١٠٤٦ - العالم الكبير المحدّث البارع الفقيه الضليع أنظر شاه بن الإمام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، ابن الشيخ معظّم شاه، ابن عبد الكبير شاه الكشميري *.
جاء سلفُه من "بغداد"، ونزلوا "ملتان"، ثم رحلوا منها إلى "لاهور"، ومنها إلى "كشمير"، فأصبحتْ لهم مستقرّا ومقاما.
ولد سنة في "ديوبند" ١٣٤٧ هـ.
كان عالما كبيرا، شَغَلَ الأوساطَ الإسلاميّةَ الهنديّةَ عَبْرَ حياته، بعلمه الغزير، وذهنه المتوقّد، وذكائه المِعْجِب، ونشاطه المِكَثَّف، وحَيَوته المغبوطة، حتى لدى الشباب، وخفّةِ روحه، وطلاقةِ لسانه، وسيلانِ قلمه، وتدريسه المطْرِب، وخطابه المِمْتِع بمعنى الكلمة، وحديثه العَذْب في كلّ مجلس الذى تُمِدُّه الدراسةُ الواسعةُ، والتجربةُ العميقةُ، ولباقةُ طرحِ الموضوع.
قال محرّر مجلة الداعي: شُغِلْتُ إثْرَ سَمَاع النعيِ عن كلِّ شيء كان يُهِمُّني، بذِكْرَيَات كثيرة ماتعة ثارتْ في ذهني عن هذا العالم الجليل، ذى الاهتمات والهموم الكثيرة، سَيْطَرَتْ على تفكيري واستبدَّتْ بمُخَيِّلَتي، التي دارتْ فيها صُوَرٌ رائعةٌ جدًّا عن شخصيّته الفذّة، وتحرّكاته المتَّصِلة على درب الحياة ومسالك العلم والفكر والدين والدعوة، التي لم تتوقَّفْ إلّا عندما توقَّفَتْ نبضاتُ قلبه بغرفة مسكونة بالهدوء في ذلك المستشفى بالمدينة الحضارية الثقافية "دهلي" عاصمة "الهند"، التي تحتضن الخلاصَة المصطفاةَ من ذكريات
стр. 1717
الحكم الإسلامي بهذه الديار، الذي دَامَ نحو ألف سنة، وظلَّتْ -ولا تزال- في مُعْظَم عهوده عاصمةً وحيدةً.
قال محرّر مجلة الداعي: مَثُلَتْ صورتُه أمامَ عَيْنَيَّ -ضمن ذكريات عن عهد تعلّمي بدار العلوم ديوبند- وهو يمشي على قَدَمَيْه في إحدى مَدْرَجَات دار العلوم ديوبند -أكبر وأعرق الجامعات الإسلاميّة الأهليّة بشبه القارة الهنديّة- منتهيًا من إلقاء درس في حصّة من الحصص، خارجًا من فصله، والابتسامةُ ترقص على شَفَتَيْه حسب العادة، والمِسَّرات تَتَفَجَّرُ من مُحَيَّاه، والانتعاشُ يَنْبَعِث من أسارير وجهه، وهو يُطْلِق فِقَرات فُكاهِيَّة، يفيض بها كلَّ وقت ذكاؤُه المِلْهِم، وتَطْوَافُه على كتب شتّى الموضوعات، ويُمْتِع بها جمعًا من الطلّاب يسير حولَه كالعادة، يستمتع بصحبته المِطْرِبة؛ فلم يُعْهَدْ يسير وحدَه مهما كان الوقتُ وأيًّا كان الجوُّ؛ لأنّ جماعة من الطلاب كانت تُلَازِمُه دائمًا مُلازَمَة الظلّ، حتى في نُزْهَته الصباحيّة والمسائية؛ فقد كان نُزْهِيًّا، كان لا يتخلّى عن النزهة، ولو كان اليومُ مطِيرًا، أو كان هو في السفر، أو أصابته وَعْكَةٌ صحيّةٌ، ما لم تقعد به عن المشي، أو يمنعه الطبيبُ عنه.
وكان فريدًا بين أقرانه، ومُعَاصِريه من العلماء، والمِثَقَّفِين في هذه المواظبة الدقيقة على ممارسة النزهة والجولة الصباحيّة والمسائيّة، التي تَعَوَّدَها منذ أوائل عمره؛ فكان يعتمدها ركيزةً من ركائز الصحة الأساسيّة.
قال محرّر مجلة الداعي: ومثلتْ صورتُه لديّ وهو يقوم بالتدريس في فصله الدراسي بالجامعة، والطلاب مُتَسَمِّرون، كأنَّ على رؤوسهم الطيرَ، يحرصون على أن لا تفوتهم كلمةٌ مما يقوله لهم؛ لكون محاضرته مبنيَّةً على الدراسة الواسعة، ومُلْقَاةً بأسلوب، يتّسم بالروعة والتنسيق، والحماس والصياغة الجميلة، مُمَدٍّ بالجدّ والهزل لحلال بنسبة مُتَّزِنَة؛ مما يجعل الطلابَ
стр. 1718
مُنْتَبِهين كلَّ الانتباه، لا يَعْتَوِرُهم شيءٌ مما يُصَنَّف ضمنَ السآمة أو الإغفال الفكريّ، الذي ينتاب المُتَلَقِّين والمُسْتَمِعِين إذا كان المُحَاضِر أو الخطيب يفقد لباقةَ الطرح، التي كانت ميزتَيه البارزة بين كثير من معاصريه؛ فلم يكن أستاذًا يمتهن التدريس لكسب لقمة العيش فقط، أو لملأ الفراغ في حياته، أو يعمل مُوَظَّفًا لأنَّهُ لم يجد عملًا؛ فهو يمارس التدريس مُجَرَّدًا من كلّ معنى للحرص والاهتمام؛ وإنّما كان أستاذًا مُلْهَمًا ومُعَلِّمًا مطبوعًا، يجمع مُعْظَمَ الخصائص، التي ينبغي أن يمتاز بها كلُّ من يُصَنَّف"مُعَلِّمًا مثالِيًّا"؛ فكان يُجَهِّز الدرسَ، ويُحَضِّر المحاضرةَ قبل أن يلقيها، وكان يحمل قدرةَ الإقناع وتقريب الموادّ إلى أفهام الطلاب بأسلوبه المِمْتِع، ولسانه الرشيق، ورصيده الثَّرِّ من الدراسة المختمرة، وقبل ذلك وبعده بذكائه المُتَيَقِّظ وحضور بديهته وإرهاف ذهنه؛ الأمرُ الذي كان يقدر به کسب العقول، وإقناع الحضور، وربّما على صنع الحقائق.
وكانت لديه قدرة، لا يُسْتَهَانُ بها على وضع فقرات ساخرة عاجلة، ذات إشارات بارعة، ودلالات شتّى، تجعل المُتَلَقِّين، والحضورَ يهيمون في متاهات معانٍ حائرة، ولا سيّما إذا كانوا لا يملكون من الرصيد العقليّ ما يُتِيح لهم أن يَفْطَنُوا لأبعاد حديثِ رجلٍ ذكيٍّ ذَرْبِ اللسان مثلِته. وذلك كلُّه جعله أستاذًا فريدًا، جمَّ المنافع، كثيرَ الإفادة، ينتظر الطلابُ بعد ما كانوا ينتهون من درسه يومًا درسه الذي سيُلْقيه في اليوم الآتي، انتظارَ المحِبِّ لحبيبه. وذلك - حقًّا - هو ضريبةُ التَّقديرُ، التي ظلَّ الطلابُ المُوَفَّقُون يؤَدُّونها دائمًا نحوَ أستاذهم المُوَفَّق. وتلك سمةٌ بارزةٌ، يتّسم بها كلُّ أستاذ بارع مُوَفَّق، خُلِق لينفع، وعَرَفَ كيف ينفع بشكل أوفى.
стр. 1719
قام بالتدريس نحو ٥٥ عامًا بالقياس إلى العام الميلادي، و ٥٧ سنة بالنسبة إلى السنة الهجريّة؛ حيث عُيِّن مدرسًا بالجامعة عام ١٣٧٢ هـ/ ١٩٥٣ م. ولقد استوعب تدريسًا جميعَ الكتب المِدْرَجَة ضمنَ المقَرَّرَات الدراسيَّة، التي يتضمَّنُها المنهجُ الدراسيُّ المتَّبَع لدى الجامعة الإسلاميّة العريقة "دار العلوم ديوبند" التي تقود الجامعات والمعاهد الإسلاميَّة الأهليَّة في شبه القارة الهنديَّة. تحلّتْ خلال تدريسه لها مقدرتُه البيانيَّة، وأهليَّتُه التفهيميَّة والنقّاشيّة، ودراستُه المتَأَنِّيَة العميقة الواسعة، وقوةُ ذاكرته اللَّاقطة، وتفنُّنه في الشرح والإيضاح، وتأصيلُه لمنهجيّة دارالعلوم ديوبند في نشر علوم الكتاب والسنّة في بعد عن كلّ ما من شأنه أن يُصَنَّف ضمنَ الادعائيّة والقوّاليّة المجَرَّدَة من الفعَّاليَّة، وانتهاجُه الأسلوبَ الأنجعَ الأمثلَ في طرح الموادِّ، التي كان يريد إرسالَها إلى أفهام الطلاب.
ولكنّه منذ عشرات السنين تَفَرَّغَ لتدريس مادّة الحديث الشريف، ولا سيّما "صحيح البخاريّ"، و "جامع الترمذيّ". وقد تحلّتْ في تدريس هذه المادة خصِّيصًا عبقريّتُه، التي تَوَارَثَها عن والده العظيم العلّامة أنور شاه الكشميريّ (١٢٩٢ - ١٣٥٢ هـ = ١٨٧٥ - ١٩٣٣ م) شيخ الحديث الأسبق بدارالعلوم ديوبند الذي دَرَجَ أكبرَ محدّث في شبه القارة الهنديّة في عصره، وأكبرَ محدّث أنجبتْه دارالعلوم ديوبند، وأَجْمَع علماءُ العرب والعجم على علوّ کعبه، وجلالة قدره، لا في فنّ الحديث وحده؛ بل في مُعْظَم العلوم الإسلاميّة، وعلى رأسها التفسيرُ والحديث والفقهُ وعلومُهما.
فكان أنظر شاه الكشميري يشبه أباه في بعض النواحي - لا في كلّها - فكان يَصْدُرُ في تدريس الحديث عن التحقيق المُشْبِع، والدراسة الوافية، والتدقيق المُقْنِع، ويثير خلالَ التدريس نقاطًا عجيبةً، قد لا يتبادر إليها أذهانُ
стр. 1720
المشتغلين بالحديث وتدريسه منذ وقت طويل، ويَتَبَدَّى في تدريسه للحديث تذوّقُه للفنّ، واهتمامُه البالغُ به، وحرصُه المِتَنَاهِي عليه، وتوفُّرُه على دراسته روايةً ودرايةً، ومتنًا وسندًا، وألفاظًا ومعانيَ، ودلالات وإشارات؛ فأصبح من العلماء البارزين بالحديث وعلومه، وغدا معروفًا بالنسبة إليه، بعدَ ما كان يُعْرَف بأنّه أحد العلماء الأجلّاء الأفراد بـ "الهند". بالقياس إلى مُجْمَل مزاياه؛ فكانت وفاتُه خسارةً أيَّ خسارة من حيث كونه مُحَدِّثًا أيضًا يُتْقِنُ تدريسَ الحديث؛ لأنّ هاتي الجامعات والمدارس الإسلاميّة الأهليّة -التي تَتوَلَّى مسؤوليةَ المرابطة على الثغر الإسلاميّ الواسع- رغمَ انتشارها الكبير تشكو قلّة المِدَرِّسِين والأساتذةَ المِتْقِنِين للتدريس، ولا سيّما الأساتذة الأكفاء لتدريس العلوم العَالِيَة، وعلى رأسها الحديثُ والتفسيرُ والفقهُ؛ حيث إنّ كسب صفة الإتقان في هذه العلوم يَتَطَلَّب التفرّغَ والانقطاعَ والانصرافَ عن الجشع الماديّ الذي أصبح اليومَ فاغرًا فاه يكاد يبتلع، حتى كلَّ "مُخْلِص" فضلًا عن بعض المِرَائِين المِنْتَمِين إلى ركب الخدمة الإسلاميّة ذات المجال الواسع. والجبهةُ الإسلاميّةُ مخوفٌ عليها المخافةَ كلَّها من هذه الناحية، وليس مخوفًا عليها مخافةً كبيرةً من قبل الأعداء السافرين، الذين كثيرًا ما يندحرون بسهولة لأنّهُم مَرْئِيُّون؛ فالحذرُ منهم، وبالتالي مداهمتهم في مكانهم، كلاهمان سهلان على كلّ مُهْتَمٍّ بالمرابطة على الجبهة الإسلاميّة.
ودارتْ في مخيلتي صورتُه: وهو يُسَيْطِر على الحضور في حفلة كبيرة حاشدة؛ بخطابه الحماسيّ، وحديثه العزيز اللّذيذ، وإلقائه اللَّافِت، وطرحه الفريد، وصوته المِدَوِّي، ومادّته الغنيّة، ومعلوماته الوافية في الموضوع. وقد كان ولا سيّما إبّانَ تعلّمي بالجامعة أكبرَ خطيبَ حَمَاسِيٍّ، لا يدانيه أحدٌ من
стр. 1721
خطباء الجامعة -وأكاد أقول من خطباء البلد كلّه- الذين عَهِدْتُهم في كسب المستمعين، وجَعْلِهِم يهتزّون بخطابه، ويَطْرَبُون بإلقائه، ويَفْرَحُون بما يكونون قد كسبوه من الفوائد الجمّة خلالَ الجلسة الواحدة.
وكان يمتاز بأسلوبه الفريد، ولهجته الخاصّة، وبعض الفقرات الأردية، التي كان قد نَحَتَها هو، وتَفَرَّدَ بها، حتى كان عددٌ من الطلاب -ومنهم كاتبُ هذه السطور- يُحَاكُون أسلوبَه الخطابيَّ المِتَّسِم بتلك الفقرات الفريدة ذات اللهجة الممتازة.
وكان المستمعون يزدحمون في الحفلات، التي كان يُدْعَى لإلقاء الخطاب فيها؛ فلو حَدَثَ أنه غاب عنها لسبب مُلِحٍّ اضْطَرَّه للغياب وعدم الحضور، خَيَّمَ عليهم اليأسُ والأسفُ، اللذان لا يمكن وصفُهما إلّا بعد جهدٍ.
وكانت الخطابةُ قدرةً فيه طبيعيّةً، فلم يكتسبْها بالمحاكاة أو التقليد أو الارتياض، نعم امتلك ناصيتَها بالمواظبة عليها ومواصلة ممارستها عَبْرَ هذه السنن الطويلة المِمْتَدَّة على الفترة بين شبابه الغضّ وكهولته الطاعنة في السنّ؛ فكان خطيبًا، يُشَار إليه بالبنان عَبْرَ هذه البلاد: القارّة خصوصًا وعبر شبه القارّة الهنديّة عمومًا. وكان حضورُه بخطابه حفلةً ما ضمانَ نجاحها مائةً في المائة، وبالعكس كان غيابُه عنها رمزًا على فشلها أو نجاحها الناقص. وظلَّ عَبْرَ حياته العمليّة الحافلة بكلّ نوع من الإنجازات على صفة "الخطيب المِفَوَّه المِحَبَّب"؛ فكانت وفاتُه المفَاجِئه خسارةً لا تُعَوَّض بالقياس إلى هذه الناحية هي الأخري، إلى جانب النواحي العديدة التي تَرَكَتْ -وفاتُه- فيها ثغرًا لا يُمْلأ بشكل من الأشكال، في هذا العصر الذي أصبح يُعْرَف بأنه كاد يخلو من العَبَاقِرَة في كلّ مجال من مجالات الحياة ولا سيّما المجَالات، التي تمسّ الدينَ والعقيدةَ
стр. 1722
بنحو ما؛ حيث يموت العلماءُ الأجلَّاءُ الوحيدون -كلٌّ في موضوعه الذي كان يختصّ فيه- فلا يُوْجَدُ لهم نظيرٌ إلى بعيد أبعد؛ وكأنّ الأمة عادت -كما يقول المثلُ الأرديّ- تهبط من السماء فتقع على الأرض مُبَاشَرَةً ولا تقع على نخلةٍ أو ما يُمَاثِلُها من الأشجار.
توفي إلى رحمة الله في نحو الساعة الحَادِيَةَ عَشْرَةَ من يوم السبت ١٩ ربيع الثاني ١٤٢٩ هـ، الموافق ٢٦ أبريل ٢٠٠٨ م.
* * *
١٠٤٧ - العلامة المحدّث الداعية الشيخ إنعام الحسن بن إكرام الحسن الكاندهلوي الصدّيقي *.
ولد سنة ١٣٣٧ هـ في قرية "كاندهله".
حفظ القرآن الكريم على أستاذه الحافظ "منكتو"، ودرس الكتب الابتدائية الدراسية على جدّه من أمّه الشيخ حكيم عبد الحميد، و "ميزان الصرف"، وكتب النحو، و"الهداية" في الفقه، وغيره من الكتب الدراسيّة على الإمام الشيخ محمد إلياس كاندهلوي في "دهلي"، ثم درس في الجامعة مظاهر العلوم بعض كتب الفقه والأصول عام ١٣٥٢ هـ.
ثم رجع إلى "دهلي"، وأتم دراسة بقية الكتب هناك، ثم ذهب مرّة أخرى مع الإمام الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي في "دهلي" عام ١٣٥٤ هـ.
стр. 1723
إلى الجامعة مظاهر العلوم بـ "سهارنفور" لتكميل دراسة الحديث الشريف، فدرّس معه على نفس الأساتذة نفس الكتب المذكورة، ثم رجع معه إلى "دهلي" بسبب مرضه، ودرّس بقية كتب الحديث، والفقه في عمل الدعوة والتبليغ، وكان ساعده الأيمن طول حياته.
وبعد وفاته عام ١٣٨٤ هـ اختير أميرا لجماعة الدعوة والتبليغ، وكان يتهيّب في قبول الإمارة، ويعتذر عنها بحجّة أنه لا يتمتّع بقوّة الخطابة، التي هي جزء أكيد لهذا المنصب، لكن الله أيّده، ورزقه من قوّة الخطابة، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ما وهبه التأثير التلقائي في الجماهير المسلمة، وخاصّة بمناسبة الاجتماعات الكبيرة، التي كانتْ تعقد في بلدان العالم المختلفة، وأضيف إلى ذلك روح العلم والورع والإخلاص، وروح التفاني في سبيل الدعوة إلى الله تعالي، التى كان يتمتّع بها، وأصبحت له غداء، لا يعيش بدونه، وأصحبت له شعارا ودثارا، لا قرارَ له بغيرهما، ولم يكن له همّ إلا أن يتحدّث فيما يتعلّق بشؤن الدعوة، وتبليغها إلى الناس كافة، واستمرّ مع الدعوة بتدريس الحديث الشريف، لا سيّما "صحيح البخاري" بمدرسة كاشف العلوم في "حَضْرَتْ نظام الدين" بـ "دهلي" الجديدة.
له "تراجم صحيح البخاري"، وحواشي وتعليقات على كتاب "حياة الصحابة"، و"مختار مشكاة المصابيح".
توفي سنة ١٤١٦ هـ.
* * *
стр. 1724
١٠٤٨ - الشيخ العالم الكبير أنکنون صدر جهان الجونبوري ، كان من العلماء المبرزين في المعقول والمنقول *.
ولى الصدارة بـ "جونبور"، واستقل بها مدة حياته، وكان صالحا، دينا، عفيفًا، مشكور السيرة في القضاء، شديد الرغبة في المناظرة، كثير الاشتغال بالدرس والإفادة، أخذ عنه خلق كثير، كما في "تجلّي نور".
* * *
١٠٤٩ - الشيخ الفاضل العلامة أنوار الله بن شجاع الدين بن القاضي سراج الدين العمري، القندهاري، الحيدرآبادي ، أحد العلماء المشهورين **.
ولد بـ "قندهار" (١) قرية جامعة من أعمال "ناندير" من أرض "الدكن" الأربع خلون من ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين وألف، وحفظ القرآن، وقرأ المختصرات على أساتذة بلاده، وقرأ على الشيخ عبد الحليم الأنصاري اللكنوي، ثم لازم ابنه الشيخ عبد الحي اللكنوي ببلدة "حيدرآباد"، وأخذ التفسير عن الشيخ عبد الله اليمني، وتخرّج في التصوّف والسلوك على والده،
стр. 1725
وحصلتْ له الإجازة منه، وبرع في كثير من العلوم والفنون، وتوظّف في الحكومة، واستقال بعد مدّة قصيرة، وحجّ حجّة الإسلام في سنة أربع وتسيعن ومائتين وألف، ولقي الشيخ الكبير الحاج إمداد الله المهاجر المكّي، وبايعه، وحصلتْ له الإجازة منه.
واختير معلّما لصاحب "الدكن" سموّ الأمير محبوب علي خان النظام السادس سنة خمس وتسعين، ولقب بخان بهادر سنة إحدى وثلاثمائة وألف، وفي سنة إحدى وثلاثمائة وألف حجّ الحجّة الثانية، وفي سنة خمس وثلاثمائة وألف حجّ الحجّة الثالثة، وأقام بـ"المدينة المنوّرة" ثلاث سنين، ورجع إلى حيدرآباد سنة ثمان وثلاثمائة وألف، وعيّن معلّما لولي العهد الأمير عثمان علي خان، ولمّا مات صاحب "الدكن" الأمير محبوب علي خان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف، وولي الأمير عثمان علي خان النظام السابع ولاه الصدارة والاحتساب، وكان ذلك سنة ثلاث وثلاثمائة وألف، وولاه وزارة الأوقاف سنة اثنتين وثلاثين، ولقّبه نواب فضيلت جنك (وفي ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف عيّن معلّما لولي العهد وصنوه، وحصلتْ له الوجاهة العظيمة والكلمة النافذة في الأمور الدينية والمسائل الشرعية، وقام بإصلاحات كثيرة، وانتفع به البلاد والعباد.
وكان أوحد زمانه في العلوم العقلية والنقلية، شديد التعبّد، مديم الاشتغال بالتدريس والمذاكرة، ومطالعة الكتب والتصنيف، شديد النكير على أهل البعد والأهواء، أسّس"المدرسة النظامية" بـ"حيدرآباد" سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف، وأسّس مجمعا علميا للتأليف والنشر، سمّاه إشاعة العلوم. وكان مديد القامة، عريض ما بين المنكبين، صدعا من الرجال، قويّ البنية، أبيض اللون، مشربا بالحمرة، واسع العينين، كثّ اللحية، وكان قليل
стр. 1726
التكلّف في الطعام واللباس، مواظبا على الرياضة البدنيّة إلى آخر حياته، متورّعا في الأموال والمكاسب والوظيفة، حليما، متواضعا، يعود المرضي، ويحضر الجنائز، وكان صاحب معروف وبرّ، لا يدّخر المال، ولا يهتمّ به، عفّ اللسان، بعيدا عن الهجر والفحش، وكان يدرّس "الفتوحات المكّية" بعد المغرب إلى نصف الليل، وكان عظيم الاعتقاد في الشيخ محي الدين ابن عربي.
وفي آخر حياته كان يقضي ليله في الاشتغال العلمي، وكان ينام بعد صلاة الفجر إلى أن يتعالى النهار، وكان مشغوفا بجمع الكتب النادرة.
وله مصنّفات كثيرة بالأردو والعربية، منها: "إفادة الإفهام" في مجلّدين في الردّ على القادياني، و "كتاب العقل" في الفلسفة القديمة والجديدة، و"حقيقة الفقه" في مجلّدين في وجوه ترجيح الفقه، و "مناقب أبي حنيفة"، و"أنوار أحمدي في مولد النبي" ﵌، و "مقاصد الإسلام" في أحد عشر جزءا، كلّها في أردو، وله غير ذلك من المؤلّفات.
مات سلخ جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودفن في المدرسة النظامية التي أسّسها.
* * *
١٠٥٠ - الشيخ الفاضل أنوار الله بن محمد سليم المحمدي الجاتجامي، أحد العلماء الصالحين *.
стр. 1727
ولد، ونشأ بأرض "الهند"، وقرأ العلم بها على أساتذة عصره، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين للحجّ والزيارة، وكان متولّيا التدريس والخطابة في الجامع الكبير بـ "جاتجام".
وله "الشوارق المكّية لدفع الظلمات البدعية"، رسالة نفيسة له بالعربية، صنّفها بـ "مكّة المباركة".
* * *
١٠٥١ - الشيخ الفاضل أنوار الحسن الكاكوروي *.
ولد ٩ ذي القعدة بـ "كاكوري".
وأخوه الكبير كان عالما كبيرا.
وألّف "نور اللغات"، جمع فيه سائر اللغات والمحاورات والأمثال باللغة الأردية، في أربعة مجلّدات، وله يد طولى في استنباط المسائل، بايع في الطريقة على يد الشيخ حكيم الأمة أشرف على التهانوي، وأجازه الشيخ، رحمه الله تعالى.
توفي ١٣٧٤ هـ، وله تسعون سنة، دفن بـ "كاكوري" في مقبرة جدّه الأعلى الشيخ مخدوم، رحمه الله تعالى.
* * *
١٠٥٢ - الشيخ العام الفقيه المحدّث أنوار الحق الرامبوري ،
стр. 1728
أحد العلماء المشهورين *.
كان من نسل الشيخ عبد الحق بن سيف الدين، البخاري، الدهلوي.
له رسالة في إثبات رفع المسبّحة وقت التشهّد في الصلاة، صنّفها سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف.
* * *
١٠٥٣ - الشيخ الحافظ أنوار الحق * *.
ربما عنى به ابن السيّد منصب علي بن كريم بخش، الذي كان الأخ الأكبر لكلّ من الشيخ سراج الحق، المتوفى ١٣٠٢ هـ، والشيخ المنشئ السيّد فضل حق، المتوفى ١٣١٥ هـ.
* * *
١٠٥٤ - الإمام، حافظ العصر، الشيخ، أنور شاه الكشميري، ابن الشيخ معظّم شاه، ابن لشاه عبد الكبير بن الشاه عبد الخالق بن الشاه محمد أكبر بن الشماه محمد عارف بن الشاه حيدر
стр. 1729
بن الشاه علي بن الشيخ عبد الله بن الشيخ مسعود الكشميري *.
هو الحافظ الحجة، ومسند الوقت، المحدّث المفسّر، الفقيه الحنفي، الأصولي المكين، المتكلّم، النظّار، المؤرّخ الأديب، اللغوي، الشاعر، البحّاثة، النقّادة، المحقّق الموهوب.
جاء سلفه من "بغداد"، ونزلوا "ملتان"، ثم رحلوا منها إلى "لاهور"، ومنها إلى "كشمير"، فأصبحتْ لهم مستقرّا ومقاما.
ولد في ٢٧ من شوّال سنة ١٢٩٢، في قرية "ودوان" -بوزن لبنان- التابعة لمدينة "كشمير": جنة الدنيا وزهرة الدائم، ونشأ في بيت علم وصلاح، في رعاية دقيقة، وتربية عجيبة، وكان على درجة عالية جدّا من الفطنة والذكاء النادر، وكان والده عالما فاضلا في جملة من العلوم الشرعية، والعلوم الرياضية وبعض العلوم الآلية، فتعلّم منه ومن شيوخ بلاده، حتى فاق أقرانه نبوغا في زمن يسير، وكان وهو صغير في الطلب، يقرأ "مختصر القدوري" في الفقه، ويسأل المدرّس أسئلة تحتاج في الإجابة عنها إلى مراجعة "الهداية" وشروحها. ورأى بعض أعلام عصره تعليقاته على كتبه الدراسية، فتفرّس فيه أنه سيكون غزاليّ عصره ورازيّ دهره.
стр. 1730
فحصل علوم العربية والفقه والأصول والتفسير والحديث وغيرهما تحصيلَ فهم وإتقان، ولما يبلغ الثانية عشرة من العمر، وكان علم الفقه والفتوى في رحاب "كشمير" مما يتسابق في حلبة رهانه، فكان الشيخ الناشئ الموهوب يفتي الناس، وهو في الثانية عشرة من العمر، وتأتي فتاواه في سدادها عديلة لفتاوى كبار الشيوخ هناك.
ثم بدا له أن يأخذ بسنة السلف في الرحلة لطلب العلم وتحصيله، فرحل إلى مجامع العلم والتعليم، ليلقى العلماء، ويشام الناس، ويتعرّف إليهم، ويعرفهم باختلاف طبائعهم وعاداتهم وأفهامهم وأذواقهم، فتتّسع له الخبرة في العلم والخبرة في الحياة أيضا، فرحل من بلده "كشمير" إلى مهد العلماء الربّانيين والجامعة العظيمة الدينية أكبر جامعة إسلامية في "الهند": "دار العلوم الإسلامية" في بلدة "ديوبند"، وهي على مائة ميل من الجانب الغربي الشمالي لمدينة "دهلي" عاصمة "الهند".
وكانتْ هذه الجامعة "قرطبة الهند" وأزهرها العامر، تزخر بكبار العلماء في كلّ علم، في الحديث السمريف وعلومه، وفي التفسير وعلوم القرآن، والفقه والأصول، والتاريخ والأدب، والمنطق وعلوم العربية. وكان أكبر كبارها وشيخ شيوخها الشيخ محمود حسن الديوبندي، الملقّب بشيخ العالم، والمعروف بشيخ "الهند". وكان في الحديث الشريف مسند الوقت ورحلة الأقطار الهندية.
وكانتْ هذه الجامعة العظيمة شمسا ساطعة، أضاءتْ منها بقاع "الهند"، فأحيتْ السنّة النبوية دراسة في ساحاتها، وفي حياة العلاء وسلوكهم، وأزالتْ ظلمات البدع المتكاثفة بعد ما تراكمتْ في تلك البقاع عهودا طويلة، وجرَّدتْ مناهل العلم والشريعة من كلّ دخيل عليها، كما جرّدتْ سلوك
стр. 1731
السالكين من الرسوم المحدَثة في أهلها، من محافل السماع والمعازف، وغيرها من الاحتفالات المبتدعة فيهم بـ "الهند".
واستبدلتْ بتلك المبتدعات السنّة الصافية الزهراء، تعلّما وتعليما وسلوكا ونشرا، حتى غدتْ مَشَعّا علميا عظيما قويما، يخرج الأفواج تِلْوَ الأفواج من العلماء العاملين الواعين، الذين يجمعون إلى فضيلة العلم فضيلة العمل، مع التمسّك بالسنّة ونبذ البدعة.
وأدرك الشيخ في جامعة ديوبند رجالا، جمعوا إلى علومهم الناضجة وقدراتهم الدقيقة: رفق القول، وصدق اللهجة، وصالح السلوك والعمل، أصحاب هيئة ووقار، وأصحاب سنة وورع، وزهد وتقوي، فكستْه صحبتهم بكسائها، وأفاد منهم علما صحيحا، ورأيا صائبا، وشغفا باتباع السنّة وتحصيلها ونشرها، وبهاء في الملكات الفطرية، وجمالا في الأخلاق، والآداب.
وكان أكبر هؤلاء الأجلّة: الشيخ محمود حسن، شيخ الجامعة الديوبندية، وكان مرتويا من علوم القرآن والسنّة والفقه والأصول وغيرها من العلوم، مع مواهب فطرية عالية، فوجد الشيخ الكشميري عنده ضالّته التي ينشُدها، والعلوم التي يتطلّبها، والإمامة الفذَّة التي تُشْبِعُ نَهَمَه وتلاقي نبوغه، وتُغَذِّي طموحه وذكاءه، فملأ من معارفه ومداركه قلبه ولبّه، ونَهِلَ منها وعَبَّ، ولازم الشيخ ملازمة أكسبته الفضائل الفريدة، والعلوم الدقيقة فيما أخذ عنه.
وأخذ أيضا عن العلامة المحدّث الشيخ محمد إسحاق الكشميري ثم المدني، فاستكمل على هذين الشيخين الكبيرين، وغيرهما من شيوخ تلك الجامعة ما بقي من العلوم التي تدرّس هناك.
стр. 1732
وكان لهذين الشيخين الجليلين استئثار بروحه. ومشاعره، لما آتاهما الله من المعارف والنبوغ، فقرأ عليهما جملة حسنة من كبار كتب السنّة، فقرأ على الأول - كما قرأ عليه أيضا الجزئين الأخيرين من كتاب "الهداية"، وهو من أعظم كتب الفقه الحنفي، التي تعتني بالدليل والتعليل والمحاكمة بين المذاهب الفقهية.
وقرأ على الثاني -الشيخ إسحاق الكشميري- "صحيح مسلم"، و "سنن السنائي"، و "سنن ابن ماجه".
وفرغ من قراءة هذه الكتب وإتقانها على هؤلاء الجهابذة في سنة ١٣١٣، وقد جاوزتْ سنّه العشرين سنة، وغدا بعد تخرّجه على يد أولئك العلماء في "ديوبند": علّاما فاضلا مرموقا، نابغا في علوم الرواية والدراية، وهو ما يزال في مقتبل شبابه، فاستشرفتْ إليه العيون، وتعلّقت به القلوب، وتوجّهتْ إليه الأنظار.
جهوده في نشر العلم وإنشاء معاهده:
وبعد أن اكتملتْ معارفُه، ذهب إلى مدينة "دهلي"، فدرّس فيها في مدرسة عبد الرب عدّة شهور، وتفرّس فيه بعض الصلحاء من أصدقائه مخايل النجابة الباهرة، فأصرّ عليه أن ينهض بتأسيس مدرسة عربية في "دهلي"، فاستجاب لذلك، وأسّسَ فيها: "المدرسة العربية الأمينية" نسبة إلى صديقه محمد أمين، أسّسها بمساعدة أهل الخير والثروة، وكلّ مدارس "الهند" الإسلامية، وجامعاتها الدينية تقوم على إمداد أهل الإيمان واليَسَار من المسلمين، -جزاهم الله الخير-، وما تزال "المدرسة العربية الأمينية" قائمة إلى اليوم، والحمد لله.
стр. 1733
وشاع صِيتُ هذه المدرسة في أقطار "الهند"، وقصدت من كلّ جانب، وشرع الشيخ نفسه يدرّس فيها العلوم وأعاظم الكتب من الحديث والتفسير والبيان والمعقول وغيرها، وبقى على الإفادة والتدريس عدّة سنين، وتخرّج على يديه الأفواج الكثيرة من الطلبة الذين غدوا كبار العلماء في تلك الديار بعده.
ثم أغراه الحنينُ إلى مألفه وبلده "كشمير"، وكان قد اطمأنّ إلى بُسُوق "المدرسة الأمينية" واستكمال وجودها، فتوجّه إلى "كشمير"، وأسّس فيها مدرسة دينية علمية، سمّاها "الفيض العام"، فدرّس فيها، وأفتي، ونصح الأمة قلما ولسانا، وأزال كثيرا مما راج هناك من البدع والرسوم المحدَثة، فانقشعتْ بوجوده سحائب الجهل المتراكمة، وتلألأتْ آثار السنّة النبوية الشرفية.
وبعد ثلاث سنوات من قيامه بتلك المدرسة ونشر العلوم فيها، اشتاق إلى زيارة بيت الله الحرام، وإلى حرم رسول الله ﷺ ، فوفّقه الله إلى زيارتهما في سنة ١٣٢٣ هـ، ومكث في "مكّة المكرّمة" عدّة شهور، يطفئ ضرام وجده بالطواف والعبادة حول البيت المعظّم، ثم حثّه داعى الشوق إلى "المدينة الطيّبة"، فشدّ الرحل إلى روضة النبي الكريم ﷺ ، وبقى فيها برهة من الدهر، ولقى فيها أكابرَ علماء البلاد الإسلامية، وذاكرهم في مهمّات المسائل.
واغتنم فرصةَ قربِه من مكتبات "المدينة المنوّرة" الخطّية، وخاصّة مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة، والمكتبة المحمودية، فانكبّ على مطالعة نفائسهما من التفسير والحديث وغيرهما، حتى طفح صدرُه بعلوم تلك الأسفار الزاخرة، ثم عاد إلى وطنه يطوي في ضميره الرجوع إلى الحرمين والمجاورة في "المدينة المنوّرة"، حتى لقاء الله تعالى.
стр. 1734
وبعد عودته إلى "كشمير" مكث غير بعيد، ثم أخذ عصا التَّسْيار متوجّها إلى المجاورة في البلدة الطيبّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وقصد في طريقه زيارة شيخه محمود الحسن شيخ جامعة "ديوبند" ليودَّعه، وأنباه بما نوى من المجاورة، فأمره الشيخ بفسخ العزم، وأبرم عليه الإقامة في "ديوبند"، واستلم منه زاد سفره، وزوّد به آخر للحجّ والزيارة.
ولم يكن الشيخ الكشميري يفرِّط في امتثال أمر شيخه، فأقام في "ديوبند" في حدود سنة ١٣٢٥ هـ، وأمره الشيخ بتدريس "صحيح مسلم"، و "سنن النسائي"، و "سنن ابن ماجه"، وفنهض بها على خير وجه، وكانتْ فاتحة تدريسه في أكبر جامعة دينية في "الهند": دار العلوم الإسلامية، واستمرّ على ذلك إلى سنة ١٣٣٢ هـ.
ثم أراد شيخه السفر إلى الحجّ والزيارة في عام ١٣٣٣ هـ، فاستخلفه نائبا عنه في التدريس وصدارة المدرّسين، فأخذ يدرّس "صحيح البخاري"، و "سنن أبي داود"، و "جامع الترمذي"، وغيرها من أمّهات كتب الحديث، وكان من أمر الشيخ محمود الحسن أن أسرته الحكومة البريطانية الغاشمة، لزعامته العلمية والدينية في "الهند"، واحتجزته في جزيرة "مالطة"! فبقى الشيخ الكشميري قائما مقامه، في تدريس كتب الحديث: "صحيح البخاري"، و"جامع الترمذي"، وغيرهما.
وقضى في "ديوبند" ثلث عمره، وجرتْ من قلبه وفمه ينابيعُ الحكمة ومنابعُ العلم والمعرفة، حتى استفاد منها رجال من الأفاضل وأماثل العصر، وتضلّع مَنْ لا يحصى عددا من الأصاغر والأكابر، وتخرّج في تلك الحقبة أكثر من ألفي عالم، ممن قرأوا عليه أمّهات كتب الحديث، وكان الشيخ محطّا للرحال، وكان درسه جامعا للبدائع، تنحلّ فيه مشكلات سائر العلوم.
стр. 1735
نهوضه في وجه القاديانية:
وفي عهد إقامته في "ديوبند" سلّ صارمه الغضب، لقطع عروق الثلّة الباغية القاديانية، بلاغا وإرشادا ودرسا وتأليفا، واستحثّ من العلماء الطلبة وعامة الأمة الإسلامية: الهمم المتوانية والجهود المتقاعدة، إلى مقاومة هذه الفئة الضالّة المضلّة، وإلى قمع هذه الفتنة العَمْيَاء، حتى أيقظَ الرقود، ونبّه الغافلين، من أصحاب الجرائد والمجلّات على مكايد هذه الفرقة الكائدة للإسلام ودسائسها، فأثمر الله تعالى نهضته المباركة، وأقبر تلك الفتنة بسعيه وعلمه وقلمه ولسانه وتأليفه، فكان له في هذا المضمار مآثرُ جليلةٌ لا تنسى على تقادم الأزمان.
وألّف في نقض نحلة (القاديانية) وهدمها تآليف فريدة، منها: "إكفار الملحدين في ضروريات الدين"، و "عقيدة الإسلام بحياة عيسى ﵇"، و "تحية الإسلام بحياة عيسى ﵇"، و"خاتم النبيين"، بالفارسية، و "التصريح بما تواتر في نزول المسيح"، وهو أفضل كتاب اعتنى بجمع الأحاديث والآثار في دحض هذه النحلة لتلك الفرقة الضالّة، وهَتْك معتقدها.
وقد وفّقني الله تعالى إلى خدمة هذا الكتاب ونشره، مشروحا محقّقا مخدوما، بأبهى حلة وأجمل إخراج وطباعة. وهدى الله تعالى به أناسا كبارا من أهل العلم، كانوا لا يعتقدون نزولَ عيسى ﵊، فرجعوا إلى الجادة والصواب بقراءته، والحمد لله ربّ العالمين.
انتقاله من ديوبند إلى دابيل:
وفي سنة ١٣٤٦ هـ استقال من منصب درسه في "ديوبند"، فاكتنفتْه الدعوات والمخلصون من كلّ جهة للتدريس برواتب سامية، حتى بلغتْه الدعوة من نواب "داكا" في "بنغلاديش" الآن، بألف روبية مشاهرة، والألف روبية في
стр. 1736
ذلك العهد وتلك الديار مبلغ خيالي، فلم يقبلْ، حتى أصرّ عليه المشتاقون إلى فضائله وعلومه من أهل الخير والدثور، بأن يمتطي الرحيل إلى "كُجْرَات الهند".
وبعد إلحاج شديد أجاب الشيخ الدعوةَ لمصالح تفرَّسها، فرحل في آخر سنة ١٣٤٦ هـ، إلى قرية من نواحى "سورت"، تسمّى: "دابيل"، على بعد ١٥٠ ميل من مدينة "بمباي"، ونشأ بوجوده الميمون هناك معهد علمي كبير، يسمّى: (الجامعة الإسلامية)، وإدارة تأليف ونشر، تسمّى "المجلس العلمي".
ونشر المجلس المذكور في حياة الشيخ وبعده كتبا نفيسة في شتى المواضيع والعلوم، قاربت الأربعين كتابا، تلقَّفها العلماءُ من كلّ جانب، منها: "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي، و "إكفار الملحِدين في ضروريات الدين" للكشميري نفسه، وهو من خير الكتب الفقيهة في موضوعه، و"فيض الباري بشرح صحيح البخاري" له أيضا، و "زاد الفقير" في الفقه للكمال بن الهمام، و "مصنّف عبد الرزّاق"، وغيرها من الكتب النافعة.
تاريخ وفاته:
وبقي الشيخُ في الجامعة الإسلامية في "دابيل" خمسَ سنوات، يشتغلُ بالدرس والتأليف والوعظ والتذكير، فاستنارتْ هاتيك البقاعُ بنور علومه: علما وعملا وسنّة وحديثا وفقها وأصولا، فقَوَّمَ بوجوده الأوَدَ، وأصلح الله به أمة هناك، غيرَ أنه اجتوى المقام في "دابيل"، وما طاب له هواؤُها، فابتلي ببعض الأمراض، فعادَ إلى "ديوبند" رجاءَ أن يكون لتغيير المِنَاخ أثر في تحسُّن
стр. 1737
صحته، ولكن العلّة قد اشتدّتْ عليه، وتمكّن منه المرضُ، فتوفّاه الله في ليلة الاثنين ثالث صفر سنة ١٣٥٢ هـ، رحمه الله تعالى.
وقد خلف مآثر قائمة مذكورة، وآثارا في العلم ونشرِه صالحةً مبرورةً، بما أقامه من المعاهد الإسلامية الكبرى، وبالأجيال العالمة التي تخرجّتْ به من كبار الفقهاء والمحدّثين في بلاد "الهند" و"الباكستان"، فكانتْ حياته مصدرَ خير وتزكية وعلم وإصلاح للمسلمين في تلك الديار، وقد أورث تلامذتَه تلك الهمّةَ القَعْبَاءَ، فانتشروا في "الهند" و "باكستان"، يَنْشُرن العلم ويؤسّسون المعاهد الإسلامية على منواله، فما ترى عالما بارزا منهم إلا وهو مؤسّس مدرسة كبيرة، أو مدير جامعة مشهورة، تتخرّج بهم أفواج العلماء، وتَرْتَوِي من مَعينهم القلوبُ الظِّمَاء.
استبحاره المدهش في علوم الرواية والدراية، وحافظته المحيّره للألباب، وسرعة مطالعته، ودقّة نظره:
قال شيخنا مجمع الفضائل العلوم العلامة الشيخ أبو المحاسن محمد يوسف البنوري، ﵀ تعالي، في "نفحة العنبر من حياة إمام العصر الشيخ أنور" تحت هذا العنوان ما نصّه باختصار يسير: كان الشيخ الكشميري، ﵀، آية من آيات اللّه العظام، ونادرة من نوادر العصر، إماما في الحقائق والمعارف، لا يساهم، ولا يزاحم، وقدوة لأماثل العصر الحاضر في حلّ الدقائق ومشكلات العلوم وغوامض الأحوال العلمية والعرفانية، بحيث لا يُناضَل، ولا يُنازَع.
كان إماما حجّة في علوم القرآن وعلوم الحديث، مُتْقِنا في كشف مَغْزاها ومَرْماها، وكان مرجعا للأمة الإسلامية في إيضاح معناها ومبناها، كان حافظا موعيا لمذاهب علماء الأمّة المحمدية، مع التغلغل في تخريجها وتنقيحها،
стр. 1738
واعيا لأقوالهم المختلفة الشتيتة، قادرا على اختيار بعضها من بعض ترجيحا، أحاط بالعلوم العقلية والفنون الحكمية الحديثية والقديمة، بالرأي الثاقب والحكم النافذ، كان نقيب العلوم العربية والفنون الأدبية، غائصا في بحارها وغمارها …
جمع الله له من شَمْل الفضائل والفواضل ما تكلّ الألسنة عن تفصيلها، وتَتَلَعْثَم عن بيانها، ويتكفكف سَنَا المِزْبَر عن تسطير جميعها. فآثره الله بالقريحة الوقَّادة، ما خلت القرون عن أمثالها، وأردفه بقوة الحافظة ما بلغ غايةً ليس دونها غاية، حتى علمنا علمَ يقين صحةَ ما أثِرَ لنا من قوّة الحافظة للمحدّثين وسائر السلَف الصالح في العهد الغابر في كتب الطبقات والرجال والتاريخ، بل كأنّا رأيناهم رأيَ العين، فلم تبق لنا ريبة ولا خطرة من الوهم، فقد أبدى الصريحُ لنا عن الرَّغْوَة.
بلغني عن الشيخ الفقيه المحدّث مولانا حسين أحمد المهاجر المدني أنه قال: سمعتُ حضرة الشيخ الكشميري ﵀ أنه قال: إذا طالعتُ كتابا مرتجلا، ولم أرد ادّخار مباحثه، يبقى في حفظي إلى نحو خمس عشرة سنة.
ثم مع هذه الحافظة وفّق لغزارة المطالعة وسرعتها، بحيث تتحيّر منه العقول، حتى تُطْوَى من بين يديه ذخائرُ من المكنونات العلمية كلّ يوم، حتى سمعت من بعض خواص معارفه: أنه أول ما كان يطالع "مسند أحمد" المطبوع بـ "مصر"، كان يطالع كلّ يوم نحو مائتي صفحة منه، مع غور وإمعان في أسانيده وحلّ مشكلاته.
وسمعتُ من حضرة الشيخ قوله ﵀: إني طالعتُ أولا "مسند أحمد"، فلخّصت منه أدلّة الحنفية والأحاديث المفيدة لهم في عدّة أيام، ولكن مع هذه السرعة كان ينقل أحاديثَه أينما احتاج له في المشكلات
стр. 1739
والمعضلات مع ضبط تام لأحوال رواتها وطبقاتها. ثم طالع "مسند أحمد" مرّة ثانية في أواخر عمره لالتقاط أحاديث نزول سيّدنا عيسى على نبينا وعليه السلام.
ثم مكّنه الله من حسن الإلقاء على الطلبة، والإملاء على الأشهاد، بجَزَالة التعبير ونَفَاسة التحبير.
وهاك أمثلة يسيرة من سرعة مطالعته، ودقّة نظره، واستبحاره في سائر العلوم النقلية والعقلية:
١ - طالع في سنة ١٣٢١ من الهجرة كتاب "فتح القدير" للشيخ المحقّق العارف كمال الدين ابن الهمام، ﵀ مع "التكملة" في بضع وعشرين يوما، وكتب تلخيصه إلى كتاب الحجّ، وأجاب عن إيراداته التي أوردها على صاحب "الهداية"، وناقشَ فيها في جزء لطيف. كلّ ذلك في تلك البرهة القصيرة، ثم استغنى عن المراجعة لنقل مباحثه في جميع المسائل مدّة عمره، وكان ﵀ حكى لنا هذه الواقعة في سنة ١٣٤٧ الهجرية تحديثا بنعمة ربّه، وحثًا لأشواق الطلبة ولَوَاعِجهم إلى مطالعة الكتب ومقاساة الشدائد فيها. ولفظه بالهندية:
جهبيس سال هوئي بهر مراجعت كي ضرورت
نهين بري، أور جو مضمون اسكا بيان كرون كا أكر
مراجعت كرون كا تفاوت كم باوكي". انتهى.
هكذا سمعتْه أذناي ووعاه قلبي، هذا، وأنت تعلم أن كتاب "فتح القدير" من أصعب كتب الفقه وأدقّها، يغوص مؤلّفه المحقّق ﵀ في مسائل أصل الفقه والجدل والخلاف ومباحث الكلام وغيرها، من نفائس العلوم، بتخريج وتنقيح، كتاب لا نظيرَ له في مزاياه وخصائصه، فَادْرِه الآن
стр. 1740
تَذُقْه، فإن من لم يذقْ لم يدْرِ، وكان الشيخ ﵀ يقول: إنه ليس أصوليا نظّارا في علماء المذاهب الأربعة مثل المحقّق ابن الهمام، وكتابه "التحرير" في أصول الفقه من أصعب كتب الأصول.
٢ - اختلف علماء "كشمير" في جواب مسألة، وأفتوا بعضهم خلاف بعض، وكان من حسن الاتفاق أن وَرَدَ الشيخُ ﵀ بـ "كشمير" فحضر الفريقان منهم لزيارته، ثم الفصل في تلك المعضَلة التي تَشَتَّتَتْ فيها آراؤهم، وعرض كلا الفريقين فتاواهما مكتوبة في حضرته، فأمرني الشيخ ﵀ بتحرير الجواب بعد ما فصَّل لي الأمرَ، ونقَّح، ووضَّح.
وكان فريق منهم استدلّوا لفتواهم بعبارة كانوا يأثرونها عن "الفتاوى العمادية" المخطوطة، فقال لي الشيخ ﵀: واكتب فيه: إني قد طالعتُ "الفتاوى العمادية" بنسخة مخطوطة صحيحة في مكتبة دار العلوم الديوبندية، فليس فيها هذه العبارة قط، فكتب ذلك، فتحيّر الناظرون، وبُهِتَ المستدلّون بها.
وأمثال هذه الواقعة أكثر من أن يحصر ويستقصي، ولو أردنا استيعابها لأعيانا الالتزام وسَئِمَ الناظرون، وإنما أردنا رَشْحَة بن رشحاته، ونموذجا من بدائع خصائصه. ولله درّ العالم العامل الورع الزاهد الشيخ المحدّث مولانا محمد إدريس الكاندهلوي شارح "المشكاة"، حيث قال في وصف حافظته، وأجاد:
وقد صحّ عند الناس آثار حفظه … وقد حسَّنوها جُلُّ أهل التفض.
ولكن أرى فيه الغَرَابة واضحا … أقول كقول الترمذي المحلَّل.
حديث غريب ما عرفناه أسنَدَا … سوى وجه شاه الأنور المتهلَّل.
وفي الباب عمن لا يُعدُّ ويُحصَر … ولا خُلْفَ فيه للمقّ ومبطل.
стр. 1741
٣ - سمعت من حضرة الأستاذ محقّق العصر الحاضر المفسّر الحاذق والمحدّث البارع مولانا ومقتدانا الشيخ شبير أحمد العثماني -طال بقاؤه، شيخ الحديث اليوم بـ "الجامعة الإسلامية"، صاحب "فتح الملهم شرح مسلم" وغيره- أنه قال: قد اعتاصَ عليّ حلّ فتنة سيّدنا داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام عند تحرير "فوائد التنزيل العزيز".
فتصفّحتُ أسفارَ القوم من جميع مظانّها، وأجَلْتُ قدَاح النظر في أنْجَادها وأغْوارها، واستنفدتُ جهدي في الاستقراء البالغ، حتى بقيتُ في حلّ هذه العقدة العويصة نحو خمسة عشر يوما، فما صادفت ما يشفى صدري، ويَقْنَع غُلّتي بما يناسب جلالة شأن الأنبياء ﵈، وعصمتهم ووجاهتهم، وما يلائم نظمَ التنزيل المعجِز وسياقه البليغ، حتى عييتُ بها، فراجعتُ حضرة الشيخ الأنور ﵀ وكان مريضا ذا فراش، وكشفتُ له عن الحال والداء العضال، فقال ﵀ مرتجِلا مقتضِبا:
أخرج أبو عبد الله الحكم في "مستدرَكه" أثرا لابن عبّاس رضى الله عنه، وهو يفيد في انحلال هذه العُقْدة، فراجِعْه لعلّه يشفى صدرَك، وهو أحسن ما روي في هذا الباب، وأقرب إلى سياق التنزيل.
قال شيخنا المحقّق: فراجعتُه وتأمّلتُه، فسقى غُلَّتي وشفى عِلَّتي وانحلّتْ به عقدتي، وجعلتُ في "فوائد التنزيل" عليه مدارَ حلّ العُقْدة، وقرَرْتُه وفَصَلْتُه، ثم أرَيْتُ ٠ هـ الشيخَ ﵀، ففرح، واستبشر، واستحسن تطبيقي له بنظم التنزيل العزيز.
هذا، وكم حلّ من مثل هذه العُقَد المعضَلة التي أشكل انحلالُها على الأفاضل والأذكياء من المدرّسين والمؤلّفين، بل على شيوخه وأكابره، فله منّة
стр. 1742
عظيمة على رقابهم، وكم هكذا أصاب المِحَزَّ، وطَبَّقَ المِفْصِلَ، فكفى وشفي، ورَوَى وأرْوَي، ولله درّ صديقنا الفاضل مولانا محمد يوسف الكاملفوري، حيث قال في حقِّه:
كم هكذا صردت خوارق عادة … عنه وجاحدها من العُمْيَان.
فهذا أكبر مؤلّف -في العالم في العصر الحاضر، تربو مصنّفاتُه على مِئِين، حتى فاقَ في كثرة التصانيف على الشيخ جلال الدين السيوطي- حكيم الأمة الشيخ الفقيه العابد الزاهد مولانا الشاه محمد أشرف على التهانوي طالَ بقاؤُه، كان يسأله عن أمور في غوامض المسائل ومشكلات الفتاوي، وسنشير إلى شيء منها.
وهذا الشيخ الفقيه الحبر المحدّث خليل أحمد السهارنفوري ثم المدني، ﵀، صاحب "بذل المجهود شرح سنن أبي داود"، كان يسأله فيما يُشْكِلُ عليه في تأليفه شَرْحَه هذا من باب الرواية والدراية.
وهذا شيخه المحقّق العارف مولانا محمود الحسن الديوبندي، قدّس سرّه، المعروف بـ "شيخ الهند" كان ربما يقول له: هل لأحد في ذلك قول؟ وهل عثرتَ لأحد على حلّ هذه المشكلة؟ اعترافا بسعة علمه وغزارة مطالعته وتبحّره واطلاعه الواسع.
وهذا الشيخ مولانا محمد ظهير حسن النِّيْمَوي ﵀، المحدّث الشهير، صاحب "آثار السنن" كان يستفيد من الشيخ ﵀ بالتراسل والتكاتب في غوامض الحديث، وكان يستعين به في تأليف كتابه "آثار السنن"، وكان يعرض عليه ما يؤلّفه قطعةً قطعةً، هكذا سمعتُ عن حضرة الشيخ ﵀. وقال في كتابه "نيل الفرقدين".
وقد كان الشيخ النِّيْمَوي المرحوم حين تأليفه ذلك الكتابَ يرسلُ إليّ قطعةً، حتى إني كنت مرافقا فيه، وزدتُ عليه أشياء كثيرة بعده.
стр. 1743
فناهيك بأمثال هؤلاء أعلام العصر عهودا عدولا قولا وعملا، وكثيرا ما رأينا في جملة من أسفاره في "بلاد الفَنْجاب" أنه كان يجتمع لزيارته طوائف من المشايخ، والعلماء المدرّسون المكِبُّون على مطالعة الفنون ليلا ونهارا، ويسألونه حلّ ما أشكل عليهم في أيّ كتاب من أيّ علم كان.
فرجل يسأل في الفقه، ورجل في الحديث، وعالم في معضَلات النحو، وأخر في دقائق العلم الإلهية والطبيعية، وغيره في العلوم الآلية، وواحد في التاريخ بل في مهمّاته ومشكلاته، وآخر في سير المصنّفين وعاداتهم، هكذا واحد بعد واحد، فتارة يخاطب هذا وتارة يجاوب هذا، وتارة ذلك، ومرّة ذاك، فيشتفي، ويَشْفي، حتى ترى أنه بحر يموج، أو مُزنة تَهْمِي، أو واد يسيل، إذا شرع في الحديث خِلْتَ أنه لا يُحسِن غيرَه، وإذا شرع في استطراد غوامض الفقه ظننتَ أنه لا يعلم غيرَه، وإذا شرع في البلاغة ودقائقها حسبتَ أن الشيخ عبد القاهر ﵀ عادَ منشورا.
هكذا كان حاله في دقائق العلوم ومعارفها، فما ظنّك بقواعدها العامّة ومسائلها المشهورة، وذكَّرني حاله هذا ما ذكر الحافظ ابن القيّم في "هداية الحَيَاري" في حقّ حبر الأمة عبد الله بن عبّاس، حيث قال: قال عطاء بن أبي رَبَاح: ما رأيتُ مجلسا قطّ أكرم من مجلس ابن عبّاس، أكثر فقها وأعظم جفنة، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر، يُصدِرهم كلّهم في واد واسع …
وقال: وقال الأعمش: كان ابن عبّاس إذا رأيتَه قلتَ: أجمل الناس، فإذا تكلّم قلتَ: أفصح الناس، فإذا حدّثَ قلتَ: أعلم الناس. وقال الحافظ ابن القيّم نفسه في حقّ هذا الحبر: وكان بحرا لا ينزِف، لو نزل به أهل الأرض لأوسعهم علما، وكان إذا أخذ في الحلال والحرام والفرائض يقول القائل: لا
стр. 1744
يحسن سواه، فإذا أخذ في تفسير القرآن ومعانيه يقول السامع: لا يحسن سواه، فإذا أخذ في السنّة والرواية عن النبي ﷺ يقول القائل: لا يحسن سواه، فإذا أخذ في القصص وأخبار الأمم وسير الماضين فكذلك، فإذا أخذ في أنساب العرب وقبائلها وأصولها وفروعها فكذلك، فإذا أخذ في الشعر والغريب فكذلك. انتهى كلامه.
ولعمري ما وجدتُ أحسنَ ولا أوضحَ مثالا بالشيخ ﵀ ومآثره وخصائصه من هذه العبارة الجامعة لهذا الحافظ في حقّ حبر الأمّة، فلا ريبَ أن شيخنا ﵀ كان حبرَ الأمّة وبحرها، فكان عالما بمنابت القَصِيْص، جمع الله له شَمْل الفضائل والفواضل، ولقد صدق القائل:
ليسَ على الله بمستنكَر … أن يجمع العالم في واحد.
نعم! لو لم تكنْ هذه النظائر بين أعيننا لما تيقنّا ما أسلفَ لنا علماوُنا الغابرون في حقّ السلف، والآن بحمد الله كشف الغطاء عن أبصارنا، فبصرُنا اليوم حديد، نرى صدقَ جميع ذلك، وثلجتْ بها صدورنا، ويُلَمُّ بها شعَثُنا، فيا له من أمة هذه الأعلامُ والأحبارُ في آخرها!! فماذا يكون الظنّ بأولها؟!
وهذا معنى قوله ﷺ : "مثل أمتي كالمطر، لا يدرَى أولُه خير أم آخرُه"، رواه الترمذي عن أنس ﵁، أو كما قال، فنظر ﷺ إلى مآثر هذه الأمْة وفضائلها في آخرها، فاستكثرها، فأعجبتْه فتناسى فضائلَ أولها، كيف لا يكون فضل باهر وشرف زاهر لعهد النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم": "فالسابقون السابقون، أولئك المقرّبون". فسبحان مَنْ أقامَ في الأمّة لخدمة كتابه ودينه
стр. 1745
والذبّ عن حريمه وحماه رجالا في بدء هذه الأمّة المختارة ونهايتها، ظاهرين على الحقّ ينشرُون العلم، ويخدمون الإسلام، ويصلحون ما أفسدَه الناس حتى يأتي أمر الله.
هذا، وكانتْ قد انعقدتْ حفلة تأبينٍ عظيمة بالجامعة الإسلامية بعد وفاة الشيخ ﵀، تعزية ورثاء، وقد ألفى شيخنا محقّق العصر مولانا العثماني -طالتْ حياته- فيها خطبة باللغة الأردية، مؤثّرة بليغة ناجعة، فبكي، وأبكي، حتى ذرفت العيون، ووجلت القلوب، وقد قيل: عين عَرَفَتْ فذَرَفَتْ.
أريد أن أهدي للناظرين طرَفَها وأزُفُّ إليهم عرائسَ أبكار الكلمات، التي التقطتُها من تلك المقالة الناجعة، فإنها كلمة كشفتْ عن وجوه مخدّرات مآثر الشيخ لثامَ الشكّ والارتياب، بحيث يرتاحُ لها أولو البصائر والألباب، فدونك كلمةً جامعةً ملخّصةً مترجمةً إلى العربية ترفُل في أذيالها، وتبدو للمشتاقين بحسنها وجمالها. قال طال بقاؤُه:
أيّها السادة! قد أرخيَتْ اليومَ على العلم والفضل سدولُ الظلام، إذ قد نزلتْ داهية عظيمة أصبحتْ أربابْ الفضل والعلم قاطبة بها يتامي، ما أريد أن الطلبة وأصحاب التحصيل أصبحوا يتامي، بل العلماء والشيوخ وأساتذة الطلبة أضحوا يتامي، فقدوا من يقوم بحلّ مشكلاتهم.
بلية قد غشيت العالم الإسلاميّ بأسره، لم يبق لنا اليوم مَنْ يحلّ لنا مشكلات القرآن، ووغوامض الحديث، فإلى مَنْ يرجع في المعضَلَات، وممن نَسْتطبُّ سَقَامنا، قد تزلزل اليوم أساسُ العلم، وانهدَّ عمود الملّة الإسلامية، فهذه ثَلْمَة، لا يرجَى سدادُها.
ربّ مسائل معضَلة قد أعوزَني دواؤها، فاستقريتُ لها أسفارَ القدماء، وتصحفّتُ بها زبرَ كبار المحقّقين، فلم أفزْ بما يشفي غليل
стр. 1746
صدري، فراجعتُ حضرة الشيخ الأنور -أنار الله مرقدَه- فشفى صدري بكلمات مختصرة جامعة منقّحة، تطمئنُّ بها النفوس، وتقرّ به الأعين، وتسكن إليه القلوب، أو أرشدني إلى زبر وأسفار يكون هناك المحيص عنها، فيكون الأمر كما يقول.
وهكذا كلّما كان يسأل عن دقائق المسائل مما بلغ الغاية دقّتها، ومما تعسّر على الأذكياء المتبحّرين انفصامها، يجيب عنها ارتجالا من غير رَوِيَّة وإمعان نظر، كأن قد حلّ جميع هذه المشكلات من زمان مديد، وفرغ عنها مطمئنّ القلب، فقد رزقه الله علما وسيعا، أحاط بسائر مشكلات العلوم من جميع جهاتها.
اشتهرَ في الناس أنه كان في قوّة حافظته، ومواظبته المطالعة ليلا ونهارا، وتبحّره في العلوم، فقيد المثل وحيدا، ولكن الذي هو أكبر مزاياه عندى أنه كان خبيرا مطلعا على أرواح العلوم وحقائقها، وهذه هي غاية معارج العلم ونهاية مدارجه.
لو سألني أحد: هل رأيتَ الحافظ ابن حجر العسقلاني؟ وهل لاقيتَ الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد؟ أو سلطان العلماء عزّ الدين بن عبد السلام ﵀؟ فلو أجبته بقولي: نعم، لكنتُ صادقا تشبيها واستعارة، ولا غروَ، فإنه كان متصفا بتلك المزايا التي امتازوا اليوم بها في الأمة، ولو سمحت الأيام بوجوده في تلك القرون المباركة لعدّ في طبقتهم، ولكان مثلهم اليوم في الأمّة الحاضرة، فأحسُّ أن اليوم قد توفي الحافظ ابن حجر، والحافظ ابن دقيق العيد، وسلطان العلماء، وحُرِمْنا من استفادة علومهم وبركاتهم اليوم.
ثم فوق ذلك ما جمع الله فيه من الورع، والزهد، والتواضع، وحسن الخلق، شمائل كريمة، قلّما تجتمع في عالم، وإن اتّصف بها أحد واجتمعتْ
стр. 1747
فيه هذه الملكات والشمائل الحسنة فمن أين لنا وجه كوجه الشيخ الأنور؟ حيث تنبعث أشعّته، ويتهلّل جبينه، وتقرّ العيون بمرآه، وتنشرح الصدور بزَوْرَة مُحَيَّاه، كثيرا ما رأينا في الأسفار أن الناظرين في الحفلات والمواعظ والمناظرات كما كانوا يتحيّرون من تلاطم علومه وسعة معلوماته، كذلك يندهشون من حسنه البارع، وجماله المعجب، بل الكفرة والمشركون كانوا يتأثّرون من نظرة إلى مُحَيَّاه، ولقد صدق القائل:
ليس على الله بمستنكَر … أن يجمع العالَمَ في واحد.
كان في بدء عمره لا يتوجّه كثيرا إلى حقائق التصوّف، ولكن غلبَ عليه في آخر العمر الانهماك والاستغراق في بيان الحقائق والمعارف، حتى قد يصدَع بحقائق عالية ومعارف مضنونة تُحَيِّرُ البصائرَ وألبابَ الفحول.
ثم فوق جميع ذلك مصابرته على الشدائد، ومكابدته في المصائب، وقد جرّبنا ذلك في فتنة اختلافات "دار العلوم الديوبندية"، فتحيّرنا لضبط نفسه وشدّة صبره واستقامته واستقلاله، فاعتقدنا كمالاته بعد المسابَرَة والتجارب أزيد مما كنا نعتقدها من قبل. وقد صدق القائل:
الصدر من يلقى الحطوبَ بصدره + وبصَبْره وبحمده وبشكره.
انتهتْ كلمة الشيخ العلامة الحبر العثماني دامتْ بركاته ملخّصة. وقد استوعبتْ فنصعتْ، وجمعتْ فأوعبتْ، وكشفت الحجب فصَدَعَتْ، ولا تلحَقُكَ غفلة من أنّ هذه المقالةَ ليستْ من أحد تلامذة الشيخ ﵀، ولا من مسترشديه وأصحابه، بل هذه مقالة مَنْ بلغ الغاية القصوى في كمالاته وفضائله، ومن هو مُسَاهِمُه في شيخ، ومعاصره في عمر، شجرتان من روض واحد، سقيتا بماء واحد، فلله درّه ثم لله درّه، كيف صَدعَ بالحقّ وكَشَفَ بالصدق، جزاه الله عني أولا، ثم عن سائر المسلمين خيرَ ما يجازي به عبادَه المحسنين.
стр. 1748
وقال شيخنا البنوري في "نفحة العنبر" أيضا:
الشيخ ودأبه في المطالعة:
لم يكن دأبه في المطالعة كأكثر علماء هذا العصر من أن يطالعوا الكتب عند الافتقار إليها في الفتوى أو التأليف أو التدريس، فيراجعون فيما يحتاجون إليها من ذلك الموضوع خاصة، أو يتفقدّون ما أرادوه من مظانّه، بل كان دأبه في المطالعة أنه كلّما تيسّر له كتاب، مخطوطا كان أو مطبوعا، سقيما كان أو سليما، في موضوع علميّ، أيّ موضوع كان، من أيّ مصنّف كان، فيأخذه ويطالعه من أوله إلى الآخر بتمامه، من غير أن يُبقي شيئا أو يَذَر، نعم، كان جُلُّ جُهْده ومسعاه في أن يطالع كتبَ المتقدّمين، ثم كتب أكابر المحققّين من القرون الوسطى. رحمه الله تعالى.
وقال أيضا: ومن العجائب -والعجائب جَمَّة- أن الشيخ ﵀ لم يكنْ من دأبه المطالعة بالليل لما يدرسه بالنهار، كما هو دأب عامّة المدرّسين، فلم يكنْ يطالع لشيء مما كان يلقيه في الدروس، حتى سمعتُ منه أني ما طالعتُ الكتاب الذي يقرأ على في عمري قطّ، فقوّة الحافظة كانتْ أغنتْه عن ذلك، فكفاه ما طالع في بدء عمره، وأغناه الصباح عن المصباح، لا أنه كان يلحقه الوَنَى أو الكَسَل أو الملال في المطالعة، بل جميع أوقاته كانتْ عامرةً بمطالعة الأسفار، وزبر المحقّقين.
نعم! قد كان يزوِّر في نفسه هُنَية لئلا ينتشر الكلامُ، ولئلا يتّسع مجال البحث كثيرا، وليكون ما يلقيه منضبطا محدودا، حتى يستطيع المستمعون والمستفيدون أن ينهضوا بأعبائها، ولولا ذلك لأعجزَ القوم عن التلقّي، فإنه كيف يسدّ البحر الزخّار، وكيف يوكأ على العيون الثرثارة.
стр. 1749
الشيخ أنور والفقه، ونبذة من خصائصه فيه:
طالَعَ من الفقه وما يتعلّق به تصانيف الإمام محمد بن الحسن الشيباني من كتب ظواهر الرواية، و"الموطأ"، و "كتاب الآثار"، و"كتاب الحجة" له، بضبط وإتقان وغاية فكر وإمعان، ثم شرح الإمام شمس الأئمة السرخسي: "المبسوط"، وهو شرح لكتب ظاهر الرواية، التي جمعَها الحاكم الصدر الشهيد في كتابه "الكافي".
وطالَعَ "شرح السير الكبير" له -للسرخسي- ثم ما تيسّر له من تصانيف الإمام الطحاوي من "شرح معاني الآثار"، و "مشكل الآثار"، و"المختصر" له في الفقه، وقد قال فيما أحفظ والله أعلم: إني طالعتُ "مختصر الطحاوي" نحو عشرين مرّة، ومع ذلك لم يشتف صدري في مواضع كثيرة، فهكذا طالَعَ من كتب الفقه هذه الكتب المطبوعة بـ "مصر" و"الهند" المتداولة بين أيدينا اليوم، ثم من الكتب الخطّية ما تيسّر له، حتى سمعتُ عنه نفسه ﵀: أفتيتُ بـ "كشمير" للمفتين والعلماء في الفتاوى المشكلة، وفي التي تكون آراؤهم فيها مختلفة ثلاث سنين كاملة، ولم أفتقرْ لمراجعة كتاب في تلك البرهة.
ثم لم يكتف في الفقه بمطالعة الفقه الحنفي، بل طالَعَ من كبار كتب الفقه المالكي والشافعي والحنبلي ما يقضى العجب، ويورث الحيرة، وكانتْ أكثرها غير مطبوعة عند ذلك، فهذا كتاب "بدائع الصنائع" لأبي بكر الكاساني، و "البحر الرائق" لابن نُجيم و"النهر الفائق" لأخيه، و"رد المحتار" للشامي، و "كتاب الأم" للإمام الشافعي، وغيرها من مبسوطات الفقه كلّها كانتْ بمرأى عينيه، طالعها وأمثالها سطرا سطرا حرفا حرفا، وكان يثني كثيرا على كتاب "الأم" وعلى ذكاوة أي ذكاء الإمام الشافعي، حتى قد يقول:
стр. 1750
إني كلّما أطالع كتاب "الأم" يقع في قلبي أن الإمام الشافعي ﵀ من أذكياء الأمّة.
وكان يقول: أقدر على تلخيص كتبهم أيّ كتاب كان، إلا كتاب "الأم"، وكان يثني على "البدائع" كثيرا، فكان يقول: إن مؤلّفات العراقيين من الفقهاء الحنفية أثبت وأتقن من تصانيف الخراسانيين، ولكن "البدائع" مع أن مؤلّفه ملك العلماء أبا بكر الكاساني من الخراسانيين، ولكنه في التثبّت والإتقان مثل مؤلّفات العراقيين، بل فاق حسنا على سائر كتب فقهائنا الحنفية ﵏، كتاب بديع إن طالعه عالم بالغور والإمعان لصار فقيه النفس، وهو أنفع للمدرّسين والمؤلّفين منه للمتفين.
وكان يقول: لا يجوز لأحد أن يفتي ما لم يطالع "البحر" أو "رد المحتار" بأسره أو كتابا مبسوطا آخر من مبسوطات الفقه الحنفي، نعم صدق من قال: لا تقَعَنَّ البحرَ إلا سابحا.
وكان ﵀ يقول: إذا ثبت في أمر قول أبي حنيفة ﵀ فلا أرجع إلى قول الصاحبين، وإذا لم يرو عن الإمام شئ فما وجدتُه مرويا عن الإمام أبي يوسف آخذه ولا أنتطر قول الإمام محمد، وإذا لم يثبتْ شئ عن أبي يوسف فأعملُ على قول محمد ولا ألتفت حينئذ إلى أقوال باقي المشايخ الحنفية، وإن لم أجدْ عنه قولا فإن كان عن الإمام الطحاوي قول فأتمسّك به. وإذا اختلف العراقيون ومشايخ "ما وراء النهر" فأختار ما ذهب إليه العراقيّون، ولا ألتفتُ إلى تصحيح المشايخ وترجيحهم عند الاختلاف، إذ ربما يختلف التصحيح، بل العبرة عندي إذن لقوّة الدليل.
وكان يقول ﵀: لا أقلّد أحدا من الأئمة في سائر الفنون النقلية والعقلية إلا الفقه، فإني أقلّد فيه الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى، فلي رأيّ
стр. 1751
مستقلّ في كلّ علم إلا الفقه. وكثيرا ما إذ أغوص في تخريج أقوال الأئمة المجتهدين، فقد يقصُر خَبَيِي عن إدراك مدارك الاجتهاد، وأتحيّر لدقّة مداركهم وبعد كنهها.
قال الراقم -شيخنا البنوري- تبصَّيرْ واعتبرْ بهذا القول من هذا الشيخ الذي كان حبر الأمّة في عصره، لو رأيته حين كان يخوض في غمار الفقه ويغوص في بحاره، وطفق يبيّن تخريج أقوال الأئمة ومنشأ اختلافاتهم، وترجيح بعضها على بعض: لرأيت سيلا يَهْمِي أو بحرا يموج. وتمثل لديك قول المتنبّي:
ووجه البرح يُعرَف من بعيد … إذا يسجُو فكيف إذا يموج.
ولقلتَ: كأنّ روح فقيه الأمّة إمامَ الدين والدنيا نعمانَ الكوفي تُدَنْدِنُ -أن تردّد- في حلقوم الشيخ الأنور، ولكن مع هذا الفضل الباهر الذي كان يُدهش العقول ويحيّر الفحول يعترف بهذا، فما ذلك إلا لغور كنه مدارك الفقه، ووُعُور مسالكه وصعوبة مراحله. وهذا دليل بيّن وبرهان ساطع على وصول هذا الفقيه الحبر إلى أقصى مدارك العلم ومعارج الديانة ومدارج الإنصاف.
فدع السفهاءَ والجَهَلَة الذين زعموا أن الاجتهاد أمر سهل هيّن ليّن، يقدر عليه كلّ مَنْ أحاط بكتاب "بداية المجتهد" لابن رشد الفقيه المالكي، أو الحَمْقَى الذين يزعمون أن كلّ أحد يقدر على الاجتهاد بالعبور على "القرآن" وظواهر الأخبار، فيحرم عليه تقليد مذهب أحد من أعيان الأمّة! فيُطنطِنون هؤلاء في كتاباتهم ومؤلّفاتهم طَنينَ الذباب، ويرمون العلماء الربّانيين بعُوَائهم كالذئاب. ومنشأ كلّ ذلك الجهل بمعرفة مراتب السلف، والقصور عن فهم مداركهم، وفوق كلّ ذلك الحَمَق والسَّفَه البيّن العُوَار. وهذا داء أعيا الأطباءَ دواءُه.
стр. 1752
فيقال لهذا الذي يُقعقع بالشِّنَان ويُجعجع من غير طحين: هلا ادّعى ابن رشد الفقيه الاجتهادَ بسبب هذا الكتاب؟ ولم لم يُعَدَّ في زمرة المجتهدين؟ ولِمَ يعزو نفسَه إلى المذهب المالكي؟ وكيف يقلّد في الفروع؟ وهل يسوغ التقليد لمن بلغَ رتبةَ الاجتهاد؟.
نعم هو رجل فقيه النفس بعيدُ الغور، له مزايا جليلة هو فريد فيها، وقد أحسن إلى الأمّة الإسلامية بإبراز هذا العقل النفيس، غاص في منشأ اختلافات الأئمة، ونبّه على أنه كيف تشعَّبت الآراء، وتطرّقت الاحتمالات، وتنوّعت الأدلة، فعرفها، وفهمها، لا أنه صار مجتهدا مطلقا في المذهب بهذا القدر، فإنه لا يكفي هذا القدر فقط، ولا يشفي، نعم وليس القوادم كالخوافي.
فإذا لم يكنْ هو نفسه مجتهدا فما ظنّك بمن يستفيد منه، حتى يبلغ به قُلّة الاجتهاد الشامخة التي تبقى العين دونها حَسْرى، وما تنفع الشعفة في الوادي الرغيب، فليستقم المرء وليتزوّد التقوى، ولا يتّبع الهوى، فإنه قد أضلّ وأردى، وليعرف لكلّ شئ قدره، وليُعْطِ كلّ ذي حقّ حقّه.
على أنه لخّص كتابه هذا من كتاب "الاستذكار" لحافظ المغرب ابن عبد البر، فالفضل أصله يرجع إلى أصله، وإن كان هو موفَّقا في التلخيص والإجادة، وهو -ابن عبد البر- إمام وفضله أكثر، ولم يُعَدَّ هو في المجتهدين، بل عُدَّ من كبار المالكية وحفّاظ المحدّثين، وكفى به مزية وفضلا.
وأما الفريق الآخر فنطوي الكَشْحَ عن خطابه، فإن هؤلاء بلغتْ سفاهتهم إلى غاية وأمد بعيد، حيث يستنكفون عن اتباع الإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، فقهاء الأمّة المحمدية، ثم يقلّدون أقوال ابن حزم وابن تيمية وابن القيّم، بل القاضي الشوكاني، وبل النوّاب المعزول
стр. 1753
البهوفالي، من هو أدون منهم بمراتب، من حيث لا يشعرون، فيستمسكون بعراهم، ويعتصمون بأقوالهم وآرائهم الشاذّة، ويزْعُمُونها وحيا سماويا، لا يتغيّر، ولا يتبدّل، وكأنهم معصومون عن الخطأ والسهو، وأن الحقّ لا يتجاوز رأيهم، ولا يعدو مظنونهم، فيا للعجب، ويا للأسف.
هداهم الله وإيانا بفضله، ونجانا من غوائل الهوى، ووفّقنا لاتباع أئمة الهدى، ولولا مخافة التطويل والخروج عما أنا بصدده لصَدَعْتُ بالبحث وبَيَّنْتٌ عُوَار هذا القول الشنيع وسقيتُ الصَّدَى، وشفيتُ الصدرَ، وبردتُ الغليل، والله يقول الحقّ، ويهدي السبيل، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلىّ العظيم.
ودونك الآن مثالين ليتّضح لك دأب الشيخ ﵀ في أبحاث الفقه:
المثال الأول: قال شيخنا المحقّق -الإمام شبير أحمد العثماني- في "فتح الملهم شرح صحيح مسلم": قال علامة عصرنا الفاضل الكشميري أطال الله بقاءه ﵀ إن قولهم: الكفار مخاطبون بالمعاملات، إن كان المراد به الخطاب ثوابا وعقابا في الآخرة فمسلّم، لا شكّ فيه، وإن كان المرادُ الخطابَ صحةً وفسادًا في أحكام الدنيا فليس هذا عندي على الإطلاق، فقد صرّح في "الهداية" أن الكافر إذا تزوّج بلا شهود أو في عدّة كافر -وذلك في دينهم جائز- ثم أسلما أقِرَّا عليه عند أبي حنيفة ﵀، لأنّ الحرمة لا يمكن إثباتها ها هنا حقّا للشرع، لأنهم لا يخاطبون بحقوقه، ولا وجه لإيجاب العدّة حقّا للزوج، لأنه لا يعتقده.
وصرّح الشيخ ابن الهمام ﵀ أن المسلم إذا باع من الحربيّ ميتة أو خنزيرا، أو قامرَه وأخذ المال، يحلّ كلّ ذلك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ولو كانوا مكلّفين بالمعاملات بحسب الصحة والفساد لم يصحّ النكاح في الصورة الأولى، ولم يحلّ ذلك المال في الصورة الثانية، ولهذا نظائر أخرى
стр. 1754
تقف عليها بعد التتبّع البالغ، فكما أنهم استثنوا من العقوبات حدّ الشرب، كذلك ينبغي تقييد المعاملات أيضا بشئ يخرج أمثال هذه الفروع المنصوصة عليها في كتب الفقه. وهذا تفصيل لا بدّ من المصير إليه، والله أعلم، انتهى كلام شيخنا في "فتح الملهم".
المثال الثاني: اختلف الأئمة في مسألة المصرّاة، والحديث فيها مشهور، فذهب مالك والشافعي، وأحمد وأبو يوسف إلى: أن التصرية عيب، يردّ بها المبيع، ثم عن أبي يوسف روايتان في ردّ صالح من التمر معها أو قيمة اللبن؟ وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يردّ، والحديث وارد عليهما.
فاختار الحنفية في الجواب مسالك، واضطرّوا إلى العمومات في مقابلة الخصوض من الآثار والمنصوص، وأحسن مَنْ أجاب منهم الإمام الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، وهو أول مَنْ أجابَ منهم، فعارضه بحديث "الخراج بالضمان"، وهو حديث قويّ، وليراجعْ تفصيل جوابه من كتابه.
فقال الشيخ ﵀: جواب الطحاوي وإن كان أحسن مما استدلّوا به من العمومات والقياس، وتبعه المتأخّرون غير أنه أيضا لا يجدي حسب تفصيل فقهائنا الحنفية ﵏، حيث قسموا العيبَ في مسألة خيار العيب إلى ثمانية أقسام، فإن الزيادة إما متولّدة من المبيع أو غير متولّدة؟ وكلّ منها إما متصلة أو منفصلة. فهذه أربعة أقسام، وكلّ منها إما قبل القبض أو بعده، فصارتْ ثمانية.
والذي يحمل عليه حديث الخراج بالضمان عندهم هي الزيادة غير المتولّدة، فكيف يجدي استدلاله بالعام الذي يحتمل وجوها ومحامل؟ ثم قال: والذي تحقّق عندي أن الحديث من باب الديانة، لا من باب القضاء، فتجب الإقالة على البائع ديانة، فإن مدار القضاء على الظواهر لا السرائر، فالسرائر
стр. 1755
لا سبيل إلى علمها، وحينئذ يوافق الحديث مسائل الحنفية أيضا، فقد صرّح الشيخ ابن الهمام في "الفتح" من باب الإقالة: أن الغرر قولي وفعلي، وعلى الأول تجب الإقالة قضاء، وعلى الثاني ديانة، ولا ريب أن ها هنا غررا فعليا، فتجب الإقالة ديانة، ولم أرَ من تنبّه له.
وقد صرّح في "الوجيز"، و"التهذيب"، و"الحاوي" أنه يردّ -أن المبيع- في مثل هذا عند التراضي، (فصار من باب الديانة أو قريبا منها).
ومما قلت:
بزيادة المنفصل المتولد … أو عكسه متعيّب لم يُرْدَد.
ثم في التهذيب والوجيز والـ … حاوي الجواز بالتراضي يحمل.
والفرق بين القضاء والديانة قد سلمه الشافعية أيضا في كثير من المسائل. هذا ما استفدتُه ولخّصته من "العرف الشذي" و"فيض الباري" من تقارير الشيخ ﵀ في درس الحديث، ومَنْ شاء التفصيل فليراجعْهما، والله الموفّق، وبه نستعين.
الشيخ وسعته في خدمة المذهب الحنفي:
لعلّك فهمتَ مما أسلفنا من آداب الشيخ ومزاياه الخاصّة أنه قد تغلغل في فقه الحديث النبوي، ووصل إلى أسرار الفقه، وأغراض المجتهدين بالذروة العليا والغاية القصوى، فهذا الشيخ الإمام حبر الأمّة قد خدم المذهب النعماني برهة طويلة في دروس الحديث، دروس "سنن أبي داود"، و "جامع الترمذي"، و "الصحيح" للبخاري، وغيرها، وفي رسائله المؤلّفة في المواضيع المهمّة ما سنذكرها إن شاء الله تعالى، وفي مجالسه ومحافله ومواعظه وخطبه.