(تاج الدين) *.
فقيه، حنفي.
من آثاره: "القول القوي في بيان ما اشتبه على السيّد الحموي"، فرغ من تأليفه في ٢٩ رمضان سنة ١١٠٩ هـ.
كان حيا ١١٠٩ هـ.
* * *
١٠١٣ - الشيخ الفاضل العالم الفقيه إمام الدين بن سعد الدين بن نور الدين جعفر الدهلوي المداري الجونبوري * *.
أحد العلماء البارعين في الفنون العربية.
ولد سنة سبع وسبعين وألف، وقرأ بعض الكتب على جدّه نور الدين جعفر، وأكثرها على والده سعد الدين، وقرأ "التوضيح"، و"التلويح" على الشيخ محمد أفضل العبّاسي الإله آبادي، ثم أخذ الطريقة عنه، ولازمه، وكان يقيم ستة أشهر ببلدة "جونبور"، وستة أشهر بـ "إله آباد" (١) عند الشيخ محمد أفضل المذكور، وكانت له رابطة قوية بالشيخ محمد يحيى بن محمد أمين العبّاسي الإله آبادي.
стр. 1682
له أبيات رائقة بالفارسية، وكان عابدا، زاهدا، مقيما على الصلاح، والطريقة الظاهرة. مات في شهر رجب سنة ستّ وعشرين ومائة وألف، كما في "وفيات الأعلام".
* * *
١٠١٤ - الشيخ العالم الفقيه المحدّث إمام الدين بن يار محمد الكشميري، الطوكي، أحد العلماء العاملين، وعباد الله الصالحين *.
ولد ببلدة "بونجه" بضم الباء الفارسية والجيم المعقود -سنة خمس وعشرين ومائتين وألف، واشتغل بالعلم أياما في بلاده، ثم دخل "دهلي"، وقرأ على المفتي صدر الدين، وعلى غيره من الأساتذة، وأخذ الحديث عن الشيخ المسند إسحاق بن أفضل العمري الدهلوي، ثم سافر إلى "طوك"، ولازم العلّامة حيدر علي الحسيني الرامبوري، وأخذ عنه في الفقه والأصول والطبّ والحديث، وكثير من العلوم والفنون، وسكن بـ "طوك " مدرّسًا مفيدًا، أخذ عنه نواب محمد علي خان، والقاضي عبد الغفّار، ومحمد حسن بن بيان خان،
стр. 1683
وخلق كثير من العلماء، وأسند عنه الشيخ أبو الخير أحمد بن عثمان المكّي، وانتهتْ إليه رياسةُ العلم ببلدة "طوك"، وفي آخر عمره ولّي قضاء القضاة بها.
مات سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف.
* * *
١٠١٥ - الشيخ العالم المولى إمام الدين الكاندهلوي *.
كان أصغر من شقيقه المفتي إلهي بخش الكاندهلوي.
وكان عالما متبحّرا، فطنا، ذكيا.
توفي شابا في رجب سنة ١٢٠٠ هـ، ودفن عند أخيه الكبير الشاه كمال الدين.
وكان من أخصّ تلامذة الشاه عبد العزيز، والشاه رفيع الدين الدهلوي.
شرح "مير زاهد جلالي" على أمر الشاه عبد الغني، وذكر في مقدمته أساتذته الثلاثة المذكورين، ويعرف استعداده وذكائه في العربية من مقدمته.
قال الشاه عبد العزيز الدهلوي: ما وجدت نظير المولوي إمام الدين في قوة الذهن وعلو الطبع.
* * *
١٠١٦ - الشيخ الفاضل إمام الدين، السُّودَارَامي * *.
стр. 1684
أحد العلماء المشهورين بأرض "بنغاله" (١).
كان من أصحاب الإمام السيّد أحمد الشهيد، بايعه في "لكنو"، وصاحبه في الحجّ، وكان من كبار الدعاة إلى الله، تاب على يده آلاف من الناس في "بنغاله" و"آسام"، وصلح حالهم، واستقاموا على الشريعة، ذكره كرامة علي الحنفي الجونبوري في "نسيم الحرمين"، وأثنى عليه، ولقبه بالشيخ الصدوق محي السنّة.
* * *
١٠١٧ - الشيخ الفاضل أمان الله بن خير الدين الكشميري ،
стр. 1685
أحد كبار العلماء *.
درّس، وأفاد مدّة طويلة بـ "كشمير"، ثم سار نحو "دهلي"، وولي الصدارة بها، ولقب "شيخ الإسلام".
له تعليقات على الكتب الدراسيّة، قتل في معركة نادر شاه فيما بين "باني بت" (١) و"كرنال" سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، كما في "حدائق الحنفية".
* * *
١٠١٨ - الشيخ العالم الكبير العلامة أمان الله بن نور الله بن الحسين البنارسي، أحد العلماء المشهورين في الفقه والأصول والكلام * *.
ولد، ونشأ بمدينة "بنارس"، وحفظ القرآن، وسافر للعلم، فقرأ الكتب الدراسيّة على الشيخ محمد ماء الديوغامي، وعلى الشيخ قطب الدين الحسيني الشمس آبادي، وعلى غيرهما من العلماء، ثم ولّي الصدارة بـ "لكنو" في أيام عالمغير بن شاهجهان الدهلوي سلطان "الهند"، وكان القاضي محبّ الله بن عبد الشكور البهاري صاحب
стр. 1686
"السلم"، و"المسلم" قاضيًا بها، فجرتْ بينهما من المباحثات والمطارحات، ما تفعم بها بطون الصفحات.
ومن مصنّفاته الرشيقة الممتعة: "المفسّر"، وشرحه "المحكم" في أصول الفقه، والحاشية على "تفسير البيضاوي"، وله حواش وشروح على "العضدي"، و"التلويح"، و"الحاشية القديمة"، و"شرح المواقف"، و"شرح العقائد" للدوّاني، و"الرشيدية" للشيخ محمد رشيد الجونبوري، وله محاكمة بين السيّد محمد باقر داماد الحسيني صاحب "الأفق المبين"، والعلامة محمود بن محمد الجونبوري، صاحب "الشمس البازغة" في مسألة الحدوث الدهري، وله شرح على "التسوية" للشيخ محبّ الله الإله آبادي.
مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف ببلدة "بنارس"، كما في "سبحة المرجان".
* * *
١٠١٩ - الشيخ العالم الصالح أمان الله النقشبندي، اللاهوري، أحد رجال العلم والطريقة *.
أخذ عن الشيخ أحمد بن عبد الأحد العمري السرهندي (١)، ولازمه زمانا، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، فحجّ، وزار.
стр. 1687
ومات بها سنة أحدى وثلاثين وألف، كما في "مهر جهانتاب".
* * *
١٠٢٠ - الشيخ الصالح أمان الحق بن برهان الحق بن نور الحق بن أنوار الحق الأصاري، اللكنوي، أحد الفقهاء الحنفية *.
ولد، ونشأ ببلدة "لكنو"، وحفظ القرآن، وجوّده، ثم اشتغل بالعلم، وقرأ على والده وعلى الشيخ عبد الحكيم بن عبد الرب اللكنوي، وبرع بالحساب والمواريث والفقه، ثم اشتغل بالتدريس.
مات لإحدى عشرة بقين من ربيع الأول سنة خمس وثلاثمائة وألف ببلدة "لكنو".
* * *
١٠٢١ - الشيخ الفاضل أمانة الله بن لطف الله البلكهني، أحد العلماء المشتغلين بالدرس والإفادة * *.
стр. 1688
ولد (حوالي سنة خمس وثمانين ومائتين وألف)، ونشأ بـ "عليكره"، وقرأ العلم على والده، ولازمه ملازمة طويلة، ولما سافر والده إلى "حيدر آباد" تصدّر للتدريس بـ "عليكره"، (وكانتْ له مشاركة جيّدة في العلوم الرياضيّة، وكان كثير الصمت قليل الكلام، عاكفا على الدرس والإفادة.
مات في شهر ذي الحجّة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف.
* * *
١٠٢٢ - الشيخ الصالح المعمّر أمانة الله بن محمد فصيح الغازيبوري، أحد المشايخ المعروفين بالصلاح *.
تفقّه على والده، وأخذ عنه الطريقة، وتولّي الشياخة بعده.
وكان مرزوق القبول في الوعظ والتذكير، قليل العلم، شديد التعصّب على من ينتمي إلى أهل الحديث، مع الوجاهة العظيمة، والوقار والعفّة، والاستقامة والصلاح، انتفع بمواعظه خلق كثير، لا يحصون بحدّ وعدّ.
مات في السادس عشر من رمضان سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف بـ "غازيبور" (١).
* * *
١٠٢٣ - الشيخ العالم الصالح أمانة علي
стр. 1689
الصوفي، الأمروهوي أحد المشايخ الجشتية *.
قرأ بعض الكتب الدراسيّة في بلاد شتى، ثم ترك الاشتغال بالبحث، وصحب الشيخ محمد حسين المراد آبادي، وأخذ عنه الطريقة، ولما توفي الشيخ المذكور لازم صاحبه الشيخ كامكار خان، ولما توفي كامكار خان سافر إلى "دهلي"، وقرأ سائر الكتب الدراسيّة على أساتذتها، ثم ذهب إلى "مانكبور"، وأخذ الطريقة عن الشيخ موسى الجشتي المانكبوري، واشتغل عليه بالأذكار والأشغال مدّة طويلة، ثم رجع إلى "أمروهه" (١)، وتولّي الشياخة بها.
مات لتسع عشرة من ذي القعدة سنة ثمانين ومائتين وألف، كما في "أنوار العارفين".
* * *
١٠٢٤ - الشيخ الفاضل امتنان خواص خان البيجابوري، القادري * *.
محدّث له "مهمّة المحدّثين"، فرغ منها سنة ١٠٢٨ هـ.
كان حيا ١٠٢٨ هـ.
* * *
стр. 1690
١٠٢٥ - الشيخ الفاضل، المولوي الحكيم المفتي أبو العلا أمجد علي الأعظمي، الرضوي، القادري *.
كان رئيس دار العلوم العثمانية بـ "أجمير" في "الهند".
مضى عمره في خدمة الدين.
قد صنّف "بهار شريعت" في الفقه الإسلامي سبع عشر جزءا في مجلّدين.
* * *
١٠٢٦ - الشيخ العارف الكبير الأجل إمداد الله بن محمد أمين العمري، التهانوي، المهاجر إلى "مكة المباركة " * *.
كان من الأولياء السالكين والعارفين، اتفقت الألسن على الثناء عليه والتعظيم له.
ولد يوم الانثين لثمان بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بعد الألف بـ "نانوته" قرية من أعمال "سهارنبور"، وقرأ الرسائل الفارسيّة على الوجه المرسوم، وقرأ "الحصن الحصين" على مولانا قلندر بخش الجلال آبادي، وقرأ "المثنوي المعنوي" عليه أيضا، وهو ممن قرأ على المفتي إلهي بخش الكاندهلوي، ثم سافر إلى "دهلي"، ولازم الشيخ نصير الدين الشافعي
стр. 1691
المجاهد، وأخذ عنه الطريقة وبعد شهادته رجع إلى "تهانه بهون"، فأقام بها زمانا، ثم دخل "لوهاري"، ولازم الشيخ نور محمد الجهنجهانوي، وأخذ عنه الطريقة، وفتح الله سبحانه عليه أبواب المعرفة، وجعله من العلماء الراسخين في العلم، فتصدّر للإرشاد والتلقين بأمر شيخه.
(وثار المسلمون وأهل البلاد على الحكومة الإنجليزية سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، وقامتْ جماعة من العلماء والصلحاء وأهل الغيرة من المسلمين في "سهارنبور" و"مظفّر نغر"، فأعلنوا الحرب على الإنكليز، واختاروا الشيخ إمداد الله أميرا لهم، واشتبك الفريقان في ميدان "شاملي" قرية من أعمال "مظفّر نغر"، فقتل حافظ محمد ضامن شهيدا، وانقلبت الدائرة على المسلمين، ورسختْ أقدام الإنكليز، واشتدّ بطشُهم بكلّ من اتّهم بالمشاركة في هذه الثورة، وضاقتْ على العلماء العاملين الغياري الأرض، وضاق مجال العمل في "الهند"، وقضى بعض الرفقة مدّة في الاختفاء والانزواء، ولجأ بعضهم إلى الهجرة ومغادرة البلاد، وآثر الشيخ إمداد الله الهجرة إلى "مكّة المكرّمة"، ودخل "مكة" سنة ستّ وسبعين ومائتين وألف، وألقى رحله بالبلد الأمين، وكان أول إقامته على "الصفا"، ثم انتقل إلى حارة الباب، حيث قضى حياته، ولقي ربّه، وعاش أياما طويلة في عسر شديد، وفقر وفاقة، شأن الأولياء المتقدّمين، وهو صابر محتسب، راض بما قسم الله له من الحال، حتى جاء الله بالفرج، وأبدل العسر باليسر، وجاءتْه الدنيا راغمة، واشتغل بالمجاهدات والعبادات، متوجّها إلى الله بقلبه وقالبه، دائم الذكر والمراقبة، فائض القلب والباطن بالعلوم والأنوار، مع هضم للنفس وإطراح على عتبة العبودية، وتواضع للعباد، وعلوّ همّة وشهامة نفس، وإجلال للعلم والعلماء، وتعظيم للشريعة والسنّة السنية، حتى غرس الله حبّه في قلوب عباده، وعطف قلوب العلماء الكبار والمشايخ الأجلاء إلى الرجوع إليه والاستفادة منه، وأمّه
стр. 1692
طلابُ المعرفة واليقين من بلاد بعيدة، وبارك الله في تربيته وطريقته، فانتشرتْ أنوارهما في الآفاق، وجدّد به الطريقة الجشتية الصابرية، وانتمى إليها، ودخل في سلكها كبار العلماء والفضلاء)، ونفع الله به خلائق لا يحصون، أجلّهم: الشيخ قاسم، والشيخ رشيد أحمد، ومولانا يعقوب، والمولوي أحمد حسن، والمولوي محمد حسين، والمولوي أشرف علي، وكلّهم صاروا شيوخا، وانتفع بهم خلق كثير.
(وكان الشيخ إمداد الله مربوع القامة، يميل إلى الطول، نحيف الجسم، أسمر اللون، كبير الهامة، واسع الجبين، أزج الحاجبين، واسع العينين، حلوّ المنطق، ودودا، بشوشا، قليل المنام، مقلا من الطعام، قد أضناه الحبّ الإلهي، وأنحفته المجاهدات والرياضات، رحب الأناة، واسع القلب، جامعا للأشتات، يلتقي على حبّه، والاستفادة منه المختلفون في الأذواق والمشارب، متسامحا مع الناس، متوسّعا في المسائل الجزدية والمذاهب الخلافية، لا يتعصّب فيها، ولا يتشدّد، مولعا بـ "المثنوي المعنوي"، دائم الاشتغال به تأمّلا وتدريسا وتذوّقا وتلقينا، ينصح أصحابه بقراءته، والتأمّل فيه.
له مصنّفات لطيفة، كلّها في الحبّ الإلهى والمعرفة والتصوّف، منها: "ضياء القلوب" بالفارسية، و"إرشاد مرشد"، و"كلزار معرفة"، و "تحفة العشّاق"، و "جهاد أكبر"، و "غذاء روح"، و "درد نامة غنماك"، كلّها في أردو، وأكثرها في الشعر.
توفي يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف بـ "مكة المباركة"، فدفن بـ "المعلاة" عند الشيخ رحمة الله الكيرانوي.
* * *
стр. 1693
١٠٢٧ - العارف بالله الشيخ أمر الله ابن آق شمس الدين *.
قرأ على علماء عصره، حتى وصل إلى خدمة المولى الفاضل أحمد الشهير الخيالي، ولما مات والده أخذوا أوقافه من يده، فجاء إلى عتبة السلطان محمد خان لتخليصه، فأعطاه الوزير محمد باشا القرماني تولية أوقاف الأمير البخاري بمدينة "بروسه" عوضا من أوقافه، فصار متولّيا إلى أن صار متولّيا على أوقاف السلطان مرادخان بمدينة "بروسه"، وداوم على ذلك مدّةً، ثم اختلّت رجله وأحدى يديه بسبب النقرس، فصار متقاعدًا سنين كثيرة، وعيّن له كلّ يوم خمسين درهمًا بطريق التقاعد، وكان المرحوم يبكى كلّ وقت، ويقول: ما أصابتْني هذه البلية إلا بترك وصية والدي، وكان المرحوم يوصى أولاده أن لا يقبلوا منصب القضاء والتولية.
مات رحمه الله تعالى في سنة تسع وتسعمائة، -روّح الله روحه، ونوّر ضريحه-.
* * *
١٠٢٨ - الشيخ العالم أمير الله المدراسي * *.
أحد العلماء المبرّزين في الفقه والأصول.
كان مفتيا في المحكمة العليا، اشتغل به زمانا طويلا، ثم ترك، ولازم بيته، وكان يدرّس، ويفيد.
стр. 1694
مات لسبع ليال بقين من جمادى الأولي، سنة خمسين ومائتين وألف.
* * *
١٠٢٩ - الشيخ الصالح المعمر أمير باز بن نامدار السهارنبوري، أحد العلماء المذكور *.
ولد بقرية "بهوجبور" من أعمال "مظفرنغر" في سابع عشر جمادى الآخرة نحو سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائتين بعد الألف، وقرأ على مولانا محمد بن أحمد الله التهانوي، ومولانا محمد مظهر، ومولانا قاسم، ومولانا يعقوب بن مملوك العلي، والشيخ سعادة علي، والشيخ أحمد علي بن لطف الله، وعلى غيرهم من العلماء، (وبايع الشيخ عبد الرحيم السهارنبوري في الطريقة القادرية المجددية، وكان الشيخ عبد الرحيم من خلفاء الشيخ الكبير عبد الغفور الصواتي، المعروف باخوند صاحب، وحصلتْ له الإجازة منه.
وكان حسن الملكة في التعليم، تأسّست مدرسة مظاهر العلوم، وهو يقرأ الكتب النهائية، فدخل فيها، وقرأ فاتحة الفراغ سنة سبع وثمانين ومائتين وألف.
وناب عن الشيخ محمد مظهر النانوتوي في بعض دروسه في غيبته، واختير واعظا في المسجد الجامع في "سهارنبور"، وقضى مدّة يعظ، ويذكّر، وحصل بينه وبين أساتذة مظاهر العلوم وأصحاب الإمام رشيد أحمد الكنكوهي خلاف حين قام بختم القرآن على قبر شيخه في يوم وفاته، وكان
стр. 1695
متوسّعا في بعض المحدَثَات، التى شاعتْ عند أهل الطرق، وكان يدور في القري، يعظ، ويذكّر، وانتفع به خلق، وحصلتْ منه الإجازة في الطريقة القادرية المجدّدية.
مات لتسع خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف.
* * *
١٠٣٠ - العالم الفاضل المولى أمير حسن جلبي ابن السيّد علي جلبي *.
قرأ على علماء عصره، منهم: المولى الشهير بـ "كدبك حسام"، والمولى حسن جلبي الشهير بـ "ابن الطباخ"، والمولى الشهير بـ "معمار زاده"، والمولى الوالد، ثم وصل إلى خدمة المولى الكامل عبد القادر الشهير بـ "قادري جلبي"، ثم صار مدرّسًا ببعض المدارس، ثم صار مدرّسًا بمدرسة الوزير داود باشا بمدينة "قسطنطينية"، ثم صار مدرّسًا بمدرسة الوزير مصطفى باشا بالمدينة المزبورة، ثم صار مدرّسًا بسلطانية "قسطنطينية"، ثم صار مدرّسًا بإحدى المدارس الثمان، ثم صار مدرّسًا بمدرسة أيا صوفيه، ثم صار مدرّسًا بإحدى المدارس الثمان ثانيًا، وعيّن له كلّ يوم سبعون درهمًا.
ومات في سنة سبع وخمسين وتسعمائة.
كان عالمًا ذكيًّا، صحيح العقيدة، مهتمًّا في مصالح أصدقائه، وكان لذيذ الصحبة، صاحب بشاشة، وكان كريم النفس، سخيًّا، وكان أهل مروأة وفتوة، -روّح الله تعالى روحه، ونوّر ضريحه-.
стр. 1696
١٠٣١ - العالم الفاضل الكامل المولى أمير حسن الرومي *.
قرأ رحمه الله تعالى على علماء عصره، ثم صار مدرّسًا ببعض المدارس، ثم صار مدرّسًا بمدرسة أمير الأمراء بمدينة "أدرنه"، ثم صار مدرّسًا بمدرسة الوزير إبراهيم باشا بمدينة "قسطنطينية"، ثم صار مدرّسًا بمدرسة الوزير داود باشا بالمدينة المزبورة، ثم صار مدرّسًا بمدرسة دار الحديث بـ "أدرنه"، ومات وهو مدرّس بها.
كان رحمه الله تعالى كريم الطبع، حليم النفس، مشتغلًا بالعلم وكانتْ له مشاركة في العلوم كلّها.
وله "حواش على شرح الفرائض" للسيّد الشريف، و"حواش على شرح الرسالة المصنّفة في علم الأدب" لمسعود الرومي، وغير ذلك، -روّح الله تعال روحه، ونوّر ضريحه-.
* * *
١٠٣٢ - الشيخ الفاضل أمير حسين بن الشيخ المولى عبد الرب الجاتجامي * *.
ولد في قرية "رودرا" من مضافات "أنواره" من "سيتاغونغ" سنة ١٣٣٠ هـ.
стр. 1697
قرأ الدراسة الابتدائية عند والده، ثم التحق بالجامعة الإسلامية جيري، وقرأ على المحدّث الجليل الشيخ عبد الودود، والفقيه المفتي عزيز الحق، رحمهما الله تعالي، ثم التحق بدار العلوم "ديوبند"، وقرأ على الشيخ السيّد حسين أحمد المدني، والعلامة إبراهيم البلياوي، والعلامة شمس الحق الأفغاني، والفقيه الأديب الشيخ إعزاز علي، رحمهم الله تعالى.
درّس أولا بالمدرسة الإسلامية بـ "شرف باتا"، ثم التحق بالجامعة السلامية "فتية" سنة ١٣٦١ هـ.
وبعد افتتاح صفّ تكميل الحديث الشريف فيها في سنة ١٣٦٥ هـ درّس المجلّد الثاني من "صحيح البخاري"، و"الجامع للترمذي". ودرّس خمسا وأربعين سنة.
بايع في الطريقة على يد حكيم الأمة أشرف على التهانوي ﵀، وبعد وفاته على يد الشيخ المفتي عزيز الحق، رحمه الله تعالى.
وأجازه الشيخ في الإرشاد والتلقين.
توفي سنة ١٣٩٠ هـ، وكان عمره إذ ذاك ٧٣ سنة.
* * *
١٠٣٣ - العارف بالله تعالى الشيخ أمير علي بن أمير حسن *.
كان رحمه الله تعالى من نسل السيّد جلال الدين الكرماني، صاحب "الكفاية" في شرح "الهداية"، تربّى أبوه في بيت الشيخ العارف بالله تعالى
стр. 1698
السيّد محمد البخاري المدفون بمدينة "بروسه"، وقرأ الشيخ أمير علي المذكور على علماء عصره، منهم: المولى الفاضل علاء الدين الفناري، والمولى الفاضل محمد بن الحاج حسن، ثم صار مدرّسا بمدرسة حمزة بك بـ "بروسه"، وعيّن له كلّ يوم ثلاثون درهما بطريق التقاعد، ومال إلى طريقة الصوفيّة، وعيّنه للإرشاد العارف بالله تعالى الشيخ نصوح الطوسي، ثم جلس في الزاوية التي تنسب إلى الشيخ العارف بالله تاج الدين.
ومات رحمه الله تعالى في حدود الأربعين وتسعمائة، وكان ﵀ مبارك النفس، كريم الأخلاق، صاحب العقيدة الصحيحة الصافية، مراعيا للشريعة، متواضعا، متخشّعا.
وكان صاحب الشيبة الحسنة، والوجه المليح، ومراعيا للفقراء والصلحاء، وملازما للجماعة، وصاحب سمة حسنة، وطريقة مرضية، -روح الله روحه، وزاد في أعلى غرف الجنان فتوحه-.
* * *
١٠٣٤ - السيّد الفاضل العلامة أمير علي بن معظّم علي الحسيني المليح آبادي، ثم اللكنوي *.
أحد العلماء المشهورين في "الهند".
ولد في سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، وقرأ الرسائل الفارسيّة والفنون الرياضيّة من الحساب و "أقليدس"، والجبر والمقابلة، وعلم المثلث والمساحة ونحوها، ولما بلغ الخامس عشر من سنّه ترك الاشتغال بذلك، وأقبل
стр. 1699
إلى العلوم العربية، فقرأ المختصرات على السيّد عبد الله الآروي، وشيخه مولانا حيدر علي المهاجر، ثم لازم القاضي بشير الدين العثماني القنّوجي، وقرأ عليه الأصول والكلام والمنطق والحكمة وغيرها، ثم سافر إلى "دهلي"، وأخذ الحديث عن الشيخ المحدّث نذير حسين الدهلوي، وقرأ عليه الصحاح والسنن قراءة تدبّر وإتقان، وتطبّب على الحكيم عبد المجيد بن محمود الدهلوي، ثم رجع إلى بلدته، وتزوّج بـ "لكنو"، وسكن بها، وصرف شطرا من عمره في تصحيح الكتب وتحشيتها وترجمتها في مطبعة نولكشور -بكسر النون وفتح الواو وكسر الكاف- وفي آخر عمره استقدمه ناظر المدرسة العالية إلى "كلكته"، ولاه التدريس، وبعد سنة أو سنتين استقدمه أعضاء الندوة إلى "لكنو"، وولوه نظّارة دار العلوم ورياسة التدريس بها، فدرّس، وأفاد نحو ثلاث سنين، وتوفي إلى رحمة الله سبحانه.
وكان مفرط الذكاء، جيّد القريحة، قوىّ الحفظ، سريع الإدراك، متين الديانة، شريف النفس، حسن المعاشرة، سافر إلى "الحجاز" فحجّ، وزار، وولي التدريس بـ "جدّة"، فدرّس بها زمانا طويلا، ورجع إلى "الهند"، وكان أعمل العلماء في زمانه وأعرفهم بالنصوص والقواعد، مع توسّعه في الرجال والحديث، مديم الاشتغال في كتبه، غير متصلّب في المذهب الحنفي، يتتبّع الدليل، ويترك التقليد إذا وجد في مسألة نصّا صريحا مخالفا للمذهب غير منسوخ. قال صاحب "النزهة": وهو من أشياخي، صحبتُه مدّة، وقرأتُ عليه "تفسير الجلالين" من أوله إلى آخره قراءة تدبّر وإتقان.
وله مصنّفات عديدة، منها: "مواهب الرحمن في تفسير القرآن" بالأردو في ثلاثين مجلّدا، ومنها: "عين الهداية" شرح هداية الفقه بالأردو، ومنها: ترجمة "الفتاوى العالمكيرية"، ومنها: "شرح صحيح البخاري" بالأردو
стр. 1700
في مجلّدات كبار، ومنها: حاشية بسيطة على "التوضيح"، و "التلويح"، وحاشية على "تقريب التهذيب" للحافظ، و "تكملة التقريب" المسمّاة بـ "التصقيب"، وله "المستدرك في الرجال"، جمع فيه رواة الصحاح والسنن، واستقراهم من "أنساب السمعاني"، وغيره من الكتب، ولكنه لم يتمّ.
مات في شهر رجب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف بـ "لكنو".
* * *
١٠٣٥ - الشيخ الفاضل أمير غالب بن أمير كاتب، ابن أمير عمر، ولد الذي قبله همام الدين، ابن الإمام العلامة قوام الدين، الإتقاني *.
ذكره علاء الدين ابن خطيب الناصرية، في "تاريخه"، وقال: ولي قضاء "دمشق"، وكان رئيسًا، عالمًا، حسن الأخلاق والشكل، عادلًا في أحكامه، اعتمد على العلماء من نوابه، وتخلّى عن الأشياء، ورفه نفسه عن التعب.
توفي ﵀ تعالي، سنة أربع وثمانين وسبعمائة بـ "دمشق"، وقد قارب الخمسين سنة، رحمه الله تعالى.
نقلت هذه الترجمة من خطّ أحمد بن محمد ابن الشحنة، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 1701
١٠٣٦ - الشيخ الفاضل أمير كاتب بن أمير عمر العميد، ابن العميد أمير غازي الشيخ، الإمام، العلامة، قوام الدين، أبو حنيفة الفارابي، الإتقاني *.
وسماه الحُسيني في "ذيله" لطف الله.
قال في: "الدرر": ولد بـ "إتقان"، في شوّال، سنة خمس وثمانين وستمائة، واشتغل ببلاده، ومهر، إلى أن شرح "الأخسيكثي"، وذكر أنه فرغ منه بـ "تستر"، سنة سبعمائة وسبع عشرة.
وقدم "دمشق"، في سنة عشرين، وناظر، وظهرتْ فضائله، قاله ابن كثير.
ودخل "مصر"، ثم رحل، فدخل "بغداد"، وولي قضاءها.
ثم قدم "دمشق" ثانيًا في شهر رجب، سنة سبع وأربعين، وولي بها "دار الحديث الظاهرية" بعد وفاة الذهبي، وتدريس الكنجية، ثم نزل عنهما. ولما دخل "مصر"، المرة الثانية، أقبل عليه صرغتمش، وعظّمه، وجعله شيخ
стр. 1702
المدرسة التي بناها، واختار لحضوره الدرس طالعًا، وذلك حين كان القمر في السنبلة، والزهرة في الأوج، وكان تثليث المشتري والقمر، فدرّس ذلك اليوم، وأقبل عليه صرغتمش إقبالًا عظيمًا، فقدر أنه لم يعش بعد ذلك سوى سنة ونصف، بل أقلّ من ذلك.
قال ابن حجر: وكان لما قدم "دمشقط صلّى مع النائب، وهو يلبغا، فرأى إمامه رفع يديه عند الركوع والرفع منه، فاعلم الإتقاني يلبغا، أن صلاته باطلة على مذهب أبي حنيفة، فبلغ ذلك القاضي تقى الدين السبكي، فصنّف "رسالة في الردّ عليه"، فوقف عليها، فجمع "جُزءًا"، في إثبات ما قاله، وأسند ذلك عن مكحول النسفي أنه حكاه عن أبي حنيفة، وبالغ في ذلك، إلى أن أصغى إليه النائب، وعمل بقوله.
قال: واختص بصرغتمش، وأشار عليه بأن فصر مدرسته على الحنفية دون غيرهم، وكان شديد التعاظم، متعصبًّا لنفسه جدًّا، حتى قال في شرحه للأخسيكثي: لو كان الأسلاف في الحياة، لقال أبو حنيفة: اجتهدت. ولقال أبو يوسف: نار البيان أوقدت. ولقال محمد: أحسنت. ولقال زُفر: أتقنت. ولقال [الحسن]: أمعنت. واستمرّ هكذا، حتى ذكر أعيان الحنفية.
وقال الصفدي، في ترجمته: كان متعصّبًا على الشافعيّة، متظاهرًا بالغضّ منهم، يتمنى تلافهم، واجتهد في ذلك بـ "الشام"، فما أفاد، ودخل "مصر"، وهو مُصرّ على العناد، وكان شديد الإعجاب.
وشرح "الهداية" شرحًا حافلًا، وحدّث بـ "الموطّأ" رواية محمد بن الحسن، بإسناد نازل.
وقال ابن حبيب: كان رأسًا في مذهب أبي حنيفة، بارعًا في اللغة والعربية، كثير الإعجاب بنفسه، شديد التعصّب على من خالفه.
стр. 1703
قلت: لا يخفى على من عنده أدنى تأمّل، ووقف على مؤلّفات الإتقاني، أن ما ذكره ابن حجر، ونقله عن الصفدي وغيره، في حقّ الشيخ، أنه كان من المجمع على علمه، وفضله، وتحقيقه، وبراعته، ومن كان هذا الوصف وصفه، فبعيد أن يصدر منه ما لا يليق بمثله، ولا يحسن بعمله وفضله، مما أضرّبنا عن ذكره، من التعصبّات التي تؤدّي إلى وصف الإنسان بما لا ليس فيه، والجواب في الجميع قال ابن حجر: وقرأت بخطّ القطب: فقيه، فاضل، صاحب فنون من العلم، وله معرفة بالأدب، والمعقول، درّس بمشهد أبي حنيفة بـ "بغداد"، وقدم "دمشق" في رمضان، سنة إحدى وعشرين، ثم دخل "العراق"، سنة اثنتين.
وكانتْ وفاته بـ "مصر"، سنة ثمان وخمسين وسبعمائة.
قال ابن الشحنة في أوائل "شرح الهداية" في ترجمة الإتقاني: وقد أخبرنا شيخنا الحافظ أبو الوفاء أن الأمير صرغتمش الناصري، كان قصد أن يبني مدرسة، ويقرّر في تدريسها الشيخ علاء الدين الأقرب الحنفي، فقدرت وفاته، [فكانت] ولاية الشيخ قوام الدين بها على أكمل وجوه التعظيم، حتى إنه يوم ألقى الدرس، حضر الأمير صرغتمش إلى منزل الشيخ بقناطر السباع، واستدعاه للحضور، فلما كب الشيخ أخذ الأمير صرغتمش بركابه، واستمرّ ماشيًا في ركابه إلى المدرسة، ومعه جماعة من الأمراء مشاة، فقال له: يا أمير صرغتمش، لا تأخذ في نفسك من مشيك آخذًا بركابي، فقد أخذ بركابي سلطان من بني سلجوق. وكان يومًا مشهودًا.
وذكره الصفدى في "أعيان العصر" و "أعوان النصر"، قال: ونقلت من خطّه -يعني صاحب الترجمة- ما صورته: تاريخ قدومنا "دمشق" في
стр. 1704
الكرّة الثانية، في العاشر من شهر رجب، سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ثم لبثنا ثمة إلى أن خرجنا منها، في ثامن صفر، يوم السبت، من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
قال العبد الفقير إلى الله تعالى أمير كاتب ابن أمير عمر، المدعو بقوام الفارابي الإتقاني: كان تاريخ ولادتي بإتقان، ليلة السبت، التاسع عشر من شوّال، سنة خمس وثمانين وستمائة، وفاراب: مدينة عظيمة من مدائن "الترك" تسمّى بلسان العوام أوترار، وإتقان: اسمٌ لقصبة من قصباتها.
ثم قال: هذا ما أنشأ في دولة السلطان مالك رقاب الأمم، مولى ملوك العرب والعجم، قاهر الكفرة والمشركين، ناصر الإسلام والمسلمين، الملك الناصر فلان، في مدح المقرّ العالي، سيف الدين صرغتمش، رحمه الله تعالى:
أَرَأَيْتُمُ مَن دَرَأ النُّوَبَا … وأتى قُرَبًا ونَفَى الرِّيَبَا
فَبَدَا عَلَمًا وَسَمَا كَرَمًا … ونَمَا قَدَمًا ولقد غَلَبَا
وساق القصيدة بتمامها، ثم قال: وأعطاني المقرّ العالي صرغتمش، أيّده الله تعالي، جائزة هذه القصيدة، يوم أنشدتها، عشرة ألف درهم، وملأ يوم الدرس بركة المدرسة بالسكر وماء الليمون، فسقى بذلك الناس أجمعين، وخلع على بعد الدرس خلعتين، وخلع على ابني همام الدين أيضًا، ثم لما خرجت حملني على بغلة شهباء، مع السرج. المِفضض واللجام، وكان اليوم يومًا يؤرخ، فيا لها قصة في شرحها طول.
انتهى ما نقلته عن الصفدي، مع حذف ما ليس في ذكره كبير فائدة، وأما هو فقد نقله بحروفه.
قلت: أما علم الشيخ، وفضله، وإتقانه، فما لا يشك فيه، وأما إنشاؤه نثرًا ونظمًا، فالذي يظهر من كلامه، وعقود نظامه، أن العربية
стр. 1705
وإن كان يعرف دقائقها، فليست له بسجية، تغمّده الله تعالى برحمته، وأباحه بحبوحة جنته، آمين.
قال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى في "الفوائد البهية" ص ٥١: قد طالعت من تصانيفه "التبيين"، و "غاية البيان". فوجدته كما قال الكفوي شَديد التعصّب في مذهبه، بسيط اللسان على مخالفه. قال في بحث حروف المعاني: ثم الغزالي شنّع في "المنخول" على أبي حنيفة في أشياء من غير حجّة على دعواه، ولا دليل على ما خيل، فلو لا إطالة الكتاب، أوردناه، ورددناه بردّ لا يردّ على وجه تتوب روحه عما فعلت يده ولسانه، والله إن كنا لنعتقده غاية الاعتقاد لأجل ما جمع في "إحيائه" من كلمات المشايخ بالنظر إلى الظاهر، ثم لما رأينا من طعنه على الكبار بلا إقامة برهان حصل بنا ما حصل. انتهى. وقال في آخر "التبيين": لو كان الأسلاف في حياتي لأنصفوني، ولقال أبو حنيفة: اجتهدت، ولقال أبو يوسف: نار البيان أوقدت، لقال محمد: أحسنت، ولقال زفر: أتقنت، ولقال الحسن: أمعنت، ولقال أبو حفص: أنعمت فيما نظرت، ولقال أبو منصور: حقّقت، ولقال الطحاوي: صدقت، ولقال الكرخي: بورك فيما نطقت، ولقال الجصّاص: أحكمت، ولقال أبو زيد: أصبت، ولقال شمس الأئمة: وجدت ما طلبت، ولقال فخر الإسلام: مهرت، ولقال نجم الدين النسفي: بهرت، ولقال صاحب "الهداية": يا غوّاص البحر! عبرت، ولقال صاحب "المحيط": فقت فيما أعلنت، وما أسررت، إلى غير ذلك من كبرائنا، الذين لا يحصى عددُهم. ولقال المتنبي: أنت من الفصحاء. انتهى. وقال بعده: وقع الفراغ من تصنيفه، وهو على جناح سفر "الحجاز" في ليلة البراءة سنة ستة عشرة وسبعمائة. وذكر ديباجة "غاية البيان" أنه لما فرغ من حجة الإسلام بقافلة "العراق" من
стр. 1706
"مدينة السلام" سنة عشرين وسبعمائة. ووصل إلى ديار "مصر". في المحرّم من السنة الحادية والعشرين، فسألوه أن يشرح كتاب "الهداية"، فشرع فيه حين جاوز الثلاثين بعقد البنصر، مع رفع الوسطى والخنصر، وذكر فيه أنه يروي كتاب "الهداية" من خمس طرق: أحدها: ما أخبرني به سيدي وملجئي، فقيه الفقهاء، سيد العلماء، منبع الزهد والتقوي، معدن الفقه والفتوي، صاحب الكرامات العلمية، والمقامات السنية، مفخر المسلمين، برهان الملة والدين، أحمد ابن أسعد بن محمد الخريفعني البخاري، عن شيخيه العلامتين الغايتين في التبيان، الآيتين على مذهب النعمان، حميد الدين الضرير على بن محمد بن محمد الرامشي البخاري، وحافظ الدين الكبير محمد بن محمد ابن نصر البخاري، عن شيخهما العلامة المتقن شمس الأئمة محمد بن عبد الستار بن محمد العمادي الكردري، عن صاحب "الهداية". انتهى. وقال أبو الوليد محمد بن الشحنة في حوادث سنة ٧٥٣ من كتابه "روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر": فيها توفي الشيخ قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الفارابي الإتقاني الحنفي، مصنف "غاية البيان شرح الهداية"، و "التبيين شرح الأخسيكثي" ولي تدريس مشهد أبي حنيفة بـ "بغداد"، وقدم "مصر"، فأكرمه الأمير صرغتمش، وبنى له "المدرسة الصرغتمشية". انتهى. وفي "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" للحافظ ابن حجر العسقلاني أمير كاتب بن عمر الإتقاني الحنفي: ولد بـ "إتقان" في شوّال سنة خمس وثمانين وستمائة. واشتغل في بلاده، ومهر إلى أن شرح "المنتخب الحسامي". وقدم "دمشق" سنة عشرين وسبعمائة. ودرّس، وناظر، وظهرت فضائله. قاله ابن كثير، ودخل "مصر"، ثم رجع، فدخل "بغداد"، وولي قضاءها. ثم دخل "دمشق"، وولي تدريس الظاهرية. وكان لما قدم "دمشق" صلّى مع النائب،
стр. 1707
فرأى إمامه يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه، فأعلمه الإتقاني أن صلاته باطلة على مذهب أبي حنيفة، فبلغ ذلك القاضي تقى الدين السبكي، فصنّف رسالة في الردّ عليه، فوقف عليها الإتقاني، فجمع جزأ في نقض ما قال، وأسند ذلك عن مكحول النسفي أنه حكاه عن أبي حنيفة. وبالغ في ذلك إلى أن أصغى إليه النائب، فبين بطلان كلامه. ووهاه تقي الدين السبكي، فرجع الأمير عنه. ثم دخل الإتقاني بـ "مصر"، فاستمرّ في معاداة الشافعية، وكان كثير التعاظم والتعصّب لنفسه جدا. وشرح "الهداية" شرحا حافلا، وحدّث بـ "الموطأ" برواية محمد بإسناد نازل جدا، وكان يكثر أكل الثوم النيّ، والزنجبيل الأخضر. أخبرني به الشيخ محب الدين. وكان قد لازمه، وأخذ عنه. انتهى. وفي "حسن المحاضرة" في ترجمته: درّس بـ "بغداد" و "دمشق"، ثم قدم إلى "مصر"، فدرّس بالجامع المارديني. وكان رأسا في مذهب الحنفية والفقه واللغة والعربية، صنّف "شرح الهداية"، و "شرح الأخسيكثي"، و "رسالة في عدم صحة الجمعة في موضعين من المصر". ولد في شوّال سنة خمسة وثمانين وستمائة. ومات في شوّال سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. وفي "بغية الوعاة" أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي أبو حنيفة قوام الدين الإتقاني الحنفي. وقيل: اسمه لطف الله، قال ابن حبيب: كان رأسا في مذهب الحنفية، بارعا في اللغة والعربية. قال ابن حجر: ودخل "مصر"، ثم رجع، فدخل "بغداد"، وولي قضاءها، ثم قدم "دمشق" ثانيا، سنة سبع وأربعين، وولي بها تدريس دار الحديث بالظاهرية بعد وفاة الذهبي. ثم دخل "مصر" سنة إحدى وخمسين، فأقبل عليه صرغتمش، وعظم عنده جدا، فجعله شيخ مدرسته التي بناها، وذلك في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين. واختار لحضور الدرس طالعا، فحضروا والقمر في السنبلة، والزهرة في الأوج،
стр. 1708
وأقبل عليه صرغتمش إقبالا عظيما. وقدِّر أنه لم يعش بعد ذلك سوى سنة، وكان شديد التعاظم، متعصّبا لنفسه جدا، معاديا للشافعية. واجتهد في ذلك بـ "الشام"، فما أفاده، ومات في حادي عشر شوّال سنة ثمانية وخمسين وسبعمائة. انتهى ملخّصا.
* * *
١٠٣٧ - الشيخ العالم الكبير المحدّث أمين بن أحمد النهروالي، الكجراتي، الفاضل المشار إليه بسعة العلم *.
تخرّج على الشيخ محمد بن طاهر بن على الفتني صاحب "مجمع البحار"، وأخذ الحديث عنه، وقدم "مندو" سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، فأقام بها سنة كاملة، ثم ذهب إلى "أجين"، ولقى بها الشيخ راجي محمد القادري، والشيخ عبد الغفور، والشيخ جمال بن أحمد، وغيرهم من المشايخ، فصاحبهم، وطابتْ له الإقامة بتلك البلدة، فتصدّر للدرس والإفادة بها، مع قناعة وعفاف وزهد وعبادة، انتفع به خلق كثير، وأخذوا عنه، ثم إنه خرج من "أجين" إلى "برهانبور" لزيارة القاضي عبد العزيز بن عبد الكريم بن راجي محمد الأجيني، فمات بها في غرّة ربيع الأول سنة سبع عشرة وألف، فدفن بها، كما في "كلزار أبرار".
* * *
стр. 1709
١٠٣٨ - الشيخ الفاضل أمين (أو محمد أمين) بن محمد ابن عبد الوهّاب الجندي، العبّاسى المعري، ثم الدمشقي *.
مفتي الحنفية بـ "دمشق".
ولد سنة ١٢٢٩ هـ في "معرة النعمان"، وتعلّم بها وبـ "حلب"، وولي القضاء والإفتاء بـ "المعرة"، ثم الإفتاء بـ "دمشق" سنة ١٢٧٧ - ١٢٨٤ هـ.
وانتدب لليمن رئيسا لمجلس (تشكيل ولايتها) وعاد إلى "دمشق"، فولي فيها رياسة ديوان التمييز إلى أن توفي.
له "ديوان"، رأيته في المكتبة العربية بـ "دمشق"، وفيه منظومته في (أسماء أهل بدر)، وأولها: (قال محمد الأمين الجندي: بسم إلهنا المعيد المبدي)، و "شرح رسالة الشيخ رسلان" في التصوّف، وترجم عن التركية كتاب "علم الحال".
توفي سنة ١٢٩٥ هـ.
* * *
١٠٣٩ - الشيخ الفاضل أمين بن محمد خليل السفرجلاني * *.
стр. 1710
فاضل.
من فقهاء الحنفية بـ "دمشق".
له نظم، ومشاركة في الأدب.
من كتبه: "القطوف الدانية في العلوم الثمانية"، و "عقود الأسانيد"، ذكر فيه مشايخه وبعض المؤلّفات وسندها نظما، و "الكوكب الحثيث في مصطلح الحديث"، و"العقد الوحيد" في علم التوحيد.
توفي سنة ١٣٣٥ هـ.
* * *
١٠٤٠ - الشيخ الفاضل الكبير أمين الله بن سليم الله بن عليم الله الأنصاري، النكرنهسوي، العظيم أبادي، أحد العلماء المشهورين في شرق "الهند " *.
له يد بيضاء في المنطق والحكمة والأدب، ولد بـ "نكرنهسه"، وقرأ العلم على والده، ثم سافر إلى "إله آباد"، وأخذ المنطق والحكمة عن الشيخ محمد قائم الإله آبادي، ثم سافر إلى "دهلي"، وأخذ عن الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، وولده عبد العزيز، ثم رجع إلى بلاده، وولي التدريس في المدرسة العالية بـ "كلكته"، فدرّس بها مدّة عمره، أخذ عنه خلق كثير.
وله مصنّفات عديدة، منها: رسالة في تفسير قوله تعالى "ولكم في القصاص حياة"، ومنها: "القصيدة العظمي" في مدح النبي صلى الله عليه وآله
стр. 1711
وسلّم، ومنها: حاشية على "مير زاهد رساله"، وحاشية على "مير زاهد شرح المواقف"، وحاشية على "مسلم الثبوث"، وله "ديوان الشعر الفارسي".
توفي لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف بـ "كلكته"، كما في "تذكرة النبلاء".
* * *
١٠٤١ - الشيخ الفاضل أمين الله بن محمد أكبر بن أحمد بن يعقوب الأنصاري، اللكنوي *.
أحد الفقهاء الحنفية.
ولد، ونشأ بـ "لكنو"، وقرأ العلم على عمّه المفتي محمد أصغر، وعلى جدّه لأمّه المفتي ظهور الله، وحفظ القرآن.
له حاشية على "شرح الجامي"، وحاشية على "ضابطة التهذيب"، وشرح على "فصول أكبري"، وتعليقات شتى على الكتب الدراسية.
مات يوم السبت لليلة بقيتْ من جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف بـ "لكنو".
* * *
١٠٤٢ - الشيخ الفاضل أمين الدهر بن علي تبار بن محمد نافع بن محمد شاهد بن محمد عارف بن عبد الكريم الصديقي، الجائسي ،
стр. 1712
أحد الفقهاء الحنفية *.
ولد، ونشأ بـ "جائس" (١)، وسافر للعلم، فقرأ على الشيخ محمد قائم الإله آبادي، وعلى غيره من العلماء، واشتغل بالتدريس مدّة مديدة ببلدة "لكنو"، كان صالحا، عفيفا، ابتلي في آخر عمره بالوسواس في الطهارة و العبادة.
مات سنة خمسين ومائتين وألف ببلدة "لكنو"، فدفن بها.
* * *
١٠٤٣ - الشيخ العالم الكبير المحدّث أمين الدين بن حميد الدين بن غازي الدين بن محمد غوث الكاكوروي، أحد الرجال المشهورين في العلم والمعرفة * *.
ولد لتسع عشرة خلون من ربيع الثاني سنة أربع وستين ومائة وألف بـ "كاكوري"، ونشأ بها، وقرأ النحو، والصرف، وبعض رسائل المنطق، و "مختصر المعاني"، و "الفرائض الشريفية"، و "خلاصة الحساب" على والده، وقرأ "شرح الشمسية"، و "شرح التهذيب" للدوّاني مع "حاشيته" لليزدي، و "شرح العقائد" على صنوه الكبير القاضي نجم الدين.
стр. 1713
ثم سافر إلى "شاهجهانبور"، وقرأ "منار الأصول"، و "شرح السلّم" للعلامة عبد العلى اللكنوي على العلامة المذكور وصاحبه إمام بخش، ثم رجع إلى بلدته، وسار نحو "سنديله" (١)، وقرأ "شرح السلّم" للقاضي مبارك، و "المطوّل"، و "مير زاهد رسالة"، و"مير زاهد ملا جلال"، و "هداية الفقه" على الشيخ محمد أعظم السنديلوي، وقرأ "شرح السلّم" لحمد الله، و "التوضيح" مع حاشيته "التلويح"، و "شرح هداية الحكمة" للشيرازي، و "الشمس البازغة" على حيدر على بن حمد الله، وبعد ذلك قرأ على صنوه نجم الدين المذكور "تحرير الأقليدس" و"شرح الجغميني"، ثم سافر إلى "سورت"، وأدرك بها الشيخ أبا سعيد بن محمد ضياء الشريف الحسني البريلوي، فسافر معه إلى الحرمين الشريفين، ووصل إلى "مكة المباركة" لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة سبع وثمانين ومائة وألف، فحجّ، وأخذ الطريقة عن الشيخ أبي سعيد المذكور، واشتغل عليه بأذكار الطريقة وأشغالها زمانا بـ "مكة
стр. 1714
المباركة"، ثم سافر إلى "المدينة المنورة"، وأقام بها ستة أشهر، وأدرك بها الشيخ أبا الحسن بن محمد صادق السندي، فقرأ عليه "مقدمة ابن الصلاح"، و"صحيح البخاري" و "المصابيح"، وأجازه الشيخ المذكور إجازة عامة، وأعطاه "ثبته"، ولما مات الشيخ أبو الحسن المذكور لخمس بقين من رمضان قرأ على الشيخ محمد سعيد صقر شطرا من "سنن أبي داود"، و"سنن ابن ماجه"، ثم رجع إلى "مكة المباركة"، وقرأ "الجزرية" على مير داد المكّي، ثم سار إلى "الطائف"، وأقام بها زمانا، ثم رجع إلى "الهند"، ودخل "مدراس" مع شيخه أبي سعيد، ولازمه ملازمة طويلة، حتى حصل له "الياد داشت"، وهو المسمّى بـ "الإحسان" عند السادة النقشبندية، فاستخلفه الشيخ أبو سعيد، فرجع إلى "كاكوري"، وتولي الشياخة بها، وكان يدرّس، ويفيد، أخذ عنه جمع كثير من العلماء.
توفي لثمان بقين من محرّم سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف بـ "كاكوري"، فدفن عند والده، كما في "مجمع العلماء".
* * *
١٠٤٤ - الشيخ الفاضل أمين الدين بن غياث الدين محمود العمري، الجونبوري، أحد العلماء البارعين في الفقه والأصول والعربية *.
ولد لخمس بقين من رجب سنة اثنتين وسبعين وألف ببلدة "جونبور"، ونشأ بها، وقرأ بعض الكتب الدراسيّة على الشيخ محمد أرشد بن محمد رشيد
стр. 1715
الجونبوري، وأكثرها على غيره من الأساتذة، وجدّ في البحث والاشتغال، حتى برع في الهيئة، والهندسة، والحساب، والاصطرلاب، والمواريث، وكثير من الفنون، ثم تصدّر للتدريس، أخذ عنه الشيخ غلام رشيد بن محبّ الله الجونبوري، وجمع كثير.
وله مصنّفات، منها: "وسيلة النجاة" في أخبار مشايخه من الشيخ محمد رشيد إلى الشيخ الكبير معين الدين حسن السجزي الأجميري، ومنها: "المقتنيات"، وهو ملخّص "أشعّة اللمعات" للشيخ عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي، ومنها: "منتخبات كنج رشيدي"، وله حاشية على "شرح المعمول"، وله غير ذلك من الرسائل، وكان لا يزال بقيد الحياة سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، كما في "كنج أرشدي".
* * *
١٠٤٥ - الشيخ الفاضل أمين الدين السِّلْهِتي، المعروف بشيخ كاتِيَا *.
ولد بقرية "جعنَّات بور" من مضافات "سِلْهِتْ".
قرأ بسم الله على شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، ثم ارتحل إلى دار العلوم "ديوبند"، وختم الدراسة العليا فيها، ومن شيوخه فيها: الشيخ السيّد حسين أحمد المدني. وبنى بعد الفراغ بإشارة شيخه جامعة إسلامية في قريته "كاتيا".
توفي سنة ١٤٣١ هـ، وحضر في صلاة جنازته خمسمائة ألف.
стр. 1716
١٠٤٦ - العالم الكبير المحدّث البارع الفقيه الضليع أنظر شاه بن الإمام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، ابن الشيخ معظّم شاه، ابن عبد الكبير شاه الكشميري *.
جاء سلفُه من "بغداد"، ونزلوا "ملتان"، ثم رحلوا منها إلى "لاهور"، ومنها إلى "كشمير"، فأصبحتْ لهم مستقرّا ومقاما.
ولد سنة في "ديوبند" ١٣٤٧ هـ.
كان عالما كبيرا، شَغَلَ الأوساطَ الإسلاميّةَ الهنديّةَ عَبْرَ حياته، بعلمه الغزير، وذهنه المتوقّد، وذكائه المِعْجِب، ونشاطه المِكَثَّف، وحَيَوته المغبوطة، حتى لدى الشباب، وخفّةِ روحه، وطلاقةِ لسانه، وسيلانِ قلمه، وتدريسه المطْرِب، وخطابه المِمْتِع بمعنى الكلمة، وحديثه العَذْب في كلّ مجلس الذى تُمِدُّه الدراسةُ الواسعةُ، والتجربةُ العميقةُ، ولباقةُ طرحِ الموضوع.
قال محرّر مجلة الداعي: شُغِلْتُ إثْرَ سَمَاع النعيِ عن كلِّ شيء كان يُهِمُّني، بذِكْرَيَات كثيرة ماتعة ثارتْ في ذهني عن هذا العالم الجليل، ذى الاهتمات والهموم الكثيرة، سَيْطَرَتْ على تفكيري واستبدَّتْ بمُخَيِّلَتي، التي دارتْ فيها صُوَرٌ رائعةٌ جدًّا عن شخصيّته الفذّة، وتحرّكاته المتَّصِلة على درب الحياة ومسالك العلم والفكر والدين والدعوة، التي لم تتوقَّفْ إلّا عندما توقَّفَتْ نبضاتُ قلبه بغرفة مسكونة بالهدوء في ذلك المستشفى بالمدينة الحضارية الثقافية "دهلي" عاصمة "الهند"، التي تحتضن الخلاصَة المصطفاةَ من ذكريات
стр. 1717
الحكم الإسلامي بهذه الديار، الذي دَامَ نحو ألف سنة، وظلَّتْ -ولا تزال- في مُعْظَم عهوده عاصمةً وحيدةً.
قال محرّر مجلة الداعي: مَثُلَتْ صورتُه أمامَ عَيْنَيَّ -ضمن ذكريات عن عهد تعلّمي بدار العلوم ديوبند- وهو يمشي على قَدَمَيْه في إحدى مَدْرَجَات دار العلوم ديوبند -أكبر وأعرق الجامعات الإسلاميّة الأهليّة بشبه القارة الهنديّة- منتهيًا من إلقاء درس في حصّة من الحصص، خارجًا من فصله، والابتسامةُ ترقص على شَفَتَيْه حسب العادة، والمِسَّرات تَتَفَجَّرُ من مُحَيَّاه، والانتعاشُ يَنْبَعِث من أسارير وجهه، وهو يُطْلِق فِقَرات فُكاهِيَّة، يفيض بها كلَّ وقت ذكاؤُه المِلْهِم، وتَطْوَافُه على كتب شتّى الموضوعات، ويُمْتِع بها جمعًا من الطلّاب يسير حولَه كالعادة، يستمتع بصحبته المِطْرِبة؛ فلم يُعْهَدْ يسير وحدَه مهما كان الوقتُ وأيًّا كان الجوُّ؛ لأنّ جماعة من الطلاب كانت تُلَازِمُه دائمًا مُلازَمَة الظلّ، حتى في نُزْهَته الصباحيّة والمسائية؛ فقد كان نُزْهِيًّا، كان لا يتخلّى عن النزهة، ولو كان اليومُ مطِيرًا، أو كان هو في السفر، أو أصابته وَعْكَةٌ صحيّةٌ، ما لم تقعد به عن المشي، أو يمنعه الطبيبُ عنه.
وكان فريدًا بين أقرانه، ومُعَاصِريه من العلماء، والمِثَقَّفِين في هذه المواظبة الدقيقة على ممارسة النزهة والجولة الصباحيّة والمسائيّة، التي تَعَوَّدَها منذ أوائل عمره؛ فكان يعتمدها ركيزةً من ركائز الصحة الأساسيّة.
قال محرّر مجلة الداعي: ومثلتْ صورتُه لديّ وهو يقوم بالتدريس في فصله الدراسي بالجامعة، والطلاب مُتَسَمِّرون، كأنَّ على رؤوسهم الطيرَ، يحرصون على أن لا تفوتهم كلمةٌ مما يقوله لهم؛ لكون محاضرته مبنيَّةً على الدراسة الواسعة، ومُلْقَاةً بأسلوب، يتّسم بالروعة والتنسيق، والحماس والصياغة الجميلة، مُمَدٍّ بالجدّ والهزل لحلال بنسبة مُتَّزِنَة؛ مما يجعل الطلابَ
стр. 1718
مُنْتَبِهين كلَّ الانتباه، لا يَعْتَوِرُهم شيءٌ مما يُصَنَّف ضمنَ السآمة أو الإغفال الفكريّ، الذي ينتاب المُتَلَقِّين والمُسْتَمِعِين إذا كان المُحَاضِر أو الخطيب يفقد لباقةَ الطرح، التي كانت ميزتَيه البارزة بين كثير من معاصريه؛ فلم يكن أستاذًا يمتهن التدريس لكسب لقمة العيش فقط، أو لملأ الفراغ في حياته، أو يعمل مُوَظَّفًا لأنَّهُ لم يجد عملًا؛ فهو يمارس التدريس مُجَرَّدًا من كلّ معنى للحرص والاهتمام؛ وإنّما كان أستاذًا مُلْهَمًا ومُعَلِّمًا مطبوعًا، يجمع مُعْظَمَ الخصائص، التي ينبغي أن يمتاز بها كلُّ من يُصَنَّف"مُعَلِّمًا مثالِيًّا"؛ فكان يُجَهِّز الدرسَ، ويُحَضِّر المحاضرةَ قبل أن يلقيها، وكان يحمل قدرةَ الإقناع وتقريب الموادّ إلى أفهام الطلاب بأسلوبه المِمْتِع، ولسانه الرشيق، ورصيده الثَّرِّ من الدراسة المختمرة، وقبل ذلك وبعده بذكائه المُتَيَقِّظ وحضور بديهته وإرهاف ذهنه؛ الأمرُ الذي كان يقدر به کسب العقول، وإقناع الحضور، وربّما على صنع الحقائق.
وكانت لديه قدرة، لا يُسْتَهَانُ بها على وضع فقرات ساخرة عاجلة، ذات إشارات بارعة، ودلالات شتّى، تجعل المُتَلَقِّين، والحضورَ يهيمون في متاهات معانٍ حائرة، ولا سيّما إذا كانوا لا يملكون من الرصيد العقليّ ما يُتِيح لهم أن يَفْطَنُوا لأبعاد حديثِ رجلٍ ذكيٍّ ذَرْبِ اللسان مثلِته. وذلك كلُّه جعله أستاذًا فريدًا، جمَّ المنافع، كثيرَ الإفادة، ينتظر الطلابُ بعد ما كانوا ينتهون من درسه يومًا درسه الذي سيُلْقيه في اليوم الآتي، انتظارَ المحِبِّ لحبيبه. وذلك - حقًّا - هو ضريبةُ التَّقديرُ، التي ظلَّ الطلابُ المُوَفَّقُون يؤَدُّونها دائمًا نحوَ أستاذهم المُوَفَّق. وتلك سمةٌ بارزةٌ، يتّسم بها كلُّ أستاذ بارع مُوَفَّق، خُلِق لينفع، وعَرَفَ كيف ينفع بشكل أوفى.
стр. 1719
قام بالتدريس نحو ٥٥ عامًا بالقياس إلى العام الميلادي، و ٥٧ سنة بالنسبة إلى السنة الهجريّة؛ حيث عُيِّن مدرسًا بالجامعة عام ١٣٧٢ هـ/ ١٩٥٣ م. ولقد استوعب تدريسًا جميعَ الكتب المِدْرَجَة ضمنَ المقَرَّرَات الدراسيَّة، التي يتضمَّنُها المنهجُ الدراسيُّ المتَّبَع لدى الجامعة الإسلاميّة العريقة "دار العلوم ديوبند" التي تقود الجامعات والمعاهد الإسلاميَّة الأهليَّة في شبه القارة الهنديَّة. تحلّتْ خلال تدريسه لها مقدرتُه البيانيَّة، وأهليَّتُه التفهيميَّة والنقّاشيّة، ودراستُه المتَأَنِّيَة العميقة الواسعة، وقوةُ ذاكرته اللَّاقطة، وتفنُّنه في الشرح والإيضاح، وتأصيلُه لمنهجيّة دارالعلوم ديوبند في نشر علوم الكتاب والسنّة في بعد عن كلّ ما من شأنه أن يُصَنَّف ضمنَ الادعائيّة والقوّاليّة المجَرَّدَة من الفعَّاليَّة، وانتهاجُه الأسلوبَ الأنجعَ الأمثلَ في طرح الموادِّ، التي كان يريد إرسالَها إلى أفهام الطلاب.
ولكنّه منذ عشرات السنين تَفَرَّغَ لتدريس مادّة الحديث الشريف، ولا سيّما "صحيح البخاريّ"، و "جامع الترمذيّ". وقد تحلّتْ في تدريس هذه المادة خصِّيصًا عبقريّتُه، التي تَوَارَثَها عن والده العظيم العلّامة أنور شاه الكشميريّ (١٢٩٢ - ١٣٥٢ هـ = ١٨٧٥ - ١٩٣٣ م) شيخ الحديث الأسبق بدارالعلوم ديوبند الذي دَرَجَ أكبرَ محدّث في شبه القارة الهنديّة في عصره، وأكبرَ محدّث أنجبتْه دارالعلوم ديوبند، وأَجْمَع علماءُ العرب والعجم على علوّ کعبه، وجلالة قدره، لا في فنّ الحديث وحده؛ بل في مُعْظَم العلوم الإسلاميّة، وعلى رأسها التفسيرُ والحديث والفقهُ وعلومُهما.
فكان أنظر شاه الكشميري يشبه أباه في بعض النواحي - لا في كلّها - فكان يَصْدُرُ في تدريس الحديث عن التحقيق المُشْبِع، والدراسة الوافية، والتدقيق المُقْنِع، ويثير خلالَ التدريس نقاطًا عجيبةً، قد لا يتبادر إليها أذهانُ
стр. 1720
المشتغلين بالحديث وتدريسه منذ وقت طويل، ويَتَبَدَّى في تدريسه للحديث تذوّقُه للفنّ، واهتمامُه البالغُ به، وحرصُه المِتَنَاهِي عليه، وتوفُّرُه على دراسته روايةً ودرايةً، ومتنًا وسندًا، وألفاظًا ومعانيَ، ودلالات وإشارات؛ فأصبح من العلماء البارزين بالحديث وعلومه، وغدا معروفًا بالنسبة إليه، بعدَ ما كان يُعْرَف بأنّه أحد العلماء الأجلّاء الأفراد بـ "الهند". بالقياس إلى مُجْمَل مزاياه؛ فكانت وفاتُه خسارةً أيَّ خسارة من حيث كونه مُحَدِّثًا أيضًا يُتْقِنُ تدريسَ الحديث؛ لأنّ هاتي الجامعات والمدارس الإسلاميّة الأهليّة -التي تَتوَلَّى مسؤوليةَ المرابطة على الثغر الإسلاميّ الواسع- رغمَ انتشارها الكبير تشكو قلّة المِدَرِّسِين والأساتذةَ المِتْقِنِين للتدريس، ولا سيّما الأساتذة الأكفاء لتدريس العلوم العَالِيَة، وعلى رأسها الحديثُ والتفسيرُ والفقهُ؛ حيث إنّ كسب صفة الإتقان في هذه العلوم يَتَطَلَّب التفرّغَ والانقطاعَ والانصرافَ عن الجشع الماديّ الذي أصبح اليومَ فاغرًا فاه يكاد يبتلع، حتى كلَّ "مُخْلِص" فضلًا عن بعض المِرَائِين المِنْتَمِين إلى ركب الخدمة الإسلاميّة ذات المجال الواسع. والجبهةُ الإسلاميّةُ مخوفٌ عليها المخافةَ كلَّها من هذه الناحية، وليس مخوفًا عليها مخافةً كبيرةً من قبل الأعداء السافرين، الذين كثيرًا ما يندحرون بسهولة لأنّهُم مَرْئِيُّون؛ فالحذرُ منهم، وبالتالي مداهمتهم في مكانهم، كلاهمان سهلان على كلّ مُهْتَمٍّ بالمرابطة على الجبهة الإسلاميّة.
ودارتْ في مخيلتي صورتُه: وهو يُسَيْطِر على الحضور في حفلة كبيرة حاشدة؛ بخطابه الحماسيّ، وحديثه العزيز اللّذيذ، وإلقائه اللَّافِت، وطرحه الفريد، وصوته المِدَوِّي، ومادّته الغنيّة، ومعلوماته الوافية في الموضوع. وقد كان ولا سيّما إبّانَ تعلّمي بالجامعة أكبرَ خطيبَ حَمَاسِيٍّ، لا يدانيه أحدٌ من