والتحق بها، وقرأ كتب الحديث مرّة أخرى على العلماء الماهرين في العلم والإفادة، كشيخ المحدّثين أنور شاه الكشميري، والشيخ المفتي عزيز الرحمن العثماني، والشيخ أصغر حسين الديوبندي.
حيث أن أساتذته وجدوا فيه مآثر العلم والتقى، والصلاح والكمال، فعيّنوه مدرّسا في جامعة ديوبند الإسلامية في ١٣٤٠ هـ، فلم يزل يدرّس، ويفيد إلى ١٣٤٦ هـ.
وقدّر الله له أن ينتفع به أهالي "دابيل"، فلما غادر محدّث العصر الكشميري جامعة ديوبند، وتوجّه إلى جامعة دابيل سافر الشيخ بدر عالم معه، وعيّن مدرّسا بها، فدرّس هناك سبعة عشر عاما، وفي أواخر السنين عين رئيس المدرّسين، وكان يجلس لدى أستاذه الكشميري لسماع دروس
стр. 1822
"صحيح البخاري" في صفوف الطلبة، مع أنه كان مدرّسا في ذلك الزمان، سمع منه "صحيح البخاري" خمس مرّات درسا درسا.
وفي ١٣٦٢ هـ ارتحل إلى "دهلي"، والتحق بإدارة ندوة المصنفين، فصنّف كتابه المشهور "ترجمان السنة".
كان يصنّف كتابه المؤمى إليه آنفا، وقد أكمل المجلّد الأول منه، وكان المجلّد الثاني قريبا من التمام إذ قسم "الهند" إلى دولتين "الهند" و"باكستان"، فهاجر إلى "باكستان"، ونزل في الجامعة الإسلامية المعروفة بدار العلوم تندو الله يار، فاختير الأمين العام للجامعة وأستاذا للحديث النبوي الشريف، فدرّس، وحدّث، وأفاد برهة من الزمان.
وفي أثناء التدريس والتحديث في الجامعة المذكورة لم يزل مشغولا لتنفيذ النظام الإسلامي في دولة "باكستان" مع معاصريه العلماء الكبار، كالمفتي الأكبر الشيخ محمد شفيع الديوبندي، والشيخ الجليل خير محمد، مؤسّس جامعة خير المدارس بـ "ملتان"، والمحدّث الجليل محمد إدريس الكاندهلوي، والشيخ احتشام الحق التهانوي، رحمهم الله تعالى، يحضر في الحفلات، التى تقام لتنفيذ النظام الإسلامي، ويبين العلماء فيها للحكومة طرقا صالحة دينية، وأوصوها بأن عضّوها بالنواجذ.
مع أنه لم يزل مشغولا في دحض أباطيل القاديانية والردّ عليها، ثم جذبته محبة بلاد النبي ﷺ ، فهاجر إليها في ١٣٧٢ هـ.
له مؤلّفات جليلة، وأشهرها: "ترجمان السنة" في أربع مجلّدات، وهو كتاب عظيم الشأن في الحديث.
ومن مؤلّفاته: "البدر الساري إلى فيض الباري"، حينما كان مدرّسا في الجامعة الإسلامية بـ "دابيل"، رتّب أمالي الشيخ الكشميري، التي كان يلقيه في دروس "صحيح البخاري"، وسماه بـ "فيض الباري"، جمع فيه علوم أستاذه
стр. 1823
ومعارفه، ثم زيّنه بالحواشي، وسماه بـ "البدر الساري إلى فيض الباري"، طبع هذا الكتاب في أربع مجلّدات ضخمة، تلقّاه المحدّثون بالقبول، ورغب فيه علماء العرب والعجم، وانتفع به خلق كثير، ومنها "مستزاد الحقير" حاشية على كتاب ابن الهمام "زاد الفقير"، وهو كتاب، جمع فيه الشيخ ابن الهمام مسائل أبواب الطهارة والصلاة، فالشيخ بدر عالم كتب عليه الحواشى المفيدة، ومنها "جواهر الحكم"، انتخب فيه أربعين حديثا من الأحاديث النبوية، على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية، ترشد الناس هذه الأحاديث إلى تزكية النفس وإصلاح الباطن، وتبين لهم أن كمال الفلاح منحصرة فيه، ومنها: "نزول عيسى" ﵇، أثبت فيه في ضوء الكتاب والسنة أن عيسى لم يمت يقينا، بل رفعه الله إليه، وهو ينزل في قرب القيامة، وهذا الكتاب جزء من كتابه "ترجمان السّنة"، وله مؤلّفات أخرى.
لم يزل ﵀ يفيد، ويصنّف، ويخدم الدين الحنيف إلى آخر حياته، مع أنه قد لحقه أمراض في آخر عمره، وانقطعت إصبعه المسبّحة في حادثة اصطدام السيّارة، فكان يكتب بالأصابع الأخرى، وطورا كان يملي على بعض خدّامه، فكانوا يكتبون ما يلقي عليهم.
كان مريضا قبل وفاته بأربع سنين، واشتدّ المرض في الشهرين الأخيرين من عمره، ووافاه الأجل في خامس رجب ١٣٨٥ هـ، وذلك في ليلة الجمعة الغرّاء، وصلى عليه جمع كبير بعد صلاة الجمعة في المسجد النبوي الشريف ﷺ ، ودفن بـ "بقيع الغرقد" في أقدام أمّهات المؤمنين، رضي الله تعالى عنهن، وكان ﵀ يجد الرائحة العاطرة في آخر حياته، والحاضرون لا يجدونها، وذلك من رائحة الجنة التي أعدّها الله لعباده الصالحين المخلصين.
* * *
стр. 1824
١١١٦ - العالم الفاضل المولى المشتهر بدلي برادر *.
ولم أتحقّق اسمه لشهرته بهذا اللقب.
قرأ -رحمه الله تعالى- على علماء عصره، منهم: المولى محى الدين العجمي، ثم سلك مسلك التصوّف، ولم يثبتْ عليه لغلبة التلوّن على طبعه، ثم صار مدرّسا بمدرسة بايزيد باشا بمدينة "بروسه"، ثم صار مدرّسا بـ "مدرسة سريحصار".
ثم صار مدرّسا بـ "مدرسة آق شهر"، ثم صار مدرّسا بـ "مدرسة أماسيه"، ثم ترك التدريس، وعيّن له كلّ يوم ثلاثون درهما بطريق التقاعد، وتوطّن بموضع قريب من "قسطنطينية" قريب من البحر، وبنى هناك مدرسة، وحجرة، ومسجدا جامعا هناك، وحمّاما، وقف الحمّام على ذلك المسجد، وكان يصلّي صلاة الخمس بالمسجد، ثم ارتحل إلى "مكّة المشرّفة"، وجاور بها إلي أن مات.
كان ﵀ عالما، عاملا، سليم الطبع، حسن العقيدة، محبّا للخير، وكان لذيذ الصحبة، حسن المحاورة، لطيف النادرة، طارحا للتكلّفات العادية، ولهذا كان يلقّب بالمجنون، وكان له حظّ من الإنشاء وكان ينظم الأشعار التركية نظما سلسا لطيفا، إلا أنه كان متلوّن الطبع، ولهذا لم يحصل الحشمة عند الناس، -روّح الله تعالى روحه، ونوّر ضريحه-.
* * *
стр. 1825
١١١٧ - الشيخ المجذوب المشهور بدو غلوبابا *.
حضر مع السلطان أورخان فتح "بروسا"، وكان يهئ للغزاة لبنا ممزوجا بالماء، ويقسمه عليهم وقت عطشهم، ودوغ عبارة عن ذلك في لسانهم.
وله موضع منسوب إليه على جبل قريب من مدينة "بروسا" -عليه الرحمة والرضوان-.
* * *
١١١٨ - الشيخ العالم الفقيه البارع بديع (١) بن منصور، القاضي فخر الدين القَزَبْني * *.
ضبطه الذهبى بالقاف المضمومة، وفتح الزاء المعجمة، وسكون الباء الموحدة، ثم النون.
إمام، فاضل، فقيه، كامل.
انتهت إليه رياسة الفتوى.
تفقّه على نجم الأئمة البخاري، وتفقه عليه مختار بن محمود الزاهدي، صاحب "القنية".
стр. 1826
وله تصانيف معتبرة، منها: "البحر المحيط" الموسوم بـ "منية الفقهاء".
* * *
١١١٩ - الشيخ العالم المحدّث بديع الزمان بن مسيح الزمان بن نور محمد اللكنوي، أحد الفضلاء المشهورين، ولد في سنة خمسين ومائتين وألف *.
وقرأ العلم على مولانا عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي، ومولانا محمد زمان السهارنبوري، ومولانا محمد عبّاس البشاوري بـ "حيدر آباد"، وبايع الشيخ المجاهد ولاية علي العظيم آبادي، وصحب السيّد محمد قاسم الكوهيري زمانا.
ثم سافر إلى "الحجاز"، فحجّ، وزار، وأخذ الحديث عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن السهارنبوري المهاجر رجع إلى "الهند"، وأسند الحديث عن شيخنا المحدّث نذير حسين الدهلوي، ثم رحل إلى "بوفال"، واستخدمه نواب صديق حسن القنّوجي، فأقام بها مدّة طويلة، ثم أخرج من "بوفال" بوجوه ما وقفت عليها.
فرحل إلى "حيدر آباد"، وكان من العلماء المشهورين، برفض التقليد، شديد التعصّب على مخالفيه، كثير البذاءة على الحنفية.
له مصنّفات، منها: "ترجمة جامع الترمذي" في مجلّدين، و"سبيكة الذهب الإبريز"، و"فتح المنان في لغات القرآن"، و "مرآة الإيقان في قصص
стр. 1827
القرآن"، و"رياض الجنة"، و"رسالة في الاستواء على العرش"، و"رسالة في تحقيق علم الغيب".
مات سنة أربع وثلاثمائة وألف.
* * *
١١٢٠ - الشيخ الفاضل العالم الكبير القارئ المولى بذل الرحمن بن المنشئ طيّب علي بن الشيخ أشرف علي الكُمِلائي *.
ولد في سنة ١٣٢٧ هـ بقرية "دُيَافور"، من مضافات "كُمِلا" (١).
تلقّى مبادئ العلوم في الجامعة الملّية بـ "كملا" عند العلامة أطهر علي السِّلْهتي، وفخر بنغاله العلامة تاج الإسلام، رحمهما الله تعالى، ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، وقرأ على العلامة السيّد حسين أحمد المدني، والعلامة رسول خان، والعلامة السيّد أصغر حسين، وشيخ التفسير العلامة إدريس الكاندهلوي، وغيرهم من الأساتذة المهَرَة، رحمهم الله تعالى.
ثم جاء إلى وطنه المألوف عام ١٣٥٤ هـ، واشتغل في خدمة الدين والعلوم الإسلامية، وفي سنة ١٣٥٤ هـ عيّن مدرّسا بمدرسة أشرف العلوم "برا كَتْرا" (٢)، ودرّس فيها كتب الحديث والفنون سبعا وعشرين سنة، ثم التحق بالجامعة الإمدادية بـ "فريد آباد"، "داكا" سنة ١٣٨٢ هـ، وبعد مدّة عيّن مديرا
стр. 1828
فيها، وكان يصدر مجلة شهرية مسماة بـ "نعمة" باللغة البنغالية، وبنى مدرسة في قريته، وسماها بالجامعة الإسلامية إمداد العلوم ديافور.
كان ﵀ عالما، صالحا، مستقيم الطبع، جيّد القريحة، وكانتْ له مشاركة في العلوم، وكان مشتغلا بنفسه، معرضا عن أحوال الدنيا، محبّا لأهل الخير والصلاح، -نوّر الله تعالى قبره-.
توفي ٢٦ شعبان المعظم يوم الاثنين سنة ١٣٩٣ هـ، ودفن في مقبرة آبائه.
* * *
١١٢١ - الشيخ الفاضل بردل -بضم الباء العجمية- الكابلي، كان من مشاهير العلماء *.
ولد، ونشأ بحدود "أفغانستان".
وسافر للعلم، فقدم "الهند"، وقرأ على المفتي لطف الله بن أسد الله البلكهني الكوئلي، وعلى غيره من العلماء، ثم دخل "رامبور"، وتزوّج بها، ودرّس زمانا ثم سافر إلي "طوك" وولي التدريس في المدرسة الخليلية بها فدرس بها مدّة.
ثم أخرجه أمير "الطوك" لخلاف وقع بينه وبين الحكيم بركات أحمد، فسار إلى "دهلي"، وولي التدريس في "المدرسة النعمانية"، فدرّس بها إلى آخر عمره.
стр. 1829
وكان عالما بارعا في الفقه والأصول والكلام والمنطق.
أخذ عنه غير واحد من العلماء.
مات في رمضان سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وألف.
* * *
١١٢٢ - الشيخ العالم الفقيه المفتي أبو البركات بن حسام الدين بن سلطان بن هاشم ابن ركن الدين بن جمال الدين بن سماء الدين الدهلوي *.
كان من كبار الفقهاء الحنفية.
وُلِدَ، ونشأ بدار الملك "دهلي"، وولي الإفتاء بها، ثم ولي القضاء في أيام عالمكير.
له "مجمع البركات"، في مجلّدين ضَخْمين في الفقه، أوله: الحمد لله الذي نوّر قلوب الموحّدين بنور التوحيد والإيمان، إلخ. قال فيه: لما كانت الروايات أشتاتا متفرّقة، جمعتُها جمعا ليسهل الوقوف بها، ورتّبتها ترتيبا يتيسّر الاطلاع عليها في هذا المختصر، إلخ.
فرغ من تصنيفه اليوم التاسع من شهر ذي الحجّة سنة ستّ عشرة ومائة وألف.
وكانت له اليد الطولى في الفقه والأصول، وهو من مصنّفي "الفتاوى الهندية". كما في "شمس التواريخ".
* * *
стр. 1830
١١٢٣ - الشيخ العالم الحاج أبو البركات بن فضل إمام القادري، المجدّدي، البهاري، أحد العلماء الصالحين *.
وُلِدَ، ونشأ بأرض "الهند"، وقرأ العلم على أساتذتها، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، فحجّ، وزار سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، ورجع إلى "الهند"، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، فحجّ، وزار مرّة ثانية، وسافر إلى "مصر القاهرة" و"الشام" و"القدس الشريف" سنة تسع وسبعين، فزار المشاهد، ورجع إلى "الهند"، ولبث بها مدّة من الزمان، ثم هاجر إلى "المدينة الطيّبة"، وسكن بها مجاورا لسيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر ﷺ .
وأخذ الطريقة عن الشيخ عبد الرشيد بن أحمد سعيد الدهلوي المهاجر، وكان بايع قبله الشيخ أحمد سعيد المذكور.
له "بركات الأنس لزائري القدس"، و"كتاب الرحلة"، صنّفه سنة تسع وسبعين ومائتين وألف بالفارسي، وله "بركات الدارين لحجاج الحرمين"، وكتاب في المناسك بالفارسي.
مات لليلة بقيت من صفر سنة تسع وثمانين ومائتين وألف بـ "مدينة" النبي صلى الله عليه، وآله وسلم.
* * *
стр. 1831
١١٢٤ - الشيخ الفاضل بركات بن محمود بن محمد بن حسن الآتي أبوه وجدّه *.
ولد بعد الستين وثمانمائة.
* * *
١١٢٥ - الشيخ الفاضل الكبير بركات أحمد بن دائم علي الطوكي، أحد الأفاضل المشهورين في المنطق والحكمة * *.
ولد ببلدة "طوك" نحو سنة تسع وسبعين ومائتين وألف، واشتغل بالعلم أياما في بلدته على أبيه، وعلى محمد حسن خان المعسكري.
ثم سافر إلى "رامبور"، وقرأ على العلامة عبد الحق بن فضل حق العمري الخير آبادي، ولازمه مدّة، ثم دخل "دهلي"، وأخذ الصناعة الطبّية عن الحكيم غلام نجف خان الدهلوي، ولازمه مدّة، ثم سافر إلى "بوفال"، وقرأ الصحاح الستة على مولانا أيوب بن قمر الدين البهلتي، وقرأ فاتحة الفراغ عنده، وكنت في ذلك المشهد، ثم رجع إلى "طوك"، وولي دار الشفاء بها، فقصر همّته على التدريس، ودرّس مدّة طويلة، حتى صار معدودا في الأساتذة المتبحّرين.
стр. 1832
وانتهتْ إليه رياسة التدريس في العلوم العقلية، وأمّه الطلبة من الآفاق، وتخرّجتْ عليه جماعة من الفضلاء، أصبحوا من بعد أساتذة كبارا، وصار يرحل إليهم من جهات بعيدة.
وهو شديد التعصب علي أهل الحديث طويل اللسان عليهم وله توغل في الفلسفة ولا يلمع على جبينه أثر الحديث وأقبل إلى المشايخ والصوفيّة وأهل القلوب في آخر حياته، وكانتْ تأخذه الجذبة الإلهية والاستغراق في بعض الأحيان، وكانتْ له نهامة بالمطالعة، لم ينقطعْ عنها، حتى في الليلة التي توفي فيها.
له من المؤلّفات: "الأنهار الأربعة" في التصوّف، و"القول الضابط في تحقيق الوجود الرابط"، و"إمام الكلام في تحقيق الأجسام" في الفلسفة، و"حواش" في الفلسفة، وعلم الكلام، و"حاشية" على "جامع الترمذي".
توفي في غرّة ربيع الأول سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وألف.
* * *
١١٢٦ - الشيخ الفاضل بركَة بن براكز بن قندود بن أوكي القابجاقي، نزيل "الإسكندرية " *.
الْمُتَوفَّى سنة …
لَهُ "إرشاد الْمُلُوك والسلاطين" فِي الْفِقْه، فرغ من تأليفه فِي شَوَّال من سنة ٧٨٩ هـ.
* * *
стр. 1833
١١٢٧ - الشيخ الفاضل بركة بن علي بن بركة بن الحسين ابن أحمد بن بركة بن علي، أبو الخطّاب الفقيه، الإمام الكبير *.
له مصنّفات، منها: كتاب "كامل الآلة في صناعة الوكالة"، يشتمل على الشروط، وهو كتاب حسن في فنّه.
مات في ربيع الأول، سنة خمس وستمائة، -رحمه الله تعالى-.
* * *
١١٢٨ - الشيخ الفاضل بركة الله السورتي، أحد العلماء المبرّزين في الفقه والأصول والعربية * *.
قرأ بعض الكتب الدارسيّة على مولانا فضل الرحمن الحنفي البندوي، وبعضها على العلامة واجد علي البنارسي نزيل "بردوان".
وأخذ الفقه والحديث عن الشيخ محمد سعيد بن واعظ علي العظيم آبادي، ثم أخذ عنه الطريقة.
стр. 1834
وسافر إلى الحرمين الشريفين، فحجّ، وزار، ورجع إلى "الهند"، وسكن بمدينة "سورت".
وكان يدرّس، ويفيد.
أخذ عنه غير واحد من العلماء.
* * *
١١٢٩ - الشيخ الفاضل برويز بن عبد الله الرومي، الإمام البارع، العالم، العامل، قاضي العساكر بولاية "أناطولي " *.
كان من أرقاء رجل من أكابر النظّار، يعرف بأفشانجي محمد جلبى، وكان قد اشتغل من صغره، ولازم أفاضل العلماء، وتردد إليهم، وأخذ عنهم، وأجلّ من قرأ عليه الإمام العلامة أحمد بن سليمان بن كمال باشا، فقرأ عليه كثيرًا من مؤلّفاته، وكان يكرمه، ويعتني به.
ثم إنه صار مدرّسًا بمدارس متعدّدة، منها مدرسة إبراهيم باشا القديمة بـ "قُسطنطينية"، ومدرسة محمود باشا بها أيضًا، بخمسين عُثمانيًا، ثم بـ "مدرسة دار الحديث" بـ "أدرنة"، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيًا بـ "بغداد".
ثم عزل عنها، وولي قضاء "حلب"، ثم قضاء "دمشق"، ثم قضاء "أدرنة"، ثم قضاء "إستانبول"، ثم قضاء العسكر بولاية "أناطولي"، وكان
стр. 1835
محمودًا في هذه الولايات كلّها، يقول الحقّ، ويعمل به، ثم أقام معزولًا مدّة مديدة، ثم ولي قضاء "مكّة المشرّفة"، ومات بها في سنة … (١)، ودفن بـ "المعلاة"، -رحمه الله تعالى-.
* * *
١١٣٠ - الشيخ الفاضل بروبز بن عبد الله مولى إبراهيم باشا الرُّومِي، الْمدرس *.
توفي سنة ٩٨٧ سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة.
لَهُ "تَلْخِيص تَلْخِيص الْمِفْتَاح" فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان، و"رِسَالَة فِي الْوَلَاء"، و"شرح تَلْخِيص الْمِفْتَاح" الْمَذْكُور، و"مرقاة السَّمَاء شرح وترجمة رِسَالَة على قوشجى فِي الْهَيْئَة"، وَغير ذَلِك.
* * *
١١٣١ - الشيخ الإمام برهان الإسلام الزرنوجي * *.
من تلامذة صاحب "الهداية" برهان الأئمة
стр. 1836
علي بن أبى بكر المرغيناني، والشيخ الإمام سديد الدين الشيرازي، والقاضي الأجلّ فخر الإسلام، المعروف بقاضي خان
والشيخ الإمام الأجل الأستاذ فخر الدين الكاشاني، رحمهم الله تعالى.
صنّف كتاب "تعليم المتعلم طريق التعليم"، وهو نفيس مفيد، يشتمل على فصول، نحوا من ثلاثة كراريس.
قال الحافظ عبد القادر القرشي: وهو عزيز في بلادنا، حصلتُه بحمد الله.
وهو مختصر، أوله: الحمد لله الذي فضّل بني أدم بالعلم والعمل إلخ.
وقال الإمان الزرنوجي في خطبة كتابه هذا: وبعد! فلمّا رأيت كثيرا من طلاب العلم في زماننا يجدّون إلى العلم، ولا يصلون من منافعه وثمراته يحرمون، لما أنهم أخطئوا طرائقه، وتركوا شرائطه، وكلّ من أخطأ الطريق ضلّ، ولا ينال المقصود، قلّ أو جلّ، أردت، وأحببت أن أبيّن لهم طريق التعلّم على ما رأيت في الكتب، وسمعت من أساتيذ أولى العلم والحكم، رجاء الدعاء لي من الراغبين فيه المخلصين، بالفوز والخلاص في يوم الدين، بعد ما استخرتُ الله تعالى فيه، وسمّيته "تعليم المتعلّم طريق التعلّم"، وجعلته فصولا:
الأول: في ماهية العلم.
الثاني: في النية.
الثالث: في اختيار العلم.
الرابع: في تعظيم العلم.
الخامس: في الجدّ.
السادس: في بداية السبق.
السابع: في التوكّل.
стр. 1837
الثامن: في وقت التحصيل.
التاسع: في الشفقة.
العاشر: في الاستفادة.
الحادى عشر: في الورع.
الثاني عشر: فيما يورث الحفظ.
الثالث عشر: فيما يجلب الرزق.
وشرحه ابن إسماعيل شرحا ممزوجا في عصر السلطان مراد الثالث، أوله: الحمد لله الذي أنعم علينا إلخ.
وذكر أنه شرحه لخدّام الحرم السلطان، حال كونه معلّما فيه، وقيل: هو للنوعي، وفرغ من تأليف الشرح سنة ٩٩٦ ستّ وتسعين وتسعمائة.
وترجمته بالتركية للشيخ عبد المجيد بن نصوح بن إسرائيل، سماه "إرشاد الطالبين في تعليم المتعلمين".
قلت: ترجمه بالأردية وشرحها الفقيه البارع الشيخ المفتى محمد يوسف بن شيخ الإسلام العلامة عبد الحميد الجاتجامي رحمهما الله تعالى.
وينسب برهان الإسلام هذا إلى زرنوج. وهو بضمّ أوله، وسكون ثانيه، ونون وآخره جيم، بلد مشهور بـ "ما وراء النهر" بعد "خوجند"، من أعمال "تركستان"، والمشهور من أسمه "زرنوق" بالقاف.
* * *
١١٣٢ - الشيخ العالم الفقيه برهان الحق بن نور الحق بن أنوار الحق الأنصاري، اللكنوي ،
стр. 1838
أحد عباد الله الصالحين *.
ولد، ونشأ ببلدة "لكنو"، وقرأ العلم على والده، وعلى غيره من العلماء، وسافر إلى الحرمين الشريفين مرتين، مرة في سنة اثنتين وخمسين، ومرة في سنة إحدى وستين.
وسافر إلى "بغداد"، وأقام بالحرمين الشريفين ثلاثة أعوام، وأخذ الحديث بها عن الشيخ جمال مفتي الأحناف بـ "مكة المباركة"، والشيخ محمد عابد السندي.
وله إجازة في الطريقة عن والده، وعن الشيخ عبد الوالي اللكنوي، وقد أدركه السيّد الوالد ببلدة "لكنو" سنة خمس وثمانين، وكانت وفاته سنة ستّ وثمانين ومائتين وألف.
* * *
١١٣٣ - الشيخ العالم برهان الدين بن عبد الرحمن ابن الشيخ أمير علي * *.
ولد في قرية "دُوْغَاسِيَه" من مضافات "غَفَرْغَاون" سنة ١٣٣١ هـ.
قرأ القرآن الكريم على أبويه، وتلقّى مبادئ العلوم في مدرسة "بانج باغ"، ومن أساتذته فيها: الشيخ أنيس الرحمن المرشد آبادي، ثم ارتحل إلى المدرسة الواقعة في قرية "جَالِشَّرْ" من مضافات "غَفَرْغاون" مع أستاذه المذكور، ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، فقرأ فيها سنتين.
стр. 1839
قرأ في السنة الأولى "مشكاة المصابيح"، و"شرح العقائد" للنسفي، و"تفسير البيضاوي"، وفي السنة الثانية أتم الصحاح الستة، وغيرها من كتب الحديث.
ومن أساتذته فيها: شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، والعلامة إبراهيم البلياوي، والعلامة إعزاز علي الأمروهوي، وغيرهم، وقرأ التفسير على شيخ التفسير العلامة أحمد علي اللاهوري، ودرّس في المدارس المتعدّدة، ثم بنى مدرسة في قريته، وسماها المدرسة الحسينية دُوْغَاسِيَه.
توفي ليلة يوم الخميس ١٤١٥ هـ، ودفن في مقبرة قريته قريبا من مدني مسجد.
* * *
١١٣٤ - الشيخ الفاضل برهان الدين بن القطب، قاضي القضاة *.
ذكره ابن الحمص فيمن تُوفي سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، وقال: دفن بـ "القاهرة"، وكان مصادرًا لأجل طلب مال منه، وكان عالمًا، عفيفًا. -تغمّده الله برحمته-.
* * *
١١٣٥ - الشيخ الفاضل العلامة برهان الدين البهكري، السندي ،
стр. 1840
أحد العلماء البارعين في الفقه والأصول والعربية *.
كان يدرّس، ويفيد في عهد السلطان علاء الدين محمد شاه الخلجي بدار الملك "دهلي"، ذكره البرني في "تاريخه".
* * *
١١٣٦ - الشيخ العالم الصالح برهان الدين الصوفي الكجراتي، أحد المشايخ الشطارية * *.
ولد، ونشأ بـ "أحمد آباد".
وقرأ العلم بها على أساتذة عصره، ثم لازمَ الشيخ صدر الدين محمد البرودوي، وسافر معه إلى "كواليار" سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة، ورجع معه إلى "مندو"، فسكن بها، قرأ عليه محمد بن الحسن المندوي النحو والعربية بـ "مندو".
ولما قدم "مالوه" ضياء الله بن محمد غوث الكواليري سار إليه، وسافر معه إلى "أجمير" سنة خمس وثمانين وستعمائة، فمات بها، كما في "كلزار أبرار".
* * *
١١٣٧ - الشيخ العالم الفقيه القاضي
стр. 1841
برهان الدين المالوي *
أحد كبار المشايخ الصوفية، قدم "مندو" في عهد هو شنك شاه الغوري، فبايعه الملك، وسكن بها الشيخ مفيدا، مرشدا.
ومات في سنة سار فيها هو شنك شاه إلى "جاجنكر"، كما في "كلزار أبرار"، وكان ذلك في سنة خمس وعشرين وثمانمائة، كما في "مرآة سكندري".
* * *
١١٣٨ - الشيخ الفاضل برهان الدين الملتاني، أحد العلماء المبرّزين في الفقه والأصول والعربية * *.
كان يدرّس، ويفيد بـ "بلدة حصار".
سافر إليه الشيخ عبد الله ابن بهلول السنديلوي، ثم الكجراتي، وقرأ عليه بعض كتب العربية والتفسير، وسافر معه إلى "كجرات"، كما في "كلزار أبرار".
* * *
١١٣٩ - الشيخ العالم الكبير بزرك علي بن حسن علي المارهروي ،
стр. 1842
أحد العلماء المبرّزين في المعقول والمنقول *.
ولد، ونشأ بـ "مارهره".
وتلقّى مبادئ العلم في بلدته، ثم سافر إلى "لكنو"، و"كلكته" (١)، وقرأ الكتب الدراسيّة على مولانا حيدر علي الحسيني الطوكي، وعلى غيره من العلماء.
ثم ذهب إلى "دهلي"، وأسند الحديث عن الشيخ عبد العزيز بن ولي الله العمري الدهلوي، وبرع في جميع العلوم، لا سيّما الفنون الرياضية.
ثم تصدّر للتدريس بـ "أكبر آباد"، فدرّس، وأفاد بها زمانا، ثم استقضى ببلدة "عليكره"، وكان يدرّس في أيام اشتغاله بالقضاء أيضا، ثم ترك الخدمة، وسافر إلى "طوك" في أيام وزير الدولة، فجعله قاضي القضاة في بلدته، فاستقام على تلك الخدمة مدّة عمره.
ومن مصنّفاته: "العجالة النافعة"، و"إثبات الحق" في المناظرة بالمسيحيّين.
توفّي لإحدى عشرة من شوّال سنة اثنتين وستين ومائتين وألف، كما في "المشاهير".
* * *
стр. 1843
١١٤٠ - الشيخ العالم الفقيه بشارة الله بن أمانة الله بن أمان الله بن رحمة الله أبو محمد العلوي البهرائجي، أحد المشايخ النقشبندية *.
ولد سنة إحدى ومائتين وألف ببلدة "بهرائج"، وتربى في مهد عمّه الشيخ نعيم الله، وقرأ عليه المختصرات، ولازمه زمانا، ولما توفي نعيم الله سار إلى "دهلي"، وأخذ المنطق، والحكمة عن الشيخ فضل إمام الخير آبادي، وأخذ الفقه والحديث عن الشيخ رفيع الدين، وصنوه الشيخ عبد القادر، وكان يحضر دروس الشيخ الأجل عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي أيضا، ويستفيد منه، وكان يحضر لدى الشيخ غلام علي العلوي النقشبندي، ويلازمه في خلواته.
ثم لما حصل له الفراغ من الكتب الدراسية انقطع إليه بقلبه وقالبه، وأخذ عنه الطريقة، وبلغ رتبة، قلما وصل إليها أصحابه، حتى صار صاحب سرّه، فاستخلفه الشيخ، وكان يحبّه حبّا مفرطا، ويقول: إن أربعة رجال من أصحابي سلّمهم الله سبحانه، وكثر أمثالهم مربوطة بالمودّة، والمودّة أعزّ من القرابة: الشيخ أبو سعيد أسعده الله سبحانه، وولده أحمد سعيد، جعله الله تعالى محمودا، ورؤف أحمد رأف الله به، وبشارة الله، جعله الله مبشّرا بقبوله. انتهى. كما في رسالة الشيخ عبد الغني ﵀.
توفي يوم الخميس غرّة جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين وألف ببلدة "بهرائج"، فدفن بها.
* * *
стр. 1844
١١٤١ - الشيخ الفاضل بشر بن أبي الأزهر القاضي، واسم أبي الأزهر يزيد النيسابوري، وكنيته أبو سهل *.
تفقّه على أبي يوسف، وسمع ابن المبارك، وابن عُيينة، وأبا يوسف، وشريكًا، وابن وهب، في آخرين.
روى عنه الإمام على ابن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي.
ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور"، وقال: من أعيان الفقهاء الكوفيين، وأديانهم، ومفتييهم، وزهّادهم.
مات ليلة الأربعاء، السادس من رمضان، سنة ثلاث عشرة ومائتين. -رحمه الله تعالى-.
* * *
١١٤٢ - الشيخ الفاضل بشر بن غياث بن أبي كريمة أبو عبد الرحمن المريسي، مولى زيد بن الخطّاب * *.
стр. 1845
كان يسكن في الدرب المعروف به، ويُسمّى "درب المريسي" (١)، وهو بين "نهر الدجاج" و"نهر البزازين".
أخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي، واشتغل بالكلام، وجرّد القول بخلق القرآن، وحكى عنه أقوال شنيعة، ومذاهب مُستنكرة، أساء أهل العلم قولهم فيه بسببها، وكفره أكثرهم لأجلها (٢).
وكان الأليق بكتابنا هذا عدم ذكره، والإضراب عن الاعتناء بأمره، فإنه كان -والحقّ أحقّ أن يتّبع- سيئة من سيئات الزمان، ونقمة من نقم الحدثان، لكن ذكرناه تبعًا للغير، وتحذيرًا منه ومن العمل بطريقته، ولاحتمال أن يكون الله قد هداه قبل الموت إلى الحقّ واعتقاده، وإلا فالمشهور أن الرجل كان غير مُتقيّد بدين ولا مذهب، وسنذكر ما قاله في حقه الثقات الأثبات، من غير ميل إليه، وانحراف عنه، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال في "الجواهر": أخذ الفقه عن أبي يوسف، وبرع فيه، ونظر في الكلام والفلسفة.
قال الصيمري فيما جمعه: ومن أصحاب أبي يوسف خاصّة بشر بن غياث المريسي، وله تصانيف، وروايات كثيرة عن أبي يوسف، وكان من أهل الورع والزهد، غير أنه رغب الناس عنه في ذلك الزمان، لاشتهاره بعلم
стр. 1846
الكلام، وخوضه في ذلك، وعنه أخذ حُسين النجّار (١) مذهبه، وكان أبو يوسف يذمّه.
قال: وهو عندى كإبرة الرفاء، طرفها دقيق، ومدخلها ضيّق، وهي سريعة الانكسار، انتهى.
وعن إسحاق بن إبراهيم بن عمر بن منيع: كان بشر المريسي، يقول بقول صنف من الزنادقة، سمّاهم صنف كذا وكذا، الذين يقولون ليس بشيءٍ (٢).
وعن عباد بن العوّام (٣): كلّمتُ بشرًا المريسيّ، وأصحاب بشرٍ، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
وعن يحيى ابن عاصم (٤)، قال: كنت عند أبي، فاستأذن عليه بشرٌ المريسيّ، فقلتُ: يا أبتِ، يدخل عليك مثل هذا!! فقال: يا بُنيّ، وما له؟
قال، قلتُ: إنه يقول: القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض، وإن الجنّة والنار لم يُخلقا، وإن منكرًا ونكيرًا باطلٌ، وإن الصراط باطل، وإن الشفاعة (٥) باطلٌ، وإن الميزان باطل، مع كلام كثير.
قال، فقال: أدخلْه عليّ.
стр. 1847
فأدخلتُه عليه.
قال: فقال: يا بشر ادنه، ويلك يا بشر ادنه، مرّتين، أو ثلاثًا. فلم يزلْ يدينه حتى قرب منه، فقال: ويلك يا بمر، من تعبد، وأين ربك؟ فقال: وما ذاك يا أبا الحسن.
قال: أخبرتُ عنك أنك تقول: القرآن مخلوق، وإن الله معك في الأرض مع كلام (١).
-ولم أر شيئًا أشدّ على أبي (٢) من قوله: القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض-.
فقال: يا أبا الحسن، لم أجيءْ لهذا، إنما جئتُ في كتاب خالد تقرأه عليّ.
قال: فقال له: لا، ولا كرامة، حتى أعلم ما أنت عليه، أين ربك ويلك؟ قال، فقال له: أوتعفيني؟ قال: ما كنت لأعفيك.
قال: أما إذا أبيت، فإن ربي نور في نور.
قال: فجعل يزحف إليه، ويقول، ويلكم، اقتلوه، فإنه والله زنديقٌ، وقد كلّمت هذا الصنف بـ "خراسان".
وعن الحسين بن علي الكرابيسي (٣)، أنه قال: جاءتْ أمّ بشر المريسيّ إلى الشافعي، فقالتْ: يا أبا عبد الله، أرى ابني يهابك ويُحبّك، وإذا ذكرت عنده أجلك، فلو نهيته عن هذا الرأي الذي هو فيه، فقد عاداه الناس عليه، ويتكلّم في شيء، يواليه الناس عليه، ويحبّونه.
فقال لها الشافعي: أفعل.
стр. 1848
فشهدت الشافعي، وقد دخل عليه بشر، فقال له الشافعي: أخبرني عما تدعو إليه، أكتاب ناطق، أم فرض مفترض، أم سنة قائمة، أو وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه؟ فقال بشر: ليس فيه كتاب ناطق، ولا فرض مفترض، ولا سنة قائمة، ولا وجوب عن السلف البحث فيه، إلا أنه لا يسعنا خلافه.
فقال الشافعي: أقررت على نفسك بالخطأ، فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار، يُواليك الناس عليه، وتترك هذا؟ قال: لنا نهمه (١) فيه.
فلمّا خرج بشر قال الشافعي: لا يفلح.
قال الحسين (٢): كلّمت يومًا بشرًا المريسيّ، شبيهًا بهذا السؤال، قال: فرض مفترض، قلت: من كتاب، أو سنة، أو إجماع؟ قال: من كلّ.
قال: فكلّمته، حتى قام، وهو يضحك منه.
وقال البويطيّ: سمعتُ الشافعي يقول: ناظرتُ المريسيّ في القرعة، فذكرت له حديثَ عمران بن حصين، عن النبي ﷺ في القرعة.
فقال: يا أبا عبد الله، هذا قمار.
فأتيت أبا البختريّ، فقلت له: سمعت المريسيّ يقول: القرعة قمار.
فقال: يا أبا عبد الله، شاهد آخر، واقتله.
وقال أبو ثور (٣): سمعت الشافعي يقول: قلت لبشر المريسيّ: ما تقول في رجل قُتل، وله أولياء صغار، وكبار، هل للأكابر أن يقتلوا دون الأصاغر؟.
فقال: لا.
стр. 1849
فقلت له: فقد قتل الحسن بن علي بن أبي طالب، رضى الله عنه، ابن ملجم، ولعلي أولاد صغار.
فقال: أخطأ الحسن بن علي.
فقلت: أما كان جواب أحسن من هذا اللفظ؟ قال: وهجرته من يومئذ.
وعن قتيبة بن سعيد (١)، قال: دخل الشافعي على أمير المؤمنين، وعند بشر المريسيّ، فقال أمير المؤمنين للشافعي: ألا تدري من هذا؟ هذا بشرٌ المريسيّ.
فقال له الشافعي: أدخلك الله في أسفل سافلين، مع فرعون وهامان وقارون.
فقال المريسيّ: أدخلك الله أعلى علّيين، مع محمد وإبراهيم وموسى -صلّى الله عليهم، وسلّم-.
قال محمد بن إسحاق (٢): فذكرت هذا الحكاية لبعض أصحابنا، فقال لي: لا تدري أيّ شيءٍ أراد المريسيّ بقوله؟ كان منه طنزًا (٣)، لأنه يقول: ليس ثم جنة ولا نار.
وروى (٤) عن حميد الطوسيّ، أنه دخل على أمير المؤمنين، وعند بشر المريسيّ، فقال أمير المؤمنين لحميد: أتدري من هذا يا أبا غانم؟ قال: لا.
قال: هذا بشر المريسيّ.
فقال حميد: يا أمير المؤمنين، هذا سيّد الفقهاء، هذا قد رفع عذاب القبر، ومسألة منكر ونكير، والميزان، والصراط، أنظر هل يقدر أن يرفع الموت؟ ثم نظر إلى بشر، فقال، لو رفعت الموت كنت سيّد الفقهاء حقًّا.
стр. 1850
وروى (١) أن يهوديًا مرّ على بشر، والناس مجتمعون عليه، فقال لهم: لا يفسد عليكم كتابكم، كما أفسد أبوه علينا "التوراة"، يعني أن أباه كان يهوديًا.
وعن أبي مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجليّ (٢)، قال: حدثّني أبي، قال: رأيت بشرًا المريسيّ -عليه لعنة الله- مرّة واحدة، شيخًا قصيرًا، ذميم (٣) المنظر، وسخ الثياب، وافر الشعر، أشبه شئ باليهود، وكان أبوه يهوديًا صبّاغًا بـ "الكوفة". في "سوق المراضع"، ثم قال: لا يرحمه الله، فقد كان فاسقًا.
وكان أبو زرعة الرازيّ، يقول (٤): بشرٌ المريسيّ زنديق.
وكان أبو يوسف، يقول له (٥): طلب العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم،
وإذا صار الشخص رأسًا في الكلام، قيل: زنديق، أو رمى بالزندقة، يا بشر: بلغني أنك تتكلّم في القرآن، إن أقررت أن لله علمًا خصمت، وإن جحدت العلم كفرت.
وكان يزيد بن هارون يحرض أهل "بغداد" على قتل بشر المريسيّ (٦).
стр. 1851
وروى (١) عن بعض العلماء الصلحاء (٢)، أنه قال: رأيت ليلة الجمعة، ونحن في طريق "خراسان" في مفازة (٣) إبليس في المنام.
قال: وإذا بدنه ملبس شعرًا، ورأسه إلى أسفل، ورجلاه إلى فوق، وفي بدنه عيون مثل النار.
قال: فقلت له: من أنت؟ قال: أنا إبليس.
قال: فقلت له: وأين تريد؟ قال: بشر بن يحيى. رجل كان عندنا بمرو يرى رأي المريسيّ.
قال: ثم قال: ما من مدينة إلا ولي فيها خليفة.
قلت: من خليفتك في "العراق"؟ قال: بشر المريسيّ، دعا الناس إلى ما عجزت عنه، قال: القرآن مخلوق.
وروى عن بشر (٤) أنه قال: القول في القرآن قول من خالفني، وغير مخلوق.
فقيل له: أما ترجع عنه؟ (٥) قال: أرجع عنه! وقد قلته منذ أربعين سنة: (وقد صنّفت) (٦) فيه الكتب، واحتججت فيه بالحجج.
فنعوذ بالله تعالى من العناد، والإصرار على ما يؤدّي إلى البوار، ودخول النار.
стр. 1852
وروى (١) دخل يومًا على سفيان بن عيينة، وعنده أصحابه، فأخذ يتكلّم بمهملاته، فقال ابن عيينة: اقتلوه.
قال ابن خلّاد (٢): فأنا كنت ممن ضربه بيده.
وقيل لسفيان بن عُيينة: إن بشرًا المريسيّ، يقول: إن الله تعالى لا يرى يوم القيامة. فقال: قاتله الله، ألم يسمع الله يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٣)، فجعل احْتجابه عنهم عُقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأيّ فضل للأولياء على الأعداء؟! وروى (٤) أن بشرًا دخل على أبي يوسف، فقال له أبو يوسف: حدّثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن النبي ﷺ ، فذكر حديث الرؤية.
ثم قال أبو يوسف: إني والله مؤمن بهذا الحديث، وأصحابك يُنكرونه، وكأني بك قد شغلت على الناس (خشبة باب الجسر، فاحذر) (٥).
وحدّث بعض الثقات (٦)، أنه لما مات بشر المريسيّ لم يشهدْ جنازته من أهل العلم والسنة أحد إلا عُبيد الشونيزي (٧)، فلمّا رجع من جنازته أقبل عليه
стр. 1853
أهل السنّة والجماعة، وقالوا: يا عدوّ الله تنتحل السنة، وتشهد جنازة المريسيّ؟ قال: أنظروني حتى أخبركم، ما شهدت جنازة رجوت بها من الخير (١) ما رجوت في شهود جنازته، لما وضع في موضع الجنائز، قمت في الصف، فقلت: اللّهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللّهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك الكريم يوم ينظر إليك المؤمنون، اللّهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللّهم فخفّف ميزانه يوم القيامة، اللّهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللّهم، فعذّبه اليوم في قبره عذابًا، لم تعذّبه أحدا من العالمين، اللّهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللّهم فلا تشفعْ فيه أحدًا من خلقك يوم القيامة.
فسكتوا عنه، وضحكوا.
وحدّث أحمد ابن الدورقي (٢)، قال: مات رجل من جيراننا شاب، فرأيته في الليل وقد شاب، فقلت: ما قصتك؟ قال: دفن بشر في مقابرنا، فزفرت جهنّم زفرة شاب منها كلّ من في المقبرة.
وكانتْ وفاته سنة ثمان عشرة ومائتين، ويقال: سنة تسع عشرة.
والمريسيّ، بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخرها السين المهملة، نسبة إلى "مريس" (٣)، قرية بأرض "مصر"، قاله الوزير أبو سعد، في كتاب "النتف والطرف" (٤).
стр. 1854
ثم قال: وإليها يُنسب بشر المرسيّ، وإليه تُنسب الطائفة المريسية.
قال في "الجواهر": وله أقوال في المذهب غريبة.
منها؛ جواز أكل لحم الحمار. ومنها: وجوب الترتيب في جميع العمر، ذكره عنه صاحب "الخلاصة" في باب قضاء الفوائت، قال: وربما شرط بعض الترتيب في جميع العمر، كقول بشر. هكذا أطلقه، وهو بشر المريسيّ هذا. انتهى.
قال الإمام اللكنوي: المريسي بفتح الميم، وكسر الراء المهملة، بعدها المثناة التحية، في آخره سين مهملة: نسبة إلى "مريس" قرية بـ "مصر"، كذا ذكره السمعاني، وقال إليها ينسب بشر المريسي، وأرّخ وفاته سنة ثمانية عشر، وحكى بصيغة قيل: تسعة عشر. وقال في وصفه: هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث ابن أبي كريمة المريسي، مولى زيد بن خطّاب، من أصحاب الرأي، أخذ
стр. 1855
الفقه عن أبي يوسف القاضي، إلا أنه اشتغل بالكلام، وحرّر القول بخلق القرآن. وحكي عنه أقوال شنيعة ومذاهب منكرة عند أهل العلم، كفّره أكثرهم لأجلها، وقد أسند من الحديث شيئا يسيرا عن حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وأبي يوسف، وغيرهم، وكان بينه وبين الشافعي مناظرة، وإليه تنسب الطائفة من المرجئة، التى يقال لها: المريسية. وفي "ميزان الاعتدال": بشر بن غياث مبتدع، ضالّ، لا ينبغي أن يروى عنه. تفقّه على أبي يوسف، فبرع، وأتقن علم القرآن، ثم حرّر القول بخلق القرآن، وناظر عليه، ولم يدرك الجهم بن صفوان، وإنما أخذ مقالته، ودعا إليها، وسمع عن حماد بن سلمة، وغيره. وقال أبو النظر هاشم بن القاسم: كان والد بشر المريسي يهوديا قصّارا صبّاغا. قلت: وكان بشر أخذ في دولة الرشيد، وأوذي لأجل مقالته. وقال قتيبة بن سعيد: بشر المريسي كافر، مات سنة ثمان عشرة ومائتين، وقال أبو زرعة الرازي: بشر المريسي زنديق. انتهى ملخصا. الفوائد البهية ص ٥٤.
* * *
١١٤٣ - الشيخ الفاضل بشر بن القاسم بن حمّاد بن عبد ربّه، أبو سهل الفقيه، السلمي، الهروي، النيسابوري المعروف ببشرويه *.
стр. 1856
والد الحسن، والحسين، وسل، قضاة "نيسابور"، وفقهاء أصحاب أبي حنيفة بها، وسيأتي كلّ منهم في بابه، إن شاء الله تعالى.
سمع بشر مالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وشريك بن عبد الله القاضي، وحمّاد بن زيد.
روى عنه بنوه الثلاثة المذكورون، وأيوب بن الحسن، في آخرين.
مات في آخر ذي القعدة، من سنة خمس عشرة ومائتين، وقبره في مقبرة الحسين بن معاذ.
قاله في "الجواهر"، نقلًا عن الحاكم.
* * *
١١٤٤ - الشيخ الفاضل بشر بن المعلّى *.
قال في "الجواهر": روى عن أبي يوسف أن الحجّ بعد اجتماع الشروط، يعني شُروط الوجوب، يجب على الفور، حتى يأثم بالتأخير، ذكره شمس الأئمة في "المبسوط".
* * *
١١٤٥ - الشيخ الفاضل بشر بن الوليد بن خالد، أبو الوليد الكندي، الإمام * *.
стр. 1857
أحد أعلام الأئمة، المشهورين من علماء هذه الأمّة.
سمع مالك بن أنس، وعبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن الغسيل (١)، وحمّاد بن زيد، وصالحًا المري (٢)، وحشرج بن نباتة، وشريك بن عبد الله وأبا الأحوص سلام بن سليم، وأبا يوسف، وكان أحد أصحابه، وعنه أخذ الفقه.
وروى عنه الحسن بن علويه القطّان، وأحمد بن الوليد بن أبان، وأحمد بن القاسم البرتي، وأحمد بن علي الأبار، وغيرهم.
وكان جميل المذهب، حسن الطريقة، وولي القضاء بعسكر المهدي، من جانب "بغداد الشرقي"، لما عزل عنه محمد بن عبد الرحمن المخزومي، وذلك سنة ثمان ومائتين، وأقام على ولايته سنتين (٣)، ثم عزل، وولي القضاء بـ "مدينة المنصور "، في سنة عشر، فلم يزلْ متوليًا إلى أن صرف عنه، في سنة ثلاث عشرة ومائتين.
حدّث طلحة بن محمد بن جعفر، قال (٤): لما عزل المأمون إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة استقصى على "مدينة المنصور" أبا الوليد بشر بن الوليد الكندي، وكان بشر علمًا من أعلام المسلمين، وكان عالمًا، ديّنًا، خشنًا، (مهذّب الحكم) (٥)، واسع الفقه، وهو صاحب أبي يوسف، ومن المقدّمين عنده، وحمل الناس عنه من الفقه والمسائل ما لا يُمكن جمعه.
стр. 1858
قال الحافظ في "اللسان" سمع عبد الرحمن ابن الغسيل، ومالك بن أنس، وتفقّه بأبي يوسف، كان واسع الفقه، متعبدة، ورده في اليوم والليلة مائتا ركعة، كان يلزمها بعد ما فلج وشاخ، سعى به رجل إلى الدولة أنه لا يقول: القرآن مخلوق، فأمر به المعتصم أن يحبس في منزله، فلمّا ولي المتوكّل أطلقه. قال: صالح بن محمد جزرة، هو صدوق، وروى السلمي عن الدار قطني، وذكره ابن أبى حاتم، فلم يذكر فيه جرحا، وقال مسلمة: ثقة، وكان ممن امتحن. وكان أحمد يثني عليه. مات سنة ٢٣٨ هـ.
روى عنه البغوي، وأبو الوليد، وحامد بن شعيب، ولي قضاء مدينة المنصور إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين. ملخّصا. (٢: ٣٥).
زاد في "الجواهر": هو أحد أصحاب أبي يوسف خاصّة. كان متحاملا على محمد بن الحسن منحرفا عنه، وكان الحسن بن مالك ينهاه عن ذلك، ويقول له: قد عمل محمد بن الحسن هذه الكتب، فاعمل أنت مسألة واحدة. كان جميل المذهب، حسن الطريقة، صالحا، دينا، عابدا. حمل الناس عنه من الفقه والنوادر والمسائل ما لا يمكن جمعها كثرة، وكان متقدّما عند أبي يوسف. روى عنه كتبه وأماليه (وروى الخطيب بإسناده إلى بشر بن الوليد كما في "جامع المسانيد" (٢: ٤١٨) قال بشر: كنا نكون عند سفيان بن عيينة، فإذا وردت علينا مسألة مشكلة يقول: ها هنا أحد من أصحاب أبي حنيفة؟ فيقال: بشر. فيقول: أجب فيها، فأجيب. فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين. سمع حماد بن زيد، ومالكا وغيرهما، روى عنه أحمد بن على الأنباري، وأبو يعلى الحافظ الموصلي اهـ. ١: ١٦٧. قلت: وروى له الدارقطني والبيهقي في "سننيهما" أيضا كما أحفظ. والله أعلم.
وقال طلحة: حدّثني عبد الباقى بن قانع، عن بعض شيوخه، أن يحيى بن أكثم شكا بشر بن الوليد إلى المأمون، وقال: إنه لا يُنفذ قضائي. وكان
стр. 1859
يحيى قد غلب على المأمون، حتى كان عنده أكبر من ولده، فأقعده المأمون على سريره، ودعا بشر بن الوليد، فقال له: ما ليحيى يشكوك، ويقول: إنك لا تنفذ أحكامه.
قال: يا أمير المؤمنين! سألتُ عنه بـ "خراسان" فلم يحمدْ في بلده، ولا في جواره.
فصاح به المأمون، وقال: اخرج.
فخرج بشر، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين! قد سمعت فاصرفه.
فقال: ويحك، هذا لم يراقبْني فيك، أصرفه!! فلم يفعلْ.
وعن أحمد بن الصلت (١)، قال: سمعت بشر بن الوليد القاضي، يقول: كنا نكون عند ابن عيينة، فكان إذا وردت عليه مسألة مشكلة يقول: ها هنا أحد من أصحاب أبي حنيفة؟ فيقال: بشر. فيقول: أجب فيها. فأجيب، فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين.
وكان بشر (٢) يُصلّي كلّ يوم مائتي ركعة، وكان يُصلّيها بعد ما فُلِجَ.
وعن أبي قدامة (٣)، قال: لا أعلم بـ "بغداد" رجلًا من أهل الأهواء والرافضة، إلا كانوا مُعينين على أحمد بن حنبل، ما خلا بشر بن الوليد الكندي، رجل من العرب (٤).
وعن محمد بن سعد (٥)، قال: بشر بن الوليد الكندي، روى عن أبي يوسف القاضي كتبه وإملاءَه، وولي القضاء بـ "بغداد" في الجانبين جميعًا، فسعى به رجل، وقال: إنه لا يقول: القرآن مخلوق. فأمر به أمير المؤمنين أبو
стр. 1860
إسحاق المعتصم أن يحبس في منزله، ووكّل ببابه الشرط، ونهى أن يفتي أحدًا بشئ، فلمّا ولي جعفر بن أبي إسحاق الخلافة، أمر بإطلاقه، وأن يُفتي الناس، ويحدّثهم، فبقي حتى كبرتْ سنّه (١).
وقد وثّقه أبو على صالح بن محمد (٢)، ووثّقه الدارقطني أيضًا، ونقل الخطيب عن بعضهم تضعيفه.
وقد مدح وهجي كغيره من الأفاضل المحسودين، فممّا هجى به قول بعضهم، حين ولي قضاء عسكر المهدي:
يا أَيُها الرجلُ الموَحِّدُ رَبَّهُ … قاضِيكَ بشرُ بن الوليد حِمارُ
يَنْفِى شهادة من يَدِينُ بما بِهِ … نَطَقَ الكتابُ وجاءت الآثارُ
ويعُدُّ عَدْلًا من يقول بأنه … شيخٌ تُحيطُ بِجِسْمِهِ الأَقْطارُ (٣)
وممن مدحه ربيعة بن ثابت الرقي، بأبيات حسنةٍ، وهي هذه (٤):
بشرٌ يجُودُ بمالِهِ … جُودَ السَّحائِبِ بالدِّيَمْ
وأبو الوليدِ حوَى النَّدَى … لما تَرَعْرَعَ واْحتَلَمْ
وأَعَزّ بَيْتٍ بَيْتُه … بيتٌ بَنَتْهُ له إرَمْ
عَمَرَتْهُ كِنْدَةُ دَهْرَها … وبَنَى فَأَتْقَنَ ما انهدَمْ
بِشْرٌ يجودُ برفدهِ … عَفْوًا ويكشفُ كلَّ غَم
بشرٌ يجود إذا قصدْ … تَ تُريدُ جدواهُ هلم
ما قال لا في حاجةٍ … لا بَل يقولُ نعمْ نعمْ