← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أبو حنيفة النعمان (١) بن ثابت بن زوطَى، بضم الزاي وفتح الطاء، وهو المشهور، وقال ابن الشحنة، نقلًا عن شيخه مجد الدين الفيروز آبادي، في "طبقات الحنفية": إنه بفتح الزاي والطاء المهملة، مثل سَكْرَى (٢). وكان زوطَى مملوكًا لبني تيم الله بن ثعلبة. واختلف في أصله، فقيل: من "كابل"، وقيل: من "بابل"، وقيل: من "نَسَا"، وقيل: من "ترمذ"، وقيل: من "الأنبار"، وقيل: غير ذلك. قال السراج الهندي: ووجه التلفيق بين هذه الروايات أن يكون جدّه من "كابل"، ثم انتقل منها إلى "نَسَا"، ثم إلى "ترمذ"، أو ولد أبوه بـ "ترمذ"، ونشأ بـ "الأنبار"، إلخ. قال ابن الشحنة: وهذا التلفيق أصله لخطيب خوارزم، ونظر ذلك بعض مشايخه، فقال: كأبي المعالي الفضل بن سهل الإسفَرَايني، فإن أباه من

стр. 247

"إسفراين"، وولد هو بـ"مصر"، ونشأ بـ"حلب"، ثم أقام بـ "بغداد"، ومات بها، ويقال له: المصري، الحلبي، البغدادي. وروى الخطيب (١) بسنده، عن إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، أنه كان يقول: أنا إسماعيل بن حمَّاد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط؛ ولد جدّي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه، وفي ذريته، ونحن نرجو من الله أن يكون استجاب ذلك لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فينا. انتهى. قال السراج الهندي بعد أن نقل ما ذكر عن إسماعيل: وكذلك قاله أخو إسماعيل، ولا يحل لمسلم أن يظنّ بهما مع جلالة قدرهما، ودقّة ورعهما، أن ينتسبا إلى غير آبائهما. قال الخطيب البغدادي (٢): والنعمان بن المرزبان، أبو ثابت، هو الذي أهدي لعليّ بن أبي طالب الفالوذج يوم النيروز، فقال: نورزونا كل يوم. وقيل: كان ذلك في المهرجان، فقال: مهرجونا كل يوم. وذكر في "الجواهر المضية" (٣) لأبي حنيفة نسبًا طويلًا، أوصله إلى آدم ﵊، تركنا ذكره لعدم صحته، والله تعالى أعلم. ذكر مولده ووفاته، وصفته: عن مزاحم بن داود بن عُليَّة، أنه كان يذكر عن أبيه أو غيره، أن أبا حنيفة ولد سنة إحدى وستين، ومات سنة خمسين ومائة.

стр. 248

وقال الخطيب (١): لا أعلم لصاحب هذا القول مُتابعًا، ثم روي بسنده عن أبي نعيم، أن أبا حنيفة ولد سنة ثمانين، وكان له يوم مات سبعون سنة، ومات في سنة خمسين ومائة، وهو النعمان بن ثابت. وروى عنه بسند آخر، أنه قال: ولد أبو حنيفة سنة ثمانين بلا مائة، ومات سنة خمسين ومائة، عاش سبعين سنة. واختلف في الشهر الذي مات فيه، فقال بعضهم: في شعبان، وقال بعضهم: في رجب، وعن أبي يوسف: أنه مات في النصف من شوَّال. وكانت وفاته بمدينة "بغداد"، ودفن بالجانب الشرقي منها في "مقبرة الخيزران"، وقبره هُناك ظاهر معروف مقصود بالزيارة. وقال ابن خلكان (٢): وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي، مُستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي على قبره مشهدًا وقبَّة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية، ولما فرغ من عمارة ذلك، ركب إليها في جماعة من الأعيان ليشاهدوها، فبينما هُم هناك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر مَسْعود المعروف بالبياضي (٣)، وأنشد (٤): ألم تَرَ أنَّ العلمَ كان مُبَدَّدًا … فَجَمَّعَهُ هذا المغيَّبُ في اللَّحدِ كذلك كانتْ هذه الأرضُ مَيتةً … فأَنْشرَها فِعْلُ العَمِيد أبي سَعْدِ (٥) فأجازه أبو سعد بجائزة سنية. وكان بناء المشهد والقبَّة، في سنة تسع وخمسين وأربعمائة.

стр. 249

وقيل: الذي بنى ذلك ألب أرسلان محمد، والد السلطان ملك شاه. قال ابن خلكان: والظاهر أن أبا سعد بناهما نيابة عن ألب أرسلان المذكور، وهو كان المباشر، كما جرتْ عادةُ النواب مع ملوكهم، فنُسبت العمارة إليه بهذا الطريق. انتهى. ما ورد في صفة أبي حنيفة: وأما ما ورد في صفة أبي حنيفة: فمنه ما ذكر أبو نعيم، قال: كان أبو حنيفة حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لإخوانه. وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقًا، وأحلاه نغمة، وأنبهه على ما يريده. وعن عمر بن حماد بن أبي حنيفة، أن أبا حنيفة كان طوالًا، تعلوه سمرة، وكان لباسًا، حسن الهيئة، كثير التعطّر، يعرف بريح الطيب إذا أقبل، وإذا خرج من منزله قبل أن نراه. ﵁. ذكر خبر ابتداء أبي حنيفة بالنظر في العلم: عن أبي يوسف (١) أنه قال: قال لي أبو حنيفة: لما أردتُ طلبَ العلم جعلتُ أتخير العلوم، وأسال عن عواقبها، فقيل لي: تعلم القرآن. فقلتُ: إذا تعلمتُ القرآن، وحفظتُه، فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد، ويقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن تخرج منهم من هو أحفظ منك، أو يُساويك في الحفظ، فتذهب رياستك. قلتُ: فإن سمعتُ الحديث، وكتبتُه حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟

стр. 250

قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت، واجتمع عليك الأحداث والصبيان، ثم لا تأمن أن تغلط، فيرموك بالكذب، فيصير عارًا عليك في عَقبِك. فقلتُ: لا حاجة لي في هذا. قلتُ: فإذا حفظتُ العربية، وتعلمتُ النحو ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد مُعلّمًا، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة. قلتُ: وهذا لا عاقبة له. قلتُ: فإن نظرتُ في الشعر، فلم يكن أشعر مني، ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تمدح هذا، فيهب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات. فقلتُ: لا حاجة لي في هذا. قلتُ: فإن نظرتُ في الكلام، ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مُشنعات الكلام، فيرمى بالزندقة، فإما أن يؤخذ، فيقتل، وإما أن يسلم، فيكون مذمومًا ملومًا. قلتُ: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تُسأل، وتُفتي الناس، وتُطلب للقضاء، وإن كنت شابًا. قلت: ليس في العلوم شئ أنفع من هذا، فلزمتُ الفقه، وتعلمته. وعن زفر بن الهُذيل (١)، قال: سمعتُ أبا حنيفة، يقول: كنتُ أنظر في الكلام، حتى بلغتُ فيه مبلغًا يُشار إليَّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حمَّاد بن أبي سُليمان، فجاءتْني امرأة يومًا، فقالتْ: رجل له امرأة أمة، أراد أن يُطلقها للسنَّة، كيف يُطلقها؟

стр. 251

فلم أدر ما أقولُ، فأمرتُها تسأل حمَّادًا، ثم ترجع، فتخبرني. فسألتْ حمادًا، فقال: يُطلّقُها وهي طاهرة من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضين، فإذا اغتسلتْ فقد حلّتْ للأزواج. فرجعتْ، فأخبرتْني، فقلتُ: لا حاجة لي في الكلام، وأخذتُ نعلي، وجلستُ إلى حمَّاد، فكنت أسمع مسائلَه، فأحفظُ قولَه، ثم يعيدها من الغد، فأحفظ، ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلسُ في صدر الحلقة بحذائي غيرُ أبي حنيفة، فصحبتُه عشر سنين. ثم إني نازعتْني نفسي لطلب الرياسة، فأحببتُ أن أعتزله، وأجلسُ في حلقة لنفسي، فخرجتُ يومًا بالعشى وعزمى أن أفعل، فلما دخلتُ المسجد، فرأيته، لم تطبْ نفسي أن أعتزله، فجئتُ فجلستُ معه، فجاءه في تلك الليلة نعى قرابة له، قد مات بـ "البصرة"، وترك مالًا، وليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه، فما هو إلا أن خرج، حتى وردتْ عليَّ مسائلُ لم أسمعْها منه، فكنت أجيب، وأكتب جوابي، فغاب شهرين، ثم قدم، فعرضت عليه المسائل، وكانت نحوًا من ستين مسئلة، فوافقَنى في أربعين، وخالفَنى في عشرين، فآليتُ على نفسي أن لا أفارقَه حتى يموت، فلم أفارقْه حتى مات. وروي عن أبي حنيفة أنه قال (١): قدمتُ "البصرة"، فظننتُ أني لا أُسأل عن شيء إلا أجبتُ فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلتُ على نفسى أن لا أفارقَ حمَّادًا حتى يموت، فصحبتُه ثماني عشرة سنة.

стр. 252

وعن ابن سماعة (١)، أنه قال: سمعتُ أبا حنيفة يقول: ما صليتُ صلاة مُذ ماتَ حماد إلا استغفرتُ له مع والدي، وإني لأستغفرُ لمن تعلمتُ منه علمًا، أو علمتُه علما. وعن يونس بن بكير، أنه قال: سمعتُ إسماعيل بن حمَّاد بن أبي سليمان، يقول: غاب أبي غيبة في سفر له، ثم قدم، فقلتُ له: يا أبة، إلى أيّ شئ كنت أشوق؟ قال: وأنا أرى أنه يقول: إلى ابني. فقال: إلى أبي حنيفة، ولو أمكنني أن لا أرفعَ طرفي عنه فعلتُ. وعن أبي مطيع البلخي (٢)، أنه قال: قال أبو حنيفة: دخلتُ على أبي جعفر أمير المومنين، فقال: يا أبا حنيفة عن من أخذتَ العلمَ؟ قال: قلتُ عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبَّاس. قال: فقال أبو جعفر: بخٍ بخٍ، استوثقتَ ما شئتَ يا أبا حنيفة عن الطيبين المباركين، صلوات الله عليهم. وعن ابن أبي أويس (٣)، قال: سمعتُ الربيع بن يونس، يقول: دخل أبو حنيفة يومًا على المنصور، وعنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم. فقال له: يا نعمان، عن من أخذتَ العلمَ؟ قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب عليٍّ عن عليّ، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان في وقت ابن عبَّاس على وجه الأرض أعلم منه، قال: لقد استوثقتَ لنفسك.

стр. 253

وروي عن أبي حنيفة، أنه قال: رأيتُ رُؤيا، فأفزعتْني، رأيتُ كأني أنبشُ قبرَ النبي ﷺ ، فاتيتُ "البصرة"، فأمرتُ رجلًا أن يسأل محمد بن سيرين، فسأله، فقال: هذا رجل ينبشُ أخبارَ رسول الله ﷺ . وفي رواية أنه قال: صاحب هذه الرؤيا يُثَوّر (١) علمًا، لم يسبقْه إليه أحدٌ قَبله. قال هشام (٢): فنظر أبو حنيفة، وتكلّم حينئذ. والله تعالى أعلم. شيوخه الكبار رحمهم الله تعالى: أخذ الإمام أبو حنيفة ﵀ عن أربعة آلاف شيخ من التابعين، كما ذكره محمد بن يوسف الصالحي الشافعي في "عقوده". وكان من شيخه علامة التابعين عامر بن شراحيل، وهو أكبر شيخ لأبي حنيفة، أدرك خمسمائة من أصحاب النبي ﷺ (٣). وأخذ الإمام أبو حنيفة عن عطاء بن أبي رَبَاح أيضا، وهو أدرك مائتين من الصحابة (٤). قال الحافظ جمال الدين المزي: روى أبو حنيفة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير، وجبلة بن سحيم، وأبي هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني، والحسن بن عبيد الله، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سلمان، وخالد بن علقمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزبيد اليامي، وزياد بن علاقة، وسعيد بن مسروق الثوري، وسلمة بن كهيل، وسماك بن حرب، وأبي رؤبة شدَّاد بن عبد الرحمن، وشيبان بن عبد الرحمن النحوى،

стр. 254

وهو من أقرانه، وطاوس بن كيسان فيما قيل، وطريف بن سفيان السعدي، وأبي سفيان طلحة من نافع، وعاصم بن كليب، وعامر الشعبي، وعبد الله بن أبي حبيبة، وعبد الله بن دينار، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم أبي أمية بن أبي المخارق، وعبد الملك بن عمير، وعدي بن ثابت الأنصاري، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعطاء بن السائب، وعطية بن سعد العوفي، وعكرمة مولى ابن عباس، وعلقمة بن مرثد، وعلي بن الأقمر، وعلي بن الحسن البرَّاد، وعمرو بن دينار، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقابوس بن أبي ظبيان، والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وقتادة بن دعامة، وقيس بن مسلم الجدلي، ومحارب بن دثار، ومحمد بن الزبير الحنظلي، ومحمد بن السائب الكلبي، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضى الله عنهم، ومحمد بن قيس الهمداني، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر، ومخول بن رائد، ومسلم البطين، ومسلم الملائي، ومعن بن عبد الرحمن، ومقسم، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن أبي عائشة، وناصح بن عبد الله المحلمي، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وأبي غسَّان الهيثم بن حبيب الصرَّاف، والوليد بن سريع المخزومي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي جحيفة يحيى بن عبد الله الكندي، ويحيى بن عبد الله الجابر، ويزيد بن صهيب الفقير، ويزيد بن عبد الرحمن الكوفي، ويونس بن عبد الله بن أبي فروة، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، وأبي جناب الكلبي، وأبي حصين الأسدي، وأبي الزبير المكّي، وأبو السوَّار - ويقال: أبو السوداء - السلمي، وأبي عون الثقفي، وأبي فروة الجهنى، وأبي معبد مولى ابن عباس، وأبي يعفور العبدي.

стр. 255

تلاميذه العظام رحمهم الله تعالى: تلاميذ أبي حنيفة رحمهم الله تعالى جم غفير وجمع كثير، اتفق له من الأصحاب ما لم يتفق لأحد من بعده من الأئمة (١). وذكر الصالحي في الباب الخامس من كتابه بعض الآخذين من أبي حنيفة الحديث والفقه من أهل "مكة"، و"المدينة"، و"دمشق"، و"البصرة"، و"الجزيرة"، وغيرها، وقال أنا مورد جماعة من الأعيان الآخذين عن الإمام أبي حنيفة ﵁ نحو الثمانمائة، ثم ذكر أسماءهم بالتفصيل (٢). وسرد علي بن سلطان محمد القاري رحمه الله تعالى في كتابه "مناقب الإمام الأعظم" أسماء تلاميذه، وقد بلغتْ إلى مائة وخمسين تقريبا، ثم قال في آخره: هذا الذي اختصرناه من "مناقب الكردري"، وقال الكردى في آخره: فهؤلاء سبعمائة وثلاثون رجلا من مشايخ البلدان وأعلام ذلك الزمان، أخذوا عنه العلم، ووصل إلينا بسعيهم واجتهادهم، وجزاهم الله تعالى خير الجزاء يوم معادهم (٣). فمن هؤلاء إبراهيم بن طَهْمَان، والأبيض بن الأغر بن الصبَّاح المنقري، وأسباط بن محمد القرشي، وإسحاق بن يوسف الأرزق، وأسد بن عمرو البَجَلي القاضي، وإسماعيل بن يحيى الصيرفى، وأيوب بن هانئ الجعفى، والجارود بن يزيد النيسابوري، وجعفر بن عون، والحارث بن نبهان، وحبَّان بن على العنزي، والحسن بن زياد اللؤلؤى، والحسن بن فُرَات القزَّاز، والحسين بن حسن بن عطية العوفي، وحفص بن عبد الرحمن البلخي القاضي، وحكّام بن سلم الرازي، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله بن عبد الرحمن البلخى، وابنه حمَّاد

стр. 256

بن أبي حنيفة، وحمزة بن حبيب الزيَّات، وخارجة ابن مصعب السرخسي، وداود بن نصير الطائى، وأبو الهُذَيل زُفَر بن الهُذَيل التيمى العنبري، وزيد بن الحباب العكلي، وسابق الرقى، وسعد بن الصلت قاضى "شيراز"، وسعيد بن أبي الجهم القابوسي، وسعيد بن سلام أبي الهيفاء العطاء البصري، وسلم بن سالم البلخى، وسليمان عمرو النَّخَعي، وسهل ابن مزاحم، وشعيب بن إسحاق الدمشقي، والصبَّاح بن محارب، والصلت بن الحجاج الكوفي، وأبو عاصم، والضحَّاك بن مخلد، وعامر بن الفُرَات، وعائد بن حبيب، وعبَّاد بن العوّام، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقري، وأبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحمّاني، وعبد الرزَّاق بن همَّام، وعبد العزيز بن خالد الترمذي، وعبد الكريم بن محمد الجرجاني، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، وعبد الوارث بن سعيد، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وعبيد الله بن موسى، وعتَّاب بن محمد بن شوذان، وعلي بن ظبيان الكوفي القاضي، وعلي بن عاصم الواسطى، وعلي بن مسهر، وعمرو بن محمد العنقزي، وأبو قطن عمرو بن الهيثم القطني، وأبو نعيم الفضل بن دكين، والفضل بن موسى السيناني، والقاسم بن الحكم العرني، والقاسم بن معن المسعودي، وقيس بن الربيع، ومحمد بن أبان العنبري الكوفي، ومحمد بن بشر العبدي ومحمد بن الحسن بن آتش الصنعاني، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومحمد ابن خالد الوهبى، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن الفضل بن عطية، ومحمد بن القاسم الأسدي، ومحمد بن مسروق الكوفي، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومروان بن سالم، ومصعب بن المقدام، والمعافى بن عمران الموصلي، ومكَّي بن إبراهيم البلخي، وأبو سهل نصر بن عبد الكريم البلخى المعروف بالصيقل، ونصر بن عبد الملك العتكي، وأبو غالب النضر بن عبد الله الأزدي، والنضر بن محمد المروزي، والنعمان بن عبد السلام الإصبهاني،

стр. 257

ونوح بن درَّاج القاضي، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وهريم بن سفيان، وهوذة بن خليفة، والهياج بن بسطام، وكيع بن الجرَّاح، ويحيى بن أيوب المصري، ويحيى بن نصر بن حاجب، ويحيى بن يمان، ويزيد بن زريع، ويزيد بن هارون، ويونس بن بكير، وأبو إسحاق الفزارى، وحمزة السكري، وأبو سعد الصاغاني، وأبو شهاب الحنَّاط، وأبو مقاتل السمرقندى، والقاضى أبو يوسف، رحمهم الله تعالى. الفصل الثاني في مناقب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وثناء الأئمة عليه: روى الخطيب البغدادي (١) بسنده، عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "إن في أمتي رجلًا"، وفي حديث القصري (٢): "يكون في أمتي رجل، اسمه النعمان، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي" (٣). قال الخطيب بعد روايته: قلتُ: وهو حديث موضوع، وتفرَّد بروايته البورقي (٤). قلتُ: قد ذكر أنه موضوع غير الخطيب أيضًا، وإنما ذكرناه نحن هنا لاحتمال صحته في نفس الأمر عند الله تعالى، ولأن معناه متحقق في الإمام رضى الله تعالى عنه، فإنه بلا شبهة ولا ريب سراج، يُستضاء بنور علمه،

стр. 258

ويهتدى بسناء فكره الثاقب، وحُسن فهمه، ولأنه لا يترتب عليه شئ من أحكام الدين، ولا يثبت به قاعدة من قواعد الإسلام. وروى الخطيب (١) أيضًا، عن الحسن بن سليمان، في تفسير الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم"، قال: هو علم أبي حنيفة، وتفسيره للآثار (٢). وروى أيضًا عن خلف بن أيوب، أنه قال: صار العلم من عند الله تعالى إلى محمد ﷺ ، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمَنْ شاءَ فليرض، ومن شاءَ فليسخطْ. وعن إسحاق بن بهلول (٣)، سمعتُ ابن عُيينة، يقول: ما مقلتْ عيني مثل أبي حنيفة. وعن إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: سمعتُ ابن المبارك يقول: كان أبو حنيفة آية. فقال له قائل: في الشرّ يا أبا عبد الرحمن، أو في الخير؟ فقال: اسكتْ يا هذا؛ فإنه يقال: غايةٌ في الشرّ، آية (٤) في الخير، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾. وعن المبارك أيضًا (٥)، قال: ما كان أوقر مجلس أبي حنيفة، كان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب، ولقد كنا يومًا في مسجد الجامع،

стр. 259

فوقعتْ حيّة، فسقطتْ في حِجر أبي حنيفة، وهرب النأس غيره، ما رأيتُه زاد على أن نفض الحيةَ، وجلس مكانه. وعنه أيضًا (١)، أنه قال: لولا أن الله أعانَني (٢) بأبي حنيفة وسُفيان، لكنتُ كسائر الناس. وعن أبي يحيى الحمَّاني أنه كان يقول: ما رأيتُ رجلًا قط خيرًا من أبي حنيفة. وكان أبو بكر الواعظ، يقول: أبو حنيفة أفضل أهل زمانه. وعن سهل بن مزاحم (٣)، أنه كان يقول: بذلت الدنيا لأبي حنيفة فلم يردْها، وضرب عليها بالسياط فلم يقبلْها. وقيل للقاسم بن معن (٤) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة؟ قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة. وحدَّث الشافعي محمد بن إدريس (٥)، قال: قيل لمالك بن أنس: هل رأيتَ أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيتُ رجلًا لو كلَّمَك في هذه السارية أن يجعلَها ذهبًا، لقام بحجّته. وعن روح بن عبادة (٦)، أنه قال: كنت عند ابن جُريج سنة خمسين، وأتاه موت أبي حنيفة، فاسترجع، وتوجَّع، وقال: أيّ علم ذهب.

стр. 260

قال: ومات فيها ابن جريج. وروي عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: قدمتُ "الشام" على الأوزاعي، فرأيتُه بـ "بيروت"، فقال لي: يا خراساني، من هذا المبتدع الذي خرج بـ "الكوفة"، يُكنى أبا حنيفة؟! فرجعتُ إلى بيتي، فأقبلتُ على كتب أبي حنيفة، فأخرجتُ منها مسائل من جياد المسائل، وبقيتُ في ذلك ثلاثة أيام، فجئتُه يوم الثالث وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم، والكتاب في يدي، فقال: لي أيّ شئ هذا الكتاب؟ فتناولتُه، فنظرَ في مسئلة منها وقعت عليها: قال النعمان بن ثابت (١)، فما زال قائمًا بعدما أذن، حتى قرأ صدرًا من الكتاب، ثم وضع الكتاب في كمّه، ثم قام، وصلَّى، ثم أخرج الكتابَ حتى أتى عليها، فقال: يا خراساني! من النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بـ "العراق". فقال: هذا نبيل من المشايخ، اذهبْ فاستكثرْ منه. قلتُ: هذا أبو حنيفة الذي نهيتَ عنه. وعن مسعر بن كدام (٢)، أنه قال: ما أحسد أحدًا بـ "الكوفة" إلا رجلين، أبا حنيفة في فقهه، والحسن بن صالح في زهده. وعن إبراهيم بن الزرقان، أنه قال: كنت يومًا عند مسعر، فمرَّ بنا أبو حنيفة، فسلَّم ووقف عليه، ثم مضى، فقال بعض القوم لمسعر: ما أكثر خصوم أبي حنيفة!! فاستوى مسعر منتصبًا، ثم قال: إليك فما رأيته خاصم أحدًا قط إلا فلج (٣) عليه.

стр. 261

وعن أبي غسَّان (١)، أنه قال: سمعتُ إسرائيل، يقول: كان نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشدّ فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه. وكان مسعر يقول: من (٢) جعل أبا حنيفة بينه، وبين الله رجوتُ أن لا يخاف، ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه. وعن علي بن المديني (٣) أنه قال: سمعتُ عبدَ الرزاق، يقول: كنتُ عند معمر، فأتاه ابن المبارك، فسمعنا معمرًا يقول: ما أعرف رجلًا يُحسن يتكلم في الفقه، أو يسعه أن يقيس، ويشرح لمخلوق النجاة في الفقه، أحسن معرفة من أبي حنيفة (٤)، ولا أشفق على نفسه (٥)، أن يدخل في دين الله شيئًا من الشك من أبي حنيفة. وعن عبد الله بن أبي جعفر الرازي (٦)، قال: سمعتُ أبي يقول: ما رأيتُ أحدًا أفقهَ من أبي حنيفة، وما رأيتُ (٧) أورعَ من أبي حنيفة. وحدّث سعيد بن منصور (٨)، قال: سمعتُ الفضَيل بن عياض، يقول: كان أبو حنيفة رجلًا فقيهًا، معروفًا بالفقه، مشهورًا بالورع، واسع المال، معروفًا بالإفضال على كل من يضيف، صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار، حسن

стр. 262

الليل (١)، كثير الصمت، قليل الكلام، حتى ترد مسئلة في حلال أو حرام، وكان (٢) يُحسن (٣) يدلُّ على الحق، هاربًا من مال السلطان (٤)، وكان إذا وردتْ مسئلة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين، وإلا قاسَ فأحسنَ (٥) القياسَ. وقال أبو يوسف (٦): ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بتفسير الحديث، ومواضع النكَت التي فيه من الفقه من أبي حنيفة. وقال: ما خالفتُ أبا حنيفة في شيء قط، فتدبرتُه، إلا رأيتُ مَذهبَه الذي ذهب إليه أنجَى في الآخرة، كنتُ ربما ملتُ إلى الحديث، وكان هو أبصر بالحديث الصحيح مني. وقال: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبويَّ، ولقد سمعتُ أبا حنيفة يقول: إني لأدعو لحمَّاد مع أبويَّ. وقال الأعمش يومًا لأبي يوسف (٧): كيف ترك صاحبك أبو حنيفة قول عبد الله: عتق الأمة طلاقها؟ قال: تركه لحديثك الذي حدثتَه عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن بريرةَ حين أعتقتْ خُيرتْ. قال الأعمش: إن أبا حنيفة لفطن. وأعجبه (٨) ما أخذ به أبو حنيفة.

стр. 263

وعن أبي بكر بن عيَّاش (١)، قال: ماتَ عمر بن سعيد أخو سفيان، فأتيناه نعزيه، فإذا المجلس غاص بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس، إذا أقبل أبو حنيفة في جماعة معه، فلما رآه سفيان تحرَّك من مجلسه، ثم قام، فاعتنقَه، وأجلسَه في موضعه، وقعد بين يديه. قال أبو بكر: فاغتظت عليه. وقال ابن إدريس: ألا ترى وَيحك! فجلسنا حتى تفرق الناس، فقلتُ لعبد الله بن إدريس: لا تقمْ حتى نعلم ما عنده في هذا. فقلتُ: يا أبا عبد الله، رأيتُك اليوم فعلتَ شيئًا أنكرتُه، وأنكره أصحابُنا عليك. قال: ما هو؟ قلتُ: جاء أبو حنيفة، فقمتَ إليه، وأجلستَه في مجلسك، وصنعتَ به صنيعًا بليغا، وهذا عند أصحابنا منكر. فقال: وما أنكرت من ذلك! هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقمْ لعلمه قمتُ لسنّه، وإن لم أقمْ لسنّه قمتُ لفقهه، وإن لم أقمْ لفقهه قمتُ لورعه. فأفحمَني فلم يكنْ عندي جواب. وعن محمد بن الفضل الزاهد البلخي (٢)، قال: عدتُ أبا مطيع الحكم بن عبد الله، يقول: ما رأيتُ صاحبَ حديث أفقهَ من سفيان الثوري، وكان أبو حنيفة أفقهَ منه. وعن الحسن بن علي، أنه قال: سمعتُ يزيد بن هارون، وقد سأله إنسان، فقال: يا أبا خالد! من أفقهُ مَنْ رأيتَ؟ قال: أبو حنيفة.

стр. 264

قال الحسن: ولقد قلتُ لأبي عاصم - يعني النبيل - أبو حنيفة أفقه أو سفيان؟ قال: أبو حنيفة أفقه من سفيان. وسُئِلَ يزيدُ بن هارون مرة أخرى، من أفقه أبو حنيفة أو سفيان؟ قال: سفيان أحفظ للحديث، وأبو حنيفة أفقه. وقال أبو عاصم النبيل (١)، وقد سئل أيضًا عنهما: غلام من غلمان أبي حنيفة أفقهُ من سفيان. وقال سجَّادة: دخلتُ على يزيد بن هارون، أنا وأبو مسلم المستملي، وهو نازل بـ "بغداد" على المنصور بن المهدي، فصعدنا إلى غرفة هو فيها، فقال له أبو مسلم: ما تقول يا أبا خالد في أبي حنيفة، والنظر في كتبه؟ قال: انظروا فيها إن كنتم تريدون أن تفقهوا؛ فإني ما رأيتُ أحدًا من الفقهاء يكره النظر في قوله، ولقد احتال الثوري في "كتاب الرهن" حتى نسخه. وروي عن عبد الله بن المبارك (٢)، أنه قال: رأيتُ أعبدَ الناس؟ ورأيتُ أورعَ الناس، ورأيتُ أعلمَ الناس، ورأيتُ أفقهَ الناس، فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي روَّاد، وأما أورع الناس فالفُضَيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسُفْيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة، ما رأيتُ في الفقه مثلَه. وعنه أيضًا (٣)، أنه قال: إن كان الأثر قد عُرف، واحتيج إلى الرأي، فرأي مالك، وسفيان، وأبي حنيفة، وأبو حنيفة أحسنُهم، وأدقُّهم فطنة، وأغوصُهم على الفقه، وهو أفقه الثلاثة. وقال أبو عاصم النبيل، وقد سئل: أيهما أفقه؛ سفيان أو أبو حنيفة؟

стр. 265

فقال: إنما يقاس الشيء إلى شكله، أبو حنيفة فقيه تام الفقه، وسفيان رجل متفقه. وقال ابن المبارك (١): رأيتُ مسعرًا في حلقة أبي حنيفة، جالسًا بين يديه، يسأله ويستفيد منه، وما رأيتُ أحدًا قط في الفقه أحسن من أبي حنيفة. وعن إبراهيم بن هاشم (٢)، عن أبي داود، أنه قال: إذا أردتَ الآثار أو قال: الحديث. وأحسبه قال: والورع، فسُفيان، وإذا أردتَ تلك الدقائق، فأبو حنيفة. وقال محمد بن بشر: كنتُ أختلفُ إلى أبي حنيفة، وإلى سفيان، فآتى أبا حنيفة فيقول لي: من أين جئتَ؟ فأقول: من عند سفيان. فيقول: لقد جئتَ من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله. فآتى سفيان، فيقول لي: من أين جئتَ؟ فأقول من عند أبي حنيفة. فيقول: لقد جئتَ من عند أفقه أهل الأرض. وقال أبو نعيم (٣): كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل. وعن أبي عبد الله الكاتب، قال: سمعتُ عبد الله بن داود الخُرَيبي يقول: يجبُ على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلواتهم. قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه. وقال شدَّاد بن حكيم: ما رأيتُ أعلم من أبي حنيفة. وقال مكّي بن إبراهيم (٤): كان أبو حنيفة أعلمَ أهل زمانه.

стр. 266

وقال النضر بن شميل: كان الناس نيامًا عن الفقه، حتى أيقظَهم أبو حنيفة؛ فيما فَتَّقَه وبيَّنه ولخَّصَه. وحدّث أحمد بن علي بن سعيد القاضي، قال سمعتُ يحيى بن مَعين، يقول: سمعتُ يحيى بن سعيد القطَّان، يقول: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسنَ من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال يحيى بن مَعين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى إلى قول الكوفيين، ويختار من قولهم قوله، ويتبع رأيه من بين أصحابه. وقال الإمام الشافعي (١): الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه. وقال أيضًا: ما رأيتُ أفقه من أبي حنيفة، يعني ما علمت (٢). وقال (٣): كان أبو حنيفة ممن وفّق له الفقه، ومن أرادَ أن يتبحَّر في الشعر فهو عيال على زُهَير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحَّر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحَّر في النحو فهو عيال على الكسائى، ومن أراد أن يتبحَّر في تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان. وعن حرملة (٤)، أنه قال: سمعتُ الشافعي، يقول: الناس عيال على هؤلاء الخمسة. وعن الحسن بن عثمان، أنه كان يقول: وجدتُ العلم بـ "العراق" و"الحجاز" ثلاثة، علم أبي حنيفة، وتفسير الكلبى، ومغازي محمد بن إسحاق.

стр. 267

وعن أحمد بن عطية، قال: سمعتُ يحيى بنَ مَعين، يقول: القراءة عندي قراءة حَمزة، والفقه فقه أبي حنيفة، على هذا أدركتُ الناسَ. " [وعن أبي علي الجبائي المعتزلي المشهور، أنه قال: الحديث لأحمد بن حنبل، والفقه لأصحاب أبي حنيفة، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة"] (١). وقال جعفر بن ربيع (٢): أقمتُ على أبي حنيفة خمسَ سنين، فما رأيتُ أطولَ صمتًا منه. فإذا سُئل عن شيء من الفقه تفتح، وسال كالوادي، وسمعتُ له دويًا، وجهارة بالكلام. وقال إبراهيم بن عكرمة المخزومى (٣): ما رأيتُ أحدًا أورعَ، ولا أفقهَ من أبي حنيفة. وعن علي بن عاصم (٤)، قال: دخلتُ على أبي حنيفة وعنده حجَّام يأخذُ من شعره، فقال للحجَّام: تتبع موضع البياض. فقال الحجَّام: لا، فإنه يكثر. قال: فتتبع مواضع السواد، لعلّه يكثر. وبلغتْ هذه الحكاية شريكًا، فضحكَ، وقال: لو ترك قياسَه لتركه مع الحجَّام. وروى الخطيب في "تاريخه" (٥)، عن محمد بن فضيل الزاهد، قال: سمعتُ أبا مُطيع، يقول: ماتَ رجل وأوصى إلى أبي حنيفة وهو غائب.

стр. 268

قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادّعى الوصية، وأقام البينة، أن فلانًا مات وأوصى إليه. فقال ابن شبرمة: يا أبا حنيفة، أحلف أن شهودك شهدوا بحق. قال: ليس عليَّ يمينٌ. قال: ضلت مقاييسُك (١) يا أبا حنيفة. قال أبو حنيفة: بل ["ضلّت مقاييسُك أنت"] (٢)، ما تقول في أعمى شجّ، فشهد له شاهدان أن فلانًا شجَّه، هل [على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق، وهو لا يرى؟ فانقطع ابن شبرمة] (٣) ". وروى الخطيب أيضًا (٤)، عن النضر بن محمد، قال: دخل قتادة "الكوفة"، ونزل في دار أبي بُردة، فخرج يومًا، وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو، ما يسألني اليوم أحدٌ عن الحلال والحرام إلا أجبتُه. فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطَّاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا، فظنتْ امرأتُه أن زوجَها ماتَ، فتزوجتْ، ثم رجعَ زوجُها الأول، ما تقول في صداقها؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن، وإن قال برأي نفسه ليخطئنَّ. فقال قتادة: وَيلك، أوَقَعَتْ هذه المسئلةُ؟ قال: لا. قال: فلم تسألُني عما لم يقعْ؟ فقال أبو حنيفة: إنا نستعدُ للبَلاء قبلَ نزوله، فإذا وقع عرفنا الدخولَ فيه والخروج منه.

стр. 269

قال قتادة: والله لا أحدّثكم بشيء من الحلال والحرام، سلوني عن التفسير. فقام إليه أبو حنيفة، فقال له: يا أبا الخطَّاب: ما تقول في قول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: نعم، هذا آصف بن برخيا بن شميعا، كاتب سليمان بن داود، وكان يعرف اسم الله الأعظم. فقال أبو حنيفة: وهل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا. قال: فيجوز أن يكون في زمان نبيٍّ من هو أعلم من النبي؟ قال: فقال قتادة: والله لا أحدّثكم بشئ من التفسير، سلوني عما اختلف فيه العلماء. قال: فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطَّاب، أمؤمن أنت؟ قال: أرجو. قال: ولم؟ قال: لقول إبراهيم ﵊ (١): ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. فقال أبو حنيفة: فهلا قلتَ كما قال إبراهيم، ﵊ (٢): ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾. قال: فقام قتادة مُغضبًا، ودخل الدار، وحلف أن لا يحدّثهم. وروى الخطيب أيضًا (٣)، عن الفضل بن غانم، قال: كان أبو يوسف مريضًا شديد المرض، فَعاده أبو حنيفة مرارًا، فصار إليه آخر مرة، فرآه ثقيلًا،

стр. 270

فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتن علمٌ كثير. ثم رزق العافية، وخرج من العلة، فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسُه، وانصرفتْ وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلسًا في الفقه، وقصر عن لزوم مجلس أبى حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه عقد لنفسه مجلسًا، وأنه بلغه كلامك فيه. فدعا رجلا كان له عنده قدر، فقال: صِرْ إلى مجلس يعقوب، فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصَّار ثوبا ليقصره بدرهم (١)، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب. فقال له القصَّار: ما لكَ عندي شئ، أنكره، ثم إن ربّ الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مقصورًا، أله أجره؟. فإن قال: له أجره، فقل: أخطأتَ، وإن قال: لا أجرَ له، فقل: أخطأتَ. فصار إليه، فسأله، فقال أبو يوسف: له الأجرة. فقال: أخطأتَ. فنظر ساعة، ثم قال: لا أجرةَ له. فقال: أخطأتَ. فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة، ققال له، ما جاء بك إلا مسئلة القصَّار. قال: أجلْ. فقال: سبحانَ الله، من قعد يُفتي الناس، وعقد مجلسًا يتكلّم في دين الله، وهذا قدره، لا يُحسن أن يجيب (٢) في (٣) مسئلة من الإجارات! فقال: يا أبا حنيفة! علّمني.

стр. 271

فقال: إن قصره بعدما غصبَه فلا أجرةَ له، لأنه قصر لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه، فله الأجرة، لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظنّ أن يستغني عن التعلّم فليبك على نفسه. وحدّث الحسن بن زياد اللؤلؤي (١)، قال: كانتْ هنا امرأة يقال لها: أم عمران مجنونة، وكانتْ جالسة في الكناسة، فمرَّ بها رجل، فكلَّمها بشيء، فقالتْ له: يا ابن الزانيتين، وابن أبي ليلى حاضر، فسمع ذلك، فقال للرجل: أدخلها علي المسجد. وأقام عليها حدَّين، حدًّا لأبيه، وحدًّا لأمّه. فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ فيها في ستة مواضع؛ أقام الحدَّ في المسجد، ولا تقام الحدود في المساجد، وضربها قائمة، والنساء يُضربن قعودًا، وضرب لأبيه حدًا، ولأمّه حدًا، ولو أن رجلًا قذف جماعة كان عليه حدٌّ واحد، وجمع بين الحدّين، ولا يجمع بين حدّين، حتى يخف (٢) أحدهما، والمجنونة ليس عليها حدّ، وحدّ لأبويه، وهما غائبان، لم يحضرا، فيدعيان. فبلغ ذلك ابنَ أبي ليلى، فدخلَ على الأمير، فشكا إليه أبا حنيفة، فحَجَرَ عليه، وقال: لا يُفتي. فلم يُفت أياما، حتى قدم رسول من ولي العهد، فأمرَ أن يعرض على أبي حنيفة مسائل حتى يُفتي فيها، فأبى أبو حنيفة، وقال: أنا محجورٌ عليَّ. فذهب الرسول إلى الأمير، فقال الأمير: قد أذنت له، فقعدَ، فأفتى. ذكر ما نقل في حق الإمام: قال الخطيب في "تاريخه" (٣): النعمان بن ثابت، أبو حنيفة التيمي، رأى أنس بن مالك، ﵁، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق

стр. 272

السبيعي، ومُحارب بن دِثار، وحمَّاد بن أبي سليمان، والهيثم بن حبيب الصرَّاف، وقيس بن مسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، ويزيد الفقير، وسماك بن حرب، وعلقمة بن مرثد، وعطية العوفي، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم أبا أمية، وغيرهم. وروى عنه أبو يحيى الحمَّاني، وهشيم بن بشير، وعبَّاد بن العوَّام، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، ويزيد بن هارون، وعلي بن عاصم، ويحيى بن نصر بن حاجب، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعمرو بن محمد العنقزي (١)، وهوذة بن خليفة، وأبو عبد الرحمن المقري، وعبد الرزَّاق بن همَّام، في آخرين لا يحصون. وقال في "الجواهر" (٢)، نقلًا عن "كتاب التعليم": إنه روى عن أبي حنيفة، ونقل مذهبه، نحو من أربعة آلاف نفر. وقال أبو إسحاق الشيرازي (٣): كان في زمنه أربعة من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى (٤)، وسهل بن سعد (٥)، وأبو الطفيل (٦)، ولم يأخذ عن أحدٍ منهم. وكان أبو حنيفة ممن تلقّى عنه الحُفَّاظ، وعملوا بقوله في الجرح والتعديل، كتلقيهم عن الإمام أحمد، والبخاري، وابن مَعين، وابن المديني، وغيرهم من شيوخ الفن.

стр. 273

وعن يحيى الحمَّاني، قال: سمعتُ أبا حنيفة، يقول: ما رأيتُ أكذب من جابر الجعفى، ولا أفضل من عطاء بن أبي رَبَاح. وعن عبد الحميد الحمَّاني: سمعتُ أبا سعيد الصنعاني وقام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في الأخذ عن الثوري؟ فقال: أكتبْ عنه، فإنه ثقة، ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحريث، وحديث جابر الجعفى. وقال أبو حنيفة: طلق بن حبيب كان يرى القدر. وقال: زيد بن عيَّاش ضعيف. وعن سفيان بن عُيينة، قال: أول من أقعدَني للحديث أبو حنيفة، قدمتُ "الكوفة"، فقال أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار، فاجتمعوا عليَّ، فحدثتهم. وقال أبو سليمان الجوزجاني: سمعتُ حمَّاد بن زيد، يقول: ما عرفنا كُنية عمرو بن دينار إلا بأبي حنيفة، كنا في المسجد الحرام، وأبو حنيفة مع عمرو بن دينار، فقلنا له: يا أبا حنيفة كلّمه يحدثنا، فقال: يا أبا محمَّد حدّثهم. وقال أبو حنيفة: لعن الله عمرو بن عُبَيد، فإنه فتح للناس بابًا إلى علم الكلام. وقال: قاتل الله جهمَ بنَ صفوان، ومقاتلَ بنَ سليمان، هذا أفرط في النفى، وهذا أفرط في التشبيه. وعن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغى للرجل أن يحدّث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يُحدّث به. قال صاحب "الجواهر" (١): ولكن أكثر الناس على خلاف هذا، ولهذا قلَّتْ روايةُ أبي حنيفة، لهذه العلة، لا لعلةٍ أخرى، زعمها المتحملون عليه.

стр. 274

وسُئل يحيى بن مَعين، عن أبي حنيفة، فقال: هو ثقة، ما سمعتُ أحدًا ضعَّفه، هذا شعبة بن الحجَّاج يكتب إليه أن يحدّث بأمره، وشعبة شعبة!!. وقيل له: يا أبا زكريا، أبو حنيفة كان يصدق في الحديث؟. فقال: نعم، صدوق. وأثنى عليه ابن المديني. وكان شعبة حسن الرأي فيه، وشعبة أول من تكلّم في الرجال. وقال ابن عبد البر (١): الذين رَوَوْا عن أبي حنيفة، ووثَّقوه، وأثنَوْا عليه، أكثر من الذين تكلّموا فيه، والذين تكلّموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس. قال: وكان يُقال: يُستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه، قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب، رضى الله تعالى عنه، أنه هلك فيه فَتَيان؛ مُحبّ أفرط، ومبغض أفرط. وقد جاء الحديث: " [أنه يهلك فيه رجلان] (٢): محبّ مفطر، ومبغض مُفتر". قال: وهذه صفة أهل النباهة، ومن بلغ في الفضل والدين والغاية.

стр. 275

الفصل الثالث في عبادته، وورعه، وثناء الناس عليه بذلك عن يحيى بن مَعين (١)، أنه قال: سمعتُ يحيى القطَّان، يقول: جالسنا والله أبا حنيفة، وسمعنا منه، وكنتُ والله إذا نظرتُ إليه عرفتُ في وجهه أنه يتقي الله . وعن الحسن بن محمد الليثي (٢) أنه كان يقول: قدِمتُ "الكوفة"، فسألتُ عن أعبد أهلها، فدفعتُ إلى أبي حنيفة، ثم قدمتُها وأنا شيخ، فسألتُ عن أفقه أهلها، فدفعتُ إلى أبي حنيفة. وعن سُوَيد بن سعيد، قال: سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينة، يقول: ما قدم رجل "مكة" في وقتنا أكثر صلاة من أبي حنيفة. وقال أبو مطيع: كنتُ بـ "مكة"، فما دخلتُ الطواف في ساعة من ساعات الليل إلا رأيتُ أبا حنيفة وسفيان في الطواف. وقال يحيى بن أيوب الزاهد: كان أبو حنيفة لا ينامُ الليلَ. وقال أبو عاصم النبيل (٣): كان أبو حنيفة يُسمّى الوتد؛ لكثرة صلاته. وعن أسد بن عمرو (٤)، قال: صلى أبو حنيفة - فيما حُفظ عليه - صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، فكان عامة الليل يقرأ القرآن جميعه في ركعة واحدة، وكان يسمع بكاؤه بالليل، حتى يرحمه جيرانُه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعةَ آلاف مرة.

стр. 276

وعن إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة (١)، عن أبيه قال لما ماتَ أبي سألنا الحسن بن عُمارة أن يتولى غسله، ففعلَ، فلمَّا غسلَه، قال: رحمك الله، وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسَّدْ يمينُك بالليل أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القرَّاء. وعن أبي يوسف (٢)، قال: بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمع رجلا يقول لرجل: هذا أبو حنيفة، لا ينام الليل. فقال أبو حنيفة: والله، لا يتحدّث عني بما لا أفعل. فكان يُحيي الليلَ صلاةً، ودعاءً، وتضرعًا. وعن ابن أبي معاذ (٣)، عن مسعر بن كدام، قال: أتيتُ أبا حنيفة في مسجده، فرأيتُه يُصلي الغداةَ، ثم يجلس للناس في العلم، إلى أن يُصلي الظهرَ، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلى العصرَ جلسَ إلى المغرب، فإذا صلى المغربَ جلسَ إلى أن يصلي العشاءَ، فقلتُ في نفسي: هذا الرجل في هذا الشغل، متى يتفرغ للعبادة؟، لأتعاهدنَّه الليلةَ. قال: فتعاهدتُه، فلمَّا هدأ الناس، خرج من المسجد، فانتصبَ للصلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل منزلَه، ولبس ثيابَه، وخرج إلى المسجد، صلى الغداةَ، فجلس الناس إلى الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء. فقلتُ في نفسي: إن الرجل قد تنشط الليلةَ الماضيةَ للعبادة، لأتعاهدنَّه الليلةَ، فتعاهدتُه، فلما هدأ الناس خرج، فانتصبَ للصلاة، ففعل كفعله في الليلة الأولى، فلما أصبحَ خرجَ إلى الصلاة، وفعل كفعله في يوميه، حتى إذا صلى العشاءَ، قلتُ في نفسي: إن الرجلَ لينشط الليلةَ والليلةَ، لأتعاهدنَّه،

стр. 277

ففعل كفعله في ليلته، فلما أصبح جلس كذلك، فقلتُ في نفسي: لألزمنَّه إلى أن أموت أو يموت. قال: فلازمتُه في مسجده. قال ابن أبي معاذ: فبلغني أن مسعرًا ماتَ في مسجد أبي حنيفة في سجوده، رحمه الله تعالى. وكان خارجة بن مصعب، يقول: ختم القرآن في الكعبة أربعة من الأئمة: عثمان بن عفَّان، وتميم الداري، وسعيد بن جُبَير، وأبو حنيفة، رضي الله تعالى عنهم. وكان أبو حنيفة ربما ختم القرآنَ في شهر رمضان ستين ختمة (١). وحدّث أحمد بن يونس، قال: سمعتُ زائدةَ، يقول: صليتُ مع أبي حنيفة في مسجده عشاءَ الآخرة، وخرج الناس، ولم يعلم أني في المسجد، وأردتُ أن أسألَه عن مسئلة، من حيث لا يراني أحد، قال: فقام، فقرأ، وقد افتتح الصلاة، حتى إذا بلغ إلى هذه الآية (٢): ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾، فأقمتُ في المسجد أنتظر فراغَه، فلم يزلْ يرددُها حتى أذن الموذن لصلاة الفجر. وروى عن يزيد بن الكميت (٣)، وكان من خيار الناس، أنه كان يقول: كان أبو حنيفة شديدَ الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا عليُّ بن الحسين المؤذّن ليلةً في العشاء الآخرة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة، وخرج الناس، نظرتُ إلى أبي حنيفة وهو جالس يُفكر، ويتنفّس، فقلتُ: أقوم، لا يشتغل قلبه.

стр. 278

فلما خرجتُ تركتُ القنديل، ولم يكن إلا زيت قليل، فجئتُ وقد طلع الفجر، وهو قائم، قد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: "يا من يجزي بمثقال ذرة خيرًا خيرًا، ويا من يجزي بمثقال ذرة شرًا شرًا، أجر النعمان عبدَك من النار، وما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك". قال: فأذنت، فإذا القنديل يزهو وهو قائم، فلما دخلتُ، قال لي: تريد أن تأخذ القنديل؟ قال: قلتُ: قد أذنت لصلاة الغداة. قال: اكتمْ على ما رأيتَ. وركع ركعتي الفجر، وجلسَ حتى أقمتُ الصلاة، وصلَّى معنا الغداةَ على وضوء أول الليل. انتهى. وقام (١) رضى الله تعالى عنه ليلة بهذه الآية (٢): ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ يردّدها، ويبكي، ويتضرّع. وكان رحمه الله تعالى - كما قال ابن المبارك - أورع أهل "الكوفة". وروي (٣) أنه كان شريكًا لحفص بن عبد الرحمن، وكان أبو حنيفة يُجهز إليه الأمتعة، وهو يبيع، فبعث إليه في رقعة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيبًا، فإذا بعته، فبين. فباع حفص المتاع، ونسي أن يبين، ولم يعلمْ ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله. وروي أيضًا (٤)، عن أبي عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه، قال: ما رأيتُ أحسنَ أمانة من أبي حنيفة، ماتَ يوم مات، وعنده ودائع بخمسين ألفًا، ما ضاع منها ولا درهم واحد.

стр. 279

ونقل أن أبا جعفر المنصور أجازه بثلاثين ألف درهم في دفعات، فقال: يا أمير المؤمنين، إني بـ "بغداد" غريب، وعندي للناس ودائع، وليس لها عندي موضع، فاجعلْها في بيت المال. فأجابه المنصور إلى ذلك، فدفع إليه الثلاثين ألفًا، ووضعها في بيت المال، فلما مات أبو حنيفة أخرجتْ ودائعُ الناس من بيته. فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة. وكان (١) رحمه الله تعالى، قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله في عرض كلامه إلا تصدق بدرهم، فحلف فتصدَّق به، ثم جعل على نفسه إن حلف أن يتصدَّق بدينار، فكان إذا حلف صادقًا في عرض كلامه تصدَّق بدينار. وكان إذا أنفقَ على عياله نفقة تصدَّق بمثلها، وإذا اكتسَى ثوبًا جديدًا أكسَى بقدر ثمنه الشيوخ العلماء. وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذَ منه، فوضعَه على الخبز، حتى يأخذ منه بقدر ضعف ما كان يأكل، ثم يعطيه لإنسان فقير، فإن كان في الدار من عياله إنسان يحتاج إليه، دفعه إليه، وإلا أعطاه مسكينًا. وقال وكيع (٢): كان والله، أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلًا كبيرًا عظيمًا، وكان يوثر رضاء ربه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل، رحمه الله تعالى، ورضى عنه رضى الأبرار، فلقد كان منهم. وقال ابن المبارك (٣): ما رأيتُ أحدًا أورعَ من أبي حنيفة، وقد (٤) جرب بالسياط والأموال.

стр. 280

بيان ما روى وصح عن أبي حنيفة من إرادتهم إياه على القضاء: وامتناعه من قبوله، وضربهم إياه بالسياط على ذلك: روى الخطيب (١) بسنده، أن ابن هُبَيرة (٢) كلم أبا حنيفة أن يلي قضاء "الكوفة"، فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله، وكان ابن هُبَيرة إذ ذاك عامل مروان على "العراق"، في زمان بني أمية. وروى الخطيب أيضًا (٣)، أنه كان يخرجه كل يوم، أو بين الأيام، فيضرب، ليدخل في القضاء، فيأبى. ولقد بكى في بعض الأيام، فلما أطلق، قال: كان غم والدتي أشدّ عليَّ من الضرب. وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر له ذلك بكى، وترحم عليه، خصوصًا بعد أن ضرب هو أيضًا. وروى عن إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، أنه قال: مررتُ مع أبي بالكناسة (٤)، فبكى، فقلتُ: ما يبكيك يا أبت؟ قال: يا بنى، في هذا الموضع ضَرَبَ ابنُ هُبيرة أبي عشرة أيام، في كل يوم عشرة أسواط، على أن يلي القضاءَ، فلم يفعلْ. وروى الخطيب (٥) بسنده، عن بشر بن الوليد الكندي، قال: أشخص أبو جعفر المنصور أبا حنيفة من "الكوفة"، فأراده على أن يولّيه القضاءَ،

стр. 281

فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل (١)، فحلف المنصور ليفعلن، فحلفَ أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف. فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفَّارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني. فأبى أن يلي، فأمرَ به إلى الحبس في الوقت. وروي (٢) أن أبا جعفر المنصور بعد أن حبسَه دعاه يومًا، وقال له: أترغبُ عن ما نحن فيه؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء. فقال له: كذبتَ. ثم عرض عليه الثانيةَ، فقال أبو حنيفة: قد حكم عليَّ أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء، لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنتُ كاذبًا فلا أصلحُ، وإن كنتُ صادقًا فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح. فلم يقبلْ منه، وردَّه إلى الحبس، فأقامَ به إلى أن ماتَ فيه، على الصحيح من الروايات. وحدّث عباس الدوري (٣)، قال: حدّثونا عن المنصور، أنه لما بنى مدينته، ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي، وبنى مسجد الرصافة، أرسلَ إلى أبي حنيفة، فجيء به، فعرض عليه قضاءَ الرصافة، فأبى، فقالَ: إن لم تفعلْ ضربتُك بالسياط. قال: أوَ تفعل؟! قال: نعم.

стр. 282

فقَعَدَ في القضاء يومين، فلم يأته أحد، فلمَّا كان في الثالث أتاه رجل صفَّار، ومعه آخر، فقال الصفَّار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق، ثمن تور (١) صفر. فقال أبو حنيفة: اتق الله، وانظرْ فيما يقول الصفَّار. قال: ليس على شئ، فقال أبو حنيفة للصفَّار: ما تقول؟ قال: استحلفْه. فقال أبو حنيفة للرجل: قُل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلمَّا رآه أبو حنيفة عازمًا على أن يحلف، قطع عليه، وضرب بيده إلى كمِّه، فحلَّ صرّة، وأخرج درهمين ثقيلين، فقال للصفَّار: هذان عوض من باقي تورك. فنظر الصفَّار إليهما، وقال: نعم، فأخذ الدرهمين. فلما كان بعد يومين، اشتكى أبو حنيفة، فمرض ستة أيام، ثم مات، رحمه الله تعالى، ورضى عنه. قال عبَّاس: وهذا قبره في مقابر "الخيزران" إذا دخلت من باب القطانين يسرة، بعد قبرين أو ثلاثة. وقيل (٢): إن المنصور أقدمه "بغداد" لأمرٍ آخر غير القضاء. وقيل (٣): إنه أقام بعد قدومه إلى "بغداد" خمسة عشر يومًا، ثم سقاه المنصور، فمات، رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه، وذلك في سنة خمسين ومائة، وله من العمر سبعون سنة.

стр. 283

جود أبي حنيفة، وسماحه، وحُسن عهده: عن قيس بن الربيع (١)، قال: كان أبو حنيفة رجلًا ورعًا فقيهًا محسودًا، وكان كثير الصلة والبر لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه. وقال أيضًا: كان أبو حنيفة من عقلاء الرجال، وكان يبعث بالبضائع إلى "بغداد"، يشتري (٢) بها الأمتعة، ويحملها إلى "الكوفة"، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائجَ الأشياخ المحدثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله؟ فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي، فما في رزق الله حول لغيره. وحدث حجر بن عبد الجبَّار، قال: ما أرى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا أكثر إكرامًا لأصحابه. وقال حفص بن حمزة القرشي: كان أبو حنيفة ربما مرَّ به الرجل، فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده. وكان أكرم الناس مجالسة. وروي (٣) أنه رأى على بعض جُلسائه ثيابًا رثة، فأمره، فجلس، حتى تفرق الناس، وبقي وحده، فقال له: ارفع المصلى، وخذْ ما تحته. فرفع الرجل المصلى، وكان تحته ألف درهم، فقال له: خذْ هذه الدراهم فغير بها من حالك.

стр. 284

فقال الرجل إني موسر، وأنا في نعمة، ولستُ أحتاج إليها. فقال له: أما بلغك الحديث: "إن الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده"، فينبغي لك أن تغير حالك، حتى لا يغتم صديقك. وروي (١) أن امرأة جاءتْ إلى أبي حنيفة تطلب منه ثوب خز، فأخرج لها ثوبًا، فقالت له: إني امرأة ضعيفة، وإنها أمانة، فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك. فقال: خُذيه بأربعة دراهم. فقالتْ: لا تسخر بي، وأنا امرأة عجوز كبيرة. فقال: إني اشتريتُ ثوبين، فبعتُ أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقى هذا يقوم عليَّ بأربعة دراهم. وجاء إليه يوما رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز. فقال: ما لونه؟ قال: كذا، وكذا. فقال له: اصبرْ حتى يقع، وآخذه لك، إن شاءَ الله تعالى. فما دارت الجمعة حتى وقع، فمرَّ به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتُك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبَه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن؟ قال: درهمًا. فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنّك تهزأ. قال: ما هزأتُ، إني اشتريتُ ثوبين بعشرين دينارًا ودرهم، وإني بعتُ أحدهما بعشرين دينارًا، وبقى هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق. ومن المشهور عن مروءته، ووفائه ورعايته حق الجوار، ما روي أنه كان له جار بـ "الكوفة" إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنَّه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل معه لحمًا، فطبخه أو سمكة، فشواها، ثم لا يزال يشرب، حتى

стр. 285

إذا دب الشراب فيه غنى بصوت، وهو يقول (١): أضاعوني وأي فتًى أضاعُوا … ليَوم كريهةٍ وسدَادِ ثَغْرِ. فلا يزال يشرب، ويردّد هذا البيت، حتى يأخذه النوم. وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس. فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وكب بغلة، واستأذن على الأمير، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط. ففعل، فلم يزل الأمير يوسع في مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليال، ويأمر الأمير بتخليته. فقال: نعم، كل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين. فركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشى وراءه، فلمَّا نزل أبو حنيفة مضى إليه، فقال: يا فتى، هل أضعناك؟ فقال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار، ورعايته (٢). وتاب الرجل، ولم يعدْ إلى ما كان عليه، ببركة الإمام، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مُتقلبه ومثواه، ونفعنا ببركاته، وبركات علومه في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →