← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

١٢٧٣ - جبريل بن جميل بن محبوب القيسي، اللواتي، البزّاز *. أسمعه أبوه من السلفي، ومن الضياء بدر (١)، وتفقّه على مذهب أبي حنيفة، وحدّث، وسمع منه المنذري. وسيأتي له زيادة في ترجمة ابنه يوسف. وكانت وفاته، كما قاله المنذري في "التكملة"، سنة ستمائة، راجعًا من الحجّ. * * * ١٢٧٤ - الشيخ الفاضل جِبْرِيل بن حسن بن عُثْمَان مَحْمُود بن عُثْمَان الكنجاوي * *. توفي سنة ٧٥٢ هـ اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة. صنف "التقدمة فِي شرح الْمُقدمَة"، أعني "مُقَدّمَة أبي اللَّيْث". * * *

стр. 1997

١٢٧٥ - الشيخ الفاضل جبريل بن عبد الله الشيخ زين الدين الدمشقي *. قرأ كتاب "الجمعة" لأبي عبد الرحمن النسائي على أبي القاسم البوصيري، سنة أربع وتسعين وخمسمائة، واشتغل في "الكنز"، وحصل، ودرّس، وكان رزقه مُقترأ "عليه وعلى عياله". ذكره ابن طولون في "طبقاته". * * * ١٢٧٦ - الشيخ الفاضل جرجس (جرجي) بن صفا بن ناصيف بن فارس أبي عكر ابن نعمة * *. حقوقي، مؤرّخ، لبناني. ولد سنة ١٢٦٥ هـ، وتعلّم في "دير القمر"، وعرف شيئا من الفرنسية والتركية. وقرأ العربية والفقه على الشيخ يوسف الأسير. وعيّن معلّما في "المدرسة العزيزية" (نسبة إلى السلطان عبد العزيز) بـ"دير القمر"، من بدء إنشائها ١٨٧٠ م إلى ١٨٧٥ م، ثم جعل رئيسا لمدارس الحكومة في جبل "البنان". وعيّن قاضيا (مدنيا) في مركز (المتن)، ثم كان من أعضاء محكمة الاستئناف مدة ١٣ سنة.

стр. 1998

وانصرف إلى (المحاماة) وتدريس الحقوق ١٢ سنة، وعيّن رئيسا لدائرة الاستئناف أربعة أعوام، ونشبت الحرب العامة الأولى، فنفاه جمال باشا إلى "القدس"، ثم إلى "الأناضول". وعاد إلى "لبنان" بعد الحرب، فترأس محكمة الاستئناف في "بيروت" مدّة. وفصل، فرجع إلى المحاماة إلى أن توفي. له كتاب في "تاريخ لبنان"، وكتاب في "أداب البحث"، و"ذيل الفرائد البهية" لمحمود حمزه في فقه الحنفية، و"الفرائد الدرية في شرح الآجرومية"، و"مبادئ القراءة"، و"شرح مجمع البحرين" لابن الساعاتي في فقه الحنفية، و"شرح مجلّة الأحكام الشرعية" مطوّل، انتهى فيه إلى كتاب الإقرار (١). توفي سنة ١٣٥٢ هـ. * * * ١٢٧٧ - الشيخ الفاضل جرير بن عبد الحميد بن قرط أبو عبد الله، الرازي، الآبي *.

стр. 1999

و"آبة": قرية من قرى "أصبهان"، ولد بها صاحب الترجمة، ونشأ بـ "الكوفة". وأخذ الفقه عن أبي حنيفة في مسائل، منها: مسألة جناية المدبّر على سيّده. وسمع يحيى بن سعيد الأنصارى، ومالكًا، والثوري، والأعمش. وروى عنه ابن المبارك، وقتيبة، وأحمد، وابن المديني. قال ابن سعد: ثقة، كثير العلم، يرحل إليه. وقال هبة الله الطبري: مجمع على ثقته. مات سنة ثمان وثمانين ومائة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وصلّى عليه ابنه عبد الله. قال جرير: ولدت سنة مات الحسن، سنة عشر ومائة. روى له الشيخان. * * * ١٢٧٨ - الشيخ الفاضل جعفر بن أحمد بن إسماعيل بن شهريل، أبو محمد الإستراباذي *. رحل وسمع، وذكره أبو سعد الإدريسي في "تاريخ إستراباذ"، وقال: كان من فقهاء أصحاب أبي حنيفة، حسن الطريقة فيهم، وكان يعرف بالزهد والعبادة، وحدّثنا عنه جماعة.

стр. 2000

قال: ومات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وذكره السهمي أيضًا في "تاريخ جرجان"، وقال: كنيته أبو محمد، وربما نُسب إلى جدّه. فيقول: جعفر بن شهريل، روى عن عمّار بن رجاء، وإسحاق بن إبراهيم، وجعفر بن أحمد بن بهرام، وجماعة من أهل "إستراباذ"، و"جرجان"، كتب بـ "مكّة" عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، روى عنه أبو أحمد بن عدي. * * * ١٢٧٩ - الشيخ الفاضل جعفر بن أحمد بن بهرام الباهلي، أبو حنيفة الشهيد، الإستراباذي *. قال السهمي في "تاريخ جرجان": كان من فقهاء الحنفية بـ "إستراباذ"، وإليه الفُتيا. سُعي به عند الحسن بن زيد العلوي، أنه يبغض أهل البيت، فحبسه في سجنه حتى مات، ثم أمر به فصلب بـ "جرجان"، فذهب جماعة من أهل "إستراباذ" وسرقوه ليلًا، ودفنوه في مقبرة "جرجان"، وأخفوا قبره. يروى عن محمد بن خالد الحنظلي، وجعفر بن عون، والفضل بن دكين، ويحيى بن هاشم، وداود بن سليمان الجرجاني. روى عنه الحسن (بن الحسين) بن عاصم، والحسنِ بن بُنْدار المفسّر، وجعفر بن أحمد بن إسماعيل بن شهريل، وأبو نُعيم عبد الملك [بن محمد] بن عدي، الإستراباذيون. * * *

стр. 2001

١٢٨٠ - الشيخ الفاضل جَعْفَر بن أحْمَد بن جَعْفَر الرُّومِي الأصل، ثمَّ المكي، الْمدرّس واعظ الحْرم بِـ"مَكَّة المكرمة "*. صنف "القسطاس الْمُستَقيم فِي سلوك جادة الشَّرْع القويم"، و"مِصْبَاح الهدى فِي الإنقاذ من الردى". فرغ مِنْهَا فِي شعْبَان من سنة ١٠٥٩ هـ تسع وَخمسين وألف. * * * ١٢٨١ - الشيخ الفاضل جَعْفَر بن أحْمَد تاجي بك الرُّومِي، القاضي بعسكر "آناطولي"، الشهير بتاج زَاده * *. توفي مقتولا سنة ٩٢٠ هـ عشرْين وَتِسْعمِائَة. لَهُ "ديوَان شعره"، تركي، و"فتحنامهء إستانبول" رِسَالَة، و"هُوَ سنامه" منظومة تركية، و"منشآت تركيه"، وَغير ذَلِك. * * * ١٢٨٢ - الشيخ العالم الصالح جعفر بن باقر الدلموي البريلوي ،

стр. 2002

أحد عباد الله الصالحين* ولد، ونشأ بـ "دلمؤ" بلدة من أعمال "رائ بريلي" (١). وقرأ أكثر الكتب الدرسيّة على الشيخ محمد واضح بن محمد صابر الشريف الحسني البريلوي، ثم سافر إلى بلاد أخرى، وأخذ بعض الفنون الحكمية عن العلامة فضل إمام الخيرآبادي ثم رجع إلى بلدته، وعكف على الإفادة، والعبادة. كان زاهدا، متقلّلا، متين الديانة، شديد التعبّد، استقدمه نواب سعادت علي خان اللكنوي للقضاء، فلم يجبه، واستقدمه شيخه. فضل إمام إلى "خير آباد"، لما وقع النزاع بينه وبين ابن أخته، فبعث إليه راحلة، فأجاب دعوة الشيخ تأدّبا له، ولم يقبل راحلته، ووصل إلى "خير آباد" بشقّ النفس، وأقام في مسجد من أبنية الحائكين، واستحضر الفريقين في ذلك المسجد، وقضى بحقّ ابن أخت الشيخ، ثم رجع، ولم يقبل الضيافة عن أحدهما. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، كما في "مهر جهانتاب". * * * ١٢٨٣ - العالم الفاضل الكامل المولى جعفر بن التاجي بك *.

стр. 2003

كان والده مدبّر الأمور السلطان بايزيد خان وقت إمارته على أمسايه، ورغب هو في طلب العلم. وقرأ على المولى ابن الحاج حسن، وعلى المولى القسطلاني، وعلى المولى خطيب زاده، وعلى المولى خواجه زاده، واشتهر بالفضائل في الآفاق، فأعطاه السلطان بايزيد خان مدرسة الوزير محمود باشا بمدينة "قسطنطينية"، ودرّس هناك، وأفاد، فاشتهرت فضائله بين الطلبة، ورغب في خدمته الفضلاء. ثم جعله السلطان بايزيد خان موقعا للديوان العالي، فسلك مسلك الأمراء، وعاش في ظلّ حمايته بدولة وافرة، وحشمة متكاثرة، ثم أصابته عين الزمان، فانتهبت داره، وعزل عن منصبه في آخر سلطنة السلطان بايزيد خان لحادثة يطول شرحها، وليس هذا المقام موضع ذكرها، وعيّن له كلّ يوم مائة درهم بطريق التقاعد، ولم يقبل. ولما جلس السلطان سليم خان على سرير السلطنة أضاف إليها قضاء بعض البلاد، فقبلها، ثم جعله موقعا بالديوان العالي ثانيا، ثم جعله قاضيا بالعسكر المنصور في ولاية "أناطولي، ثم قتله لأمر واجب ذلك، والقصّة يطول شرحها، مع خروجها عن مقصود الكتاب. وله نظم بالتركية وبالفارسية، منه هذا المطلع من قصيدته للسلطان سليم خان. جان آخرين كه دركف مانندجان نهاد بهز شار مقدم شاه جهان ثهاد. وله نظم كتاب بالتركية، سمّاه بـ "قوش نامه" ونظمه في غاية الحسن والقبول عند أرباب النظم، وله منشآت كثيرة مقبولة عند أهلها، - روّح الله تعالى ورحه، وزاد في غرف الجنان فتوحه -. * * *

стр. 2004

١٢٨٤ - الشيخ الفاضل جعفر بن طرخان الإستراباذي، أبو محمد *. ذكره الحافظ السهمي في "تاريخ جرجان"، فقال: كان من أجلّة فقهاء الرأي، له تصانيف، روى عن أبي نعيم الفضل بن دكين، وأبي حذيفة موسى بن مسعود، وعثمان بن الهيثم، ومحمد بن كثير، وجماعة. روى عنه ابنه محمد، وجعفر بن شهريل، والحسن بن الحسين بن عاصم، وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي. مات سنة سبع وسبعين ومائتين، - رحمه الله تعالى -. * * * ١٢٨٥ - الشيخ الفاضل جعفر بن عبد الله بن محمد بن علي بن محمد أبو منصور الدامغاني، ابن أبي جعفر ابن قاضي القضاة أبي عبد الله من البيت المشهور بالقضاء، والعدالة، والرواية * *. كان شيخًا نبيلًا، حسن الأخلاق، لطيف الكلام، محمود السيرة، مرضيّ الطريقة.

стр. 2005

سمع الحديثِ الكثير من أبي الخطّاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، وأبي زكريا يحيى بن عبد الوهّاب بن منده الأصبهاني. وحدّث بالكثير، وكان صدوقًا. وروى عنه أبو العبّاس بن البندنيجي، وغيره. وكان مولده في ليلة الثلاثاء، سادس عشر صفر، من سنة تسعين وأربعمائة. ووفاته سنة ثمان وستين وخمسمائة، - رحمه الله تعالى -. * * * ١٢٨٦ - الشيخ الفاضل العلامة جعفر بن عبد العلي الكُمِلائي *. من فضلاء أزهر الهند دار العلوم "ديوبند". ولد في سنة ١٣٠٩ هـ في وطن آبائة. وبعد الفراغ من الدراسة درّس في الجامعة الإسلامية الحميدية بـ "بَتَغْرَام" ثلاث سنين، وفي الجامعة الملّية بـ"كُمِلا" أربع سنين، ثم في سنة ١٣٧٠ هـ بنى مدرسة في "كُمِلا"، وسمّاها قاسم العلوم باسم مؤسّس دار العلوم "ديوبند"، وكان مديرا لها إلى أن توفّاه الله تعالى. صنّف عدّة كتب باللغة البنغالية. توفي يوم الجمعة سنة ١٤١٢ هـ، ودفن في مقبرة آبائه. * * * ١٢٨٧ - الشيخ الصالح جعفر بن عبد الغفور الكجراتي ،

стр. 2006

أحد العلماء الصالحين*. ولي الصدارة والاحتساب بـ "حيدر آباد" (١) مكان أخيه عبد القادر، ولقب بحكيم الحكماء محي الدولة، فاستقلّ بالصدارة مدّة عمره، وكان عالما، حاذقا في الطبّ، صالحا، كبير المنزلة عند الملوك والأمراء. * * * ١٢٨٨ - الشيخ الفاضل جعفر بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حمزة، قاضي القضاة، أبو البركات ابن قاضي القضاة أبي جعفر بن القاضي أبي الحسين * *. ناب في قضاء "العراق" عن أبيه، واستقلّ به بعد وفاته، ولما مات الوزير عون الدين ناب أبو البركات عنه في الوزارة، مُضافًا إلى قضاء القضاة.

стр. 2007

ومات سنة ثِلاث وستين وخمسمائة، وله ستّ وأربعون سنة. وسمع منه أبو المحاسن القرشي. * * * ١٢٨٩ - الشيخ الفاضل جعفر بن عبد الوهّاب بن محمد بن كامل البغدادي *. حدّث عن محمد بن الحسن. * * * ١٢٩٠ - الشيخ الفاضل جعفر بن أبي على الحسن بن إبراهيم الدميرى الأصل المصري المولد والدار * *. قرأ القرآن بالروايات على أبي الجيوش عسكر بن علي الشافعي، وتفقّه على الإمام جمال الدين عبد الله بن محمد بن سعد الله، وعلى الفقيه بدر الدين أبي محمد عبد الوهّاب بن يوسف.

стр. 2008

وسمع الحديث من أبي محمد عبد الله بن برّي، وأبي الفضل محمد بن يوسف الغرنوي الحنفي. ودرّس بـ "المدرسة السيوفية" بـ "القاهرة" إلى حين وفاته، وكان حسن الصَّمْت، كثير العُزلة عن الناس، حسن الخطّ. سمع منه المنذري، وقال: سألته عن مولده، فذكر ما يدلّ على أنه في سنة خمس وخمسين وخمسمائة بـ "القاهرة". وتوفي بها ليلة الاثنين، مستهلّ ذي القعدة، سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي، - رحمه الله تعالى -. * * * ١٢٩١ - الشيخ الفاضل جعفر بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول أبو محمد التنوخي، الأنباري الأصل من البيت المشهور *. قال الخطيب: ذكر لي أبو القاسم التنوخي أنه ولد بـ "بغداد"، في ذي القعدة، من سنة ثلاث وثلاثمائة. قال: وكان أحد القرّاء للقرآن بحرف عاصم وحمزة والكسائي. وكتب هو وأخوه على الحديث في موضع واحد. قال: وأصل كلّ واحد منهما أصل الآخر، وشيوخ كلّ واحد منهما شيوخ الآخر. وحدّث عن عبد الله بن محمد البغوي، وأبي الليث الفرائضي، وجدّه أحمد بن إسحاق بن البهلول، وغيرهم.

стр. 2009

وعرض علية القضاء والشهادة فأباهما، تورّعًا وتقلّلا وصلاحا. قال الخطيب: قال لي علي بن المحسن: مات جعفر بن أبي طالب بن البهلول بـ "بغداد"، ليلة الأربعاء، لثمان وعشرين ليلة خلتْ من جمادى الآخرة، سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، ودُفن من الغد إلى جانب داره، بسكة أبي العبّاس الطوسي. قال - أعنى الخطيب -: وهو أخو علي والبهلول أبي محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول. - رحمهم الله تعالى -. * * * ١٢٩٢ - الشيخ الفاضل جعفر بن محمد بن عمار البرجي القاضي من أهل "الكوفة"، ولي القضاء بـ"سُرَّمَنْ رَأى *. كذا في "الجواهر"، من غير زيادة. * * * ١٢٩٣ - الشيخ الفاضل جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفر أبو العبّاس، النسفي، المستغفري

стр. 2010

خطيب "نسف". كان فقيهًا فاضلًا، ومحدّثًا مكثرًا، وصدوقًا حافظًا، لم يكنْ بـ "ما وراء النهر" في عصره مثله، وله تصانيف أحسن فيها. سمع أبا عبد الله محمد بن أحمد غُنجار، وزاهر بن أحمد السرخسي. روى عنه أبو منصور السمعاني. وكانت ولادته سنة خمسين وثلاثمائة، ووفاته في سلخ جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة بـ "نسف". - رحمه الله تعالى -. قلت: وفي "الفوائد البهية" ص ٥٧ ذكر السمعاني المستغفري بضمّ الميم وسكون السين المهلمة، وفتح التاء المنقوطة باثنتين من فوق، وسكون الغين المعجمة، كسر الفاء، في آخرها الراء المهملة. هذه النسبة إلى المستغفر اسم بعض أجداد المنتسب إليه، وهو أبو علي محمد بن المعتزّ بن محمد بن المتستغفر بن الفتح بن إدريس من أهل "نسف"، كان ولادته في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، ووفاته في شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وثلاث مائة، وابنه أبو العبّاس جعفر بن محمد المستغفري خطيب "نَسَف". كان فقيها فاضلا، ومحدّثا مكثرا، صدوقا، يرجع إلى فهم ومعرفة وإتقان، جمع الجموع، وصنّف التصانيف، وأحسن فيها، وكان قد رحل إلى

стр. 2011

"خراسان" وأقام بـ "مرو" و"سرخس" مدّة، وأكثر عن أبي علي الزاهد بن أحمد السرخسي، وسمع بـ "نسف" أبا سهل هارون بن أحمد الإسترآبادي، وأبا محمد الرازي، وبـ "بخارى" أبا عبد الله محمد بن أحمد غُنجار الحافظ، وبـ "مرو" أبا الهيثم محمد، وجماعة كثيرة سواه، وروى عنه جدّي الأعلى القاضي أبو منصور محمد بن عبد الجبّار السمعاني، وأبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي، وأبو علي الحسن بن عبد الملك، وجمع كثير لا يحصون، ولم يكن بـ "ما وراء النهر" في عصره من يجري مجراه في الجمع والتصنيف وفهم الحديث، كانت ولادته سنة ٣٥٠ هـ، ووفاته سلخ جمادى الأولى سنة ٤٣٢ هـ، انتهى. ثم قال: وابنه أبو ذر محمد بن جعفر المستغفري كان خطيب "نسف"، ولي الخطابة بعد أبيه، وأسمعه أبوه من جماعة من الشيوخ، وكان من أهل العلم والخير، ذكره أبو محمد عبد (١) العزيز بن محمد النخشي في "معجم شيوخه"، وقال أبو ذر: المستغفري (٢) ابن شيخنا أبي

стр. 2012

العبّاس سمع أبا الفضل يعقوب بن إسحاق السلمي، وأبا محمد عبد الملك بن إبراهيم بن رافع، انتهى. * * * ١٢٩٤ - الشيخ الفاضل جعفر بن محمد، أبو محمد البويبي، الفقيه *. من طبقة الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري، - رحمهما الله تعالى -. * * * ١٢٩٥ - الشيخ الصالح جعفر بن نظام الدين الصوفي الأميتهوي * *. كان من أهل بيت العلم والطريقة. ولد سنة خمس وسبعين وتسعمائة بمدينة "أميتهي"، ونشأ بها. وقرأ العلم على القاضي حسين الستركهي، وفرغ في الرابع عشر من سنّه، ثم لبس الخرقة من خاله عبد الرزّاق بن خاصّه بن خضر الصالحي الأميتهوي، وسكن خارج البلدة بقرية "بروا"، فأقطعه جهانكير مائتي فدان من الأرض الخراجية في تلك القرية، شفع له المفتي صدر جهان البهانوي،

стр. 2013

فبني بها مسجدا، ثم بنى له الشيخ حسن السارنكبوري غمارة عالية البناء لمدرسة ودورا ومساكن لطلبة العلم، لها آثار باقية حتى اليوم. وكان آية ظاهرة في القناعة والعفاف والزهد والتوكّل والانقطاع إلى الله سبحانه، ويذكر له كشوف وكرامات ووقائع غريبة، لا يحصيها البيان. توفي سنة خمس وأربعين وألف بقرية "بروا"، فدفن بها، كما في "رياض عثماني". * * * ١٢٩٦ - الشيخ الفاضل جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكي *. قال الخطيب: كان من علوّ القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحلّ، وجلالة المنزلة، عند هارون الرشيد، بحالةٍ انفرد بها، ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق؛ طلق الوجه، ظاهر البشر، فأما جوده وعطاؤه فأشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر، وكان أيضًا من ذوى الفصاحة، المذكور (١) باللسن والبلاغة، ويقال: إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، نظر في جميعها، فلم يخرجْ شئ منها عن موجب الفقه.

стр. 2014

قال وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمّه إلى أبي يوسف القاضي، حتى علمه، وفقهه. وقال ثُمامة بن أشرس: ما رأيت رجلًا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون. وحكى العبّاس بن الفضل، قال: اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكي، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعُذر [منا] (١) عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودّة لك عن سوء الظنّ بك. وحيث كان يروى عنه في الكرم، وإسداء النعم، وإكرامه جلسائه، والإحسان إلى أوليائه، وتحقيق ظنّ أمليه، وتفريج كربة سائليه، ما تضيق عنه الدفاتر، وتعجز عن ضبطه الأقلام والمحابر، وتغني به الركبان، وتتجمّل بذكره مجالس الأعيان، فلا بأس أن نذكر منها طرفًا يسيرًا، يكون لأهل الكرم به قدوة، ولضعيف الهمّة باعثًا على الجميل، وموجدًا له نحوه، وليعلم أن المرء لا يبقى له بعد موته إلا الذكر الجميل، والثناء الحسن الجزيل. فمن ذلك ما روى ابن عسكر، عن المهذّب صاحب العبّاس بن محمد، صاحب قطيعة العبّاس والعبّاسية، أنه أصابتْه ضائقة، وألحّ عليه المطالبون، وعنده سفطٌ (٢) فيه جوهر، مُشتراة عليه ألف درهم، فحمله إلى جعفر ليبيعه منه، فاشتراه بثمنه، ووزن له ألف ألف، وقبض منه السفط، وأجلسه عنده في تلك الليلة، فلمّا رجع إلى أهله إذا السفط قد بلغه إلى منزله، فلمّا أصبح غدًا إليه ليتشكر له، فوجده مع أخيه الفضل على باب الرشيد، يستأذن عليه، فقال له جعفر: إني قد ذكرت أمرك للفضل، وقد أمر لك بألف ألف، وما أظنّها إلا سبقتك إلى أهلك، وسأفاوض فيك أمير

стр. 2015

المؤمنين فلمّا دخل ذكر أمره له، وما لحقه من الديون، فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. وروى الخطيب (١) أن جعفرًا كان ليلة في سمره، وعنده أبو علقمة الثقفي صاحب الغريب، فأقبلت خنفساة إلى علقمة، فقال: أليس يقال: إن الخنفساة إذا أقبلتْ إلى رجل أصاب خيرًا؟ قالوا: بلى. فقال جعفر: يا غلام! أعطه ألف دينار. ثم نحوها فعادتْ إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف في دينار. فأعطاه. وروى أيضًا (٢) أن جعفرًا حجّ مرّة مع الرشيد، فلمّا كانوا بـ "المدينة"، قال لإبراهيم الموصلي: أنظرْ لي جارية أشتريها، ولا تبق غايةً في حذاقتها بالغناء، والضرب، والكمال، والطرف، والأدب، وجنبني قولهم: صفراء. قال إبراهيم: فوصفتها (٣) على يد من يعرف، فأرشدتْ إلى جارية لرجل، فدخلتْ عليه، فرأيت رسوم النعمة عنده، فأخرجها إلي، فلم أر أجمل منها، ولا أصبح، ولا آدب، قال: ثم تغنّت لي أصواتًا، فأجادتها، قال: فقلت لصاحبها: قل: ما شئت، قال: أقول لك قولًا لا أنقص منه درهمًا، قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قال: قلت قد أخذتها، واشترطت عليك نظرةً. قال: ذاك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى، فقلت: قد أصبت حاجتك على غاية الكمال والظرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجودة الضرب والغناء، وقد اشترطت نظرة فاحمل المال، ومرّ بنا.

стр. 2016

قال: فحملنا المال على حمالين، وجاء جعفر مُستخفيًا، فدخلنا على الرجل، فأخرجها، فلمّا رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنته، فازداد بها عجبًا، فقال لي: اقطع أمرها. فقلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه، ووزناه، فإن قنعت وإلا فوجه إلى من شئت لينتقده. فقال: لا، بل أقنع بما قلتم. قال: فقالت الجارية: يا مولاي، في أيّ شيء أنت؟ فقال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة، وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك، فتنبسطي في شهواتك وإرادتك. فقالت الجارية: والله يا مولاى لو ملكت منك ما ملكته (١) مني ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد. وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنًا، فتغرغرتْ عين المولى، وقال: اشهدوا أنها حرّة لوجه الله تعالى، وأني قد تزوّجتها، وأمهرتها داري. فقال لي جعفر: انهض بنا. فقال: فدعوت الحمالين ليحملوا المال، قال: فقال جعفر: لا والله، لا يصحبنا منه درهم. قال: ثم أقبل على مولاها، فقال: هو لك مُباركًا (٢) لك فيه، أنفقه عليك وعليها. قال: وقُمنا، وخرجنا. وروى أنه لما حجّ اجتاز في طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعتضتْه امرأة من بني كلاب، وأنشدته: إني مَرَرْتُ على العقيق وأهله … يشكون مِن مطرِ الربيعِ نُزُورا ما ضَرَّهم إذا كان جعفر جارَهم … أنْ لا يكون رَبيعهم مَمْطورًا

стр. 2017

فأجزل لها العطاء. ذكر مقتل جعفر، وإيقاع الرشيد به. وبأهل بيته وذكر السبب في ذلك على وجه الاختصار، فإن فيه عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتّعظ، وتنبيهًا لمن هو غافل عن غدر الدنيا لأربابها، وإساءتها بعد الإحسان لأصحابها، وقد نقلت ذلك من التواريخ المعتمدة، كـ "تاريخ الخطيب"، و"تاريخ ابن كثير"، وغيرهما. قال ابن كثير (١) - رحمه الله تعالى -: ثم دخلتْ سنةُ سبع وثمانين ومائة، فيها كان مقتل الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، ودمار ديارهم، واندثار آثارهم، وذهاب صغارهم وكبارهم، وقد اختلف في سبّ ذلك على أقوال، ذكرها أبو جعفر بن جرير، وغيره من علماء التاريخ، فمما قيل: إن الرشيد قد سلم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البرمكي، فسجنه عنده، قال: فما زال يحيى يترفّق له حتى أطلقه جعفر، فنمَّ الفضلُ بن الربيع على جعفر في ذلك، فقال له الرشيد: ويلك، لا تدخل بيني وبين جعفر، فلعلّه قد أطلقه على أمرى، وأنا لا أشعر. ثم سال الرشيد جعفر عن ذلك، فصدقه الحال، فتغيّظ عليه الرشيد، وحلف ليقتلنه، وكرة البرامكة، ومقتهم، وقلاهم، بعد ما كانوا أحظى الناس عنده، وأحبّهم إليه، وكانت أمّ جعفر والفضل أمّه من الرضاعة، وجعلهم من الرفعة في الدنيا كثرة المال، بسبب ذلك في شيءٍ كثير لم يحصل لمن قبلهم من الوزراء، ولا لمن بعدهم من الأكابر والرؤساء، بحيث أن جعفرًا بنى دارًا، وغرم عليها عشرين ألف ألف درهم، وكان ذلك " [من جملة ما كبر عليه بسببه] " (٢).

стр. 2018

ويقال: إن الرشيد كان لا يمرّ ببلد ولا إقليم،. فيسأل عن قرية أو مزرعة أو بستان، إلا قيل: هذا لجعفر. وقد قيل (١): إن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد، وإظهار الزندقة، ويؤيّد ذلك ما روي أن الرشيد أتى بأنس بن أبي شيخ، وكان يُتّهم بالزندقة، وكان مصاحبًا لجعفر، وذلك ليلة قتل، فدار بينه وبينه كلام، فأخرج سيفًا من تحت فراشه، وأمر بضرب عنقه به، وجعل يتمثّل ببيت قيل في أنس، قبل ذلك، وهو - تَلَمَّظَ السيفُ مِنْ شوقٍ إلى أَنَسٍ … فالسيفُ يَلْحَظُ والأَقْدارُ تَنْتَظِرُ فضرب عنقه، فسبق السيف الدم، فقال الرشيد: - رحم الله عبد الله بن مصعب -. فقال الناس: إن السيف كان سيف الزبير بن العوّام، - رضى الله تعالى عنه -. وقيل (٢): إنه بسبب العباسة أخته، فإن جعفرًا كان يدخل على الرشيد بغير إذن، حتى إنه كان ربما دخل عليه وهو في الفراش مع حظاياه، وهذه وجاهة عظيمة، ومنزلة عالية، وكان من أحظى العشراء على الشراب، فإن الرشيد كان يستعمل في أواخر ملكه المسكر، [وكان المخلف] (٣). وكان أحبّ أهله إليه أخته العبّاسة بنت المهدي، وكان يحضرها معه، وجعفر البرمكي حاضر أيضًا، فزوّجه بها، ليحلّ له النظر إليها، واشترط عليه أن لا يطأها، فكان الرشيد ربما قام، وتركهما، وهما ثملان من الشراب، فربما واقعها جعفر، فاتفق حملها منه، فولدت ولدًا بعثته مع بعض جواريها إلى "مكّة"، وكان يُربى هناك.

стр. 2019

وذكر قاضى القضاة ابن خلكان في "الوفيات" (١) صفة أخرى في مقتل جعفر، وذلك أنه لما زوّج الرشيد جعفرًا من العباسة أخته، أحبّتْه حبًّا شديدًا، فراودتْه عن نفسه، فامتنع أشدّ الامتناع من خشية أمير المؤمنين، فاحتالتْ عليه، وكانت أمّه تهدي إليه في كلّ ليلة جمعةٍ جارية حسناء بكرًا، فقالتْ لأمّه: أدخليني عليه في صفة جارية من تلك الجواري. فهابتْ من ذلك، فتهددتها حتى فعلتْ، فلمّا دخلتْ عليه، وكان لا يتحقّق وجها أمن مهابة الرشيد، فواقعها، فقالتْ له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: ومن أنت؟ فقالتْ: أنا العباسة. وحملتْ منه تلك الليلة، فدخل على أمّه، فقال لها: بعتيني والله برخيص. ثم أن والد يحيى بن خالد جعل يضيق على عيال الرشيد في النفقة، حتى شكتْه زبيدة إلى الرشيد مرّات، ثم أفضتْ له سرّ العباسة، فاستشاط غضبًا. ولما أخبرتْه أن الولد قد أرسلتْ به إلى "مكّة"، حجّ عامه ذلك، حتى يتحقّق الأمر، ويقال: إن بعض الجواري نمتْ عليها إلى الرشيد، فأخبرتْه بما وقع من الأمر، وأن الولد بـ "مكة"، وعنده جوار، ومعه أموال، وحلي كثير، فلم يصدقْ، حتى حجّ في السنة الخالية، فكشف عن الحال، فإذا هو كما ذكرت الجارية. وقد حجّ في هذه السنة يحيى بن خالد الوزير (٢)، وقد استشعر الغضب من الرشيد عليه، فجعل يدعو عند الكعبة: اللّهم إن كان يرضيك عني سلب مالي وولدي وأهلى فافعل ذلك بي، وأبقِ عليهم منهم الفضل. ثم خرج، فلمّا كان عند باب المسجد رجع، فقال: اللّهم والفضل معهم، فإني راضٍ برضاك عني، ولا تستثن منهم أحدًا.

стр. 2020

وقيل (١): إن من المحرضات على قتل البرمكة قول بعض الشعراء يُخاطب الرشيد: قُلْ لأَمِينِ اللهِ في أَرْضِهِ … ومن إليه الحَلُّ والعَقْدُ إنَّ ابن يحيى جعفرًا قد غدَا … مِثْلَكَ ما بينكما حَدُّ (٢) أَمرُكَ مَرْدُودٌ إلى أَمْرِهِ … وأمرُهُ ليس له رَدُّ وقد بَنَى الدَّارَ التي ما بنى ال … فُرْسُ لها مِثْلًا ولا الهنْدُ الدُرُّ والياقُوتُ حَصْباؤُهَا … وتُرْبُها العَنْبَرُ والنَّدُ وجَدُّك المنصورُ لو حَلَّها … لَمَا اطَّباهُ قصرهُ الخُلْدُ (٣) ساواكَ في المِلكِ فَأَبْوابُهُ … مأهُولةٌ يَعْمُرُها الوَفْدُ وما يُساوي العبدُ أَرْبابَهُ .. إلا إذا ما بَطِرَ العبدُ (٤) ونحنُ نَخْشَى أنه وارثٌ … مُلْكَكَ إن غَيَّبَك اللَحْدُ وروى ابن الجوزى (٥) أن الرشيد سُئل عن السبب الذي من أجله أهلك البرامكة، فقال: لو أن قميصي هذا يعلم لأحرقته. قال ابن كثير (٦): فلمّا قفل الرشيد من الحجّ صار إلى "الحيرة"، ثم ركب في السفن إلى "العمر". (٧)، من أرض "الأنبار"، فلمّا، كانتْ ليلة السبت، سلخ المحرّم من هذه السنة، أعنى سنة سبع وثمانين، أرسل مسرور

стр. 2021

الخادم، ومعهِ حمّاد بنِ سالم أبو عصمة، في جماعة من الجند، فأطأفوا يجعفر بن يحيى ليلًا، فدخل عليه مسرور الخادم، وعنده بختيشوع المتطبب، وأبو ركازٍ الأعمى المغني يُغنيه: فلا تَبْعُدْ فكلُّ فتىً سيأتي … عليه الموتُ يطرُق أو يُغادِي وكلُّ ذَخِيرةٍ لا بُدَّ يومًا … وإن بقيتْ تَصِيرُ إلى نَفَاذِ (١) فو فُودِيتَ من حَدَثِ المِنَايا … فَدَيْتُك بالطَّريفِ وبالتِّلادِ وقيل: كان يُعنيه قول بعضهم: ما يُريدُ الناسُ مِنَّا … ما ينامُ الناسُ عَنَّا إنَّما هَمُّهُمُ أنْ .. يُظْهِرُوا ما قد دَفَنَّا ولكن المشهور هو الأول. فقال الخادم: يا أبا الفضل، هذا الموت قد طرقك، أجب أمير المؤمنين. فقام إليه، فقبل قدميه، وأدخل عليه أن يدخل إلى أهله، فيوصي إليهم، فقال: أما الدخول فلا سبيل إليه. فأوصى جعفر، وأعتق جماعة من مماليكه، وجاءتْ رسل الرشيد تستحثّ الخادم، فأخرجه إخراجًا عنيفًا يقوده، حتى أتى إلى المنزل الذي كان فيه الرشيد، فحبسه، وقيّده بقيدٍ، وأعلم الرشيد بما فعل، فأمره بضرب عنقه، فجاء إلى جعفر، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن آتيه برأسك. فقال: يا أبا هاشم، لعلّ أمير المؤمنين سكران، فإذا صحا عاتبك على ذلك، فعاوده. فرجع إليه، فقال: يا أمير المؤمنين! لعلّك مشغول. فقال: ويحك يا ماضَّ بظر أمّه، إيتني برأسه. فكرّر عليه جعفر المعاودة، فقال له: برئت من المهدي، لئن لم تأتني برأسه لأبعثن من يأتيتي برأسك ورأسه. فرجع إلى جعفر، وحزّ رأسه، وجاء به إلى الرشيد، فألقاه بين يديه.

стр. 2022

وأرسل الرشيد من ليلته البرد في الاحتياط على البرامكة جميعهم بـ "بغداد" وغيرها، ومن كان منهم بسبيل، فأخذوا كلّهم عن آخرهم، فلم يفلتْ منهم أحد، وحبس يحيى بن خالد في منزله، وحُبس الفضل بن يحيى في منزل آخر، وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الأموال والموالي والحشم والخدم، واحتيط على أملاكهم. وبعث الرشيد برأس جعفر وجثّته، ثم قطعت شقّين، فنصب الرأس عند الجسر الأعلى، وشقّ الجثّة عند الجسر الأسفل، وشقّها الآخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقتْ بعد ذلك. ونودي في "بغداد": أن لا أمان للبرامكة، ولا لمن والاهم إلا محمد بن يحيى بن خالد، فإنه استثناه من بين البرامكة، لنصيحة الخليفة، وشحنت السجون بالبرامكة، واستلبت أموالهم كلّها. وقد كان الرشيد في اليوم الذي قتل في آخره جعفر، هو وإياه راكبين في الصيد، وقد خلا به دون ولاة العهود، وطيبة في ذلك اليوم، ولما كان وقت المغرب، وودعه الرشيد، ضمّه إليه، وقال: لولا أن الليلة ليلة خلوتي بالنساء ما فارقتك، فاذهب إلى منزلك، فاشرب، واطرب لتكون على مثل حالي. فقال: والله يا أمير المؤمنين! لا أشتهي ذلك إلا معك. فانصرف (١) عنه جعفر، فما هو إلا أن ذهب من الليل بعضه حتى أوقع به الباس والنكال، كما تقدّم ذكره، وكان ذلك ليلة السبت، آخر ليلة من المحرم، وقيل: إنها كانتْ ليلة مستهلّ صفر، سنة سبع وثمانين، وكان عمر جعفر إذ ذاك سبعًا وثلاثين سنة. ولما جاء الخبر إلى أبيه يحيى بقتله قال: قتل الله ابنه. ولما قيل له: خربت دارك. قال: خرّب الله دوره.

стр. 2023

ويقال: إنه لما نظر إلى داره وقد هتكت ستورها، واستبيحت قصورها، وانتهب ما فيها، قال: هكذا تقوم الساعة. وقد كتب إليه بعض أصحابه (١) يُعزيه فيما وقع، فكتب جواب التعزية: أنا بقضاء الله راض، وبالجزاء منه عالم، ولا يُؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما الله بظلّام للعبيد، وما يغفر الله أكثر، ولله الحمد. ولقد أكثر الشعراء المراثي في البرامكة، فمن ذلك قول الرقاشي، ويذكر أنه لأبي نواس (٢): الآن استَرحْنَا واسْتراحَت رِكابُنَا … وأمْسَكَ مَن يَحْدِي ومن كان يَحْتَدِي (٣) فقُلْ للمَطايا قد أَمِنْتِ مِن السُّرَى … وطَيِّ الفَيَافِي فَدْفَدًا بعدَ فَدْفَدِ وقُلْ للمَنايا قد ظَفِرْتِ بجعفرٍ … ولن تَظْفَرِي من بعده بمُسَوَّدِ وقُلْ للعَطَايا بعدَ فَضْلٍ تَعَطَّلِي … وقُلْ لِلرَّزايا كلَّ يومٍ تَجَدَّدِي (٤) ودُونك سَيْفًا بَرْمَكِيًا مُهَنَّدا … أُصيبَ بسيفٍ هاشميٍّ مُهَنَّدِ وقال الرقاشي، وقد نظر إلى جعفر وهو مصلوب على جذعه (٥): أما واللهِ لولا خوف واشٍ … وعَيْنٍ للخليفةِ لا تَنامُ لَطُفْنا حَوْلَ جِذْعِكَ واسْتَلَمْنَا … كما للناسِ بالحَجَرِ اسْتِلامُ فما أبْصَرْتُ قَبْلَك يا ابنَ يحيى … حُسامًا فلَّهُ السيفُ الحُسامُ عَلى اللَّذاتِ والدنيا جميعًا … لِدَوْلَةِ آلِ بَرمَكٍ السَّلامُ فاستدعى به الرشيد، وقال له: ويحكْ، ما حملك على ما فعلت؟

стр. 2024

قال تحركت نعمته بقلبي (١) فلم أصبرْ. قال: كم كان يُعطيك جعفر (٢) كلّ عام؟ قال: ألف دينار. فأمر له بألفي دينار. وروى الزبير بن بكّار (٣)، عن عمّه مصعب بن الزبير، قال: لما قتل جعفر بن يحيى، وقفتْ امرأةٌ على حمار فاره، فقالتْ بلسان فصيح: والله لئن صرتَ اليوم آيةً، فلقد كنت في الكرم غايةً، ثم أنشأت تقول: ولما رأيتُ السيفَ خالَطَ جعفرًا … ونادَى مُنادٍ للخليفةِ في يحيى بَكَيْتُ على الدنيا وأيْقَنْتُ أنَّما … قُصارى الفتى يومًا مُفارَقةُ الدُنيا وما هي إلا دولةٌ بعدَ دولةٍ … تُخَوِّلُ ذا نَعْمى وتُعْقِبُ ذا بَلْوَى إذا أَنْزَلَتْ هذا منازِلَ رِفْعَةٍ … مِن المِلْكِ حطَّتْ ذا إلى الغايةِ القُصْوى قال: ثم حركت حمارها، فكأنها كانتْ ريحًا، لا أثر لها، ولا يُعرف أين ذهبت. وقيل: إن الأبيات هذه للعبّاس بن الأحنف (٤). وروى الخطيبُ (٥) أن أبا يزيد الرياحي، قال: كنت قائمًا عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكي أتفكّر في زوال ملكه، وحاله التي صار إليها، إذا أقبلتْ امرأة راكبة لها رواءٌ وهيبة (٦)، فوقفتْ على جعفر، فبكتْ وأحرقتْ (٧)، وتكلّمتْ فأبلغتْ.

стр. 2025

فقالتْ: أما والله لئن أصبحت للناس آية، لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك، وخانك دهرك، ولم يطلْ به (١) عُمرك، لقد كنت المغبوط حالًا، الناعم بالًا، يحسن بك الملك، وينفس بك الهلك، " [ولئن صرت] (٢) " إلى حالتك هذه، فلقد (٣) كنت الملك بحقّه، في جلالته ونطقه، فاستعظم الناس فقدك، إذ لم يستخلفوا ملكًا بعدك، فنسأل الله الصبر على عظم المصيبة، وجليل الرزية، التي لا تستعاض بغيرك، والسلام عليك وداع غير قال، ولا ناس لذكرك. ثم أنشأت تقول: العَيْشُ بعدَك مُرٌ غيرُ مَحْبُوبِ … ومُدْ صُلِبْتَ وَمَقْنا كلَّ مَصْلُوبِ أَرْجُو لك اللهَ ذا الإحسانِ إن له … فَضْلًا علينا وعَفْوًا غيرَ مَحسُوبِ ثم سكتت ساعة وتأملته، ثم أنشأت تقول: عليكَ من الأحِبَةِ كلَّ يومٍ … سلامُ الله ما ذكُرَ السَّلامُ لَئِنْ أَمْسَى صَدَاكَ بِرَأيِ عَيْنٍ … على خُشُبٍ حَباكَ بها الإمامُ فمِن مُلْكٍ إلى مَلَكٍ بِرَغْمٍ … من الأملاكِ أسْلَمَكَ الهُمَامُ وروى الخطيب، أن أبا قابوس النصراني، قال: دخلت على جعفر بن يحيى البرمكي في يوم، فأصابني البرد، فقال: يا غلام! اطرح عليه كساء من أكسية النصارى، فطرح عليه كساء خزّ قيمته ألف دينار، قال: فانصرفت إلى منزلي، فأردت أن ألبسه في يوم عيد، فلم أصبْ له في منزلي ثوبًا (٤) يشاكله، فقالتْ لي بنية لي: اكتب إلى الذي وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثياب، فكتبت إليه هذه الأبيات:

стр. 2026

أبا الفضل لو أَبْصَرتَنا يومَ عِيدِنا … رأيتَ مباهأةْ لنا في الكنائسِ فَلَوْ كان ذاك المِطْرَفُ الخَزُّجُبَّةً … لبَاهَيْتُ أَصْحابِي به في المجالسِ (١) فلا بُدَّ لي من جُبَّةٍ من جبابِكُم … ومن طَيْلَسانٍ من جيادِ الطيالِسِ ومن ثَوْبِ قُوهِيٍّ وثوب عَلائِمٍ … ولا بَأسَ إن أَتْبَعْت ذاك بخامسِ (٢) إذا تمَّتِ الأثوابُ في العِيدِ خمْسَةً … كَفَتْكَ فلم تَحْتَجْ إلى لبس سادسِ لَعَمْرُك ما أفرَطْتُ فيما سألته … وما كنتُ لو لأَفْرَطْتُ فيه بآيسِ (٣) وذاك لأن الشِّعْرَ يَزْدادُ جدَّةٌ … إذا ما الْبِلَى أَبْلَى جَدِيدَ الملابِسِ قال: فبعث إليه حين قرأش عره بتخوت خمسة، من كلّ نوع تختًا، قال: فوالله ما انقضت الأيامُ، حتى قتل جعفر وصلب، فرأينا أبا قابوس قائمًا تحت جذعه يزمزم، فأخذه صاحبُ الخبر، فأدخله على الرشيد، فقال له: ما كنت قائلًا تحت جذع جعفر؟ قال: فقال أبو قابوس: أيُنجيني منك الصدق؟ قال: نعم. قال: ترحمت والله (٤) عليه، وقلت في ذلك (٥): أمينَ الله هَب فضلَ بنَ يحيى … لِنَفْسِكَ أيُّها المِلكُ الهُمامُ وما طَلَبي إليك العَفْوَ عنه … وقد قَعَدَ الوُشاةُ به وقامُوا أرى سببَ الرِّضا فيه قَوِيًّا … علَى اللهِ الزِّيادةُ والتَّمامُ نَذَرْتُ عَليّ فيه صِيَامَ حَوْلٍ … فإن وَجَب الرِّضا وجبَ الصِّيامُ (٦)

стр. 2027

وهذا جعفرٌ بالجِسرِ تَمحُو … محاسن وجهِهِ ريحٌ قَتَامُ أقول له وقُمْتُ لَديْه نَصًا … إلى أن كاد يَفضحُنِي القِيامُ (١) أما والله لولا خوفُ واشِ … وعينٍ للخليفةِ لا تَنامُ لَطُفنَا حَولَ جِذعك واستَلَمنا … كما لِلْناس بالحَجِر استلامُ قال: فأطرق هارون مليًا، ثم قال: رجل أولي جميلًا، فقال فيه جميلًا، يا غلام، نادِ بأمان أبي قابوس، وأن لا يُتعرض (٢). له قال لحاجة إياك أن تحجبه عني، صر متى شئت إلينا في مهمك. وروى ابن عساكر (٣) بسنده، من طريق الدارقطني، أنه لما أصيب جعفر، وجدوا له في جرة ألف دينار، زنة كلّ دينار مائة دينار، مكتوب على صفحة الدينار الواحد جعفر، ومكتوب على الصفحة الأخرى هذان البيتان: وأصغر ضرب دار الملوك … يَلُوحُ على وجهه جعفرُ يَزيدُ علَى مائةٍ واحدًا … متى يُعطَه مُعسِرٌ يُوسِرُ وروى الخطيب (٤) أن جعفرًا أمر أن تُضرب له دنانير في كل دينار ثلاثمائة مثقال ويضرب عليها صورة وجهه، فضربت فبلع أبا العتاهية، فأخذ طبقًا فوضع عليه بعض الألطاف، فوجه به إلي جعفر، وكتب إليه رُقعة، في آخرها (٥). وأَصفَر من ضَربِ دار الملوك … يُلوحُ على وجهه جعفرُ ثلاث مئِينَ يُرى وَزْنُه … متى يَلْقَه مُعْسِرٌ يُؤسِرُ (٦)

стр. 2028

فأمر بقبض ما على الطبق، وصيّر عليه دينارًا من تلك الدنانير، ورده إليه. وعن ثمامة بن أشرس (١)، قال: بت ليلة مع جعفر بن يحيى بن خالد، فانتبه من منامه (٢) يبكى مذعورًا، فقلت: ما شأنك؟ قال: رأيت شيخًا جاء فأخذ بعضادتى هذا الباب، وقال (٣): كأن لَمْ يَكُنْ بينَ الْحَجُونِ إلى الصَّفَا … أنيسٌ ولم يَسْتَمِرْ بِمكَّةَ سَامِرُ قال: فأجبته: بَلَى نحن كُنا أهلها فأبادَنا … صُرُوفُ اللَّيالي والجُدُودُ العَواثِرُ (٤) قال ثمامة: فلمّا كان الليلة المقِبلة، قتله الرشيد، ونصب رأسه على الجسر. قال (٥): ثم خرج الرشيدُ في بعض الأيام ينظرُ إليه وهو مصلوب، فأنشأ يقول: تَقَاضاكَ دَهْرُك ما أَسْلَفا … وكَدَّرَ عَيْشَك بعدَ الصَّفا فلا تَعْجَبَنَّ فإنَّ الزَّمانَ … رَهِينٌ بتَفْريقِ ما ألَّفَا قال: فنظرتُ إلى جعفر، فقلتُ: أما لَئن أصبحت آية، فلقد كنت في الخير غاية. قال: فنظر الرشيدُ كأنه جملٌ يصولُ (٦)، ثم أنشأ يقول: ما يَعْجِبُ العالَمَ من جعفرٍ … ما عايَنُوه فبِنَا كانَا من جعفرٌ أو من أبُوه ومَنْ … كانتْ بنو بَرْمَكَ لَوْلانَا

стр. 2029

ثم حوّل وجه فرسه، وانصرف. وعن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي (١) صاحب صلاة "الكوفة"، قال: دخلتُ على أمّي في يوم أضحى، وعندها امرأة برزةٌ (٢): في أثواب دنسة رثة، فقالتْ لي: تعرف هذه؟ قلت: لا، قالتْ: هذه عبادة أمّ جعفر بن يحيى، فسلّمت عليها، ورحّبت بها، وقلت لها: يا فلانة! حدّثيني ببعض أمركم. قالت: أذكر لكم جملة كافية لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، لقد هجم علي مثل هذا العيد، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن جعفرًا ابني عاق لي، ولقد أتيتكم في (٣) هذا اليوم والذي يقنعني جلدًا شاتين، أجعل أحدهما شعارًا، والآخر دثارًا. ولنختم أخبار البرامكة بحكاية عجيبة، وقصّة غريبة، لا يسمع في باب المكارم مثلها، ولا في أخبار الوفاء بأعجب منها. ذكر أبو الفرج بن الجوزي، في كتابه "المنتظم" (٤)، أن المأمون بلغه أن رجلًا يأتي في كلّ يوم إلى قبور البرامكة، فيبكي عليهم، ويندبهم، فبعث من جاءه به، فدخل عليه، وقد يئس من الحياة، فقال له: ويحك، ما حملك على صنيعك هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إنهم أسدوا إلي معروفًا، وخيرًا كثيرًا، ولي خبر يطول. فقال: قل. قال: أنا المنذر بن المغيرة، من أهل "دمشق"، كنت في نعمة عظيمة، فزالت عني، وأفضى بي الحال إلى أن بعت داري، ولم يبق لي شئ، فأشار بعض أصحابي عليّ بقصد البرامكة، فأتيت إلى "بغداد". ومعي نيّف وعشرون امرأة، فأنزلتهن في مسجد، وقصدتُ مسجد الجامع، فدخلتُ، فإذا فيه

стр. 2030

جماعه لم أر أحسن منهم، فجلست إليهم، فجعلتْ أراود نفسي في طلب قوت منهم لعيالي، فيمنعني من ذلك ذلّ السوال، فبينا أنا كذلك، إذا بخادم قد أقبل فاستدعاهم، فقاموا كلّهم، وقمت معهم، فدخلوا دارًا عظيمة، فإذا الوزير يحيى بن خالد، فجلسوا حوله، وعُقد عقد ابنته عائشة على ابن عمّ له، ونثروا علينا سحيق المسك، وبنادق العنبر، ثم جاءت الخدم إلى كلّ واحد من الجماعة بصينية من فضّة، فيها ألف دينار، ومعها فتات المسك، فأخذها القوم، ونهضوا، وبقيت الصينية التي وضعوها بين يدى، وأنا أهابُ (١) أن آخذها من عظمتها (٢) عندى، فقال لي بعض الحاضرين: ألا تأخذ، وتقوم، فمددت يدى، فأخذتها، وأفرغتها في جيبي، وأخذت الصينية تحتّ إبطي. وقمت وأنا خائف أن تؤخذ مني، فجعلت ألتفت، والوزير ينظرني، ولا أشعر، فلمّا بلغت الستارة أمر بي فردّوني، فيئست من المال، فلمّا رجعت قال لي: ما شأنك؟ فقصصت عليه خبري، وخبر عيالي، فبكى، وقال لأولاده: خذوا هذا، فضمّوه إليكم. فجاءني خادم، فأخذ مني الذهب والصينية، وأقمت عندهم عشرة أيام، من ولد إلى ولد، وخاطري كلّه عند عيالي، ولا يمكنني الانصراف. فلمّا انقضت العشرة، قال لي الخادم: ألا تذهب إلى أهلك، فقلت: بلى والله، فقام يمشي أمامي، ولم يعطني الذهب، فقلت في نفسي: يا ليت هذا كان من قبل. فسار أمامي إلى دار لم أر أحسن منها، فإذا فيها عيالي يتمرّغون في الذهب والحرير، وقد وصل إليهم مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، وكتاب فيه تمليك الدار بما فيها، وتمليك قريتين جليلتين، فكنت مع البرامكة في أطيب عيش، فلمّا أصيبوا أخذ مني عمرو بن سعيد القريتين،

стр. 2031

وألزمني بخراجهما، فكلّما لحْقني فاقة قصدت دورهم وقُبورهم، فبكيت عليهم. فأمر المأمون بردّ القريتين عليه وخراجهما، فبكى الشيخ بكاء شديدًا، فقال له المأمون، ألم أستأنفْ بك جميلًا. قال: بلى، ولكن هو من البرامكة. فقال: امض مصاحبًا للسلامة، فإن الوفاء مبارك، "وحفظ العهد" (٣) من الإيمان. والله تعالى أعلم. * * * ١٢٩٧ - الشيخ الفاضل أبو جعفر الأستروشني *. تفقّه على أبي بكر محمد بن الفضل، عن عبد الله السبذموني، عن أبي عبد الله أبي حفص الصغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد. وأخذ أيضا عن أبي بكر الجصّاص الرازي، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البردعي، عن نصير بن موسى، عن محمد. وتفقّه عليه القاضي عبيد الله أبو زيد الدبوسي، صاحب "الأسرار". قلت: في الفوائد البهية ص ٥٨ الأسروشني نسبة إلى "أسروشنه" بضم الألف، وسكون السين المهملة، وضم الراء المهملة، وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة، في آخره نون: بلدة كبيرة وراء "سمرقند" ودون "سيحون"، وقد يزاد فيه التاء، فيقال: الأستروشني، والصحيح هو الأول، قاله السمعاني. * * *

стр. 2032

١٢٩٨ - العالم الفاضل الكامل المولى جعفر البروسوي المشتهر بنهالي *. قرأ - رحمه الله تعالى - على علماء عصره، ثم صار مدرّسا ببعض المدارس، ثم صار قاضيا ببعض البلاد، ثم صار مدرًسا بمدرسة الوزير المرحوم مصطفى باشا بمدينة "قسطنطينية" ثم صار قاضيا بمدينة "غلطة" ثم مال إسلى "العزلة والفراغة، وعيّن له كلّ يوم ثلاث وثلاثون درهما بطريق التقاعد، وتوفي على تلك الحال في جوار الخمسين وتسعمائة. وكان عالما فاضلا، لذيذ الصحبة، حسن النادرة، خفيف الروح، ظريف الطبع. وكان زين المجالس والمحافل، واختار العزلة في أواخر عمره، وترك الرياسة من التواضع، وطرح التكلّف المعتاد بين الناس، وكانتْ له أشعار مقبولة باللسان التركي، - روّح الله روحه، ونوّر ضريحه -. * * * ١٢٩٩ - العالم العامل المولى جعفر المنتشوي * *. قرأ على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل عبد القادر القاضي بالعسكر المنصور في ولاية "أناطولي"، ثم صار مدرّسا ببعض المدارس، ثم صار معلّما للسلطان بايزيد ابن سلطاننا الأعظم السلطان سليمان خان، أعزّ الله أنصاره، ثم توفي وهو ذاهب إلى الحجّ في سنة أربع وستين وتسعمائه.

стр. 2033

كان عالما، مستقيم الطبع، جيّد القريحة، سليم النفس، صبورا، وقورا، محبّا لأهل الخير والصلاح، وكان مشتغلا بنفسه، معرضا عن التعرّض لأبناء جنسه، - نوّر الله قبره وضاعف أجره -. * * * ١٣٠٠ - الشيخ الفاضل جعفر الزين العجمي نزيل "المؤيّدية "*. ممن قرأ عليه الشيخ زكريا قاضي القضاة، قرأ عليه "شرح الشمسية"، وغالب "حاشيتها" للسيّد، وكذا أخذ عنه الحكمة، ووصفه بالفضل والديانة. كذا نقله السخاوي في "الضوء اللامع". * * * ١٣٠١ - الشيخ العالم الكبير جعفر علي بن باقر علي بن فخر الدين العلوي الكسمندوي، كان من ذرية محمد بن الحنفية * *.

стр. 2034

ولد، ونشأ بـ"كسمندي" (بفتح الكاف والميم والدال الهندية) قرية من أعمال "لكنو" (١). واشتغل بالعلم أياما في وطنه، ثم قدم "لكنو"، وأخذ عن المفتي ظهور الله الأنصاري اللكنوى، ثم سافر إلى "دهلى"، وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن ولي الله المحدّث الدهلوي، ثم رجع إلى "لكنو"، وتقرّب إلى الأمراء، وصاحبهم مدّة طويلة، ثم ذهب إلى "كانبور"، ولي تحصيل العشر والخراج في "كهائمبور"، واستقلّ به زمانا. وكان بارعا في المنطق والحكمة والإنشاء والشعر، مداعبا، مزاحا، بشوشا، طيب النفس، حسن المحاضرة. له مصنّفات، منها: حاشية على "شرح السلّم"، لحمد الله، وله "نظم الفرائض" في المواريث إلى باب الرد. مات سنة أربع وثمانين ومائتين وألف. * * * ١٣٠٢ - الشيخ العالم الفقيه القاضي جكن - بالجيم العربية والكاف الفارسية - الكجراتي، أحد الفقهاء المشهورين *.

стр. 2035

له "خزانة الروايات"، كتاب مبسوط في الفقة الحنفي، ذكره الجلبي في "كشف الظنون". قال: إن "خزانة الروايات" في الفرع للقاضي جكن الحنفي الهندي الساكن بقصبة "كن" من "كُجْرات"، وهو مجلّد، أوله: الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلّمه البيان. ذكر فيه أنه أفنى عمرَه في جمع المسائل وغريب الروايات، وابتدأ بكتاب العلم، لأنه أشرف العبادات. انتهى. وقال اللكنوي في "النافع الكبير": إنه من الكتب غير المعتبرة، لأنه مملوء من الرطب واليابس، مع ما فيه من الأحاديث المخترعة، والأخبار المختلقة. انتهى. وكانت له أربعة إخوة كلّهم قضاة. مات في حدود سنة عشرين وتسعمائة. * * * ١٣٠٣ - الشيخ الفاضل جلال بن أحمد بن يوسف الثبري المبلاني الشهير بالتباني (١).* أخذ الفقه عن العلامة قوام الدين السكّاكي،
следующие страницы →