باب من اسمه إلياس
١٠٠٠ - الشيخ الفاضل إلياس بن إبراهيم السينابي *.
كان رجلًا فاضلًا ذكيًّا، سريع الفِطْنَة، له مشاركة في أكثر الفنون، وكان مداومًا للاشتغال.
وله "شرح" لطيف على "الفقه الأكبر"، ورسائل متعلّقة بتفسير بعض الآيات، وحواش على "شرح المقاصد" للسيعد التفتازاني.
وكان حسن الخطّ، سريعه، قيل: إنه كتب "مختصر القدوري" في الفقه، في يوم واحد، وكتب "حواشي شرح الشمسية" للسيّد الشريف، في ليلة واحدة.
وكان خفيف الروح، لطيف المزاج.
وصار مدرّسًا بسلطانية "بروسة"، ومات وهو مدرّس بها.
نقله في "الشقائق".
стр. 1647
قلت: ذكر صاحب "الكشف" عند ذكر شرّاح "الفقه الأكبر"، وإلياس بن إبراهيم السينوبي شرحه شرحا مفيدا.
* * *
١٠٠١ - الشيخ الفاضل إلياس بن شُجَاع الدين الرُّومِي .
الْمُتَوفَّى سنة ٩٢٩ تسع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة *.
لَهُ "شرح السمرقندية" فِي الْآدَاب، وحَاشِيَة على "شرح تَجْرِيد الْكَلَام".
* * *
١٠٠٢ - الفاضل العالم المحدّث الجليل الداعية الكبير الورع الزاهد الشيخ إلياس بن محمد إسماعيل الكاندهلوي * *.
وكان له اسم آخر تاريخي، هو أختر إلياس بن محمد إسماعيل الجهنجهانوي.
نسبه هكذا: محمد إلياس بن محمد إسماعيل بن غلام حسين بن حكيم كريم بخش بن حكيم غلام محي الدين بن محمد ساجد بن محمد فيض ابن
стр. 1648
حكيم محمد شريف ابن محمد أشرف بن جمال محمد شاه بن نور محمد، المعروف بابن شاه ابن بهاء الدين شاه بن محمد بن محمد فاضل بن قطب شاه ابن العلامة القاضي أبي سعيد القادري الرازي العراقي.
وينتمي هذا الشيخ إلى أسرة كريمة، هي أسرة صدّيقية، وقد اشتهرتْ في شبه القارّة الهندية الباكستانية، بما قدمته من خدمات جليلة شتى ميادين العلم، والدعوة، والتربية، والزهد، والتقوى، والتضحية في سبيل الدين، وهي أسرة تماثل أسرة الشاه ولي الله الدهلوي، رحمه الله تعالى، حتى ورثت واندمجت، وتكاتفت وتناصرتْ معها في جميع المجالات الدينية، حتى ورثت جميع علوم أسرة الشاه ولي الله الدهلوي ﵀، وحركاتها، وخدماتها في علوم الحديث، والتفسير، وميادين الجهاد، والدعوة، وكان آخر وريث لهذه الأسرة في علوم الحديث الشريف، هو إمام المحدّثين الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، المعروف باسم "شيخ الحديث". كما ورث الشيخ محمد إلياس مجال الدعوة. وكان آخر من ورث هذه الأسرة أي أسرة ولي الله الدهلوي" في ميدان الجهاد هو السيّد المفتي مظفّر حسين الكاندهلوي، جدّ الشيخ محمد إلياس، وهو جدّه من ناحية الأم.
مولد الشيخ محمد إلياس ونشأته:
ولد الشيخ محمد إلياس في مدينة "كاندهله" لأبوين كريمين سنة ثلاث وثلاثمائة وألف من الهجرة، الموافق سنة إحدى وثمانين وثمانمائة وألف ميلادية.
وقد نشأ في أسرة إسلامية متمسّكة بتعاليم الإسلام، لا تحتاج في تربية أولادها إلى أحد من خارج العائلة، فقد اجتمع لديها العلماء
стр. 1649
الأفاضل والمجاهدين من "جهنجهانه" و"كاندهله"، ونلاحظ أنه لا ينتفع بمزايا وعلوم هذه الأسرة أهل هذه المدن فحسب، بل استفادتْ منهم شبه القارة بأكملها، حيث كان الملوك يفضلون رجالها لتربية أولادهم ورعايتهم وبفضلهم، فقد اشتهرتْ مدينتا "كاندهله" و"جهنجهانه" بأنهما مدينتا العلم والفضل.
وكذلك فقد انفردتْ سيّدات هذه الأسرة بتربية أولادهنّ بأسلوب فريد، حيث كانت تحكي لهم حكايات الصحابة، وقصص المجاهدين في الإسلام، وما بذلتْه هذه الأسرة من تضحيّات في سبيل الدين، وكان موضع اهتمام سيّداتها لغرص قيم الدين الحنيف في نفوس أبنائها، وإعدادهم للذود عن الشريعة المطهّرة، وذلك ببذل النفس والمال، حيث كن يحرّضن أولادهن على التمسّك بالكتاب والسنّة منذ نعومة أظفارهم.
وقد تربّى محمد إلياس التربية النقيّة الصافية، التي كان لها أثرُها البالغ في تكوين حياته العلمية والعملية، وإبراز شخصيته القيادية، التي تكاملتْ فيها كلّ جوانب الخير والفضيلة.
وقد يؤكّد لنا الحقيقة التي لا شكّ فيها، وهي أن أثر البيئة والأسرة منذ النشأة الأولى، هي التي تشكل الشخصية الفذة، وتظهرها قبل أن يشبّ صاحبها عن الطوق.
وكان أجداد الشيخ محمد إلياس هم قمة رجال، عصورهم في شتى نواحي العلم والمعرفة، إذ كانوا من الأعلام في شتى ميادين القضاء والتأليف والدعوة والجهاد، كما نجد نساءَ تلك الأسرة، قد تفرّدن بالإيمان الخالص، والعلم النافع، والتقوى، والزهد، والعبادة، وقيام الليل، وتربية الأبناء، فلا تجد شخصا في الأسرة إلا وهو حافظ للقرآن، أو عالم، أو معلّم، أو طبيب، اللّهم
стр. 1650
إلا بعض الأسماء، التي لم نعثرْ لها على أيّ أثر علمي، وأيضا تجد بنات ونساء هذه الأسرة عالمات حافظات للقرآن، يتسابقن في الصيام والنوافل، وذكر الله، ولا يتكلّمن إلا عن أهمّية الاستغراق في ذكر الله، ومدى حلاوته، التي لا يدركها الإنسان العادي.
ولذا فقد كانت بيوت تلك الأسرة معمورة بالصوم، والصلاة، وتلاوة القرآن، كما كانت تفوح بعطر الإيمان والتقوى.
ونتيجة لذلك، فما كانت تطمع سيّدات هذه الأسرة أن يكون أبناؤهن ضباطا أو موظّفين كبارا في الحكومة، بل كنّ يطمعن أن يستقي أبناؤهن مشربهم من مدرسة الإيمان، وتتجلّى فيهم آثار الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
وهكذا فقد كان لتقاليد الأسرة والبيئة النقية أثرهما في تكوين شخصية الشيخ محمد إلياس، وتحديد سلوكه في سائر أطوار حياته: علمية كانت، أو ثقافية، أو اجتماعية.
والدة الشيخ محمد إلياس:
وهي بي صفية بنت السيّدة أمة الرحمن المعروفة بـ "أمي بي"، وقد اشتهرتْ هذه السيّدة بالزهد والتقوى. وبعد اقترانها بالشيخ محمد إسماعيل رزقهما الله ولدين صالحين، اشتهرا في مجال العلم والدعوة، وهما "الشيخ محمد يحيى"، و"الشيخ محمد إلياس".
وقد حفظتْ بي صفية القرآن الكريم، كما تعلّمت العلوم الأساسية في الدين الإسلامي كعادة الأسرة.
وكانت معروفة بقوّة ذاكرتها وذكائها الحادّ، فكانتْ لا تكاد تنسى شيئا حفظتْه أبدا، كما عرفتْ بكثرة تلاوتها للقرآن، والأوراد، والأدعية المأثورة.
стр. 1651
وبذكر صاحب "تذكرة الخليل" أن "بي صفية" كانت تقرأ القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك أربعين مرّة، وذلك بالتزامها كلّ يوم بقراءة المصحف كاملا، ومعه عشرة أجزاء، هذا مع قيامها بأمور المنزل، لأنها تعوّدتْ أن تقرأ القرآن من الذاكرة أثناء قيامها بالعمل المنزلي.
أما في الشهور العادية، أي غير شهر رمضان المبارك، فكانت "بي صفية" تقرأ كلّ يوم منزلا واحدا من المصحف الشريف، وبذلك كانت تختم القرآن بأكمله مرّة واحدة في الأسبوع، كما كانت كذلك تلتزم طوال الوقت بالأدعية والأذكار المأثورة، إذ كانت تصلّي على رسول الله ﷺ خمسة آلاف مرّة، وتقول: لا إله إلا الله مائتان وألف مرّة، وحسبي الله نعم الوكيل خمسمائة مرّة، وسبحان الله ثلاثمائة مرة، والحمد لله ثلاثمائة مرّة، والله أكبر ثلاثمائة، والاستغفار أي أستغفر الله العظيم خمسمائة مرّة، وأفوّض أمرى إلى الله مائة مرّة، وربي أني مغلوب فانتصر مائة مرّة، وربي أني مسني الضرّ وأنت أرحم الراحمين مائة مرّة، ولا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين مائة مرّة كلّ يوم، وغير ذلك من الأذكار المسنونة.
ومن المعروف: أن هذا المنهج الدارسي، والنظام اليومي هو الذي كان متبعا لدى معظم نساء الأسرة، وهو يعيد إلى الأذهان صورة الأعمال الصالحة، والشغف بالعبادة عند أمّهات المؤمنين في صدر الإسلام، وإذا كان هذا هو حال معظم النساء وفتيات تلك الأسرة، فما بالك برجالها، الذين جرّدوا أنفسهم لخدمة دين الله، والجهاد لإحياء سنة الرسول، ﷺ .
стр. 1652
الشيخ محمد إلياس وطلبه للعلم ورحلاته في سبيله:
بدأت رحلاته العلمية بداية طيبة تحت إشراف أبيه الفاضل الشيخ محمد إسماعيل، ثم أخيه العلامة الشيخ محمد يحيى، وبعدها ظلّ يرقى في المدراج العلمية، حتى وصل إلى مكانة رفيعة في العلوم الدينية، حتى أنه لم يترك أيّ مركز علميّ هام في شبه القارة إلا وقد تعلّم، وتربّى فيه، فيما عدا المدارس والجامعات الأجنبية الإنجليزية وغيرها. فلم يلجأ إليها بحثا عن المادة أو سعيا وراء الجاه والشهرة، وإنما كان دافعه لذلك الرغبة الملحة بغية إدراك الإيمان العميق لقيمة العلم، وكان كلّ ذلك بفضل الإيمان العميق بقيمة العلم، ويفضل البيئة التي عاشَ فيها هو وأسرته.
وقد ركز الشيخ محمد إلياس جلّ اهتمامه في طلب العلم، والتربية العملية، والروحية الخالصة على يد كبار العلماء والزهّاد والعباد، ومرشدي المسلمين في شبه قارة الهند والباكستانية، كما تعلّم قراءة القرآن في صغر سنّه على يد المحفّظ "منجتو"، ثم اتّجهَ فيما بعد إلى حفظ القرآن الكريم طبقا لدستور الأسرة على يد أبيه الشيخ محمد إسماعيل في قرية "نظام الدين"، لأن حفظ القرآن الكريم قبل كلّ شيء كان أمرا لا بدّ منه لكلّ أفراد الأسرة، ويظهر أثر هذا الالتزام في أبهى صوره في مسجد الأسرة، حيث يجتمع فيه جميع أفرادها، ويصلّون جميعهم صغيرا وكبيرا، الصلوات الخمس، فلا تجد بين صفوف المصلّين غير حافظ للقرآن من أبناء الأسرة.
وقد درس الشيخ محمد إلياس الكتبَ الأوليةَ في اللغتين الفارسية والعربية على يد والده في قرية "نظام الدين"، حينما كان يذهب لجدّته أمة الرحمن في "كاندهله" كان يدرّس نفس الكتب على يد الشيخ محمد إبراهيم الكاندهلوي.
стр. 1653
وبعد أن حفظ الشيخ محمد إلياس القرآن الكريم، واستوعب المبادئ العملية في "نظام الدين" و"كاندهله" رحل فيما بين عامي ١٣١٤ هـ، أو ١٣١٥ هـ إلى "كنكوه"، وهي مركز علمي معروف، حيث كان يقطن هناك إمام العلماء وقدوة الصالحين الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي.
كما كان الشيخ محمد يحيى الأخ الأكبر للشيخ محمد إلياس يعمل هناك كمدرّس في مدرسة "كنكوه".
وكان رحيل الشيخ محمد إلياس إلى أخيه من أجل أن الشيخ محمد يحيى طلب من أبيه أن يرسل محمد إلياس إلى "كنكوه"، لأن حنان الأبوين وكثرة اشتغال محمد إلياس بذكر الله والأوراد المسنونة، وتلاوة القرآن الكريم قد تسبّب له القصور في التعليم، ومن الأفضل أن يتعلّم محمد إلياس في مركز علمي آخر بعيدا عن البيت، واتفق كبار الأسرة على أن يدرس الشيخ في مدرسة "كنكوه" تحت إشراف سيّد العارفين الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، وبهذا تمتع بمرافقة أخيه الفاضل محمد يحيى، كما استفاد من صحبة كبار علماء الدين، الذين يأتوا من جميع أنحاء شبه القارة لدى شمس العلم والمعرفة الشيخ رشيد أحمد، لكسب المعارف العلمية والروحية.
وفي هذا الصدد يوضح الشيخ محمد زكريا أن الشيخ محمد إلياس نال حظّا وفيرا من تربية إمام المشايخ الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي وغيره من كبار العلماء الأفاضل بـ "كنكوه"، وكذلك كان الشيخ محمد إلياس يتعلّم في مدرسة "كنكوه" على يد أخيه الفاضل، الكتب المتوسّطة، برغم أنه كان يعلم الطلاب الكتب الابتدائية مما كان يفيد في استيعاب الكتب، وفهمها، وازدياد كفاءته العلمية، وتشويقه إلى مزيد من الفهم.
هذا وقد استمرّ الشيخ تحت إشراف أخيه الفاضل ورعايته، علميا وروحيا، في هذا المركز العظيم، فضلا عما كان يستفيده من حلقات العلم،
стр. 1654
على يد كبار علماء العصر، فيغترف من معارفهم، وينهل من خبراتهم العلمية، ولا يخفى هذا الأثر الهائل في التربية، التي درج عليها الشيخ محمد إلياس في أكبر مركز للعلوم والمعارف في شبه القارة الهندية والباكستانية، مما حفز حميته الدينية، وزاد من فهمه للدين ومبادئه وإداركه لحقيقة التربية الروحية والعملية، التي كان لها أكبر أثر في بناء شخصيته القيادية في شتى المجالات الروحية والمعنوية.
ومن المعلوم أن أخصب فترة في حياة الإنسان لتلقّي التربية الأساسية، وتقبل أثرها هي التي كان فيها الشيخ محمد إلياس في "كنكوه"، لأنه كان في ذلك الحين لا يزال في حداثة سنّه، حيث كان يناهز العاشرة من عمره.
ولما توفي الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي في عام ١٣٢٣ هـ كان الشيخ محمد إلياس قد قارب العشرين من العمر.
ويذكر الشيخ محمد زكريا عن عمّه الشيخ محمد إلياس أنه كان يقول: حينما كان كبار علماء "الهند" و"السند" يزورون شيخ العارفين الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي لكسب الفيض العلمي منه، والتباحث في أمور المسلمين في أنحاء البلاد، ليرشدهم الشيخ إلى الخير والإصلاح في الأمور الدينية والمعنوية وغيرهما، كان أخي الشيخ محمد يحيى يأمرني أن أستمرّ في صحبتهم بدلا من الدروس اليومية، قائلا لي: إن صحبة هؤلاء العلماء هي دروسكَ، والأفضل أن تجلس معهم، وتنصت لما يتحاورون فيه بشأن الإسلام، والمسلمين في أنحاء العالم.
وأثناء تلك الفترة حدث شيء لم يكن في الحسبان، إذ توقّف الشيخ محمد إلياس عن التعلّم خلال مدّة إقامته في "كنكوه"، نظرا لما أصابه من آلام
стр. 1655
الصداع الحادة، الذي زادتْ حدّته عليه، وبرغم أن الشيخ كان نحيف البدن، لكن حالته الصحية بدأتْ تتدهور، حتى بلغ الأمر به أن لا يستطيع أن يسجد في الصلاة، فمنعه معالجه الطبيب من شرب الماء كأسلوب وقائي، وهذا أمر شاق وعسير على أيّ إنسان، ولكن الشيخ محمد إلياس لم يشربْ الماء قط، زهاء سبع سنوات متتالية، وإنما كان يستعمل سوائل أخرى، عوضا عن الماء.
وحينما انتهتْ مرحلة الوقاية، استمرّ الشيخ لا يشرب الماء إلا قليلا، وظلّتْ هذه الحالة مدّة بلغتْ خمس سنوات بعد السبع الأولى، ولكن سيطرَت على فكره هواجس الحرمان من تحصيل العلم، لأن شيوخ الأسرة وأساتذته يصرّون على ضرورة أن يستريح، وألا يشتغل بالتعليم، حيث إنه لا يتحمّل مشاقّ الدراسة، لأنه إذا تحسنّت صحته فالخوف أن يعاوده نفس المرض، نظرا لما تحتاج إليه الدراسة من جهد وتفكير، مما اضطرّ الشيخ محمد يحيى إلى منعه من التعليم منعا باتا، نظرا لحالته الصحية المتدهورة، ولكن الشيخ محمد إلياس أصرّ على مواصلة تحصيل العلم والمعرفة، موقنا أن الحياة لا طائلَ منها بدون العلم، وبذل كلّ جهده ليبدأ التعليم، ويفرغ من الكتب المتبقّية له من المنهج الدراسي، ووصل الخلاف غايته بينه وبين أخيه وأساتذته، إلى أن سأله أخوه يوما: ماذا ستعمل بالتعليم والعلم؟ فردّ عليه الشيخ محمد إلياس قائلا: وما قيمة الحياة بدون العلم؟!.
وبعد أن تحسنّتْ حالة الشيخ محمد إلياس الصحية استأنف رحلاته العلمية مرّة أخرى، برغم هزال جسده، ليقينه أن الحياة لا جدوى منها بدون العلم، كما أنه لا قيمة للعلم بدون العمل.
стр. 1656
وبعد ذلك بدأتْ رحلات الشيخ محمد إلياس مرّة أخرى، خاصّة بعد أن فجع بوفاة شيخه الإمام الكنكوهي عام ١٣٢٣ هـ، إذ كان ينظر إليه حين وفاته محدثا نفسه في أسى عميق: كيف ترحل شمس العلم عن الدنيا؟ وكيف تكون حياة العالم بعد موت العالم؟ وأخذ يتلو سورة يس على الإمام.
وقد ترك هذا الحادث في نفس الشيخ محمد إلياس أثرا عميقا، لا ينساه طوال حياته. فكان يقول: إن الأحداث المفجعة التي وقعتْ في حياتي ليستْ سوى موت والدي وحادثة وفاة الشيخ الكنكوهي، وما حزنت في حياتي على شيء أكثر من هذين الحادثين، قد بكيت بكاء العمر كلّه يوم أن انتقل الإمام الكنكوهي من دنيا الفناء إلى دار البقاء.
وبعد وفاة الإمام رحل الشيخ محمد إلياس إلى دار العلوم بـ "ديوبند" لتكملة دراسة علوم الحديث، فتلّقى دروس "البخاري"، و"الترمذي" على يد شيخ الهند الشيخ محمود الحسن، الذي سنورد الحديث عنه فيما بعد.
ولكن بعد أن انتهى الشيخ محمد إلياس من دراسته في مدرسة دار العلوم ديوبند بدأ رحلته الثالثة إلى مدينة "سهارنفور"، والتحق بمدرسة مظاهر العلوم، ليكمل دراسة جميع كتب الحديث المتداولة، حيث أعاد قراءتها على يد أخيه الشيخ محمد يحيى.
ويذكر الشيخ محمد زكريا عنه إن درس الحديث كان يستمرّ طوال الليل، ولا يركن إلى النوم إلا قليلا أثناء النهار.
وهكذا قضى الشيخ محمد إلياس فترة دراسته في أكبر مراكز العلم والتربية، وتلقّى العلوم الدينية والتربوية على يد كبار العلماء والعارفين في حلقات المساجد والمدارس في القرى والمدن، خلال فترة ترحاله في سبيل
стр. 1657
تحصيل شتى العلوم، كالتفسير، والحديث، والفقه، وعلم العقائد، والكلام، وغيرها من العلوم المتدوالة في ذلك الحين (١).
وهنا أذكر عدّة أساتذة، هم الذين أثروا في حياة الشيخ إلياس.
الأول: الإمام الكنكوهي، هو الشيخ رشيد أحمد بن هداية الله، ولد في السادس من ذي القعدة سنة ١٢٤٢ هـ في قرية "كنكوه" من مضافات "سهارنفور" بـ "الهند"، وكان والده صاحب علم و فضل، وقد تلقّى الشيخ الكنكوهي العلوم الابتدائية بمدينة "كرنال"، ثم رحل إلي مدينة "دهلي"، حيث يقطن هناك أستاذ الأستاذة الشيخ مملوك علي النانوتوي، وتلقّى عنه العلوم والفنون، ثم تعلّم على يد الشيخ مفتي صدر الدين، كما تلقّى علوم الحديث علي يد الشاه عبد الغني المحدّدي، وهو من أكبر شيوخ الحديث في "الهند"، كما التقى هناك بالشيخ محمد قاسم النانوتوي -حجّة الإسلام في "الهند" وعميد الأسرة القاسمية، التي تشرّف علي مدرسة دار العلوم ديوبند منذ تأسيسها- وقد لازمه، ولم يفترقا طوال حياتهما، بل تكاتفا معا في المجالات التربوية والخدمات الدينية، وفي الدعوة والإرشاد، والدرس و التدريس، كما اشتركا معا في جبهات القتال وقيادة المجاهدين ضدّ الإنجليز. وقد تلقّي الشيخ رشيد أحمد والشيخ محمد قاسم علوم الطريقة والسلوك علي يد الإمام إمداد الله المكّي، فأجازهما الإمام للبيعة علي طرق التربية والسلوك.
والثاني: فهو أخوه الأكبر العلامة محمد يحيى بن محمد إسماعيل، الذي كان له تأثير قويّ على الشيخ محمد إلياس، خصوصا في المجال العلمي الذي
стр. 1658
هو أساس كلّ شخصية علمية، والتي إذا بنيت على قواعد سلمية لاستفاد بها العالم أجمع، حيث يستخدم هذا العلم للبناء والتعمير على أسس قوية راسخة لصالح الإنسانية.
كان الشيخ محمد يحيى أخا كبيرا للشيخ محمد إلياس، فتولّى تربيته في حياة أبيه وبعد وفاته، حيث لم يفارقه أبدا، واستمرّت تلك التربية العلمية والعملية على تلك الأساليب المحكمة، وحينما رجع الشيخ محمد إلياس من حجّ بيت الله الحرام في ربيع الثاني عام ١٣٣٣ هـ، وكان أخوه محمد يحيى قد توفي إلى رحمة الله أحسّ الشيخ محمد إلياس بصدمة شديدة، ونكبة مفزعة هائلة في حياته، لأنه حرم من التربية والإشراف، حيث افترق عن رفيق العمر والمعلّم والمربي والأستاذ الذي فارقه، ولكن كان قد بلغ أوج المعرفة في العلوم النقلية والعقلية في هذه الفترة من العمر، وصار مثالا ونبراسا، يحتذي به في الورع والزهد والتقوى، حتى عيّن أستاذا في جامعة مظاهر العلوم بمدنية "سهارنفور"، وكان أخوه الشيخ محمد يحيى يرافقه، ويشرف عليه، حتى ذلك الحين.
ومن هنا نرى أن الشيخ محمد يحيى ترك لنا أروع نماذج التربية في الأخوة، حيث يتسابق الناس في تربية أبنائهم، ولكنه اهتمّ بتربية أخيه أكثر من عناية الإنسان بأولاده، وذلك لأنه الشيخ محمد إلياس قرأ معظم الكتب على يد غيره من الأستاذ مرّة أخرى، وبعد ما تخرّج محمد إلياس قرأ معظم الكتب على يد أخيه، الذي كان يحثّه على استيعاب الكتب الدراسيّة، درسها على يد غيره من الأستاذ مرّة أخرى، وبعد ما تخرّج إلياس من مدارس العلم الدينية، بدأ أخوه يشرح له مرّة أخرى نفس الكتب، التي قرأها من قبل، وأكمل له دراسة الكتب المتبقّية، وكان الدرس يستمرّ طوال الليل والنهار، إلا قليلا من الراحة.
стр. 1659
هذا وقد كان الشيخ محمد يحيى يبذل لأخيه من ماله وحياته، وكان يتحمّل جميع مسؤولياته المادية، فكان الشيخ محمد إلياس يسكن، ويأكل عند أخيه، حتى أثناء فترة تدريسه في "سهارنفور".
بعد حياة مليئة بخدمة الدين الحق والخلق والمجاهدات النفسية توفي الشيخ محمد يحيى إلى رحمة الله في صباح الثامن من ذي القعدة سنة ١٣٣٤ هـ، بسبب مرض الكوليرا، ودفن في مدينة "سهارنفور"، بين مقابر العلماء والأكابر، وبجوار قبر الشيخ محمد مظهر، مؤسّس مدرسة مظاهر العلوم، وقد خلفه نجله الوحيد محمد زكريا، الذي اشتهر في مجال التدريس والتأليف وخاصّة في علوم الحديث الشريف، كشهرة الشاه عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي في عصره، حتى أطلق عليه علماء شبه القارة لقب "شيخ الحديث" بدلا عن اسمه محمد زكريا (١).
والثالث: هو العلامة شيخ الهند محمود حسن بن ذو الفقار علي الديوبندي، ولد في سنة ١٢٦٦ هـ، وتلقّى العلوم النبوية على يد المجاهدين العظيمين حجّة الإسلام النانوتوي، وفقيه النفس العلامة رشيد أحمد الكنكوهي، وهو أول طالب في دار العلوم ديوبند، وقد اشتهر شيخ الهند محمود حسن بذكائه وورعه منذ صغر سنّه، كما اشتهر بنبوغه في شتى العلوم المتداولة، وخاصّة في علوم التفسير والحديث الشريف، كما كان يعتبر حجّة في علوم الفقه.
والرابع: الشيخ العلامة خليل أحمد السهارنفوري، ولد في مدينة "أنبيتهة" بمديرية "سهارنفور" عام ١٢٦٩ هـ، الموافق ١٨٥٣ م في أسرة كريمة
стр. 1660
تدعى باسم الأسرة الأيوبية، نسبة إلى سيّدنا أبي أيوب الأنصاري، والشيخ خليل أحمد من سبط سيّد أساتذة الهند العلامة مملوك علي، ويتّصل نسبه العالي مع نسب الإمام رشيد أحمد الكنكوهي إلى الجدّ العاشر.
من الواضح أن الشيخ خليل أحمد استمرّ في تدريس العلوم الدينية النبوية والتربية والروحية، والإشراف على الهيئات العلمية، ونال فيها مكانة رفيعة بين معاصريه، وبذا تخرّج على يديه آلاف من كبار علماء شبه القارة، الذين جرّدوا أنفسهم للتعليم والتأليف والدعوة إلى الله، ومن أشهرهم في ميدان التدريس العلامة محمد يحيى بن محمد إسماعيل، وفي مجال الدعوة الشيخ محمد إلياس بن محمد إسماعيل، وفي مجال التدريس والتأليف شيخ الحديث محمد زكريا بن محمد يحيى بن محمد إسماعيل، ﵏ جميعا.
وكذلك فقد تلقّى الشيخ محمد إلياس التصرّف والتربية والروحية على يد الشيخ خليل أحمد السهارنفوري، كما بايع على يده بأمر شيخ الهند محمود الحسن، وذلك بعد وفاة إمام العارفين الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي عام ١٣٢٣ هـ.
ومن ثم أصبح الشيخ خليل أحمد مشرفا علميا وروحيا للشيخ محمد إلياس، حيث لم يفارقه لحظة، ولم يتحرّك الشيخ محمد إلياس إلا بأمر مرشده ومشورته، حتى إنه كان يشرف على أموره المنزلية، مثلما شارك في حفل زواجه في السادس من ذي القعدة عام ١٣٣٠ هـ، كما أنه لم يباشرْ أيّ عمل خاص بشؤن أسرته إلا وكان يستشير مرشده وشيخه. وحينما عزم الشيخ خليل أحمد على الحجّ إلى بيت الله الحرام لم يقبل الشيخ محمد إلياس البقاء في "الهند" بدون شيخه، ولذا فقد صاحب شيخه للحجّ إلى
стр. 1661
بيت الله الحرام عام ١٣٣٣ هـ، كما رحل معه للحجّ مرّة أخرى في عام ١٣٤٤ هـ.
وفي تلك المرّة طرأتْ حالة من الاستغراق على الشيخ محمد إلياس أثناء إقامته بـ "المدينة المنوّرة"، وبدأ يرفض العودة إلى "الهند"، فلمّا عرف بذلك الشيخ خليل أحمد قال: اتركوه على حاله، ولا تجبروه، فإنها حالة الاستغراق ومقام الفناء في حبّه، ﷺ .
وعن هذا يقول الشيخ محمد إلياس نفسه: لقد أمرت بالدعوة أثناء تلك الفترة في "المدينة المنورة".
اشتغاله بالتدريس:
من المعروف أن تدريس العلوم يحتاج إلى كفاءة عالية وخبرة واسعة، وصبر وجلد، وموهبة من الله ، لأن كثيرا من العلماء يحفظون العلوم، ولا يجيدون أداءها، وتوضيحها للغير، إذ ليس كلّ عالم يصلح أن يكون مدرّسا، لكن الشيخ محمد إلياس كان صاحب شخصية متميّزة في الكثير من الأمور، وخاصّة في مجالا التدريس، وممارسة النشاط العلمي المحض، فاتجه إليه اعتقادا منه، بأن العلم لا يثمر، ولا ينتج إلا بالتفرّغ له، والانصراف إليه، وأن العالم لا يجنى ثمرات العلم إلا إذا وهب نفسه كلية للعلم، لأن العلم يحتاج إلى تأمّل، وعمق في النظر، والاستقراء للعلوم، واستيعابها، وكلّ ذلك لا يتأتى مع اشتغال النفس بغيره.
وقد اشتهر الشيخ محمد إلياس في بداية حياته العلمية بالتدريس، ونال مكانة مرموقة لدى علماء عصره في فنّ التدريس، حيث كان معروفا لدى العلماء بقدرته على التدريس في جميع علوم الصرف، والنحو، والأدب، والبلاغة، والمنطق، والفقه، والتفسير، وعلوم الحديث، وأصوله، وغيرها من العلوم الشرعية المتداولة في ذلك الحين.
стр. 1662
كما تولى عدّة مناصب في التدريس، وتخرّج على يديه كثير من العلماء الأجلاء، الذين عرفوا في شتى المجالات العلمية في التدريس، والتأليف، والدعوة، والإرشاد، فكان من الطبيعى أن يتبوأ مكانة مرموقة في المجال العلمي.
لقد بدأ الشيخ محمد إلياس بالتدريس، كعادة السلف الصالح، لأن التدريس جزء هام في الحياة العملية، لاستيعاب الكتب العلمية بعد التخرّج، حتى تسري حلاوة العلم في شرايين الجسد، وتودّي الأمانة كاملة إلى أهلها.
وقد عيّن الشيخ محمد إلياس بعد تخرّجه أستاذا في أكبر مركز علميّ في جامعة مظاهر العلوم بمدينة "سهارنفور"، وذلك عند ما عزم معظم مدرّسي الجامعة على حجّ بيت الله الحرام في عام ١٣٢٨ هـ، وعيّن المدرّسون الجدد ليحلّوا محلّهم مؤقّتا. وبعد رجوع الأساتذة من أراضي "الحجاز" المقدّسة، عزل الأساتذة الجدد، وبقي الشيخ محمد إلياس، حيث أصرّ مسئولو الجامعة على بقائه في التدريس.
وفي تلك المرحلة كان الشيخ يدرّس الكتب المتوسّطة المتدوالة آنذاك، ومما يدلّ على ذكائه الفريد أنه كان يعلّم بعض الكتب التي لم يدرّسها في مراحل تعليمه، بل كان يستعين بشروحها، كما يقول عنه الأستاذ أبو الحسن علي الندوي: إنه كان ماهرا منذ مراحل تعليمه الأولى في استخراج المعاني والمفاهيم من الكتب بنفسه، فكان يستعين بالشروح كلّما احتاج الأمر إلى ذلك، فمثلا يطالع كتاب "البحر الرائق"، و"الشامي"، و"الهداية" وقت تدريسه لـ "كنز الدقائق" في الفقه، ويستفيد بـ "توضيح تلويح" و"شرح الحسامي" لكتاب "نور الأنوار".
стр. 1663
وهكذا كان منهجه في كتب المنطق، وغيرها من العلوم المختلفة، ثم أصبح الشيخ بعد ذلك مشرفا على المرحلة الابتدائية بقسم الأدب العربي، وفي عام ١٣٥٠ هـ أصبح مشرفا على جميع أقسام اللغة العربية وآدابها.
ولم تمض السنة، حتى أختير عضوا لمجلس الشورى لدار العلوم "ديوبند" في عام ١٣٥١ هـ، وهكذا اشترك مع كبار علماء "الهند" في الإشراف على الشؤون الدينية كلّها في شبه القارة، واستمرّ في هذا المنصب الكبير إلى عام ١٣٥٣ هـ.
وهي أهمّ مرحلة خلال فترة التدريس للشيخ محمد إلياس ﵀، - وذلك حينما توفي أخوه الأكبر الشيخ محمد بن محمد إسماعيل في عام ١٣٣٤ هـ، كما توفّيت والدته في نفس العام.
وكان الشيخ محمد إلياس بن محمد إسماعيل ﵀ يدير مدرسة كاشف العلوم في قرية "نظام الدين"، التي أنشأها أبوه الشيخ محمد إسماعيل.
وبعد وفاة الأخ الأكبر أصرّ أهل البلدة والأقرباء المتصلون بهذه الأسرة الكريمة أن يتولّى الشيخ محمد إلياس تلك المسؤولية، حتى يسدّ الفجوة التي فغرتْ فاها بعد وفاة أبيه وأخيه وأمه، ولكن الشيخ يؤجّل الأمر، حتى يستأذن الشيخ خليل أحمد، فأذن له الشيخ بأخذ الإجازة المؤقّتة من مظاهر العلوم بـ "سهارنفور" لمدّة سنة واحدة، ويذهب إلى قرية "نظام الدين"، وإذا ما اعترضه عائق فليرجع إلى الجامعة.
وهكذا انتقل الشيخ محمد إلياس من مظاهر العلوم في "سهارنفور" إلى مدرسة كاشف العلوم، الواقعة في قرية "نظام الدين" بجوار مدينة "دهلي"، وأصبح مسؤولا عن كلّ شئون المدرسة بما فيها نظام المدرسة، ورياسة هيئة
стр. 1664
التدريسن، وحمل المسئولية بما تحتاج إليه المدرسة من النفقات المادية وغيرها من متطلّباتها العلمية، حتى أصبحت المدرسة نموذجا فريدا لمدارس شبه القارة الهندية والباكستانية، في التعليم والتربية والإدارة، بما قدم لها الشيخ من خبراته الجليلة وتضحياته النادرة في سبيل العلم والدين.
وهذا يوضحه قول الشيخ عبيد الله: إنه لو ترك الطالب مدرسة كاشف العلوم، والتحق بمدرسة أخرى، فما كان يمتحن امتحان القبول بها، لأنها اشتهرتْ في "الهند" بكفاءتها العلمية وبطلابها الأفذاذ، نظرا لحسن نظام التعليم والتربية فيها.
ومع حمل كلّ المسئوليات أخذ الشيخ محمد إلياس في تدريس جميع العلوم الشرعية المتداولة بحسب الظروف، واحتياجات الطلبة في المدرسة، وبذا أقبل عليه الطلاب من أنحاء المنطقة وغيرها من المناطق المتجاورة، حيث سطعتْ جواهره العلمية، واتجهتْ إليه الأنظار، وأصغتْ إليه أفئدة سامعيه، وازداد عددُ تلاميذه المتحمّسين المعجبين بأسلوبه العلمي المتفرّد، وتربيته الروحية.
منهجه في تدريس الحديث:
أما عن منهجه في تدريس الحديث، فمن الواضح أن الغاية المنشودة من جميع العلوم الدينية المتداولة هي فهم العلوم القرآنية والسنة النبوية الشريفة. ولهذا كان الشيخ يهتمّ اهتماما بالغا بمناهج علم التفسير والحديث وتدريسها، كما كان له اهتمام خاص بإلقاء دروس الحديث الشريف وآدابها، إذ كان لا يقوم للتدريس إلا وهو متوضّئ، ويصلّي ركعتين، ويشكر الله هذا التوفيق، ويتوجّه إليه، ويستلهمه العون، ويثني عليه، ويصلي، ويسلّم على رسوله الكريم ﷺ ، كما يوصي الطلاب أن يصلّوا على خاتم الأنبياء عليه
стр. 1665
الصلاة والسلام سرا في كلّ حديث، وعند كلّ كلمة توحي بالصلاة على النبي ﷺ ، ومن ثم يدخل في صلب الموضوع، فيذكر المراجع التي استفاد بها، ويسند كلّ رأي أو قول أو سوال أو جواب لقائله، وكذلك كان يشرح الحديث طبقا لأقوال وآراء الفقهاء والمجتهدين، مبيّنا اختلاف آرائهم أو اتفاقهم، مدعما آراءه بأسانيد المراجع الأصلية لكلّ منهم، ثم يقارب بينهم مرجّحا أفضلهم، مع تبيان أسباب الترجيح.
وأيضا كان يجمع بين استدلالات الفقهاء وطريقة المحدّثين من زمرة المتقدّمين، والمتأخّرين، موضحا أقوالهم وآراءهم، مع بيان قوله ورأيه، مراعيا في ذلك الأدب، والرأي المرجّح عنده، والاحترام لجميع المذاهب الفقهية، فهو لا يرجّح الرأي، إلا وقد ذكر سبب الترجيح.
وكان الشيخ يتناول كلّ أطراف الحديث مثل بيان درجته، ودرجة إسناده، والبحث في رجالاته، مع مفهوم الحديث، والمتون، والمتابعات، والعلل، مع بيان الاختلافات في المتون وطرقها، وإذا ما جاء الاختلاف في الروايات كان يسعي جاهدا بالجمع والتوفيق بينها كلما أمكن ذلك بطريق علمي.
هذا، وقد كان الشيخ يهتمّ أيضا بإيضاح الغرض من الموضوع، والكتاب الذي يتحدّث عنه، كما كان يذكر درجة أهمّية الكتاب واسمه بالكامل، مع بيان مكانة مؤلّفه، ومميّزات أسلوبه، وإلى جانب ذلك كان يشير إلى المحاسن الأدبية والبلاغية في السنة الشريفة، فضلا عن إظهار الألفاظ الغامضة وإيضاحها، كما كان يجمع أقوال الباحثين في موضوع ما على بساط البحث، مبيّنا موضع اهتمام الباحثين به، ثم يبسط الشرح ليتيسّر للطالب فهمه.
стр. 1666
وإلى جانب هذا كان يقارن شروط المحدّثين بقبول الحديث، ولا يترك الشبهات، التي أثارها المستشرقون حول السنة الشريفة وتدوينها، إلا وقد قام بالردّ العلمي عليها.
وكلّ ذلك كان يساعده فيه تدريس كتب العلوم المختلفة، ولذا فإن استحضار جميع العلوم اللازمة في تدريس الحديث الشريف، كانت تظهره بأنه أديب، وفقيه، ومحدّث، ومفسّر في آن واحد، كما كان مرشدا روحانيا، يهتمّ بالتدريب العملي، من خلال تدريس العلم، وهذه كلّها جعلتْ بينه وبين طلابه صلاة روحية قوية، فلا يفارقُه أحد قطّ خلال الدراسة، حتى لو أصابه الجوع فترة طويلة.
ونظرا لاطلاعه الواسع في العلوم الدينية كان يقول: إنه كما يلزم تفسير القرآن بالقرآن في أول الأمر، كذلك فإنه يلزم شرح الحديث بالحديث قدر الإمكان، ولهذا فقد أدخل في منهجه الدراسي للحديث الشريف كتبا أخرى من السنّة الشريفة، التي لم تدرّس في المدارس الأخرى بعد. ولم يترك الشيخ أسلوبه في تدريس الحديث، حتى يفهم الطالب الدرس بنفسه.
وفي هذا يقول الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي: إننا لما بدأنا كتاب "مشكاة المصابيح" على يد الشيخ محمد إلياس الدهلوي ﵀، كان عليّ أن أتابع سير وأحوال الصحابة وحياتهم، أما الزملاء الآخرون، فكان عليهم دراسة وإيضاح مسائل الأحكام، واختلاف المذاهب الفقهية الخاصّة بالأحاديث الشريفة، فحينما كان الطالب يقرأ نصّ الكتاب، فإذا بالشيخ يستوضحه عما كان مسئولا عنه من قبل.
стр. 1667
وهذا الأسلوب لم يجعل الطالب قادرا على فهم الكتاب فحسب، بل كان يجعله قادرا على التحقيق والتأليف والشرح، وفضلا عمّا كان يملأ قلبه من حبّ لعلوم التفسير والحديث، وكلّ ذلك كان يجعل الطالب شغوفا بتلك العلوم الجليلة، وراعيا لها.
وكلّ تلك المحاسن قد ظهرتْ على تلاميذ الشيخ، الدارسين لعلوم الحديث وغيرها، مثل الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي، الذي قرأ "مشكاة المصابيح" على يد الشيخ محمد إلياس، ثم بدأ خلال نفس الفترة بمشروع التحقيق في رواته من الصحابة والتابعين، ثم ألّف كتابا ضخما في ثلاثة مجلّدات عن حياة الصحابة، رضى الله عنهم أجمعين.
ولما كانت تلك هي البداية الطيبة المفيدة في دراسة الشيخ محمد يوسف العلمية، فقد بلغ بها قمة درجات المعرفة لعلوم الحديث، وعند ما بدأ في قراءة الصحاح الستة و"مستدرك الحاكم"، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي على يد الشيخ محمد إلياس، أمره أبوه، وأستاذه، أن يقوم بتأليف شرح لكتاب "شرح معاني الآثار" باللغة العربية، فبدأ تأليفه وأسماه "أماني الأحبار"، وأنجز منه ثلاثة مجلّدات كبار.
وإن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أن منهج الشيخ محمد إلياس وأسلوبه في تدريس الحديث الشريف لم يكن فريدا في طريقته فحسب، بل كان أفضل وأمثل منهج لعلماء عصره.
وقد تجلّت تلك الحقيقة واضحة في تلاميذه الآخرين، الذين وهبوا أنفسَهم لخدمة الدين والعلوم النبوية، وقاموا بالتدريس والتأليف، ونشر الدعوة على أحسن وجه بالقول والعمل، حتى اشتهروا في العالم الإسلامي، ومنهم
стр. 1668
الشيخ محمد زكريا، والشيخ إنعام الحسن، وغيرهما من كبار الأساتذة في شبه القارة (١).
ذكرنا فيما سبق أهمية العمل وخصائصه وعلاقته بالإيمان، كما ذكرنا عن الإصلاح بالعمل، وأهمية الوقت ومبادئ الفوز، ومعيار تقدم الشعور، وعن الوسائل الأخرى، التي تستخدم في الإصلاح، وعلاقتها بالعمل مثل العلم والحوار والكلمة والكتابة والدعاية، وعن المنهج التقليديّ والتجريديّ، وعن ظهور البركات والكرامات وعلاقتها بالعمل، ثم ذكرنا المبادئ والغايات في المنهج العملي للشيخ من الدستور العملي له، وعما أمر به تلاميذه بكتابة بعض المنهج الهامّة للحركة الإيمانية، فكان لزما أن نلقّي الضوء على المبادئ، التي قرّرها الشيخ محمد إلياس، من خلال منهجه، كمرحلة أولى في المجال العملي للدعوة إلى الله.
وإذا أردنا الحديث عن أهمّيته وخصائصه، وعلاقته بالإيمان، فإنه يلزمنا في البدء إلقاء الضوء على تلك المبادئ وغاياتها، وعن هذا يقول العلامة محمد منظور النعماني مدير مجلّة "الفرقان": إن الغاية والقصد بهذه الحركة الإيمانية للشيخ محمد إلياس ليس الهدف منها إلا أن تعمّ حياة الإيمان في أمّة محمّد، ﷺ .
ولنيل هذه الغاية المنشودة لهذه الحياة الإيمانية قدم الشيخ محمد إلياس ﵀ منهجا عمليا متكاملا، كمرحلة أولى وأساسية للدعوته.
وهذا المنهج يحتوي على ستة مبادئ، هي:
١ - الكلمة الطيبة، أي الإيمان الكامل بالله، وبما جاء به رسوله الكريم، ﷺ .
стр. 1669
٢ - إقامة الصلاة.
٣ - العلم والذكر.
٤ - إكرام المسلم.
٥ - الإخلاص، (تصحيح النية).
٦ - التبليغ.
ويضاف إلى هذه المبادئ الستة مبدأ سابع، كعامل مساعد لنيل المقصود، وهو:
٧ - الاهتمام بترك ما لا يعني.
وأهمية تلك المبادئ أنها:
أولا: ليست إلا أساس وبداية للوصول إلى الغاية، حيث إن الكلمة الطيبة أي لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، هي البناء الأول للإسلام، حيث يؤمن بها الإنسان إيمانا كاملا، حتى ترسخ عظمتها في القلب، ويتمكّن قلبه من فهم حقائقها، ويتمتّع بحلاوتها، حتى تفرغ حياته في قالبها.
ثانيا: يجب أن يجعل الإنسان الصلاة جزءا من حياته، فيهتمّ قدر إمكانه بأدائها بالطرق السليمة، وأن يجتهد في أدائها بالتمسّك بسنة خير الأنام، وأن يستمرّ عاملا على رفع مستواها في الظاهر والباطن، والكم والكيف.
ثالثا: اعتقاد الإنسان بضرورة الاجتهاد في فهم الدين قدر حاجته له في حياته، وذلك بتعوّده على الاشتغال بذكر الله، والتفكّر فيه، مع المواظبة فيه، على الأدعية المأثورة، والأذكار المسنونة، وكثرة تلاوة القرآن، والتزام الصلاة والتسليم على إمام الأنبياء، ﷺ .
стр. 1670
رابعا: التخلّق بأخلاق النبي ﷺ في السلوك والمعاملة مع عباد الله، وخاصّة في إكرام المسلم، وخلاصته هو خدمة عباد الله قدر الإمكان، والعمل على توفير أسباب الراحة للغير، والنهي عن اغتصاب حقوق الناس، حتى لا يصيب شخص الضرر من غيره.
خامسا: الإخلاص وتصحيح النية، التي يجب أن يعتاد عليها الإنسان، حتى تكون أعماله في سبيل رضا الله، ونيل الأجر في الآخرة.
سادسا: التبليغ: والمراد به أن يجتهد الفرد في إرساء وترسيخ هذه المبادئ الخمسة في باطنه، ويتدرّب عليها عمليا، ثم يخرج في سبيل الله، قدر ما أمكنه في أوقات الفراغ، سواء أكان قريبا أو بعيدا، راجلا أو راكبا، كما يقوم ترغيب الآخرين، وتذكيرهم، داعيا إياهم إلى هذا العمل، حتى تصير تلك الحركة مراكز متجوّلة للتربية والتبليغ، وبهذا يعتاد الإنسان على تحمّل الشدائد في سبيل الدين، ولو بإنفاق ماله عن رغبته، وبذا ترسخ الأسس الدينية في باطن الإنسان.
وعن هذا يقول الشيخ صدر الدين عامر الأنصاري: حين اطمأن الشيخ محمد إلياس إلى فكره، حدد مرسوما للعمل، وقام بإذن الله داعيا الأمة إلى تنفيذه، حيث حالفه النجاح، وهذه المبادئ الستة كلّها كما ترون أركانا أساسية للدين، كما أنها ليست من الأمور الكمالية، بل إن المبدأين الأولين، أي الكلمة والصلاة، هما من الأركان الأساسية للدين، أما المبادئ الباقية فهي إما من الشروط اللازمة كالإخلاص، أو من أهمّ الواجبات الأدبية، والفضائل الخلقية كإكرام المسلم. والقصد هو أن الاهتمام بالركنين المذكورين، بمساعدة المبادئ الخمسة الأخرى، من أسهل وأنفع الطرق إلى إدراك الدين، والتمسّك بجميع أركانه وفضائله. وإن التجارب لتشهد أن الأفراد المشتغلين بالدعوة،
стр. 1671
طبقا لهذا البرنامج، يجدون في قلوبهم شوقا إلى تعليم الدين، وإقام صرحه الكامل.
كيف لا؟ والبناء يقوم على العقيدة. فبمجرّد أن يدرك الفرد حقيقة الإيمان بالله وبرسوله يهرع إلى تنفيذها في حياته كلّها، وينتهز أيّ فرصة لتعليم الدين وتطبيقه في حياته اليومية، ويشعر بالخوف والخشية من تقصيره فيها، فيحاول الاتصاف بجميع الصفات والواردة للمؤمن.
ويقول العلامة وحيد الدين خان في توضيح تلك المبادئ الستة: إذا نظرنا إلى تلك المبادئ الستة نجد أنه في الإمكان اختيار ثلاثة مبادئ، كمبادئ أساسية منها، وهي: كلمة التوحيد، والصلاة، والخروج في سبيل الله. أما الثلاثة الأخرى، فهي التي تتولّد بعد القيام بالثلاثة الأولى، لأن الثلاثة الأولى تحتاج إلى الثلاثة الأخريات. أما بيان الثلاثة الأخيرة، فما هو إلا لإيضاح وتجلية الثلاثة الأولى، وليست كمثلها، محددة في المنهج الأساسي.
ويقول وحيد الدين، كذلك: لو نظرنا إلى منهج الأنبياء، لوجدنا أن الله قد أنزل عليهم أسس الدين لتعليم الناس، فصار هو نفس المنهج في التعليم الابتدائي الأساسي للأمم، حيث شدّ الأنبياء أزرهم لإبلاغ تلك التعاليم الأساسية، واستمرّوا عليها زمنا طويلا، حتى نزلت بمرور الزمن، أحكام أخرى جديدة على حسن احتياج الأمة، وذلك بعد تدعيم بناء الأساس الديني.
وباء على هذا فلا معنى إذن للسوال الذي يقول: لماذا لم يقم الشيخ محمد إلياس بإدخال بقية أركان الإسلام الصيام، والزكاة، والحج في منهجه.
стр. 1672
إن المجال لا يتّسع لهذا السوال وأمثاله، خاصّة بعد أن أدرك الباحث قيمة هذا المنهج وأهمّيته في الترغيب، وكونه من أهمّ أسس ومبادئ الإسلام، سابقا العبادات الأخرى.
ثانيا: كلّ تلك المبادئ ما هي إلا طريق مؤدّية إلى باقي أركان الإسلام، فإن فقد الإيمان والصلاة، وحرم الإنسان من العلم والذكر، وابتدع عن الأخلاق القويمة، بما فيها إكرام المسلم والإنسانية، وافتقد الإخلاص في أعماله، بعدم اجتنابه أهواء النفس وشهواتها، فلا تفيده العبادات الأخرى، ولا ينفعه الحجّ والزكاة.
ثالثا: ليس هنا مجال لأيّ قول، خاصّة بعد ما قال الإمام محمد إلياس بأن تلك المبادئ ليست إلا ألف وباء وتاء، وهي الأساس، والبداية المحضة للوصول إلى الغاية، وهي الإيمان الكامل، والتمسّك بكلّ ما جاء به النبي ﵊، ثم نشره بين المسلمين، بكلّ ما أعطاه الله من قوّة، حتى تصير حياة المسلم سبب هداية الآخرين، ومع هذا فلم يترك الإمام الأمر إلا بعد أن وضح سببُ اختيار هذه المبادئ الأساسية، كما شرح أصحابه، وزملاؤه، وتلاميذه.
وعن سبب اختيار الشيخ لتلك المبادئ المعروفة له، يقول: إنه لما تأكّد لديه أن مقصد الحياة هو عبادة الله، وأن العبادة قوامها الحسن والعظمة. فمدار حياة الحقيقة، بل حياة الضلال والحرمان. وهذه المحبّة والعظمة تزدادان، وتنموان بالأعمال الشريفة المطهّرة التي أساسها الأركان الخمسة للإسلام، وهي: الإيمان، والإقرار بالتوحيد والرسالة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
стр. 1673
وبعد بيان أركان الإسلام وأهمّيتها يذكر الشيخ سبب اختيار بعضها في منهجه العملي كجزء أول، من الشطر الأول، من الخطة المرسومة التي رسمها للدعوة والإصلاح حيث قال: إن الحجّ والزكاة للقادرين فقط، أما الصوم فإنه فرض على كلّ غني وفقير، ويأتي مرّة واحدة، في العام لشهر واحد، أما الباقي أي الإيمان بالقلب، وإعلانه بإقرار التوحيد، والرسالة، وأداء فريضة الصلاة، فلا بدّ منهما لترقية المشاعر ونموها بحبّ الله الواحد القهّار وعظمته، وهي غذاء الحياة الروحيّة، وبقاؤها، حيث تحتاج إليهما الروح، كما تحتاج الحياة المادية إلى الغذاء والماء والهواء.
أما باقي الأعمال فيه تحبب في الإيمان وروحانيته ومقاماته، التي تساعد على نمو تلك المحبة والعظمة، التي يجب تبيان فضائلها، حتى يرغب الإنسان إليها نفسه، ومن أفضل وأهمّ تلك الأمور كثرة ذكر الله، وتلاوة القرآن، وتحصيل العلم، وبيان قيمة بذل الجهود في سبيل الله. فتتجلّى تلك الحقائق الثابتة، والمطالب الهامة، والأعمال الصالحة وفضائلها وبركاتها وأجرها وجزاؤها، كما حدّدها كتاب الله وسنة رسوله، ﷺ .
ويؤكّد الشيخ في أثناء كلماته: لقد عرفنا أن الطريق الوحيد للوصول إلى محبة الإيمان، وإدراك عظمته، هو علاقة القلب بالله عن طريق تلك الأعمال، حيث تأكد لنا أن هذه الأعمال ليست مقصودة بالذات، بل هي وسيلة للوصول إلى المطلوب الحقيقيي، والمقصود الأصلي، وليس في الإمكان أن يصل المؤمن إلى الهدف الحقيقي بدون هذه الوسائل، لهذا محال، وقد وجب العمل بتلك الوسائل الأساسية، والالتزام بها، بعناية بالغة، للوصول إلى الغاية المنشودة.
стр. 1674
يقول الشيخ محمد عيسى تلميذ الإمام محمد إلياس الدهلوي: لقد بدأ الإمام في بداية الأمر عمله بمبدأين أساسيين، هما: كلمة التوحيد والصلاة، أي الدعوة إلى الكلمة الطيبة، والصلاة، والاعتقاد فيهما، وطريقة أداء الصلاة وأهمّيتها في حياة المسلم، وأحكامها ومسائلها ومعانيها وروحها، وكلّ ما يلزمها.
وكان الشيخ يأمر الناس بالخروج من أجل هذين المبدأين الأساسين.
يقول الشيخ محمد عيسى: قد تأكّد الشيخ أن مجد الأم الإسلامية لن يعود، حتى يذهب اليأس والخوف، وتعود الطمأنينة والأمل إلى قلوبهم، ولن يحدث هذا التغيير بغير الإيمان الكامل، بحيث يحدث انقلابا عظيما ضدّ هذه الأعمال السيئة، التي تظلم مستقبلهم، وتشين حياتهم، فلا بدّ أن تتحوّل هذه السيئات إلى حسنات، ولا يمكن هذا إلا بالاهتمام بالصّلاة في حركاتها وسكناتها، حتى يبتعد المسلم عن الفحشاء والمنكر.
وعلى الإنسان أن يبذل جهدا كبيرا، حتى لا تكون هذه الصلاة صورة فحسب، بل تصل إلى يقين كامل حسبما جاء بها النبي، ﷺ .
وحينما بدأ الناس يخرجون معه أفواجا أضاف لهما مبدأين: العلم، والذكر، وإكرام العلماء، لأنه ﵀ قد رأى أن التباعد بين الشعب والعلماء قد وصل إلى حدّ كبير، لدرجة أن الناس قد بدأوا يكرهونهم، بل ويسبّونهم. وكان ذلك لأسباب عديدة، منها: جهود الهندوس والاستعمار، وخونة بعض المسلمين لاقصاء عامة الناس عن أصحاب الدوائر العلمية الدينية (١).
* * *
стр. 1675
١٠٠٣ - الشيخ الفاضل إلياس بن ناصر بن إبراهيم الديلمي، أبو طاهر *.
قال ابن النجّار: الفقيه الحنفي، درس الفقه على الصيمري، ثم على الدامغاني.
ودرّس بـ "واسط"، وكانتْ له حلقة بجامع المنصور، ودرّس في جامع الصيمري، بدرب الزرادين، ودرّس بمشهد أبي حنيفة، وهو أول من درّس فيه، ووصف بحسن الفهم، ودقّة الفكر.
قال الصيدلاني: توفّي يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة، الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، سنة إحدى وستين وأربعمائة، ودفن بـ "مقبرة الخيزران"، وحضر قاضي القضاة الصلاة عليه. رحمه الله تعالى.
* * *
١٠٠٤ - العالم العامل والفاضل الكامل المولى إلياس بن يحيى بن حمزة الرومي * *.
كان رحمه الله تعالى مدرّسًا وقاضيًا ومفتيًا بـ "مرزيفون"، أخذ الفقه عن الشيخ الكبير السالك مسالك أهل الحقيقة صاحب "فصل الخطاب"،
стр. 1676
و"الفصول الستة"، وغيرهما مولانا محمد بن محمد بن محمود الحافظ البخاري المشتهر بـ "خواجه محمد بارسا"، وأخذ الخواجه عن قدوة الورى بقية أعلام الهدى الشيخ حافظ الحق، والدين أبي طاهر محمد بن محمد بن الحسن بن علي الطاهري أعلى الله تعالى درجته، وهو أخذ من الشيخ الإمام مولانا صدر الشريعة عبيد الله بن محمود بن محمد البرهاني، تغمّده الله تعالى بغفرانه، وقع الاجازة عن صدر الشريعة للشيخ أبي طاهر في ذي القعدة سنة خمس وأربعين وسبعمائة في "بخارى"، وعن الشيخ أبي طاهر خواجة في آخر شعبان سنة خمس وأربعين وسبعمائة في "بخارى"، وقال خواجه في تلك السنة: أكملتُ عشرين ومن خواجه لمولانا إلياس في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شعبان المعظّم سنة إحدى وعشرين وثمانمائة بـ "بخارى" روّح الله تعالى أرواحهم.
* * *
١٠٠٥ - الشيخ الفاضل إلياس، المعروف بمفرد شجاع *.
ويعرف أيضًا بشيخ أسكوب؛ لأنه صار مدرّسًا بإسحاقيتها مدّة أربعين سنة.
وكان عالمًا، محقّقًا، مدقّقًا، فاضلًا، كاملًا، مجاب الدعوة، خشن الملبس، ملازمًا للعبادة.
قاله في "الشقائق".
* * *
стр. 1677
١٠٠٦ - الشيخ الفاضل إلياس الرومي *.
قال في "الشقائق": كان عالمًا بالعلوم العقلية والنقلية، متمهّرًا في الفقه والعربية، جامعًا بين العلم والعمل.
قال: ولم أطلعْ من أحواله على أكثر مما ذكرت. انتهى. والله تعالى أعلم.
* * *
١٠٠٧ - الشيخ الفاضل إلياس الرومي، الملقّب بـ "شجاع الدين " * *.
كان مملوكًا لبعض أهل العلم، فربّاه، وأحسن تأديبه، واشتغل من صغره في علوم كثيرة.
وكان مدرّسًا بإحدى المدارس الثمان، وتخرّج [عنده] جماعة كثيرة، ومات، وهو مدرّس بالمدرسة المذكورة.
* * *
стр. 1678
١٠٠٨ - الشيخ الفاضل إلياس الرومي، الشهير بـ "خرزمة شجاع " *.
ومعنى خرزمة بالعربية: النورة التي يطلى بها.
مولده بنواحي "أدرنة".
قرأ على المولى محمد بن الأشرف، والمولى سنان باشا، وغيرهما.
وصار مدرّسًا بعدّة مدارس، ثم صار قاضيًا بمدينة "أدرنة"، ثم بمدينة "بروسة"، ثم صار مدرّسًا بعدّة مدارس.
وكان عالمًا، عاملًا، راضيًا من العيش بالقليل.
وكانتْ أوقاته مصروفة في العلم والعمل.
وكان مغرمًا بتحشية الحواشي، صنّف "حواشي" على "حاشية شرح التجريد" للسيّد، و"حواشي شرح المطالع" له أيضًا، و"حواشي على حاشية شرح الشمسية" له أيضًا، و"حواشي على حاشية شرح العضد" له أيضًا.
وكان أكثر اشتغاله بالعلوم العقليّة، ولم يكن له في غيرها مهارة.
وكان يفضل السيّد على السعد، ويقول في حقّه: هو بحر لكنّه مكدر.
وكان يثني على العلامة خواجا زاده، ويقول: إنه لم يمنعه من الأخذ عنه إلا عدم رضا والدته بسفره إليه.
стр. 1679
مات سنة تسع وعشرين وتسعمائة، وقد جاوز التسعين، رحمه الله تعالى.
وهو من رجال "الشقائق".
* * *
١٠٠٩ - الشيخ الفاضل إلياس الرومي، المشهور بـ "أصلو شجاع " *.
كان من فضلاء الديار الرومية.
وكان مدرّسًا بإحدى المدارس الثمان، في زمن السلطان بايزيد خان بن السلطان محمد خان، رحمهم الله تعالى.
* * *
١٠١٠ - الشيخ الفاضل إلياس الرومي، من نواحي "قسطمون " * *.
أخذ عن المولى خواجه زاده، وصار معيدًا لدرسه، ثم صار مدرّسًا بعدّة مدارس؛ منها إحدى المدارس الثمان.
стр. 1680
وتوفّي سنة ثلاث وعشر وتسعمائة، وقد جاوز التسعين.
وكان من فضلاء تلك الديار، رحمه الله تعالى.
* * *
١٠١١ - العارف بالله تعالى الشيخ شجاع الدين إلياس *.
من الطريقة الخلوتية انتسب، وهو صغير إلى الطريقة الخلوتية.
وجاهد مجاهدةً عظيمةً، حتى أنه انقطع عن الناس في موضع مبني وسط البحر تجاه "قسطنطينية" مقدار ثلاث سنين، ولما مرض شيخه أمر المريدين بالتوجّه إلى الله تعالى ليحصل لهم الإشارة إلى من يقوم مقام الشيخ، فأشير للكلّ إلى الشجاع المذكور، فأقاموه مقامه، وكان ﵀ رجلا أميا، إلا أنه كان يعرف أحوال الطريقة، وأحوال أسماء الله تعالى، وأصولها وفروعها التي هي مبنى طريقته، وكان يغلب عليه الجذبة في أكثر الأحوال، ولذلك كانتْ تضطرب أقواله وأفعاله، ولذلك لقّبه الناس بـ "المجنون"، وأشير إلى موته قبل شهر من وفاته، فودع أصحابه وأحبابه، وأظهر اشتياقه إلى لقاء الله تعالى، إلى ان توفّي ﵀ في سنة ستّ وخمسين وتسعمائة، قدّس سرّه.
* * *
١٠١٢ - الشيخ الفاضل إلياس زاده ،
стр. 1681
(تاج الدين) *.
فقيه، حنفي.
من آثاره: "القول القوي في بيان ما اشتبه على السيّد الحموي"، فرغ من تأليفه في ٢٩ رمضان سنة ١١٠٩ هـ.
كان حيا ١١٠٩ هـ.
* * *
١٠١٣ - الشيخ الفاضل العالم الفقيه إمام الدين بن سعد الدين بن نور الدين جعفر الدهلوي المداري الجونبوري * *.
أحد العلماء البارعين في الفنون العربية.
ولد سنة سبع وسبعين وألف، وقرأ بعض الكتب على جدّه نور الدين جعفر، وأكثرها على والده سعد الدين، وقرأ "التوضيح"، و"التلويح" على الشيخ محمد أفضل العبّاسي الإله آبادي، ثم أخذ الطريقة عنه، ولازمه، وكان يقيم ستة أشهر ببلدة "جونبور"، وستة أشهر بـ "إله آباد" (١) عند الشيخ محمد أفضل المذكور، وكانت له رابطة قوية بالشيخ محمد يحيى بن محمد أمين العبّاسي الإله آبادي.
стр. 1682
له أبيات رائقة بالفارسية، وكان عابدا، زاهدا، مقيما على الصلاح، والطريقة الظاهرة. مات في شهر رجب سنة ستّ وعشرين ومائة وألف، كما في "وفيات الأعلام".
* * *
١٠١٤ - الشيخ العالم الفقيه المحدّث إمام الدين بن يار محمد الكشميري، الطوكي، أحد العلماء العاملين، وعباد الله الصالحين *.
ولد ببلدة "بونجه" بضم الباء الفارسية والجيم المعقود -سنة خمس وعشرين ومائتين وألف، واشتغل بالعلم أياما في بلاده، ثم دخل "دهلي"، وقرأ على المفتي صدر الدين، وعلى غيره من الأساتذة، وأخذ الحديث عن الشيخ المسند إسحاق بن أفضل العمري الدهلوي، ثم سافر إلى "طوك"، ولازم العلّامة حيدر علي الحسيني الرامبوري، وأخذ عنه في الفقه والأصول والطبّ والحديث، وكثير من العلوم والفنون، وسكن بـ "طوك " مدرّسًا مفيدًا، أخذ عنه نواب محمد علي خان، والقاضي عبد الغفّار، ومحمد حسن بن بيان خان،
стр. 1683
وخلق كثير من العلماء، وأسند عنه الشيخ أبو الخير أحمد بن عثمان المكّي، وانتهتْ إليه رياسةُ العلم ببلدة "طوك"، وفي آخر عمره ولّي قضاء القضاة بها.
مات سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف.
* * *
١٠١٥ - الشيخ العالم المولى إمام الدين الكاندهلوي *.
كان أصغر من شقيقه المفتي إلهي بخش الكاندهلوي.
وكان عالما متبحّرا، فطنا، ذكيا.
توفي شابا في رجب سنة ١٢٠٠ هـ، ودفن عند أخيه الكبير الشاه كمال الدين.
وكان من أخصّ تلامذة الشاه عبد العزيز، والشاه رفيع الدين الدهلوي.
شرح "مير زاهد جلالي" على أمر الشاه عبد الغني، وذكر في مقدمته أساتذته الثلاثة المذكورين، ويعرف استعداده وذكائه في العربية من مقدمته.
قال الشاه عبد العزيز الدهلوي: ما وجدت نظير المولوي إمام الدين في قوة الذهن وعلو الطبع.
* * *
١٠١٦ - الشيخ الفاضل إمام الدين، السُّودَارَامي * *.
стр. 1684
أحد العلماء المشهورين بأرض "بنغاله" (١).
كان من أصحاب الإمام السيّد أحمد الشهيد، بايعه في "لكنو"، وصاحبه في الحجّ، وكان من كبار الدعاة إلى الله، تاب على يده آلاف من الناس في "بنغاله" و"آسام"، وصلح حالهم، واستقاموا على الشريعة، ذكره كرامة علي الحنفي الجونبوري في "نسيم الحرمين"، وأثنى عليه، ولقبه بالشيخ الصدوق محي السنّة.
* * *
١٠١٧ - الشيخ الفاضل أمان الله بن خير الدين الكشميري ،
стр. 1685
أحد كبار العلماء *.
درّس، وأفاد مدّة طويلة بـ "كشمير"، ثم سار نحو "دهلي"، وولي الصدارة بها، ولقب "شيخ الإسلام".
له تعليقات على الكتب الدراسيّة، قتل في معركة نادر شاه فيما بين "باني بت" (١) و"كرنال" سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، كما في "حدائق الحنفية".
* * *
١٠١٨ - الشيخ العالم الكبير العلامة أمان الله بن نور الله بن الحسين البنارسي، أحد العلماء المشهورين في الفقه والأصول والكلام * *.
ولد، ونشأ بمدينة "بنارس"، وحفظ القرآن، وسافر للعلم، فقرأ الكتب الدراسيّة على الشيخ محمد ماء الديوغامي، وعلى الشيخ قطب الدين الحسيني الشمس آبادي، وعلى غيرهما من العلماء، ثم ولّي الصدارة بـ "لكنو" في أيام عالمغير بن شاهجهان الدهلوي سلطان "الهند"، وكان القاضي محبّ الله بن عبد الشكور البهاري صاحب