← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كذا رواه سعيد بن مريم وعمرو بن الربيع. ورواه ابن وهب، فقال: عن شجاع. ورواه عثمان بن يمان وحجَّاج بن نصير عن السري، عن شجاع، عن أبي فاطمة. الفسوي: حدثنا ابن نمير، حدثنا يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: دخل الزبير على عثمان ﵁ بعد وفاة عبد الله فقال: أعطني عطاء عبد الله، فعيال عبد الله أحق به من بيت المال. فأعطاه خمسة عشر ألفا (١). * * * الإمام الحافظ فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، المجود، المجتهد الكبير أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن *

стр. 212

علقمة بن سلامان بن كهل (١)، وقيل: ابن كهھيل بن بكر بن عوف، ويقال: ابن المنتشر بن النخع، النَّخَعي، الكوفي، الفقيه عم الأسود بن يزيد، وأخيه عبد الرحمن، وخال فقيه العراق إبراهيم النخعي. ذكره الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، فقال ما لفظه: ولد في أيام الرسالة المحمدية، وعداده في المخضرمين، وهاجر في طلب العلم والجهاد، ونزل "الكوفة"، ولازم ابن مسعود، حتى رأس في العلم والعمل، وتفقَّه به العُلماء، وبعد صيته. حدَّث عن عمر، وعثمان، وعلي، وسلمان، وأبي الدرداء، وخالد بن الوليد، وحذيفة، وخبَّاب، وعائشة، وسعد، وعمَّار، وأبي مسعود البدري، وأبي موسى، ومعقل بن سنان، وسلمة بن يزيد الجعفي، وشريح بن أرطاة، وقيس بن مروان، وطائفة سواهم. وجوَّد القرآن على ابن مسعود. تلا عليه يحيى بن وثَّاب، وعبيد بن نضيلة (٢) وأبو إسحاق السبيعي. وتفقَّه به أئمة: كإبراهيم، والشعبي. وتصدى للإمامة والفتيا بعد علي وابن مسعود. وكان يشبه بابن مسعود في هديه ودلّه وسمته. وكان طلبته يسألونه، ويتفقهون به، والصحابة متوافرون.

стр. 213

حدَّث عنه أبو وائل، والشعبي، وعبيد بن نضيلة، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وأبو الضحى مسلم بن صبيح، وإبراهيم بن سويد النخعي، وأبو ظبيان حصين بن جندب الجنبي، وأبو معمر عبد الله بن سخبرة، وسلمة بن كهھيل، وابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد، وأبو إسحاق السبيعي، وعمارة بن عمير، وأبو قيس عبد الرحمن بن ثروان الأودي، وعبد الرحمن بن عوسجة، والقاسم بن مخيمرة، وقيس بن رومي، ومرة الطيب، وهني بن نويرة، ويحيى بن وثَّاب، ويزيد بن أوس، ويزيد بن معاوية النخعي لا الأموي، وأبو الرقاد النخعي، والمسيّب بن رافع. وأرسل عنه أبو الزناد وغيره. روي مغيرة، عن إبراهيم، قال: كنى عبد الله بن مسعود علقمة أبا شبل، وكان علقمة عقيما، لا يولد له. الأعمش، عن إبراهيم، قال علقمة: ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس أو رقعة. قال أحمد بن حنبل: علقمة ثقة، من أهل الخير، وكذا وثَّقه يحيى بن مَعين، وسئل عنه وعن عبيدة في عبد الله فلم يخير. وقال عثمان بن سعيد: علقمة أعلم بعبد الله. قال ابن المديني: لم يكن أحد من الصحابة له أصحاب حفظوا عنه، وقاموا بقوله في الفقه إلا ثلاثة: زيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عبَّاس، وأعلم الناس بابن مسعود: علقمة، والأسود، وعبيدة، والحارث. وروى زائدة عن أبي حمزة، قال: قلت لرباح أبي المثنى: أليس قد رأيت عبد الله؟ قال: بلى، وحججتُ مع عمر ثلاث حجّات وأنا رجل. قال: وكان عبد الله وعلقمة يصفان الناس "صفين" عند أبواب "كندة"، فيقرئ عبد الله رجلًا، ويقرئ علقمة رجلًا، فإذا فرغا، تذاكرا أبواب المناسك، وأبواب الحلال والحرام.

стр. 214

فإذا رأيت علقمة، فلا يضرّك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سمتا وهديا. وإذا رأيت إبراهيم النخعي، فلا يضرّك أن لا ترى علقمة، أشبه الناس به سمتا، وهديا. الأعمش عن عمارة بن عمير، قال: قال لنا أبو معمر: قوموا بنا إلى أشبه الناس بعبد الله هديا ودلًّا وسمتا، فقمنا معه حتى جلسنا إلى علقمة. وروي سفيان بن عيينة عن داود بن أبي هند، قال: قلت للشعبي: أخبرني عن أصحاب عبد الله حتى كأني أنظر إليهم، قال: كان علقمة أبطن (١) القوم: به، وكان مسروق قد خلط منه ومن غيره، وكان الربيع بن خثيم (٢) أشد القوم اجتهادا، وكان عبيدة يوازي شريكا في العلم والقضاء. روى إبراهيم، عن علقمة، أنه قدم "الشام"، فدخل مسجد "دمشق"، فقال: اللهم ارزقْني جليسا صالحا، فجاء، فجلس إلى أبي الدرداء، فقال له: من أنت؟ قال: من أهل "الكوفة"، قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ الحديث (٣). وقال الأسود: إني لأذكر ليلة عرس أم علقمة.

стр. 215

وقال شباب (١): شهد علقمة "صفين" مع علي. وروى الهيثم بن عدي، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كان الفقهاء بعد أصحاب رسول الله ﷺ بـ"الكوفة" في أصحاب عبد الله: علقمة، وعبيدة، وشريح، ومسروق. وروي حفص بن غياث، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: أدركت القوم وهم يقدمون خمسة: من بدأ بالحارث الأعور، ثني بعبيدة، ومن بدأ بعبيدة، ثني بالحارث، ثم علقمة الثالث، لا شك فيه، ثم مسروق، ثم شريح، وإن قوما أخسهم شريح، لقوم لهم شأن (٢). وروى ابن عون، عن محمد، قال: كان أصحاب عبد الله خمسة كلهم فيه عيب: عبيدة أعور، ومسروق أحدب، وعلقمة أعرج، وشريح كوسج (٣)، والحارث أعور. وروى منصور عن إبراهيم، قال: كان أصحاب عبد الله الذين يقرؤون الناس القرآن، ويعلمونهم السنّة، ويصدر الناس عن رأيهم ستة: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس. وروى إسرائيل، عن غالب أبي الهذيل، قلت لإبراهيم: أعلقمة كان أفضل أو الأسود؟ قال: علقمة، وقد شهد "صفين". وقال ابن عون: سألتُ الشعبي عن علقمة والأسود، فقال: كان الأسود صوَّامًا قوَّامًا، كثير الحج، وكان علقمة مع البطئ ويدرك السريع.

стр. 216

وقال مرة الهمداني: كان علقمة من الربانيين، وكان علقمة عقيما، لا يولد له. وروى عنه إبراهيم، قال: صليتُ خلفَ عمر سنتين. وروي مغيرة عن إبراهيم أن علقمة والأسود كانا يسافران مع أبي بكر وعمر. قال الشعبي: كان علقمة أبطن (١) القوم بابن مسعود. الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة، قال: أتي عبد الله بشراب، فقال: أعط علقمة، أعط مسروقا، فكلهم قال: إني صائم، فقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، وقال إبراهيم: كان علقمة يقرأ القرآن في خمس. وقال علقمة: أطيلوا كر (٢) الحديث لا يدرس الأعمش: عن شقيق، قال [كان] ابن زياد يراني مع مسروق، فقال: إذا قدمت فالقني، فأتيتُ علقمة، فقال: إنك لم تصب من دنياهم شيئًا إلا أصابوا. من دينك ما هو أفضل منه، ما أحب أن لي مع ألفي ألفين، وإني أكرم الجند عليه. وقال إبراهيم: كتب أبو بردة علقمة في الوفد إلى معاوية، فقال له علقمة: امحني امحني. وقال علقمة: ما حفظتُ وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس. قال إبراهيم عن علقمة: إنه كان له برذون يراهن عليه.

стр. 217

الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قلنا العلقمة: لو صليت في المسجد وجلسنا معك، فتسأل، قال: أكره أن يقال: هذا علقمة، قالوا: لو دخلت على الأمراء، قال: أخاف أن ينتقصوا مني أكثر مما أنتقص منهم. وروى إبراهيم عن علقمة، قال: كنت رجلًا قد أعطاني الله حسن الصوت بالقرآن، وكان ابن مسعود يرسل إليّ، فأقرأ عليه، فإذا فرغت من قراءتي قال: زدنا، فداك أبي وأمي، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن حسن الصوت زينة القرآن". أبو إسحاق: عن عبد الرحمن بن يزيد، قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه أو يعلمه، قال زياد بن حدير: يا أبا عبد الرحمن، والله ما علقمة بأقرئنا، قال: بلى والله، وإن شئت لأخبرنك بما قيل في قومك وقومه. وروى الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان علقمة يقرأ القرآن في خمس، والأسود في ست، وعبد الرحمن بن يزيد في سبع. جرير بن عبد الحميد، عن قابوس بن أبي ظبيان، قال: قلت لأبي: لأيّ شيء كنت تأتي علقمة، وتدع أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: أدركت ناسا من أصحاب النبي ﷺ يسألون علقمة، ويستفتونه. شريك: عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قيل لابن مسعود: ما علقمة بأقرئنا، قال: بلى، والله إنه لأقرؤكم. أخبرنا إسحاق بن طارق، أنبأنا أبو المكارم التيمي، أنبأنا الحداد، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان، حدثنا ابن نمير، حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، قال: قيل لعلقمة: لو جلست فأقرأت الناس وحدثتهم، قال: أكره أن يوطأ عقبي (١)

стр. 218

وأن يقال: هذا علقمة، فكان يكون في بيته يعلف غنمه، ويقت (٢) لهم، وكان معه شيء يفرع بينهن إذا تناطحن. ابن عيينة، عن عمر بن سعد، قال: كان الربيع بن خثيم (٣) يأتي علقمة، فيقول: ما أزور أحدا غيرك أو ما أزور أحدا ما أزورك. قال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: إن كان أهل بيت خلقوا للجنة، فهم أهل هذا البيت، علقمة والأسود. وقال أبو قيس الأودي: رأيت إبراهيم آخذا بالركاب لعلقمة. الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قيل لعلقمة: ألا تغشى الأمراء، فيعرفون من نسبك؟ قال: ما يسرّني أن لي مع ألفي ألفين، وإني أكرم الجند عليه. فقيل له: ألا تغشى المسجد فتجلس وتفتي الناس؟ قال: تريدون أن يطأ الناس عقبي، ويقولون: هذا علقمة!. حصين، عن إبراهيم، عن علقمة أنه أوصى، قال: إذا أنا حضرت، فأجلسوا عندي من يلقنني: لا إله إلا الله، وأسرعوا بي إلى حفرتي، ولا تنعوني إلى الناس، فإني أخاف أن يكون ذلك نعيا كنعي الجاهلية (٤). قال بعض الحفَّاظ، وأحسن: أصح الأسانيد منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود. فعلى هذا، أصح ذلك شعبة وسفيان، عن منصور،

стр. 219

وعنهما يحيى القطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعنهما علي بن المديني، وعنه أبو عبد الله البخاري، ﵏. قال الهيثم بن عدي: مات علقمة في خلافة يزيد. وقال أبو نعيم، وقعنب بن محرر: سنة إحدى وستين. وقال المدائني، ويحيى بن بكير، وأبو عبيد، وابن مَعين، وابن سعد، وعدة: مات سنة اثنتين وستين. ويقال: توفي سنة خمس وستين. ويقال: سنة ثلاث ولم يصح، وشذّ أبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي، فقال: مات سنة اثنتين وسبعين. وكذا نقل عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير. وقيل غير ذلك. وقال أبو نعيم النخعي: عاش تسعين سنة. * * * الإمام الحافظ، فقيه العراق أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن * قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع] (١)

стр. 220

النخعي، اليماني ثم الكوفي، أحد الأعلام، وهو ابن مليكة أخت الأسود بن يزيد * ذكره الحافظ الذهبي في كتابه القيّم "سير أعلام النبلاء"، فقال: [روي] عن خاله، ومسروق، وعلقمة بن قيس، وعبيدة السلماني، وأبي زرعة البجلي، وخيثمة بن عبد الرحمن، والربيع بن خثيم، وأبي الشعثاء المحاربي، وسم بن منجاب، وسويد بن غفلة، والقاضي شريح، وشريح بن أرطاة، وأبي معمر عبد الله بن سخبرة، وعبيد بن نضيلة، وعمارة بن عمير، وأبي عبيدة بن عبد الله، وأبي عبد الرحمن السلمي، وخاله عبد الرحمن بن يزيد، وهمام بن الحارث، وخلق سواهم من كبار التابعين. ولم نجد له سماعا من الصحابة المتأخِّرين، الذين كانوا معه بـ "الكوفة" كالبراء، وأبي جحيفة، وعمرو بن حريث. وقد دخل على أم المؤمنين عائشة وهو صبي، ولم يثبت له منها سماع، على أن روايته عنها في كتب أبي داود، والنسائي، والقزويني، فأهل الصنعة

стр. 221

يعدّون ذلك غير متصل مع عدهم كلهم لإبراهيم في التابعين، ولكنه ليس من كبارهم، وكان بصيرا بعلم ابن مسعود، واسع الرِّواية، فقيه النفس، كبير الشأن، كثير المحاسن، رحمه الله تعالى. روى عنه الحكم بن عتيبة، وعمرو بن مرة، وحماد بن أبي سليمان تلميذه، وسماك بن حرب، ومغيرة بن مقسم تلميذه، وأبو معشر بن زياد بن كليب، وأبو حصين عثمان بن عاصم، ومنصور بن المعتمر، وعبيدة بن معتب، وإبراهيم بن مهاجر، والحارث العكلي، وسليمان الأعمش، وابن عون، وشباك الضبي، وشعيب بن الحبحاب، وعبيدة بن معتب (١)، وعطاء بن السائب، وعبد الرحمن بن أبي الشعثاء المحاربي، وعبد الله بن شبرمة، وعلي بن مدرك، وفضيل بن عمرو الفقيمي، وهشام بن عائذ الأسدي، وواصل بن حيَّان الأحدب، وزيد اليامي، ومحمد بن خالد الضبي، ومحمد بن سوقة، ويزيد بن أبي زياد، وأبو حمزة الأعور ميمون، وخلق سواهم. قال أحمد بن عبد الله العجلي: لم يحدث عن أحد من أصحاب النبي ﷺ ، وقد أدرك منهم جماعة، ورأى عائشة. وكان مفتي أهل "الكوفة" هو والشعبي في زمانهما، وكان رجلًا صالحا، فقيها، متوقيا، قليل التكلف، وهو مختف من الحجَّاج. روى أبو أسامة، عن الأعمش، قال: كان إبراهيم صيرفي الحديث (٢). وروى جرير عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: كان الشعبي وإبراهيم وأبو الضحى يجتمعون في المسجد، يتذاكرون الحديث، فإذا جاءهم شيء ليس فيه عندهم رواية، رموا إبراهيم بأبصارهم (٣).

стр. 222

قال يحيى بن معين: مراسيل إبراهيم أحبَّ إليّ من مراسيل الشعبي. قاله عبَّاس عنه. قال ابن عون: وصفت إبراهيم لابن سيرين، قال: لعله ذاك الفتى الأعور الذي كان يجالسنا عند علقمة، كان في القوم وكأنه ليس فيهم (١). شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، قال: ما كتبتُ شيئًا قط (٢). قال مغيرة: كنا نهاب إبراهيم هيبة الأمير (٣). وقال طلحة بن مصرف: ما بـ "الكوفة" أعجب إليَّ من إبراهيم وخيثمة (٤). قال فضيل الفقيمي: قال لي إبراهيم: ما كتب إنسان كتابا إلا اتكل عليه. قال أبو قطن: حدثنا شعبة، عن الأعمش: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسند، قال: إذا قلت: قال عبد الله، فقد سمعته من غير واحد من الصحابة، وإذا قلت: حدثني فلان، فحدثني فلان (٥). وقال مغيرة: كره إبراهيم أن يستند إلى سارية (٦). حماد بن زيد، عن ابن عون: جلست إلى إبراهيم، فقال في المرجئة قولا غيره أحسن منه.

стр. 223

وجاء ذم الإرجاء من وجوه عنه (١). وقال سعيد بن جبير: أتستفتوني وفيكم إبراهيم (٢)؟. قال الحاكم: كان إبراهيم النخعي يحج مع عمّه وخاله علقمة والأسود. وكان يبغض المرجئة، ويقول: لأنه على هذه الأمة - من المرجئة - أخوف عليهم من عدتهم من الأزارقة (٣). توفي وله تسع وأربعون سنة. حماد بن زيد: حدثنا شعيب بن الحبحاب، حدثتني هنيدة امرأة إبراهيم، أن إبراهيم كان يصوم يومًا ويفطر يومًا (٤). قال سعيد بن صالح الأشج، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، قال: ما بها عريف إلا كافر (٥). عفان: حدثنا يعقوب بن إسحاق، حدثنا ابن عون، قال: كان إبراهيم يأتي السلطان، فيسألهم الجوائز (٦). وقال محمد بن ربيعة الكلابي عن العلاء بن زهير، قال: قدم إبراهيم على أبي وهو على "حلوان"، فحمله على برذون، وكساه أثوابا، وأعطاه ألف درهم، فقبله (٧).

стр. 224

قال الأعمش: ربما رأيت إبراهيم يصلّي ثم يأتينا، فيمكث ساعة، كأنه مريض (١). قال أبو حنيفة عن حماد، قال: بشرت إبراهيم بموت الحجَّاج، فسجد، ورأيته يبكي من الفرح. وقال سلمة بن كهيل: ما رأيت إبراهيم في صيف قط إلا وعليه ملحفة حمراء، وإزار أصفر (٢). وقال مغيرة: رأيت إبراهيم يرخي عمامته من ورائه (٣). وقال يحيى القطَّان: [مات وهو] (٤) ابن نيف وخمسين بعد الحجَّاج بأربعة أشهر أو خمسة. قال محمد بن سعد: دخل إبراهيم على أم المؤمنين عائشة، وسمع زيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك. روى عنه الشعبي، ومنصور، والمغيرة بن مقسم، والأعمش وغيرهم من التابعين. عبد الله بن جعفر الرقي: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن طلحة بن مصرف، قال: قلت لإبراهيم النخعي: يا أبا عمران، من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: دخلت على أم المؤمنين عائشة. سليمان بن داود المباركي: حدثنا أبو شهاب، عن الحسن بن عمرو، عن أبيه، أنه دخل على إبراهيم، فقال: يا أبا عمران.

стр. 225

وقال ضمرة بن ربيعة: سمعت رجلًا يذكر أن حماد بن أبي سليمان قدم عليهم "البصرة"، فجاءه فرقد السبخي، وعليه ثوب صوف، فقال له: ضع عنك نصرانيتك هذه، فلقد رأيتني (١) ننتظر إبراهيم، فيخرج عليه معصفرة، ونحن نرى أن الميتة قد حلت له (٢). شعبة، عن أبي معشر، عن النخعي، أنه كان يدخل على عائشة، فيرى عليها ثيابا حبرا، فقال أيوب: وكيف كان يدخل عليها؟! قال: كان يخرج مع عمّه وخاله حاجا، وهو غلام قبل أن يحتلم، وكان بينهم ودّ وإخاء، وكان بينهما وبين عائشة ود وإخاء (٣). شريك، عن سليمان بن يسير، عن إبراهيم: أدخلني خالي الأسود على عائشة وعليَّ أوضاح (٤). جرير، عن مغيرة، قال: كان إبراهيم يدخل على عائشة مع الأسود وعلقمة، ومات وله سبع وخمسون سنة أو نحوه. وقال سليم بن أخضر: حدثنا ابن عون، قال: مات إبراهيم وهو ما بين الخمسين إلى الستين. علي بن عاصم: حدثنا مغيرة، قال: قيل لإبراهيم: قتل الحجَّاج سعيد بن جبير، قال: يرحمه الله، ما ترك بعده خلف، قال: فسمع بذلك الشعبي، فقال: هو بالأمس يعيبه بخروجه على الحجَّاج، ويقول اليوم هذا! فلما مات إبراهيم، قال الشعبي: ما ترك بعده خلف.

стр. 226

نعيم بن حماد: حدثنا جرير، عن عاصم، قال: تبعت الشعبي، فمررنا إبراهيم، فقام له إبراهيم عن مجلسه، فقال له الشعبي: أما إني أفقه منك حيا، وأنت أفقه مني ميتا، وذاك أن لك أصحابا يلزمونك، فيحيون علمك (١). محمد بن طلحة بن مصرف: حدثني ميمون أبو حمزة الأعور، قال: قال لي إبراهيم: تكلمت، ولو وجدت بدا، لم أتكلم، وإن زمانا أكون فيه فقيها لزمان سوء (٢). قال أبو حمزة الثمالي: كنت عند إبراهيم النخعي، فجاء رجل، فقال: يا أبا عمران، إن الحسن البصري يقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقال رجل: هذا من قاتل على الدنيا، فأما قتال من بغي، فلا بأس به فقال إبراهيم: هكذا قال أصحابنا عن ابن مسعود، فقالوا له: أين كنت يوم "الزاوية" (٣)؟ قال: في بيتي، قالوا: فأين كنت يوم الجماجم (٤)؟ قال: في بيتي، قالوا: فإن علقمة شهد "صفين" مع علي، فقال: بخ بخ، من لنا مثل علي بن أبي طالب ورجاله.

стр. 227

عن شعيب بن الحبحاب، قال: كنت فيمن دفن إبراهيم النخعي ليلا سابع سبعة أو تاسع تسعة، فقال الشعبي: أدفنتم صاحبكم؟ قلت: نعم. قال: أما إنه ما ترك أحدا أعلم منه، أو أفقه منه، قلت: ولا الحسن ولا ابن سيرين؟ قال: نعم، ولا من أهل "البصرة"، ولا من أهل "الكوفة"، ولا من أهل "الحجاز" - وفي رواية: ولا من أهل "الشام" (١). روى الترمذي (٢) من طريق شعبة عن الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن ابن مسعود، فقال: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله بن مسعود، فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله. في سنّ إبراهيم قولان: أحدهما عاش تسعا وأربعين سنة، الثاني أنه عاش ثمانية وخمسين سنة. مات سنة ست وتسعين. أخبرنا أبو الحُسين علي بن محمد، وعبد الولي بن عبد الرحمن، وأحمد بن هبة الله، وعيسى بن بركة، وجماعة، قالوا: أبنأنا عبد الله بن عمر، أنبأنا سعيد بن أحمد بن البناء حضورا في سنة تسع وأربعين وخمسمائة، أنبأنا محمد بن محمد الزيني، أنبأنا محمد بن عمر بن زنبور، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، كانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك، أنت لعنت الواشمات والمستوشمات

стр. 228

والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن المغيّرات خلق الله؟ قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله. فقالت: والله لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته (١). قال أبو عبيد الآجري: حدثنا أبو داود، حدثونا عن الأشجعي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا يرون أن كثيرًا من حديث أبي هريرة منسوخ. قلت: وكان كثير من حديثه ناسخا، لأن إسلامه ليالي فتح "خيبر"، والناسخ والمنسوخ في جنب ما حمل من العلم عن النبي ﷺ نزر قليل، وكان من أئمة الاجتهاد، ومن أهل الفتوى، ﵁. فالسنن الثابتة لا تردّ بالدعاوي. قال أبو داود: حدثنا ابن أبي السري، حدثنا يونس بن بكير، عن الأعمش، قال: ما رأيت أحدا أرد لحديث لم يسمعه من إبراهيم.

стр. 229

وقيل: إن إبراهيم لما احتضر، جزع جزعا شديدا، فقيل له في ذلك، فقال: وأي خطر أعظم مما أنا فيه، أتوقَّع رسولا يرد عليَّ من ربي، إما بالجنة وإما بالنار، والله لوددت أنها تلجلج في حلقي إلى يوم القيامة (١). روي ابن عيينة، عن الأعمش، قال: جهدنا أن نجلس إبراهيم النخعي إلى سارية، وأردناه على ذلك، فأبى، وكان يأتي المسجد، وعليه قباء وريطة معصفرة. قال: وكان يجلس مع الشرط. قال أحمد بن حنبل: كان إبراهيم ذكيا، حافظا، صاحب سنة. قال مغيرة: كان إبراهيم إذا طلبه إنسان لا يحب لقاءه خرجت الجارية، فقالت: اطلبوه في المسجد. روى قيس عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: أتى رجل، فقال: إني ذكرت رجلًا بشيء، فبلغه عني، فكيف أعتذر إليه؟ قال: تقول: والله إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شيء. قال أبو عمرو الداني: أخذ إبراهيم القراءة عرضا عن علقمة، والأسود. قرأ عليه الأعمش، وطلحة بن مصرف. وروي وكيع عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة. * * *

стр. 230

الإمام العلامة فقيه العراق حماد بن أبي سليمان أبو إسماعيل بن مسلم الكوفي مولى الأشعريين * أصله من "أصبهان". ذكره الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، فقال ما نصه: روى عن أنس بن مالك، وتفقَّه بإبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم، وأقيسهم، وأبصرهم بالمناظرة والرأي. وحدث أيضًا عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وسعيد بن المسيَّب، وعامر الشعبي، وجماعة. وليس هو بالمكثر من الرِّواية، لأنه مات قبل أوان الرِّواية، وأكبر شيخ له: أنس بن مالك، فهو في عداد صغار التابعين. روى عنه تلميذه الإمام أبو حنيفة، وابنه إسماعيل بن حماد، والحكم بن عتيبة، وهو أكبر منه، والأعمش، وزيد بن أبي أنيسة، ومغيرة، وهشام الدستوائي، ومحمد بن أبان الجعفي، وحمزة الزيَّات، ومسعر بن كدام، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجَّاج، وحمَّاد بن سلمة، وأبو بكر النهشلي، وخلق.

стр. 231

وكان أحد العُلماء الأذكياء، والكرام الأسخياء، له ثروة وحشمة وتجمّل. قال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أبو سليمان والد حماد مولى أبي موسى الأشعري ﵁. قال الحميدي: حدثنا سفيان، قال: رأيتُ حماد بن أبي سليمان جاء إلى أبي طلحة الكحال يستنعته من شيء بعينه، وهو على فرس، فرأيته أشهب اللحية. وقال ابن إدريس، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الملك بن إياس الشيباني: قال: قلت لإبراهيم النخعي: من نسأل بعدك؟ قال: حماد، قال ابن إدريس: فما سمعتُ الشيباني ذكر حمادا إلا أثني عليه. قال ابن عون: رأيتُ حمادا، وقد دخل على إبراهيم، ومعه أطراف (١)، فجعل يسأل إبراهيم عنها، فقال له إبراهيم: ما هذا؟ ألم أنه عن هذا؟ فقال: إنما هي أطراف. روى منصور، عن إبراهيم، قال: لا بأس بكتابة الأطراف، وروى شريك عن جامع أبي صخرة، قال: رأيتُ حماد يكتب عند إبراهيم، ويقول: إنا لا نريد بذلك دنيا، وعليه كساء أنبجاني. قال ابن عيينة: كان معمر يقول: لم أرَ من هؤلاء أفقه من الزهري، وحمَّاد، وقتادة.

стр. 232

قال ابن عيينة: وكان حمَّاد أبصر بإبراهيم من الحكم. ابن إدريس: سمعتُ أبي عن ابن شبرمة، قال: ما أحد أمنّ عليّ بعلم من حمَّاد. أبو بكر بن عيَّاش، عن مغيرة، قال: أتينا إبراهيم نعوده حين اختفى، فقال: عليكم بحمَّاد، فإنه قد سألني عن جميع ما سألني عنه الناس. يحيى بن مَعين: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: كنا نرى أن بعد إبراهيم الأعمش، حتى جاء حمَّاد بما جاء به. وقال شعبة: كان حمَّاد ومغيرة أحفظ من الحكم، وقال يحيى بن سعيد: حمَّاد أحبّ إليّ من مغيرة. وقال معمر: كنا نأتي أبا إسحاق، فيقول: من أين جئتم؟ فنقول: من عند حمَّاد، فيقول: ما قال لكم أخو المرجئة؟ فكنا إذا دخلنا على حمَّاد، قال: من أين جئتم؟ قلنا: من عند أبي إسحاق، قال: الزَموا الشيخّ، فإنه يوشك أن يطفى. قال: فمات حمَّاد قبله. قال معمر: قلت لحمَّاد: كنت رأسا، وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم، فصرت تابعا، قال: إني أن أكون تابعا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل. قلت: يشير معمر إلى أنه تحوَّل مرجئا إرجاءَ الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي، إن شاء الله، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضرُّ مع التوحيد ترك الفرائض، نسأل الله العافية. روي حمَّاد بن زيد أن حمَّاد بن أبي سليمان، قال: من أمن أن يستثقل ثقل.

стр. 233

قال شعبة: سألتُ حمَّاد بن أبي سليمان عن عين الأضحية يكون فيها البياض، فلم يكرهها. وسألته عن الرجل: يحلف على الشيء كاذبا، وهو يرى أنه صادق، قال: لا يكفر. وسألتُه عن التربّع في الصلاة، فقال: لا بأس به. وسألتُ حمادا عن الرجل يسرق من بيت المال، فقال: يقطع. وسألته عن رجل قال: إن فارقت غريمي، فمالي عليه في المساكين، قال: ليس بشيء. وسألته عن الصفر بالحديد نسيئة. قال مغيرة بن مقسم: قلت لإبراهيم: إن حمادا قد جلس يفتي، قال: وما يمنعه وقد سألني عما لم تسألني عن عشره؟. وقال شعبة: سمعتُ الحكم يقول: ومن فيهم مثل حمَّاد يعني أهل "الكوفة". قال أبو إسحاق الشيباني: حمَّاد بن أبي سليمان أفقه من الشعبي، ما رأيت أفقه من جماد، وقال شعبة: كان حمَّاد صدوق اللسان، لا يحفظ الحديث، وقال النسائي: ثقة مرجئ. وقال أبو حاتم الرازي: هو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الأثر شوش. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كان أفقه أصحاب إبراهيم، وكانت ربما تعتريه موتة (١) وهو يحدث. وبلغنا أن حمادا كان ذا دنيا متسعة، وأنـ[ـه] كان يفطر في شهر رمضان خمسمائة إنسان، وأنه كان يعطيهم بعد العيد لكل واحد مائة درهم.

стр. 234

وحديثه في كتب السنن، ما أخرج له البخاري، وخرَّج له مسلم حديثًا واحدا مقرونا بغيره. ولا يلتفت إلى ما رواه أبو بكر بن عيَّاش عن الأعمش، قال: حدثني حمَّاد، وكان غير ثقة عن إبراهيم، وفي لفظ: وما كنا نثق بحديثه. وقال أبو بكر عن مغيرة: إنه ذكر له عن حمَّاد شيئًا، فقال: كذب. يوسف بن موسى: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: حج حمَّاد بن أبي سليمان، فلما قدم أتيناه نسلم عليه، فقال: أبشروا يا أهل "الكوفة"، فإني قدمت على أهل "الحجاز"، فرأيتُ عطاء، وطاوسا، ومجاهدا، فصبيانُكم بل صبيان صبيانكم أفقه منهم. قال مغيرة: فرأينا أن ذاك بغي منه. خلف بن خليفة، عن أبي هشام، قال: أتيتُ حمَّاد بن أبي سليمان، فقلتُ: ما هذا الرأي الذي أحدثت، لم يكن على عهد إبراهيم النخعي، فقال: لو كان حيا، لتابعَني عليه، يعني: الإرجاء. الفريابي وعبيد الله، عن سفيان، قال: ما كنا نأتي حمَّاد إلا خفية من أصحابنا. عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان حمَّاد بن أبي سليمان يصرع، وإذا أفاق، توضأ، قلتُ: نعم، لأنه نوع من الإغماء، وهو أخو النوم، فينقض الوضوء. وروي جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة قال: كان حمَّاد يصيبه المس، فإذا أصابه شيء من ذلك، ثم ذهب عنه، عاد إلى الموضع الذي كان فيه … مات حمَّاد سنة عشرين ومائة، أرَّخه خليفة، وقيل: سنة تسع عشرة ومائة. فأفقه أهل "الكوفة" علي وابن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حمَّاد، وأفقه أصحاب حمَّاد

стр. 235

أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي، رحمهم الله تعالى. وقال أبو نعيم الكوفي: مات حمَّاد سنة عشرين ومائة. قلت: مات كهھلا ﵀. أخبرنا علي بن أحمد كتابة، أنبأنا عمر بن محمد، أنبأنا عبد الوهَّاب بن المبارك، أنبأنا عبد الله بن محمد، أنبأنا عبيد الله بن حبابة، أنبأنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة، عن حمَّاد، عن أبي وائل، عن عبد الله، أن النبي ﷺ أمرهم بالتشهد: "التحيّات لله والصلوات والطيّبات، السَّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" (١). وبه إلى البغوي، عبد الله، حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا شعبة، عن حمَّاد، سمعت أنس بن مالك يقول: قال أبو القاسم ﷺ : "من كذب عليَّ متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار" (٢).

стр. 236

أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، ومحمد بن علي، وأحمد بن مؤمن، قالوا: أنبأنا أبو المحاسن محمد بن السيد الأنصاري بـ"المزَّة"، أنبأنا أبو الفتح نصر الله بن محمد المصّيصي، وهبة الله بن طاوس سنة أربع وثلاثين وخمسمائة قراءة عليهما، قالا: أنبأنا علي بن محمد بن علي الفقيه، أنبأنا عبد الرحمن بن عثمان، حدثنا عمي أبو علي محمد بن القاسم بن معروف، حدثنا أبو بكر أحمد بن علي القاضي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن حمَّاد عن إبراهيم عن أصحاب عبد الله، قالوا: "الميت يغسل وترا، ويكفن وترا، ويجمر وترا" (١). وبه عن حمَّاد، سمعت سعيد بن جبير ومجاهدا وإبراهيم يقولون: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر، والصوم أفضل، يعنون رمضان في السفر. وبه عن حمَّاد: سألت سعيد بن المسيب عن الجنب يقرأ القرآن؟ قال: أو ليس هو في جوفه. قال محمد بن الحُسين البرجلاني، عن إسحاق السلولي، سمعتُ داود الطائي يقول: كان حمَّاد بن أبي سليمان سخيا على الطعام، جوادا بالدنانير والدراهم. وقال أيضًا عن زكريا بن عدي، عن الصَّلْت بن بسطام، عن أبيه، قال: كان حمَّاد بن أبي سليمان يزوري، فيقيم عندي سائر نهاره، فإذا أراد أن ينصرف قال: انظر الذي تحت الوسادة، فمرْهم ينتفعون به، فأجد الدراهم الكثيرة. وعن الصَّلْت بن بسطام، قال: وكان يفطر كل يوم في رمضان خمسين إنسانا، فإذا كان ليلة الفطر، كساهم ثوبا ثوبا.

стр. 237

روى عثمان بن زفر التيمي: سمعتُ محمد بن صبيح يقول: لما قدم أبو الزناد "الكوفة" على الصدقات، كلَّم رجل حمَّاد بن أبي سليمان فيمن يكلّم أبا الزناد، يستعين به في بعض أعماله، فقال حمَّاد: كم يؤمل صاحبك من أبي الزناد أن يصيب معه؟ قال: ألف درهم. قال: قد أمرت له بخمسة آلاف درهم، ولا يبذل وجهي إليه، قال: جزاك الله خيرا. قال البخاري في "صحيحه" (١): قال حمَّاد: إذا أقرَّ مرة عند الحاكم، رجم، يعني الزاني. وروى له في كتاب الأدب، وأخرج له مسلم مقرونا بغيره والباقون. الفصل السابع: في فضيلة بيان طبقات الفقهاء، ومراتبهم يُعرف منها فضيلة بيان طبقات الفقهاء، ومراتبهم والاحتياجات إلى ذلك. أوردها الإمام العلامة أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا المتوفي سنة ٩٤٠ هـ في إحدى رسائله، التي تتعلق بالكلام على مسئلة دخول ولدِ البنت في الموقوف على أولاد الأولاد، وقد ذكرها العلامة محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين الشامي المتوفي ١٢٥٢ هـ في كتابه "شرح عقود رسم المفتي"، وذكر الطحطاوي المتوفي ١٢٣١ هـ رحمه الله تعالى أنه ذكر ذلك في رسالة "وقف البنات"، وقد أخذ منه كثير من العُلماء المتأخرين، فذكروا طبقات الفقهاء على ما ذكره ابن كمال باشا رحمه الله تعالى دون نقد وتثبّت، ولكن انتقده جمع من العُلماء الراسخين، الذين جاءوا بعده، لأن في كلامه

стр. 238

ملاحظات من وجوه شتى، ذكر شيخنا العثماني في كتابه "أصول الإفتاء وآدابه". قال رحمه الله تعالى: لا بد للمفتي المقلّد أن يَعلم حال من يُفتي بقوله، ولا نعني بذلك معرفته باسمه ونسبه إلى بلد من البلاد، إذ لا يُسمن ذلك من جوع ولا يغني، بل نعني معرفته في الرِّواية، ودرجته في الدراية، وطبقته من طبقات الفقهاء، ليكون على بصيرة وافية في التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين. فنقول وبالله التوفيق: اعلم أن الفقهاء على سبع طبقات: الطبقة الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة، ﵃، ومَنْ سلك مسلكَهم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، على حسب تلك القواعد، من غير تقليد لأحدٍ، لا في الفروع، ولا في الأصول. الطبقة الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف، ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على مقتضى القواعد، التي قرَّرها أستاذهم أبو حنيفة، وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكن يُقلّدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب، ويُفارقوهم، كالشافعي ونظرائه، المخالفين لأبي حنيفة في الأحكام، غير مقلّدين له في الأصول. الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل، التي لا رواية فيها عن أصحاب المذهب، كالخصّاف، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم؛ فإنهم لا يقدرون على المخالفة الإمام، لا في الأصول، ولا في الفروع، ولكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل، التي لا نصَّ عنه فيها حسب أصول قرَّرها، ومقتضى قواعد بسطها.

стр. 239

الطبقة الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين، كالرازي، وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمأخذ، يقدرون على تفصيل قول مُجمَل في وجهين، وحكم مبهم مُحتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن واحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم في الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظرائه من الفروع، وما وقع في بعض المواضع من "الهداية" من قوله: "كذا في تخريج الكرخي، وتخريج الرازي"، من هذا القبيل. الطبقة الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبي الحُسين القدوري، وصاحب "الهداية"، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحّ رواية، وهذا أرفق للناس. الطبقة السادسة: طبقة المقلِّدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقوي، والضعيف، وظاهر المذهب، وظاهر الرِّواية، والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخّرين، مثل صاحب "الكنز"، وصاحب "المختار"، وصاحب "الوقاية"، وصاحب "المجمع"، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة، والروايات الضعيفة. الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذُكر، ولا يفرّقون بين الغثّ والسمين، ولا يميّزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب الليل، فالويل لهم، ولمن قلّدهم كلّ الويل". انتهى ما قاله ابن كمال باشا بحروفه، وهو تقسيم حسن جدًّا.

стр. 240

الفصل الثامن في مسائل أصحابنا الحنفية على ثلاث طبقات قال تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري المتوفي ١٠١٠ هـ في "طبقاته": يتعين إيرادها أي (مسائل أصحابنا الحنفية)، ولا يستغني عنها، نقلتُها من خطّ المولى العلامة علي جلبي بن أمر الله الشهير بقنالي زاده، رحمه الله تعالى. اعلم، وفّقك الله تعالى، أن مسائل أصحابنا الحنفية رحمهم الله تعالى على ثلاث طبقات. الأولى: مسائل الأصول، وتُسمّى ظاهر الرِّواية أيضًا، وهي مسائل رُوِيَت عن أصحاب المذاهب، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرِّواية أن يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم. ثم هذه المسائل التي تُسمّى بظاهر الرِّواية والأصول، هي ما وجد في كتب محمد، التي هي: "المبسوط"، و"الزيادات"، و"الجامع الصغير"، و"الجامع الكبير"، و"السِّيَر الصغير"، و"الصير الكبير". وإنما سميتْ بظاهر الرِّواية، لأنها رويتْ عن محمد بروايات الثقات، فهي ثابتةٌ عنه؛ إما متواترة، أو مشهورة. الثانية: مسائل النوادر، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب المذكورين، لكن لا في الكتب المذكورة؛ إما في كتب أخر لمحمد وغيرها، كـ "الكَيْسانيَّات"، و"الهارونيات"، و"الجرجانيات"، و "الرقيات". وإنما قيل لها: غير ظاهرة الرِّواية؛ لأنها لم ترو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى، وإما في كتب غير كتب محمد، ككتاب "المجرَّد" للحسن بن زياد، وغيره.

стр. 241

ومنها: كتب الأمالي" المروية عن أبي يوسف، والإملاء أن يقعد العالم، وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيقول بما فتحه الله عليه من ظهر قلبه، وتكتبه التلامذة، ثم يجمعون ما يكتبونه في المجالس، ويصير كتابًا، فيسمّونه الإملاء والأمالي. وكان ذلك عادة لعُلماء السلف من الفقهاء، والمحدثين، وأصحاب العربية، فاندرست لذهاب العلم وأهله، وإلى الله تعالى المصير. وإما بروايات مُفردة، مثل رواية ابن سماعة، ومعلَّى بن منصور، وغيرها، في مسائل مُعينة. الثالثة: الفتاوى، وتسمى الواقعات أيضًا، وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئل منهم، ولم يجدوا فيها رواية عن أصحاب المذهب، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد، وأصحاب أصحابهما، وهلمَّ جرا، وهم كثيرون، موضع ضبطهم كتاب "الطبقات" لأصحابنا. وغالب من يُنقل عنهم المسائل أصحاب أبي يوسف ومحمد، كمحمد بن سلمة، ونصير بن يحيى، وأبي القاسم الصفَّار. ومن أصحاب أبي يوسف، مثل عصام بن يوسف، وابن رستم. ومن أصحاب محمد، مثل أبي حفص البخاري، وكثيرين. وقد يتفق لهؤلاء العُلماء أن يخالفوا أصحاب المذاهب، لدلائل وأسباب، ظهرت لهم بعدهم. وأول كتاب جُمِع في فتاويهم "كتاب النوازل" للفقيه أبي الليث السمرقندي، وكذلك "العُيون" له؛ فإنه جمع صور فتاوي جماعة من المشايخ، ممن أدركهم بقوله: سئل أبو القاسم في رجل كذا أو كذا، فقال: كذا وكذا. سئل محمد بن سلمة عن رجل كذا وكذا، فقال: كذا أو كذا، وهكذا.

стр. 242

ثم جمع المشايخ بعده كتبًا أخر في الفتاوي كـ "مجموع النوازل والواقعات" للناطفي، و"الواقعات" للصدر الشهيد، رحمه الله تعالى. ثم جمع المتأخّرون هذه المسائل في فتاواهم وكتبهم مختلطة، غير متميزة، كما في "جامع قاضي خان"، و"الخلاصة"، وغيرهما. وميَّز بعضهم كما في كتاب "المحيط" لرضي الدين السرخسي؛ فإنه ذكر أولًا مسائل الأصول، ثم النوادر، ثم الفتاوي، ونعم ما فعل. واعلم أن من كتب الأصول كتاب "الكافي" للحاكم الشهيد، وهو كتاب معتمد في نقل المذهب. وشرحه جماعة من المشايخ منهم: الإمام شمس الأئمة السرخسي وهو "مبسوط" السرخسي، والإمام القاضي الأسبِيْجَابي، وغيرهما. ومن كتب المذهب: "المنتقى" له أيضًا، إلا أن فيه بعض النوادر؛ ولهذا يذكره صاحب "المحيط" بعد ذكره النوادر، مُعْنْوَنًا بـ "المنتقى"، ولا يوجد "المنتقى" في هذه الأعصار. واعلم أيضًا أن نسخ "المبسوط" المروي عن محمد متعددة، وأظهرها "مبسوط أبي سليمان الجوزجاني". وشرح (المبسوط) المتأخّرون، مثل شيخ الإسلام أبي بكر المعروف بخواهر زاده، ويسمى (المبسوط البكري)، والصدر الشهيد، وغيرهما، ومبسوطهم شروح في الحقيقة، ذكرها مختلطة بـ "مبسوط محمد"، كما فعل شُرَّاح "الجامع الصغير"، مثل فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وقاضي خان، وغيرهم. وقد يقال: ذكره قاضي خان في "الجامع الصغير"، والمراد شرحه، وكذا غيره، فاعلم ذلك، والله أعلم. انتهى.

стр. 243

الباب السادس في سيرة الإمام الأعظم، أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي * * للإمام الأعظم ذكر حافل في المراجع التاريخية والفهارس، تصعب الإحاطة به، وأكتفي هنا بالإشارة إلى ما يحضرني منها: الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/ ٢٥٦، والتاريخ الكبير للبخاري ٨/ ٨١، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، الجزء الرابع القسم الأول ٤٤٩، والمعارف لابن قتيبة ٤٩٥، ذيل المذيل للطبري ١٠٢، والفهرست لابن النديم ٢٨٤، ٢٨٥، وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣ - ٤٥٤، وطبقات الفقهاء للشيرازي ٨٦، والانتقاء لابن عبد البر ١٢١ - ١٧١، والأنساب ١٩٦ ظ، واللباب ١/ ٣٦٠، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢١٦ - ٢٢٣، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٤٠٢، ووفيات الأعيان ٥/ ٤٠٥ - ٤١٥، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٦٨، ١٦٩، وميزان الاعتدال ٤/ ٢٦٥، والعبر ١/ ٢١٤، والبداية والنهاية ١٠/ ١٠٧، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤٩ - ٤٥٢، وغاية النهاية لابن الجزرى ٢/ ٣٤٢، ومرآة الجنان لليافعي ١/ ٢٠٩ - ٣١٢، والنجوم الزاهرة ٢/ ١٢ - ١٥، وطبقات الحفاظ للسيوطي ٧٣، والخميس في أحوال أنفس نفيس ٢/ ٣٢٦ - ٣٢٩، ومفتاح السعادة ٢/ ١٩٥، والطبقات الكبرى للشعراني ١/ ٥٣، ٥٤، وشذرات الذهب ١/ ٢٢٧ - ٢٢٩، والكواكب الدرية للمناوي ١/ ١٧٥، ١٧٦، كشف الظنون ٨٤٢، ١٢٨٧، ١٤٣٧، ١٦٨٠، ٢٠١٥، ونزهة الجليس للموسوي ٢/ ١٧٦، والتاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول ١٣٦ - ١٣٨، وجامع كرامات الأولياء ٢/ ٢٧٧، وروضات الجنات ٨/ ١٦٧ - ١٧٦، وهدية العارفين ٢/ ٤٩٥، والذريعة إلى تصانيف الشيعة ١/ ٣١٦، وطبقات الفقهاء، لطاش كبري زاده صفحة ١١ - ١٤. =

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 245

وهو يشتمل على عشرة فصول. الفصل الأول في نسبه وولادته وصفته وشيوخه وتلاميذه هو إمام الأئمة، وسراج الأمة، وبجر العلوم والفضائل، ومنبع الكمالات والفواضل، عالم العراق، وفقيه الدنيا على الإطلاق، من أعجز من بعده عن لحاقه، وفات من عاصره في سياقه، ومن لا تنظر العيون مثله، ولا ينال مُجتهد كماله وفضله، الإمام الأعظم، والحبر البحر المكرّم، أحد أفراد الزمان، وإنسان عين الأعيان، الذي سارتْ بفضله الركبان، وعمَّتْ فواضله سائر البلدان، واعترف بمعروفه الشامل كل قاص ودان، وأجمعت الأمة، أنه قدوة الأئمة، وهو أبو حنيفة النعمان، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه، وفي ذلك المحل المقدس جمعنا وإياه. فإنه صاحب المذهب الذي به يأخذون، وعليه يعتمدون، وله يقلدون، ومن بحر علمه يغترفون، تغمّده الله برحمته ورضوانه، وأباحه بحبوحة جنانه، ونفعنا ببركات عُلومه في الدنيا والآخرة، أنه جواد كريم، رؤوف رحيم.

стр. 246

أبو حنيفة النعمان (١) بن ثابت بن زوطَى، بضم الزاي وفتح الطاء، وهو المشهور، وقال ابن الشحنة، نقلًا عن شيخه مجد الدين الفيروز آبادي، في "طبقات الحنفية": إنه بفتح الزاي والطاء المهملة، مثل سَكْرَى (٢). وكان زوطَى مملوكًا لبني تيم الله بن ثعلبة. واختلف في أصله، فقيل: من "كابل"، وقيل: من "بابل"، وقيل: من "نَسَا"، وقيل: من "ترمذ"، وقيل: من "الأنبار"، وقيل: غير ذلك. قال السراج الهندي: ووجه التلفيق بين هذه الروايات أن يكون جدّه من "كابل"، ثم انتقل منها إلى "نَسَا"، ثم إلى "ترمذ"، أو ولد أبوه بـ "ترمذ"، ونشأ بـ "الأنبار"، إلخ. قال ابن الشحنة: وهذا التلفيق أصله لخطيب خوارزم، ونظر ذلك بعض مشايخه، فقال: كأبي المعالي الفضل بن سهل الإسفَرَايني، فإن أباه من

стр. 247

"إسفراين"، وولد هو بـ"مصر"، ونشأ بـ"حلب"، ثم أقام بـ "بغداد"، ومات بها، ويقال له: المصري، الحلبي، البغدادي. وروى الخطيب (١) بسنده، عن إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، أنه كان يقول: أنا إسماعيل بن حمَّاد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط؛ ولد جدّي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه، وفي ذريته، ونحن نرجو من الله أن يكون استجاب ذلك لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فينا. انتهى. قال السراج الهندي بعد أن نقل ما ذكر عن إسماعيل: وكذلك قاله أخو إسماعيل، ولا يحل لمسلم أن يظنّ بهما مع جلالة قدرهما، ودقّة ورعهما، أن ينتسبا إلى غير آبائهما. قال الخطيب البغدادي (٢): والنعمان بن المرزبان، أبو ثابت، هو الذي أهدي لعليّ بن أبي طالب الفالوذج يوم النيروز، فقال: نورزونا كل يوم. وقيل: كان ذلك في المهرجان، فقال: مهرجونا كل يوم. وذكر في "الجواهر المضية" (٣) لأبي حنيفة نسبًا طويلًا، أوصله إلى آدم ﵊، تركنا ذكره لعدم صحته، والله تعالى أعلم. ذكر مولده ووفاته، وصفته: عن مزاحم بن داود بن عُليَّة، أنه كان يذكر عن أبيه أو غيره، أن أبا حنيفة ولد سنة إحدى وستين، ومات سنة خمسين ومائة.

стр. 248

وقال الخطيب (١): لا أعلم لصاحب هذا القول مُتابعًا، ثم روي بسنده عن أبي نعيم، أن أبا حنيفة ولد سنة ثمانين، وكان له يوم مات سبعون سنة، ومات في سنة خمسين ومائة، وهو النعمان بن ثابت. وروى عنه بسند آخر، أنه قال: ولد أبو حنيفة سنة ثمانين بلا مائة، ومات سنة خمسين ومائة، عاش سبعين سنة. واختلف في الشهر الذي مات فيه، فقال بعضهم: في شعبان، وقال بعضهم: في رجب، وعن أبي يوسف: أنه مات في النصف من شوَّال. وكانت وفاته بمدينة "بغداد"، ودفن بالجانب الشرقي منها في "مقبرة الخيزران"، وقبره هُناك ظاهر معروف مقصود بالزيارة. وقال ابن خلكان (٢): وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي، مُستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي على قبره مشهدًا وقبَّة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية، ولما فرغ من عمارة ذلك، ركب إليها في جماعة من الأعيان ليشاهدوها، فبينما هُم هناك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر مَسْعود المعروف بالبياضي (٣)، وأنشد (٤): ألم تَرَ أنَّ العلمَ كان مُبَدَّدًا … فَجَمَّعَهُ هذا المغيَّبُ في اللَّحدِ كذلك كانتْ هذه الأرضُ مَيتةً … فأَنْشرَها فِعْلُ العَمِيد أبي سَعْدِ (٥) فأجازه أبو سعد بجائزة سنية. وكان بناء المشهد والقبَّة، في سنة تسع وخمسين وأربعمائة.

стр. 249

وقيل: الذي بنى ذلك ألب أرسلان محمد، والد السلطان ملك شاه. قال ابن خلكان: والظاهر أن أبا سعد بناهما نيابة عن ألب أرسلان المذكور، وهو كان المباشر، كما جرتْ عادةُ النواب مع ملوكهم، فنُسبت العمارة إليه بهذا الطريق. انتهى. ما ورد في صفة أبي حنيفة: وأما ما ورد في صفة أبي حنيفة: فمنه ما ذكر أبو نعيم، قال: كان أبو حنيفة حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لإخوانه. وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقًا، وأحلاه نغمة، وأنبهه على ما يريده. وعن عمر بن حماد بن أبي حنيفة، أن أبا حنيفة كان طوالًا، تعلوه سمرة، وكان لباسًا، حسن الهيئة، كثير التعطّر، يعرف بريح الطيب إذا أقبل، وإذا خرج من منزله قبل أن نراه. ﵁. ذكر خبر ابتداء أبي حنيفة بالنظر في العلم: عن أبي يوسف (١) أنه قال: قال لي أبو حنيفة: لما أردتُ طلبَ العلم جعلتُ أتخير العلوم، وأسال عن عواقبها، فقيل لي: تعلم القرآن. فقلتُ: إذا تعلمتُ القرآن، وحفظتُه، فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد، ويقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن تخرج منهم من هو أحفظ منك، أو يُساويك في الحفظ، فتذهب رياستك. قلتُ: فإن سمعتُ الحديث، وكتبتُه حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟

стр. 250

قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت، واجتمع عليك الأحداث والصبيان، ثم لا تأمن أن تغلط، فيرموك بالكذب، فيصير عارًا عليك في عَقبِك. فقلتُ: لا حاجة لي في هذا. قلتُ: فإذا حفظتُ العربية، وتعلمتُ النحو ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد مُعلّمًا، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة. قلتُ: وهذا لا عاقبة له. قلتُ: فإن نظرتُ في الشعر، فلم يكن أشعر مني، ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تمدح هذا، فيهب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات. فقلتُ: لا حاجة لي في هذا. قلتُ: فإن نظرتُ في الكلام، ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مُشنعات الكلام، فيرمى بالزندقة، فإما أن يؤخذ، فيقتل، وإما أن يسلم، فيكون مذمومًا ملومًا. قلتُ: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تُسأل، وتُفتي الناس، وتُطلب للقضاء، وإن كنت شابًا. قلت: ليس في العلوم شئ أنفع من هذا، فلزمتُ الفقه، وتعلمته. وعن زفر بن الهُذيل (١)، قال: سمعتُ أبا حنيفة، يقول: كنتُ أنظر في الكلام، حتى بلغتُ فيه مبلغًا يُشار إليَّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حمَّاد بن أبي سُليمان، فجاءتْني امرأة يومًا، فقالتْ: رجل له امرأة أمة، أراد أن يُطلقها للسنَّة، كيف يُطلقها؟
следующие страницы →