Полный текст (8 975 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وكان أكثر الناس تواضعًا، يجيب من دعاه من غنى أو فقير، أو حر أو عبد.
وكان أرحم الناس، يصغي الإناء للهرة، وما يرفعه حتى تَرْوَى، رحمة لها.
وكان أعفّ الناس، وأشدّهم إكرامًا لأصحابه، لا يمدّ رجليه بينهم، ويوسع عليهم إذا ضاق المكان، ولم تكن ركبتاه تتقدم ركبة جليسه، له رفقاء يحفون به، وإن قال أنصتوا له، وإن أمر تبادروا لأمره، ويتحمل لأصحابه، ويتفقدهم، ويسأل عنهم، فمن مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع فيه، وأتبعه الدعاء له، ومن تخوّف أن يكون وجد في نفسه شيئًا، انطلق إليه حتى يأتيه في منزله، ويخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل ضيافتهم، ويتألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يجفو عليه، ويقبل معذرة المعتذر إليه، والضعيف والقوي عنده في الحق سواء، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه، ويقول: "خلوا ظهري للملائكة". ولا يدع أحد يمشي معه وهو راكب، حتى يحمله، فإن أبى قال: تقدمني إلى المكان الفلاني. ويخدم من خدمه، وله عبيد وإماء، ولا يرتفع عنهم في مأكل ولا ملبس.
قال أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه: خدمته نحوا من عشر سنين، فوالله ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له، وما قال لي: أفّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلتَ كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا.
وكان رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله، عليَّ ذبحها.
وقال آخر: عليَّ سلخها.
وقال آخر: عليَّ طبخها.
стр. 142
فقال رسول الله ﷺ : "وعَلَيَّ جمع الحطبِ".
فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك.
فقال: "قد علمت أنكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميز عليكم؛ فإن الله يكره من عبده أن يراه مُتميزًا بين أصحابه، وقام، فجمع الحطب.
وكان في سفر، فنزل إلى الصلاة، ثم كرَّ راجعًا.
فقيل: يا رسول الله، أين تريد؟ فقال: "أعقل ناقتي".
فقالوا: نحن نعقلها.
قال: "لا يستعن أحدكم بالناس، ولو في قضمة من سواك".
وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطى كل أحد من جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم ﷺ حتى يقوم الذي جلس إليه، إلا أن يستعجله أمر، فيستأذنه، ولا يقابل أحدًا بما يكره، ولا يجزي السيئة بمثلها، بل يعفو، ويصفح.
وكان يعود المرضى، ويحبّ المسكين، ويجالسُهم، ويشهدُ جنائزهم، ولا يحقرُ فقيرًا لفقره، ولا يهابُ ملكًا لملكه.
يُعظم النعمة وإن قلت، ولا يذمّ منها شيئًا، ما عاب طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله، وإلا تركه.
وكان يحفظ جارَه، ويكرم ضيفَه.
وكان أكثر الناس تبسّمًا، وأحسنهم بشرًا، ولا يمضى له وقت في غير عمل لله، أو في ما لا بد منه، وما خيّر بين أمرين، إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه.
يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويركب الفرس والبغل والحمار، ويردف خلفه عبده، أو غيره، ويمسح وجه فرسه بطرف كمّه، أو بطرف ردائه.
стр. 143
وكان يحبّ الفأل، ويكره الطيرة، وإذا جاءه ما يحبّ قال: "الحمد لله رب العالمين"، وإذا جاءه ما يكره، قال: "الحمد لله على كل حال".
وإذا رفع الطعام من بين يديه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وأوانا، وجعلنا مُسلمين".
وأكثر جلوسه مستقبل القبلة.
ويكثر الذكر، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة.
ويستغفر في المجلس الواحد مائة مرة.
وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
وكان يقوم حتى ترم قدماه.
وكان يصوم الاثنين، والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وعاشوراء.
وقلما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه شعبان.
وفي "الصحيحين"، من رواية أنس رضى الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم.
وكان ﵊ تنام عيناه، ولا ينام قلبه، انتظارًا للوحي.
وإذا نام نفخ، ولا يغط.
وإذا رأى في منامه ما يكره قال: "هو الله لا شريك له".
وإذا أخذ مضجعه قال: "ربِ قني عذابك يوم تبعث عبادك".
وإذا استيقظَ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".
وكان لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، ويكافئ عليها، ولا يتأنق في مأكل، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع، وأتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، فلم يقبلها، واختارَ الآخرة، وأكل الخبز بالخل، وقال: "نعم الإدام الخل"، وأكل لحم الدجاج، ولحم الحُبارى، وكان يأكل ما وجد، ولا يردّ ما حضر، ولا يتكلّف ما لم يحضر، ولا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرًا دون خبز أكله، وإن وجد حُلوًا أو عسلًا أكله.
стр. 144
وكأن أحبّ الشراب إليه الحلو البارد.
وقال لأبي الهيثم بن التَّيْهان: "كأنك علمت حُبَّنا للَّحْم". وكان لا يأكل متكئًا، ولا على خوان، لم يشبع من خبز برُ ثلاثًا تباعًا، حتى لقى الله إيثارًا على نفسه، لا فقرًا ولا بخلًا، ويجيب الوليمة، ويجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب، وكان يحبّ الدبَّاء، والذراع من الشا، وقال: "كلوا الزيت، وادهنوا به، فأنه من شجرة مباركة"، وكان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعقهن، منديله باطن قدميه، وأكل خبز الشعير بالتمر، والبطيخ بالرطب، والقثاء بالرطب، والتمر بالزبد، وكان يحبّ الحلواء والعسل.
ويشرب قاعدًا، وربما شرب قائمًا، ويتنفَّس ثلاثًا مبينًا للإناء، ويبدأ بمَنْ عن يمينه إذا سقاه، وشرب لبنًا، وقال: "من أطعمه الله طعامًا، فليقل: اللهم بارك فيه، وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا وزدنا منه".
وقال: "ليس شيء يُجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن".
قال ابن حزم: وشرب النبيذ الحلو.
قال الصلاح الصفدي: تفسيره الماء الذي ينبذُ فيه التمرات اليسيرة ليحلو.
وكان يلبس الصوف، وينتعل المخصوف، ولا يتأّنق في ملبس، وأحبّ اللباس إليه الحِبرة من "اليمن"، فيها حمرة وبياض، وأحبّ الثياب إليه القميص، ويقول إذا لبس ثوبًا استجده: "اللهم لك الحمد كما ألبستنيه، أسألك خيره، وخير ما صنع، وأعوذ بك من شرّه، وشرّ ما صُنع"، وتعجبه الثياب الخضر، وربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفه بين كتفيه.
ويلبس يوم الجمعة برده الأحمر، ويعتم.
стр. 145
ويلبس خاتمًا من فضة، نقشه "محمد رسول الله" في خنصره الأيمن، وربما جعله في الأيسر.
ويحبّ الطيب، ويكره الرائحة الكريهة.
ويقول: "إن الله جعل لذّتي في النساء والطيب، وجعل قرّة عيني في الصلاة".
وكان يتطيّب بالغالية والمسك، أو المسك وحده، ويتبخّر بالعود والكافور، ويكتحل بالإثمد، وربما اكتحل وهو صائم، ويُكثر دهن رأسه ولحيته، ويدهن غبا، ويكتحل وترًا.
ويحبّ التيمّن في ترجّله، وفي ظهوره، وفي شأنه كله.
وينظر في المرآة، ولا تفارقه قارورة الدهن في سفره، والمكحلة، والمرآة، والمشط، والمقراض، والسواك، والإبرة، والخيط.
ويستاك في الليلة ثلاثة مرات، وقبل النوم، وبعده، وعند القيام لِورده، وعند الخروج لصلاة الصبح، وكان يحتجم.
وكان يمزح ولا يقول: إلا حقًا، وجاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، احملنى على جمل.
فقال: "أحملك على ولد الناقة".
قالت: لا يطيقني.
فقال لها الناس: وهل الجمل إلا ولد الناقة! وجاءتْه امرأةٌ، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي مريض، وهو يدعوك.
فقال: "لعل زوجك الذي في عينيه بياض".
فرجعتْ، وفتحتْ عين زوجها، فقال: ما لك؟
قالت: أخبرني رسول الله ﷺ أن في عينيك بياضًا.
فقال: وهل أحد إلا في عينيه بياض.
стр. 146
وقالتْ أخرى: يا رسول الله، ادْع الله لي أن يُدخلني الجنة.
فقال: "يا أمَّ فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز".
فولت المرأة، وهي تبكي، فقال ﷺ : "أخبروها أنها لا تدخل الجنة وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾.
قد جمع الله له كمال الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وحسبك ما أثنى عليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
وآتاه الله علم الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز، وهو أمّي، لا يكتب، ولا يقرأ، ولا معلم له من البشر، ونشأ في بلاد الجهل والصحارى، وآتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على الأولين والآخرين، ﷺ .
الفصل الرابع في معجزاته وآياته ﷺ :
وههنا أذكر عدة من معجزاته وآياته ﷺ .
منها: القرآن العظيم: وهو أكبرها، الذي دعا به بلغاء قريش، وهم ما هم قالة البلاغة، ولسن الفصاحة، ولهم من ذلك قمراها والنجوم الطوالع، ودعا غيرهم، مُذ بعثه الله قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، إلى يومنا هذا، وإلى يوم البعث والنشور.
стр. 147
قال الجلال السيوطي في "خصائصه" في باب إعجاز القرآن: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾.
وأخرج البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا.
قال العلماء: معناه أن معجزات الأنبياء انقضرت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شئ مما أخبر أنه سيكون يدل على صحة دعواه، وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية، تشاهد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذين يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق، يشاهده كل ممن جاء بعد.
وانشقاق القمر: روى مُسلم والترمذي، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل.
فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اشهدْ".
стр. 148
وروى الترمذي، عن جبير بن مطعم، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فصار فرقتين. فقالت قريش: سحر محمد أعيننا.
فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم - وزاد رزين -: فكانوا يتلقون الركبان، فيخبرونهم بأنهم قد رأوه، فيكذبوهم.
وما أحقّه ﷺ بقول أبي الطيب:
مَتى مَا يُشِرْ نحْوَ السَّمَاء بَطرفِه … يَخِرُّ لهُ الشَّعْرى وَينْكَسِفُ البَدْرُ
وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وأقبل حتى قام على رءوسهم، فقبض قبضة من تراب، وقال: "شاهت الوجوه"، وحصبَهم، فما أصابَ رَجُلًا منهم من ذلك الحصباء شيءٌ إلا قُتل يوم بدر.
وَرَمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى.
ونسج العنكبوت في الغار.
وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بُعث خلفه في الهجرة، فساختْ قوائمُ فرسه، في الأرض الجلد.
ومسح على ظهر عَناق لم يَنز عليها الفحل، فدرَّتْ.
وشاة أم مَعبد.
ودعوته لعمر بن الخطَّاب رضى الله تعالى عنه أن يعزّ الله به الإسلام.
ودعوته لعليٍّ رضى الله تعالى عنه أن يذهب عنه الحرّ والبرد.
وتفله في عينيه، وهو أرمد، فعوفي من ساعته، ولم يرمد بعد ذلك.
ورده عين قتادة، بعد أن سالتْ على خدّه، فكانتْ أحسن عينيه وأحدّهما.
ودعاؤه لعبد الله بن عبَّاس، رضى الله عنهما، بالتأويل والفقه في الدين، وكان يُسمّى الحبر والبحر لعلمه.
стр. 149
ودُعاؤه لجمل جابر، فصار سابقًا بعد أن كان مسبوقًا.
ودعاؤه لأنس بن مالك، رضى الله تعالى عنه، بطول العمر، وكثرة المال والولد، فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولدًا ذكرًا لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين.
ودُعاؤُه في تمر جابر بالبركة، فأوفى غُرماءه، وفضل ثلاثة عشر وسقًا.
واستسقاؤه ﵊، فمطروا أسبوعًا، ثم استصحاؤه، فانجابت السماء.
وإذا النوائبُ أظلمتْ أحداثُها … لَبِستْ بوَجْهك أَحْسَنَ الأشرَاقِ
ودعاؤه على عتبة بن أبي لهب، فأكله الأسد بـ "الزرقاء" من "الشام".
وشهادة الشجرة له بالرسالة، في خبر الأعرابي، الذي دعاه إلى الإسلام؛ فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ فقال: "نعم، هذه الشجرة"، ثم دَعاها، فأقبلت، فاستشهدها، فشهدتْ له أنه كما قال، ثلاثًا، ثم رجعتْ إلى منبتها.
وأمره شجرتين، فاجتمعتا، ثم افترقتا.
وأمره أنسًا أن ينطلق إلى نحلات، فيقول لهن: أمركن رسول الله ﷺ أن تجتمعن، فاجتمعن، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أماكنهن، فعدن.
ونام، فجاءتْ شجرة تشقّ الأرض حتى قامتْ عليه، فلما استيقظَ ذكرت له، فقال: "هي شجرة استأذنت ربها أن تسلم عليَّ، فأذن لها".
وسلام الحجر والشجر عليه ليالي بعث: السَّلام عليك يا رسول الله.
وقوله: "إني لأعرف حجرًا بـ "مكة" كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث".
وحنين الجذع إليه.
وتسبيح الحصا في كفّه، وكذلك الطعام.
стр. 150
وإعلامه الشاة بسمّها.
وشكوى البعير إليه كثرة العمل، وقلة العلف.
وسؤال الظبية له أن يُخلصها من الحبل؛ لترضع ولديها، وتعود، فخلصها، فتلفظت بالشهادتين.
وإخباره عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه.
وإخباره أن طائفة من أمته يغزون في البحر، وأن أمّ حرام بنت ملحان منهم، فكذلك.
وقوله لعثمان رضي الله تعالى عنه تصيبه بلوى شديدة، فكانتْ، وقتل.
وقوله في الحسن: "إن ابني هذا سيد، وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
وإخباره بقتل العنسي الكذَّاب، وهو بـ "صنعاء"، ليلة قتله.
وقوله لثابت بن قيس: "تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا"، فقتل يوم "اليمامة".
ولما ارتدّ رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين، بلغه أنه مات، فقال: "إن الأرض لا تقبله"، فكان كذلك.
وقوله لرجل يأكل بشماله: "كل بيمينك" فقال: لا أستطيع، فقال له: "لا استطعت" فلم يُطق أن يرفعها إلى فيه بعد.
ودخوله "مكة" عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلّقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها به، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، وهي تتساقط.
وقصة مازن بن الغضوبة الطائي، وسواد بن قارب، وأمثالهما.
وشهادة الضبّ بنبوته.
وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق، فشبعوا، والطعام أكثر مما كان، وأطعمهم من تمر يسير، وجمع فضل الأزواد على النطع، ودعا لها بالبركة، ثم قسمها في العسكر، فقامتْ بهم.
стр. 151
وأتاه أبو هريرة رضى الله تعالى عنه بتمرات قد صفهن في يده، وقالت: ادع لي فيهن بالبركة، فدعا له.
فقال أبو هريرة: فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله، وكنا نأكل منه، ونطعم، حتى انقطع في زمن عُثمان رضى اللّه تعالى عنه.
ودعاؤه أهل الصفّة لقصعة ثريد، قال أبو هريرة: فجعلت أتطاول ليدعوني، حتى قام القوم، وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها، فجمعه رسول الله ﷺ ، فصنع لقمة، ووضعها على أصابعه، وقال: "كل بسم الله"، فوالله الذي نفسى بيده ما زلتُ آكل منها حتى شبعت. وأمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن يزوّد أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير، فزوّدهم كلّهم منه، وبقي تحسبه كما كان.
ونبع الماء بين أصابعه حتى شرب منه القوم، وتوضأوا، وهم ألف وأربعمائة.
وأتى بقدح فيه ماء، فوضع أصابعه في القدح، فلم يسع، فوضع أربعة منها، وقال: "هلمّوا"، فتوضأوا أجمعين، وهم من السبعين إلى الثمانين.
وورد في غزوة "تبوك" على ماء لا يروي أحدًا، والقوم عطاش، فشكوا إليه، فأخذ سهمًا من كنانته، فغرسه فيها، ففار الماء، وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفًا.
وشكا إليه قوم ملوحة في مائهم، فجاء في نفر من أصحابه، حتى وقف على بئرهم، فتفل فيها، فتفجر بالماء العذب المعين.
وأتتْه امرأة بصبي أقرع، فمسح على رأسه، فاستوى شعره، وذهب داؤه، فسمع أهل "اليمامة" بذلك؛ فأتتْ امرأة إلى مسيلمة بصبي، فمسح رأسه، فتصلع، وبقي الصلع في نسله.
وانكسر سيف عكَّاشة يوم بدر، فأعطاه جذلًا من حطب، فصار في يده سيفًا، ولم يزل بعد ذلك عنه.
стр. 152
وعزت كدية بالخندق عن أن يأخذها المعول، فضربها فصارتْ كثيبًا أهيل.
ومسح على رجل أبي رافع، وقد انكسرت، فكأنه لم يشكها قط.
وقوله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها".
قال الصلاح الصفدي: وصدق الله قوله، بأن ملك أمته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال.
وأخبر عن الشيماء بنت بقيلة الأزدية، أنها رفعتْ له في خمار أسود على بغلة شهباء، فأخذتْ في زمن أبي بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، في جيش خالد بن الوليد، بهذه الصفة.
وقال لرجل ممن يدعي الإسلام، وهو معه في القتال: "إنه من أهل النار"، فصدق الله قوله، بأن ذلك الرجل نحر نفسَه، وهذا لا يعرف البتةَ بشئ من النجوم، ولا بخط ولا بزجر، ولا بالنظر في الكف، ولا بتصويت الودع.
وأبطل الله تعالى ببعثه الكهانة، فانقطعتْ، وكانتْ ظاهرة موجودة.
ودعا اليهود إلى تمني الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك.
وأخبر بأن عمَّارًا تقتله الفئة الباغية، فكان مع عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقتَلهُ جماعة معاوية.
وأنذر بموت النجاشي، وخرج هو وأصحابه إلى "البقيع"، فصلوا عليه، فورد الخبر بموته بعد ذلك، في ذلك اليوم.
وخرج على نفر من أصحابه مُجتمعين؛ فقال: "أحدكم في النار، ضرسه مثل أحد". فماتوا كلهم على الإسلام، وارتدّ منهم واحد، وهو الدجّال الحنفي، فقتل مرتدًا مع مُسيلمة.
стр. 153
وقال لآخرين منهم: "آخركم موتًا في النار، فسقط آخرهم موتًا في نار، فمات، وهو سمرة بن جندب.
وأخبر بأنه يقتل أمية بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشًا لطيفًا، فكانت منيته منه.
وأخبر فاطمة ابنته، رضي الله تعالى عنها، أنها أول أهله لحاقًا به، فكانت كذلك.
وأخبر نساءه أن أطولهن يدًا أسرعهن لحاقًا به، وكانتْ زينب بنت جحش الأسدية؛ لأنها كانتْ كثيرة الصدقة.
وحكى الحكم بن أبي العاص مِشتيه ﷺ مُستهزئًا، فقال: "كذلك فكن"، فلم يزلْ يرتعشْ إلى أن مات.
وخطب أُمامة بنت الحارث بن أبي عوف، وكان أبوها أعرابيًا جافيا، فقال: إن بها بياضًا، فقال: "لتكن كذلك"، فبرصت من وقتها، فتزوّجها ابن عمّها يزيد بن حمزة، فولدتْ له الشاعر شبيب بن يزيد، وهو المعروف بابن البرصاء.
وليلة ميلاده اضطرب إيوان كسرى، حتى سمع صوته، وسقطتْ منه أربع عشرة شُرفة، وخمدتْ نار" فارس"، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضتْ بحيرة ساوة.
ومن علائم نبوته: حراسة السماء بالشهب إلى تقذف الشياطين، فلا تسترق السمع، وبشرى الكهَّان به والهواتف، وإخبار الأحبار بظهوره، وفِراسة بحيرى الراهب فيه، ومعرفته آيات النبوة وأمارات البعثة فيه.
وَرَأوْكَ وَضَّاحَ الجَبِينِ كما يُرَى … قمرُ السَّماء السّعْدُ ليلةَ يَكمُلُ
وولادته مختونًا مسرورًا، وسجع شق وسطيح، ورؤيا الموبذان، إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة، والأمارات الباهرة، والدَّلالات الزاهرة، والمعجزات القاهرة، والسيرة التي شهرت شهرة النجوم الزواهر، وسار الذكر منها في الناس سير القوافي السوائر.
стр. 154
وقدْ ألفت العلماء الحفَّاظ، والثقات الأيقاظ في سيرته ومعجزاته، وفي خصائصه، ﷺ ، كتبًا كثيرة، ومجلدات كبيرة، لا يحيط بها حد، ولا يحصرها عدٌّ.
وكل منهم بذل جهده، ولم يدّخر شيئًا عنده، وما أتوا بعُشر مِعشار فضائله، ولا بقطرة من بحار فواضله، وكان أكثر مما قيل ما بكوا، كل منهم ينشد مع ذلك بلسان حاله، أو لسان قاله، مُعتذرًا عن تقصيره، ومُخبرًا بما هو الواقع في ظاهر ضميره، قول صاحب "البردة"، رحمه الله تعالى:
وإنَّ فَضْلَ رَسُلِ الله ليسَ لهُ … حَدٌ فيُعْرِبُ عَنْهُ ناطق بِفَمِ
وأجمع ما وقفتُ عليه من ذلك، كتاب "الخصائص الكبرى" للجلال السيوطي، وكتاب "السيرة النبوية" للحافظ تقى الدين المقريزى، فمن أراد أن يُنزه بصره وبصيرته في رياض الجنة، فعليه بمطالعتهما، والوقوف عليهما، جزاهُما الله تعالى عن نبيه ﷺ أحسن الجزاء بمنه، وكرمه، آمين.
ومدحه ﷺ بالشعر جماعةٌ عديدة، من رجال الصحابة ونسائهم، جمعهم الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين بن سيّد الناس اليعمري في قصيدة ميمية، ثم شرحها في مجلد، سماها "منح المدح"، ورتّبهم على حروف المعجم، فأربى في هذا الجمع على الحافظ ابن عبد البر؛ لأنه ذكر منهم ما يقارب المائة والعشرين، أو ما يزيد على ذلك، والشيخ فتح الدين قارب المائتين، كذا قال الصلاح الصفدي، وقال: لا أعلم أحدًا حصل من الصحابة الذين مدحوا النبي ﷺ ، هذا القدر، وقد كتبت هذا المصنف بخطي، وسمعت من لفظه ما يقارب نصفه، وأجازني البقية.
وأما شعراؤه الذين كانوا بصدد المناضلة عنه، والهجاء لكفَّار قريش، فإنهم ثلاثة: حسَّان بن ثابت الأنصاري، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، كعب بن مالك الأنصاري، وكان حسان يقبل بالهجو على أنسابهم، وعبد
стр. 155
الله بن رواحة يعيرهم بالكفر، كعب بن مالك يخوفهم الحرب، فكانوا لا يبالون قبل الإسلام بأهاجي ابن رواحة، ويألمون من أهاجي حسَّان، فلمَّا دخل من دخل منهم الإسلام، وجد ألم أهاجي ابن رواحة أشدَّ وأشقَّ.
ومن أشهر الصحابة بالمدح له كعب بن زهير بن أبي سلمة السعدي، وقصيدته "بانت سعاد" مشهورة، وما من شاعر في الغالب جاء بعده، ومدح رسول الله ﷺ ، إلا وقد نظم في وزنها ورويها، ولله درُّ القاضي مُحي الدين بن عبد الظاهر، حيث يقول:
لقد قال كَعْبٌ في النبيِّ قصيدة … وقُلنا عسى في مَدحِه نَتَشارَكُ
فإنْ شَمِلتْنا بالجوائزِ رَحْمَةٌ … كرحمة كعبٍ فهو كصْبٌ مُباركُ
انتهى كلام تقى الدين التميمي من "طبقاته".
الفصل الخامس في ذكر من رثى النبي ﷺ
ذكر الإمام محمد بن سعد الزهري في كتابه "الطبقات الكبرى" مَن رَثَى النبيَّ ﷺ من الصحابة رضى الله تعالى عنهم، فقال:
مرثية أبي بكر الصديق ﵁:
قال أبو بكر الصديق يرثي رسول اللّه ﷺ :
يا عين فابكي ولا تسأمي … وحق البكاء على السيد
على خير خندف عند البلاء … أمسى يغيب في الملحد
فصلى المليك ولي العباد … ورب البلاد على أحمد
فكيف الحياة لفقد الحبيب … وزين المعاشر في المشهد
стр. 156
فليت الممات لنا كلنا … وكنا جميعا مع المهتدي
قال الواقدي: وقال أبو بكر الصديق أيضا:
لما رأيت نبينا متجدلا … ضاقت على بعرضهن الدور
وارتعت روعة مستهام واله … والعظم مني واهن مكسور
أعتيق ويحك إن حبك قد ثوى … وبقيت منفردا وأنت حسير
يا ليتني من قبل مهلك صاحبي … غيبت في جدث على صخور
فلتحدثني بدائع من بعده … تعيا بهن جوانح وصدور
قال الواقدي: وقال أبو بكر أيضا:
باتت تأوّبني هموم … حشد … مثل الصخور فأمست هدت الجسدا
يا ليتني حيث نبئت الغداة به … قالوا الرسول قد أمسى ميتا فقدا
ليت القيامة قامت بعد مهلكه … ولا نرى بعده مالا ولا ولدا
والله أثنى على شئ فجعت به … من البرية حتى أدخل اللحدا
كم لي بعدك من هم ينصبني … إذا تذكرت أني لا أراك بدا
كان المصفاء في الأخلاق قد علموا … وفي العفاف فلم نعدل به أحدا
نفسي فداؤك من ميت ومن بدن … ما أطيب الذكر والأخلاق والجسدا
مرثية عبد الله بن أنيس ﵁:
وأنشدنا هشام بن محمد الكلبي، عن عثمان بن عبد الملك أن عمران بن بلال بن عبد الله بن أنيس قال: سمعتها من مشيختنا، قال: قال عبد الله بن أنيس يرثي النبي ﷺ :
تطاول ليلى واعترتني القوارع … وخطب جليل للبلية جامع
غداة نعى الناعى إلينا محمدا … وتلك التي تستك منها المسامع
فلو رد ميتا قتل نفسي قتلتها … ولكنه لا يدفع الموت دافع
فآليت لا أثني على هلك هالك … من الناس ما أوفى ثبير وفارع
стр. 157
ولكنني باك عليه ومتبع … مصيبته إني إلى الله راجع
وقد قبض الله النبيين قبله … وعاد أصيبت بالرزى والتبابع
فيا ليت شعري من يقوم بأمرنا … وهل في قريش من إمام ينازع
ثلاثة رهط من قريش هم هم … أزمة هذا الأمر والله صانع
علي أو الصديق أو عمر لها … وليس لها بعد الثلاثة رابع
فإن قال منا قائل غير هذه … أبينا وقلنا الله راء وسامع
فيا لقريش قلدوا الأمر بعضهم … فإن صحيح القول للناس نافع
ولا تبطئوا عنها فواقا فإنها … إذا قطعت لم يمن فيها المطامع
مرثية حسَّان بن ثابت ﵁:
أخبرنا قتيبة بن سعيد أبو رجاء البلخي، أخبرنا ليث بن سعد عن بن يزيد عن سعيد، يعني بن أبي هلال أن حسَّان بن ثابت، قال وهو رسول الله ﷺ :
والله ما حملت أنثى ولا وضعت … مثل النبي رسول الأمة الهادى
أمسى نساؤك عطلن البيوت فما … يضربن خلف قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المسوح وقد … أيقن بالبؤس بعد النعمة البادي
وقال حسَّان بن ثابت أيضا يرثي رسول الله ﷺ فيما أنشدنا أبو عمرو الشيباني:
آليت حلفة بر غير ذي دخل … مني ألية حق غير إفناد
بالله ما حملت أنثى ولا وضعت … مثل النبي نبي الرحمة الهادي
ولا مشى فوق ظهر الأرض من أحد … أوفى بذمة جار أو بميعاد
من الذي كان نورا يستضاء به … مبارك الأمر ذا حزم وإرشاد
مصدقا للنبيين الألى سلفوا … وأبذل الناس للمعروف للجادي
خير البرية إني كنت في نهر … جار فأصبحت مثل المفرد الصادي
стр. 158
أمسى نساؤك عطلن البيوت فما … يضربن خلف قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المسوح وقد … أيقن بالبؤس بعد النعمة البادي.
وقال أبو عمرو: قال حسَّان يرثيه ﷺ :
ما بال عينك لا تنام كأنما … كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهدي أصبح ثاويا … يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
يا ويح أنصار النبي ورهطه … بعد المغيب في سواء الملحد
جنبي يقيك الترب لهفي ليتني … كنت المغيب في الضريح الملحد
يا بكر آمنة المبارك ذكره … ولدته محصنة بسعد الأسعد
نورا أضاء على البرية كلها … من يهد للنور المبارك يهتد
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم … يا لهف نفسي ليتني لم أولد
بأبي وأمي من شهدت وفاته … في يوم الإثنين النبي المهتدي
فظللت بعد وفاته متلددا … يا ليتنى صبحت سم الأسود
أو حل أمر الله فينا عاجلا … في روحة من يومنا أو من غد
فتقوم ساعتنا فنلقى سيدا … محضا مضاربه كريم المحتد
يا رب فاجمعنا معا ونبينا … في جنة تفقي عيون الحسد
في جنة الفردوس واكتبها لنا … يا ذا الجلال وذا العلا والسودد
والله أسمع ما حييت بهالك … إلا بكيت على النبي محمد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا … سودا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره … وفضول نعمته بنا لا تجحد
والله أهداه لنا وهدى به … أنصاره في كل ساعة مسهد
صلى الإله ومن يحف بعرشه … والطيبون على المبارك أحمد
قال: قال أبو عمرو الشيباني، وقال حسَّان بن ثابت يرثي النبي ﷺ :
стр. 159
يا عين جودي بدمع منك إسبال … ولا تملن من سح وإعوال
لا ينفدن لي بعد اليوم دمعكما … إني مصاب وإني لست بالسالي
فإن منعكما من بعد بذلكما .. إياي مثل الذي قد غر بالآل
لكن أفيضى على صدرى بأربعة … إن الجوانح فيها هاجس صالي
سح الشعيب وماء الغرب يمنحه … ساق يحمله ساق بإزلال
حامي الحقيقة نسال الوديقة … فكاك العناة كريم ماجد عال
على رسول لنا محض ضريبته … سمح الخليقة عف غير مجهال
كشاف مكرمة مطعام مسغبة … وهاب عانية وجناء شملال
عف مكاسبه جزل مواهبه … خير البرية سمح غير نكال
وارى الزناد وقواد الجياد إلى … يوم الطراد إذا شبت بأجذال
ولا أزكي على الرحمن ذا بشر … لكن علمك عند الواحد العالي
إني أرى الدهر والأيام يفجعني … بالصالحين وأبقى ناعم البال
يا عين فابكي رسول الله إذ ذكرت … ذات الإله فنعم القائد الوالي
قال أبو عمرو وقال حسان بن ثابت يرثي النبي ﷺ :
نسب المساكين أن الخير فارقهم … مع الرسول تولى عنه سحرا
من ذا الذي عنده رحلي وراحلتي … ورزق أهلي إذا لم نؤنس المطرا
ذاك الذي ليس يخشاه مجالسه … إذا الجليس سطا في القول أو عثرا
كان الضياء وكان النور نتبعه … وكان بعد الإله السمع والبصرا
فليتنا يوم واروه بمخبئه … وغيبوه وألقوا فوقه المدرا
لم يترك اللّه خلقا من بريته … ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلت رقاب بني النجار كلهم … وكان أمرا من الرحمن قد قدرا
стр. 160
مرثية كعب بن مالك ﵁:
قال أبو عمرو: قال كعب بن مالك يرثي رسول الله ﷺ :
يا عين فابكي بدمع ذرى … لخير البرية والمصطفى
وبكى الرسول وحق البكاء … عليه لدى الحرب عند اللقا
على خير من حملت ناقة … وأتقى البرية عند التقى
على سيد ماجد جحفل … وخير الأنام وخير اللها
له حسب فوق كل الأنام … من هاشم ذلك المرتجى
نخص بما كان من فضله .... وكان سراجا لنا في الدجى
وكان بشيرا لنا ومنذرا … ونورا لنا ضوءه قد أضا
فأنقذنا الله في نوره … ونجى برحمته من لظى
مرثية أروى بنت عبد المطلب ﵂:
قال وفيها أنشدنا الواقدي، قالتْ أروى بنت عبد المطلب ترثي رسول الله ﷺ :
ألا يا عين ويحك أسعديني … بدمعك ما بقيت وطاوعيني
ألا يا عين ويحك واستهلي … على نور البلاد وأسعدينى
فإن عذلتْك عاذلة فقولي … علام وفيم ويحك تعذلينى
على نور البلاد معا جميعا … رسول الله أحمد فاتركينى
فإلا تقصري بالعذل عني … فلومي ما بدا لك أو دعينى
لأمر هدني وأذل ركني … وشيب بعد جدتها قروني
وقالت أروى بنت عبد المطلب أيضا:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا … وكنت بنا برا ولم تك جافيا
وكنت بنا روفا رحيما نبينا … ليبك عليك اليوم من كان باكيا
стр. 161
لعمرك ما أبكي النبي لموته … ولكن لهرج كان بعدك آتيا
كأن على قلبى لذكر محمد … وما خفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم صلى الله رب محمد … على جدث أمسى بيثرب ثاويا
أبا حسن فارقته وتركته … فبك بحزن آخر الدهر شاجيا
فدا لرسول الله أمي وخالتي … وعمي ونفسى قصرة ثم خاليا
صبرت وبلغت الرسالة صادقا … وقمت صليب الدين أبلج صافيا
فلو أن رب الناس أبقاك بيننا … سعدنا ولكن أمرنا كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية … وأدخلت جنات من العدن راضيا
مرثية عاتكة بنت عبد المطلب رضي لله عنها:
قال: وقالت عاتكة بنت عبد المطلب ترثي رسول الله ﷺ :
عينى جودا طوال الدهر وانهمرا … سكبا وسحا بدمع غير تعذير
يا عين فاسحنفري بالدمع واحتفلي … حتى الممات بسجل غير منزور
يا عين فانهملى بالدمع واجتهدي … للمصطفى دون خلق الله بالنور
بمستهل من الشؤبوب ذي سيل … فقد رزئت نبي العدل والخير
وكنت من حذر للموت مشفقة … وللذى خط من تلك المقادير
من فقد أزهر ضافي الخلق ذي فخر … صاف من العيب والعاهات والزور
فاذهب حميدا جزاك الله مغفرة … يوم القيامة عند النفخ في الصور
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب:
يا عين جودي ما بقيت بعبرة … سحا على خير البرية أحمد
يا عين فاحتفلي وسحى واسجمي … وابكى على نور البلاد محمد
أنى لك الويلات مثل محمد … في كل نائبة تنوب ومشهد
فابكي المبارك والموفق ذا التقى .. حامى الحقيقة ذا الرشاد المرشد
стр. 162
من ذا يفك عن المغلل غله … بعد المغيب في الضريح الملحد
أم من لكل مدفع ذي حاجة … ومسلسل يشكو الحديد مقيد
أم من لوحى الله يترك بيننا … في كل ممسى ليلة أو في غد
فعليك رحمة ربنا وسلامه … يا ذا الفواضل والندى والسودد
هلا فداك الموت كل ملعن … شكس خلائقه لئيم المحتد
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب أيضا:
أعيني جودا بالدموع السواجم … على المصطفى بالنور من آل هاشم
على المصطفى بالحق والنور والهدى … وبالرشد بعد المندبات العظائم
وسحا عليه وابكيا ما بكيتما … على المرتضى للمحكمات العزائم
على المرتضى للبر والعدل والتقى … وللدين والإسلام بعد المظالم
على الطاهر الميمون ذي الحلم والندى … وذي الفضل والداعي لخير التراحم
أعيني ماذا بعدما قد فجعتما … به تبكيان الدهر من ولد آدم
فجودا بسجل واندبا كل شارق … ربيع اليتامى في السنين البوازم
مرثية صفية بنت عبد المطلب ﵂:
قال: وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله ﷺ :
لهف نفسي وبت كالمسلوب … آرق الليل فعلة المحروب
من هموم وحسرة ردفتنى … ليت أني سقيتها بشعوب
حين قالوا إن الرسول قد أمسى … وافقته منية المكتوب
إذ رأينا أن النبي صريع … فاشاب القذال أي مشيب
إذ رأينا بيوته موحضات … ليس فيهن بعد عيش حبيبي
أورث القلب ذاك حزنا طويلا … خالط القلب فهو كالمرعوب
ليت شعري كيف أمسى صحيحا … بعد أن بين بالرسول القريب
стр. 163
أعظم الناس في البرية حقا … سيد الناس حبه في القلوب
فإلى الله ذاك أشكو وحسى … يعلم الله حسوبتي ونحيبي
وقالت صفية بنت عبد المطلب:
أفاطم بكي ولا تسأمى … بصبحك ما طلع الكوكب
هو المرء يبكى وحق البكاء … هو الماجد السيد الطيب
فأوحشت الأرض من فقده … وأى البرية لا ينكب
فما لي بعدك حتى الممات … إلا الجوى الداخل المنصب
فبكى الرسول وحقت له … شهود المدينة والغيب
لتبكيك شمطاء مضرورة … إذا حجب الناس لا تحجب
ليبكبك شيخ أو ولدة … يطوف بعقوته أشهب
ويبكيك ركب إذا أرملوا … فلم يلف ما طلب الطلب
وتبكى الأباطح من فقده … وتبكيه مكة والأخشب
وتبكى وعيرة من فقده … بحزن ويسعده الميثب
فعيني ما لك لا تدمعين … وحق لدمعك يستسكب
وقالت صفية بنت عبد المطلب أيضا:
أعيني جودا بدمع سجم … يبادر غربا بما منهدم
أعيني فاسحنفرا واسكبا … بوجد وحزن شديد الألم
على صفوة الله رب العباد … ورب السماء وبارى النعم
على المرتضى للهدى والتقى … وللرشد والنور بعد الظلم
على الطاهر المرسل المجتبيء … رسول تخيره ذو الكرم
وقالت صفية بنت عبد المطلب أيضا:
أرقت فبت ليلى كالسليب … لوجد في الجوانح ذي دبيب
فشيبني وما شابت لداتي … فأمسى الرأس مني كالعسيب
لفقد المصطفى بالنور حقا … رسول الله ما لك من ضريب
стр. 164
كريم الخيم أروع مضرحي … طويل الباع منتجب نجيب
ثمال المعدمين كل جار … ومأوى كل مضطهد غريب
فإن تمس في جدث مقيما … فقدما عشت ذا كرم وطيب
وكنت موفقا في كل أمر … وفيما ناب من حدث الخطوب
وقالت صفية بنت عبد المطلب:
عين جودي بدمعة تسكاب … للنبى المطهر الأواب
واندبي المصطفى فعمى وخصى … بدموع غزيرة الأسراب
عين من تندبين بعد نبي … خصه الله ربنا بالكتاب
فاتح خاتم رحيم رؤوف … صادق القيل طيب الأثواب
مشفق ناصح شفيق علينا … رحمة من إلهنا الوهاب
رحمة الله والسلام عليه … وجزاه المليك حسن الثواب
وقالت صفية بنت عبد المطلب أيضا:
عين جودي بدمعة وسهود … واندبي خير هالك مفقود
واندبي المصطفى بحزن شديد … خالط القلب فهو كالمعمود
كدت أقضي الحياة لما أتاه … قدر خط في كتاب مجيد
فلقد كان بالعباد رؤوفا … ولهم رحمة وخير رشيد
رضى الله عنه حيا وميتا … وجزاه الجنان يوم الخلود
وقالت صفية بنت عبد المطلب أيضا:
آب ليلي على بالتسهاد … وجفا الجنب غير وطء الوساد
واعترتني الهموم جدا بوهن … لأمور نزلن حقا شداد
رحمة كان للبرية طرا … فهدى من أطاعه للسداد
طيب العود والضريبة والشيم … محض الأنساب واري الزناد
أبلج صادق السجية عف … صادق الوعد منتهى الرواد
стр. 165
عاش ما عاش في البرية برا … ولقد كان نهبة المرتاد
ثم ولى عنا فقيدا حميدا … فجزاه الجنان رب العباد
مرثية هند بنت الحارث بن عبد المطلب ﵂:
وقالت هند بنت الحارث بن عبد المطلب ترثي رسول الله ﷺ :
يا عين جودي بدمع منك وابتدري … كما تنزل ماء الغيث فانثعبا
أو فيض غرب على عادية طويت … في جدول خرق بالماء قد سربا
لقد أتتني من الأنباء معضلة … أن بن آمنة المأمون قد ذهبا
أن المبارك والميمون في جدث … قد ألحفوه تراب الأرض والحدبا
أليس أوسطكم بيتا وأكرمكم … خالا وعما كريما ليس مؤتشبا
مرثية هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ﵂:
قال: وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف أخت مسطح بن أثاثة ترثي النبي ﷺ :
أشاب ذؤابي وأذل ركني … بكاؤك فاطم الميت الفقيدا
فأعطيت العطاء فلم تكدر … وأخدمت الولائد والعبيدا
وكنت ملاذنا في كل لزب … إذا هبت شآمية برودا
وإنك خير من ركب المطايا … وأكرمهم إذا نسبوا جدودا
رسول الله فارقنا كنا … نرجي أن يكون لنا خلودا
أفاطم فاصبري فلقد أصابت … رزيئتك التهائم والنجودا
وأهل البر والأبحار طرا … فلم تخطئ مصيبته وحيدا
وكان الخير يصبح في ذراه … سعيد الجد قد ولد السعودا
وقالت هند بنت أثاثة أيضا:
ألا يا عين بكي لا تملى … فقد بكر النعي بمن هويت
وقد بكر النعي بخير شخص … رسول الله حقا ما حييت
стр. 166
ولو عشنا ونحن نراك فينا … وأمر الله يترك ما بكيت
فقد بكر النعى بذاك عمدا … فقد عظمت مصيبة من نعيت
وقد عظمت مصيبته وجلت … كل الجهد بعدك قد لقيت
إلى رب البرية ذاك نشكو … فإن الله يعلم ما أتيت
أفاطم إنه قد هد ركني … وقد عظمت مصيبة من رزيت
وقالت هند بنت أثاثة أيضا:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة … لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها … فاحتل لقومك واشهدهم ولا تغب
قد كنت بدرا ونورا يستضاء به … عليك تنزل من ذي العزة الكتب
وكان جبريل بالآيات يحضرنا … فغاب عنا كل الغيب محتجب
فقد رزئت أبا سهلا خليقته … محض الضريية والأعراق والنسب
مرثية عاتكة بنت زيد بن عمرو ﵂:
وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثي رسول الله صلى الله وسلم:
أمست مراكبه أوحشت … وقد كان يركبها زينها
وأمست تبكي على سيد … تردد عبرتها عينها
وأمست نساؤك ما تستفيق … من الحزن يعتادها دينها
وأمست شواحب مثل النصال … قد عطلت وكبا لونها
يعالجن حزنا بعيد الذهاب … وفي الصدر مكتنع حينها
يضربن بالكف حر الوجوه … على مثله جادها شونها
هو الفاضل السيد المصطفى … على الحق مجتمع دينها
فكيف حياتي بعد الرسول … وقد حان من ميتة حينها
مرثية أم أيمن ﵂:
وقالت أم أيمن ترثي النبي ﷺ :
стр. 167
عين جودي فإن بذلك للدمع … شفاء فأكثرىْ مِ البكاء
حين قالوا الرسول أمسى فقيدا … ميتا كان ذاك كل البلاء
وابكيا خير من رزئناه في الدنيا … ومن خصه بوحي السماء
بدموع غزيرة منك حتى … يقضي الله فيك خير القضاء
فلقد كان ما علمت وصولا … ولقد جاء رحمة بالضياء
ولقد كان بعد ذلك نورا … وسراجا يضيء في الظلماء
طيب العود والضريبة والمعـ … ـدن والخيم خاتم الأنبياء
انتهى كلام الإمام محمد بن سعد بن منيع الزهري المتوفى سنة ٢٣٠ هـ في "الطبقات الكبرى".
وهذا القدر من سيرته الشريفة ﷺ كافٍ في التبرك بذكره الشريف، وفي الدلالة على أنه ﷺ أفضل الخلق، وأشرف الخلق، وشريعته أفضل الشرائع، وأمته أكرمُ الأمم، وعلماؤها أكرمُ العلماء، وأما حصر فضائله ومعجزاته، وما خصه الله به في الدنيا والآخرة، وأعدَّ له عنده فلا سبيل إليه، ولا يحوم طائر فكر عليه، ولا يعلمه إلا الله تعالى.
стр. 168
الباب الخامس في ذكر الصحابة ﵃ وهو يشتمل على ثمانية فصول
الفصل الأول في تعريف الصحابي ﵁
فهم أفهم الناس لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، حيث شاهدوا التنزيل، وجلسوا بين يدي نبيهم واللغة لغتهم، واللسان لسانهم، فلا عجبَ أن ترى الأقلام تتسابق في تقرظهم، والألسنة تلهج بذكرهم، فقد كانوا لبنات المجتمع الإسلامي الأولى، وارتفع هذا الصرح الشامخ على أكتافهم، وتدعمت أركانه عليهم وبهم، وعلى ظهورهم قام، وانتشر بين الأنام، فجزاهم الله خيرا عن المسلمين والإسلام.
تعريف الصحابة:
والأصح ما قيل في تعريف الصَّحَابي: إنه من لقى النبي ﷺ في حياته مسلما، ومات على إسلامه.
شرح التعريف: "من لقي النبي ﷺ ": في التعريف يشمل كل من لقيه في حياته، وأما من رآه بعد موته قبل دفنه ﷺ فلا يكون صحابيا، كأبي وذؤيب الهذلي الشاعر، فإنه رآه قبل دفنه. "مسلما": خرج به من لقيه كافرا، وأسلم بعد وفاته، كرسول قيصر، فلا صحبة له. "ومات على إسلامه ": خرج به من كفر بعد إسلامه، ومات كافرا.
стр. 169
أما منِ ارتدَّ بعده، ثم أسلم، ومات مسلما، فقال العراقي: فيهم نظر، لأن الشافعي وأبا حنيفة نصًّا على أن الردة محبطة للصحبة السابقة، كقرة بن ميسرة، والأشعث بن قيس. وجزم الحافظ ابن حجر شيخ الإسلام ببقاء اسم الصحبة له، كمن رجع إلى الإسلام في حياته، كعبد الله بن أبي سرح.
وهل يشترط لقيه في حال النبوَّة أو أعمّ من ذلك، حتى يدخل من رآه قبلها، ومات على الحنيفية، كزيد بن عمرو بن نفيل، وكذا من رآه قبلها، وأسلم بعد البعثة، ولم يره؟. قال العراقي: ولم أرَ من تعرَّض لذلك، وقد عدّ ابن منده زيد عمرو في الصحابة. هل من الملائكة صحابة؟ الملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكيل والظهور بأشكال مختلفة، وهي تتشكل بأشكال حسنة، شأنها الطاعة، أحوال جبريل مع النبي ﷺ حين تبليغه الوحى وظهوره في صورة دحية الكلبي تؤيد رجحانَ هذا التعريف للملائكة على غيره. والملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولا يتوالدون، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثه أو خنوثة كفر، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ الآية. ومسكنهم السماوات، ومنهم من يسكن الأرض. وقد دل على وجودهم الكتاب والسنَّة والإجماع، فالمنكر كافر، وإذا فيجب الإيمان إجمالا فيمن علم منهم إجمالا، وتفصيلا فيمن علم بالشخص، كجبريل، وميكائيل، أو بالنوع كحملة العرش، والحافين من حوله، والكتبة والحفظة، وقد خلق الله الملائكة جندا له منفذين لأوامره في خلقه، فمنهم ساكن السماوات، وأفضلهم حملة العرش، والحافين من حوله، وهم الكروبيون، ومنهم الموكَّلون بالنار، وهم الزبانية مع مالك، ومنهم الموكَّلون بالجنة لإعداد النعيم مع رضوان، ومنهم سفير الله إلى أنبيائه، وهو جبريل، والموكَّل
стр. 170
بالمطر والسحاب والرزق، وهو ميكائيل، وصاحب النفخ، وهو إسرافيل، والموكَّلون بحفظ بنى آدم، والكاتبون لأعمالهم، ومنهم منكر ونكير، فتَّانا القبر، ومنهم ملك الموت، وأعوانه، وهو عزرائيل ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.
هل من الجن صحابة ؟!
اختلف علماء التوحيد في بيان حقيقة الجن، فقال بعضهم بتغاير حقيقته، فعرفوا الجن بأنها أجسام هوائية لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة، وتظهر منها أفعال عجيبة، ومنهم المؤمن، ومنهم الكافر، أما الشياطين: فهي أجسام نارية شأنها إقامة النفس في الغواية والفساد.
وقال آخرون: إن حقيقتها واحرة، وهي أجسام نارية عاقلة قابلة للتشكل بأشكال حسنة أو قبيحة، وهم كبنى آدم، يأكلون، ويشربون، ويتناسلون، ويكلفون، منهم المؤمن، ومنهم العاصي، أما الشيطان فاسم للعاصى، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾، كما يدل على تكليفهم ووجودهم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ الآيات، وقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، وحيث ثبت وجودهم بكلام الله وكلام أنبيائه انعقد عليه الإجماع كان الإيمان بما ثبت واجبا، ومنكره كافر.
والسؤال بعد ذلك هل هم داخلون في الصحابة الحق؟ نعم، يدخل في الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من رآه ﷺ أو لقيه مؤمنا به من الجن، لأنه ﷺ بعث إليهم قطعا، وهم مكلفون، وفيهم العصاة والطائعون.
стр. 171
قال الحافظ ابن حجر: الراجح دخولهم، لأن النبي ﷺ بعث إليهم قطعا.
قال السبكى في "فتاويه"، كونه ﷺ مبعوثا إلى الإنس والجن كافة، وأن رسالته شاملة للثقلين، فلا أعلم فيه خلافا، ونقل جماعة الإجماع عليه. قال السبكى: والدليل عليه قبل الإجماع الكتاب والسنّة، أما الكتاب فآيات، منها قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، وقد أجمع المفسّرون على دخول الجن في ذلك في هذه الآية، ومع ذلك هو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلا بدليل، ومنها قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِين﴾، والمنذرون هم المخوَّفون مما يلحق بمخالفته لوم، فلو لم يكن مبعوثا إليهم لماكان القرآن الذي أتي به لازما لهما، ولا خوّفوا به.
وأما السنّة ففي "صحيح مسلم" من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "فضّلتُ على الأنبياء بستّ، أعطيتُ جوامع الكلم، ونصرتُ بالرعب، وأحلَّتْ لي الغنائم، وجعلتْ لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلتُ إلى الخلق كافة، وختم بي النبييون". ومحل الاستدلال قوله: "وأرسلتُ إلى الخلق كافة"، فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز.
بم يعرف الصحابي ؟
يعرف الصحابي بأحد الأدلة التالية: أولا: التواتر، وهو رواية جمع عن جمع، يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وبقية العشرة المبشرّين بالجنّة - رضى الله عنهم.
ثانيا: الشهرة أو الاستفاضة القاضرة عن حد التواتر، كما في أمر ضمام بن ثعلبة، وعكَّاشة بن محصن.
стр. 172
ثالثا: أن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، كما في حممة بن أبي أحممه الدوسى، الذي مات بـ "أصبَهَان" مبطونا، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبي ﷺ حكم له بالشهادة، وهكذا ذكره أبو نعيم في "تاريخ أصبهان".
رابعا: أن يخبر أحد التابعين بأنه صحابي بناء على قبول التزكية من واحد عدل، وهو الراجح.
خامسا: أن يخبر هو عن نفسه بأنه صحابي بعد ثبوت عدالته ومعاصرته، فأنه بعد ذلك لا يقبل ادعاؤه بأنه رأى النبي ﷺ أو سمعه، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة منه لا يبقى أحد ممن على ظهر الأرض"، يريد بهذا انخرام القرن.
ما قال الذهبي في ترجمة رتَنْ الهندي:
قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة "رتن الهندي" ٢: ٤٥ وما أدراك ما رَتَن؟! شيخ دجَّال بلا ريب، ظهر بعد الستمائة، فادّعى الصحبةَ، والصحابة لا يكذبون، وهذا جرئ على الله ورسوله، وقد ألفت في أمره جزءا.
حكمة الله في اختيار الصحابة الواقع أن العقل المجرّد من الهوى والتعصّب، يحيل على الله في حكمته ورحمته، أن يختار لحمل شريعته الختامية أمة مغموزة أو طائفة ملموزة، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، ومن هنا كان توثيق هذه الطبقة الكريمة طبقة الصحابة، يعتبر دفاعا عن الكتاب والسنّة وأصول الإسلام مناحية، ويعتبر إنصافا أدبيا لمن يستحقّونه من ناحية ثانية، ويعتبر تقديرا لحكمة الله البالغة في اختيارهم لهذه المهمّة العظمى من ناحية ثالثة.
стр. 173
الفصل الثاني في مرتبة الصحابة ﵃
للصحابة ﵃ أجمعين - خصيصة، وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، وذلك أمر مسلّم به عند كافة العلماء، لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الشرع من الكتاب والسنّة، وإجماع من يعتدّ به في الإجماع من الأمة.
فأما الكتاب: قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
وأما السنَّة: وفي نصوص السنَّة النبوية المشرفة الشاهدة بذلك كثيرة، منها: عن أبي سعيد عن النبي ﵇ قال: "لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفقَ مثل أحدكم ذهبا ما أدرك مدَّ أحدهم
стр. 174
ولا نصيفه "، وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة "الحديبية" والفتح، فإذا كان مدّ أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه فكيف يجوز أن يحرّمهم الله الصوابَ في الفتاوى، ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال، وعن عبد الله بن مغفَّل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذانى فقد آذى الله، من آذى الله فيوشك أن يأخذه. وعن أبي موسى قال: صلينا مع النبي ﷺ المغرب، ثم قلنا: لو انتظرنا حتى نصلّي معه العشاء، فانتظرناه، فخرج علينا، فقال: "ما زلتم ههنا"، قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قلنا: نصلى معك العشاء، قال: "أحسنتم وأصبتم"، ثم رفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، قال: "النجوم أمنة لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون".
وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي القرن الذي بعثتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كان خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا.
ثناء أهل العلم على الصحابة:
وهذا الثناء للاستئناس، وليس للتدليل، إذ لا يصح القول مع الله ورسوله ﷺ ، حيث نص اللّه ورسوله على عدالتهم،
стр. 175
فهل بعد تعديل الله ورسوله صلى الله "عليه وسلم تعديل؟!! فأقول ولله الحمد والمنة:
قال الإمام النووي: الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به. قال إمام الحرمين: والسبب في عدم الفصل عن عدالتهم أنهم حَمَلَة الشريعة، فلو ثبت توقّف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصره ﷺ ، ولما استرسلت سائر الأعصار.
قال أبو زُرْعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدّى ذلك كلّه إلينا الصحابة، وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، فالجرح بهم أولى.
قال ابن الصلاح: ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع أحيانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكان الله أتاح الإجماع على ذلك، لكونهم نقلة الشريعة".
قال الخطيب البغدادي في "الكفاية" مبوّبا على عدالتهم: ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي، الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ، لإن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن.
والأخبار في هذا المعنى تتسع، كلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم.
стр. 176
عقيدة أهل السنة في تفضيل الصحابة:
أجمع أهل السنّة على أن أفضل الصحابة بعد النبي ﷺ على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر، وممن حكى إجماعهم على ذلك أبو العبّاس القرطبي، فقال: ولم يختلف أحد في ذلك من أئمة السلف ولا الخلف، فقال: ولا مبالاة بأقوال أهل التشيّع ولا أهل البدع، انتهى. وقد حكى الشافعي وغيره إجماع الصحابة والتابعين على ذلك، قال البيهقي في كتاب "الاعتقاد": روينا عن أبي ثور عن الشافعي قال: ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان. وقال العلامة الكمال بن الهمام في "المسايرة": فضل الصحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله ﷺ .
وقال العلامة البغدادي في "أصول الدين": أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستّة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة، وهم: طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقَّاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بـ "الحديبية".
وقال العلامة المرعشي في "نشر الطوالع": يجب تعظيم جميع أصحاب النبي ﷺ ، والكفّ عن مطاعنهم، وحسن الظنّ بهم، وترك التعصّب والبغض لأجل بعضهم على بعض، وترك الإفراط في محبة بعضهم على وجه يفضي إلى عداوة آخرين منهم والقدح فيهم، فإن الله تعالى أثنى عليهم في مواضع كثيرة.
стр. 177
الفصل الثالث في طبقات الصحابة ﵃
للعلماء آراء في طبقات الصحابة، فمنهم من جعلها خمس طبقات، والأشهر ما ذهب إليه الحاكم حيث جعل الطبقات اثنتي عشرة طبقة، وهي: ١. قوم تقدم إسلامهم بـ "مكة"، كالخلفاء الأربعة. ٢ - الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل "مكة" في دار الندوة. ٣ - مهاجرة الحبشة. ٤ - أصحاب العقبة الأولى. ٥ - أصحاب العقبة الثانية. ٦ - أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بـ "قباء" قبل أن يدخل "المدينة". ٧ - أهل بدر. ٨ - الذين هاجروا بين "بدر" و"الحديبية". ٩ - أهل بيعة الرضوان في "الحديبية". ١٠ - من هاجر بين "الحديبية" وفتح "مكة" مثل خالد بن الوليد، وعمرو بن القاص. ١١ - مسلموا الفتح الذين أسلموا في فتح "مكة". ١٢ - صبيان وأطفال رأوا النبيَّ ﷺ يوم الفتح في حجة الوداع.
الفصل الرابع في من بلَّغ بعد الرسول ﷺ
قال الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه القيّم "إعلام الموقعين ": ثم قامَ بالفتوى بعد النبي ﷺ برك الإسلام، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن أولئك أصحابه ﷺ ألين الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلّها تكلّفا، وأحسنها بيانا، وأصدقها إيمانا، وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة، وكانوا بين مكثر منها، ومقل، ومتوسط.
стр. 178
المكثرون من الفتيا:
والذين حفظتْ عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ مائة ونيف وثلاثون نفسا، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطَّاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر.
قال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم.
قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عبَّاس ﵄ في عشرين كتابا.
وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.
المتوسّطون في الفتيا:
قال أبو محمد: والمتوسّطون منهم فيما روى عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدرى، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقَّاص، وسلمان الفارسى، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، فهؤلاء ثلاثة عشر، يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدا، ويضاف إليهم طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان.
المقلون من الفتيا:
والباقون منهم مقلّون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسئلة والمسئلتان والزيادة اليسيرة على ذلك، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصّى والبحث، وهم: أبو الدرداء، وأبو اليسر، وأبو سلمة المخزومي، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وسيعد بن زيد، والحسن، والحسين، ابنا
стр. 179
علي، والنعمان بن بشير، وأبو مسعود، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذر، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقرظة بن كعب، ونافع أخو أبي بكرة لأمه، والمقداد بن الأسود، وأبو السنابل، والجارود، والعبدي، وليلَى بنت قائف، وأبو محذورة، وأبو شريح العكبي، وأبو برزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، والخولاء بنت تويت، وأسيد بن الحضير، والضحَّاك بن قيس، وحبيب بن مسلمة، وعبد الله بن أنيس، وحذيفة بن اليَمَان، وثمامة بن أثال، وعمَّار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو الغادية السلمي، وأم الدرداء الكبرى، والضحَّاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة بن معبد الأسدي، وعبد الله بن جعفر البرمكي، وعوف بن مالك، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن سلام، وعمرو بن عبسة، وعتَّاب بن أسيد، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن سرجس، وعبد الله بن رَوَاحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبو قتادة عبد الله بن معمر العدوي، وعمى بن سعلة، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد الله بن عوف الزهري، وسعد بن مَعَاذ، وسعد بن عبادة، وأبو منيب، وقيس بن سعد، وعبد الرحمن بن سهل، وسمرة بن جندب، وسهل بن سعد الساعدي، وعمرو بن مقرّن، وسويد بن مقرّن، ومعاوية بن الحكم، وسهلة بنت سهيل، وأبو حذيفة بن عتبة، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن أرقم، وجرير بن عبد الله البَجَلي، وجابر بن سلمة، وجويرية أم المؤمنين، وحسَّان بن ثابت، وحبيب بن عدي، وقدامة بن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، ومالك بن الحويرث، وأبو أمامة الباهلى، ومحمد بن مسلمة، وخبَّاب بن الأرت، وخالد بن الوليد، وضمرة بن الفيض، وطارق بن شهاب، وظهير بن رافع،
стр. 180
ورافع بن خديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم، وفاطمة بنت قيس، وهشام بن حكيم بن حزام، وأبوه حكيم بن حزام، وشرحبيل بن السمط، وأم سلمة، ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قيس بن الشماس، وثوبان مولى رسول الله ﷺ ، والمغيرة بن شعبة، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، ورويفع بن ثابت، وأبو حميد، وأبو أسيد، وفضالة بن عبيد، وأبو محمد روينا عنه وجوب الوتر، قلت: أبو محمد هو مسعود بن أوس الأنصاري نجاري بدري، وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلال المؤذن، وعروة بن الحارث، وسياه بن روح، أو روح بن سياه، وأبو سعيد بن المعلَّى، والعبَّاس بن عبد المطَّلب، وبشر بن أرطاة، وصهيب بن سنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، وماعز، وأبو عبد الله البصري.
فهؤلاء من نقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ ، وما أدرى بأيّ طريق عدّ معهم أبو محمد الغامدية وماعزا، ولعله تخيّل أن إقدامهما على جواز الإقرار بالزنا من غير استئذان لرسول الله ﷺ في ذلك هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار، وقد أقرَّا عليها، فإن تخيّل هذا فما أبعده من خيال، أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شئ من الأحكام.
الصحابة سادة المفتين والعلماء:
وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء.
قال الليث عن مجاهد: العلماء أصحاب محمد ﷺ ، وقال سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾. قال: أصحاب محمد ﷺ .
следующие страницы →