الشيخ، الإمام، العالم، العامل، الفاضل، الكامل، العلامة، العارف، المِسَلِّك، شهاب الدين، المعروف بكُنيته (١) ونسبته.
كان أحد أفراد العلماء المسلكين، وأهل اليقين، حتى قيل: إن الشمس الحنفى ما وصل إلا بملاحظته ومدده، وبركته، وكانتْ بينهما محبّة أكيدة جدًّا، ويذكر عنه الكرامات والمكاشفات، وكان بصدد نفع الناس في العلوم الدينية، والمعارف الإلهية، وانتفع به خلق كثير.
وكانتْ وفاته في يوم الاثنين، حادي عشري جادى الآخرة، سنة إحدى وستين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٥٣٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عبد القادر المصري، شهاب الدين ابن الشرف *.
ذكره في "الدرر الكامنة"، وقال: خطيبُ الجامع الشيخوني (٢). مات في المحرّم، سنة سبع وستين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 1157
٥٣٧ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عبد المؤمن، رُكن الدين القَرْمِيُّ *.
المعروف بالمرتعش، لرعشة كانتْ به، يُديم معها تحريك رأسه.
قال ابن حجرٍ: قدم "القاهرة" بعد أن حكم بـ "القرم" ثلاثين سنة، وناب في الحكم، وولي إفتاء دار العدل، ودرّس بـ "الجامع الأزهر"، وغيره، وجمع "شرحًا" على "البخارى"، وكان يُرمى بالهنات.
ولما ولي التدريس، قال: لأذْكُرَنَّ لكم ما لم تسمعوا، فعمل درسًا حافلًا، فاتفق أنه وقع منه شئ، فبادر جماعةٌ فتعصّبوا عليه، وكفروه، فبادر إلى السراج الهندي، فادّعى عليه عنده، وحكم بإسلامه، فاتفق أنه بعد ذلك حضر درس السراج الهندي، ووقع من السراج شيء، فبادر الركن، وقال: هذا كفر. فضحك السراج حتى استلقى، وقال: يا شيخ كن الدين تُكفر مَنْ حكم بإسلامك. فأخجله. انتهى.
وقال الولي العراقي: كان يذكر بفضل، وبراعة، وتفنّن في العلوم، ولكن سمعت قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة، يقول: دعانا الأمير أزْغُوْن شاه لحضور الدرس عنده، يعني:
стр. 1158
عند الشيخ ركن الدين، بجامع المارداني (١)، فخطب خُطبة مليحة، ثم قال: والسلطان أعجلنا بالخروج إلى السرحة عن حفظ الدرس، فأخرج كراسًا من كمّه ليقرأ منه الدرس، فقلنا: حصل المقصود بما تقدّم، وقُمنا، وكأنه لم يكن حافظه.
قال العراقى: وسمعت والدي يقول: إنه كان حاضرًا سماع "صحيح البخاري" بمجلس السلطان الأشرف، فمرّ حديثُ شقّ الصدر، فقال: هذا كناية عن شرح الصدر، فردّ عليه الحاضرون، ومنهم: شيخنا الشيخ ضياء الدين القرمي، وقال له: في "الصحيح" (٢) أن أنسًا قال: كنتُ أرى أثر ذلك المخيط في صدره ﷺ . فسكت.
ويقال: إن الشيخ ضياء الدين كان نائبًا عنه بـ "القرم".
مات سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
ومن فوائده: ما نقله عنه تلميذه الشيخ عزّ الدين ابن جماعة، أنه قال: شرف العلم من ستة أوجه: موضوعه، وغايته، ومسائله، ووُثُوْق براهينه، وشدّة الحاجة إليه، وخساسة مُقابله.
قلت: في "معجم عمر رضا" أن من مصنفاته: "مجمع الأخلاق والنصائح".
* * *
стр. 1159
٥٣٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عثمان الحلبي، المعروف بابن أمير غفلة (شهاب الدين) *.
فقيه، فَرَضي، حيسوب. له شرح "نزهة الحساب" المنسوبة لابن الهاشم. توفي سنة ٩١٥ هـ.
* * *
٥٣٩ - الشيخ الفاضل الفقيه الجليل والمحدّث الكبير أحمد ابن الشيخ محمد بن عثمان الزَّرْقا * *.
هو العلامة الفقيه المكين، والإمام العالم الرصين، والأديب المطّلع الأريب.
ولد في مدينة "حلب" موطن أسرته حواليْ سنة ١٢٨٥ للهجرة (١).
стр. 1160
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى: كان والده الشيخ محمد الزَّرقا فقيها وإماما من أئمة الفقه الحنفي في عصره، وإليه انتهت الكلمة في المذهب بين معاصريه، فكانوا إذا اختلفتْ آرائُهم في الفتوى أو في مسألة من مسائل الفقه العويصة رجعوا إليه، فسألوه، فإذا أبدى رأيه
стр. 1161
أقرّوا به جميعا، وسلّموا له، وله ترجمة حافلة واسعة في كتاب "إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء" لشيخنا وأستاذنا العلامة المحدّث المؤرّخ محمد راغب الطبّاخ، رحمه الله تعالى.
وكان والده الشيخ محمد الزَّرقا فقيهَ النفس والبدن، ممتَّعا بمزايا علمية نادرة، وسجايا خلقية رفيعة، فاق بها أقرانه، فكان شيوخ العلم يقصدون مجلسه، ويحضرون حلقاته ودروسه، ليقتبسوا من علمه وحَصَافته، وذكائه الفريد وفطانته، فكان مجلسه دائما عامرا بالعلماء والمستفيدين من علماء المذهب، بل من غيرهم أيضا، لما يجدون في دروسه من حلّ المشكلات، وتذليل المعضِلات، ونثر الفوائد، التي قلّ أن توجد في الكتب.
فنشأ الشيخ أحمد نجلُه في ظلّه، في هذا الجوّ العلمى الذي يقدح العزائم، ويحرّك الهمم، ويلهب مجامر القلوب بالتحصيل والعلم، فتلقّى أول الأمر القرآن الكريم تلاوة وتجويدا وحفظا، عن أضبط الحفّاظ المقرئين في مدينة "حلب" العبد الصالح: الشيخ محمد الحجّار، رحمه الله تعالى.
ولما فرغ من حفظ القرآن وتجويده، توجّه إلى تلقّى العلم عن المشايخ المقرئين في المدارس الوقفية الكثيرة المنتشرة في مدينة "حلب"، وفي المساجد التي كانتْ تعقد فيها حَلَقَات العلوم الشرعية والعربية، تدريسا وتعليما للطلبة والمستفيدين.
وكان الشيخ أحمد يتتبّع هذه الدروس العامرة في المساجد والمدارس، بنَهَم علمي شديد، ونفس زكية عطشَي، ويتلقّى علوم الشريعة والعربية، ويقرأ كتبها على أساتذتها المشهورين، وكان في القوم بقية من الأفذاذ العلماء النبغاء في كلّ علم، فأخذ عنهم، ودَرَس عليهم: التفسير والحديث والفقه والأصول والنحو وعلوم العربية والأدب والتاريخ والمنطق …
стр. 1162
وكان ذا فطنة وذكاء مشهود، فقاق أقرانه بسرعة عجيبة، واستوى له الفهم والعلم، وتمكّن في سنّ مبكرة أن يحضر حلقات والده، التي كانت فوق مستواه العمري، وكان لا يحضرُها إلا الطبقة العليا الكبار من ذوي العلم، فانتقل إلى الحضور مع هذه الطبقة العليا، وتلقّى عن والده الشيخ محمد الزرقا.
ولم تمض مدّة يسيرة على هذا الدارس الناشئ النابه بين تلك الطبقة المتقدّمة، حتى ظهر استعدادُه الذهنّي البارق، وتفوقه العلمي الباهر، في الفهم والفقه، على كثير من تلامذة والده، الذين أمضوا في ملازمته السنين الطوال قبله، فكان على صغر سنّه فيهم يعدّ من أوائلهم وأكابرهم في حسن التحصيل، والتلقّي من الشيخ الكبير الوالد فقيه العصر، وبارك الله له في عمر والده، رحمه الله تعالى.
فاستمرّ حضورُه لدروسه ومجالسه قُرَابَة ثُلُث قرن أكثر من ثلاثين سنة، حتى ارتوى من علومه، وتضلّعَ من معارفه وفهومه، وأخذَ عنه الفقه الحنفيّ وأصول الفقه والحديث والتفسير وغيرها، مما كان يجري سلسبيلُه على لسان والده الشيخ محمد في مجالسه وحلقات دروسه، التى كان الشيخ يقوم بها كلّ يوم في المدرسة الشعبانية، وفي جامع آل الأمير (جامع الخير)، وفي المسجد الجامع الكبير بمدينة "حلب"، ثم في بيته لما كَبِرَت سنّ الشيخ، واقتصرَ على التدريس في بيته يحضر إليه الطلبة والعلماء.
وكان علم الفقه أكثرَ ما تلقّاه عنه، وكانت الدراسة على الشيوخ في مدارسهم أو مساجدهم أو بيوتهم بحسب الحال، ولم تكن هناك مدارس أو معاهد نظامية، تُتلقّى فيها العلوم الشرعية على وجه نظامي، يخضع له الجميع، بل كان يدرُس الطالب ما يختارُ، ويجلس إلى من يشاء من العلماء بعد استئذانه أو ما يُشْعِر بإذنه.
стр. 1163
وكان الشيخ أحمد يصحبُ والدَه العالم الكبير في غدوّه ورواحه، ويلازمُه في ذهابه وإيابه إلى مجالسه ودروسه فيها ملازمة الظلّ للشاخص، فنَهِلَ منه، وعلَّ، وأوعب، واستوعب، مع اكتمال المدارك، وتفتُّح الذهن العلمي الوقّاد، فملأ وِفَاضه من بحر الشيخ الطامي، وغدا من الفقهاء العلماء المرموقين في حياة والده، رحمه الله تعالى.
وكان يستقي العلمَ من والده مشافهة ودراسة ومصاحبة، فقرأ عليه جملة كبيرة من كتب الفقه الحنفي، وكان مما قرأه عليه قراءةَ تمحيص وتحقيق كتاب "رد المحتار على الدر المختار" لإمام عصره الفقيه السيّد ابن عابدين، وهو المعروف بـ "حاشية الشيخ ابن عابدين" أو بـ "حاشية الشامي".
وهذا الكتاب هو أجمع كتاب في الفقه الحنفي من كتب الفتوى والترجيح، في خمس مجلّدات ضخام كبار جدّا، ويعتبر لدى علماء المذهب منخل المذهب فيما عليه الفتوى. ولا يكاد يعوّل على فتوى في الفقه الحنفي دون الرجوع إلى هذا الكتاب.
فقرأه على والده كَمَلا من أوله إلى آخره، ودرسه دراسة تحقيق وتدقيق، ومناقشة وترجيح، أكثر من مرّتين، خلال عشرين عاما، مع قراءته عليه في التفسير والحديث، والأصول أيضا، وكان هذا الكتاب -وما يزال- أهمّ كتب الفتوى، التي انحصر جهدُ الفقهاء المتأخّرين على قراءتها، دون كتب الاستدلال والتعليل، لتقاصر الهمم، وفتور العزائم والإعراض عن الفقه الأوّل.
ومما قرأه على والده أيضا في الفقه الحنفي: الكتاب الاستدلالي النافع العظيم: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للإمام الفقيه الضليع البارع فخر
стр. 1164
الدين على بن عثمان الزيلعي، الذي أورد كلّ مسألة من مسائل الفقه الحنفي، مشفوعة بالدليل والتعليل والمناقشة للرأي المخالف فيها، فكان كتاب تفقيه بحقّ وواقع، فقرأه على والده أيضا بكماله من أوله إلى آخره، وهو في ستّ مجلّدات كبار.
ومما قرأه على والده أيضا: الكتاب الذي تَطَابَق اسمُه ومسمّاه، فكان حقّا كما قال مؤلّفه، وسماه: "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" لإمام عصره وفقيه دهره العلامة الكاساني ثم الحلبي. وهو الكتاب الذي تميّز عن سائر كتب فقه المذهب الحنفي، بحسن التنظيم والترتيب، مع الاستدلال والتعليل، وسلاسة العبارة، وأدب النقاش، واستيفاء الدليل من المنقول والمعقول، وهو في سبع مجلّدات كبار، قرأ عليه جُلّ هذا الكتاب قراءة تمحيص وتفقّه وارتواء.
وهذان الكتابان: "تبيين الحقائق" للزيلعي و"بدائع الصنائع" للكاساني يفقِّهان قارئَهما إلزاما إذا توجّه إليهما، فكيف إذا كانت لديه المواهب العالية، والنفس المطمئنة بالفقه وقواعده وأصوله وشوارده، فحدّث عن انتفاعه بهما وبمن يُقْرِآن عليه، ولا حرج.
ومما قرأه على والده أيضا: كتاب "الأشباه والنظائر" للعلامة الإمام زين الدين بن نُجَيم الحنفي فقيه القرن العاشر، وصاحب كتاب: "البحر الرائق شرح كنز الدقائق".
وكتابه: "الأشباه والنظائر" هذا من أجلّ الكتب المؤلّفة في بابه لدى السادة الحنفية، في تأصيل القواعد وتخريج الفروع عليها، وإبانة ما يدخل فيها، وما يخرج عنها، وهو من أحسن كتب التفقيه للمتمكّنين في العلم والتحصيل، إذ يولّد في ذهن المتفقّه التأصيل والتعليل، فقراءته مُثْمِرة للمتفقّه المتأهّل أفضل الثمرات.
стр. 1165
وإنما شرحتُ بعضَ ما قرأه على والده دون غيره من الشيوخ الكثيرين، الذين أخذَ عنهم، واستفادَ منهم، وفيهم النَّبَغَة الكَمَلة، لأنه كان معروفا أنه لا يقرء على الشيخ محمد الزرقا إلا أفذاذ العلماء النبهاء، فالقراءة عليه كانت بمثابة الشهادة العلمية العليا بالعلم، لمن يقرأ عليه، ويرتاد حلقته، ويقتبس من فيض معارفه وعلومه.
نهوضه بالتعليم والتدريس:
ولما بلغ والد الشيخ أحمد: (الشيخ محمد) سنّ الشيوخة، وجاوزَ الخامسة والسبعين من العمر، اعتزلَ التدريسَ لكبر سنّه، ولضعف الشيخوخة الذي ما عاد يتمكّن معه من الاستمرار على ما كان عليه من الجولان العلميّ الرفيع، الذي تميّزتْ به دروسه ومجالسه.
فتوجّهت الأنظار إلى نجله الشيخ أحمد، ليقوم مقام والده، ويملأ الفراغ الكبير الذي كان بسبب تخلّي والده عن التدريس، فأُسْنِدت إليه وظائفُ والده في المدرسة الشعبانية، وفي جامع آل الأميري (جامع الخير)، وفي الجامع الأموى الكبير، والتفَّ عليه فريقٌ من تلاميذ والده القدماء المتفقّهين، الذين شاهدوا فيه التقدّم والنبوغ والضلاعة في الفقه، ولازموا دروسه مع آخرين من الطلّاب الجُدُد، فنهض بالأمانة على الوجه الأكمل، وتلقّى رأية العلم باليمين، وقاد الأفواج التي كانت تؤمّ والده، فحلّ محلّ والده في نشر العلم والفقه على أحسن وجه.
وكان إلى جانب فقاهة النفس التي أكرمه الله بها، والحصيلة العلمية الفقهية الثرة التي اكتنزها من والده: كثيرَ المطالعة في أمّهات كتب الفقه مطبوعها ومخطوطها، وما كانت مطالعته لها تلهيا أو تسلية
стр. 1166
بها، وإنما كان يقرءها كالمطالَب بنقدها وهضمها وتقديم الاختبار منها، كما عَهِدَ ذلك من والده.
وكان له وَلَع شديد بتحقيق الأحكام، والوصول فيها إلى الغاية تمحيصا واستدلالا وتعليلا، مع التوجّه الدائم إلى معرفة الفروق الفقهية بين المسائل المتشابهة في الظاهر وأحكامُها مختلفة. وكان له دقّة نظر بالغة في توجيه تلك الفروق، شهد له بها أكابر المحصّلين من الشيوخ والطلبة، وكان له غرام فريد في تخريج الفروع والمسائل، وتنزيل الحوادث على الأصول والقواعد الفقهية.
وكان يبسط هذا كلّه في دروسه وحلقاته العلمية بين يدي الطلبة، ليفقّههم وتستنير ملكاتهم العلمية به، فتغدو لهم ملكة فقهية متأصّلة في نفوسهم، تُسْعِفُهم في كلّ باب من أبواب الفقه، وكان يحبّ منهم المناقشة الهادفة، لأنه كما قال الخليفة المأمون العبّاسى: العلم على المناقشة أثبت منه على المتابعة. وكان جمّ التواضع للطلبة، يعلّمهم الفقه تدريسا، وآداب العلم والعلماء مجالسة ومحاورة وتحديثا.
وكان لديه خبرة فائقة في كتابة الصكوك العقدية، دقيقا في توثيقها وتمتينها، واستيفاء شرائطها، حتى لا يرى فيها خلل، يُنْفَذ منه إلى إبطالها، بصيرا بنقد الأقضية، التى تصدُر عن المحاكم، فكان مرجعا للقضاة وذوي القضايا الشرعية، وقد اقتبس هذا من والده، الذي كان فريدا في هذا الباب.
وبعد الحرب العالمية الأولى، والاحتلال الفرنسى للبلاد السورية بنحو سنتين، أنشأت مديرية الأوقاف الإسلامية بـ "حلب"، أول مدرسة شرعية نظامية، في بناء مدرسة وفقية كبرى، هي المدرسة الخسروية، التى أخرجت
стр. 1167
أجيالا تلوَ أجيال من طلبة العلم، الذين غدوا بعد ذلك من كبار علماء البلاد السورية، فعيّن الشيخ أستاذا لتدريس الفقه الحنفى في صفوفها العالية.
ودرّس في هذه المدرسة الكبرى النظامية جملة من كنب الفقه المعتبرة، وكان من جملة ما قام بتدريسه فيها "القواعد الفقهية الكلية"، التي صُدِّرَتْ بها "مجلّة الأحكام العدلية"، وهى ٩٩ قاعدة. وكان الشيخ ابن بَجْدَة هذه المادة.
ولما رأى إقبال الطلبة على هذه المادة، وتزايد تعلّقهم بها، رأى من المناسب أن يشرح تلك القواعد شرحا، يزيدها وضوحا وتمكينا وتطبيقا في نفوس الطلاب، وقد درّسها خلال سنوات طويلة نحو عشرين سنة، فشرحها شرحا يعدّ أفضل الشروح، التي كتبت عليها حتى الآن، وسيأتي الحديث عنه في الكلام على آثاره العلمية قريبا.
تنوع معارفه وعلومه:
وكان الشيخ إلى جانب ضلاعته في الفقه، وتمكّنه منه، له ولع شديد بالأدب القديم، وتعمّق في اللغة العربية وآدابها، كثير المطالعة في كتبها في المصادر الأولى، ذوّاقةً للشعر الأصيل، راويةً له، حفّاظًا للأخبار ونوادر الأدب، كأنها مادته العلمية التى يدرّسها، ويعلّمها كلّ يوم.
وكانت عادته في قراءة كتب الأدب والتاريخ والأخبار وغيرها، كعادته في كتب الفقه تماما، يدقّق فيها، ويقوِّم نصوصَها، ويعلّق على حواشيها، وينبّه على ما وقع فيها من أخطاء مطبعية، ويعتني بها اقتناءً ومتابعةً، كأن الأدب وهذه العلوم اختصاصه الوحيد.
وكان أشدّ ما يكون وَلَعا بكتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، و"كتاب الحيوان"، و "كتاب البخلاء"، و"البيان والتبيين" للجاحظ،
стр. 1168
و"مقامات الحريري"، وشروحها، و"مقامات بديع الزمان الهمذاني"، ورسائله، و"اللزوميات" لأبي العلاء المعرِّي، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي، لكثرة ما فيه من الأخبار الأدبية والطرائف الشعرية، ونوادر الوقائع النفيسة للعلماء.
ومع هذا الاطلاع الواسع على الأدب وتاريخه وعلومه، ومع رهافة الذوق الأدبى عنده، كثرة محفوظه من الشعر الأصيل وروايته له، لم يكن يقرض الشعر، ولا عُرِفَ عنه أنه مارس نظمه.
وكان مما أعانه على سعة اطلاعه في الفقه وتبحّره فيه، وعلى ارتوائه من علوم الأدب والعربية: ما كان لديه من مكتبة كبيرة عامرة، جمعت نوادرَ المطبوعات القديمة والحديثة في تلك العلوم، كما جمعتْ نحوَ ألف كتاب مخطوط، من نفائس الكتب والخطوط المشهورة المعتبرة، المخطوطة بيد مؤلّفيها أو غيرهم من أكابر العلماء المتقنين، في مختلف الفنون والعلوم.
وقد تجمّعتْ لديه تلك المخطوطات على آماد متطاولة، وانتخبها انتخابَ العالم البصير، إذ كان في مطلع شبابه يتاجر بالمخطوطات، ويجلبها من جهات متعدّدة، فكان ينتقي منها النفائس انتقاءَ العارف الخبير، ويستبقيها لنفسه وخِزَانته، وقلّما يُدخِل فيها مخطوطا دون أن يستوفيه قراءة، أو يُلِمَّ بمعظم ما فيه.
وغدت لهذه المكتبة الخطّية التي عنده شهرة واسعة النطاق، لدى رُغَياب الكتب المخطوطة من عرب وأجانب، وكان بسببها له صلة وثيقة دائمة مع العلامة أحمد تِيْمُور باشا، رحمه الله تعالى، في "مصر"، وسافر إليه مرّات، وتعامل معه.
стр. 1169
ولما شاع أمر هذه المكتبة الخطّية، وكان للسفارات والقنصليات الأجنبية في كلّ بلد إسلامي سعي تام لجمع المخطوطات الإسلامية منها بأيّ ثمن يطلب، وتوارد عليه طلب بيعها من أولئك الأجانب وسماسرة المستشرقين والمكتبات الأجنبية، نظرا لما عرف عنه من جودة الانتقاء، وخِبْرته بخطوط العلماء، وانتخاب النفائس النادرة، وبذلوا فيها الأثمان المغْرِية، ولكنّه كان يرفِض بيعها لمن يخرجها إلى بلاد أجنبية، رغم حاجته إلى ثمنها.
ثم خشي عليها من الطوارئ والحَيدَثان، لعدم قدرته على صيانتها وحمايتها بصورة مأمونة فنية، وهي عزيزة غالية على قلبه، كأحد أولاده، وأخيرا رأى بيعها لمكتبة الإسكندرية العامة في "مصر"، بواسطة السيّد أمين الخانجي الكتبي المعروف، بثمن أقلّ جدا مما دفعه له فيها عملاء الجهات الأجنبية.
وكان بعد ذلك كلّما ذكرها أو ذكر بعض النفائس التى كانت فيها، وتكحلت عينه بمطالعتها وجيل خطوطها، يتمثّل بقول الشاعر أبي الحسن الفالي -بالفاء ذات النقطة الواحدة- لما باع نسخته من كتاب "جمهرة اللغة" لابن دريد، كتب عليها أبياتا منها:
أُنِسْتُ بها عشرين عاما وبعتُها … وقد طال وجدي بعدها وحنيني!
وما كان ظنى أننى سأبيعها … ولو خلدتني في السجون ديوني!
وقد تُخرج الحاجات يا أمّ مالك … كرائم من ربّ بهن ضنين.
حليته وأخلاقه وتاريخ وفاته:
كان رجلا طويلا، وسيما، أبيض اللون، مهيبا، لبّاسا، نظيفا، كنظافة الملوك، جميل الطلبة، منوَّر الشيبة، وقورا في مِشْيته ومجلسه وحديثه، لا تشبع
стр. 1170
العين منه رؤيةً ونظرا، يتحلّى بإباء وشَمَم ورجولة كاملة، وحَصَافة وافرة، وإذا دعت الحاجة إلى الوقوف في وجه باطل أو مبطل كان موقفه أثبت من الجبل الراسى في نصرة الحقّ ودفع معاديه.
وكان إلى هذه الشكيمة القوية لين الجانب لطلبة العلم بخاصة والناس بعامة، بعيدا عن التكلّف، محبّا للبساطة، سخيا سَمحا، حافظا للصداقات وحقوقها، وكانت مجالسه تعلّم الفقهَ أولا، والأدبَ ثانيا، أدب الخطاب وأدب النِّقاش، وأدب المجالس الخاصّة والعامّة، وكانت تدور فيها الفوائد العلمية من كلّ جانب، والنكت اللطيفة المعلِّمة.
ولم يزل منهلا عذبا، يستقي منه المستفيدون، ويستفتيه السائلون والمراجعون، ويقصَد في حلّ معضِلات المسائل العلمية، من الجهات البعيدة والقريبة، حتى وافاه الأجل في مدينة "حلب"، وانتقل إلى جوار الله تعالى في صيف سنة ١٣٥٧ هـ، رحمه الله تعالى، وأسبغ عليه الرحمة والرضوان.
وكانت الفاجعة به كبيرة، والأسف عليه شديدا، واللَّوْعة به عامة، والفراغ بفقده واسعا، والثناء عليه طيّبا كثيرا.
فمضى وقد أبقى مآثره + ومن الرجال معمَّر الذكر.
تلامذته وآثاره:
كانتْ جهوده رحمه الله تعالى متوجّهة إلى التعليم والتفقيه، أكثر منها إلى التدوين والتأليف، فكان وقته مملوءا بإفادة الطَّلبة، وتحقيق المسائل العويصة، وإلقاء الدروس، ونشر العلم في الناس، فكان درسه في الجامع الكبير بـ "حلب" خاصة: مقصودا للعامة والخاصة على السواء، يحضره الجمّ الغفير منهم، ويتلقّون منها الفقه والعلم، والتعريف التام بالحلال والحرام من العبادات والمعاملات بفهم وبصيرة.
стр. 1171
وقلّ أن يجنح بهم في دروسه إلى جانب الوعظ والتخويف، فإنه كان يرى الفقه في الدين مقدّما على ما سواه من الوعظ والتذكير، وأن حاجة الناس إلى معرفة الحلال والحرام أكثر من حاجتهم إلى الخبز، فتفقّه به من العامة أعداد كثيرة، من مدينة "حلب" وغيرها، كانوا يقصدون حضورَ دروسه.
أما الذين تفقّهوا به من الخاصة، فهم كثيرون جدا يبلغون المئات، وقد بقى أكثر من ثلاثين سنة، يدرس أفواج كبار الطلبة، ويتخّرجون به، ويتفقّهون عليه، وظهر منهم فقهاء أفذاذ، يعتبر بعضهم بن كبار فقهاء هذا العصر اللامعين.
ويحضرني منهم -وفي مقدّمتهم- نجله العلامة الأريب الأديب شيخنا فقيه العصر البارع الضليع الشيخ مصطفى الزرقا، ذو المؤلّفات البديعة، والآثار العلمية الرفيعية، وهو أشهر من أن يعرف به، ولو لم ينجب الشيخ غير هذا الفقيه لكفاه فخرا وذكرا.
وقد كان الشيخ مصطفى مصاحبا لأبيه الشيخ أحمد في دروسه كلّها، كما كان مصاحبا له في المنزل والمقام، ولما بلغ من طلب العلم والتفقّه مبلغا حسنا، يسأل، ويناقش في المسائل الفقهية العويصة بحذق ومعرفة: تعلّق به قلب والده الشيخ أحمد للمدارسة والمذاكرة معه، في كلّ أحيان، حتى إنه أمره أن ينام بقربه في الليل دائما، وطلب من والدته أن تنام في غرفة أخرى، ليتسنّى له محادثته ومناقشته فيما يعرض له من خواطر في المسائل الفقهية الدقيقة، وبهذا قد زقّه الفقهَ والعلمَ زقّا.
ومنهم: العلامة الدكتور معروف الدواليبي، والعلامة الشيخ محمد الحامد الحموي، والشيخ صبحي الصباغ رئيس محكمة التمييز العليا
стр. 1172
بـ "دمشق"، وشيخنا العلامة الفقيه الكبير الشيخ محمد الرشيد، وأستاذنا الفقيه الورع الشيخ محمد السلقيني، وأستاذنا الفقيه الشيخ محمد نجيب خياطة شيخ القرّاء بـ "حلب"، وأخوه الطبيب الفقيه الصالح الدكتور عمر خياطة، والفقيه الشافعي الحنفي العلامة الشيخ محمد ناجى أبو صالح، وكان هو وغيره الكثيرون من فقهاء السادة الشافعية، يحضرون دروس الشيخ في الفقه الحنفي، لما كان يتمتّع به من المزايا العلمية والذاتية.
ومن تلامذته أيضا: الفقيه الضابط المتقن الشيخ محمد الملّاح، وشيخنا الأستاذ محمد الحكيم مفتي "حلب"، والشيخ عبد الوهّاب سُكَّر، والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري الشاعر المعروف، والشيخ بكري رجب، وجميل الحبَّال، وعبد الوهّاب السباعي، وصبحى طبنجات، وسعيد مسعود مفتي قضاء الباب، ومصطفى نجيب فأره، والأستاذ عبد القادر السَّبْيِي المحامي الكبير المعروف، والشيخ أحمد معوّد، وعمر مكناس أمين الفتوى بـ "حلب"، وإبراهيم الهلالي، والشيخ عبد الله خير الله مفتي قضاء جبل سمعان، وعمر البوشي، وجمعة أبو زلام، وعبد الله الريحاوي، وكامل بدر الحسيني، وغيرهم من النجباء الكرام، ممن غابوا عن الذاكرة الآن، رحم الله السابقين منهم إلى جواره، وأطال أعمار الباقين منهم في عافية وسرور، وجزى الجميع عن الدين والعلم خيرا.
وقلّ حظّ كاتب هذه السطور، فلم يفز بالتلمذة عليه، والجثوة بين يديه، في دروسه وحلقاته، لوفاته رحمه الله تعالى في سنة ارتقائي إلى مستوى دروسه العالية، وإنما كان لي منه قَبَسَات عَطِرَة، وفوائد منتثرة، سمعتها منه ما تزال بشذاها باقية الأثر:
فهذا الشذا آثار صحبته معى … ولست بورد إنما أنا تربه.
стр. 1173
هذه نبذة من آثاره العلمية في طلابه وتلاميذه الآخذين عنه.
أما آثاره القلمية، فهي أثر وحيد فريد، وهو "شرح قواعد مجلّة الأحكام العدلية" الذي سبقت الإشارة إليه بإيجاز، وهنا أوسِع الكلام عنه بعض الشيئ.
قد أسلفت أن الشيخ كان أستاذ مادة (القواعد الفقهية)، وأنه درّسها نحو عشرين سنة، وألّف هذا الكتاب في ظلّ تدريس تلك القواعد المائة، التي صُدِّرَتْ بها "مجلة الأحكام العدلية"، فيمكن أن يقال في هذا الكتاب إن الشيخ ألّفه في نحو عشرين سنة، فقد كان يتعهده دائما بالإضافة والتحرير والتنظيم والتحقيق، حتي غدا لبابا كلّه، وصار عنده بمنزلة ولد من أولاده.
وقديما قالوا في شأن التحذير من نقد الكتب: (خف من صاحب الكتاب الواحد). وذلك لأنه يتفرّغ، ويمحّصه، ويشذِّبه، وينقّحه، ويكرّر النظر فيه، فتقلّ فَجَوَاته، وتندُر فَرَطَاته، وتزداد متانته وحسناته، وكان "شرح القواعد" هذا، هو الكتاب الواحد لهذا الجِهْبِذ الفقيه النقَّاد.
ولذا جاء فريدا في مضمونه، متميّزا بمزايا لا توجد في غيره من شروح "قواعد المجلة"، التي قام بها أفذاذ قبله، مشهود لهم بالعلم والفقه والتحقيق، مثل العلامة الفقيه الشيخ علي حيدر "التركي"، والعلامة الفقيه الشيخ خالد الأتاسي مفتي "حمص" من "بلاد الشام"، والأستاذ الفقيه البارع سليم الباز المسيحي اللبناني، وغيرهم.
وقد كان الشيخ رحمه الله تعالى متأخّرا عن هؤلاء الأفذاذ الفقهاء في الزمن وجودا، ومطّلعا على شروحهم وتحقيقاتهم، وكان يدرّس هذه القواعد السنين الطوال لنبغاء الطلبة، وكان كثير المطالعة في مطوّلات كتب الفقه للمتقدّمين والمتأخّرين، من مخطوطات الكتب ومطبوعاتها، فكان كلّما مرّ به
стр. 1174
فرع فقهى يتصل بإحدى هذه القواعد يُلحِقه بها، وينزله منزلته منها، إما تفريعا عليها، وإما إيضاحا لصيغتها، أو تقييدا لمدلولها، وإما استثناء منها.
فجاء شرحه هذا نسيجَ وحده، لما فيه من التأصيل والتفريع في كلّ باب، ولجمعه فروعَ القاعدة وشواذَّها ومطّردها من أبوابها وغير أبوابها، ومن مواضع لا يظنّ بحال اتصالُ القاعدة بها، ولكن الشيخ لدأبه الدائم في المطالعة، ولاستمراره في التمحيص والتحقيق، ولثاقب نظره الدقيق، كان يلمَح تلك الشواهد، ويهتدي إليها، ويقتنصها في مطالعاته، ويقيّدها في شرح القاعدة الكلية التي تنضوي تحتها، فتمّ له شرح جليل فريد، يقع في ٥٠٠ صفحة.
وإن من يدرُس هذا الشرح بتفهم واستيعاب وأهلية، تتكوّن لديه ملكة فقهية راسخة، لا يمكن أن يحصل عليها من طريق قراءة الكتب الفقهية، إلا مع العمر الطويل والمعاناة الدائمة لخوض المشكلات والعويصات من المسائل.
وقد إذن الله بالفضل العظيم، فخرج هذا الشرح الحبيس مطبوعا بعد أكثر من أربعين سنة، إلى أيدي العلماء والفقهاء والمستفيدين، بأبهى حُلّة وأجمل إخراج وطباعة، يجدّد ذكري هذا العالم الفحل الفقيه، ويستدعي الترحّم عليه، واستمرار الأجر والثواب إليه، فجزي الله الخير كلّ الخير لمؤلّفه ولنجله العلامة الشيخ مصطفى الزرقا، الذي علّق عليه، وسعى بطباعته ونضره، ولناشره وللمشارك في خدمته وإخراجه للناس، وهو الآن قد تكرّر نشره وطبعه بين أيدي الدارسين، وفي موضعه المرموق بين أسفار المكتبة الفقهية بفضل الله وعونه.
стр. 1175
نبذة من فوائده الفقهية:
وأسوق هنا نماذج أربعة من فوائد هذا الإمام في الكتاب المذكور: "شرح القواعد الفقيهة"، لينجلي للقارئ رسوخه في الفقه وسعة اطلاعه فيه، وعلوّ كعبه في الكشف عن علل المسائل، وبعد نظره في ذلك:
١ - حكم غلاء الفلوس والأوراق النقدية أو رخصها
هل يعتبر في أداء الديون والقروض أم لا:
قال الشيخ رحمه الله تعالى في شرح القاعدة الثامنة عشرة "لا ضررَ ولا ضرارَ" ما نصّه: ومن المسائل التي تتفرّع على هذه القاعدة: ما لو كانت الفلوس النافقة ثمنا في البيع، أو كانت قرضا، فغلت أو رخُصت بعد عقد البيع أو بعد دفع مبلغ القرض، فعند أبي يوسف: تجب عليه قيمتُها يوم عقد البيع ويوم دفع مبلغ القرض، "رد المختار" من أوائل كتاب البيوع، عند قول المتن: وصحّ بثمن حال ومؤجّل إلى معلوم، وبخلاف جنسه).
ونقل هناك ترجيحَه عن الكثيرين، فقد أوجبوا قيمةَ الفلوس النافقة يوم البيع، وقيمتها يوم دفع القرض، في صورة ما إذا غلت، دفعا للضرر عن المشتري والمستقرض، وأوجبوا قيمتها كذلك في صورة ما إذا كسدت، أو رخُصت، دفعا للضرر عن البائع والمقرض.
هذا، والذي يظهَرُ أن الورق النقديّ المسمّى الآن بالورق السوري الرائج في بلادنا الآن، ونظيره الرائج في البلاد الأخرى، هو معتبر من الفلوس النافقة، وما قيل فيها من الأحكام السابقة يقال فيه، لأن الفلوس النافقة هي ما كان متفقا من غير النقدين -الذهب والفضّة- وجرى الاصطلاح على استعماله استعمالَ النقدين، والورق المذكور من هذا القبيل، ومن يدّعي تخصيص الفلوس النافقة بالمتخذ من المعادن فعليه البيان.
стр. 1176
تنبيه: إن ما نقلناه من أحكام الفلوس النافقة عن "رد المحتار" قد ذكره كما ترى في صورتي البيع والقرض، ولا يخفى أن الثمن في البيع والمبلغَ المدفوعَ في القرض يثبتان في ذمة المشتري والمستقرض، وهما من المضمونات، والحكم فيها هو ما نقلناه.
أما لو كانت الفلوس النافقة معقودا عليها، ومدفوعة في عقد تعتبر فيه أمانةً في يد القابض، كالمضاربة، فإن يد ربّ المال إذا أراد استرداد رأس ماله من المضارب فله أن يستردّ مثله لا غير، من غير أن ينظر إلى غَلَاء أو رُخْص، وله أن يقاسم المضارب مالَ المضاربة، ويأخذ منه بقية رأس ماله، وتعتبر فيه القيمة يوم القسمة، لا يوم الدفع، فقد نقل في كتاب المضاربة من "رد المحتار" قبيل المتفرّقات، عن "القنية" ما لفظه: أعطاه دنانير مضاربة، ثم أراد القسمة، له أن يستوفي دنانير، وله أن يأخذ من المال بقيمتها، وتعتبر بقيمتها يوم القسمة، لا يوم الدفع. انتهى.
وما ذكره من الحكم في الدنانير يجري نظره في الفلوس النافقة بالأولى، فلا تعتبر قيمتها يوم الدفع إذا غلت أو رخُصت، وذلك لأن مال المضاربة أمانة في يد المضارب، ويده عليه كيد ربّ المال، فهو بمنزلة ما لو كان رأس المال باقيا بعينه تحت يده، فلا يلزمه إلا ردّه بذاته من غير نظر إلى غَلَاء أو رُخْص، وحيث صار بالصرف المأذون به عروضا فلا يلزمه إلا ردّ مثله إن اختار ربّ المال ذلك، وإن أراد القسمة مع المضارب يأخذ بقيمته يوم القسمة، لا يوم الدفع، إذ بالدفع له لم يثبت في ذمّته، ولم يدخل في ضمانه.
وقد ذكر السرخسي في "المبسوط " في الجزء الثاني والعشرين منه من باب المضاربة بالعروض صفحة ٣٤، فيما لو دفع رجل إلى آخر فلوسا
стр. 1177
مضاربة بالنصف، فاشترى المضارب بها ثوبا، ودفعها، وقبض الثوب ثم كسدت، فالمضاربة جائزة على حالها، (واحترز بقوله: "ثم كسدت" عما إذا كسدت قبل الشراء، فقد قدّم في "المبسوط" من الباب المذكور أنها لو كسدت قبل الشراء، فسدت المضاربة.
فإذا باع الثوب بدراهم أو عرض فهو على المضاربة، فإن ربح، وأرادوا القسمة أخذ ربّ المال قيمة فلوسه يوم كسدت، لأنه لا بدّ من رد رأس المال إليه، ورأس المال كان فلوسا رائجة، وهي للحال كاسدة، فقد تعذّر ردّ مثل رأس المال، وقد تحقّق هذا التعذّر يوم الكساد فتعتبر قيمتها في ذلك الوقت. انتهى ملخّصا. وقد نقله في متفرّقات المضاربة في "الفتاوى الهندية" بأخصر من هذا.
فقد اعتبر قيمة الفلوس يوم الكساد، ولم يعتبر قيمتها يوم العقد، ولا يوم الدفع، كما في البيع والقرض، وقول "المبسوط": "فقد تعذّر ردّ مثل رأس المال" يفيد أنه لو أمكن ردّ مثله بأن بقيت الفلوس رائجة يردّ مثلها فقط من غير نظر إلى غلاء أو رخص.
وقد صارت هذه القضية حادثة الفتوى، وسئلتُ عنها، فأفتيتُ فيها بذلك، مستندا إلى النقلين المذكورين، وعلمتُ أن غيري ممن سئلوا أفتوا بردّ قيمتها يوم العقد في المضاربة، بغير تفرقة بين المضمونات والأمانات، بينما النقل هو ما ذكرته، والله المرشد للصواب.
* * *
٥٤٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن
стр. 1178
زين الدين القادري، الحموي الأصل، الحلبي، الشهير بالحلوي (أبو الفتوح نجيب الدين) *.
عالم، أديب.
ولد سنة ١١٢٧ بـ "حلب"، ونشأ، وتوفي سنة ١١٩٥ هـ بها.
من مؤلّفاته: "مطالب السعادات" في الصلاة والسلام على سيّد السادات، و"الدر المنظم" في أسلاك الذهب في التهاني، و"التوضيح والتبيان" في أحكام سجدات التلاوة وتعظيم القرآن، و"العقد الفريد في تهاني خلافة السعيد"، و"استعمال الأعضاء" للشكر.
* * *
٥٤١ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن بصير بن أحمد بن الحسين الأنْبَرْدُوَانيّ، البصيري، أبو كامل * *.
سمع أبا الحسين الفارسي، وغيره.
стр. 1179
قال السمعاني: وكان قد سمع الحديث الكثير، واشتغل به، وجمع كتابًا، سمّاه "المضاهاة والمصافاة (١) في الأسماء والأنساب"، قال: وكان شديد التعصّب في مذهبه، مُتحاملًا على أصحاب الشافعي.
وأنبردُوان؛ بالفتح، وسكون النون، وفتح الباء الموحدة، وسكون الراء، وضم الدال المهملة، وفي آخرها النون: قرية من قرى "بُخارى" (٢).
* * *
٥٤٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن علي بن نصير بن أحمد بن الحسين الأنْبَرْدُوَاني، النصيري، (أبو كامل) *.
عالم بالأنساب.
له "المضاهاة والمضافات في الأسماء والأنساب".
توفي سنة ٤٤٩ هـ.
* * *
٥٤٣ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن علي، حافظ الدين ،
стр. 1180
أبو المعالي ابن الشمس الجلالي *.
نشأ في كنف أبويه، فحفظ القرآن، وأخذ عن أبيه، والأمين الأقْصُرَائي، والشمني، وسيف الدين، وابن عبيد الله، والتقى الحصني، وطائفة.
وبرع، واستقرّ بعد أبيه في تدريس "الألجيهية" (١)، وخطابة "البرقوقية"، وغير ذلك.
وقرأ على السخاوي "الأربعين النووية"، ولازمه في غيرها، وناب في القضاء، ثم ترك، وكان فاضلًا، متأنقًا، سليم الفطرة، عديم السر.
كتب على "الهداية" في دروسه بعض أشياء، وخطب لنفسه.
مات في عاشر شعبان، سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٥٤٤ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن على الغُنَيْمِي، الأنصاري ،
стр. 1181
الخزرجي، المصري، (شهاب الدين) *.
نحوي، متكلّم.
توفي في رجب سنة ١٠٤٤ عن نحو ثمانين سنة.
من مؤلّفاته: "ابتهاج الصدور في بيان كيفية الإضافة والتثنية والجمع للمنقوص والممدود والمقصور"، و"إرشاد الطلاب إلى لفظ لباب الإعراب"، و"إرشاد الأخوان إلى الفرق بين القدم بالذات والقدم بالزمان"، و"بهجة الناظرين في محاسن أمّ البراهين" للسنوسي في التوحيد.
ورسالة في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
* * *
٥٤٥ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن علي، أبو الفضل القاشاني * *.
نزيل "همذان"، ذكره ابن الشعار، فقال: كان من الفقهاء الحنفية، أصوليًا، عارفًا بالمسائل الخلافية، حافظًا للأشعار، ويكتب خطًا حسنًا.
стр. 1182
أنشدني من شعره [ابنه] (١) أبو بكر إسحاق بـ "بغداد".
ومات بـ "همذان"، في سَلْخ ذي القعدة، سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٥٤٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن علي، أبو طالب *.
الفقيه.
عرف بابن الكُجْلُو، هكذا هو مضبوط في "تاريخ الزينبي" (٢).
من أهل "المدائن" (٣)، قال ابن النجّار: كان يتولى الخطابة [بها] مُدَّة، ثم قدم "بغداد"، واستوطنها، وكان يسكن بمدرسة سعادة، على "شاطئ دجلة".
وكان أديبًا فاضلًا، له شعر حسنٌ، منه قوله من قصيدة (٤):
فُؤادُ مَشُوقٍ حَرُّهُ ليس يَبْرُدُ … وذَائِبُ دَمْعٍ بالأسَى ليس يَجْمُدُ (٥)
وما كُلُّ مُرْتَاحٍ إلى المجد ماجدٌ … ولا كُلُّ من يَهْوَى السِّيادة سيِّدُ
ومنْ يَزْرَعِ المعروفَ بذْرًا فإنه … على قدر ما قد قدَّمَ البذرَ يحصد
стр. 1183
وحدَّث أحمد هذا، عن أبي غالب (١) محمد بن الحسن الماوردي، بـ "تَسْتُرَ" (٢).
وتوفي لسبع عشرة خلتْ من ذي الحجّة، سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٥٤٧ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد ابن هبة الله بن أحمد بن يحيي بن أبي جرادة شهاب الدين ابن كمال الدين أبي غانم ابن الصاحب كمال الدين ابن العديم، العُقيلي، الحلبي *.
ولد بعد رأس القرن السادس، وأسمع على بَيْبَرْس العديمي، وعمّتيه؛ خديجة، وشُهدة.
وحدّث، وسمع عليه ابن عشائر (٣) "منتقى مشيخة الفسوي" (٤)، والأول من "مشيخة ابن شاذان الكبرى"، وغير ذلك.
стр. 1184
وكان له معرفة بالأدب، والتاريخ، جيّد المذاكرة، حسن المحاضرة.
حكى أخوه القاضي كمال الدين، عنه، أنه رأى في منامه كأن شخصًا يُنشده (١):
يَا غَافِلًا جَرَّتْهُ آمالُهُ … عَن الْمَقَامِ الأَشْرَفِ الأَسْنَى (٢)
انْهَضْ بِجِدٍّ منكَ نحوَ العُلى … وافْتَحْ لها مُقْلَتَكَ الْوَنَى (٣)
قال: فحفظتُهما، وزدتُهما:
وارْجِعْ إلى مَوْلاكَ واخْضَعْ له … تَسْتَوْجبِ الإحْسَانَ والْحُسْنَى
قال أخوه: فلمّا أنشدني ذلك، أعقبه بأن قال: ما أظنّ إلا أن نفسي نُعِيَتْ إليَّ، فمات في السنة المقبلة، وهي سنة خمس وستين وسبعمائة، عن بضع وستين سنة.
قاله ابن حبيب.
ويقال: إنه جاوز السبعين، وكان قد ولي نيابة السلطنة مدّة يسيرة، وكان ذا حشمة زائدة، وتجمّل وافر، رحمه الله تعالى.
* * *
٥٤٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عمر بن الحسين بن عبيد الله ابن عمرو بن خالد بن
стр. 1185
الرفيل أبو الفرج، المعروف بابن المسلمة *.
سكن "بغداد"، وسمع أباه، وأحمد بن كامل القاضي، ودَعْلَج بن أحمد.
وكتب عنه الخطيب البغدادي، وقال: كان ثقة، يسكن بالجانب الشرقي، ويعمل (١) كلّ سنة مجلسًا واحدًا، في أول المحرّم.
وكان أحد الموصوفين بالعقل، والمذكورين بالفضل، كثير البرّ والمعروف، وكانتْ داره مألفًا لأهل العلم.
وكان يصوم الدهر، ويقرأ في كلّ يوم سبع القرآن، يقرأه نهارًا ويعيده في ليلته في ورده. انتهى.
وكان مولده فيما بلغ الخطيب، في آخر ذي القعدة، من سنة سبع (٢) وثلاثين وثلاثمائة، وكانتْ وفاته يوم الاثنين، مُستهلّ ذي القعدة، سنة خمس عشرة وأربعمائة.
وكان يختلف في درس الفقه إلى الإمام أبي بكر الرازي.
وحدَّثَ رئيس الوزراء، جمال الورى، أبو القاسم علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر، قال: رأيتُ أبا الحسين القدوري الفقيه بعد موته في
стр. 1186
المنام، فقلتُ له: كيف حالك؟ فتغيَّر وجهه، ودقّ، حتى صار كهيئة الوجه المرثى في السيف، دقّة وطولًا، فأشارَ (١) إلى صعوبة الأمر.
قلتُ: فكيف حال الشيخ أبي الفرج؟ يعني جدّه، فعاد وجهُه إلى ما كان عليه، وقال لي: من مثل الشيخ أبي الفرج ذاك ثم، ورفع يده إلى السماء.
فقلتُ في نفسي: يُريد بهذا قول الله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾، كذا رواه الخطيب.
* * *
٥٤٩ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عمر بن مسلم، أبو العبّاس، شهاب الدين العمري المعروف بابن خَضِر، ويسمّى (قول أحمد) *
فقيه حنفي، دمشقي، صالحي.
ولي إفتاء دار العدل (سنة ٧٥٠)، له كتب، منها: "حاشية على شرح العقائد النسفيّة"، و "حاشية على الفوائد الفنارية على إيساغوجي" في المنطق، و "شرح درر البحار" للقونوي مجلّدات في فروع الحنفية، قال
стр. 1187
ابن قاضى شهبة: و"الصراط المستقيم" في التفسير، و"شرح رسالة الاستعارة" لأبي القاسم الليثي.
ولد سنة ٧٠٦ هـ وتوفي بـ "الصالحية" ٧٨٥ هـ.
* * *
٥٥٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عمر الخَفَاجي، المصري، (شهاب، أبو العبّاس) *
لغوي، أديب، مُشَارك.
стр. 1188
ولد بـ "مصر" سنة ٩٧٩ هـ، وتوفي بها في ١٢ رمضان، سنة ١٠٦٩ هـ، وقد أناف على التسعين.
من مؤلّفاته الكثيرة: "شرح درة الغواص" في أوهام الخواص للحريري، و"نسيم الرياض في شرح الشفاء للقاضي عياض"، و"ريحانة الألبّاب وزهرة الحياة الدنيا"، و"شفاء الغليل" فيما في كلام العرب من الدخيل، و"النادر الحوشي القليل"، و"ديوان العرب في ذكر شعراء العرب".
* * *
٥٥١ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عمران، الكاثي الحجّي *.
نسبة إلى الحجّ، وأهل "خوارزم" يقولون: الحجّي، كما يقول الناس: الحاج.
قال السمعاني: كان فقيهًا فاضلًا، حسن السيرة.
سمع بـ "بغداد" أبا القاسم بن الحصين (١) الشيباني.
وكانتْ ولادته سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة.
* * *
стр. 1189
٥٥٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر أبو العبّاس البرتي *.
الفقيه، الحافظ.
من طبقة أحمد بن أبي عمران، أستاذ الطحاوي.
تفقّه على أبي سليمان موسى الجوزجاني، وروى كتب محمد بن الحسن، عنه، وحدّث بالكثير، وكتب، وصنّف "المسند"، وحدّث عن القعنبي، ومسدّد بن مسرهد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن صاعد، والقاضي أبو عبد الله المحاملي، وغيرهما.
قال الخطيب: كان ثقة، حجّة، يذكر بالصلاح والعبادة، وكان من أصحاب القاضى يحيى بن أكثم، وكان قبل ذلك يتقلّد "واسط"، وقطعة من أعمال "السواد".
قال غير الخطيب: كان إليه أحد جانبي "بغداد"، والجانب الآخر إلى إسماعيل بن إسحاق، ثم استعفى في أيام المعتضد، وردّ عليهم العهد، ولزم بيته، واشتغل بالعبادة، حتى مات.
стр. 1190
وروى الخطيب عن أبي عمر محمد بن يوسف القاضي، قال: ركبتُ يومًا من الأيام مع إسماعيل بن إسحاق، إلى القاضى أحمد بن محمد بن عيسى البِرْتِي، وهو ملازم لبيته، فرأيتُه شيخًا مُصْفَارًّا، أثر العبادة عليه، ورأيتُ إسماعيل أعظمه إعظامًا شديدًا، وسأله عن نفسه وأهله، وعجائزه، وجلسنا عنده، ثم انصرفنا، فقال لي إسماعيل: يا بُنيَّ، تعرف هذا الشيخ؟
قلتُ: لا.
قال: هذا البِرْتِي القاضى، لزم بيتَه، واشتغل بالعبادة، هكذا تكون القضاة، لا كما نحن.
وعن العلاء بن صاعد بن مخلد، أنه رأى النبي ﷺ في النوم، وهو جالس في موضع، فدخل عليه أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عيسى البِرْتِي القاضى، فقام إليه رسول الله ﷺ ، وصافحَه، وقبّل بين عينيه، وقال: مرحبًا بالذي يعمل بسنّتي وأثري.
وكان العلاء بن صاعد إذا جاءه أبو العبّاس قامَ له، وقبّل بين عينيه، وقال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يفعل بك.
ووثّقه الدارقطني.
وقال أحمد: صدوق، وما أعلم إلا خيرًا (١).
مات ليلة السبت، لتسع عشرة ليلة خلتْ من ذي الحجّة، سنة ثمانين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والبرتي؛ بكسر الباء الموحدة، وسكون الراء، وفي آخرهما التاء المثناة من فوق: نسبة إلى "برت"، قرية بنواحي "بغداد".
стр. 1191
هذا هو الصحيح من نسبته ونسبه.
وأما صاحب "الجواهر" فقد وهم، فذكره أيضًا فيمن اسمه أحمد بن عيسى (١).
وذكر قصّة إسماعيل بن إسحاق المذكورة معه، وغيرها من ترجمته، كما هنا، وأشار إليه في "الأنساب" (٢)، فقال: الزنبي، نسبة أحمد بن عيسى، نسبة إلى "زنب"، قرية على ساحل "بحر الروم"، قرية من "عكا"، ولا أدري بالنون أو الياء، كذا قال: السمعاني، قال ابن الأثير (٣): والصحيح أنها بالياء لا غير. انتهى.
وقد تصفّحتُ كثيرًا من كتب التواريخ، وطبقات الأئمة، فلم أجدْ فيها ما يشعر بأنه كان في ذلك العصر من القضاة الحنفية، من يقال له: أحمد بن عيسى الزنبي، وكأن صاحب "الجواهر" -والله أعلم- رأى في بعض الكتب ترجمة أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، وقد أسقط الكاتب اسم أبيه محمد، وصحّف البرتي بالزنبي (٤)، فنقلها كما هى من غير تحرير، ولا مراجعة، وظنّها ترجمة لشخص آخر غير هذه الترجمة، وتبعه غيره ممن صنّف في "طبقات الحنفية"، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1192
٥٥٣ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عيسى بن زياد الأنطاكي، الفقيه، أبو بكر، ابن أبي عبد الله ابن أبي موسى، القاضي *.
سمع بـ "أنطاكية"، و"طرسوس"، و"المصيصة"، وروى عن محمد بن آدم، ومحمد بن سليمان، وأحمد بن أبي بكر الحواري (١)، وقاسم بن عثمان الجوعي (٢).
روى عنه أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، وغيره.
ذكره ابن العديم، في "تاريخ حلب"، وقال: كان أبوه أبو عبد الله قاضيًا بـ "حلب"، و"قِنَّسْرِيْن"، وكان أبوه وجدّه فقيهين على مذهب الإمام أبي حنيفة.
وقال عبد الغني بن سعيد المصري في "كتاب القضاة": وقدم "مصر"، وحدّث بها، وروى (٣) بسنده، أن القاضى أحمد هذا، رُفع له فيها ورقة مكتوب فيها (٤):
стр. 1193
أَيُها القاضِي الكثيرُ الهِبَاتِ … صَانَكَ اللهُ مِنْ مَقامِ الدُّناتِ (١)
أَيكُونُ القِصاصُ مِن قَتْلِ لَحْظٍ … مِنْ غَزالٍ مُوَرَّدِ الوَجَنَاتِ
أَمْ يَخَافُ العَذَابَ من هو صَبٌّ … مُبْتَلىً بالزَّفيرِ والْحَسَراتِ (٢)
فأخذ الورقة، وكتب على ظهرها:
يا ظَرِيفَ الصَّنيعِ والآلاتِ … وعَظِيمَ الأَشْجان واللَّوَعاتِ
إنْ تَكُنْ عاشقًا فلَمْ تَأْتِ ضَنْبًا … بَك تَرَّقَيْتَ أَرْفَعَ الدَّرَجاتِ (٣)
ومَتى أقْضِ بالقِصَاصِ على لَحْ … ظِ حَبِيبٍ أُخْطِى طَرِيقَ القُضاةِ
* * *
٥٥٤ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عيسى بن يزيد بن السكن أبو جعفر، السكوني *.
стр. 1194
أخذ عن أبي يوسف، ومحمد، وروى عنه وكيع. قاله في "الجواهر".
وذكره الخطيب، في "تاريخه"، وقال: حدّث عن أبي يوسف القاضى، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبي بكر بن عيّاش، وإسماعيل بن عُلية.
روى عنه وكيع القاضي، وحمزة بن الحسين السمسار، وعلي بن محمد بن يحيى بن مهران السوّاق (١)، ومحمد بن مخلد العطّار.
وروى له الخطيب بسنده عنه، عن أبي يوسف، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (٢).
قال الدارقطني: ولم يؤرّخ له الخطيب وفاةً، رحمه الله تعالى.
* * *
٥٥٥ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن قادم، أبو يحيى البجلي *.
стр. 1195
الفقيه.
مولده سنة تسعين ومائة.
قال في "الجواهر": ذكره أبو علي الحسين في "كتابه"، وقال: فقيةٌ، عالم، قليل النظير، كان يرى رأي الكوفيين، وله نظر في اللغة، ومعرفة بالشعر.
وجلس في الجامع (١)، وهو حديث السنّ، في سنة أربع عشرة ومائتين، فقال يومًا لبعض أصحابه: أحص اليوم على كم أجيب. وجلس يُفتى للناس، فلمّا قام قال للرجل: كم عددت؟ قال: عددتُ ثمانمائة جواب.
وكان له يد في الشروط، وفي فنون من العلم.
وخالف في كثير من المسائل، وكتب يسأل عنها بـ "العراق"، ومن ذلك رسالة إلى بشر ابن غياث المريسي، في أشياء أشكلتْ على مشايخ بلده، فقال: إنا (٢) وجدنا في كتاب لأبي يوسف القاضي: لو أن حنطة طُبختْ بخمر حتى انتفختْ، فإن أكلها حرام، ولا حدّ على من أكلها، فإن طبختْ بالماء الطاهر بعد ذلك ثلاث مرّات، تخفف بعد كلّ طبخة، ثم تطبخ، طهرتْ، ولا بأس بأكلها، وكذلك اللحم يطبخ بالخمر، فاذا صبّ عليه الماء الطاهر (٣)، وطبخ به ثلاث طبخات، ويُرد بعد كلّ طبخة، ثم طبخ، فهذا طهور، ومرق ذلك اللحم يهراق.
مات ابن قادم سنة سبع وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
* * *