والد الحسن، والحسين، وسل، قضاة "نيسابور"، وفقهاء أصحاب أبي حنيفة بها، وسيأتي كلّ منهم في بابه، إن شاء الله تعالى.
سمع بشر مالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وشريك بن عبد الله القاضي، وحمّاد بن زيد.
روى عنه بنوه الثلاثة المذكورون، وأيوب بن الحسن، في آخرين.
مات في آخر ذي القعدة، من سنة خمس عشرة ومائتين، وقبره في مقبرة الحسين بن معاذ.
قاله في "الجواهر"، نقلًا عن الحاكم.
* * *
١١٤٤ - الشيخ الفاضل بشر بن المعلّى *.
قال في "الجواهر": روى عن أبي يوسف أن الحجّ بعد اجتماع الشروط، يعني شُروط الوجوب، يجب على الفور، حتى يأثم بالتأخير، ذكره شمس الأئمة في "المبسوط".
* * *
١١٤٥ - الشيخ الفاضل بشر بن الوليد بن خالد، أبو الوليد الكندي، الإمام * *.
стр. 1857
أحد أعلام الأئمة، المشهورين من علماء هذه الأمّة.
سمع مالك بن أنس، وعبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن الغسيل (١)، وحمّاد بن زيد، وصالحًا المري (٢)، وحشرج بن نباتة، وشريك بن عبد الله وأبا الأحوص سلام بن سليم، وأبا يوسف، وكان أحد أصحابه، وعنه أخذ الفقه.
وروى عنه الحسن بن علويه القطّان، وأحمد بن الوليد بن أبان، وأحمد بن القاسم البرتي، وأحمد بن علي الأبار، وغيرهم.
وكان جميل المذهب، حسن الطريقة، وولي القضاء بعسكر المهدي، من جانب "بغداد الشرقي"، لما عزل عنه محمد بن عبد الرحمن المخزومي، وذلك سنة ثمان ومائتين، وأقام على ولايته سنتين (٣)، ثم عزل، وولي القضاء بـ "مدينة المنصور "، في سنة عشر، فلم يزلْ متوليًا إلى أن صرف عنه، في سنة ثلاث عشرة ومائتين.
حدّث طلحة بن محمد بن جعفر، قال (٤): لما عزل المأمون إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة استقصى على "مدينة المنصور" أبا الوليد بشر بن الوليد الكندي، وكان بشر علمًا من أعلام المسلمين، وكان عالمًا، ديّنًا، خشنًا، (مهذّب الحكم) (٥)، واسع الفقه، وهو صاحب أبي يوسف، ومن المقدّمين عنده، وحمل الناس عنه من الفقه والمسائل ما لا يُمكن جمعه.
стр. 1858
قال الحافظ في "اللسان" سمع عبد الرحمن ابن الغسيل، ومالك بن أنس، وتفقّه بأبي يوسف، كان واسع الفقه، متعبدة، ورده في اليوم والليلة مائتا ركعة، كان يلزمها بعد ما فلج وشاخ، سعى به رجل إلى الدولة أنه لا يقول: القرآن مخلوق، فأمر به المعتصم أن يحبس في منزله، فلمّا ولي المتوكّل أطلقه. قال: صالح بن محمد جزرة، هو صدوق، وروى السلمي عن الدار قطني، وذكره ابن أبى حاتم، فلم يذكر فيه جرحا، وقال مسلمة: ثقة، وكان ممن امتحن. وكان أحمد يثني عليه. مات سنة ٢٣٨ هـ.
روى عنه البغوي، وأبو الوليد، وحامد بن شعيب، ولي قضاء مدينة المنصور إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين. ملخّصا. (٢: ٣٥).
زاد في "الجواهر": هو أحد أصحاب أبي يوسف خاصّة. كان متحاملا على محمد بن الحسن منحرفا عنه، وكان الحسن بن مالك ينهاه عن ذلك، ويقول له: قد عمل محمد بن الحسن هذه الكتب، فاعمل أنت مسألة واحدة. كان جميل المذهب، حسن الطريقة، صالحا، دينا، عابدا. حمل الناس عنه من الفقه والنوادر والمسائل ما لا يمكن جمعها كثرة، وكان متقدّما عند أبي يوسف. روى عنه كتبه وأماليه (وروى الخطيب بإسناده إلى بشر بن الوليد كما في "جامع المسانيد" (٢: ٤١٨) قال بشر: كنا نكون عند سفيان بن عيينة، فإذا وردت علينا مسألة مشكلة يقول: ها هنا أحد من أصحاب أبي حنيفة؟ فيقال: بشر. فيقول: أجب فيها، فأجيب. فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين. سمع حماد بن زيد، ومالكا وغيرهما، روى عنه أحمد بن على الأنباري، وأبو يعلى الحافظ الموصلي اهـ. ١: ١٦٧. قلت: وروى له الدارقطني والبيهقي في "سننيهما" أيضا كما أحفظ. والله أعلم.
وقال طلحة: حدّثني عبد الباقى بن قانع، عن بعض شيوخه، أن يحيى بن أكثم شكا بشر بن الوليد إلى المأمون، وقال: إنه لا يُنفذ قضائي. وكان
стр. 1859
يحيى قد غلب على المأمون، حتى كان عنده أكبر من ولده، فأقعده المأمون على سريره، ودعا بشر بن الوليد، فقال له: ما ليحيى يشكوك، ويقول: إنك لا تنفذ أحكامه.
قال: يا أمير المؤمنين! سألتُ عنه بـ "خراسان" فلم يحمدْ في بلده، ولا في جواره.
فصاح به المأمون، وقال: اخرج.
فخرج بشر، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين! قد سمعت فاصرفه.
فقال: ويحك، هذا لم يراقبْني فيك، أصرفه!! فلم يفعلْ.
وعن أحمد بن الصلت (١)، قال: سمعت بشر بن الوليد القاضي، يقول: كنا نكون عند ابن عيينة، فكان إذا وردت عليه مسألة مشكلة يقول: ها هنا أحد من أصحاب أبي حنيفة؟ فيقال: بشر. فيقول: أجب فيها. فأجيب، فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين.
وكان بشر (٢) يُصلّي كلّ يوم مائتي ركعة، وكان يُصلّيها بعد ما فُلِجَ.
وعن أبي قدامة (٣)، قال: لا أعلم بـ "بغداد" رجلًا من أهل الأهواء والرافضة، إلا كانوا مُعينين على أحمد بن حنبل، ما خلا بشر بن الوليد الكندي، رجل من العرب (٤).
وعن محمد بن سعد (٥)، قال: بشر بن الوليد الكندي، روى عن أبي يوسف القاضي كتبه وإملاءَه، وولي القضاء بـ "بغداد" في الجانبين جميعًا، فسعى به رجل، وقال: إنه لا يقول: القرآن مخلوق. فأمر به أمير المؤمنين أبو
стр. 1860
إسحاق المعتصم أن يحبس في منزله، ووكّل ببابه الشرط، ونهى أن يفتي أحدًا بشئ، فلمّا ولي جعفر بن أبي إسحاق الخلافة، أمر بإطلاقه، وأن يُفتي الناس، ويحدّثهم، فبقي حتى كبرتْ سنّه (١).
وقد وثّقه أبو على صالح بن محمد (٢)، ووثّقه الدارقطني أيضًا، ونقل الخطيب عن بعضهم تضعيفه.
وقد مدح وهجي كغيره من الأفاضل المحسودين، فممّا هجى به قول بعضهم، حين ولي قضاء عسكر المهدي:
يا أَيُها الرجلُ الموَحِّدُ رَبَّهُ … قاضِيكَ بشرُ بن الوليد حِمارُ
يَنْفِى شهادة من يَدِينُ بما بِهِ … نَطَقَ الكتابُ وجاءت الآثارُ
ويعُدُّ عَدْلًا من يقول بأنه … شيخٌ تُحيطُ بِجِسْمِهِ الأَقْطارُ (٣)
وممن مدحه ربيعة بن ثابت الرقي، بأبيات حسنةٍ، وهي هذه (٤):
بشرٌ يجُودُ بمالِهِ … جُودَ السَّحائِبِ بالدِّيَمْ
وأبو الوليدِ حوَى النَّدَى … لما تَرَعْرَعَ واْحتَلَمْ
وأَعَزّ بَيْتٍ بَيْتُه … بيتٌ بَنَتْهُ له إرَمْ
عَمَرَتْهُ كِنْدَةُ دَهْرَها … وبَنَى فَأَتْقَنَ ما انهدَمْ
بِشْرٌ يجودُ برفدهِ … عَفْوًا ويكشفُ كلَّ غَم
بشرٌ يجود إذا قصدْ … تَ تُريدُ جدواهُ هلم
ما قال لا في حاجةٍ … لا بَل يقولُ نعمْ نعمْ
стр. 1861
وهو العَفُوُّ عنِ المِسِ … ئِ وعن قبائح ما اجْتَرَمْ
نامَ القُضاةُ عن الأنا … م وعَيْنُ بشر لم تنم
وحكيمُ أهلِ زمانِهِ … فيما يريدُ وما حَكَمْ (١)
وكأنه القمرُ المِني … رُ إذا بَدَا أجْلَى الظُلَمْ (٢)
وكأنه البحرُ المِطلُ … إذا تقاذَفَ والتَطَمْ (٣)
وكأنه زهرُ الربي … عِ إذا تفتَّحَ أو نَجَمْ
ختَمَ الإلهُ لِبِشْرِنا … بالخيرِ منه إذا خَتَمْ
قال أحمد بن كامل القاضي (٤): مات بشر بن الوليد الكندي المفلوج، صاحب أبي يوسف القاضي، في سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وبلغ سبعًا وتسعين سنة، ودفن في مقابر باب "الشام ". -رحمه الله تعالى-.
قلت: في "الفوائد البهية" ص ٥٥ ذكر القاري أنه كان متحاملا على محمد بن الحسن، وكان الحسن بن مالك ينهاه، ويقول: قد عمل محمد هذه الكتب، فاعمل أنت مسألة واحدة، وكان صالحا، دينا، عابدا، واسعا في الفقه، خشنا في باب الحكم، مقدّما عند أبي يوسف، وروى عنه كتبه وأماليه. سمع من مالك، وحماد بن زيد، وغيرهما، وروى عنه الحافظ أبو نعيم الموصلي، ونحوه. وقال عبد الرحمن السلمي: سألت الدارقطني عن بشر بن الوليد، فقال: ثقة. وقال أحمد بن عطية: كان يصلّى في كلّ يوم مائة ركعة، وكان يصلّيها بعد ما فلج، وشاخ. وفي "ميزان الاعتدال": بشر بن الوليد الكندي الفقيه سمع مالك بن أنس، وتفقّه بأبي يوسف، وروى عنه البغوي، وأبو يعلى، وحامد بن شعيب، وولي قضاء "مدينة المنصور" إلى سنة ثلاث عشرة
стр. 1862
ومائتين. وكان واسع الفقه، متعبّدا، ورده في اليوم والليلة مائتا ركعة، وكان يلزمها بعد ما فلج وشاخ، قد سعى به رجل إلى الدولة أنه لا يقول بخلق القرآن، فأمر المعتصم به أن يحبس، فلمّا ولي المتوكّل أطلقه، ثم أنه شاخ، واستولى عليه الهرم، ويقال: إنه في آخر أمره وقف في القرآن، فأمسك أصحاب الحديث عنه، وقال صالح بن محمد: هو صدوق، ولكنه لا يعقل، وقال الآجري: سألت أبا داود، فقال: ثقة، وقال السلمي عن الدارقطني: ثقة، انتهى ملخّصا. والكندي نسبة إلى "كنده" بكسر الكاف قبيلة مشهورة بـ "اليمن"، ذكره السمعاني.
* * *
١١٤٦ - الشيخ الفاضل بشر بن يحيى المروزي *.
قال نُصَير بن يحيى: سئل بشر بن يحيى المروزي عن ماء وقعتْ فيه نجاسة، فأرة أو نحوها، والماء قليل، فعجن به، وخُبز، قال: بيعوه من النصارى، ولا أراهم يأكلونه إن علموا ذلك، فلا بدّ من الإعلام. ثم قال: بيعوه من اليهود، ولا أراهم يأكلونه إن علموا ذلك. ثم قال: بيعوه من المجوس، ولا أراهم يأكلونه إن علموا ذلك. ثم قال: بيعوه من هؤلاء الذين يقولون: الماء طاهر لا ينجّسه شيء. كذا في "حيرة الفقهاء"، نقله صاحب "الجواهر".
قلت: وفيه من سوء الأدب، وبذاءة اللسان، ما لا يخفى، ومثل هذا لا يليق بشأن أهل العلم، -سامحه الله تعالى، وغفر له بمنّه وكرمه-.
* * *
стр. 1863
١١٤٧ - الشيخ الفاضل العالم الصالح المولى بشير أحمد بن المنشئ عبد الجبّار بن الحاج أمجد علي بن المنشئ رميز الله الكملائي *.
ولد بقرية "مَيْسَائر" من مضافات "برورا" من كُمِلّا (١) سنة ١٣٥٩ هـ.
تلقّى مبادئ العلوم في المدرسة الواقعة بقريته، ثم التحق بدار العلوم برورا.
وقرأ فيها إلى "هداية الفقه"، ثم سافر إلى دار العلوم معين الاسلام هاتهزاري، وأكمل الصفّ النهائي سنة ١٣٨٤ هـ.
من أساتذته فيها: العلامة أبو القاسم المعروف بشيخجي، والعلامة المحدّث عبد القيّوم، وشيخ الأدب العلامة محمد علي النظام فوري، والشيخ العلامة أحمد شفيع الجاتجامي.
عيّن مدرّسا بدار العلوم "كُلَا كُوْفَا" بـ "نواخالي"، ودرّس هنا "سنن أبي داود"، ثم التحق بـ "سرسدي"، ودرّس فيها أيضا "سنن أبي داود" سنتين.
ثم التحق بالمدرسة الحافظية بـ "جعفر آباد"، "جاندفور"، ودرّس فيها "الصحيح" لمسلم سنتين، ثم التحق بالجامعة الإمدادية بـ "فريد آباد"، داكا، وأمضى بقية حياته فيها.
وكان عالما، محقّقا، مدقّقا، فطنا، ديّنا ورعا، ذا مجد وشرافة.
стр. 1864
بايع في الطريقة على يد المفتي الأعظم فيض الله، ﵀ تعالي.
توفي في الصباح يوم الجمعة ١٤٠٥ هـ.
* * *
١١٤٨ - الشيخ الفاضل العلامة بشير الدين بن كريم الدين العثماني القنوجي، أحد العلماء المشهورين *.
ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف ببلدة "قنوج"، ونشأ بمدينة "بريلي"، وقرأ القرآن على أحمد على الحافظ الإمام بجامع "بريلي"، وقرأ النحو والصرف وبعض رسائل المنطق على تفضّل حسين البريلوي، وقرأ بعض رسائل العروض والبيان والبديع والحساب والفرائض والفقه على والده، وقرأ بعض رسائل المنطق كـ "مير زاهد رسالة"، و "شرح السلّم" لبحر العلوم، و"شرحه" لحمد الله، و "تشريح الأفلاك"، و "تحرير الأقليدس" على المولوي محمد حسن البريلوي.
وقرأ "شرح التهذيب" للدوّاني، وحاشيته لمير زاهد، و"شرح الجغميني" على المولوي محمد علي بن أخت المفتي شرف الدين، وقرأ "المختصر" للتفتازاني، و "التوضيح"، وحاشيته "التلويح"، و "هداية الفقه"، و "تفسير البيضاوي" على الشيخ إله داد الرامبوري، وقرأ "المطوّل"، و"المقامات" للحريري، و "المعلّقات السبع" و "ديوان المتنبي"، و"ديوان الحماسة" على مولانا أوحد الدين البلكرامي، وقرأ ما بقى له من الكتب الدراسية على مولانا قدرة الله اللكنوي.
стр. 1865
وأخذ الحديث عن الشيخ رحيم الدين البخاري، عن الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي، وقرأ فاتحة الفراغ، وله اثنتان وعشرون سنة، ثم تصدّر للتدريس، وأقام مدّة من الزمان ببلدة "طوك"، و"مراد آباد"، و"دهلي" و"عليكده"، و"كانبور".
وكان يدرّس، ويفيد بها، ثم ذهب إلى "بوفال" سنة خمس وتسعين، وولي القضاء بها، أخذ عنه الشيخ شمس الحق الديانوي، والسيّد أمير علي المليح آبادي، والسيّد أمير حسن السهسواني، والشيخ وحيد الزمان اللكنوي، والشيخ عليم الدين الشاهجهانبوري، والسيّد إمداد العلي الأكبر آبادي، وخلق كثير من العلماء.
ومن مصنّفاته: حاشية على "شرح السلّم" لحمد الله، وحاشية على "مير زاهد شرح المواقف"، وله حلّ أبيات "المطوّل"، و"حلّ شواهد الكتب الدراسية في النحو والصرف"، وشرح جزء من أجزاء "الموطّأ"، وتخريج أحاديث "شرح العقائد"، و"كشف المبهم" شرح على "مسلّم الثبوت"، وهو أشهر مصنّفاته، وله "تفهيم المسائل"، و"الصواعق الإلهية"، و "غاية الكلام في إبطال عمل المولد والقيام"، و"أحسن المقال في شرح حديث لاتشدّ الرحال"، و"بصارة العينين في منع تقبيل الإبهامين"، وله غير ذلك من الرسائل.
مات في ذى الحجّة سنة ستّ وتسعين ومائتين وألف بمدينة "بوفال"، كما في "تذكرة النبلاء".
* * *
١١٤٩ - الشيخ العالم الفقيه أبو البقاء بن درويش محمد الحسيني، الواسطي، الجونبوري ،
стр. 1866
أحد الفقهاء الحنفية *.
وُلِدَ، ونشأ بـ "جونبور"، وقرأ العلم على والده، وعلى غيره من العلماء، ثم تصدّر للتدريس.
وكان مفرط الذكاء، سريع الإدراك، قويّ الحافظة، حلوّ المنطق.
درّس، وأفاد مدّة مديدة في بلدته.
قال الزيدي في "تجلّي نور": قرأ العلم على مولانا محمد ماه الديوكامي، وولي الإفتاء بمدينة "جونبور"، فاشتغل به مدّة حياته.
وله "إعراب القرآن" في عشرة مجلّدات، أوله: الحمد لله الذي وفّقنا لحفظ كتابه، إلخ. وله حاشية على "شرح الكافية" للجامي، وعلى "شرح الشمسية" للرازي.
وأنت تعلم أن "إعراب القرآن" من مصنّفات أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري المتوفى سنة ٦١٦ هـ، لعلّه اشتبه عليه بالكنية، وكذلك أشكّ في نسبة تلمذه على محمد ماه الديوكامي، وإن صحّ ذلك فالشكّ راجع إلى تاريخ وفاته، قال: إنه توفي يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الأولى سنة أربعين وألف بمدينة "جونبور"، فدفن بها، والله أعلم.
* * *
١١٥٠ - الشيخ الفاضل أبو البقاء بن محمد بن أحمد العمري، الصَّاغاني، المكّي * *
стр. 1867
فقيه.
ولد سنة ٧٥٩ هـ، توفي بـ "مكة" سنة ٨٥٤ هـ.
من آثاره: "مختصر تنزيه المسجد الحرام عن بدع الجهلة والعوام".
* * *
١١٥١ - الشيخ الفاضل بكّار بن الحسن بن عثمان بن زياد بن عبد الله، الفقيه العنبري، الأصبهاني، مفتيها *.
حدّث عن أبيه، وعن ابن المبارك، وإسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة.
امتحن في أيام الواثق، فلم يجبْ إلى ما يريدون، وقال: عيون الناس ممدودة إليّ، فإن أجبت أخشى أن يجيبوا ويكفروا. وتجهّز ليخرج، فوكّل به، وعزم حبّان (١) بن بشر القاضي على نفيه من "أصبهان"، فجاء البريد بموت الواثق، فطرد الأعوان عن داره، فقال الناس: ذهب بكّار بن الحسن بالدست، وخَرِيَ حبان في الطست.
قال ابن أبي الشيخ: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين، -رحمه الله تعالى-.
وسيأتي أبوه الحسن في بابه، إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1868
١١٥٢ - الشيخ الفاضل بكّار بن قُتيبة بن عبد الله بن أبي بردعة ابن عبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة أبو بكرة الثقفي، البكراوي *.
وفي هذا النسب، من تقديم بعض الآباء على بعض، وإثبات البعض، وإسقاط البعض، خلاف، لا علينا أن نطيل به، لعدم الفائدة المهمّة في ذلك.
ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وأخذ الفقه والشروط عن هلال بن يحيى، وعيسى بن أبان، وطلب الحديث، فأكثر عن أبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، وصفوان بن عيسى، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ومؤمل بن إسماعيل، وغيرهم من مشايخ "البصرة".
وروى عنه أبو داود السجستاني، خارج "السنن" وابن خزيمة، وأبو عوانة، في "صحيحيهما"، والطحاوي، أكثر عنه جدًا، وخلائقُ كثيرون، وكان له اتّساع في الفقه والحديث.
стр. 1869
وعن أحمد بن سهل الهرويّ قال: كنت ألازم غريمًا لي، إلى (١) بعد العشاء الآخرة، أو نحو هذا، وكنت ساكنًا في جوار بكّار بن قتيبة، فانصرفت إلى منزلي، فإذا هو يقرأ ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، الآية، فوقفتُ أتسمع عليه طويلًا، ثم انصرفتُ فقمتُ في السحر، على أن أصير إلى منزل الغريم، فإذا هو يقرأ هذه الآية، ويردّدها، فعلمتُ أنه كان يقرؤها من أول الليل.
وكان كثيرًا ما يُنشد (٣):
لِنَفْسِيَ أَبْكِي لستُ أَبْكِى لِغَيرِهَا … لِعَيْبِيَ في نفسي عن الناسِ شاغِلُ
قال أبو عمر الكندي (٤): قال محمد بن الربيع الجيزي: ولي بكّار قضاء "مصر" من قبل المتوكّل، فدخلها يوم الجمعة، لثمان ليالٍ خلون من جمادى الآخرة، سنة ستّ وأربعين ومائتين.
ويقال: إنه لقي وهو قاصد "مصر" محمد بن أبي الليث بـ "الجفار" (٥)؛ وهو الرمل الذي بين "غزّة" و"العريش"، راجعًا إلى "العراق" مصروفًا، فقال له بكّار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفت البلد، فدُلّني على مَنْ أشاوره وأسكن إليه.
стр. 1870
فقال له: عليك برجلين، أحدهما عاقل، وهو يونس بن عبد الأعلى، فإنني سعيتُ في سفك دمه، وقدر عليّ فحقن دمي، والآخر موسى بن عبد الرحمن بن القاسم؛ فإنه زاهد.
قال: فصِفْهما لي.
فوصفهما له، فلمّا دخل بكّار "مصر"، ودخل الناس إليه، رأى شيخًا بالوصف الذي وصف له به يونس بن عبد الأعلى، فظنّ أنه هو، فأكرمه، فبينا هو في الحديث معه، إذ قيل: يونس بن عبد الأعلى. فأعرض عن الرجل، وتلقّى يونس، فأكرمه، وأتاه موسى بن عبد الرحمن، فأعظمه، واستشاره، وأخذ برأيه.
واتفق (١) أنه قال لموسى، بعد ما تخصص به: يا أبا هارون! من أين المعيشة؟ قال: من وقف أبي.
قال: يكفيك؟ قال: قد تكفّيت به، وقد سأل القاضي، فأسأل؟ قال: سل.
قال: هل ركب القاضي دين بـ "البصرة". لم يجدْ له وفاء حتى تولّى القضاء؟ قال: لا.
قال: فرزق ولدًا أحوجه إلى ذلك؟ قال: لا.
قال: فعيال؟ قال: ما نكحت قطّ.
قال: فأجبره السلطان وخوفه؟ قال: لا.
قال: فضربت آباط الإبل من "البصرة" إلى "مصر" لغير حاجة!! لله علىّ أن دخلت عليك أبدًا.
قال: أقلني.
قال: أنت ابتدأت.
стр. 1871
ثم انصرف عنه، فلم يعدْ إليه.
قال ابن حجر (١): وقد استبعد صاحبنا جمال الدين (٢) صحة هذه الحكاية (٣)، من جهة أن ابن أبي الليث كان حينئذ محبوسًا بـ "العراق"، ولأن خروجه من "مصر" كان في سنة إحدى وأربعين، قبل مجيئ بكّار بخمس سنين.
وأجرى المتوكّل على بكّار في الشهر مائة وثمانية وستين دينارًا.
وكان بكّار عارفًا بالفقه، كثير البكاء، والتلاوة، وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه، وعرض من تقدم إليه، وما حكم به، على نفسه، وكان يكثر الوعظ للخصوم، ولا سيّما عند اليمين، وكان يحاسب أمناءه في كلّ وقت، ويسأل عن الشهود.
ودخل عليه أبو إبراهيم المزني (٤) في شهادة، ولم يكنْ رآه قبلها، لاشتغال المزني بنفسه، وإنما اضطرّ إلى أداء الشهادة، فلمّا أدّاها، قال له: تسم.
فقال: إسماعيل بن يحيى المزني.
قال: صاحب الشافعي؟ قال: نعم.
فاستدعى مَنْ شهد عنده أنه هو، فقبل شهادته.
وقال الطحاوي (٥): ما أدري كم كان يجئ أحمد بن طولون إلى بكّار، وهو على الحديث، فما يشعر به بكّار إلا وهو جالس إلى جنبه،
стр. 1872
فيقول: ما هذا أيّها الأمير، هلا تركتني حتى أقضى حقّك، أحسن الله مجازاتك.
وقال أبو حاتم ابن أخي بكّار: قدم على بكّار رجل من أهل "البصرة"، ذكر أنه كان رفيقه في المكتب، فأكرمه جدًا، ثم احتاج إلى شهادة، فشهد عند بكّار مع رجل مصري، فتوقّف عن الحكم، فظنّ أهل "مصر" أن توقفه لأجل المصري، فسئل في خلوة عن ذلك، فقال. المصري على عدالته، ولكن السبب البصري، وذكر منه أمرًا رآه في الصغر، وقال: لا تطيبُ نفسي إذا ذكرت ذلك أن أقبل شهادته.
وقيل (١): إنه ذكر أنه أكل معه أرزًا في سمن، فنفذ العسل الذي من ناحية بكّار، ففتح من جهة صاحبه، حتى جرى إليه، فقال له ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ (٢).
فقال: له بكّار (٣): أتهزأ بالقرآن في مثل هذا! فبقيت في نفسه عليه.
وكان بكّار في غاية العفاف، وسلامة الصدر، اتفق أنه دخل عليه بعض أمنائه، وهو مخرق الثياب، فقال: بعثتني أحفظ تركة فلان، فصنع بي جاره هذا.
فقال: أحضروه.
فأحضره الأعوان، فقال له بكّار: أنت صنعت هذا بأميني (٤).
قال: نعم.
стр. 1873
فقال: خُذُوه.
فأخذه الأعوان، فسقط ميتًا، فدهش بكّار، فقال له أمناء القاضي: هذا عمله اليوم (١)، مات مرّتين.
فاستوى الرجل جالسًا، فقال: كذبوا والله، ما متّ إلا الساعة، ورقد.
فجعل بكّار يرشّ عليه ماء الورد، ويشمّه (٢) الكافور، ويرفق به، ويعده، إلى أن قام، فصرفه، وأقبل على أعوانه، فقال: هددتموه، وجررتموه، فلو وافق أجله!.
وكان ابن طولون (٣) إذا حضر جنازة لا يُصلّي عليها غيره، إلا أن يكون بكّار حاضرًا (٤).
ويقال (٥): إن بكّارًا كان عثمانيًا، فتظلّم إليه رجل، فجعل يُنادي: ذهب الإسلام.
فقال له بكّار: يا هذا! نحر عثمان فما ذهب الإسلام، يذهب بسببك!
فلمّا وقع بينه وبين ابن طولون بكته بها ابن طباطبا النقيب (٦).
وقال الطحاوي (٧): جاء رجل إلى أبي جعفر محمد بن العبّاس التل الفقيه، فقال له: في يدي دار لرجل غائب، وإني أريد إخراجها من يدي.
стр. 1874
فقال له: صرْ إلى القاضي، فسلّمها له.
فمضى، وعاد، فقال: قلت له، فقال: أخرجوه. فقال له التل: صدق، عد إليه، وسم له اسم صاحبها، وأنه غائب. ففعل، فقال: أخرجوه. فقال له التل: صدق، عد إليه، وأذكر له موضعها وحدودها (١). ففعل، فقال: أخرجوه، فقال له التل: صدق، عد إليه، واذكر له إنك لا ملك لك عليها، ولا على شيء منها بسبب من الأسباب. فقال: أخرجوه. فقال التل: صدق، عد إليه، وقل له: وأنا عاجزٌ عن حفظها. فمضى، ثم عاد، فقال: عرفته ذلك، فقال: اكتبوا عليه بما ذكرنا كتابًا، وأعطوه نسخة، واقبضوا الدار، وأقيموا لها أمينًا، حتى يحضر صاحبها. فقال له التل: ابتليت بقاضٍ فقيه.
قال ابن حجر: والتل هذا يسمّى محمد بن العبّاس، بصرى سكن "مصر"، ومات في ذي الحجّة، سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
وعن بكّار (٢) أنه قال يومًا في مجلسه: ما حللت سراويلي على حلالٍ قطّ.
فقال له رجل: ولا حرام؟ فقال: والحرام يذكر!! وكان بكّار (٣) يخالف أصحابه الحنفية في تحليل قليل النبيذ، ويذهب إلى تحريمه، وكان يعاتب صاحبه (٤) أبا جعفر التل على الشرب.
стр. 1875
قال ابن زولاق (١): كان لبكّار اتّساعٌ في العلمِ والمناظرة، ولما رأى "مختصر المزني" وما فيه من الردّ على أبي حنيفة، شرع هو في الردّ على الشافعي، فقال لشاهدين من شهوده: اذهبا إلى المزنيّ، فقولا له: سمعت الشافعى يقول ما في هذا الكتاب؟
فمضيا، وسمعا "المختصر" كلّه من المزنيّ، وسألاه: أسمعت الشافعيّ يقول هذا؟ قال: نعم.
فعادا إلى بكّار، فأخبراه بذلك، فقال: الآن استقام لنا أن نقول: قال الشافعي. ثم صنّف الردّ المذكور.
ومن قضايا بكّار (٢)، أن رجلًا خاصم آخر شافعيًا في شفعة جوار، فطالبه عند بكّار، فأنكر، فطاوله بكّار حتى عرف أنه من أهل العلم، فقال بكّار للمدّعي: ألك بينة؟ قال: لا.
قال لخصمه: أتحلف؟ قال: نعم.
فحلّفه، فحلف، فزاد في آخر اليمين: إنه ما يستحقّ عليك هذه الشفعة على قول من يعتقد شفعة الجوار، فامتنع، فقال له بكّار: قُم فأعطه شُفعته.
فأخبر الرجل المزنيّ بقضيّته، فقال: صادفت قاضيًا فقيهًا.
ولما غضب أحمد بن طولون (٣) على بكّار سجنه، وكان السبب في ذلك أنه لما خرج إلى قتال الموفّق بسبب المعتمد، حين ضيق، وهو ولي العهد على أخيه المعتمد (٤)، وهو الخليفة حينئذ، حتى إنه لم يبق للمعتمد إلا الاسم،
стр. 1876
ضاق المعتمد بذلك، فكاتب أمراء الأطراف، فوافقه أحمد بن طولون، وواعده أن يحضر إليه، ويحمله معه إلى "مصر"، ويجعلها دار الخلافة، ويذبّ عنه من يُخالفه في ذلك، فتهيأ المعتمد لذلك، واهتمّ أحمد بأمره، فبلغ الموفق، فنصب لأحمد الحرب، وصرّح بعزله، ولعنه، فصرّح أحمد بخلع الموفّق من ولاية العهد، وأمر بلعنه، وخرج أحمد بالعسكر من "مصر"، واستصحب بكّارًا.
فلمّا كان بـ "دمشق"، جاء كتاب المعتمد إلى ابن طولون بخلع الموفق من ولايته العهد، ففعل، وأجاب القضاة كلّهم إلى خلعه، وسماه بكّار الناكث، وأشهد على نفسه هو وسائر قُضاة "الشام" و"الثغور".
وطلب منهم أحمد أن يلعنوا الموفّق، فامتنع بكّار، فألحّ عليه، فأصرّ على الامتناع، حتى أغضبه.
وكان قبل ذلك مكرمًا معظمًا عنده، عارفًا بحقّه، وكان يجيزه في كلّ سنة بألف دينار، فلمّا غضب عليه أرسل إليه: أين جوائزي؟ فقال: على حالها.
فأحضرها من منزله بخواتيمها ستة عشر كيسًا، فقبضها أحمد منه (١).
ثم لم يزلْ عليه في لعن الموفّق، وهو يمتنع من إجابته، إلى أن قال يومًا لأحمد: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
فقال علي بن الحسين بن طباطبا نقيبُ الطالبيين بـ "مصر": أيها الأمير! إنه عناك.
فغضب أحمد، وأمر بتمزيق ثيابه، وجروه برجله، وليس عليه إلا سراويل وخفان وقلنسوة، وهو مسلوب الثياب (٣)، فضربه رجل بعود حديد على رجله
стр. 1877
الممدودة، فقال: أوه. وضمّها، ثم حمل من بين يديه إلى السجن، ثم أقامه للناس يطالبونه بمظالم يدعونها عليه، فكان يحضر في مجلس المظالم بين يدي أحمد قائمًا.
وكان الطحاوي يقول: ما تعرض له أحد، فأفلح بعد ذلك، لقد تعرّض له غلام، يقال له: عامر بن محمد بن نجيح، وكان في حجره، فرآه بكّار في مجلس المظالم، فقال له: يا عامر! ما تصنع ها هنا؟ قال: أتلفت على مالي.
فقال: إن كنت كاذبًا فلا نفعك الله بعقلك.
قال: فأخبرني من رآه، وهو ذاهب العقل، يسيل لعابه، يسبّه الناس، وهو يرميهم بالحجارة، وهم يقولون: هذه دعوة بكّار.
قال (١): وتقدّم إليه نصرانيّ، فقال: أيّها الأمير! إن هذا الذي يزعم أنه كان قاضيًا جعل ربع أبي حبسًا.
فقال بكّار: ثبت عندى أن أباه حبس هذا الربع، وهو تملكه، فأمضيت الحبس، فجاءني هذا مُتظلّمًا، فضربته، فخرج إلى "بغداد"، فجاءني بكتاب هذا، الذي تزعم أنه الموفّق: "لا تمض أحباس النصارى"، فعرفت أنه جاهل، فلم ألتفت إليه، وقد شهد عندي إسحاق بن معمر، بأن هذا كان أسلم بـ "بغداد" على يد الموفّق، فإن شهد عندي آخر مثل إسحاق ضربت عنقه.
فصاح أحمد بالنصراني: المطبق (٢)، المطبق، فأخرج، وحُبس.
قال الطحاوي (٣): ولما قبض أحمد بن طولون يد بكّار عن الحكم وسجنه، أمره أن يُسلم القضاء لمحمد بن شاذان الجوهري، كالخليفة له، ففعل.
стр. 1878
ثم كان بكّار إذا حضر مجلس المظالم للمناظرة يعاد إلى السجن إذا انقضى المجلس، وكان يغتسل في كلّ يوم جمعة، ويلبس ثيابه، ويجيء إلى باب السجن، فيردّه السجّان، ويقول: أعذرني أيّها القاضي، فما أقدر على إخراجك.
فيقول: اللّهم اشهدْ.
فبلغ ذلك أحمد، فأرسل إليه: كيف رأيت المغلوب المقهور، لا أمر له، ولا نهي، ولا تصرّف له في نفسه، لا يزال هكذا، حتى يردّ على كتاب المعتمد بإطلاقك.
ولما طال حبس بكّار (١) طلب أصحاب الحديث إلى أحمد أن يأذن لهم في السماع منه (٢)، فكان يحدّثهم من طاق السجن، فأكثر من سمع منه في آخر عمره كان كذلك.
قال ابن زولاق: ثم أمر ابن طولون بنقل بكّار من السجن إلى دار اكتريتْ له عند درب الصقلي، فأقام فيها.
فلمّا مات أحمد بن طولون بلغ بكّارًا، فقال: ما للناس؟! قيل: انصرف أيّها القاضى إلى منزلك، فقد مات أحمد ..
فقال: الدار بأجرة، وقد صلحتْ لي.
وعاش بعد ابن طولون أربعين يومًا، ومات في تلك الدار، وكانتْ جنازة حافلة جدًا، وما روى أحد فيها راكبًا، وصلّى عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبة، ودفن بطريق "القرافة". والدعاء عند قبره مستجاب، ومات يوم الخميس، لخمس بقين من ذي الحجّة، سنة سبعين ومائتين، وقد قارب التسعين، وكانتْ مدّة ولايته أربعًا وعشرين سنة، -رحمه الله تعالى، ورضى عنه، ونفعنا ببركاته، آمين-.
стр. 1879
قلت: في "الفوائد البهية" ص ٥٥ أرّخ السيوطي في "حسن المحاضرة" وفاته سنة سبعين ومائتين. وقال في وصفه: سمع أبا داود الطيالسي وأقرانه، وروى عنه أبو عوانه في "صحيحه" وابن خزيمة، وله أخبار في العدل والفقه والنزاهة والورع، وتصانيف في الشروط، والوثائق، والردّ على الشافعي. انتهى. وكذا أرّخه القارئ. وقال في نسبته: بكّار بن قتيبة بن أسد ابن أبي بردعة بن أبي عبيد الله بن بشر بن أبي عبيد الله بن أبي بكرة الصحابي الثقافي البكراوي، وكان من أفقه أهل زمانه، وكان له اتساع في الفقه، وقد ذكره السروجي في "شرح الهداية" في صفة الصلاة. وقال: كان من البكّائين والتالين لكتاب الله، وقبره مشهور بـ "القرافة" بـ "مصر"، يزار ويتبرّك به. ويقال: إن الدعاء عند قبره مستجاب.
* * *
١١٥٣ - الشيخ الفاضل بكبرس، أبو الفضائل، وأبو شجاع *.
الفقيه الأصولي، الملقّب نجم الدين التركي، الناصري، مولى أمير المؤمنين الناصر لدين الله.
стр. 1880
قال في "الجواهر": له "مختصر" في الفقه على مذهب أبي حنيفة، رأيته نحوًا من "القدوري" اسمه "الحاوي"، وله "شرح العقيدة" للطحاوي، في مجلّد كبير ضخم، فيه فوائد، رأيته أيضًا، سماه بـ "النور اللامع والبرهان الساطع".
سمع منه الحافظ عبد المؤمن الدمياطي بـ "بغداد".
وتوفي بها بعد الخمسين وستمائة.
وذكره الصاحب ابن العديم، في "تاريخ حلب"، وقال: فقيه حسن، عارف بالفقه والأصول، وكان يلبس لبس الأجناد القباء والشربوش، عرض عليه الإمام المستنصر قضاء القضاة بـ "بغداد"، وأن يلبس العمامة، فامتنع من ذلك.
قال ابن العديم: وبلغني أن اسمه أولًا منكوبرس، فسمي بكبرس، وكان خيرًا فقيهًا، ورعًا، فاضلًا، حسن الطريقة، ولم يتفقْ لي به اجتماع حين قدم "حلب"، ولا حين قدمت "بغداد"، وأخبرت أنه كان على الرق، ولم يعتقْه مواليه، وكذا عادة الخلفاء بـ "بغداد"، وأنه تزوّج بامرأة حرّة لها ثروة، وولد منها بنت، وماتت المرأة، وورثت ابنته منها مالًا وافرًا، وماتت البنت، فجمع جميع ما كان لابنته، وسيره للإمام المستنصر، وقال: أنا عبدٌ، ولا أرث من ابنتي شيئًا، وهي حرة. فردّ عليه، وأذن له في التصرّف فيه على حسب اختياره.
قال: وتوفي بـ "بغداد"، في أوائل شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ودفن إلى جانب قبر أبي حنيفة في القبّة بالرصافة.
كتب عنه الحافظ الدمياطي، وذكره في "معجم شيوخه"، -رحمه الله تعالى-.
* * *
стр. 1881
١١٥٤ - الشيخ العارف بالله تعالى الحاج بكتاش *.
كان ﵀ من جملة أصحاب الكرامات وأرباب الولايات، وقبره ببلاد "تركمان" وعلى قبره قبّة، وعنده زاوية يزار، ويتبرّك به، وتستجاب عنده الدعوات، وقد انتسب إليه في زماننا هذا بعض من الملاحدة نسبة كاذبة، وهو بريئ منهم بلا شكّ. -قدّس الله تعالى سرّه العزيز-.
* * *
١١٥٥ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي، الشهبي الدمشقي، تقي الدين * *.
فقيه "الشام" في عصره، ومؤرّخها، وعالمها، من أهل "دمشق".
اشتهر بابن قاضي شهبة، لأن أبا جدّه (نجم الدين عمر الأسدي) أقام قاضيا بـ "شهبة" (١) من قرى "حوران" (٢) أربعين سنة.
стр. 1882
من تصانيفه: "الإعلام بتاريخ الإسلام"، و"منتقى تاريخ الإسلام" للذهبي، وما أضيف إليه من تاريخي ابن كثير والكتي وغيرهما) ثمانية مجلّدات ضخام، ظفرتُ بخمسة منها، يأتي بيانها في (المصادر) و"تاريخ"، الأول والثاني منه يشتملان على الحوادث والوفيّات من بدء سنة ٧٤١ هـ إلى نهاية ٧٨٥ هـ، اقتنيتُ تصويرهما، و"المنتقى من تاريخ الإسلام" للذهبي مجلّد واحد منه، يشتمل على تراجم المتوفّين في النصف الثاني من القرن الثالث، اقتنيتُه مصوّرا.
و"مناقب الإمام الشافعي"، و"الكواكب الدرّية" في سيرة نور الدين الشمهيد محمود بن زنكي، و"طبقات النحاة واللغويين"، اقتنيتُ تصويره، و"مدارس دمشق وحماماتها" رسالة، و"طبقات الحنفية".
توفي ٨٥١ هـ في "دمشق" فجأة، وهو جالس يصنّف، ويكلّم ولده.
* * *
١١٥٦ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن أحمد، الجورومي، الرومي، المدرّس، المتوفى ١٢٠٣ ثلاث ومائتين وألف *.
стр. 1883
وله "نظم العقائد النسفية"، و"الحكم الخفية والأنوار الجلية"، و"الحكم الروابغ في شرح الكلم النوابغ) للزمخشري.
* * *
١١٥٧ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن البرهان الضجاعي *.
من رجال القرن التاسع الهجري.
فقيه، شاعر، حاسب، مقرئ.
من آثاره: "مؤلف في الحساب"، و"مقدمة" للقراء السبعة في ثلاثين جزءا كتبها بالذهب والفضّة ووقفها بمسجد الأشاعرة من "زبيد".
* * *
١١٥٨ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن رستم بن أحمد بن محمود الشرواني، الرومي *.
أحد رجال الدولة العثمانية.
أديب.
من آثاره: "ما لا بدّ منه للأديب".
توفي سنة ١١٣٥ هـ.
* * *
стр. 1884
١١٥٩ - الإمام الزاهد الخطيب أبو بكر ابن زياد المرغيناني *.
خطب بـ "مَرْغينان" مدّة، وكانتْ إقامة الجمعة إليه سنين كثيرة، وكان مجتهدا في العبادة، من شيوخ صاحب "الهداية".
* * *
١١٦٠ - الشيخ الفاضل القاضي أبو بكر بن شرف الدين أبي الروح عيسى بن الرصاص * *.
باشر نيابة الحكم بـ "القدس" سنة ٨٠٢ هـ ثم ولي استقلالا، وولي قضاء "غزة"،
وكان مشكور السيرة في القضاء، عفيفا، دينا.
سمع كثيرا.
توفي بـ "دمشق" سنة ٨٣٢ هـ عن نحو سبعين سنة، كذا في "الإنس الجليل".
* * *
١١٦١ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن عبد الله التوقادي، الرومي * *
стр. 1885
أمين الفتوى.
له "روضة القضاة وحديقة الفوز والنجاة".
توفي سنة ١١٧٩ هـ.
* * *
١١٦٢ - الشيخ الفاضل بكر بن عبده الحلبي الفقيه، الشاعر *.
هو بكري بن عبده رجب الحلبي.
ولد بالباب من أعمال "حلب" سنة ١٣٢٨ هـ، ثم رحل بعد ما كبر إلى "حلب"، ودرس بالمدرسة المخسروية على شيوخ، من أجلّهم: الفقيه أحمد الزرقا.
له كتاب "هداية المريد إلى جوهرة التوحيد"، و"الرسالة الشافية"، و"الدليل إلى مناسك الحج"، و"ديوان شعر"، أغلبه في مدح المصطفى، ﷺ .
توفي سنة ١٤٠٠ هـ.
* * *
١١٦٣ - الشيخ الفاضل الإمام أبو بكر بن عثمان بن خليل بن محمود الحوراني، تقي الدين *.
стр. 1886
ولد بعد سنة ٧٤٠ هـ، وسمع من الميدوني وغيره، ومات في أواخر سنة ٨٠٤ هـ بـ "بيت المقدس".
كذا ذكره الحافظ ابن حجر في "معجمه".
وقال لقيتُه، وقرأتُ عليه "المسلسل بالأولية"، و"جزء البطاقة".
* * *
١١٦٤ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن عثمان بن محمّد الجيتي، تقي الدين *.
ولد في حدود سنة ٧٦٠ هـ.
واشتغل بالفقه، ومهر في العربية، وقدم "القاهرة"، وولي قضاء العسكر.
مات في الطاعون سنة ٨١٩ هـ.
كذا ذكره ابن حجر.
* * *
١١٦٥ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن علوي القاضي تقى الدين، الشامي * *.
اشتغل على الزين البسطامي، واستنابه السراج الهندي بباب الخرق ظاهر "القاهرة".
стр. 1887
ومات في جمادى الأولى سنة ٧٧١ هـ.
* * *
١١٦٦ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي، الأزراري، ويعرف بابن حجّة (تقي الدين أبو المحاسن) *.
أديب، ناثر، ناظم.
ولد بـ "حماة" سنة ٧٦٧ تقريبا، ونشأ بها، وتعانى عمل الحرير وعقد الأزرار وقتا، ثم اشتغل بالعلم والأدب، ودخل "القاهرة" وبلاد "الروم"، وتوفي بـ "حماة" في شعبان سنة ٨٣٧ هـ، وقيل: في رجب.
من آثاره: "ديوان شعر"، "قهوة الإنشاء"، "بلوغ المراد من الحيوان والنبات والجمّاد" في مجلّدين، و"ثمرات الأوراق" في المحاضرات، و"بروق الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم".
* * *
١١٦٧ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن علي بن محمد بن يونس ،
стр. 1888
الشاهد *.
سمع من ابن الشحنة.
وحدّث، ومات في المحرّم سنة ٧٧٦ هـ.
* * *
١١٦٨ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن علي بن محمد الحدَّاد الزبيدي * *.
فقيه، حنفي، يماني.
من أهل "العبادية"، من قرى (حازة وادي زبيد) في "تهامة".
والحازة اسم لما قارب الجبل.
استقرّ في "زبيد"، وتوفي بها ٨٠٠ هـ.
قال الضمدي: له في مذهب أبي حنفية مصنّفات جليلة، لم يصنّفْ أحد من العلماء الحنفية بـ "اليمن" مثلها، كثرة وإفادة، تبلغ كتبه نحو ٢٠ مجلّدا، منها: "السراج الوهّاج" ثماني مجلّدات، في شرح "مختصر القدوري"، و "الجوهرة النيرة" مجلّدان، في شرح "مختصر القدوري" أيضا، و"سراج الظلام" في شرح "منظومة الهاملي"، وكتاب "التفسير".
قال الشوكاني: تفسيره حسن مشهور الآن عند الناس، يسمّونه "تفسير الحداد".
* * *
стр. 1889
١١٦٩ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن علي بن موسى الهاملي، اليمني (سراج الدين) *.
فقيه، ناظم.
من آثاره: "المنظومة الهاملية" في فروع الفقه الحنفي.
توفي سنة ٧٦٩ هـ.
* * *
١١٧٠ - الشيخ الإمام المحدّث، أبو بكر بن علي بن يحيى بن إبراهيم بن خولان بن بحتر الصالحي *.
حدّث بـ "حلب" عن القاضي تقي الدين سليمان،
سمع منه أبو المعالي بن عشائر، وأرّخ وفاته سنة ٧٦٦ هـ.
* * *
١١٧١ - الشيخ الفاضل السَّيِّد أَبُو بكر بن علي الطوسيه وي، رَئِيس الْكتاب الرُّومِي ،
стр. 1890
المتخلّص براتب النقشبندي *.
الْمُتَوفَّى منفيا فِي "جَرِيدَة ردوس" سنة ١٢١٤ هـ أرْبَعْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف.
لَهُ "ديوَان شعره"، تركي.
* * *
١١٧٢ - الشيخ الفاضل بكر بن علي فردي القيصري الرُّومِي، الْمدرّس، الْمَعْرُوف بآراييجي زَاده * *.
مَاتَ سنة ١١٤٥ هـ خمس وأربعين وَمِائَة وألف.
لَهُ "حَاشِيَة على شرح البُخارِيّ"، و"شرح قصيدة الْبردَة".
* * *
١١٧٣ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن عمر بن إبراهيم بن دعاس الفارسي اليمني * * *.
شاعر، كان له علم بالأدب واللغة وفقه الحنفية.
стр. 1891
أقام في "تعز" بـ "اليمن"، وحظي لدى الإمام المظفّر، حتى اختصّ به، ثم طرده المظفّر لإدلال تكرّر منه، فنزل بـ "زبيد"، وتوفّي فيها.
وكان أهل "زبيد" ينسبونه إلى سرقة الشعر، ويقولون: إذا حوسب الشعراء يوم القيامة يؤتى بابن دعاس فيقول: هذا البيت لفلان، وهذا المصرع لفلان، وهذا المعنى لفلان، فيخرج بريا!.
توفي سنة ٦٦٧ هـ.
* * *
١١٧٤ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن أبي القاسم بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان، اليمني، التهامي، الحسيني، المعروف بابن الأهدل *.
عالم، أديب، مشارك في أنواع من العلوم.
ولد بـ "تهامة" سنة ٩٨٤ هـ تقريبا، وتوفي بقرية "المحط "في جمادى الأولى سنة ١٠٣٥ هـ.
من تصانيفه: "الأحساب العلية في الأنساب الأهدلية"، و"البيان والأعلام بمهمّات أحكام أركان الإسلام"، و"الدرّة الباهرة في التحدّث بشئ من نعم الله الباطنة والظاهرة"، و"نفحة المندل في تراجم سادة الأهدل"، و"نظم اصطلاحات الصوفية".
* * *
стр. 1892
١١٧٥ - الشيخ الفاضل بكر بن محمد بن أحمد بن مالك بن جماع بن عبد الرحمن ابن فرقد، أبو أحمد، السنجي، الورسنيني *.
سكن "سمرقند"، وروى عن أبيه، في آخرين، وكان فقيهًا، مناظرًا، عقد له مجلس الإملاء.
ومات بـ "سمرقند"، سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. قاله في "الجواهر".
وقال السمعاني: مات بـ "بخارى"، سنة إحدى وخمسين.
وسيأتي تحقيق النسبة إلى "سنج"، وورسنين، في باب الأنساب (١) مفصّلًا، إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1893
١١٧٦ - الشيخ الفاضل أبو بكر بن محمد بن سليمان الكردي، السهراني *.
له "الدرة المضيئة في شرح الكواكب الدرية على قصيدة البردة".
توفي سنة ١٠٤٨ هـ.
* * *
١١٧٧ - الشيخ تقي الدين أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلّى بن موسى بن حريز بن سعدي بن داود بن قاسم بن علي بن علوي بن ناشي بن جوهر بن علي بن أبي القاسم بن سالم بن عبد الله بن عمر بن موسى بن يحيى بن على الأصغر بن محمد المتقي بن حسن بن على بن محمد الجواد بن على الرضي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على بن زين العابدين بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الحصني * *.
نسبة إلى "الحصن" قرية من قرى "حوران"، ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي.
ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، تفقّه بالشريشي، والزهري، وابن الجابي، الصرخدي، الغزّي، وابن غنوم.
стр. 1894
وأخذ عن الصدر الياسوفي، ثم انحرف عن طريقته، وحطّ على ابن تيمية، وبالغ في ذلك، وتلقّى ذلك عنه الطلبة بـ "دمشق"، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة، وكان يميل إلى التقشّف، ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللناس فيه اعتقاد زائد، ولخّص مهمّات في مجلّد، وكتب على التنبيه.
قال القاضي تقي الدين الأسدي: كان خفيف الروح، منبسطا، له نوادر، ويخرج إلى النزه، ويبعث الطلبة على ذلك مع الدين المتين، والتحرّي في أقواله وأفعاله، وتزوّج عدّة نساء، ثم انقطع، وتقشّف، وتجمّع، كلّ ذلك قبل القرن، ثم ازداد بعد الفتنة تقشّفه وانجماعه، وكثرت مع ذلك.
وتوفي بخلوته بجامع المزار بـ "الشاغور" بعد مغرب ليلة الأربعاء خامس عشر جمادى الأخرى، وصلي عليه بالمصلّى، صلّى عليه ابن أخيه، ثم صلّي عليه ثانيا عند جامع كريم الدين، ودفن بالقبيبات في أطراف العمارة على حادة الطريق عند والدته، وحضر جنازته عالم لا يحصيهم إلا الله، مع بعد المسافة، وعدم علم أكثر الناس بوفاته، وازدحموا على حمله للتبرّك به، وصلّى عليه أمم ممن فاتتْه الصلاة على قبره، ورؤيتْ له منامات صالحة في حياته، وبعد موته.
وذكر في "هدية العارفين"، ومن مصنّفاته: شرح "الهداية" للمَرْغيناني في فرع الحنفية.
توفي في سنة تسع وعشرين وثمانمائة.
* * *
١١٧٨ - الشيخ الفاضل بكر بن محمد بن علي بن الحسن بن أحمد
стр. 1895
ابن إبراهيم بن إسحاق بن عثمان بن جعفر بن جابر ابن عبد الله الأنصاري، الزرنجري، أبو الفضائل، الملقّب شمس الأئمة، من أهل "بُخارى" *.
تفقّه على شمس الأئمة الحلواني، وغيره، وبرع في الفقه، وكان يضرب به المثل في حفظ مذهب أبي حنيفة، وكان مُصيبًا في الفتاوى، وأجوبة الوقائع، وكانتْ له معرفة بالأنساب والتواريخ، وكان أهل بلده يسمّونه أبا حنيفة الأصغر.
وكان نهاية في الحفظ، بحيث إن المتفقّه إذا طلب منه إلقاء درسٍ من أيّ محلّ كان، يلقيه من حفظه، ولا يحتاج إلى مراجعة كتاب.
وكانت الفقهاء إذا وقع لهم في الرواية إشكال يراجعونه، ويأخذون بقوله.
وأملى، وحدّث، وسمع أباه، وشيخه الحلواني، وأبا مسعود البجلي، وكانتْ عنده كتب عالية.
وذكره السمعاني في "مشيخته"، وحكى أنه أجازه مكاتبة، سنة ثمان وخمسمائة، وأن جماعة كثيرة بـ "خراسان" و"ما وراء النهر" رووا له عنه، وأن ولادته كانتْ سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ووفاته في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.