← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

١٢١٦ - العالم الفاضل الكامل المولى محي الدين بير محمد ابن المولى علاء الدين على الفناري *. قرأ على علماء عصره، ثم ارتحل إلى بلاد العجم، وقرأ هناك على علماء "سمرقند" و"بخارى"، ثم أتى "بلاد الروم"، وأعطاه السلطان سليم خان مدرسة الوزير المرحوم مصطفى باشا بمدينة "قسطنطينية"، ثم صار مدرّسا بإحدى المدرستين المتجاورتين بـ"أدرنه"، ثم صار مدرّسا بإحدى المدارس الثمان، ثم عزل عن ذلك، ثم صار ثانيا مدرّسا بها، ثم أضرّت عيناه، وعجز عن إقامة التدريس، وعيّن له كلّ يوم ثمانون درهما بطريق التقاعد. مات وهو على تلك الحال في سنة أربع أو خمس وخمسين وتسعمائة. كان - رحمه الله تعالى - عالما، فاضلا، عابدا، زاهدا، محبّا للخيرات والصلاح. وكان صاحب أخلاق حميدة، وكان صحيح العقيدة، حسن السمت، وله حاشية على "شرح هداية الحكمة" لمولانا زاده، - روّح الله روحه، ونوّر ضريحه -. * * * ١٢١٧ - العالم الفاضل المولى بير محمد * *. قرأ - رحمه الله تعالى - على علماء عصره العلوم العربية، وعلوم القراءات، ومهر فيها، وكان حسن التلاوة، محمود الطريقة، مجودا.

стр. 1927

وكان خطيب بجامع السلطان بايزيد خان بمدينة "قسطنظينية"، ومدرّسا بدار القراء التي بناها المولى الفاضل الكوراني، وتوفي في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة. - نوّر الله تعالى قبره -. * * * ١٢١٨ - الشيخ الفاضل بير محمد الشمرواني، الأحمد نكري، أحد كبار العلماء *. قرأ عليه برهان نظام شاه ملك "أحمد نغر"، وقرّبه إليه، فصار مرزوقَ القبول في تلك البلدة، ثم اتفق أنه ذهب إلى قلعة "برينده "من قلاع "الدكن"، بعثه برهان نظام شاه بالرسالة إلى خواجه جهان الدكني، فلقي بها طاهر بن رضي الحسني الإسماعيلي، فقرأ عليه المجسطي، واستفاد منه سنة كاملة. ثم رجع إلى "أحمد نغر"، وذكره عند برهان نظام شاه، فاستقدمه الملك، وقرّبه إليه، وتلقّن منه مذهب الشيعة، وتشيّع معه ثلاثة آلاف من أهل بيته وخدمه، وخطب على المنابر للأئمّة الاثني عشر، ولعن الخلفاء الثلاثة، فهاجت الفتنة العظيمة بأحمد نغر، واجتمع الناس على بير محمد، وكانوا اثني عشر ألفا رجالا وفرسانا، فهجموا على برهان نظام شاه، ثم اعتزل عنه جمع كثير، وبقيتْ معه فئة قليلة، فانهزم، وتحضن في بيته، فأخذوه، وحبسوه في قلعة، فلبث في السحن أربعة أعوام، ثم أطلقه برهان نظام شاه، وكان ذلك بعد سنة ثمان وعشرين وتسعمائة. ذكره محمد قاسم في "تاريخه". * * *

стр. 1928

١٢١٩ - الشيخ الفاضل العالم بير محمد الشرواني، أحد كبار العلماء، لقبه ناصر الملك *. ولد، ونشأ بـ "خراسان"، وقدم "الهند"، فتقرّب إلى بيرم خان، فأحسن إليه، وربّاه، حتى تدرّج إلى الإمارة، وصار المرجع والمقصد في كلّ باب من أبواب الدولة، فكان الناس حوله يدورون، وفي كلّ أمر إليه ينظرون، فأخذه البطر والدالة، حتى أنه فعل ذات يوم بمحسنه بيرم خان ما لا يليق به، فسلب عنه بيرم خان رداء الكبر، وأخرجه إلى قلعة "بيانه"، وأمر بحبسه سنة خمس وستين وتسعمائة، فلبث بها زمانا، وبعث إلى بيرم خان رسالة له في إثبات برهان التمانع من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وصدر الرسالة باسمه، وتوسّل بها لخلاصه عن السجن، فلم يلتفتْ إليه بيرم خان، وأمرَ بإخراجه إلى الحرمين الشريفين بعد مدّة من الزمان، فبينما هو قاصد إلى "كجرات" وقعتْ بين السلطان ووكيله بيرم خان وحشة، لا نطيل الكلام بشرح تلك القصّة، وقد سبقت الإشارة إليها، فلمّا جمع بير محمد أن بيرم خان خرج من الحضرة رجع إلى "دهلي"، فبعثه السلطان لتعاقبه، فجدّ في السير، ورضي عنه السلطان، فلقبه بناصر الملك، وولّاه على بلاد "مالوه"، فنهض إلى "برهانبور"، وفتح قلعة "بيجاكده"، ثم صار إلى "خانديس"، فاستأصلها، ولما رجع إلى مستقرّه غرق في "ماء نربده"، وكان ذلك في سنة تسع وستين وتسعمائة، ذكره البدايوني في "تاريخه". * * *

стр. 1929

١٢٢٠ - الشيخ العالم الكامل بير محمد الجمال *. قرأ على علماء عصره، ثم صار قاضيا ببعض البلاد، مثل "صوفية" و"فلبه" و"غلطه"، ثم صار متولّيا بأوقاف عمارة السلطان محمد خان بمدينة "قسطنطينية" ثم صار حافظا للدفتر بالديوان العالي في أواخر سلطنة السلطان بايزيد خان وصدرا من سلطنة السلطان سليم خان، ثم استوزره السلطان سليم خان، ولقبه بير باشا، وكان هو وزيرا أعظم عند جلوس سلطاننا الأعظم على سرير السلطنة، ثم عزل عن الوزارة، وتقاعد في موضع قريب من "ديمه توقه"، وختم عمره بعبادة وصلاح وعفّة وديانة، - رحمه الله تعالى -. وكان عاقلا، مهيبا، صاحب حدس صائب، وذكاء فائق، لايذكر أحدا بسوء. وكان محبّا للعلماء والصلحاء، وكان مراعيا للفقراء، وكانتْ أيامه تواريخ الأيام، وبالجملة كان حسنة من حسنات الزمان، وبركة بركات الأيام. توفي - رحمه الله تعالى - في حدود الأربعين وتسعمائة، ودفن عند جامعة الذي بناه في قصبة "سيلوري"، وله جامع آخر، ومدرسة في مدينة "قسطنطينية"، ومدرسة أخرى ودار المسافرين في قصبة "سيلوري" وزاوية للصوفية في مدينة "قسطنطينية". وله أيضا دار المسافرين أخرى بمدينة "قوينة"، وله غير ذلك من الخيرات، - تقبّلها الله تعالى منه، ورحمه رحمة واسعة -.

стр. 1930

يروى أن السلطان سليم خان كان يعدله بأرسطاطاليس، ويقول: إن كان إسكندر بن فيلفوس يفتخر بوزيره أرسطو فأنا أفتخر بوزيري بير باشا في عقله ورأيه وحذقه. * * * ١٢٢١ - العالم العامل المولى محي الدين المشتهر بير الوجه *. إنما لقّب بذلك، لأنه كان في عنفوان شبابه يحارب مع أقرانه، فأصابتْه جراحة، واللقب المذكور إنما يطلق على من أصابته جراحة. قرأ على بعض العلماء، وصار مدرّسا ببعض المدارس، ثم صار قاضيا بمدينة "أدرنه" و"بروسه"، ولكن لم يكنْ له سيرة حسنة في قضائه، فعزل عن ذلك، ثم صار معلّما للسلطان بايزيد خان، ثم عزله عن ذلك، لأمر جرى بينهما، وأعطاه قضاء مدينة. "أدرنه" ثانيا، ثم عزله عن ذلك، وعيّن له كلّ يوم مائتي درهم، وعاش على ذلك إلى أن توفي. وله حواش على "شرح العقائد" للعلامة التفتازاني، - رحمه الله تعالى -. * * * ١٢٢٢ - الشيخ العارف بالله الحاج بيرام الأنقروي * *. ولد ﵁ بقرية قريبة من"أنقره" مسمّاة بـ "صول فصلي" على جنب نهر معروف بـ "جبق صولي" ثم اشتغل بالعلوم الشرعية والعقلية، وتمهّر

стр. 1931

فيهما، وصار مدرّسا بمدينة "أنقره"، ثم ترك التدريس، وتشرّف بصحبة الشيخ حامد المذكور، وبلغ إلى الغاية القصوى من الكمالات، وكان عارفا بأطوار السلوك ومنازله ومقاماته، وكان صاحب كرامات عيانية ومعنوية، وكانتْ صحبته مؤثّرة في الغاية، ووصل ببركة صحبته كثير من الأنام إلى المراتب العالية. مات ﵀ ببلدة "أنقره"، ودفن بها، وقبره مشهور هناك، يزار، ويتبرّك به، وتستجاب عنده الدعوات، وتستنزل به البركات، - قدّس سرّه -. * * * ١٢٢٣ - الشيخ الفاضل بيرم بن علي بن برستكين، أبو السرور *. فقيه، محدّث، روى عن الضياء بن عساكر، وغيره، وسمع منه الحافظ الرشيد، وأجاز له جميع ما يرويه. وكان مولده تخمينًا سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وتُوفي بـ"دمشق"، سنة عشرين وستمائة. - رحمه الله تعالى -. * * * ١٢٢٤ - العارف بالله تعالى الشيخ بيري خليفة الحميدي * *. كان قد تزوّج بنت شيخ الإسلام المتوطّن بقصبة "أكروير"، وكان يدرّس الكتب المعتبرة للطلبة، ولما دخل الشيخ عبد اللطيف المقدسى بلدة

стр. 1932

"قونية" زاره الشيخ المذكور، وأناب عنده، وتاب على يده، وأقام بخدمته، ثم رجع بـ "إذنه" إلى وطنه، وكان عالما مشهورا بالفضل في العلوم الظاهرة، ومكمّلا في الطريق الصوفية، ومكمّلا للمسترشدين من الصوفية، وبالجملة كان جامعا بين الشريعة والطريقة والحقيقة - قدّس سرّه -. * * * ١٢٢٥ - العارف بالله تعالى الشيخ بيري خليفة الحميدي صاحب مع السيّد البخاري *. وحصل عنده الطريقة، وأجازه للإرشاد، وسكن بوطنه، وكان عابدا، زاهدا، منقطعا عن الناس بالكلّية، متوجّها إلى الله تعالى، ظاهرا، وباطنا، يروى أنه كان دائم الاستغراق. ومن جملة مناقبه: أنه أتى إليه رجل بجوز بطريق الهدية، فلم يقبلْها، ولما تكدّر الرجل من عدم قبوله لها قال مظهرا عذره إليه: أليس وهبت هذه الشجرة من زوجتك بدلا من مهرها، فاعترف الرجل بذلك، وتسلّى. توفي - رحمه الله تعالى - في سنة اثنتين وستين وتسعمائة، - قدّس الله سرّه العزيز -. * * *

стр. 1933

حرف التاء ١٢٢٦ - الشيخ الفاضل المفتي تابع محمد بن المفتي محمد سعيد الحسيني اللكنوي *. كان من نسل الشيخ محمد أعظم بن أبي البقاء الكرماني. ولد، ونشأ بـ "لكنو"، وقرأ العلم على والده، وعلى الشيخ أحمد بن أبي سعيد الصالحي الأميتهوي، ولازمه مدّة من الزمان، حتى برع في العلم، وتأهّل للفتوى والتدريس، وولي الإفتاء بعد والده بمدينة "لكنو". له كتاب في الفقه الحنفي، وهو من أفخر الكتب، سمّاه "السراج المنير"، وصنّفه سنة ثمان وعشرين ومائة وألف. أوله: منك الهداية، وإليك النهاية، يا من نوّرَ بعلم الفقه قلوب أولي الأل باب . إلخ. وهذا الكتاب محفوظ في مكتبة ندوة العلماء. * * * ١٢٢٧ - الشيخ الفاضل الأمر الكبير تاتار خان الدهلوي الأعظم * *. كان من الرجال المعروفين بالفضل والصلاح والرياسة والسياسة.

стр. 1934

التقطه السلطان غياث الدين تغلق في بعض غزواته، طريحا في الأرض يوم ولد فيه، فاقتناه، وربّاه في مهد الإمارة، وجعله من خاصّته، ولما تولّى المملكة محمد شاه، قرّبه إليه، وولّاه الأعمال الجليلة، فصار ركنا من أركان السلطنة. وكان فاضلا، عادلا، شجاعا، مقداما، سخيا، حسن الأخلاق، شديد التمسّك بالشريعة المطهّرة، شديد الحسبة على الملوك والأمراء، لا يخاف في الله، ولا يهاب فيه أحدا، أنكر على فيروز شاه مرّة على شرب الخمر، فأقطعه فيروز شاه حصار "فيروزه"، ونفاه من حضرته، كذلك انقبض عنه محمد شاه تغلق مرّة. فكتب إليه هذه الأبيات: آه ندانم از كجا رنجيده … بي سبب از دوستان ببريده. بانك في خوش ميزند جانان من … ناله بيجاكان نشنيده. در تو ياري هركز اين عادت نبود … از طريق خود مكر كرديده. كو كناهي كرده أم ما را ببخش … زانكه تو جندين كنه بخشيده. از تتار خسته يا الله العظيم … نيست جرمي بي سبب رنجيده. فلمّا قرأ محمد شاه هذه الأبيات أكرم مثواه، وقرّبه إليه، وهو مع هذا القرب والمنزلة سار إلى الحرمين الشريفين، فسعد بالحجّ والزيارة. قال شمس الدين العفيف في "تاريخه": إنه لم يزلْ يشتغل بالعلم، ويجالس العلماء، ويذاكرهم، ويحسن إليهم، وإنه صنّف كتابا في التفسير، وسمّاه "التاتار خاني"، وهو أجمع ما في الباب. وصنّف بأمره عالم بن العلاء الدهلوي "الفتاوى التاتارخانية". مات في أيام فيروز الشاه السلطان. * * *

стр. 1935

١٢٢٨ - العالم الجليل والحدّث الكبير العلامة تاج الإسلام بن أنوار الدين الكُمِلّائي، الملقب بفخر بنغاله *. ولد في قرية "بوبن" من مضافات "ناصر نغر" من "بي باريه" سنة ١٣١٣ هـ. طَنَّتْ حصاته في الآفاق، وارتفع قدرُه، وتفرّد في عصره بالاتفاق، ونال الجاه العريض، والحرمة الوافرة، وكان إماما فاضلا، وبارعا كاملا، فقيها نبيلا، أديبا أريبا، شاعرا مجيدا، بارعا في علم المناظرة. وكان أبوه عالما كبيرا، ذا مجد وشرافة. قرأ عند أبيه في داره، ثم ذهب إلى "سِلْهِتْ" (١)، والتحق بالمدرسة الرسمية فيها، وقرأ فيها إلى "مشكاة المصابيح"، وغيرها. ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، وأخذ العلم من فضلائها، واشتغل، ودأب، وحصل، واستفاد منهم، وتخرّج عليهم، وأكمل الدراسة العليا فيها، إلى أن صار من أهل الفضل والكمال. ومن أساتذته: فيها المفتي الأعظم عزيز الرحمن الديوبندي والإمام أنور شاه الكشميري، وشيخ الإسلام حسين أحمد المدني، وشيخ الإسلام شبير أحمد العثماني، والسيّد أصغر حسين الديوبندي، رحمهم الله تعالى. درّس في المدرسة التي بناها وزير التعليم الشيخ المولوي أشرف الدين الصودوري في "شُوَا غازي"من "كُمِلا" (٢)، ثم التحق بالجامعة الملّية بـ "كُمِلّا"،

стр. 1936

ثم التحق سنة ١٣٥٣ هـ بالجامعة اليونسية من أكبر الجامعات في "بنغلاديش" (١). يناظر مع الفرق الضالّة المضلّة، خصوصا الفرقة القاديانية الكافرة، تزوّج بابنة شيخ المرّاء القارئ إبراهيم الأجانوي، رحمه الله تعالى. كانت وفاته سنة ١٣٩٠ هـ في المستشفى بـ"داكا"، وعمره إذ ذاك ٧٥ سنة. * * * ١٢٢٩ - الشيخ العالم العارف تاج الدين بن زكريا بن سلطان العثماني، النقشبندي، السنبهلي، الولي المشهور *. ولد، ونشأ في بلدة "سنبهل"، وقرأ العلم، وساح البلاد في طلب شيخ الطريقة، فلمّا وصل إلى "أجمير" تلقّن من روحانية الشيخ معين الدين حسن الأجميري طريق النفي والإثبات على كيفية مخصوصة في الطريقة الجشتية، يسمّونها حفظ الأنفاس، وأمر أن يجلس، ويشتغل في الذكر في بلدة "ناكور"، فيها قبر الشيخ حميد الدين الصوفي النكوري، فسافر إلى "ناكور"، وأقام بها يشتغل بالذكر مدّة مديدة.

стр. 1937

ثم خرج في طلب شيخ، فساح في الجبال والبراري والأغوار والأنجاد، حتى وصل إلى الشيخ الله بخش الشطاري الكده مكتيسري، فتلقّاه الشيخ بحسن القبول، وأظهر له أنه كان منتظرا له، وكانت طريقة الشيخ أن لا يلقّن أحدا إلا بعد إدخاله في الخدمات والرياضات الشاقّة، التي تنكسر بها النفس، وتحصل بها التزكية، فكان يحمل الماء إلى المطبخ فوق طاقته، فبعد ما تمّ له ثلاثة أشهر قال له الشيخ: قد تمّ أمرك، ثم لقّنه ذكر العشقية، فاشتغل به، ولم يزل في خدمته، حتى وصل إلى الكمال والتكميل. وأجازه الشيخ بالطريقة العشقية والقادرية والجشتية والمدارية، وحصلت له الإجازة من رئيس كلّ طريق، وكذلك حصلت له الإجازة في الطريقة الكبروية من روحانية الشيخ نجم الدين الكبرى، وله رسالة في بيان سلوكهم، وكان خدم الشيخ عشر سنين. ثم لما وصل الشيخ الأجلّ محمد عبد الباقي النقشبندي بـ "لاهور"كتب إليه كتابا، وكان شيخ التاج الدين حينئذ في "سنبهل"، فلما أتاه كتابه عزم على زيارته، فلمّا وصل إليه توجّه إلى سلوك الأكابر النقشبندية، فتمّ سلوكه في ثلاثة أيام، ثم أجازه الشيخ بتربية المريدين، وهو أول من أجازه، وصحبه عشر سنين، وكانت الصحبة بينهما كصبحة شخصين، لا يدري أيهما عاشق وأيهما معشوق، وكانا يأكلان في إناء واحد، ويرقدان على سرير واحد، فلم يزل مقيّدا بالتسليك بسلوك النقشبندية، بعد ما أجازه الشيخ عبد الباقي المذكور، ورخّص له. وكان يقول: إن الأكابر النقشبندية هم أرباب الغيرة، ويذكر أن بعد إجازة الشيخ اشتغل بالتربية على طريق الأكابر، وكان إذا أتاه طالب يريد الطريقة العشقية أو غيرها، يلقّنه فيها، ويربّيه، حتى أنه في بعض الأيام حضرتْ روحانية الشيخ الكبير عبيد الله الأحرار ﵁ للشيخ عبد الباقي - رحمه الله تعالى -، وقال: إن تاج الدين يأكل من مطبخنا، ويشكر

стр. 1938

غيرنا، فأخرجناه من النسبة، فقال: الشيخ عبد الباقي - رحمه الله تعالى -: اعف عنه هذه المرّة، حتى أخبره، فكتب إليه هذه الواقعة، فترك كلّ ما كان غير هذه السلسلة، وحصر التربية والتلقين فيها، فلمّا توفي الشيخ عبد الباقي - رحمه الله تعالى - اغتمّ بموته، وحزن عليه حزنا شديدا، وأخذ في السياحة، فسافر إلى بلاد "الهند" و"العراق " و"العرب"، حتى ألقى عصا التسيار بـ "مكّة" المحترمة، وسكن بها. وأخذ عنه خلق كثير من العلماء والمشايخ. قال ابن فضل الله المحبي في "خلاصة الأثر": إنه كان شيخ الطريقة النقشبندية، ورابطة الإرشاد إلى المنازل للسالكين في السلوك، وواسطة الإمداد للمواهب الرحمانية من ملك الملوك، وشيخا كبيرا، مهابا، حسن التربية والدلالة على الوصول إلى الله تعالى، صحبه خلق كثير من المريدين، وممن صحبه، ولازمه الأستاذ أحمد أبو الوفاء العجل العجيل، وولد أحمد المذكور، والشيخ محمد مرزا ابن محمد المعروف السروجي الدمشقي، والأمير يحيى بن علي باشا، وغيرهم. وألّف كتبا، منها: "تعريب النفحات" للعارف عبد الرحمن الجامي، و"تعريب الرشجات"، ورسالة في طريق السادة النقشبندية، جمع فيها الكلمات القدسية المأثورة المروية عن حضرة الخواجه عبد الخالق الغجدواني المبني عليها الطريق، وشرحها بأحسن بيان، و"الصراط المستقيم"، و"النفحات الإلهية"، في "موعظة النفس الزكية"، و"جامع الفوائد"، وقد أفرد ترجمته تلميذه السيّد محمود بن أشرف الحسيني في رسالة، سمّاها "تحفة السالكين في ذكر تاج العارفين". انتهى. وقد نقل المحبي عن الرسالة المذكورة أشياء من كشوفه وكراماته، لا نطيل الكلام بذكرها.

стр. 1939

وقال الشيخ أحمد النخلي المكّي في بعض رسائله: وهذا الشيخ تاج ﵀ ونفعنا به في الدنيا والآخرة - كان وليا لله عارفا به، أقام بـ "مكّة المشرّفة" على حلول ألف وأربعين من الهجرة مدّة مديدة، ومات بها. انتهى ما نقله الشيخ ولي الله الدهلوي عن شيخه أبي طاهر بن إبراهيم الكردي المديني. وقد أخذ عنه غير من ذكر الشيخ عبد الباقي بن زين المزجاجي الزبيدي، والشيخ عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن عبد الرحمن الحضرمي العيدروس، والشيخ محمد علّان المكّي - بتشديد اللام - والشيخ إبراهيم بن حسن الحنفي الأحسائي، والشيخ أبو بكر بن سعيد بن أبي بكر الحضرمي، والشيخ عبيد الله بن محمد باقى الدهلوي، والسيّد محمود بن أشرف الحسيني الأمروهوي، وخلق آخرون. ومن مصنّفاته: غير ما ذكر رسالة في أنواع الأطعمة كيفية طبخها، ورسالة في كيفية غرس الأشجار، وأخرى في أنواع الطبّ، ذكرها محمود بن أشرف الحسيني الأمروهوي في "تحفة السالكين". ومن ألفاظه القدسية: ما قال في مفتتح رسالته في سلوك الطريقة النقشبندية: اعلم وفّقك الله أن معتقد السادة النقشبندية - قدّس الله أسرارهم - هو معتقد أهل السنّة والجماعة، وطريقهم دوام العبودية، التي لا تتصوّر بغير أداء العبادة، وهي عبارة عن دوام الحضور مع الحقّ سبحانه شعورا بالغير مع الذهول عن صفة الحضور بوجود الحقّ سبحانه، ولا يحصل هذه السعادة العظيمة بغير تصرّف الجذبة الإلهية، ولا سبب في طريقة الجذبة أقوى من صحبة الشيخ، الذي سلوكه بطريق الجذبة، قال الشيخ أبو علي الدقّاق - قدّس سرّه -: الشجرة التي تنبت بنفسها لا ثمر لها، وإن كان لها ثمر يكون بغير لذّة، وسنّة الله تعالى جارية على أنه لا بدّ من السبب، فكما أن التوالد والتناسل الصوري لا يحصل بغير الوالد والوالدة كذلك التوالد المعنوي

стр. 1940

حصولة بغير المرشد متعذّر، قال في "الرسالة المكّية": من لا شيخ له فالشيطان شيخه. انتهى. توفي قبل غروب يوم الأربعاء الثامن عشر من جمادى الأولى سنة خمسين وألف، ودفن صبح يوم الخميس في تربة أعدّها له في حياته في سفح جبل "قعيقعان"، وضريحه ظاهر للزيارة، "قعيقعان "كزعيفران جبل "بـ" مِكّة" وجهه إلى "أبي قبيس"، لأن جرهم كانتْ تضع فيه أسلحتها، فتقعقع فيه، أو لأنهم تحاربوا، فقعقعوا بالسلاح، كما في "خلاصة الأثر". * * * ١٢٣٠ - الشيخ الفاضل الكبير تاج الدين الإسبيجابي، أحد كبار العلماء *. كان ختن الشيخ علاء الدين عمر بن أسعد اللاهوري البدوي، ومع تلك القرابة كان شديدا على استماع الغناء، ينهى من الرقص والتواجد، كما في "أخبار الأخيار". ١٢٣١ - المولى الفاضل تاج الدين الكردري * *. قرأ ﵀ على علماء عصره، منهم العالم الفاضل سراج الدين الأرموي، صاحب "المطالع" و"بيان الحكمة"، وحصل من العلوم شيئا كثيرا، وبرع في جميعها، وتمهّر في الفقه، واشتهرتْ فضائله في الآفاق، ولما مات داود

стр. 1941

القيصري مدرّسا بمدرسة "أزنيق" نصبه السلطان أورخان مقامه، ودرّس هناك مدّة، وأفاد طلبة زمانه، وكان زوج إحدى ابنتيه للشيخ اده بالي المذكور، وزوّج ابنته الأخرى للمولى خير الدين القاضي، ثم صار هو وزيرا، ولقّب بخير الدين باشا. روى عن بعض الثقات أن السلطان أورخان الغازي لما حاصر بلدة "أزنيق" ظهر عسكر الكفّار من بعض الجوانب، يقصدون السلطان المذكور، فتحيّر السلطان، وشاوَرَ مع الأمير شاهين لا لا من عبيد السلطان المذكور، فأشار إليه أن لا يؤخّر أمر الحصار، وقال: إن وهبت لي الغنيمة الحاصلة من هؤلاء الكفّار ذهبت إليهم، فقبله السلطان، فهزم الأمير المذكور عسكر الكفّار، وحصل له منهم غنيمة عظيمة، فندم السلطان على ما فعله، فاستفتى من المولى المذكور، وحكى له ما جرى بينه وبين الأمير شاهين من هبة الغنيمة المذكورة له، فقال المولى: إن هذا عبد أو معتق؟ قال السلطان: إنه معتق، فقال المولى: إن الغنيمة له، ولا يجوز أخذها منه، وبنى ذلك الأمير بذلك المال مدرسة بمدينة "بروسا"، وجسرا ببلدة "كرماستي"، وزاوية. * * * ١٢٣٢ - الشيخ الفاضل تاج الدين المكّي *. فقيه. من آثاره: "النجدة في عدم قصر الصلاة في طريق جدة". كان موجودا في حدود ١١٦٠ هـ. * * *

стр. 1942

١٢٣٣ - الشيخ الفاضل العارف بالله تعالى الشيخ تاج الدين إبراهيم بن بخشى فقيه *. كان - رحمه الله تعالى - من ولاية "منوغاذ"، وكان من جملة الطلبة المشتغلين بالعلوم الظاهرة عند الشيخ بيري خليفة الحميدي المذكور آنفا، ولما زار هو الشيخ عبد اللطيف المقدسي بـ "قونية" ذهب الشيخ تاج الدين معه، ولما رجع هو إلى وطنه، قال له الشيخ عبد اللطيف: خلّ الشيخ تاج الدين عندي، ولما وصل الشيخ عبد اللطيف إلى "بروسه" كان الشيخ تاج الدين في خدمته، واختلى عنده الخلوات، وحصل طريقة التصوّف، حتى بلغ رتبة الإرشاد، ولما مات الشيخ عبد اللطيف المقدسي بـ"بروسها" أقام مقامه لإرشاد الطالبين، فاهتمّ في إرشادهم غاية الاهتمام، واجتمع عليه كثير من الطلّاب، ووصل كلّ منهم إلى متمناه. وحكي عن بعض خدّامه أنه قال: قسمت الليلة للطالبين المجتمعين عنده مائة وعشرين قصعة من الطعام، وحكي عن بعض أصحابه أنه قال: فقدنا الشيخ مدّة، فاجتهدنا في طلبه، فوجدناه على جبل مدينة "بروسا"، مشتغلا بالرياضة، وذلك الموضع الآن مصطاف أهل زاويته، وقد بنى رجل يدعى بخواجه رستم هناك حجرات للطالبين بن الصوفية، وأما زاوية الشيخ عبد اللطيف ومسجده في مدينة "بروسه"، فإنما هما لرجل من تجّار العجم من أحباء الشيخ عبد اللطيف، يدعى بخواجه بخشايش. مات - قدّس سرّه - في شهر صفر سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، ودفن عند شيخه عبد اللطيف تحت قبّة مبنية عند زاويته بالمدينة المزبورة. وقال المؤرّخ في تاريخ وفاته انتقل الشيخ، وتاريخه - قدّسك الله بسرّ رفيع. * * *

стр. 1943

١٢٣٤ - الشيخ الفاضل تاج الدين زكريا بن عيسى الصوفي الدهلوي، أحد العلماء المبرّزين في المنطق والحكمة والتصوّف *. أخذ عن والده، وعن الشيخ عبد الملك بن عبد الغفور الباني بتي، ولازمه مدّة من الزمان، حتى نال حظا وافرا من الحقائق والمعارف، استقدمه السلطان أكبر بن همايون الكوركاني، وجعله من ندمائه. قال البدايوني في "المنتخب": إنه مكّن في قلب السلطان الزندقة، وبعد مدّة من الزمان ترك الالتفات إليه، فصار مطرودا. وله مصنّفات، منها: "شرح اللوائح"، وشرح على "نزهة الأرواح". انتهى. * * * ١٢٣٥ - الشيخ الفاضل تاج العارفين بن أحمد بن أمين الدين بن عبد العال المصري، صدر المدرّسين في "مصر "* *. له مؤلّفات عديدة، ومصنّفات شهيرة. ولما سقط في الكعبة الجدار الشامي بوجهيه، وانجبذ معه بين الجدار الشرقيّ إلى حدّ الباب الشاميّ، وسقط من الجدار الغربيّ من الوجهين نحو

стр. 1944

السدس، وكان ذلك بعد عصر الخميس لعشرين من شعبان سنة ١٠٣٩ هـ، جمع شريف "مكّة" الشريف مسعود علماء البلد الحرام، وسألهم عن حكم عمارة الساقط، ولمن هي، ومن أيّ مال تكون؟ فوقع الجواب منهم بأنها تكون فرض كفاية على سائر المسلمين، ثم ورد السؤال من "الديار المكّية" إلى "الديار المصرية" عن ذلك، فألّف تاج العارفين رسالة، سمّاها "الزلف والقربة في تعمير ما سقط من الكعبة". وكانت وفاته في حدود سنة ١٠٤٠ هـ. كذا في "خلاصة الأثر". * * * ١٢٣٦ - الشيخ الفاضل المولى تجمّل حسين بن المولوي رمضان علي خان *. ولد بـ"كَاوْخَالي" من مضافات "فيرُوْزْفور" سنة ١٣٢٥ هـ. والتحق بالمدرسة العالية فيها، وقرأ فيها ستة أشهر، ثم رجع إلى وطنه، وقرأ في عدّة مدارس، ثم سافر إلى "كلكته " مرّة ثانية، وقرأ فيها الصحاح الستّة وغيرها من كتب الحديث سنة ١٣٥٠ هـ. - درّس في عدّة مدارس، والتحق مديرا بالمدرسة العالية بـ"سَرْسِيْنَه". سنة ١٣٦٢ هـ. صنّف "جواهر الفقه"، و "تعليم أردو"، و"خلاصة الميزان"، و"مرقاة الترجمة"، وغيرها. حجّ بيت الله الحرام سنة ١٣٧١ هـ، ومرّة ثانية ١٣٨٧ هـ. توفي ليلة يوم الخميس سنة ١٣٩٩ هـ، وكان عمره إذ ذاك ٧٣ سنة. * * *

стр. 1945

١٢٣٧ - الشيخ الفاضل تجمّل علي بن شرافة علي السِّلْهِتي *. ولد في قرية "أنْكُوْرَه محمد فور" من مضافات "سِلْهِتْ" (١) سنة ١٣٣٠ هـ. تلقّى مبادئ العلوم في مدرسة قريته، ثم سافر إلى "شيتاغونغ" (٢)، وقرأ في مدرسة مدّة، ثم جاء إلى "سلهت"، والتحق بالمدرسة العالية بـ "سلهت"، وأتمّ الدراسة العليا فيها. ثم سافر إلى دار العلم ديوبند، وقرأ الصحاح الستّة وغيرها مرّة ثانية، من أساتذته فيها: شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، والعلامة إبراهيم البلياوي، والعلامة إعزاز علي الأمروهوي، والعلامة عبد الأحد، رحمهم الله تعالى. تم رجع إلى وطنه، وعيّن محدّثا ومديرا في المدرسة العالية بـ"مُنِي رَامْ فور" "جَسَر"، ثم عيّن شيخ الحديث ومديرا بالجامعة المدنية جَاتْرَابَاري، دَاكَا، ثم عين محدّثا بقاسم العلوم دَرْكَاهْ، "سلهت". بايع في الطريقة على يد شيخ الإسلام المدني، وذلك عند إقامته بـ"ديوبند"، وأجازه للإرشاد والتلقين. توفي سنة ١٤٢٧ هـ. * * *

стр. 1946

١٢٣٨ - الشيخ الفاضل أبو تراب بن أبي لمعالي بن علم الله، الصالحي، الأميتهوي، ثم البيجابوري، أحد العلماء المبرّرين في الفقه والأصول *. وُلِدَ، ونشأ بمدينة "بيجابور"، وقرأ العلم بها على الشيخ علي محمد بن أسد الله العلوي الكجراتي، ولازمه مدّة من الزمان، حتى برع أقرانه، وصار من أكابر العلماء في بلدته، فاشتغل بالدرس والإفادة، وصرف شطرا من عمره في ذلك. انتهتْ إليه الرياسة العلمية بمدينة "بيجابور". أخذ عنه الشيخ نظام الدين البرهانبورى، صاحب "الفتاوى الهندية"، وخلق كثير من العلماء. مات لعشر بقين من صفر سنة ستّ وثمانين وألف، فدفن عند جدّه الشيخ علم الله المذكور، كما في "روضة الأولياء". * * * ١٢٣٩ - الشيخ العالم الصالح تراب علي بن محمد كاظم، العلوي، الكاكوروي، أحد المشايخ القلندرية * *.

стр. 1947

ولد سنة إحدى وثمانين ومائة وألف بـ "كاكوري" ونشأ بها، وقرأ الكتب الدرسية بعضها على قدرة الله البلكرامي، ومعين الدين البنغالي، وأكثرها على الشيخ حميد الدين الكاكوروي، وقرأ بعض الرسائل على القاضي نجم الدين بن حميد الدين، وقرأ "هداية الفقه" على مولانا فضل الله النيوتيني. وقرأ رسائل التصوّف على والده، وأقبل إلى قرض الشعر والتصوّف، واشتغل على والده بالأذكار والأشغال مدّة، حتى برع في العلم والمعرفة، وتولّى الشياخة مقام والده، وحصلتْ له الإجازة عن الشيخ مسعود علي القلندر الإله آبادي، وشيوخ آخرين. ومن مصنّفاته: "المقالات الصوفية"، و"مطالب رشيدي"، و"الأصول المفسّرة"، و"كشف المتواري في أخبار نظام الدين القارئ"، و"أصول المقصود"، و "تعليم الأسماء"، و"شرائط الوسائط" و "إسناد المشيخة" و"ديوان الشعر"، وغير ذلك. مات لخمس خلون من جمادى الأولى سنة خمس وسبعين ومأتين وألف وله أربع وتسعون سنة كما في الانتصاح. * * * ١٢٤٠ - الشيخ الفاضل تغري بردي بن أبي بكر بن قرابغا، الناصري، نزيل "الروضة"، وسبط الشنشي *. ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وثمانمائة، واشتغل، وأخذ عن العزّ عبد السلام البغدادي، وابن الديري، وابن الهمام، والأقصرائي، وابن عبيد

стр. 1948

الله، وسيف الدين، وغيرهم، كخير الدين خضر المقيم بكعب الأحبار، والد البرهان الحنفي. قال: إنه أخذ عنه المنطق، وفهم الفقه والعربية والقراءات، وكان يقول: إنه أخذها عن نور الدين الديروطي، وابن عياش، وأنه سمع من شيخنا، وتميّز قليلا، وأقرأ صغار المبتدئين، وتنزّل في بعض الجهات، وكان مجاورا في سنة ستّ وخمسين بـ"مكة"، فسمع بقراءتي على أبي الفتح المراغبي، ثم سمع بـ"القاهرة" على أمّ شيخه سيف الدين، وغيرها، وكذا جاور بعد سنة إحدى وسبعين. مات في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين عن نحو السبعين، وكان خيرا فاضلا أقرأ، وأفاد. * * * ١٢٤١ - الشيخ الفاضل تغري بردي من يلباي الظاهري القادري الخازنداري بل الأستادار *. ولد تقريبا قبيل الثلاثين وثمانمائة، واشتغل بالعلم على غير واحد من الفضلاء، كأبي الفضل المحلّي، والسيّد الوفائى، وعبد الرزّاق، وكان يتحفّظ القرآن، حتى بعد ترقيه باللوح مع نور الدين البوصيري، وصحب الأشراف القادرية، وخدمهم وأمثالهم، وتزوّج منهم واحدة بعد أخرى، بل سمع الكثير على جماعة من متأخّرى المسندين مع الولد ونحوه، كتبت له ذلك في كراريس، كنت ممن لازمني، وحضر دروس الأمين الأقصرائى، واختصّ بإمام الكاملية ونحوه، فلما استقرّ يشبك من مهدي في الدوادارية، وكان صاحب

стр. 1949

الترجمة أسنّ منه، بل هو أغاته قدمه لخازنداريته، وضار المتولّي لعمائره، كثير من جهاته، ولا زال في ترق زائد من ذلك، بحيث لم يشذّ عنه من الأماكن المنسوبة لمخدومه، إلا النزر اليسير، وشكر العمّال ونحوهم صنيعه معهم في المصروف ونحوه، وبكوا من سالم في عمائر الأتابك، وجرتْ على يديه من مبرات مخدومه أشياء جزيلة، وربما كان هو المحرك له في ابتدائها، وجدد أشياء، أو كملها من المساجد والجوامع، كجامع الخشابين، والمسجد المقارب له، والمقابل لدرب الركراكي من المقس وجامع بالكبش، وهو خاصّة باسم السلطان، وزاوية الشيخ شرف الدين بالحسينية، والمشهد النفيسي، ومشهد غانم بسويقة اللبن، ولم ينهض أحد بما نهض له من ذلك كلّه، مع تؤدة وعقل وعدم طيش، بل لم يتحولْ عن طريقته الأولى في التواضع والتأدب غالبا، وتكلّم عنه في سعيد السعداء والبيبرسية والصالح، وحمد في هذا كله، ولما مات الدوادار أضيف إليه التكلّم في الأستادارية مع مبالغته في التنصّل والاستعفاء، وعدم إجابته، فساس الأمور، وسمعت غير واحد يشكرون مباشرته، وأن له مزيد نظر في عمارة الجهات، وربما ندبه السلطان لعمارة بعض الأماكن، كالمطهرة لجامع الأزهر، وجاءت بهجة، وكجامع سلطان شاه، وكذا استملّ بالتكلّم فيما كان ينوب عن مخدومه فيه، كسعيد السعداء بطلب كثير من المستحقّين لذلك، وعمر جلّ أوقاف سعيد السعداء، كالحمّام، وجددّ لها أشياء، بل عمّر المدرسة، وغيّر كثيرا من معالمها، وكذا عمّر مطهرتها، وغير بابها، وصار بهجا، ولم يعدم من متكلّم فيه بسببه، سيّما حين تعطّلت النفقة من أجل ذلك غالبا عليهم، وربما شوفه بالمكروه. ويقال: إنه وجد دفينا قديما، وإنه أخذ منه، وأضيف إليه بأخرة التكلّم في القرافتين، بعد صرف القاضي الزيني زكريا عنهما، وابتنى لأخي زين العابدين القادري بالقرب من زاوية سكنهم بباب "القرافة" أمكنة هائلة، بل ابتنى في نفس

стр. 1950

الزاوية رواقا وغيره، وتكلّم في جهات أمير المؤمنين المتوكّل عزّ الدين صاحبه من بلاد وغيرها، حتى المشهد النفيسي بسؤال منه له، وأذن السلطان فيه، ففرض له في كلّ يوم من متحصّلها أربعة دنانير، والباقي يرصد لوفاء الديون، وندم العزّ لما نشأ عنه من التضييق عليه، ولكن استحكم الأمر. وكذا له في جامع الغمري والكاملية اليد البيضاء، وتزاحم كثير من مجاوري جامع الأزهر ونحوهم على بابه، ونزل كثيرا من مستحقّيهم فيما يشغر تحت نظره من التصوّفات ونحوها، وممن قرّره الزين جعفر المقري، بل بلغني أنه قرّر كمال الدين الطويل في مشيخة البيبرسية بعد الجلال البكري، ولكنه لم يتم، وعقد عنده مجلسا للحديث في كلّ ليلة، فهرع كثيرون إليه، وقرئ فيه من الكتب الكبار وشبهها، كـ"دلائل النبوة"، و"المعجم الكبير" للطبراني ما يفوق الوصف، ولكن لا أهلية في القارئ، ولا في أكثر الحاضرين. وانتفع كثير منهم بملازمته، كالزين خلد الوقاد، حيث استمرّ به في مسجد خان الخليلي، الذي أنشأه للدوادار وفي غيره من الجهات، وانتعش هو والقارئ وغيرهما، كثيرا ما يتفقّد المنقطعين من العلماء ونحوهم، كالبدر حسن الأعرج، وعثمان الديمي، بل قلّ أن يموت عالم أو فقيه أو صالح أو فاضل، إلا ويبادر للوقوف على غسله، بل وربما يساعد في تجهيزه، كالأمشاطي، وابن سولة، وابن قاسم، وجعفر، وابن الشيخ يوسف الصفي، ولذا كان كثير منهم يسند وصيته إليه، كابن قاسم وأمره في هذا مشاهد، وخيره إن شاء الله متزايد، ولا زال في كدر وضرر ومرافعات ومدافعات، إلى أن تغيب بعد أن ملّ وتعب. ويقال: إنه توجّه لضريح الشيخ عبد القادر، ولم يثبت في لك عندي، فرج الله ضائقته. * * *

стр. 1951

١٢٤٢ - الشيخ الفاضل تغري برمش بن يوسف بن عبد الله، أبو المحاسن الزين التركماني، القاهري *. قدم "القاهرة" شابًا، وقرأ على الجلال التباني، وغيره، وداخل الأمراء الظاهرية. وكان متعصّبًا لأهل مذهبه، مع محبته لأهل الحديث، والتعصّبب لهم أيضًا، محبًا للسنّة، كثير الحطّ على ابن العربي (١) ونحوه، مبالغًا في ذلك، بحيث صار يحرقُ ما يقدر عليه من كتبه، بل ربط مرّة بكتاب "الفصوص" في ذنب كلب، ونفق بذلك سوقه عند كثير من الناس، كسد عند آخرين، وقام عليه بسبب ذلك جماعة من أضداده، فلم يكترث بهم، ونصر عليهم، واستفتى في ذلك البلقيني وغيره من أعيان علماء المذاهب الأربعة، فأفتوه بذمّه، وذمّ كتبه، وجواز إعدامها، وصار يعلن بذلك، ويبالغ فيه، وجعله دأبه وديدنه. وصحب جماعة من الأتراك بـ"مصر"، واستفاد بصحبتهم جاهًا وتعظيمًا عند أعيان الناس بـ"القاهرة" وغيرها، في دولة الظاهر، وغيره، وكتب

стр. 1952

له مرسوم بإنكار المنكرات المجمع عليها، وأمر الحكّام بمعونته في ذلك، فنالته بهذا السبب ألسنة العوام، بل ربما أوقع بعضهم به الفعل، وكان الظفر له عليهم. وكان أكثر إقامته بالحرمين الشريفين، وانتفع أهلها به كثيرًا. وكان قد اشتغل في بلاده، وفي "القاهرة"، بفنون من العلم، وكان يستحضر كثيرًا من المسائل الفقهية، وغيرها، لكنه ليس بالماهر. ورتّبه السلطان المؤيّد مدرّسًا بالجامع الذي بناه بالقلعة، وتخرّج به جماعة من الجراكسة. مات ليلة الأربعاء، مستهلّ المحرّم، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ودفن في صبيحتها، بـ"المعلاة". - رحمه الله تعالى -. هكذا لخّصت هذه الترجمة من "الضوء اللامع"، والذى ظفر لي من كلامه، وكلام من نقل عنه، أن صاحب الترجمة كان من خيار الناس، وأنه لم يكنْ فيه عيب إلا أنه يصدع بالحقّ، ولا يُحسن مداراة الفسّاق، فحصل له بذلك عند أهل عصره ما لا يليق من كلامهم فيه، وحطّهنم عليه، وحسدهم له، والله تعالى يغفر للمسيء منهم، آمين. * * * ١٢٤٣ - الشيخ الإمام الحافظ تغري برمش سيف الدين الجلالي الناصري، ثم المؤيّدي نائب القلعة بـ"القاهرة"، ويعرف بالفقيه *. كان يزعم أن أباه كان مسلما، وأن بعض التجّار اشتراه ممن سرقه، فابتاعه منه الخواجا جلال الدين، وقدم بها "حلب"، فاشتراه السلطان، وقدم

стр. 1953

به "القاهرة"، فقدمه لأخيه جاركس المصارع، فلمّا أخيط به صار لناصر، فأقام بالطبقة إلى أن ملك المؤيّد، فأعتقه، وحينئذ ادعاد، واشتراه المؤريّد منه، ثم صار بعد موت المؤيّد خاصكيا، فلمّا استقرّ الأشرف أخرجه عنها مدة، ثم أعاده، واستمرّ إلى أن استقرّ الظاهر، فرام أن يتأمر، كلّم السلطان في ذلك بما فيه خشونة، فأمر بنفيه إلى "قوص"، فأقام مدّة، ثم شفع فيه عنده، فأحضره، وأنعم عليه بامرة عشرة، وقرّره نائب القلعة في رجب سنة أربع وأربعين بعد موت ممجق النوروزي، وقرّبه، وأدناه، واختصّ به إلى الغاية، وصارت له كلمة وحرمة، لكنه لم يحسن عشرة من هو أقرب إليه منه، وأطلق لسانه فيما لا دخل له فيه من أمور المملكة، بحيث كان ذلك سببا لإرساله لـ"لروم" في بعض المهمّات، ثم عاد، فمشى على حالته تلك، فعين أيضا لغزو رودس (١)، فسافر، ثم عاد، فلم يغير طريقته، فأمر بنفيه إلى"القدس"، فتوجّه إليه، وأقام به بطالا إلى أن مات في ليلة الجمعة ثالث رمضان سنة اثنتين وخمسين. وقد زاد على الخمسين، وكان قد اعتنى بالحديث وطلبه وقتا، وأخذ عن شيخنا بقراءته "الكفاية" للخطيب وغيرها، ولازمه، وعن الكلوتاتي، وناصر الدين الفاقوسى، والشمس بن المصري، وقرأ عليه "سنن ابن ماجه" في سنة اثنتين وثلاثين، والزين الزركشي، وطائفة. ولقي بـ"الشام" ابن ناصر الدين، وبـ"حلب" البرهان الحلبي. ووصفه شيخنا بصاحبنا المحدّث الفاضل، وسأل هو شيخنا هل رأيت مثل نفسك، فقال: قال الله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقرأت بخطّه على "تعليق التعليق" له منا ما رآه لشيخنا أثبت منه الألفاظ، التي وصف بها في حكايته شيخنا في كتابي "الجواهر"، وبسفارته أحضر ابن ناظر

стр. 1954

الصاحبة، وابن الطحّان، وابن بردس من "الشام" إلى "مصر"، فأسمعوا بالقلعة، وغيرها، وبصحبته انتفع التقي القلقشندي، ولا زال بشيخنا، حتى لقبه بالحافظ، وخاشن أخاه العلاء بسببه، ولذا كان التقي يطريه بحيث سمعته يقول: إنه لا يشذّ عنه من التهذيب لفظة، وكذا لما رجع من "الشام" أخبر شيخنا بأنه لم ير في طلبة ابن ناصر الدين أنبه من قطب الدين الخيضري لقربه من الطلب دونهم، وانتفع القطب حين حضوره "القاهرة" بذلك. وبالجملة فكان فاضلا ذاكرا لجملة من الرجال والتاريخ وأيام الناس، مشاركا في الأدب وغيره، حسن المحاضرة، حلوّ المذاكرة، جيِّد الخطّ، فصيحا، عارفا بفنون الفروسية، محبا في الحديث، وأهله، مستكثرا من كتبه، فردا في أبناء جنسه، مع زهو وإعجاب وتعاظم، وربما كان يقول: إن الأمر يصير إليه، ويترجى تأخّره عن وفاة شيخنا، ويقول: إنما تكثر ديوني بعد موته إشارة إلى أنه هو الذي يأخذ كتبه، ويأبى الله إلا ما أراد، وقد رأيته كجلس شيخنا، وسمعت من كلامه وفوائده، كتبت من نظمه: خذ القرآن والآثار حقا … وتوقيفا وإجماعا بيانا دع التقليد بالنصّ الصريح … ولا تسمع قياسا أو فلانا وغير ذلك، وبلغني أن له قصيدة باللغة التركية، عارض بها بعض شعر "الروم"، يعجز عنها فيما قيل الفحول ما وقفت عليها، عفا الله عنه. وقد مدحه محمد بن حسن بن علي النواجي، بقصيدة فريدة، لا بأس بإيرادها هنا بتمامها، وهي: أَياديكَ أم بَحْرٌ يَجِلُّ عن النهرِ .... ولَفْظك دُرٌ أم هو الكوكب الدُّرِّي ووَشْيُ رَقِيمٍ بالْيَراعِ مُحَبَّر … بطِرْسِك أم نَوْعٌ بَدِيعٌ من السِّحْرِ وغُصنُ يَرَاعٍ ما نَرَى أم سَحابةٌ … تَسِيرُ بأرْزاقِ البَرِيَّةِ بل تسْرِي

стр. 1955

وآراؤُكَ الغُرُّ الغُلَا أم كَتَائِبٌ … تَسُوقُ نُفُوسَ المِلْحِدينَ إلى الحَشْر فيا فارِسَ الإسْلامِ يا سَيْفَ دولةٍ … به قُطِّعَتْ أَوْصالُ دَاعيةِ الكُفْرِ يَمِينُكَ فيها اليُمْنُ والأَمْنُ والمِنَى … ويُسْرَالكَ خُصَّتْ في البَرِيَّةِ باليُسْرِ كم قد رَوَيْنَا مِن عَوَاليكَ مُسْنَدًا … بيوم نَوالٍ عن عَطاء وعن بشرِ (١) لكَ اللهُ مِنْ مَلْكٍ نَدَى جُود كَفِّهِ … يُساجلُ مَوْجَ البحر بالشّيمِ الغُرِّ أصابعه عَشْرٌ تَزيدُ على المِدَى … فلا غَزْوَ أن أَغْنَتْ عن النِيلِ في مصرِ فقُمْ وارتشِفْ يا صاح من فَيْضِ كَفِّهِ … لِتَرْوِي حديثَ الجُودِ من طرُقٍ عشرِ وقُل باسْمِهِ اللهُ أعْطَى وأيَّدَ ال … ممَالِكَ بالفَتْح المبِينِ وبالنَّصْرِ (٢) فيا جُودَ تَغْرِى بَرْمَشٍ بعُفَاتِهِ … تَرَفقْ لِئَلَّا تُغْرِقَ الناسَ في بَحْرِ مقرٌ كريمٌ عالِمٌ ومُحدِّثٌ … فصيحٌ بليغٌ فارسُ النَّظْمِ والنَّثْرِ محطُّ رِحالِ الطَّالبينَ ومَلْجَأَ ال … عُفاةِ وأمْنُ الخائفينَ مِن الفَقْرِ فقيهٌ إمامُ العَصْرِ شَرْقًا ومَغْرِبًا … سَنَاهُ عِشًا كالصُّبْحِ والشمس في الظُّهْرِ أميرٌ أطاع الله مالك أَمْرِهِ … وراقَب رَبَّ المِلْكِ في السِّرِ والجهرِ أميرٌ يُمِيرُ الناسَ عَذْبُ نَمِيرِهِ … إذا ضنَّتِ السُّحْبُ الهَوامِعُ بالنَّزْرِ فكم سدَّ مِن ثغرٍ وكم شادَ مِن عُلًا … وكم شَدَّ من أزْرٍ وكم حطَّ من وِزْرِ بأفْقِ سمَاهُ قلعةُ الجَبلِ ازدهتْ … فمَدَّتْ جَناحًا فوقَ قادِمَةِ النَّشرِ وَحِفْظًا غَدَتْ ذاتُ البُرُوج وزيِّنَت … به من حُلاهُ الغُرّ بالأنجُمِ الزُّهْرِ حَمَى حَوْزَة الإسْلامِ بالبَاسِ والنَّدَى … وجهَّزَ جَيْشَ النَّصْرِ في اليُسْرِ والعُسْرِ بِكُلِّ حَدِيدِ الطرفِ أسْمَرَ إن رَنَا … إلى مَقْتَلٍ أصْماهُ بالنَّظَرِ الشَّزْر

стр. 1956

ومن أبيضٍ لا يعرفُ الصفحَ إنَّما … يُقابلهُمْ بالحَدِّ في لبَّة النَّخْر مَضارِبُهُ لا تنثنِي عن ضَريبةٍ … إذا راحَ يَحْكي البحرَ في المدّ والجَزْرِ يريش ويبرِي لِلْعِدَى منه أسهُمًا … وفي السَّلْمِ والجدوى يَريشُ ولا يَبْرِي إذا اعْتَقَلَ الخَطِّيَ كَلَّمَ خَصْمَهُ … بِطُولِ لِسان في تلهّبِهِ جَهْرِي يُريهم يَقِينَ الموت بالشَّكِ سُرعةً … ويستخرج الأضغان من داخل الصدر وإن جرّد الهِندى عاينتَ شُعْلَةً … لها شررٌ ترمى به الدهر كالقَصْرِ يجُرُّهُم لِلْمَوْتِ نُونٌ قِسِيَّهِ … وما خِلتُ أن النُونَ مِن أحْرُفِ الجرِّ مُواظبة للخمْسِ في طَوْعِ رَبِّها … وخِدْمةِ باريها مُلازمة الوتْرِ لمدْركةٍ تُنمى كِنَانةُ سَهْمِهِ … وعامِله الميَّادُ يُعزى إلى النَّضْرِ وأسيافُه مَشْهورةٌ في عِداته … تُذِيقُّهُم بالنكرِ عاقبةَ المِكْرِ حماسَتُهُ يومَ اللقَا أم تَغَزُّلٌ … يُرِيكَ افْتِنانًا منه بالبِيضِ والسُّمرِ فما اضْطَرَبَت في غير قلب سيُوفُهُ … ولا اختلجَتْ أرْماحُه في سِوى الصَّدْرِ فيا للسَّجايا البَرْمَكِية عُوضت … من الكافِ شينًا كم به نِلتَ من فَخْرِ وكم حُزْتَ من أجرٍ وأوليتَ مِن ندىً … ويَسَّرْتَ مِن عُسْرٍ وأنفَذْتَ من أَسْرِ ويا حافظَ الإسلامِ من طَعْنِ جاهلٍ … يُصيبُ ويُخْطي في الحديث ولا يدرِي مَدَدْتَ يَدَ النَّعْمَا بُجودٍ قَصَرْتَهُ … عليكَ لقد أبدعت في المدِ والقَصْرِ كم لكَ في الهَيْجاءِ مِن عَرَبيَّةٍ … تُباهِي بها الأقرانَ في الكَرِّ والْفَرِّ لِصَهْرَتِهَا يا فارِسِيَّ زَمانِه … نَحَوْتَ فلم تَعْبَأ بِزَيْدٍ ولا عمرو مُنَكَّسَةٌ أَعْلامُهُمْ ورُءُوسُهُم … فلا غَرْوَ أن يُبْنَى الجميعُ على الكَسْرِ وأبْدَيْتَ في فنِّ الحروب مَعاني ال … بدِيعِ تُرُدُّ العَجْزَ منهم على الصدْرِ خدمتُ سَجاياكَ العُلا بفضيلةٍ … يَتيمةُ فِكْرٍ نُخْبةُ الدهرِ والعُمْر ومن بحرِك العَجَّاجِ صُغْتُ قصيدةً … كُميتُ فُحول الشِعْرِ من خلفها تَجْرِي وأرسلتُها منكم إليكم هديةً … ومن عَجب أن تهُدي الدُّرَ للبَحْرِ يلُفُّ حياءَ وَجْهها طِيبُ نَشْرِها … فَيَحلُو طِبَاقُ الحُسْنِ باللفِّ والنَشْرِ

стр. 1957

فخُذها عَرُوسًا بنتَ أبعَ عَشْرَة … أتت لك تُجْلى في دُجَا النَقسِ كالبدرِ وإن كنتُ قد أَقَلَعْتُ عن مَدحِ غيركم … لِما فيه من وِزْرٍ فقد فُزْتُ بالأجْرِ وفي النَفْسِ حاجاتٌ وفيك مكارمٌ … يُناجيكَ عن سِرِّيِ بها عالَمُ السِّرِّ فعِشْ وابْقَ واسْلَمْ واغْنَ واغْنَمْ وجُدْ وسُدْ … ودُمْ وارْقَ واسْعَدْ بالهنَاءِ مَدَى العُمْرِ ونَك فوقَ هامِ الأنجُم الغُرِّ رفعةً … لِيَرْوى حديثُ الفضل منك عن الزُّهرِ ويا رَبّ فاحْرُسْهُ بجَاهِ محمدٍ … وأيِّدْهُ بالمِامُونِ من حادِثِ الدَّهْرِ (انتهى ذلك، والله تعالى أعلم). * * * ١٢٤٤ - الفاضل العلامة تفضّل حسين بن أسد الله بن كرم الله اللاهوري، ثم اللكنوي *. نواب تفضّل حسين خان كان من الأفاضل المشهورين، في "الهند"، لم يكن في زمانه مثله في الفنون الرياضية، ولد بـ"اسيالكوت" (١)، ودخل "دهلي" وله ثلاث عشرة سنة، وأخذ الفنون الحكمية عن الشيخ محمد وجيه الدهلوي، والفنون الرياضية عن محمد علي بن خير الله المهندس المشهور، ولما بلغ الثامنة عشر من سنّه قدم إلى "لكنو" مع أبيه، وقرأ حاشية السيّد الزاهد على "شرح المواقف" على الشيخ محمد حسن بن غلام مصطفى اللكنري، ثم تصدّر للإفادة، وتقرّب إلى شجاع الدولة، فجعله أتابكا لولده سعادت علي خان، فذهب معه إلى "إله آباد"، ودار معه حيث دار، فلمّا وصل إلى مدينة

стр. 1958

"بنارس" (١) انحاز عنه، وسافر إلى "كلكته"، وتقرّب إلى نائب الملك العام، وعاش مدّة في مصاحبته، وتعلّم اللغة الإنجليزية واللاطينية، وأقبل على العلوم الرياضية إقبالا كلّيا، واشتغل بها مدّة من الزمان، علّق أقرانه، بل على من تقدّمه من العلماء في تلك العلوم، وجاء إلى بلدة "لكنو" مع جنرل بالمر، سنة ستّ أو سبع وتسعين ومائة وألف. ثم ذهب إلى "كلكته"، وتردّد إلى "لكنو" غير مرّة، وبعثه آصف الدولة صاحب "أوده" إلى "كلكته" بالسفارة إلى الدولة الإنكليزية سنة ثلاث ومائتين وألف، فاستقلّ بها مدّة، ثم ولّاه الوزارة سنة إحدى عشرة ومائتين، فاستقلّ بها زمانا، ولما تولّى المملكة سعادت علي خان دبّر الحيلة لإخراجه، فبعثه إلى "كلكته"، ووعده أن يصل إليه منشور السفارة بـ"كلكته"، فلم يف به، فاغتمّ بذلك، وابتلى بأمراض صغبة، ورجع إلى "لكنو"، فلمّا وصل إلى "اهزاري باغ" مات بها، كما في "قيصر التواريخ". قال التستري في "تحفة العالم": إنه كان نادرة من نوادر الزمان، معدوم النظير، في العلم وكثرة الدرس، والإفادة، مع اشتغاله بالمهمّات، وكان من عادته: أن لا يأكل الطعام في اليوم والليلة إلا مرّة واحدة، وأن لا ينام إلا في ساعات معدودة من النهار من الفجر إلى الضحى، وكان يشتغل بتدريس الفنون الرياضية من الضحى إلى الهاجرة.

стр. 1959

ثم يشتغل بمهمّات الدولة، ويتردّد إلية الولاة، والحكّام، ويتردّد إليهم أحيانا إلى وقت العصر، ثم يدرّس الفقه على مذهب الشيعة ويصلي الظهرين ثم يأكل الطعام ثم يدرّس الفقه على مذهب الأحناف، ثم يصلّى العشائين، ثم يخلو، ويشتغل بمطالعة الكتب، ولا يزال مشتغلا بها إلى الصباح، ثم يصلي الفجر، ثم يأمر بإحضار المغنّين، فيغنّون، ويرقصون، وهو نائم إلى الضحوة، ولذلك عرضت له الأمراض المتعدّدة من الماليخوليا، والفالج سنة أربع عشرة ومائتين وألف، وكان حينئذ بـ"كلكته"، فشدّ الرحل إلى "لكنو" لتبديل الهواء والعلاج، فلم يصل إليها، ومات في أثناء السفر. انتهى. ومن مصنّفاته: شرح على "مخروطات إيلوينوس"، وشرح على "مخروطات ديوبنال"، وشرح على "مخروطات سمسن"، وله رسالتان في الجبر والمقابلة، وله "تعليقات" على الكتب الدرسية، تدلّ على تبحّره في العلوم الحكمية. مات لثمان عشرة خلون من شوّال سنة خمس عشرة ومائتين وألف، كما في "نجوم السماء". * * * ١٢٤٥ - الشيخ الفاضل تفضل حسين *. لم أعثر من ترجمته على أكثر من أنه كان من السلالة الصديقية في "نانوته"، ويشاركهم في العقارات التي نالها آباؤهم وأجدادهم من قبل الملوك المغول. * * *

стр. 1960

١٢٤٦ - الشيخ الفاضل القاضي تقيّ العثماني ابنُ الشَّيخ المفتي محمَّد شفيع بن محمَّد ياسين بن خليفة تحسين علي بن ميانجي إمام علي *. وقد اشتُهر انتماءُ هذه الأسرة إلى الخليفة عثمان بن عفَّان ﵁، وعُرفت بخدمة العلم وأهله. وُلد المترجَم سنة ١٣٦٢ هـ في قرية "ديوبند" في محافظة "سهارنفور" الهندية، واشتُهرت قرية "ديوبند" هذه؛ لوجود أكبر مركزٍ تعليميّ إسلاميّ على أرضها، وهو مدرسة دار العلوم، الي أُسِّست سنة ١٢٨٣ هـ وخرَّجت آلاف العلماء والدُّعاة ورجال الفكر الإسلامي. وقد تولَّى والدُه الشَّيخ المفتي محمد شفيع التَّدريسَ والفتوى فيها منذ سنة ١٣٥٠ هـ حتى ١٣٦٢ هـ، وبقى جدُّه الشَّيخ محمد ياسين مدرّسًا فيها زهاء أربعين عامًا. ولما قرَّر الشَّيخ المفتي محمد شفيع أن يهاجرَ إلى "باكستان"، ليساعد في إرساء دعائم الوطن الإسلامي الجديد، رافقه ولده محمَّد تقي، وكان له من العمر آنذاك خمس سنوات، ونزلوا في مدينة - "كراتشي" سنة ١٣٦٧ هـ. وللمترجَم من الإخوة أربعة، نالوا جميعًا المكانةَ الرفيعة في العلم والصَّلاح، ووُفِّقوا للخير، وحسن العمل، والقيام بخدمة الدِّين، ونشر الدَّعوة على اختلاف مجالاتهم، وتخصُّصاتهم.

стр. 1961

في هذا الجوِّ العلمى الكريم نشأ القاضي محمَّد تقيّ العثماني يتقلَّب في مجالس العلم تعلُّمًا وتعليمًا، فترك هذا - فضلًا عمَّا آتاه الله من فكر وقَّاد، وحافظة قوية، وصفاء نفس، وسلامة صدر - أثرًا كبيرًا على نُبوغه على تلك الصِّفة الكريمة، التي ملأت الأسماع ثناءً جيلًا في الأوساط العلمية، وآثارًا علمية ازدانت بها المكتبةُ الإسلامية. طلبه للعلم: بدأَت دراسةُ القاضي محمَّد تقيّ العثماني الابتدائية في المنزل على يد والدته، حيث درَّسته كتابَيْ "بهشتي جوهر" و"سيرة خاتم الأنبياء" باللغة الأُرْدية، ولما أسَّس والدُه مدرسة دار العلوم في كراتشي التحق بها، وتلقَّى هناك بعضَ المواد بالفارسية والأردية. ثم دخل مرحلة الدَّرس النِّظامي المعروف في شبه القارَّة الهندية، وهو ابنُ ثماني سنوات، وتخرَّج منها سنة ١٣٧٩ هـ، ونال الشَّهادة العالمية بدرجة امتياز. وحاز في هذه المرحلة قسطًا وافرًا من علوم الشَّريعة وعلوم الآلة، فقد درس علم الكلام، والتَّفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، والفرائض، والعلوم المتَّصلة بالأدب العربي. وقد شعر إبَّان هذه المرحلة بأن المنهاج الذي درس ربما يقصِّر عن مواجهة الأوضاع الرَّاهنة، وما يستجدُّ عليها من تحوُّلات، فاتَّجه لدراسة الحقوق والعلوم الاقتصادية والسِّياسية، ونال شهادة الإجازة في الاقتصاد والسِّياسة من جامعة كراتشى سنة ١٣٨٤ هـ (١٩٦٤ م)، كما نال الإجازة في الحقوق من الجامعة نفسها سنة ١٣٨٧ هـ (١٩٦٧ م).

стр. 1962

ثمَّ توجَّه إلى اللُّغة العربية، ففاز بشهادة الماجستير في العلوم العربية بمرتبة الشَّرف الأولى من جامعة بنجاب (١) سنة ١٣٩٠ هـ (١٩٧٠ هـ). شيوخه: كان الشَّيخ محمَّد تقيّ من أوائل الطُّلاب في دار العلوم، فاستطاع أن يستفيدَ من المشايخ الأجلَّاء الذين اضطلعوا بحمل التَّدريس فيها، وفي طليعتهم والده الشَّيخ المفتي محمد شفيع ﵀ ومنهم أيضًا أذكر: ١ - الشَّيخ العلامة أكبر علي: كان من أفاضل أهل العلم والصَّلاح، درَّس في دار العلوم قرابة خمسين سنة. درس عليه الشَّيخ محمَّد تقيّ الكثيرَ من الكتب، وأبرزها "التَّوضيح على التَّلويح" في أصول الفقه، و"تفسير الجلالين". ٢ - الشَّيخ المفتي وليّ حسن: عالمٌ متخصِّص بالفقه والإفتاء، وتربويٌّ فذٌّ. قرأ عليه الشَّيخ محمَّد تقيّ الكثيرَ من الكتب الدِّراسية منذ بداية دراسته إلى الصفّ الخامس، فقرأ عليه "الهداية" للمرغيناني، وكان للشَّيخ ولي عنايةٌ خاصَّة في تكوين ذوق القراءة والمطالعة لدى تلميذه الشَّيخ محمَّد تقيّ.

стр. 1963

٣ - الشَّيخ المجاهد مولانا نور أحمد: كان السَّاعدَ الأيمن الشَّيخ المفتي محمَّد شفيع في تأسيس جامعة دار العلوم في كراتشي، وعُيِّن مديرًا أعلى فيها، وهو الذي أسَّس المطبعة الشَّهيرة "إدارة القرآن والعلوم الإسلامية" بمدينة "كراتشي، وقد درس عليه الشَّيخ محمَّد تقيّ المرحلة الابتدائية. ٤ - المفتى العلامة الشيخ رشيد أحمد: تولى التَّدريس دار العلوم من سنة ١٣٧٦ هـ إلى سنة ١٣٨٣ هـ، وقد درس عليه الشَّيخ محمَّد تقيّ "الصحيح" للإمام البخاري. ٥ - الشَّيخ العلَّامة محمد رعاية الله: أدَّى دورًا بارزًا في خدمة التَّدريس في دار العلوم، كما قام بمسؤولية تنظيم أمورها بصفة عميدٍ عامٍّ لها. ٦ - الشَّيخ العلَّامة الحافظ سحبان محمود: العميد الحالي لجامعة دار العلوم، وشيخ الحديث بها، وهو علمٌ بارزٌ في العلوم الحديثية والفقهية، ورمزٌ في مجال التَّربية الإسلامية. ٧ - الشَّيخ العلَّامة الدَّاعية الحافظ سليم الله خان: رئيس الجامعة الفاروقية ومؤسِّسها، وشيخ حديثها حاليًا، قدَّم ويقدِّم خدماتٍ دينيةً جليلةً في مختلف المجالات. ٨ - الشَّيخ العلَّامة شمس الحق: علمٌ بارزٌ في المعرفة الدَّقيقة للفلسفة والمباحث العقلية المتَّصلة بالعقائد، كما أنه عالمٌ بصيرٌ في العلوم الحديثية والفقهية، ويشغل منصبَ مديرٍ عامٍّ في جامعة العلوم كراتشي. وخارج فلك دار العلوم، راجع الشَّيخ محمَّد تقيّ الشَّيخ العارف بالله عبد الحي عارفي ﵀ أجلَّ خلفاء الإمام أشرف على التهانوي ﵀ وتشرَّب منهجه في التَّربية، واضطلع بأفكاره في إصلاح النُّفوس، وبعد وفاته راجع الشَّيخ مسيح الله خان ﵀ واستمرّت استفادته منه إلى وفاته.

стр. 1964

مكانته العلمية: لقد يسَّر الله للشَّيخ محمَّد تقيّ ما يسَّير للعلماء الصالحين الأفاضل، من أسرةٍ علميَّةٍ كريمة، وأساتذة أخيار بررة، ومواهب شخصيةٍ فذَّة، وفرصةٍ كافيةٍ للاستفادة العلمية، ودراسةٍ معمَّقة في العلوم العصرية إلى جانب العلوم الإسلامية، ثم تجارب متتالية من خلال رحلات علمية إلى مختلف دول العالم، حيث أتاحت له أن يلتقّى كبار علماء العالم الإسلامي. وقد شهدت مدة ما بعد رحيل الاستعمار الغربي عن البلاد الإسلامية فجوةً بين منهجي التَّعليم الإسلامي الأصيل والتعليم المدني الحديث، وظهرت الحاجة إلى إيجاد حلقة علمية تجمع بين الثَّقافة الإسلامية العميقة ودراسة العلوم العصرية الدَّقيقة، فانبرى لذلك ثلَّة من العلماء والمفكّرين الكبار، وعلى رأسهم الشَّيخ محمَّد شفيع ﵀ الذي خطا خطوات جادَّة في هذا المضمار، ثم استنهض همة نجله الذَّكي الشَّيخ محمَّد تقيّ بعدما نهل من دراسة العلوم الشَّرعية للدخول في مضمار الدِّراسات الحديثة، واختار له الاقتصاد والسِّياسة والقانون. وأبلى الشَّيخ محمَّد تقيّ في هذا الصَّعيد بلاء حسنًا، واستطاع بتوفيق الله أن يتقن هذه الموادّ العلمية الثَّلاث إتقان خبيرٍ محنَّك، ثم أكبَّ على إعمال الثَّقافتين إعمال النَّحل في عصارة الَّزهر، فجاء بنتاجٍ علميٍّ سائغٍ، من مزيج عناصرَ مستقاةٍ من العلوم الإسلامية الأصيلة، وتتجلَّى هذه المزيَّة في خدماته الفقهية التي ما زال يقدِّمها إلى الآن. ومن ناحية أخرى فقد كان له ذوقٌ أدبيٌّ رفيعٌ في اللُّغات العربية، والأردية، والإنكليزية، فكان أن سخَّر ذوقَه الأدبي لخدمة الموضوعات العلمية الجافة، فيأتي بالموضوع العلمي الدَّقيق في ثوب أدبي تتسارعُ معانيه إلى الأذهان.

стр. 1965

وقد مارس قرض الشِّعر بالأردية فجاء نموذجًا مفردًا في موضوعه. واختار الشَّيخ محمَّد تقيّ المنهج الرصين في خطاباته ومواعظه ودروسه ودعوته، فنفع الله به العباد والبلاد. سيرته العلمية: ارتبطت حياة الشَّيخ العملية بحياته العلمية ارتباطَ الرُّوح بالجسد، فلم تخرج أعمالُه عن محيط العلم وخدمته، تعليمًا، وتدريسًا، وتأليفًا، ودعوةً إلى الله، وأبرزُ أعماله التَّدريسُ والإفتاء. ١ - في مجال التَّدريس: فُوِّض إليه تدريسُ المواد العلمية المتنوِّعة عقب تخرُّجه في دار العلوم، فخطا في هذا المجال خطًا واثقةً، وكان مدرِّسًا تربويًّا ناجحًا، إلى أن وصل إلى الذُّروة، وما زال يدِّرس العلوم الحديثية والفقهية في درجتي العالمية (الماجستير) والتَّخصُّص في الفتوى (الدكتوراه) في جامعة دار العلوم. ولم يقتصر نشاطه في التَّدريس على الجامعة، بل امتدَّ إلى خارجها، فعقد دوراتٍ تعليمية متعدِّدة في مجال الاقتصاد والسِّياسة والقانون؛ لإفادة العلماء والمفتين في مجال التخصُّص، وقدَّم محاضراتٍ علميةً في عدّة جامعات أمريكية وأوربية، وشهد على نبوغه وبراعته المثقَّفون المشاكون في هذه المحاضرات المسلمون منهم وغير المسلمين. ٢ - في مجال الإفتاء: بدأ الشيخ التَّمرّس على كتابة الفتوى في زمن طلبه للعلم تحت إشراف والده، ونال الثَّناء من جيع أساتذته ومشايخه، وازداد اشتغالُه بالفتوى بعد تخرُّجه، ووُفِّق في إصدار آلاف الفتاوى التي تتميَّز بقوَّة الحجَّة والبرهان، ودقَّة النَّظر وعمق الدِّراسة، وحسن التَّنظيم والصِّياغة وسلاسة الأسلوب، وما زال إلى اليوم يُشرف على قسم الفتوى في دار الإفتاء.
следующие страницы →