأخذوا خمسمائة بعير، وألفي شاة وهربتْ بنو سعد بالظعن، ورأسهم وبر بن عليم، فعزل علي صفي النبي ﷺ لقوحا تدعى الحفذة، ثم عزل الخمس، وقسم سائر الغنائم على أصحابه، وقدم "المدينة"، ولم يلق كيدا.
٤٤ - سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى:
ثم سرية زيد بن حارثة إلى "أم قرفة" بناحية بـ "وادي القرى" على سبع ليال من "المدينة" في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: خرج زيد بن حارثة في تجارة إلى "الشام"، ومعه بضائع لأصحاب النبي ﷺ ، فلما كان دون "وادي القرى" لقيه ناس من فزارة من بني بدر، فضربوه، وضربوا أصحابه، وأخذوا ما كان معهم، ثم استبل زيد، وقدم على رسول الله ﷺ ، فأخبره، فبعثه رسول
стр. 112
الله ﷺ إليهم، فكمنوا النهار، وساروا الليل، ونذرتْ بهم بنو بدر، ثم صبحهم زيد وأصحابه، فكبروا، وأحاطوا بالحاضر.
٤٥ - سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع:
ثم سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري بـ "خيبر" في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: كان أبو رافع بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان، ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم الحفل العظيم لحرب رسول الله ﷺ ، فبعثَ رسول الله عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبا قتادة، والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان، وأمرَهم بقتله، فذهبوا إلى "خيبر"، فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى منزله، فصعدوا درجة له، وقدموا عبد الله بن عتيك، لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح، وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشاروا إليها بالسيف، فسكتت، فدخلوا عليه، فما عرفوه إلا ببياضه، كأنه قبطية، فعلوه بأسيافهم، قال ابن أنيس: كنت رجلا أعشى لا أبصر، فأتكيء بسيفى على بطنه، حتى سمعت خشة في الفراش، وعرفت أنه قد قضي، وجعل القوم يضربونه جميعا.
٤٦ - سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم:
ثم سرية عبد الله بن رَوَاحة إلى أسير بن زارم اليهودى بـ"خيبر" في شوَّال سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن زارم، فسارَ في غطفان وغيرهم، يجمعهم لحرب رسول الله ﷺ ، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فوجَّه عبد الله بن رَوَاحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سرا، فسأل عن خبره وغرته، فأخبر بذلك، فقدم على رسول اللّه ﷺ ، فأخبرَه، فندبَ رسول الله ﷺ الناسَ، فانتدبَ له
стр. 113
ثلاثون رجلا، فبعثَ عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا على أسير فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له، قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك، وقالوا: نعم، فقلنا: إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه، فيستعملك على "خيبر"، ويحسن إليك، فطمع في ذلك، فخرج، وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كنا بقرقرة ثبار ندم أسير، فقال عبد الله بن أنيس، وكان في السرية وأهوى بيده إلى سيفي، ففطنت له، ودفعت بعيري، وقلتُ: غدرا، أي عدوّا الله، فعل ذلك مرتين، فنزلتْ، فسقت بالقوم، حتى انفردَ لي أسير، فضربتُه بالسيف، فأندرت عامة، فخذه وساقه وسقط عن بعيره، وبيده مخرش من شوحط، فضربني، فشجّني مأمومة، وملنا على أصحابه، فقتلناهم كلهم غير رجل واحد، أعجزنا شدا، ولم يصب من المسلمين أحد. ثم أقبلنا إلى رسول الله ﷺ ، فحدثناه الحديث، فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين.
٤٧ - سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين:
ثم سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوَّال سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: قدم نفر من عرينة ثمانية على رسول الله ﷺ ، فأسلموا، واستوبأوا "المدينة"، فأمرَ بهم رسولُ الله ﷺ إلى لقاحه، وكانتْ ترعى بـ "ذي الجدر" ناحية "قباء" قريبا من عير على ستة أميال من "المدينة"، فكانوا فيها حتى صحوا، وسمنوا، فغدوا على اللقاح، فاستاقوها، فيدركهم يسار مولى رسول الله ﷺ ، ومعه نفر، فقاتلهم، فقطعوا يده، ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه، حتى مات، وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فبعثَ في أثرهم عشرين فارسا، واستعملَ عليهم كرزَ بنَ جابر الفهري، فأدركوهم، فأحاطوا بهم، وأسروهم، وربطوهم، وأردفوهم على الخيل، حتى قدموا بهم "المدينة".
стр. 114
٤٨ - سرية عمرو بن أمية الضمري:
ثم سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم بن حريس إلى أبي سفيان بن حرب بـ "مكة"، وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش: وألا أحد يغتال محمدا، فإنه يمشي في الأسواق، فأتاه رجل من الأعراب، فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا، وأشدّه بطشا، وأسرعه شدا، فإن أنت قوَّيتني خرجت إليه، حتى أغتاله، ومعي خنجر مثل خافية النسر، فأسوره، ثم آخذ في عير، وأسبق القوم عدوا، فإني هاد بالطريق خريت، قال: أنت صاحبنا، فأعطاه بعيرا ونفقة، وقال اطو أمرك، فخرج ليلا، فسارَ على راحلته خمسا، وصبح ظهر الحرة صبح سادسة، ثم أقبل يسأل عن رسول الله ﷺ ، حتى دل عليه، فعقل راحلته، ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ وهو في مسجد بني عبد الأشهل، فلما رآه رسول الله ﷺ ، قال: إن هذا ليريد غدرا، فذهبَ ليجني على رسول الله ﷺ ، فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره، فإذا الخنجر، فسقط في يديه، وقال دمي دمي، فأخذ أسيد بلبته، فدعته، فقال رسول الله ﷺ : اصدقني ما أنت، قال: وأنا آمن، قال: نعم، فأخبره بأمره، وما جعل له أبو سفيان، فخلى عنه رسول الله ﷺ ، فأسلم، وبعثَ رسولُ الله ﷺ عمرو بن أمية وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب، وقال: إن أصبتما منه غرة، فاقتلاه، فدخلا "مكة"، ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبي سفيان، فعرفه، فأخبر قريشا بمكانه، فخافوه، وطلبوه، وكان فاتكا في الجاهلية، وقالوا: لم يأت عمرو لخير، فحشد له أهل "مكة"، وتجمعوا، وهرب عمرو وسلمة، فلقي عمرو عبيد الله بن مالك بن عبيد اللّه التيمي، فقتله، وقتل آخر من بني الديل، سمعه يتغنى، ويقول:
ولست بمسلم ما دمت حيا … ولست أدين دين المسلمينا
стр. 115
ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسبان الخبر، فقتل أحدهما، وأسر الآخر، فقدم به "المدينة"، فجعل عمرو يخبر رسول الله ﷺ خبره، ورسول الله ﷺ يضحك.
٤٩ - غزوة رسول الله ﷺ الحديبية:
ثم غزوة رسول الله ﷺ "الحديبية" خرج للعمرة في ذي القعدة سنة ست من مهاجره، قالوا: استنفر رسول الله ﷺ أصحابَه إلى العمرة فأسرعوا، وتهيأوا، ودخلَ رسولُ الله ﷺ بيتَه، فاغتسلَ، ولبسَ ثوبين، وركبَ راحلتَه القصواءَ، وخرج، وذلك يومَ الاثنين لهلال ذي القعدة، واستخلفَ على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم، ولم يخرجْ معه بسلاح إلا السيوف في القرب، وساق بدنا، وساق أصحابه أيضا بدنا، فصلى الظهر بـ "ذي الحليفة"، ثم دعا بالبدن التي ساق، فجللت، ثم أشعرها في الشقّ الأيمن، وقلّدها، وأشعر أصحابه أيضا، وهن موجّهات إلى القبلة، وهي سبعون بدنة، فيها جمل أبي جهل، الذي غنمه يوم بدر وأحرم، ولبى، وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فرسا من خيل المسلمين وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج معه من المسلمين ألف وستمائة، ويقال: ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا. وأخرج معه زوجته أم سلمة رضى الله تعالى عنها، وبلغ المشركين خروجُه، فأجمعَ رأيُهم على صدّه عن المسجد الحرام.
٥٠ - غزوة رسول الله ﷺ خيبر:
ثم غزوة رسول الله ﷺ خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من مهاجره، وهي على ثمانية برد من "المدينة"، قالوا: أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالتهيؤ لغزوة خيبر، ويجلب من حوله يغزون معه، فقال: لا يخرجن معنا إلا راغب في الجهاد، وشقَّ ذلك على من بقي بـ "المدينة" من اليهود، فخرج، واستخلف على "المدينة" سباع بن عرفطة
стр. 116
الغفاري، وأخرج معه أم سلمة زوجته، فلما نزل بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ديك، حتى طلعت الشمسُ، وأصبحوا، وأفئدتهم تخفق، وفتحوا حصونهم، وغدوا إلى أعمالهم، معهم المساحي والكرازين والمكاتل، فلما نظروا إلى رسول الله ﷺ قالوا: محمد والخميس، يعنون بالخميس الجيش، فولوا هاربين إلى حصونهم، وجعل رسول الله ﷺ يقول: الله أكبر، خربتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، ووعظ رسول الله ﷺ الناسَ، وفرَّق بينهم الرايات، ولم يكن الرايات إلا يوم خيبر إنما كانت الألوية.
٥١ - سرية عمر بن الخطاب ﵀ إلى تربة:
ثم سرية عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه إلى "تربة" في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطَّاب في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بـ "تربة"، وهي بناحية "العبلاء" على أربع ليال من "مكة" طريق "صنعاء" و"نجران"، فخرج، وخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل، ويكمن النهار، فأتى الخبر هوازن، فهربوا، وجاء عمر بن الخطَّاب محالهم، فلم يلق منهم أحدا، فانصرف راجعا إلى "المدينة".
٥٢ - سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى بني كلاب بنجد:
ثم سرية أبي بكر الصديق إلى بني كلاب بـ "نجد" ناحية "ضرية" في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ ، أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا عكرمة بن عمَّار، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، قال: غزوتُ مع أبي بكر إذ بعثه النبي ﷺ علينا، فسبى ناسا من المشركين، فقتلناهم، فكان شعارنا أمت أمت، قال: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين.
стр. 117
٥٣ - سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك:
ثم سرية بشير بن سعد إلى "فدك" في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ بشيرَ بنَ سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بـ"فدك"، فخرج يلقى رعاء الشاء، فسأل عن الناس، فقيل في بواديهم، فاستاق النعم والشاء، وانحدر إلى "المدينة"، فخرج الصريخ، فأخبرهم، فأدركه الدهم منهم عند الليل، فأتوا يرامونهم بالنبل، حتى فنيت نبل أصحاب بشير، وأصبحوا، فحمل المريون عليهم، فأصابوا أصحاب بشير، وقاتل بشير، حتى ارتُثَّ، وضرب كعبه، فقيل: قد مات، ورجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ﷺ ، ثم قدم من بعده بشير بن سعد.
٥٤ - سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة:
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى "الميفعة" في شهر رمضان سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله إلى بني عوال وبني عبد بن ثعلبة وهم بـ"الميفعة"، وهي وراء "بطن نخل" إلى "النقرة" قليلا بناحية "نجد"، وبينها وبين "المدينة" ثمانية برد، بعثه في مائة وثلاثين رجلا، ودليلهم يسار مولى رسول الله ﷺ ، فهجموا عليهم جميعا، ووقعوا وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء، فحدروه إلى "المدينة"، ولم يأسروا أحدا.
٥٥ - سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار:
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى "يمن" و"جبار" في شوَّال سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من غطفان بـ"الجناب"، قد واعدهم عيينة بن حصن، ليكون معهم، ليزحفوا إلى رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله
стр. 118
صلى الله عليه وسلم بشيرَ بنَ سعد، فعقدَ له لواء، وبعثَ معه ثلاثمَائة رجل، فساروا الليلَ، وكمنوا النهارَ، حتى أتوا إلى "يمن" و"جبار" … فنزلوا بسلاح، ثم دنوا من القوم، فأصابوا لهم نعما كثيرا، وتفرَّق الرعاء، فحذروا الجمع، فتفرَّقوا.
٥٦ - سرية بن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم:
ثم سرية بن أبي العوجاء إلى بني سليم في ذي الحجّة سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ ابنَ أبي العوجاء في خمسين رجلا إلى بني سليم، فخرج إليهم، وتقدمه عين لهم كان معه، فحذرهم، فجمعوا، فأتاهم ابن أبي العوجاء، وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، فتراموا بالنبل ساعة، وجعلت الأمداد تأتي، حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا، حتى قتل عامتهم.
٥٧ - سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد:
ثم سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح بـ"الكديد" في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، … عن جندب بن مكيث الجهني، قال: بعث رسولُ الله ﷺ غالبَ بنَ عبد الله الليثى، ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية، فكتب فيهم، وأمرَهم أن يشنّوا الغارةَ علي بني الملوح بـ "الكديد"، وهم من بني ليث.
٥٨ - سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضا إلى مصاب:
أصحاب بشير بن سعد بـ"فدك"، ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب بشير بن سعد بـ"فدك" في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن الحارث بن
стр. 119
الفُضَيل، عن أبيه، قال: هيأ رسولُ الله ﷺ الزبيرَ بنَ العوام، وقال له: سرْ حتى تنتهى إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد، فإن أظفرك الله بهم، فلا تبق فيهم، وهيأ معهم مائتي رجل، وعقد له لواء، فقدم غالب بن عبد الله الليثى من "الكديد" من سرية، قد ظفره الله عليهم، فقال رسولُ الله ﷺ للزبير: اجلسْ، وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، وخرج أسامة بن زيد فيها، حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير، وخرج معه علبة بن زيد فيها، فأصابوا منهم نعما، وقتلوا منهم قتلَى.
٥٩ - سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي:
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بـ "السي" في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، … عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بـ "السي" ناحية ركبة من وراء "المعدن"، وهي من "المدينة" على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، وكان يسير الليلَ، ويكمن النهار، حتى صبحهم، وهو غارون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، واستاقوا ذلك، حتى قدموا "المدينة".
٦٠ - سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح:
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى "ذات أطلاح"، وهي من وراء "وادى القرى" في شهر ربيع الأول، سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، … عن الزهري، قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا، حتى انتهوا إلى "ذات أطلاح" من أرض "الشام"، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل، فلمَّا رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، قاتلوهم أشدّ القتال، حتى قتلوا.
стр. 120
٦١ - سرية مؤتة:
ثم سرية "مؤتة"، وهي بأدنى "البلقاء"، و"البلقاء" دون "دمشق" في جمادى الأولى سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب إلى ملك "بصرى" بكتاب، فلمَّا نزل "مؤتة" عرض له شرحبيل بن عمرو الغسَّاني، فقتله، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتدَّ ذلك عليه، وندب الناس، فأسرعوا، وعسكروا بـ "الجرف"، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل، فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا، فيجعلوه عليهم، وعقد لهم رسولُ الله ﷺ لواء أبيضَ، ودفعَه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسولُ الله ﷺ أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله، وقاتلوهم، وخرج مشيعا لهم، حتى بلغ "ثنية الوداع"، فوقف، وودعهم، فلمَّا ساروا من معسكرهم نادى المسلمون، دفع الله عنكم، وردكم صالحين غانمين.
٦٢ - سرية الخبط:
أميرها أبو عبيدة بن الجرَّاح، ثم سرية الخبط، أميرها أبو عبيدة بن الجرَّاح، وكانتْ في رجب سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرَّاح في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطَّاب إلى حي من جُهَينة بـ"القبلية" مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين "المدينة" خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط، وابتاع قيس بن سعد جزرا ونحرها لهم، وألقى لهم البحر حوتا عظيما، فأكلوا منه، وانصرفوا، ولم يلقوا كيدا.
стр. 121
٦٣ - سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة:
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى "خضرة"، وهي أرض محارب بـ"نجد" في شعبان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ أبا قتادة، ومعه خمسة عشر رجلا إلى "غطفان"، وأمره أن يشنّ عليهم الغارة، فسار الليلَ، كمن النهارَ، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاطَ بهم، فصرخ رجل منهم يا خضرة، وقاتل منهم رجال، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا النعم.
٦٤ - سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم:
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى "بطن إضم" في أول شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: لما هم رسول الله ﷺ بغزو أهل "مكة" بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية إلى "بطن إضم"، وهي فيما بين "ذي خشب" و"ذي المروة"، وبينها وبين "المدينة" ثلاثة برد، ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجّه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة الليثى، فمرّ عامر بن الأضبط الأشجعى، فسلم بتحية الإسلام، فأمسك عنه القوم، وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله، وسلبه بعيره ومتاعه، ووطب لبن كان معه، فلمَّا، لحقوا بالنبي ﷺ نزل فيهم القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ إلى آخر الآية.
٦٥ - سرية رسول الله ﷺ عام الفتح:
ثم غزوة رسول الله ﷺ عام الفتح في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح "الحديبية" كلمتْ بنو نفاثة، وهم من بني
стр. 122
بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، فوعدوهم، ووافوهم بالوتير متنكرين متنقبين، فيهم صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأخيف، فبيتوا خزاعة ليلا، وهم غارون آمنون، فقتلوا منهم عشرين رجلا، ثم ندمت قريش على ما صنعتْ، وعلموا أن هذا نقض للمدّة والعهد، الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خُزَاعة، فقدموا على رسول الله ﷺ يخبرونه بالذي أصابهم، ويستنصرونه، فقام وهو يجرُّ رداءَه، وهو يقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي، وقال: إن هذا السحاب ليستهلّ بنصر بني كعب، وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله ﷺ "المدينة" يسأله أن يجدّدَ العهدَ، ويزيدَ في المدة، فأبى عليه، فقام أبو سفيان، فقال: إني قد أجرت بين الناس، فقال رسول الله ﷺ : أنت تقول: ذلك يا أبا سفيان، ثم انصرف إلى "مكة"، فتجهَّز رسول الله ﷺ ، وأخفى أمرَه، وأخذَ بالأنقاب، وقال اللّهم خذ أبصارَهم، فلا يروني إلا بغتة، فلما أجمع المسير كتب حاطبُ بن بلتعةَ إلى قريش يخبرهم بذلك، فبعثَ رسولُ الله ﷺ عليَّ بنَ أبي طالب والمقدادَ بنَ عمرو، فأخذا رسولَه وكتابَه، فجاءا به إلى رسول الله ﷺ ، وبعثَ رسول الله ﷺ إلى مَنْ حولَه من العرب، فجلهم أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم، فمنهم من وافاه بـ "المدينة"، ومنهم من لحقه بالطريق، فكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف، واستخلف رسول الله ﷺ على "المدينة" عبدَ الله بنَ أم مكتوم، وخرج يومَ الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر.
стр. 123
٦٦ - سرية خالد بن الوليد إلى العزى:
ثم سرية خالد بن الوليد إلى "العزَّى" لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ حين فتح "مكة" خالدَ بنَ الوليد إلى "العزَّى" ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه، حتى انتهوا إليها، فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرَه.
٦٧ - سرية عمرو بن العاص إلى سواع:
ثم سرية عمرو بن العاص إلى "سواع" في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ النبي ﷺ حينَ فتح "مكة" عمرَو بنَ العاص إلى "سواع" صنم هُذَيل ليهدمَه، قال عمرو: فانتهيتُ إليه، وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ قلتُ: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمَه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل، ويحك، وهل يسمع أو يبصر، قال: فدنوت منه، فكسرته، وأمرت أصحابي، فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قلت للسادن: كيف رأيتَ؟ قال أسلمت لله.
٦٨ - سرية سعد بن زبد الأشهلي إلى مناة:
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ حين فتح "مكة" سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانتْ بـ "المشلَّل" للأوس والخزرج وغسَّيان، فلما كان يوم الفتح بعثَ رسولُ الله ﷺ سعدَ بنَ زيد الأشهلي يهدمها، فخرج في عشرين فارسا، حتى انتهى إليها، وعليها سادن، فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء، ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال السادن:
стр. 124
مناة دونك بعض غضباتك، ويضربها سعد بن زيد الأشهلي، وقتلها، ويقبل إلى الصنم معه أصحابه، فهدموه، ولم يجدوا في خزانتها شيئا، وانصرف راجعا إلى رسول الله ﷺ ، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان.
٦٩ - سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة:
ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا بأسفل "مكة" على ليلة ناحية "يلملم" في شوَّال سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، وهو يوم الغميصاء، قالوا: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزَّى ورسول الله ﷺ مقيم بـ "مكة" بعثه إلى بني جذيمة داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثْه مقاتلا، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين، والأنصار، وبني سليم، فانتهى إليهم خالد، فقال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون، قد صلينا، وصدقنا بمحمد، وبنينا المسَاجِد في ساحاتنا، وأذنا فيها، قال: فما بال السّلاح عليكم، فقالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السَّلاح، قال: فضعوا السَّلاح، قال: فوضعوه، فقال لهم: استأسروا، فاستأسر القوم، فأمر بعضهم، فكتف بعضا، وفرقهم في أصحابه، فلما كان في السحر نادى خالد من كان معه أسير، فليدافه والمدافة الإجهاز عليه بالسيف، فأما بنو سليم، فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار، فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبي ﷺ ما صنع خالد، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وبعث علي بن أبي طالب، فودى لهم قتلاهم، وما ذهب منهم.
٧٠ - غزوة رسول الله ﷺ إلى حنين:
ثم غزوة رسول الله ﷺ إلى "حنين"، وهي غزوة هوازن في شوَّال سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، و"حنين" واد
стр. 125
بينه وبين "مكَّة" ثلاث ليال، قالوا: لما فتح رسول الله ﷺ "مكَّة" مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض، وحشدوا، وبغوا، وجمع أمرهم مالك بن عوف النصري، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، وأمرهم، فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، حتى نزلوا بـ "أوطاس"، وجعلت الأمداد تأتيهم، فأجمعوا المسير إلى رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم رسولُ الله ﷺ من "مكة" يوم السبت لستّ ليال خلونَ من شوَّال في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من أهل "المدينة"، وألفان من أهل "مكة"، فقال أبو بكر: لا نغلبُ اليومَ من قلة.
٧١ - سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين:
ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة الدوسي في شوَّال سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: لما أرادَ رسولُ الله ﷺ السيرَ إلى "الطائف" بعثَ الطفيلَ بنَ عمرو إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسي يهدمُه، وأمره أن يستمدّ قومه، ويوافيه بـ "الطائف"، فخرج سريعا إلى قومه، فهدم ذا الكفين، وجعلَ يحش النار في وجهه، ويحرقه.
٧٢ - غزوة رسول الله ﷺ الطائف:
ثم غزوة رسول الله ﷺ "الطائف" في شوَّال سنة ثمان من مهاجره، قالوا: خرج رسول الله ﷺ من "حنين"، يريدُ "الطائف"، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وقد كانتْ ثقيف رموا حصنَهم، وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنَهم، وأغلقوه عليهم، وتهيأوا للقتال، وسار رسول الله ﷺ ، فنزل قريبا من حصن "الطائف"، وعسكر هناك فرموا المسلمين بالنبل
стр. 126
رميا شديدا، كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، فيهم عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وسعيد بن العاص، ورمي عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ، فاندمل الجرحُ، ثم انتفض به بعد ذلك، فمات منه.
٧٣ - سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم:
ثم سرية عيينة بن الحصن الفَيزَاري إلى بني تميم، وكانوا فيما بين "السقيا" وأرض بني تميم، وذلك في المحرَّم سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ عيينةَ بنَ حصن الفزاري إلى بنى تميم في خمسين فارسا من العرب، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، فكان يسير الليلَ، ويكمنُ النهارَ، فهجم عليهم في صحراء، فدخلوا، وسرحوا مواشيَهم، فلمَّا رأوا الجمعَ ولوا، وأخذ منهم أحد عشر رجلا، ووجدوا في المحلة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا، فجلبهم إلى "المدينة".
٧٤ - سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم:
ثم سرية قطبة بن عامر إلى "خثعم" بناحية "بيشة" قريبا من "تربة" في صفر سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى حي من "خثعم" بناحية "تبالة"، وأمره أن يشنّ الغارةَ عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة، يتعقّبونها، فأخذوا رجلا، فسألوه، فاستعجم عليهم، فجعلَ يصيح بالحاضر، ويحذرهم، فضربوا عنقه، ثم أمهلوا حتى نام الحاضر، فشنّوا عليهم الغارةَ، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثر الجرحَى في الفريقين جميعا، وقتل قطبة بن عامر من قتل، وساقوا النعمَ والشاءَ والنساءَ إلى "المدينة".
стр. 127
٧٥ - سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب:
ثم سرية الضحَّاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في شهر ربيع الأول سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ جيشا إلى "القرطاء"، عليهم الضحَّاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكلابي، ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزُّجّ زُجَّ لاوَه، فدعوهم إلى الإسلام، فأبوا، فقاتلوهم، فهزموهم.
٧٦ - سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة:
ثم سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى "الحبشة" في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن ناسا من الحبشة تراياهم أهل "جدة"، فبعثَ إليهم علقمةَ بن مجزز في ثلاثمائة.
٧٧ - سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس صنم طيء ليهدمه:
ثم سرية علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه إلى "الفلس" صنم طيء، ليهدمه في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ عليَّ بنَ أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض إلى "الفلس" ليهدمه، فشنّوا الغارةَ على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلسَ، وخربوه، وملأوا أيديَهم من السبي والنعم والشاء.
٧٨ - سرية عكَّاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب أرض عذرة وبلي:
ثم سرية عكَّاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب أرض "عذرة وبليّ" في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ .
٧٩ - غزوة رسول الله ﷺ تبوك:
ثم غزوة رسول الله ﷺ "تبوك" في رجب سنة تسع من مهاجره، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن الروم قد جمعتْ جموعا
стр. 128
كثيرة بـ"الشام"، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم، وجذام، وعاملة، وغسَّان، وقدموا مقدماتهم إلى "البلقاء"، فندب رسول الله ﷺ الناسَ إلى الخروج، وأعلمَهم المكانَ الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى "مكة"، وإلى قبائل العرب يستنفرهم، وذلك في حر شديد، وأمرَهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، وقووا في سبيل الله، وجاء البكاؤون، وهم سبعة يستحملونه، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون.
٨٠ - سرية خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان بنجران:
ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان بـ "نجران" في شهر ربيع الأول سنة عشر من مهاجر النبي ﷺ .
٨١ - سرية علي بن أبي طالب ﵀ إلى اليمن:
ثم سرية علي بن أبي طالب إلى "اليمن"، يقال: مرتين: إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ عليا إلى "اليمن"، وعقد له لواء، وعمَّمه بيده، وقال: امض، ولا تلتفتْ، فإذا نزلتْ بساحتهم فلا تقاتلْهم، حتى يقاتلوك، فخرج في ثلاثمائة فارس، وكانتْ أول خيل دخلتْ إلى تلك البلاد، وهي بلاد مذحج، ففرَّق أصحابَه، فأتوا بنهب، وغنائم ونساء، وأطفال، ونعم، وشاء، وغير ذلك.
٨٢ - ذكر عمرة النبي ﷺ :
عن ابن عباس، قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر عمرة "الحديبية"، وهي عمرة الحصر، وعمرة القضاء من قابل، وعمرة "الجعرانة"، والرابعة التي مع حجته.
стр. 129
حجة الوداع:
ثم حجة رسول الله ﷺ بالناس سنة عشر من مهاجره، وهي التي يسمي الناس حجّة الوداع، وكان المسلمون يسمّونها حجّة الإسلام، قالوا: أقام رسول الله ﷺ بـ "المدينة" عشر سنين يضحي كل عام، ولا يحلق، ولا يقصر، ويغزو المغازي، ولا يحج، حتى كان في ذي القعدة سنة عشر من مهاجر رسول الله ﷺ ، فأجمع الخروج إلى الحج، وآذن الناس بذلك، فقدم "المدينة" بشر كثير يأتمون برسول الله ﷺ في حجته، ولم يحج غيرها منذ تُنُبِّئَ إلى أن توفاه الله، وكان ابن عباس يكره أن يقال: حجة الوداع، ويقول: حجّة الإسلام، فخرج رسول الله ﷺ من "المدينة" مغتسلا متدهّنا مترجّلا متجرّدا في ثوبين صحاريين إزار ورداء، وذلك يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين، وأخرج معه نساءَه كلَّهن في الهوادج، وأشعرَ هديَه، وقلَّده، ثم ركب ناقته، فلما استوى عليها بـ "البيداء" أحرم من يومه ذلك، وكان على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، واختلف علينا فيما أهلَّ به، فأهل "المدينة" يقولون: أهلَّ بالحج مفردا، وفي رواية غيرهم أنه قرن مع حجته عمرة، وقال بعضهم: دخل "مكة" متمتّعا بعمرة، ثم أضاف إليها حجّة، وفي كل رواية.
٨٣ - سرية أسامة بن زيد بن حارثة:
ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل "أبنى"، وهي أرض السراة ناحية "البلقاء"، قالوا: لما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله ﷺ أمرَ رسولُ الله ﷺ الناسَ بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد، فقال: سرْ إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولَّيتُك هذا الجيشَ، فأغر صباحا على أهل "أبنى"، وحرق عليهم، وأسرع السيرَ تسبق
стр. 130
الأخبار، فإن ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم، وخذْ معك الأدلاء، وقدم العيون والطلائع أمامك، فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله ﷺ فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال: أغز بسم الله في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، فخرج بلوائه.
انتهى كلام الإمام ابن سعد في "الطبقات الكبرى".
كُتَّابه ﷺ :
قال العلامة الحافظ عبد القادر القرشي الوفائي في كتابه "الجواهر المضية": وكتابه ﷺ ثلاثة وأربعون أثبتُّهم في غير هذا الموضع، منهم الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وزيد، وكان ألزمهم بذلك، وأخصهم.
إن كتَّاب الرسول ﷺ سواء من كان يكتب الوحي فقط أو غيره فقط أو هما معا - كتابه ﵌ بهذا المعنى - كثيرون، ولعلهم كانوا على ما في "السيرة الحلبية" ستة وعشرين كاتبا، وعلى ما في محكي "السيرة" للعراقي اثنين وأربعين.
قال في "الاستيعاب" في ترجمة أبي: وكان من المواظبين على كتابة الرسائل عن النبي ﵌ عبد الله بن الأرقم الزهري، وكان الكاتب لعهوده ﷺ إذا عهد، وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب ﵁.
وممن كتب لرسول الله صلى الله عليه سلم: أبو بكر الصديق - ذكر ذلك عمر بن شبة في كتاب الكتاب، وفيه زيادات على هولاء أيضا - وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، وحنظلة الأسيدي، والعلاء بن الحضرمي، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن أبي بن سلول، والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهيم بن الصلت، ومعيقيب بن أبي
стр. 131
فاطمة، وشرحبيل بن حسنة. قال الواقدى: فلما كان عام الفتحِ وأسلم معاوية كتب أيضا. انتهى ما في "الاستيعاب".
أم محمد ﷺ :
أم محمد ﷺ آمنة، كذا سمعتُه من رسول الله ﷺ في منام رأيته بطريق "مكة" في سنة عشرين وسبعمائة، قال لي ﷺ : أمي أم محمد آمنة بهذا اللفظ.
قلت: وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وتوفي أبوه، وأمه حامل به ﷺ . وقيل: غير ذلك، ولم يبلغ أبوه من العمر إلا خمسا وعشرين، ولم يرزق ولدا ذكرا إلا رسول الله ﷺ .
أعمامه وعماته ﷺ :
وأعمامه ﷺ عشرة: الحارث، وهو أكبرهم، والزبير، والمغيرة، ولقبه جحل بتقديم الجيم على الحاء المهملة، وقيل: بالعكس، ويقال له: العنداق أيضا ضرار، والمقوم، وأبو لهب، واسمه عبد العزَّى، وتميم، وأبو طالب، والحمزة، والعباس، وهو أصغرهم، ولم يسلم منهم سوى حمزة، والعباس، وقيل: الأعمام أحد عشر، فجعلوا العنداق، وجحلا اثنين.
وعماته ﷺ ست بلا خلاف، وهن أميمة، وأم حكيم، وبرة، وعاتكة، وصفية، وأروى. واختلف في إسلامهما، فذكر محمد بن سعد أنهما أسلمتا، وهاجرتا إلى "المدينة"، وقال آخرون: لم يسلم منهن أحد إلا صفية ﵂.
أزواجه ﷺ :
أزواجه ﷺ فوق العشرين، منهم من دخل بهنَّ، ومنهم من لم يدخل بهنَّ، وقد ذكرهنَّ شيخنا قطب الدين في "شرح السيرة" لعبد
стр. 132
الغني، وقال الدمياطي: وأما من لم يدخل بهن ومن وهبت نفسها له، ومن خطبها، ولم يتفق تزويجها فثلاثون امرأة على اختلاف في بعضهن.
وأول من تزوّج رسول الله ﷺ خديجة، ولم يتزوّج أحدا عليها، حتى ماتتْ، ثم تزوّج سودة بنت زمعة، ثم عائشة بنت أبي بكر، ولم يتزوّج بكرا غيرها، ثم حفصة بنت عمر، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية، ثم زينب بنت جحش، ثم زينب بنت خريمة، ثم جويرية بنت الحارث، ثم صفية بنت حيي، ثم ميمونة بنت الحارث، وهي آخر من تزوَّج من أمَّهات المؤمنين، هذا الترتيب ذكره عبد الغني، وفي بعضه اختلاف، فجملة من دخل بهن إحدى عشر، وعقد على سبع، ولم يدخل بهن، مات منهن اثنتان في حياته، خديجة، وزينب بنت خريمة، وتوفي ﷺ عن تسع ﵅، وعن أصحابه أجمعين.
وسراريه أربع: مارية القبطية، وريحانة بنت زيد، وقيل: إنه تزوّجها، وأخرى جميلة، أصابها في السبي، وأخرى، وهبتها له زينب بنت جحش.
موالي رسول الله ﷺ :
وموالي رسول الله ﷺ نحو السبعين، وإماؤه نحو العشرة، وهؤلاء لم يكونوا موجودين في وقت واحد، بل كان كل بعض منهم في وقت.
مؤذنوه ﷺ :
مؤذنوه ﷺ أربعة: بلال، وهو أول من أذن، وابن أم مكتوم، وأبو محذورة، وسعد، كان يؤذن له بـ "قباء".
اليوم الذي ولد فيه ﵇:
اتفق جمهور العلماء على أنه ﷺ ولد بـ "مكة" يوم الاثنين في شهر ربيع الأول من عام الفيل، وذكر الزبير بن بكّار أن مولده
стр. 133
كان في شهر رمضان، والقول الأول هو المشهور، ثم اختلفوا في القدر الذي مضى من شهر ربيع الأول بولادته على أربعة أقوال: فقيل: ليلتان، وقيل: ثمان، وقيل: عشر، وقيل: اثنتا عشر ليلة، وهو الأشهر، وانتقل إلى الله، واختار ما عنده في يوم الاثنين حين اشتدّ الضحى لاثنتي عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: لثمان خلون منه سنة إحدى عشرة، ودفن ليلة الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء.
واختلف في مبلغ سنّه ﷺ على ثلاثة أقوال: ففي حديث أنس ﵁ أنه توفي على رأس الستين، وهو حديث صحيح متفق عليه، وفي حديث ابن عباس ﵄ أنه توفي خمس وستين، زاده مسلم. والقول الثاني هو الأشهر، وهو الصحيح في سني أبي بكر وعمر أيضا رضى الله عنهما.
عدد الأنبياء ﵈:
روى في حديث ضعيف مرفوع أن الأنبياء ﵈ مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم، وآخرهم خاتم النبيين محمد ﷺ ، رواه الآجري، وأبو حاتم البستي عن أبى ذر عن النبي ﷺ ، وفي رواية عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: أنتم عدد المرسلين، وعلى عدد أصحاب طالوت حين جاوزوا النهر، يعنى ثلاثمائة وثلاثة عشر.
معنى أولي العزم من الرسل:
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، قال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس رضى الله عنهما: ذو العزم والصبر، قال مجاهد:
стр. 134
هم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ، وهم أصحاب الشرائع.
وقال أبو العالية: أولو العزم نوح، وهود، وإبراهيم، فأمر الله نبيه ﵇ أن يكون رابعهم. وقال السدّي: أنهم ستة إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، ﷺ وعليهم أجمعين. وقيل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء.
وقال مقاتل: هم ستة: نوح، صبر على أذى قومه مدة، وإبراهيم صبر على النار، وإسماعيل صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد، وذهاب البصر، ويوسف صبر على البير والسجن، وأيوب صبر على الضر.
وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل، ويعقوب، وأيوب، وليس منهم يونس، ولا سليمان، ولا آدم. وقال الشعبي والكلبي ومجاهد أيضا: هم الذين أمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة، وجاهدوا الكفرة، وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط، ﵈. واختاره الحسين بن الفضل بقوله تعالى في عقبه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
وقال ابن عباس ﵄: وأيضا كل الرسل كانوا أولوا العزم، واختاره علي بن مهدي الطبري، قال: وإنما دخلت من للتجنيس لا للتبعيض، كما تقول: اشتريت أردية من البز، وأكسية من الخز، أي اصبرْ كما صبر الرسل.
وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيا، أرسلوا إلى بني إسرائيل بـ "الشام"، فعصوهم، فأوحى الله تعالى إلى الأنبياء: أني مرسل عذابي على
стр. 135
عصاة بني إسرائيل، فشقّ ذلك على المرسلين، فأوحى الله إليهم اختاروا لأنفسكم إن شئتم أنزلت بكم العذاب، وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم نجيتم، وأنزلت العذاب علي بني إسرائيل، فتشاوروا بينهم، فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب، وينجي الله بني إسرائيل، فأنجى الله بني إسرائيل، وأنزل بأولئك العذاب، وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نشر بالمناشير، ومنهم من سلخ جلد رأسه، ومنهم من حرق بالنار. والله أعلم.
قال الحسن: أولو العزم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى، فأما إبراهيم فقيل له: أسلمْ، قال: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم ابتلي في ماله، وولده، ووطنه، ونفسه، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلى به.
وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وأما داود، فأخطأ خطيئة، فنبّه عليها، فأقام يبكي أربعين سنة، حتى نبت من دموعه شجرة، فقعد تحت ظلّها، وأما عيسى فعزمه أنه لم يضعْ لبنة على لبنة، وقال أنها معبرة، فاعبروها، ولا تعمروها، وكان الله تعالى يقول لرسوله ﷺ : اصبرْ إن كنتَ صادقا فيما ابتليتَ به مثل صدق إبراهيم، واثقا بنصرة مولاك كمثل ثقة موسى مهتما كا سلف من هفواتك مثل اهتمام داود زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى، ثم قيل: هي منسوخة بآية السيف، وقيل: هي محكمة، وإلا ظهر أنها منسوخة، لأن السورة مكية.
وذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ يوم أحد، فأمر الله تعالى رسوله أن يصبر على ما أصابه، كما صبرَ أولو العزم من الرسل، تسهيلا عليه، وتثبيتا له. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ القرشي في الجواهر المضية.
стр. 136
صفته ﷺ :
قال الإمام تقي الدين التميمي في "طبقاته السنية": كان ربعة، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون، مُشربًا حمرة، يبلغ شعره شحمة أذُنيه.
قالتْ عائشة رضي الله تعالى عنها: كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ ، وكان له شعر فوق الجمَّة ودون الوفرة. رواه أبو داود (١)، والترمذي (٢).
وقالتْ أم هانئ، رضي الله تعالى عنها: قدم رسول الله ﷺ "مكة"، وله أربع غدائر. روياه أيضًا (٣).
كان سبط الشعر، في لحيته كثاثة، ومات ولم يبلغ الشيب رأسه ولحيته عشرين شعرة، ظاهر الوضاءة، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر.
وروى عن عائشة رضى الله تعالى عنها، أنها وصفته، فقالت: كان والله كما قال شاعره حسان بن ثابت الأنصاري (٤):
مَتى يَبْدُ في الدّاجي الْبَهيمِ جَبِينُه … يَلُحْ مثلَ مِصْباحِ الدُّجَى المتوقِّدِ (٥)
فمَن كان أوْ مَن قد يَكونُ كأحمدٍ … نِظامٌ لحقٍّ أوْ نَكَالٌ لِمُعْتَدِي (٦)
وروي عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه إذا رأى النبي ﷺ يقول:
أمينٌ مُصطفىً بالخَيْرِ يَدعو … كضَوْء البَدْرِ زايَلهُ الظلَام
стр. 137
وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال كان عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه إذا رآه ينشد قولَ زهير في هرم بن سنان (١):
لو كنت من شيء سوى بشرٍ … كُنت المضي لليلةِ البدرِ
أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، أقنى العرنين، سهل الخدين، أزج الحاجبين، أقرن، أدعج العين، في بياض عينيه عروق حمر رقاق، حسن الخلق، معتدله، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، دقيق المسربة، كأن عنقه إبريق فضة، من لبته إلى سُرته شعر مُجرى كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، ششن الكف والقدم، ضليع الفم، أشنب، مُفلج الأسنان، بادنًا مُتماسكًا، سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، أشعر الذراعين والمنكبين، عريض الصدر، طويل الزند، رحب الراحة، سائل الأطراف، سبط القضيب، خمصان، بين كتفيه خاتم النبوَّة.
قال جابر بن سمرة: مثل بيضة الحمام يشبه جسده.
إذا مشى كأنما ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت جميعًا، كان عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر.
وقال (٢) عند أم سليم، فعرق، فجاءتْ بقارورة، فجعلت تسكب العرق فيها، فاستيقظ النبي ﷺ ؛ فقال: يا "أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ ".
قالتْ: هذا عرقك، نجعله في طيبنا، وهو أطيب الطيب.
وفي وصف أم معبد له: وفي صوته صَهَل، وفي عنقه سطع، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البها، أحمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق.
стр. 138
وفي وصف هند بن أبي هالة (١): خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام.
وفي وصف عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أجود الناس كفًا، وأرحب الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبَّه، يقول ناعيته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﷺ .
شرح الغريب مما في صفته ﷺ :
الوضاءة: الحُسن والجمال.
والأزهر: الأبيض.
والأمهق: الشديد البياض، ليس بنيرٍ ولا تخالطه حُمرة.
والآدم من الناس: الأسمر.
والقنا: أحْدِيدابٌ في الأنف.
والزجج: دقة في الحاجبين وطول.
والدعج: شدة سواد العينين.
والمشذب: الطويل.
والمسربة، بضم الراء: الشعر الذي يأخذ من الصدر إلى السرة، وهو مستدق.
واللبة: المنحر.
والشثن، بتحريك الثاء: مصدر شثنت كفه، إذا خشنت وغلظت.
وضليع الفم، قال أبو عبيد: أراد أنه كان واسع الفم.
قال القتيبي: ضليع الفم: عظيمه.
والشنب: حدة الأسنان.
стр. 139
والبادن السمين.
والمتماسك: المستمسك اللحم.
والكراديس: جمع كُردوس، وهو كل عظيمين التقيا في مفضل.
وسواء البطن والصدر، يريد أن بطنه غير مُستفيض، فهو مُساوٍ لصدره.
أنور المتجرد، يعنى شديد بياض ما جرّد عنه الثوب.
رحب الراحة: واسع الكف.
والخمصان، الخمص: ما ارتفع عن الأرض من باطن القدم.
الصهل، والصحل في رواية: شِبه البحة، وهو غلظ في الصوت، لأنه مأخوذ من صهيل الفرس.
والسطع: طول العنق.
اصطفاؤه، وفضله على سائر الحلق:
روى البخاري، عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ ، قال: "بعثت من خير قرون بني آدم، قرنًا فقرنا، حتى كنت من خير قرن، كنت منه".
وروى مسلم، والترمذي، عن واثلة بن الأسقع، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ ، يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كِنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
وروى الترمذي، عن ابن عباس، رضى الله تعالى عنهما، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون، وهم ينتظرون خروجه.
قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبا، إن الله ﵎ اتخذ من خلقه خليلا، اتخذ إبراهيم خليلًا.
стр. 140
وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلَّمه تكليميا.
وقال آخر: ماذا بأعجب من جعله عيسى كلمة الله وروحه.
وقال آخر: ماذا بأعجب من آدم، اصطفاه الله عليهم - زاد رزين -: وخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته - ثم اتفقا -.
فسلم رسول الله ﷺ ، على أصحابه، وقال: "قد سمعتُ كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وأن موسى نجي الله، وهو كذلك، وأن عيسى روح الله كلمته، وأن آدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله، ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله، ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مُشفع يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أول من يحرّك حلق الجنة، فيفتح الله لي، فيدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر".
أخلاقه ﷺ :
سُئلتْ عائشة رضي الله تعالى عنها، عَنهُ، فقالتْ: كان خُلُقُه القرآن؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تُنهك حُرمات الله، فيغضب الله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد.
وكان أشجع الناس، وأسخاهم، وأجودهم، ما سئل، فقال: لا، ولا يبت في بيته دينار ولا درهم، فإن فضل، ولم يجد من يأخذه، وفجأه الليل، لم يرجع إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت أهله عامًا فقط، من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ثم يؤثر من قوت أهله، حتى ربما احتاج قبل انقضاء العام.
وكان من أحلم الناس، وأشدّ حياء من العذراء في خدرها، خافض الطرف، نظرهُ الملاحظة.
стр. 141
وكان أكثر الناس تواضعًا، يجيب من دعاه من غنى أو فقير، أو حر أو عبد.
وكان أرحم الناس، يصغي الإناء للهرة، وما يرفعه حتى تَرْوَى، رحمة لها.
وكان أعفّ الناس، وأشدّهم إكرامًا لأصحابه، لا يمدّ رجليه بينهم، ويوسع عليهم إذا ضاق المكان، ولم تكن ركبتاه تتقدم ركبة جليسه، له رفقاء يحفون به، وإن قال أنصتوا له، وإن أمر تبادروا لأمره، ويتحمل لأصحابه، ويتفقدهم، ويسأل عنهم، فمن مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع فيه، وأتبعه الدعاء له، ومن تخوّف أن يكون وجد في نفسه شيئًا، انطلق إليه حتى يأتيه في منزله، ويخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل ضيافتهم، ويتألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يجفو عليه، ويقبل معذرة المعتذر إليه، والضعيف والقوي عنده في الحق سواء، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه، ويقول: "خلوا ظهري للملائكة". ولا يدع أحد يمشي معه وهو راكب، حتى يحمله، فإن أبى قال: تقدمني إلى المكان الفلاني. ويخدم من خدمه، وله عبيد وإماء، ولا يرتفع عنهم في مأكل ولا ملبس.
قال أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه: خدمته نحوا من عشر سنين، فوالله ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له، وما قال لي: أفّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلتَ كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا.
وكان رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله، عليَّ ذبحها.
وقال آخر: عليَّ سلخها.
وقال آخر: عليَّ طبخها.
стр. 142
فقال رسول الله ﷺ : "وعَلَيَّ جمع الحطبِ".
فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك.
فقال: "قد علمت أنكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميز عليكم؛ فإن الله يكره من عبده أن يراه مُتميزًا بين أصحابه، وقام، فجمع الحطب.
وكان في سفر، فنزل إلى الصلاة، ثم كرَّ راجعًا.
فقيل: يا رسول الله، أين تريد؟ فقال: "أعقل ناقتي".
فقالوا: نحن نعقلها.
قال: "لا يستعن أحدكم بالناس، ولو في قضمة من سواك".
وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطى كل أحد من جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم ﷺ حتى يقوم الذي جلس إليه، إلا أن يستعجله أمر، فيستأذنه، ولا يقابل أحدًا بما يكره، ولا يجزي السيئة بمثلها، بل يعفو، ويصفح.
وكان يعود المرضى، ويحبّ المسكين، ويجالسُهم، ويشهدُ جنائزهم، ولا يحقرُ فقيرًا لفقره، ولا يهابُ ملكًا لملكه.
يُعظم النعمة وإن قلت، ولا يذمّ منها شيئًا، ما عاب طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله، وإلا تركه.
وكان يحفظ جارَه، ويكرم ضيفَه.
وكان أكثر الناس تبسّمًا، وأحسنهم بشرًا، ولا يمضى له وقت في غير عمل لله، أو في ما لا بد منه، وما خيّر بين أمرين، إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه.
يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويركب الفرس والبغل والحمار، ويردف خلفه عبده، أو غيره، ويمسح وجه فرسه بطرف كمّه، أو بطرف ردائه.
стр. 143
وكان يحبّ الفأل، ويكره الطيرة، وإذا جاءه ما يحبّ قال: "الحمد لله رب العالمين"، وإذا جاءه ما يكره، قال: "الحمد لله على كل حال".
وإذا رفع الطعام من بين يديه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وأوانا، وجعلنا مُسلمين".
وأكثر جلوسه مستقبل القبلة.
ويكثر الذكر، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة.
ويستغفر في المجلس الواحد مائة مرة.
وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
وكان يقوم حتى ترم قدماه.
وكان يصوم الاثنين، والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وعاشوراء.
وقلما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه شعبان.
وفي "الصحيحين"، من رواية أنس رضى الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم.
وكان ﵊ تنام عيناه، ولا ينام قلبه، انتظارًا للوحي.
وإذا نام نفخ، ولا يغط.
وإذا رأى في منامه ما يكره قال: "هو الله لا شريك له".
وإذا أخذ مضجعه قال: "ربِ قني عذابك يوم تبعث عبادك".
وإذا استيقظَ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".
وكان لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، ويكافئ عليها، ولا يتأنق في مأكل، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع، وأتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، فلم يقبلها، واختارَ الآخرة، وأكل الخبز بالخل، وقال: "نعم الإدام الخل"، وأكل لحم الدجاج، ولحم الحُبارى، وكان يأكل ما وجد، ولا يردّ ما حضر، ولا يتكلّف ما لم يحضر، ولا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرًا دون خبز أكله، وإن وجد حُلوًا أو عسلًا أكله.
стр. 144
وكأن أحبّ الشراب إليه الحلو البارد.
وقال لأبي الهيثم بن التَّيْهان: "كأنك علمت حُبَّنا للَّحْم". وكان لا يأكل متكئًا، ولا على خوان، لم يشبع من خبز برُ ثلاثًا تباعًا، حتى لقى الله إيثارًا على نفسه، لا فقرًا ولا بخلًا، ويجيب الوليمة، ويجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب، وكان يحبّ الدبَّاء، والذراع من الشا، وقال: "كلوا الزيت، وادهنوا به، فأنه من شجرة مباركة"، وكان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعقهن، منديله باطن قدميه، وأكل خبز الشعير بالتمر، والبطيخ بالرطب، والقثاء بالرطب، والتمر بالزبد، وكان يحبّ الحلواء والعسل.
ويشرب قاعدًا، وربما شرب قائمًا، ويتنفَّس ثلاثًا مبينًا للإناء، ويبدأ بمَنْ عن يمينه إذا سقاه، وشرب لبنًا، وقال: "من أطعمه الله طعامًا، فليقل: اللهم بارك فيه، وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا وزدنا منه".
وقال: "ليس شيء يُجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن".
قال ابن حزم: وشرب النبيذ الحلو.
قال الصلاح الصفدي: تفسيره الماء الذي ينبذُ فيه التمرات اليسيرة ليحلو.
وكان يلبس الصوف، وينتعل المخصوف، ولا يتأّنق في ملبس، وأحبّ اللباس إليه الحِبرة من "اليمن"، فيها حمرة وبياض، وأحبّ الثياب إليه القميص، ويقول إذا لبس ثوبًا استجده: "اللهم لك الحمد كما ألبستنيه، أسألك خيره، وخير ما صنع، وأعوذ بك من شرّه، وشرّ ما صُنع"، وتعجبه الثياب الخضر، وربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفه بين كتفيه.
ويلبس يوم الجمعة برده الأحمر، ويعتم.
стр. 145
ويلبس خاتمًا من فضة، نقشه "محمد رسول الله" في خنصره الأيمن، وربما جعله في الأيسر.
ويحبّ الطيب، ويكره الرائحة الكريهة.
ويقول: "إن الله جعل لذّتي في النساء والطيب، وجعل قرّة عيني في الصلاة".
وكان يتطيّب بالغالية والمسك، أو المسك وحده، ويتبخّر بالعود والكافور، ويكتحل بالإثمد، وربما اكتحل وهو صائم، ويُكثر دهن رأسه ولحيته، ويدهن غبا، ويكتحل وترًا.
ويحبّ التيمّن في ترجّله، وفي ظهوره، وفي شأنه كله.
وينظر في المرآة، ولا تفارقه قارورة الدهن في سفره، والمكحلة، والمرآة، والمشط، والمقراض، والسواك، والإبرة، والخيط.
ويستاك في الليلة ثلاثة مرات، وقبل النوم، وبعده، وعند القيام لِورده، وعند الخروج لصلاة الصبح، وكان يحتجم.
وكان يمزح ولا يقول: إلا حقًا، وجاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، احملنى على جمل.
فقال: "أحملك على ولد الناقة".
قالت: لا يطيقني.
فقال لها الناس: وهل الجمل إلا ولد الناقة! وجاءتْه امرأةٌ، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي مريض، وهو يدعوك.
فقال: "لعل زوجك الذي في عينيه بياض".
فرجعتْ، وفتحتْ عين زوجها، فقال: ما لك؟
قالت: أخبرني رسول الله ﷺ أن في عينيك بياضًا.
فقال: وهل أحد إلا في عينيه بياض.