← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الباب الرابع في سيرة النبي ﷺ وهو يشتمل على خمسة فصول ولما كان رسول الله ﷺ هو الذي أظهر هذا الدين القويم، وأنار هذا الصراط المستقيم، وكان كل فضل منسوبًا إلى فضله، كل علم مستفادًا من علمه، ولولاه ما كان عالم يذكر، ولا فاضل علمه يُنشر، قال البوصيري: فهو الذي تم معناه وصورته … ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم منزه عن شريك في محاسنه … فجوهر الحسن فيه غير منقسم وكانت سائر الأفاضل، والعلماء الأماثل، والأولياء المخلصين، والصلحاء السابقين، يغترفون من ذلك البحر، ويستنيرون بذلك البدر. وكانوا كما قال البوصيري رحمه الله تعالى: وكلُّهُمْ مِن رَسُولِ اللهِ مُلتمِسٌ … غَرْفًا من البَحْر أو رَشْفًا من الدَّيَمِ تعين أن نبدأ بذكر شئ يسير من سيرته الشريفة، وأوصافه المنيفة، لتكون لهذا الكتاب مشرفة، وعلى غيره من الطبقات التي خلت عنها مُفضلة، ويكون لهم في الذكر إمامًا، كما كان لهم في الدين هاديًا وهُمامًا. ثم نتلوه بذكر فضائل أصحابه البررة، رضى الله عنهم، الذين أختارهم الله لصحبة حبيبه ونبيه ﷺ ، ثم نذكر أسماء فقهاء الصحابة رضي الله، ثم ترجمة حبر الأمة فقيه الملة الصحابي الجليل عبد اللّه مسعود ﵁، ثم أرشد تلاميذه علقمة بن قيس النخعي، ثم أعز تلاميذه إبراهيم النخعي، ثم أشهر تلامذته حماد بن أبي سليمان، الذي تخرج عليه إمامنا

стр. 72

الأعظم أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنهم، نذكرهم خصوصًا لتعلق الفقه الحنفي بهم. قال الحافظ الذهبي في "سيره" (٥: ٢٣٦): أفقه أهل "الكوفة" علي وعبد الله بن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، أفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، أفقه أصحاب حماد أبو حنيفة. الفصل الأول في نسبه وأساميه ﷺ ذكر سيرته المباركة الإمام تقي الدين التميمي الداري المصري، وقال ما نصه: هو محمد رسول الله ﷺ ، وحبيبه وصفيه وخيرته من خلقه، وأفضل الأولين والآخرين، أبو القاسم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الذي قيل فيه: وكم أبٍ قد عَلا بابنٍ ذُرَى شرَفٍ … كما عَلَا برَسولِ الله عَدْنانُ هذا هو المتفق على صحته، ومن هنا إلى آدم ﵊ مختلف فيه، ومذكور في كتب السيرة المطولة، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعها. قال الحافظ عبد القادر القرشي في كتابه "الجواهر": في نسب سيِّدنا رسول الله ﷺ : هو أبو الأرامل، وأبو القاسم، وأبو إبراهيم، رسول الله ﷺ ، محمد، وأحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان إلى هنا إجماع الأمة، وما وراءه فيه اختلاف واضطراب، والمحققون ينكرونه، قاله النووي.

стр. 73

ومن أشهره عدنان بن أدد بن مقوَّم بن ناحور بالنون والحاء المهملة ابن تيرح بفتح التاء المثناة من فوق والراء ابن يعرب بن يشجُب بضم الجيم ابن نابت بالنون ابن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارَح بالمثناة فوق وفتح الراء، وهو آذر بن ناحور بالحاء المهملة ابن فالح بالفاء واللام وبالمعجمة ابن عيبر بمهملة ثم مثناة تحت ساكنة، ثم موحّدة مفتوحة ابن شالخ بالمعجمتين واللام المفتوحة ابن أرفَخْشَد بالراء والمعجمات وفتح الفاء والشين وإسكان الحاء ابن سام بن نوح بن لاملك بفتح الميم وكسرها ابن متوشلخ بميم مفتوحة، ثم مثناة مشدّدة مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم شين معجمة، ثم لام مفتوحتين، ثم خاء معجمة، ويقال: متوشلح ابن حنوخ بحاء مهملة، ويقال: معجمة ثم نون مضمومة، ثم واو، ثم خاء معجمة ابن يرد بمثناة تحت مفتوحة، ثم راء ساكنة ابن مهليل، ويقال: مهلايل بن قينين، ويقال: قينان بالقاف ابن يانش، ويقال: أنش، ويقال: أنوش بالنون والشين المعجمة ابن شيث بن آدم ﵇. وذكر أبو الحسن المسعودي وآخرون بين عدنان وإبراهيم نحو أربعين أبا، وهذا أقرب، فإن المدة بينهما طويلة جدًّا، ولكن في لفظها وضبطها اختلاف كثير، ومنها: أن عدنان من نسل قيدار بن إسماعيل. قال: وأما الحديث المشهور عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: بعد عدنان كذب النسَّابون، فهو ضعيف، والأصح أنه من كلام ابن مسعود، ﵁. كنيته ﷺ : أما كنيته ﷺ بأبي الأرامل، فقد ذكر الإمام أبو عبد الله سلام بن عبد الله الباهلي الإشبيلي في "كتاب الذخائر والأعلاق في آداب النفوس ومكارم الأخلاق" أن كنية النبي ﷺ في التوراة

стр. 74

أبو الأرامل، وأما كنيته ﷺ بأبي القاسم فابنه القاسم، قال أبو نعيم: القاسم ابن رسول الله ﷺ بكر ولده، وبه كان يكنى. وأما كنيته بأبي إبراهيم فقد ذكر الحاكم حديثًا من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، وعقيل عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: لما ولد إبراهيم ابن النبي ﷺ أتاه جبريل، فقال: السَّلام عليك يا أبا إبراهيم. ذكر أسمائه ﷺ : وأما أسماؤه فقد قال الإمام أبو بكر بن العربي في (شرح الترمذي): قال بعض الصوفية: لله ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم، فأما أسماء النبي ﷺ فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهرة بصفة الأسماء البينة، فوعيت منها جملة، الحاضر منها سبعة وستون اسما، ثم ساقها، وستأتي قريبًا. وقال أبو الخطَّاب بن دحية في كتابه "المستوفى في أسماء المصطفى" ﷺ : فإذا فحصنا عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن العظيم والحديث النبوي وَفَت الثلاثمائة، وكذلك صنَّف الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن التجيبي المعروف بالحالي باللام نسبة إلى قرية من قرى "مرسية" (كتاب أسماء النبي) ﷺ ، وذكرها تسعة وتسعين اسما، وذكر أبو الفرج بن الجوزي أن لنبينا ﷺ ثلاثة وعشرين اسما، وذكر أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر لنبي الله ﷺ عشرين اسما. وهذا سياق ما ذكره أبو بكر ابن العربي من أسمائه على ما تقدّم، فقال الرسول ﷺ : المرسل، النبي، الأمي، الشهيد، المصدّق، النور،

стр. 75

المسلم، البشير، المبشّر، النذير، المنذر، المبين، الأمين، العبد، الداعي، السراج المنير، الإمام، الذكر، المذكّر، الهادي، المهاجر، العامل، المبارك، الرحمة، الآمر، الناهي، الطيّب، الكريم، المحلّل، المحرّم، الواضع، الرافع، المخبر، خاتم النبيين، ثاني اثنين، منصور، أذن خير، مصطفى، أمين، مأمون، قاسم، نقيب، المزَّمّل، المدّثّر، العلي، الحكيم، المؤمن، الرؤوف الرحيم، الصاحب، الشفيع، المشفَّع، المتوكّل، محمّد، أحمد، الماحي، الحاشر، المقفّي، العاقب، نبي التوبة، نبي الرحمة، نبي الملحمة، عبد الله. وذكر أبو الفرج بن الجوزي أن لنبينا ﷺ ثلاثة وعشرين اسما، وذكر ما علمت عليه هكذا من الأسماء التي ذكرها ابن العربي، وزاد ابن الجوزي، قال: والشاهد، والضحوك، والقتّال، والفاتح، والقثم. قال ابن الجوزي: هذه كلها أسماؤه، ومعلوم أن بعضها صفات، قلت: وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي موسى، قال: سمي لنا رسول الله ﷺ نفسَه بأسماء، منها: ما حفظنا، فقال: أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفّى، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي المقتلة، فهذه ستة، تقدم منها خمسة، والسادس مما لم يتقدم، نبي المقتلة، والله أعلم. وذكر الحميدي حديث أبي موسى في "الجمع بين الصحيحين"، وذكر نبي المرحمة بدل نبي الرحمة. وروى الترمذي من حديث حذيفة نحو حديث أبي موسى، وقال: فيه: ونبي الملاحم. قلت: وفي هذه الرِّواية لما ذكر رسول الله ﷺ أسماءه قال: فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، ولواء الحمد هي الراية، التي يمسكها صاحب الجيش. قال ابن مسعود وفي كتابه "الخصائص": سأل عبد الله بن سلام رسول الله ﷺ عن لواء الحمد ما صفته، فقال: طوله مسيرة ألف

стр. 76

سنة، وستمائة سنة، من ياقوتة حمراء، وقصبته أو قال: قبضته من فضة بيضاء، وزجّه من زمردة خضراء، له ثلاث ذوايب، ذوابة بالمشرق، وذوابة بالمغرب، وذوابة وسط الدنيا، عليه مكتوب ثلاثة أسطر، الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني: الحمد لله رب العالمين، والثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول كل سطر مسيرة ألف عام، قال: صدقت يا محمد. قال ابن دحية: فإن قال قائل: كيف تدعون زيادة أسمائه ﷺ إلى ثلاثمائة، وفي "الموطأ"، و"الصحيحين"، وغيرهما أن رسول الله ﵌ قال: لي خمسة أسماء. الجواب أما قوله ﷺ : لي خمسة أسماء: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، لا يدلّ على الحصر، وخصت هذه الخمسة بالذكر في وقت لمعنى ما، إما لعلم السامع بما سواها، فكأنه قال: لي خمسة فاضلة معظمة، أو شهرتها كأنه قال لي خمسة أسماء مشهورة، أو لغير ذلك مما يحتمله اللفظ من المعاني. وقال أبو العباس القرطبي: خصت هذه الأسماء بالذكر، لأنها هي الموجودة في الكتب المتقدمة، وأعرف عند الأمم السالفة، قال: ويحتمل أن يقال: إنه في الوقت الذي أخبر به لم يكن أوحي إليه في ذلك الوقت غيرها. انتهى. أسمائه ﵇ في الأشعار: قال الصلاح الصفدي في (الوافي بالوفيات): أنشدني لنفسه قراءة منِّي عليه الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين بن سيد الناس اليعمري، فيما وافق من أسماء الله الحسنى لأسماء رسول الله ﷺ ، في قصيدة له في مدحه:

стр. 77

وَحلَّاهُ من حُسْنى أسَامِيه جُمْلةً … أتى ذكرُها فِي الذِّكْرِ ليس يبيدُ وفي كُتب الله المقدَس ذِكرُها … وفي سُنَّةٍ تأتي بها وتُفِيدُ رَؤوفٌ رحيمٌ فاتحٌ ومُقدّسٌ … أمينٌ قويٌ عَالِمٌ وشهيدُ وَليٌّ شكورٌ صادقٌ في مَقالِه … عَفُوٌ كريمٌ بالنَّوَالِ يعودُ ونُورٌ وجبارٌ وهَادي من اهتدَى … ومولى عزيزٌ ليس عنه مَحيدُ بَشيرٌ نذيرٌ مؤمنٌ ومُهَيْمِنٌ … خَبيرٌ عَظيمٌ بالعَظيم يَجُودُ وحقٌّ مُبينٌ آخرٌ أول سما … إلى ذِروة العلياء وهو وَليدُ فآخِرُ أعْني آخِرَ الرُّسْل بَعْثُه … وأولُ مَن ينشقُ عَنهُ صَعِيدُ أسامٍ يَلَذ السَّمعُ إن هي عُدِّدَتْ … نعُوتُ ثَنَاءٍ والثناءُ عَديدُ وقال حسَّان بن ثابت، رضى الله تعالى عنه: فشقّ له إسْمهِ ليُجِلَّهُ … فذُو الْعَرشِ محمودٌ وهذا مُحمَّدُ انتهى كلام الصفدي. الفصل الثاني في ولادة النبي وأحواله ﷺ ولد ﷺ يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول من عام الفيل، قيل: ثانيه، وقيل: ثالثه، وقيل: ثاني عشره، وقيل: غير ذلك. يَوْمٌ أضاء به الزمانُ وفتَّحتْ … فيه الهدَايةُ زَهْرةَ الآمالِ وقال عبد المطلب يوم ولادته: الحمد لله الذي أعطاني … هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان … أعيذه بالله ذي الأركان حتى أراه بالغ البنيان … أعيذه من شر ذي شنآن من حاسد مضطرب العنان

стр. 78

ومات أبوه وله من العمر ثمانيةٌ وعشرون شهرًا، وقيل شهران، وقيل: سبع، وقيل: وهو حَمْل، كفله جَدُّه عبد المطلب، ثم توفي عبد المطلب وله ﷺ من العمر إذ ذاك ثمان سنين وشهران وعشرة أيام، فكفله عمُّه أَبو طالب. وماتت أمه آمنة، وهو ابن أربع سنين، وقيل: ست. وأرضعتْه حَليمة السعدية، وثويبة الأسلمية، وحضنتْه أم أيمن. ولما بلغ اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام، خرج مع عمِّه أَبي طالب إلى "الشام"، فلما بلغ "بُصرى" رآه بحيرى الراهب، فعرفه بصفته، فجاءهُ، وأخذ بيده، وقال: هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق حجرٌ ولا شجر إلا خَرَّ ساجدًا، ولا يسجد إلا لنبي، وإنا نجده في كُتبنا. وقال لأبي طالب: لئن قدمت به إلى "الشام" لتقتله اليهود، فرده خوفًا عليه منهم. ثم خرج مرة ثانية إلى "الشام"، مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد، في تجارة لها قبل أن يتزوّجها، فلما قدم "الشام"، نزل تحت ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما تىل تحت ظلّ هذه الشجرة إلا نبي. وكان ميسرة يقول: إذا كان الهاجرة، واشتدّ الحر، نزل ملكان يُظلانه. ولما رجع من سفره تزوَّج خديجة بنت خويلد، وعمره خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام، وقيل: غير ذلك. ولما بَلغ خمسًا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة، ووضع الحجر الأسود بيده.

стр. 79

ونشأ رسول اللّه ﷺ في قومه ولَدْ طهَّره الله تعالى من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خُلُق جميل، حتى لم يكن يُعرف من بينهم إلا بالأمين؛ لما رأوه من أمانته، وصدق لسانه، وطهارته. ولما بلغ أربعين سنة ويومًا بعثه الله بشيرًا ونذيرًا، وأتاه جبريل ﵇ بـ "غار حراء"، فقال: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال رسول الله ﷺ : فأخذني فغطَّني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فقال في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُبح، وحُبِّب إليه الخَلاء، وكان يخلو بـ"غار حراء"، فيتحنَّث فيه - وهو التعبَّد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع لخديجة، فيتزوَّد لمثلها، حتى جاءه الحقُّ". رواه البخاري ومسلم. وكان مبدأ النبوة فيما ذُكر يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول. ثم حصره أهل "مكة" هو وأهل بيته في الشعب ثلاث سنين، ثم خرج من الشعب وله تسع وأربعون سنة. وبعد ذلك بثمانية أشهر وأحد وعشرين يومًا، مات عمُّه أبو طالب. وماتت خديجة، رضي الله تعالى عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام. وكانت أول من آمن بما جاء به، ثم آمن أبو بكر، ثمَّ علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وبلال رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد هؤلاء عمرو بن

стр. 80

عبسة السلمي، وخالد بن سعيد بن العاص، وسعد بن أبي وقَّاص، وعثمان بن عفَّان، والزبير بن العوَّام، وطلحة بن عُبيد الله ابن عثمان، ثم كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تمام الأربعين إسلامًا، ذكر ذلك ابنُ حَزْم في "مختصر السيرة". ولما بلغ خمسين سنة وثلاثة أشهر قدِم عليه جِنُّ نصيبين، فأسلموا. إسرائه ﵊: ولما بلغ إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، أسري به إلى "بيت المقدس". روى البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، "أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أُسري به، قال: "بينما أنا في الحطيم" - وربما قال: "في الحجر مضطجع" - ومنهم من قال: "بين النائم واليقظان"، "إذ أتاني آت"، قال: فَسمعته يقول: "فشق ما بين هذه إلى هذه". فقيل للجارود: ما يَعني به؟ قال: من ثَغْرة نحره إلى شِعرته، وسمعته يقول: من قَصِّه إلى شِعرته. "فاستخرج قلبي، ثم أُتيت بطشت من ذهب مملوءة إيمانًا، فغسل قلبي ثم حُشي، ثم دُعي بدابة دون البغل وفوق الحمار" فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ فقال أنس: نعم، يضع خطوة عند أقصى طرفه "فحملت عليه، فانطلق بي جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء" الحديث بطوله. ورأى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، و ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، وفرضت الصلاة تلك الليلة، ولما أصبح قص علي قريش ما رأى. وروى البخاري، ومسلم، والترمذي عن جابر، "أنه سمع رسول الله صلى الله

стр. 81

عليه وسلم، يقول: "لما كذبني قريش قُمت إلى الحجر الأسود، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه". وقد اختلف الناس في كيفية الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين متفقون على أنه يجسده ﷺ ، والأقلّون قالوا: بروحه. حكى الطبري في (تفسيره) عن حذيفة، أنه قال: كل ذلك رؤيا، وحكي هذا القول أيضًا عن عائشة، وعن معاوية رضي الله تعالى عنهما. ومنهم من قال: يجسده إلى "بيت المقدس"، ومن هناك إلى السموات السبع بروحه. قال الصلاح الصفدي، بعد أن نقل ما ذكرناه من الأقوال، قلت: والصحيح الأول؛ لأنه قد صح أن قريشًا كذبته، ولو قال رسول الله ﷺ : رأيت رؤيا، لما كُذِّب، ولا أنكر ذلك على غيره، فضلًا عنه؛ لأن آحاد الناس يرون في منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات، وما ذلك ببدع. قال: أنشدني لنفسه الشيخ الإمام شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سلمان بن فهد الحلبي الكاتب رحمه الله تعالى قراءة مني عليه، من جملة قصيدة طويلة، من جُملة مُجلدة فيها مدح النبي ﷺ : أُسْرى إلى الأقْصَى بجسمِكَ يَقْظةً … لا في المنام فَيقبلُ التَّأويلَا إذ أنْكرتْه قريشُ قبل ولم تكنْ … لِترَى المهُولَ من المنامِ مَهُولا ولما بلغ ﷺ ثلاثًا وخمسين سنة هاجر إلى "المدينة"، ومعه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ومولى أبي بكر عامر بن فُهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي. قال الحافظ عبد الغني، وغيره: وهو كافر، ولم نعرف له إسلامًا. فأقام بـ "المدينة" عشر سنين، وكان يُصلي إلى "بيت المقدس" مُدة إقامته بـ "مكة"، ولا يستدبر الكعبة، يجعلها بين يديه، وصلى إلى "بيت المقدس" بعد قدومه "المدينة" سبعة عشر شهرًا، أو ستة عشر شهرًا.

стр. 82

وفاته ﷺ : ولما أكمل في "المدينة" عشر سنين سوا تُوفي، وقد بلغ ثلاثًا وستين سنة، وقيل: غير ذلك، وفيما تقدم من التواريخ خلاف، وكانت وفاته يوم الاثنين، حين اشتدّ الضُّحي، لثنتي عشرة ليلة خلتْ من ربيع الأول، ومرض أربعة عشر يومًا، ودفن ليلة الأربعاء. ولما حضره الموت كان عنده قدح فيه ماء، فجعل يدخل يده فيه، ويمسح وجهه، ويقول: "اللهم أعني على سكرات الموت"، وَسجي ببرد حبرة، وقيل: إن الملائكة سجته. وكذَّب بعض أصحابه بموته دَهشة، يُحكى ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه، وأُحرِسَ عُثمان رضي الله تعالى عنه، وأقعِدَ علي رضي الله تعالى عنه، ولم يكن فيهم أثبت من العبَّاس، وأبي بكر رضي الله تعالى عنهما. ثم إن الناس سمعوا من باب الحجرة: لا تغسلوه، فإنه طاهر مُطهر، ثم سمعوا بعد ذلك: اغسلوه؛ فإن هذا إبليس، وأنا الخضر، وعزاهم، فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودَركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، فإن المصاب من حُرم الثواب. واختلفوا في غسله، هل يكون في ثيابه أو يجرّد عنها؟ فوضع الله عليهم النوم، فقال قائل، لا يدري من هو: اغسلوه في ثيابه، فانتبهوا، وفعلوا ذلك. والذين ولوا غسله عليٌّ والعباس، ووالده الفضل، وقُثَم، وأسامة وشُقْران مَولياه، وحضرهم أوس بن خولَى من الأنصار، ونفضه عليّ، فلم يخرج منه شيء، فقال: صلى الله عليك وسلم، طِبت حيًا وميتًا. وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة. وصلى المسلمون عليه أفذاذة، ولم يأمُّهم أحد.

стр. 83

وفرش تحته في القبر قطيفة حمراء، كان يتغطى بها، ونزل شقران، وحفر له، وألحد، وأطبق عليه تسعُ لِبنات. واختلفوا: أيُلحد، أم يُضرح؟. وكان بـ "المدينة" حَفَّارَان، أحدهما يلحد، وهو أبو طلحة، والآخر يضرح، وهو أبو عبيدة، فاتفقوا أن من جاء منهما أولًا عمل عليه، فجاء الذي يلحد، فلحد له. ونُحي فراشه، وحُفر له مكانه في بيت عائشة، رضي الله تعالى عنها. وقال الحافظ عبد الغني: حول فراشه. وكان ابتداء وجعه في بيت عائشة، واشتدَّ أمره في بيت ميمونة، فطلب من نسائه أن يُمرض في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، فأذن له في ذلك، وكان ما ابتدأ به من الوجع صُداع، وتمادى به، وكان ينفث في علته شيئًا يشبه أكل الزبيب، ومات بعد أن خيره الله تعالى بين البقاء في الدنيا ولقاء ربه، فاختار لقاء الله تعالى. ما قال عمر بعد وفاته ﵇: ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه سمع بعد وفاة النبي ﷺ يقول، وهو يبكي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب عليه، فلما كُثير الناس اتخذت منبرًا تسمعهم، فحنَّ الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه، فسكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك، أن جعل طاعتك طاعته، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أن أخبرك بالعفو عنك، قبل أن يخبرك بذنبك، فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.

стр. 84

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعلك آخر الأنبياء، وذكرك في أولهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون لو يكونوا أطاعوك، بين أطباقها يُعذبون، ويقولون: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن كان موسى بن عمران ﵇، أعطاه الله حَجرًا تتفجر منه الأنهار، فماذا بأعجبَ من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليك وسلم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان سُليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، فما ذلك بأعجب من البُراق حين سرتَ عليه إلى السماء السابعة، ثم صليت الصبح بالأبطح، صلى الله عليك وسلم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان عيسى ابن مريم ﵊، أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، فما ذلك بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتْك، وهي مشوية، فقالت: لا تأكلني؛ فإني مسمومة. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، ولو دَعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرًا، فقلت: "اللَّهُمَّ اغْفِر لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد اتبعك في قلة سنّك، وقصر عمرك، ما لم يتبع نُوحًا في كبر سنّه، وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير، وما آمن معه إلا القليل.

стр. 85

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو لم تجلس إلا كفوًا ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفوًا ما أكلتنا، لَبست الصوف، وركبت الحمار، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك تواضعًا منك صلى الله عليك وسلم. انتهى كلام التميمي الداري في "الطبقات السنية". ذكر أولاده ﷺ : وأولاده ﷺ الذكور ثلاثة، هذا هو الصحيح، القاسم، وبه كان يكنى، وهو بكر أولاده، وعبد الله، وهو الطيّب، والطاهر، مات بـ "مكة"، وهما من خديجة ﵂، وإبراهيم بن مارية، مات بـ "المدينة"، وكلهم ماتوا صغارا قبل استكمال مدة الرضاع، والبنات أربع من خديجة أيضًا، زينب زوج أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، وهو ابن خالتها، ماتتْ تحته في حياة رسول الله ﷺ ، وفاطمة زوج علي ﵄، ماتتْ بعد أبيها بستة أشهر، وأم كلثوم، ورقية، تزوّجهما عثمان بن عفان ﵃، وماتتا تحته في حياة رسول الله ﷺ ، تزوَّج أولا رقية، فماتت، فتزوَّج بأم كلثوم، وأول من ولد له القاسم، ثم زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم عبد الله، ثم إبراهيم، ﵃. الفصل الثالث: في ذكر مغازي رسول الله ﷺ وسراياه قال الإمام ابن سعد في "طبقاته الكبرى": وغزا رسول الله ﷺ خمسا وعشرين غزوة بنفسه، وقيل: سبعا وعشرين، ولم يقاتل إلا في تسع: "بدر"، و"أحد"، و"الخندق"، وبني قريظة، والمصطلق، و"خيبر"، وفتح "مكة"، و"حنين"، و"الطائف".

стр. 86

قال الإمام محمد بن سعد بن منيع الزهري المتوفي سنة ٢٣٠ هـ في "الطبقات الكبرى": قالوا: كان عدد مغازي رسول الله ﷺ التي غزا بنفسه سبعا وعشرين غزوة، وكانت سراياه التي بعث بها سبعا وأربعين سرية، وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات: بدر القتال، وأحد، والمريسع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح "مكة"، وحنين، والطائف. فهذا ما اجتمع لنا عليه. وفي بعض روايتهم أنه قاتل في بني النضير، ولكن الله جعلها له نفلا خاصة، وقاتل في غزوة "وادي القرى" منصرفه من "خيبر"، وقتل بعض أصحابه، وقاتل في "الغابة". قالوا: وقدم رسول الله ﷺ "المدينة" حين هاجر من "مكة" يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وهو المجتمع عليه، وقد روى بعضهم إنه قدم لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، فكان أول لواء عقده رسول الله ﷺ لحمزة بن عبد المطلب بن هاشم في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجر رسول الله ﷺ لواء أبيض، فكان الذي حمله أبو مرثد كنَّاز بن الحصين الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وبعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين رجلًا من المهاجرين، قال بعضهم: كانوا شطرين من المهاجرين والأنصار، والمجتمع عليه أنهم كانوا جميعا من المهاجرين، ولم يبعث رسول الله ﷺ أحدا من الأنصار مبعثا، حتى غزا بهم بدرا، وذلك أنهم شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم، وهذا الثبت عندنا، وخرج حمزة يعترض لعير قريش قد جاءت من "الشام" تريد "مكة"، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر يعني ساحله من ناحية "العيص"، فالتقوا حتى اصطفوا للقتال، فمشي مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفا للفريقين جميعا إلى هؤلاء مرة،

стр. 87

وإلى هؤلاء مرة، حتى حجز بينهم، ولم يقتلوا، فتوجّه أبو جهل في أصحابه، وعيره إلى "مكة"، وانصرف حمزة بن عبد المطلب في أصحابه إلى "المدينة". ١ - سرية عبيدة بن الحارث: ثم سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف إلى "بطن رابغ" في شوَّال على رأس ثمانية أشهر من مهاجر رسول الله ﷺ ، عقد له لواء أبيض، كان الذي حمله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف، بعثه رسول الله ﷺ في ستين رجلًا من المهاجرين، ليس فيهم أنصاري، فلقي أبا سفيان بن حرب، وهو في مائتين من أصحابه، وهو على ماء، يقال له: "أحياء" من"بطن رابغ" على عشرة أميال من "الجحفة". ٢ - سرية سعد بن أبي وقَّاص: ثم سرية سعد بن أبي وقَّاص إلى "الخرار" في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجر رسول الله ﷺ ، عقد له لواء أبيض، حمله المقداد بن عمرو البهراني، وبعثه في عشرين رجلًا من المهاجرين، يعترض العير قريش تمر به. ٣ - غزوة الأبواء: ثم غزوة رسول الله ﷺ الأبواء في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء أبيض، واستخلف على "المدينة" سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين ليس فيهم أنصاري، حتى بلغ "الأبواء"، يعترض لعير قريش، فلم يلق كيدا، وهي غزوة ودان، وكلاهما قد ورد، وبينهما ستة أميال، وهي أول غزوة غزاها بنفسه. ٤ - غزوة بواط: ثم غزوة رسول الله ﷺ "بواط" في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواء سعد بن أبي وقَّاص،

стр. 88

وكان لواء أبيض، واستخلف على "المدينة" سعد بن معاذ، وخرج في مائتين من أصحابه، يعترض لعير قريش، فيها أمية بن خلف الجمحي، ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ "بواط"، وهي جبال من جبال جهينة من ناحية "رضوى"، وهي قريب من "ذي خشب" مما يلي طريق "الشام"، وبين "بواط" و"المدينة" نحو أربعة برد، فلم يلق رسول الله ﷺ كيدا، فرجع إلى "المدينة". ٥ - غزوة طلب كرز بن جابر الفهري: ثم غزوة رسول الله ﷺ لطلب كرز بن جابر الفهري في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، وكان لواء أبيض، واستخلف على "المدينة" زيد بن حارثة، وكان كرز بن جابر قد أغار على سرح "المدينة"، فاستاقه، وكان يرعى بـ "الجماء"، والسرح ما رعوا من نعمهم، و "الجماء" جبل ناحية "العقيق" إلى "الجرف"، بينه وبين "المدينة" ثلاثة أميال، فطلبه رسول الله ﷺ ، حتى بلغ واديا، يقال له: "سفوان" من ناحية "بدر"، وفاته كرز بن جابر، فلم يلحقه، فرجع رسول الله ﷺ إلى "المدينة". ٦ - غزوة ذي العشيرة: ثم غزوة رسول الله ﷺ "ذا العشيرة" في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء أبيض، واستخلف على "المدينة" أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين من المهاجرين ممن انتدب، ولم يكره أحدا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرا، يتعقبونها، خرج يعترض لعير قريش حين أبدأت إلى "الشام"، وكان قد جاءه الخبر بفصولها من"مكة"، فيها أموال قريش، فبلغ "ذا العشيرة"، وهي لبني مدلج بناحية "ينبع"، وبين "ينبع" و"المدينة" تسعة برد، فوجد العير التي خرج لها قد

стр. 89

مضت قبل ذلك بأيام، وهي العير التي خرج لها أيضًا يريدها حين رجعت من "الشام"، فساحلت على البحر، وبلغ قريشا خبرها، فخرجوا يمنعوها، فلقوا رسول الله ﷺ بـ "بدر"، فواقعهم، وقتل منهم من قتل، وبـ "ذي العشيرة" كنى رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب أبا تراب. ٧ - سرية عبد الله بن جحش الأسدي: ثم سرية عبد الله بن جحش الأسدي إلى "نخلة" في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، بعثه في اثني عشر رجلًا من المهاجرين، كل اثنين يتعقبان بعيرا إلى بطن "نخلة"، وهو بستان بن عامر الذي قرب "مكة"، وأمره أن يرصد بها عير قريش، فوردت عليه، فهابهم أهل العير، وأنكروا أمرهم، فحلق عكَّاشة بن محصن الأسدي رأسه، حلقه عامر بن ربيعة ليطمئن القوم. ٨ - غزوة بدر: ثم غزوة رسول الله ﷺ بدر القتال، ويقال: بدر الكبرى، قالوا: لما تحين رسول الله ﷺ انصراف العير من "الشام" التي كان خرج لها يريدها حتى بلغ "ذا العشيرة" بعث طلحة بن عبيد الله التيمي، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يتحسّسان خبر العير، فبلغا "التجبار" من أرض "الحوراء"، فنزلا علي كشد الجهني، فأجارهما، وأنزلهما، وكتم عليهما، حتى مرت العير، ثم خرجا، وخرج معهما كشد خفيرا، حتى أوردهما ذا المروة، وساحلت العير، وأسرعت، فساروا بالليل والنهار فرقا من الطلب، فقدم طلحة وسعيد" المدينة"، ليخبرا رسول الله ﷺ خبر العير، فوجداه قد خرج، وكان قد ندب المسلمين للخروج معه، وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، لعل الله أن يغنمكموها، فأسرع من أسرع إلى ذلك، وأبطأ عنه بشر كثير، وكان من تخلف لم يلم، لأنهم لم يخرجوا على قتال إنما خرجوا للعير، فخرج رسول الله ﷺ من "المدينة" يوم

стр. 90

السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجره، وذلك بعدما وجه طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعشر ليال، وخرج من خرج معه من المهاجرين، وخرجت معه الأنصار في هذه الغزاة، ولم يكن غزا بأحد منهم قبل ذلك، وضرب رسول الله ﷺ عسكره بـ "بئر أبي عنبة" وهي على ميل من "المدينة"، فعرض أصحابه، ورد من استصغر، وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر، كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين رجلًا، وسائرهم من الأنصار. ٩ - سرية عمير بن عدي: ثم سرية عمير بن عدي بن خرشة الخطمي إلى عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد لخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تعيب الإسلام، وتؤذي النبي، وتحرض عليه، وتقول الشعر، فجاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها، منهم من ترضعه في صدرها، فجسَّها بيده، وكان ضرير البصر، ونحى الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها، حتى أنفذه من ظهرها، ثم صلى الصبح مع النبي ﷺ بـ "المدينة". ١٠ - سرية سالم بن عمير: ثم سرية سالم بن عمير العمري إلى أبي عفك اليهودي في شوَّال على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخا كبيرًا، قد بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يهوديا، وكان يحرض على رسول الله ﷺ ، ويقول: الشعر، فقال سالم بن عمير: وهو أحد البكائين، وقد شهد بدرا علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة، حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء، وعلم به سالم بن عمير، فأقبل، فوضع السيف على كبده، ثم

стр. 91

اعتمد عليه، حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله، فثاب إليه ناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله، وقبروه. ١١ - غزوة بني قينقاع: ثم غزوة رسول الله ﷺ بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوَّال على رأس عشرين شهرا من مهاجره، وكانوا قوما من يهود حلفاء العبد الله بن أبي بن سلول، وكانوا أشجع يهود، وكانوا صاغة، فوادعوا النبي ﷺ ، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد، ونبذوا العهد والمرة، فأنزل الله ﵎ على نبيه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، فقال رسول الله ﷺ : أنا أخاف بني قينقاع، فسار إليهم بهذه الآية، وكان الذي حمل لواءه يومئذ حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء رسول الله ﷺ أبيض، ولم يكن الرايات يومئذ، واستخلف على "المدينة" لبابة بن عبد المنذر العمري، ثم سار إليهم، فحاصرَهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، فكانوا أول من غدر من اليهود، وحاربوا، وتحصنوا في حصنهم، فحاصرهم أشدَّ الحصار، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ أن لرسول الله ﷺ أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم، فكتفوا، واستعمل رسول الله ﷺ على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي من بني السلم رهط سعد بن خيثمة. ١٢ - غزوة السويق: ثم غزوة النبي ﷺ التي تدعى غزوة السويق، خرج رسول الله ﷺ يوم الأحد لخمس خلون من ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره، واستخلف على "المدينة" أبا لبابة بن

стр. 92

عبد المنذر العمري، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى "مكة" حرم الدهن، حتى يثئر من محمد وأصحابه، فخرج في مائتي راكب في حديث الزهري، وفي حديث ابن كعب في أربعين راكبا، فسلكوا النجدية فجاؤوا بني النضير ليلا، فطرقوا حيي بن أخطب ليستخبروه من أخبار رسول الله ﷺ وأصحابه، فأبى أن يفتح لهم، وطرقوا سلام بن مشكم، ففتح لهم، وقراهم، وسقاهم خمرا، وأخبرهم من أخبار رسول الله ﷺ ، فلما كان بالسحر خرج أبو سفيان بن حرب، فمرَّ بالعريض، وبينه وبين "المدينة" نحو من ثلاثة أميال، فقتل به رجلًا من الأنصار، وأجيرا له، وحرق أبياتا هناك وتبنا، ورأى أن يمينه قد حلت، ثم ولى هاربا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فندب أصحابه، وخرج في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار في أثرهم، يطلبهم، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون، فيلقون جرب السويق، وهي عامة أزوادهم، فجعل المسلمون يأخذونها، فسميت غزوة السويق، ولم يلحقوهم، وانصرف رسول الله ﷺ إلى "المدينة"، وكان غاب خمسة أيام. ١٣ - غزوة قرقرة الكدر: ويقال: قرارة الكدر، ثم غزوة رسول الله ﷺ قرقرة الكدر، ويقال: قرارة الكدر للنصف من المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره، وهي بناحية معدن بني سليم قريب من "الأرضية" وراء "سد معونة"، وبين "المعدن" وبين "المدينة" ثمانية برد، وكان الذي حمل لواءه ﷺ علي بن أبي طالب، واستخلف على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم. ١٤ - سرية قتل كعب بن الأشرف: ثم سرية قتل كعب بن الأشرف اليهودي، وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجر رسول

стр. 93

الله ﷺ ، وكان سبب قتله أنه كان رجلًا شاعرا يهجو النبيَّ ﷺ ، وأصحابه، ويحرض عليهم، ويؤذيهم، فلما كانت وقعة بدر كبت وذل، وقال: بطن الأرض خير من ظهرها اليوم، فخرج حتى قدم "مكة"، فبكى قتلي قريش، وحرضهم بالشعر، ثم قدم"المدينة"، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر، وقوله: الأشعار، وقال أيضًا: من لي بابن الأشرف، فقد آذاني، فقال محمد بن مسلمة: أنا به يا رسول الله، وأنا أقتله، فقال: أفعل … ثم حزوا رأسه، وحملوه معهم، فلما بلغوا "بقيع الغرقد" كبروا، وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر. ١٥ - غزوة رسول الله ﷺ غطفان: ثم غزوة رسول الله ﷺ غطفان إلى "نجد"، وهي "ذو أمر" ناحية "النخيل" في شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بـ "ذي أمر" قد تجمعوا، يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ﷺ جمعهم رجل منهم يقال له: دعثور بن الحارث من بني محارب، فندب رسول الله ﷺ المسلمين، وخرج لاثنتي عشرة ليلة، مضت من شهر ربيع الأول في أربعمائة وخمسين رجلًا، ومعهم أفراس، واستخلف على "المدينة" عثمان بن عفان، فأصابوا رجلًا منهم بـ "ذي القصة"، يقال له: جبار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله ﷺ ، فأخبره من خيرهم، وقال: لن يلاقوك، لو سمعوا بمسيرك، هربوا في رؤوس الجبال، وأنا سائر معك، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم، وضمَّه رسول الله ﷺ إلى بلال، ولم يلاق رسول الله ﷺ أحدا إلا أنه ينظر إليهم في رؤوس الجبال.

стр. 94

١٦ - غزوة رسول الله ﷺ بني سليم: ثم غزوة رسول الله ﷺ بني سليم بـ "بحران" لست خلون من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجره، و"بحران" بناحية "الفرع"، وبين "الفرع" و"المدينة" ثمانية برد، وذلك أنه بلغه أن بها جمعا من بني سليم كثيرًا، فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه، واستخلف على "المدينة" بن أم المكتوم، وأغذ السير حتى ورد "بحران"، فوجدهم قد تفرَّقوا في مياههم، فرجع، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال. ١٧ - سرية زيد بن حارثة: ثم سرية زيد بن حارثة إلى "القردة"، وكانت لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وهي أول سرية خرج فيها زيد أميرا، و"القردة" من أرض "نجد"، بين "الربذة" و"الغمرة" ناحية "ذات عرق"، بعثه رسول الله ﷺ يعترض لعير قريش، فيها صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعه مال كثير نقر وآنية فضة، وزن ثلاثين ألف درهم. ١٨ - غزوة رسول الله ﷺ أحد: ثم غزوة رسول الله ﷺ "أحدا" يوم السبت لسبع ليال خلون من شوَّال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره، قالوا: لما رجع من حضر "بدرا" من المشركين إلى "مكة" وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة، فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان، فقالوا: نحن طيبو أنفس إن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك، وبنو عبد مناف معي، فباعوها، فصارت ذهبا، فكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم، وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يرحون في تجارتهم للدينار دينارا، وفيهم

стр. 95

نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وبعثوا رسلهم يسيرون في العرب، يدعوهم إلى نصرهم، فأوعبوا، وتألب من كان معهم من العرب، وحضروا، فأجمعوا على إخراج الظعن، يعني النساء معهم ليذكرنهم قتلى بدر، فيحفظنهم، فيكون أحد لهم في القتال، وكتب العبَّاس بن عبد المطلب بخيرهم كلّه إلى رسول الله ﷺ ، فأخبر رسول الله ﷺ سعد بن الربيع بكتاب العبَّاس، وأرجف المنافقون واليهود بـ "المدينة"، وخرجتْ قريش من "مكة"، ومعهم أبو عامر الفاسق، وكان يسمَّى قبل ذلك الراهب في خمسين رجلًا من قومه، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل، فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، والظعن خمس عشرة امرأة، وشاع خبرهم ومسيرهم في الناس، حتى نزلوا "ذا الحليفة"، فبعث رسول الله ﷺ عينين له: أنسا، ومؤنسا، ابني فضالة الظفريين، ليلة الخميس الخمس ليال مضين من شوَّال، فأتيا رسول الله ﷺ بخبرهم، وأنهم قد خلوا إبلهم، وخيلهم في الزرع الذي بالعريض، حتى تركوه ليس به خضراء، ثم بعث الحباب بن المنذر بن الجموح إليهم أيضًا، فدخل فيهم، فحزرهم، وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة في عدة ليلة الجمعة، عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله ﷺ ، وحرست "المدينة"، حتى أصبحوا، ورأى رسول الله ﷺ تلك الليلة كأنه في درع حصينة، وكأن سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند ظبته، وكان بقرا تذبح، وكأنه مردف كبشا، فأخبر بها أصحابه، وأؤها، فقال: أما الدرع الحصينة فـ "المدينة"، وأما انفصام سيفي، فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح، فقتل في أصحابي، وأما مردف كبشا، فكبش الكتيبة، يقتله الله إن شاء الله، فكان رأى رسول الله ﷺ أن لا يخرج من "المدينة" لهذه الرؤيا، فأحبَّ أن يوافق على مثل رأيه، فاستشار أصحابه في الخروج، فأشار عليه عبد الله بن أبي بن

стр. 96

سلول أن لا يخرج، وكان ذلك رأي الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله ﷺ : امكثوا في "المدينة"، واجعلوا النساء والذراري في الآطام، فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، فطلبوا من رسول الله ﷺ الخروج إلى عدوهم، ورغبوا في الشهادة، وقالوا: اخرج بنا إلى عدونا، فغلب على الأمر الذي يريدون الخروج، فصلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس، ثم وعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوّهم، ففرح الناس بالشخوص، ثم صلى بالناس العصر، وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي. ثم دخل رسول الله ﷺ بيته، ومعه أبو بكر وعمر، فعمماه، ولبساه، وصفّ الناس له، ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء، فردوا الأمر إليه، فخرج رسول الله ﷺ قد لبس لأمته، وأظهر الدرع، وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل السيف، واعتم، وتقلد السيف، وألقى الترسَ في ظهره، فندموا جميعا على ما صنعوا، وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك، فقال رسول الله ﷺ : لا ينبغي لني إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما أمرتكم به، فافعلوه، وامضوا على اسم الله، فلكم النصر ما صبرتم، ثم دعا بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواءَ الأوس إلى أسيد بن حضير، ودفع لواءَ الخزرج إلى الحباب بن المنذر، ويقال: إلى سعد بن عبادة، ودفع لواءه لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ويقال: إلى مصعب بن عمير، واستخلف على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم.

стр. 97

١٩ - غزوة رسول الله ﷺ حمراء الأسد: ثم غزوة رسول الله ﷺ حمراء الأسد يوم الأحد لثماني ليال خلون من شوَّال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره، قالوا: لما انصرف رسول الله ﷺ من "أحد" مساء يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، فلما صلى رسول الله ﷺ الصبح يوم الأحد أمر بلالا أن ينادي أن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، فقال جابر بن عبد الله: إن أبي خلفني يوم أحد على أخوات لي، فلم أشهد الحرب، فأذن لي أن أسير معك، فأذن له رسول الله ﷺ ، فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال غيره، ودعا رسول الله ﷺ بلوائه، وهو معقود، لم يحل، فدفعه إلى علي بن أبي طالب، ويقال: إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، وخرج وهو مجروح في وجهه، ومشجوج في جبهته، ورباعيته قد شظيت، وشفته السفلى قد كلمت في باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن من ضربة بن قميئة، وركبتاه مجحوشتان، وحشد أهل العوالي، ونزلوا حيث أتاهم الصريخ، وركب رسول الله ﷺ فرسه، وخرج الناس معه، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بـ "حمراء الأسد"، وهي من "المدينة" على عشرة أميال طريق "العقيق" متياسرة عن "ذي الحليفة" إذا أخذها في "الوادي"، وللقوم زجل، وهم يأتمرون بالرجوع، وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرجلين، فعطفوا عليهما، فعلوهما، ومضوا، ومضى رسول الله ﷺ بأصحابه، حتى عسكروا بـ "حمراء الأسد"، فدفن الرجلين في قبر واحد، وهما القرينان، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار، حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله ﵎ بذلك عدوهم، فانصرف رسول الله

стр. 98

صلى الله عليه وسلم إلى "المدينة"، فدخلها يوم الجمعة، وقد غاب خمس ليال، وكان استخلف على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم. ٢٠ - سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي: ثم سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى "قطن"، وهو جبل بناحية "فيد"، به ماء لبني أسد بن خزيمة في هلال المحرَّم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن طليحة وسلمة ابني خويلد، قد سارا في قومهما، ومن أطاعَهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، فدَعَا رسول الله ﷺ أبا سلمة، وعقد له لواء، وبعث معه مائة وخمسين رجلًا من المهاجرين والأنصار. ٢١ - سرية عبد الله بن أنيس: ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي بـ "عرنة" خرج من "المدينة" يوم الاثنين لخمس خلون من المحرَّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني، وكان ينزل "عرنة" وما والاها في ناس من قومه وغيرهم، قد جمع الجموع لرسول الله ﷺ ، فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس ليقتله. ٢٢ - سرية المنذر بن عمرو: ثم سرية المنذر بن عمرو الساعدي إلى "بئر معونة" في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: وقدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة الكلابني على رسول الله ﷺ ، فأهدى له، فلم يقبل منه، وعرض عليه

стр. 99

الإسلام، فلم يسلم، ولم يبعد، وقال: لو بعثت معي نفرا من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك، ويتبعوا أمرك، فقال: إني أخاف عليهم أهل "نجد"، فقال: أنا لهم جار، إن يعرض لهم أحد، فبعث معه رسول الله ﷺ سبعين رجلا من الأنصار شببة، يسمون القرَّاء، وأمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فلما نزلوا بـ "بئر معونة" وهو ماء من مياه بني سليم، وهو بين أرض بني عامر وأرض بني سليم، كلا البلدين يعدّ منه، وهو بناحية "المعدن"، نزلوا عليها، وعسكروا بها، وسرحوا ظهورهم، وقدموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فوثب على حرام، فقتله، واستصرخ عليهم بني عامر، فأبوا، وقالوا: لا يخفر جوار أبي براء، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم، عصية، ورعلا، وذكوان، فنفروا معه، ورأسوه، واستبطأ المسلمون حراما، فأقبلوا في أثره، فلقيهم القوم، فأحاطوا بهم، فكاثروهم، فتقاتلوا، فقتل أصحاب رسول الله ﷺ ، وفيهم سليم بن ملحان، والحكم بن كيسان في سبعين رجلا، فلما أحيط بهم، قالوا: اللَّهم إنا لا نجد مَنْ يبلغ رسولَك منَّا السّلامَ غيرَك، فأقرئه منا السّلام، فأخبره جبرائيل ﷺ بذلك، فقال: وعليهم السلام، وبقي المنذر بن عمرو، فقالوا: إن شئت آمناك، فأبى، وأتى مصرع حرام، فقاتلهم، حتى قتل، فقال رسول الله ﷺ أعنق ليموت، يعني أنه تقدم على الموت، وهو يعرفه، وكان معهم عمرو بن أمية الضمري، فقتلوا جميعا غيره، فقال عامر بن الطفيل: قد كان على أمّي نسمة، فأنتَ حرّ عنها، وجزّ ناصيته. ٢٣ - سرية مرثد بن أبي مرثد: ثم سرية مرثد بن أبي مرثد الغَنَوي إلى "الرجيع" في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ .

стр. 100

٢٤ - غزوة رسول الله ﷺ بني النضير: ثم غزوة رسول الله ﷺ بني النضير في شهر ربيع الأول سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجره، وكانت منازل بني النضير بناحية "الغرس" وما والاها مقبرة بني خطمة اليوم، فكانوا حلفاء لبني عامر، قالوا: خرج رسول الله ﷺ يوم السبت، فصلى في مسجد قباء، ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم أتى بنى النضير، فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت، وخلا بعضهم ببعض، وهموا بالغدر به، وقال عمرو بن جحاش بن كعب بن بسيل النضري أنا أظهر على البيت، فأطرح عليه صخرة، فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا، والله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء رسول الله ﷺ الخبر بما همُّوا، فنهض سريعا، كأنه يريد حاجة، فتوجَّه إلى "المدينة"، ولحقه أصحابه، فقالوا: أقمت، ولم نشعر، قال: همت يهود بالغدر، فأخبرني الله بذلك، فقمت، وبعث إليهم رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدي، فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون، وأرسلوا إلى ظهر لهم بذى الجدر، وتكاروا من ناس من أشجع إبلا، فأرسل إليهم بن أبي لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصنكم، فإن معي ألفين من قومي، وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم، فيموتون عن آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قال ابن أبي، فأرسل إلى رسول الله ﷺ إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنعْ ما بدا لك، فأظهر رسول الله ﷺ التكبير، وكبر المسلمون لتكبيره، وقال حاربتْ يهود، فصار إليهم النبي ﷺ في أصحابه، فصلى العصر بفضاء بني النضير، وعلى رضى الله تعالى عنه يحمل

стр. 101

رايته، واستخلف على "المدينة" ابن أم مكتوم، فلما رأوا رسول الله ﷺ قاموا على حصونهم، معهم النبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة، فلم تعنهم، وخذلهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان، فأيسوا من نصرهم، فحاصرهم رسول الله ﷺ ، وقطع نخلهم، فقالوا: نحن نخرج عن بلادك، فقال: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها، ولكم دماؤكم، وما حملت الإبل إلا الحلقة، فنزلت يهود على ذلك، وكان حاصرهم خمسة عشر يوما، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم، ثم أجلاهم عن "المدينة"، وولي إخراجهم محمد بن مسلمة، وحملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة بعير. ٢٥ - غزوة رسول الله ﷺ بدر الموعد: ثم غزوة رسول الله ﷺ بدر الموعد، وهي غير بدر القتال، وكانت لهلال ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهرا من مهاجره، قالوا: لما أراد أبو سفيان بن حرب أن ينصرف يوم أحد نادى بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول، نلتقي بها، فنقتتل، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطَّاب: قلْ: نعم إن شاء الله، فافترق الناس على ذلك، ثم رجعتْ قريش، فخبروا من قبلهم بالموعد، وتهيؤوا للخروج، فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج، وقدم نعيم بن مسعود الأشجعي "مكة"، فقال له أبو سفيان: إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بـ "بدر"، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عام جدب، وإنما يصلحنا عام خصب غيداق، وأكره أن يخرج محمد، ولا أخرج، فيجتريء علينا، فنجعل لك عشرين فريضة يضمنها لك سهيل بن عمرو على أن تقدم "المدينة"، فتخذل أصحاب محمد، قال: نعم، ففعلوا، وحملوه على بعير، فأسرع السير، فقدم "المدينة"، فأخبرهم بجمع أبي سفيان لهم، وما معه من العدة والسلاح، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسى بيده لأخرجنَّ، وإن لم يخرج معى أحد، فنصر الله المسلمين، وأذهب عنهم الرعب، واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 102

على "المدينة" عبد الله بن رواحة، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، وسار في المسلمين، وهم ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وخرجوا ببضائع لهم، وتجارات، وكانت بدر الصفراء مجتمعا، يجتمع فيه العرب وسوقا، تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه، ثم يتفرق الناس إلى بلادهم، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقامت السوق صبيحة الهلال، فأقاموا بها ثمانية أيام، وباعوا ما خرجوا به من التجارات، فربحوا للدرهم درهما، وانصرفوا. ٢٦ - غزوة رسول الله ﷺ ذات الرقاع: ثم غزوة رسول الله ﷺ ذات الرقاع في المحرَّم على رأس سبعة وأربعين شهرا من مهاجره، قالوا: قدم قادم "المدينة" بـ "جلب" له، فأخبر أصحاب رسول الله ﷺ أن أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فاستخلف على "المدينة" عثمان بن عفان، وخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرَّم في أربعمائة من أصحابه، ويقال: سبعمائة، فمضى حتى أتى محالهم بـ "ذات الرقاع"، وهو جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض قريب من النخيل بين "السعد" و"الشقرة"، فلم يجد في محالهم أحدا إلا نسوة، فأخذهنَّ، وفيهنَّ جارية وضيئة، وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال، وحضرت الصلاة، فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فكان ذلك أول ما صلاها، وانصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى "المدينة". ٢٧ - غزوة رسول الله ﷺ دومة الجندل: ثم غزوة رسول الله ﷺ "دومة الجندل" في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجره، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بـ "دومة الجندل" جمعا كثيرا، وأنهم يظلمون من مرَّ بهم من الضافطة، وأنهم يريدون أن يدنوا من "المدينة"، وهي طرف من أفواه "الشام"، بينها وبين "دمشق" خمس ليال، وبينها وبين "المدينة" خمس عشرة أو ست

стр. 103

عشرة ليلة، فندب رسول الله ﷺ الناس، واستخلف على "المدينة" سباع بن عرفطة الغفاري، وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل، ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة، يقال له: مذكور، فلما دنا منهم إذا هم مغربون، وإذا آثار النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم، فأصاب من أصَابَ، وهرب من هرب في كل وجه، وجاءَ الخبر أهل "دومة"، فتفرَّقوا، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم، فلم يجدْ بها أحدا، فأقام بها أياما، وبثَّ السرايا، وفرَّقها. ٢٨ - غزوة رسول الله ﷺ المريسيع: ثم غزوة رسول الله ﷺ "المريسيع" في شعبان سنة خمس من مهاجره، قالوا: إن "بني المصطلق" من خزاعة، وهم من حلفاء بني مدلج، وكانوا ينزلون على بئر لهم، يقال لها: "المريسيع"، بينها وبين "الفرع" نحو من يوم، وبين "الفرع" و"المدينة" ثمانية برد، وكان رأسهم وسيدهم الحارث بن أبي ضرار، فسار في قومه، ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، فأجابوه، وتهيؤوا للمسير معه إليه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمى يعلم علم ذلك، فأتاهم، ولقى الحارث بن أبي ضرار، وكلمه، ورجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره خبرهم، فندب رسول الله ﷺ الناس إليهم، فأسرعوا الخروج، وقادوا الخيول، وهي ثلاثون فرسا في المهاجرين منها عشرة، وفي الأنصار عشرون، وخرج معه بشر كثير من المنافقين، ولم يخرجوا في غزاة قط مثلها، واستخلفَ على "المدينة" زيد بن حارثة، وكان معه فرسان لزاز والظرب، وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله ﷺ ، وأنه قد قتل عينه الذي كان وجهه ليأتيه بخبر رسول الله ﷺ ، فسيء بذلك الحارث ومن معه، وخافوا خوفا شديدا، وتفرَّق من كان معهم من العرب، وانتهى

стр. 104

رسول الله ﷺ إلى "المريسيع"، وهو الماء، فاضطرب عليه قبته، ومعه عائشة وأم سلمة، فتهيؤوا للقتال، وصفَّ رسول الله ﷺ أصحابَه، ودفع رايةَ المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ورايةَ الأنصار إلى سعد بن عبادة، فرموا بالنبل ساعة، ثم أمرَ رسول الله ﷺ أصحابَه، فحملوا حملةَ رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم، وأسر سائرهم، وسبى رسول الله ﷺ الرجالَ والنساءَ والذريةَ والنعمَ والشاءَ، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد. ٢٩ - غزوة الحندق وهي غزاة الأحزاب: ثم غزوة رسول الله ﷺ الخندق، وهي غزوة الأحزاب في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره، قالوا: لما أجلى رسول الله ﷺ بني النظير ساروا إلى "خيبر"، فخرج نفر من أشرافهم، ووجوههم إلى "مكة"، فألبوا قريشا، ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ﷺ ، وعاهدوهم، وجامعوهم على قتاله، ووعدوهم لذلك موعدا، ثم خرجوا من عندهم، فأتوا غطفان وسليما، ففارقوهم على مثل ذلك، وتجهزتْ قريش، وجمعوا أحابيشهم، ومن تبعَهم من العرب، فكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواءَ في دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمية، ووافتهم بنو سليم بـ "مرّ الظهران"، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبي الأعور السلمي، الذي كان مع معاوية بـ "صفين"، وخرجت معهم بنو أسد، يقودهم طلحة بن خويلد الأسدي، وخرجتْ فزارة، فأوعبتْ، وهم ألف بعير، يقودهم عيينة بن حصن،

стр. 105

وخرجتْ أشجع وهم أربعمائة، يقودهم مسعود بن رخيلة، وخرجتْ بنو مرة، وهم أربعمائة، يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم. وقد روى الزهري أن الحارث بن عوف رجع ببني مرة، فلم يشهد الخندق منهم أحد، وكذلك روت بنو مرة، والأول أثبت أنهم قد شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف، وهجاه حسَّان بن ثابت، فكان جميع القوم الذين وافوا الخندقَ ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر، وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب، فلما بلغ رسول الله ﷺ فصولهم من "مكة" ندب الناس، وأخبرهم خبرَ عدوّهم، وشاورَهم في أمرهم، فأشارَ عليه سلمان الفارسى بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسول الله ﷺ إلى سفح سلع، وجعل سلعا خلف ظهره، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، واستخلفَ على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم، ثم خندق على "المدينة"، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدومَ عدوّهم عليهم، وعملَ رسول الله ﷺ معهم بيده لينشط المسلمين. ٣٠ - غزوة رسول الله ﷺ إلى بنى قريظة: ثم غزوة رسول الله ﷺ بنى قريظة في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره، قالوا: لما انصرف المشركون عن الخندق، ورجع رسول الله ﷺ ، فدخل بيت عائشة أتاه جبريل، فوقف عند موضع الجنائز، فقال: عذيرك من محارب، فخرج إليه رسول الله ﷺ فزعا، فقال: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم، فمزلزل بهم حصونهم، فدعا رسول الله ﷺ عليا رضى الله تعالى عنه،

стр. 106

فدفع إليه لواءَه، وبعث بلالا، فنادى في الناس أن رسول الله ﷺ يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، واستخلف رسول الله ﷺ على "المدينة" عبدَ الله بن أم مكتوم، ثم سارَ إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف، والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوما أشدّ الحصار، ورموا بالنبل، فانجحروا، فلم يطلع منهم أحد، فلما اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله ﷺ أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم، فشاوروه في أمرهم، فأشارَ إليهم بيده أنه الذبح، ثم ندم، فاسترجعَ، وقال: خنت الله ورسوله، فانصرف فارتبط في المسجد، ولم يأت رسول الله ﷺ ، حتى أنزل الله توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأمر بهم رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة، فكتفوا، ونحوا ناحية، وأخرج النساء والذرية، فكانوا ناحية، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام، وجع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب، فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع، وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحجفة وخمر وجرار سكر، فأهريق ذلك كله، ولم يخمّس، ووجدوا جمالا نواضح وماشية كثيرة. ٣١ - سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء: ثم سرية محمد بن مسلمة إلى "القرطاء"، خرج لعشر ليال خلون من المحرّم على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، بعثه في ثلاثين راكبا إلى "القرطاء"، وهم بطن من بني بكر من كلاب، وكانوا ينزلون البكرات بناحية "ضرية"، وبين "ضرية"، و"المدينة" سبع ليال، وأمره أن يشنّ عليهم الغارة، فسار الليل، كمن النهار، وأغار عليهم، فقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم.

стр. 107

٣٢ - غزوة رسول الله ﷺ بني لحيان: ثم غزوة رسول الله ﷺ بني لحيان، وكانوا بناحية "عسفان" في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره، قالوا: وجد رسول الله ﷺ على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد "الشام"، وعسكر لغرة هلال شهر ربيع الأول في مائتي رجل، ومعهم عشرون فرسا، واستخلف على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم، ثم أسرع السير، حتى انتهى إلى "بطن غران"، وبينها وبين "عسفان" خمسة أميال، حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم، ودعا لهم، فسمعت بهم بنو لحيان، فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين، فبعث السرايا في كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى "عسفان"، فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش، فيذعرهم، فأتوا "الغميم"، ثم رجعوا، ولم يلقوا أحدا، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى "المدينة"، وهو يقول: آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون، وغاب عن "المدينة" أربع عشرة ليلة. ٣٣ - غزوة رسول الله ﷺ الغابة: ثم غزوة رسول الله ﷺ الغابة، وهي على بريد من "المدينة" طريق "الشام" في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره، قالوا: كانت لقاح رسول الله ﷺ ، وهي عشرون لقحة ترعى بـ "الغابة"، كان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن ليلةَ الأربعاء في أربعين فارسا، فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر، وجاءَ الصريخ، فنادى الفزع الفزع، فنودي يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله ﷺ ، فخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعا، فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو، وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له رسول الله ﷺ لواء في رمحه، وقال: امض حتى تلحقك

стр. 108

الخيول، إنا على أثرك، واستخلف رسول الله ﷺ على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم. ٣٤ - سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر: ثم سرية عكَّاشة بن محصن الأسدي إلى "الغمر" "غمر مرزوق"، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد طريق الأول إلى "المدينة"، وكانتْ في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: وجه رسول الله ﷺ عكَّاشة بن محصن إلى "الغمر" في أربعين رجلا، فخرج سريعا يغذ السير، ونذر به القوم، فهربوا، فنزلوا علياء بلادهم، ووجدوا دارهم خلوفا، فبعث شُجاع بن وهب طليعة، فرأى أثر النعم، فتحملوا، فأصابوا ربيئة لهم، فأمنوه، فدلهم على نعم لبني عم له، فأغاروا عليها، فاستاقوا مائتي بعير، فأرسلوا الرجل، وحدروا النعم إلى "المدينة"، وقدموا على رسول الله ﷺ ، ولم يلقوا كيدا. ٣٥ - سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة: ثم سرية محمد بن مسلمة إلى "ذي القصة" في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة، وبنى عوال من ثعلبة، وهم بـ "ذي القصة"، وبينها وبين "المدينة" أربعة وعشرون ميلا طريق "الربذة" في عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلا، فأحدق به القوم، وهم مائة رجل، فتراموا ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح، فقتلوهم، ووقع محمد بن مسلمة جريحا، فضرب كعبه، فلا يتحرك، وجردوهم من الثياب، ومرّ بمحمد بن مسلمة رجل من المسلمين، فحمله، حتى ورد به "المدينة". فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرَّاح في أربعين رجلا إلى مصارع القوم، فلم يجدوا أحدا، ووجدوا نعما، وشاء، فساقه، ورجع.

стр. 109

٣٦ - سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة: ثم سرية أبي عبيدة بن الجرَّاح إلى "ذي القصة" في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: أجدبت بلاد بنى ثعلبة و"أنمار"، ووقعت سحابة بـ "المراض" إلى "تغلمين" و"المراض" على ستة وثلاثين ميلا من "المدينة"، فسارتْ بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يغيروا على سرح "المدينة"، وهو يرعى بـ "هيفا" موضع على سبعة أميال من "المدينة"، فبعث رسول الله ﷺ أبا عُبيدة بن الجرَّاح في أربعين رجلا من المسلمين حين صلوا المغرب، فمشوا إليهم، حتى وافوا "ذا القصة" مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصاب رجلا واحدا، فأسلم، وتركه. ٣٧ - سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم: ثم سرية زيد بن حارثة إلى بنى سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى بنى سليم، فسَارَ حتى ورد "الجموم" ناحية "بطن نخل" عن يسارها، و"بطن نخل" من "المدينة" على أربعة برد، فأصابوا عليه امرأة من مزينة، يقال لها: حليمة، فدلتهم عن محله من محال بنى سليم، فأصابوا في تلك المحلة نعما، وشاء، وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلمَّا قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله ﷺ للمزنية نفسها وزوجها. ٣٨ - سرية زيد بن حارثة إلى العيص: ثم سرية زيد بن حارثة إلى "العيص"، وبينها وبين "المدينة" أربع ليال، وبينها وبين "ذي المروة" ليلة في جمادى الأولى سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن عيرا لقريش قد أقبلت من "الشام"، فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب يتعرض لها، فأخذوها، وما فيها.

стр. 110

٣٩ - سرية زيد بن حارثة إلى الطرف: ثم سرية زيد بن حارثة إلى "الطرف" في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ زيد بن حارثة إلى "الطرف"، وهو ماء قريب من "المراض" دون "النخيل" على ستة وثلاثين ميلا من "المدينة" طريق "البقرة" على "المحجة"، فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، وصبح زيد بالنعم "المدينة"، وهي عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال، وكان شعارهم أمت أمت. ٤٠ - سرية زيد بن حارثة إلى حسمى: ثم سرية زيد بن حارثة إلى "حسمى"، وهي وراء "وادي القرى" في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: أقبل دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر، وقد أجارَه، وكسَاه، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بـ"حسمى"، فقطعوا عليه الطريق، فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب، فنفروا إليهم، فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحيةُ على النبي ﷺ ، فأخبرَه بذلك، فبعثَ زيدَ بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير الليلَ، ويكمن النهارَ، ومعه دليل له من بني عذرة، فأقبلَ بهم، حتى هجم بهم مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم، فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه. ٤١ - سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى: ثم سرية زيد بن حارثة إلى "وادي القرى" في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول اللّه ﷺ زيدا أميرا سنة ست.
следующие страницы →