١٤٣٩ - الشيخ الفاضل العلامة أبو الحسن بن جناب علي الجَسَري *.
ولد في قرية "بناني فور"، من مضافات "هَرِيْنَه كُنْدُو" من أكناف "جَسَر" ١٣٣٦ هـ.
قرأ العلوم العصرية إلى الصفّ العاشر، ثم ارتحل إلى "ادهلي"، والتحق بمدرسة فتح فوري، وقرأ فيها ستّ سنين، ثم التحق بدار العلوم ديوبند، أقام فيها عدّة سنين، وأتمّ الدراسة العليا فيها، ومن أساتذته: شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، والعلامة إبراهيم البلياوي، والعلامة إعزاز علي الأمروهوي، والمفتي الأعظم شفيع، رحمه الله تعالى.
وبايع في الطريقة على يد شيخ الإسلام المدني، وبعد تمام الدارسة عيّن مدرّسا بمدرسة خادم الإسلام "غَوْهَرْ دَانْغَا". وكان يدرّس المجلّد الثاني من "صحيح البخاري"، ثم بعد مدّة كان يدرّس المجلّد الأول، وذلك إلى سنة ١٣٧٨ هـ.
ثم جاء إلى المدرسة الإعزازية بمدينة "جَسَر"، وبنيتْ هذه المدرسة سنة ١٣٧٠ هـ، وبناها الشيخ المولى فاروق، رحمه الله تعالى، وهو ابن باني دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري العلامة حبيب الله، رحمه الله تعالى.
وبعد تقسيم "الهند" قد تعذّرت المراسلةُ مع شيخه وأستاذه شيخ الإسلام المدني، فبايع مرّة ثانية على يد المفتي عزيز الحق الفَتْيُوي، وأجازه شيخه الثاني للإرشاد والتلقين.
وله ابنان، وابنه الصغير قد استشهد في جهاد "أفغانستان" سنة ١٤٠٩ هـ.
стр. 2172
توفي بعد صلاة الفجر يوم الخميس ١٤١٣ هـ.
* * *
١٤٤٠ - الشيخ الفاضل الحسن بن الشيخ العلامة الفقيه البارع حسن بن عمّار بن علي أبو الإخلاص المصري الشرنبلالي، الفقيه، الوفائي *.
في "خلاصة الأثر": كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، ومن سار ذكرُه، فانتشر أمرُه، وهو أحسن المتأخّرين ملكة في الفقه، وأعرفهم بنصوصه وقواعده، وأنداهم قلما في التحرير والتصنيف، وكان المعوّل عليه في الفتاوى في عصره.
стр. 2173
قرأ في صباه علي الشيخ محمد الحموي، والشيخ عبد الرحمن المسيري، وتفقّه على الإمام عبد الله النحريري، والعلامة محمد المحبي.
وسنده في الفقه عن هذين، وعن الشيخ الإمام علي بن غانم المقدسي مشهور مستفيض، ودرس بجامع الأزهر، وتعين بـ "القاهرة"، وتقدّم عنده أرباب الدولة، واشتغل عليه خلق كثير، انتفعوا به، منهم: العلامة أحمد العجمي، والسيّد السند أحمد الحموي، والشيخ الشاهين الأمناوي، وغيرهم، من المصرين، والعلامة إسماعيل النابلسي من الشاميين، واجتمع به والدي المرحوم في منصرفه إلى "مصر"، وذكر في "رحلته"، فقال في حقّه: والشيخ العمدة الحسن الشرنبلالي مصباح الأزهر، وكوكبه المنير المتلالي، لو رآه صاحب "السراج الوهّاج" لاقتبس من نوره، أو صاحب "الظهيرة" لاختفى عند ظهوره، أو ابن الحسن لأحسَن الثناء عليه، أو أبو يوسف لأجَّله، ولم يأسف على غيره، ولم يلتفت إليه، عمدة أرباب الخلاف، وعدة أصحاب الاختلاف، صاحب التحريرات والرَّسائل، التي فاقت أنفع الوَسَائل، مبدئ الفضائل بإيضاح تقريره، ومحي ذوي الأفهام بدرر غرر تحريره، نقَّال المسائل الدينية، وموضح المعضلات اليقينية، صاحب خلق حسن، وفصاحة ولسن، وكان أحسن فقهاء زمانه.
وصنّف كتبا كثيرة في المذهب، وأجلّها حاشيته على "كتاب الدرر والغرر" لملاخسرو، واشتهر في حياته، وانتفع الناس بها، وهي أكبر دليل على ملكته الراسخة وتبحّره، وشرح "منظومة ابن وهبان" في مجلّدين، وله متن في الفقه، ورسائل وتحريرات وافرة متداولة، وكان له في علم القوم باعٌ طويلٌ، وكان معتقدا للصالحين والمجاذيب، وله معهم إشارات ووقائع أحوال.
منها: أن بعضهم قال له: يا حسن من هذا اليوم لا تشتر لك ولا لأهلك وأولادك كسوة، فكانت تأتيه الكسوة الفاخرة، ولم يشتر بعدها شيئا من ذلك، وقدم المسجد الأقصى في سنة خمس وثلاثين وألف صحبة
стр. 2174
الأستاذ أبي الإسعاد يوسف بن وفا، وكان خصيصا به في حياته، وكانت وفاته يوم الجمعة بعد صلاة العصر حادى عشر شهر رمضان سنة تسع وستين وألف عن نحو خمس وسبعين سنة، ودفن بتربة المجاورين.
والشرنبلالي بضمّ الشين المثلّثة مع الراء، وسكون النون، وضمّ الباء الموحّدة، ثم لام ألف بعدها، نسبة بـ "شبرابلوله"، وهذه النسبة على غير قياسٍ، والأصل "شبرابلولي" نسبة لبلدة تجاه "منوف" العليا بإقليم "المنوفية" لـ "سواد مصر".
جاء به والده منها إلى "مصر"، وسنّه يقرب من ستّ سنين، فحفظ القرآن، وأخذ في الاشتغال، رحمه الله تعالى.
قلت: ومن مؤلّفات الشرنبلالي: متن في الفقه، مسمّى بـ "نور الإيضاح"، صنّفه إلى باب الاعتكاف، ثم شرّحه بشرحين كبير وصغير، قال هو في آخره: شرحه المختصر المسمّى بـ "مراقي الفلاح"، كان ابتداء هذا المختصر من الشرح في أواخر جمادى الأخرى، واختتامه بأوائل رجب سنة ١٠٥٤ هـ، وكان ابتداء الشرح الأصلي المسمّى بـ "إمداد الفتّاح" في منتصف ربيع الأول سنة ١٠٤٥ هـ، وختم جمعه في المسودة بختام شهر رجب في العام المذكور، وكان الفراغ من تبييضه منتصف ربيع الأول سنة ١٠٤٦ هـ، وكان انتهاء تأليف المتن يوم الجمعة رابع عشرين من جمادى الأولى سنة ١٠٣٢ هـ، ثم إني أردت إتمام العبادات الخمس بإلحاق الزكاة والحجّ جمعته مختصرا، فقلت: كتاب الزكاة إلخ. ومن رسائله: "إسعاد آل عثمان المكرّم ببناء بيت الله المحرّم"، ذكر فيها ما تعمر به الكعبة، ألّفها سنة تسع وثلاثين وألف، لما وصل خبر سقوط بعض جدران الكعبة بالسيل العظيم في عهد السلطان مراد.
ومنها: "إكرام أولى الألباب شريف الخطاب"، ذكره فيه أقسام الوحي والكلام الإلهي كيفيته.
стр. 2175
ومنها: "الزهر النضير على الحوض المستدير"، ألفها في شوّال ١٠٥٧ هـ.
ومنها: "الأحكام الملخَّصة في حكم ماء الحمصة" في بحث نواقض الوضوء، ألّفها في ذي القعدة سنة ١٠٥٩ هـ.
ومنها: "العقد الفريد لبيان الراجح من الخلاف في جواز التقليد".
ومنها: "منظومة" في ذكر شرائط الصلاة وواجباتها وسننها، سماها "در الكنوز".
ومنها: "شرحه"، ومنها: "المسائل البهية الزاكية على اثني عشرية"، ألفها سنة ١٠٦٠ هـ.
ومنها: "جداول الزلال الجارية لترتيب الفوائت بكل احتمال"، ألفها سنة ١٠٥٠ هـ.
ومنها: "النظم المستطاب لحكم القراءة في صلاة الجنازة بأم الكتاب"، ألفها سنة ١٠٦٥ هـ.
ومنها: "إتحاف الأريب بجواز استنابة الخطيب"، ألفها سنة ١٠٤٦ هـ.
ومنها: "تحفة أعيان الفتى بصحة الجمعة في الفنا"، ألفها سنة ١٠٦٧ هـ.
ومنها: "النفحة القدسية في حكم قراءة القرآن وكتابته بالفارسية".
ومنها: "تحفة التحرير وإسعاف الناذر الغني والفقير بالتخيير على الصحيح والتحرير".
ومنها: "بلوغ الأرب لذوي القرب".
ومنها: "بديعة الهدى لما استيسر من الهدى"، ألفها سنة ١٠٦٧ هـ.
ومنها: "تجدد المسرات بالقسم بين الزوجات".
стр. 2176
ومنها: "إرشاد الأعلام لرتبة الجدة ذوي الأرحام في تزويج الأيتام" ألفها سنة ١٠٦٠ هـ.
ومنها: "كشف المعضل فيمن عضل".
ومنها: "الدرة الفريدة بين الأعلام لتحقيق ميراث من علّق طلاقها قبل الموت بشهر وأيام"، ألفها سنة ١٠٦٤ هـ.
ومنها: "كشف القناع الرفيع عن مسألة التبرّع بما يستحقّ الرضيع".
ومنها: "إيقاظ الغرض الأهمّ في العتق المبهم".
ومنها: "أحسن الأقوال في التخلّص عن محظور الفعال".
ومنها: "إنفاذ الأوامر الإلهية بنصرة العساكر العثمانية"، ألفها سنة ١٠٤١ هـ. ومنها: "الدرة اليتيمة في الغنيمة"، ألفها سنة ١٠٦٤ هـ.
ومنها: "قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية"، ألفها سنة ١٠٦٨ هـ.
ومنها: "الأثر المحمودية القهر ذوى العهود"، ألفها سنة ١٠٦٣ هـ.
ومنها: "سعادة الماجد بعمارة المساجد".
ومنها: "نهاية الفريقين في اشتراط الملك لآخر الشرطين".
ومنها: "تحقيق الأعلام الواقفين على مفاد عبارات الواقفين".
ومنها: "رغبة طالب العلوم إذا غاب عن درسه في أخذه المعلوم".
ومنها: "حسام الحكّام المحقين لصد المعتدين عن أوقاف المسلمين"، ألفها سنة ١٠٥٠ هـ.
ومنها: "تحقيق السودد في استحقاق سكنى الولد".
ومنها: "فتح باري الألطاف بجدول مستحقّي الأوقاف"، ألفها سنة ١٠٥٩ هـ.
ومنها: "الابتسام بأحكام الأفحام"، ألفها سنة ١٠٦٠ هـ.
ومنها: "البديعة المهمّة في نقض القسمة".
стр. 2177
ومنها: "نفيس المتبحر بشراء الدرر"، ألفها سنة ١٤٥٨ هـ.
ومنها: "بسط المقالة في تاجيل الكفالة"، ألّفها سنة ١٠٢٦ هـ.
ومنها: "النعمة المجدّدة بكفيل الوالدة"، ألفها سنة ١٠٥٥ هـ.
ومنها: "الاستفادة من كتاب الشهادة"، ألفها سنة ١٠٥٧ هـ.
ومنها: "الدرر الثمين في اليمين".
ومنها: "تنقيح الأحكام في الإبراء الخاص والعام"، ألفها سنة ١٠٤٢ هـ.
ومنها: "إيضاح الحنفيات لتعارض بينة النفي والأثبات"، ألفها سنة ١٠٥٠ هـ.
ومنها: "واضح الحجّة للعدول عن خلل الحجّة"، ألفها سنة ١٠٥٢ هـ.
ومنها: "تذكرة البلغاء النظار بوجوه رد حجة الولاة النظار".
ومنها: "منة الجليل في قبول قول الوكيل".
ومنها: "الحكم المسند بترجيح بينة ذي اليد".
ومنها: "تيسير العليم بجواب التحكيم".
ومنها: "الدرة الثمينة في حمل السفينة".
ومنها: "مفيدة الحسنى لظنّ الخلوّ بالسكنى".
ومنها: "حفظ الأصغرين عن اعتقاد من زعم أن الحرام لا يتعدّى لذمتين"، ألفها سنة ١٠٤٩ هـ.
ومنها: "سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام"، ألفها سنة ١٠٤٩ هـ.
ومنها: "تحفة الأكمل في جواز لبس الأحمر" ألفها سنة ١٠٦٥ هـ.
ومنها: "غاية المطلب في الرهن إذا ذهب".
стр. 2178
ومنها: "نظر الحاذق النحرير في الرجوع على المستعير"، ألفها سنة ١٠٥٠ هـ.
ومنها: "إتحاف ذوي الإتقان بحكم الرهان".
ومنها: "الإقناع في حكم أختلاف الراهن والمرتهن في الرد من غير ضياع"، ألفها سنة ١٠٦٧ هـ.
ومنها: "رقم البيان في دية المفصل والبنان"، ألفها سنة ١٠١٩ هـ.
ومنها: "النصّ المقبول في بحث القسامة".
ومنها: "الفوز بالمآل بالوصية بجميع المال".
ومنها: "نتيجة المفاوضة في الشرط المعاوضة".
ومنها: "نزهة ذوي النظر لمحاسن الطلاء والثمر".
* * *
١٤٤١ - الشيخ الفاضل الحْسن بن الخطير بن أبي الحسن علي الفارسي ظهير الدِّين أَبُو علي النعماني *.
(بِفَتْح النُّون بَلْدَة بَين بَغْدَاد وواسط)
الْفَقِيه.
توفي سنة ٥٩٨ هـ ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة.
صنف "اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الأمصار"، و"تَفْسِير الْقُرْآن"، و "تَلْخِيص الإفصاح عَين شرح مَعَاني الصِّحَاح" فِي الحَدِيث، و"تَنْبِيه البارعين على المنحوت من كَلَام الْعَرَب"، و"الحجَّة شرح الْجَامِع
стр. 2179
بَين الصَّحِيحَيْنِ" للحميدي، اخْتَصَرهُ من "مُخْتَصر الإفصاح فِي تَفْسِير الصِّحَاح" للوزير ابْن هُبَيْرَة، وَغير ذَلِك.
* * *
١٤٤٢ - الشيخ الفاضل الحسن بن حرب من أصحاب محمد بن الحسن، وممن تفقّه عليه *.
قال الطحاوي: سمعت ابن أبي عمران يقول: كان حرب أبو الحسن بن حرب يجيء بابنه الحسن، فيجلسه في مجلس محمد بن الحسن، فقلت لحرب: لم تفعل هذا وأنت نصراني، وهو على غير دينك؟ قال: أعلم ابني العقل.
ثم أسلم، ولزم الحسن بن حرب محمد بن الحسن، وكان من جملة أصحاب محمد، وهم بالرقّة آل الحسن بن حرب.
كذا في "الجواهر".
* * *
١٤٤٣ - الشيخ الفاضل حسن بن حسن صدقي * *.
متفقه، حنفي، رومي.
كان قاضي لواء الحديدة بـ "اليمن" ونائبها.
стр. 2180
وصنّف "وظائف القضاة وترجيح البينات" في "بومباي" سنة ١٢٩١ م.
توفي بعد ١٢٩١ هـ. (١)
* * *
١٤٤٤ - الشيخ الفاضل الحسن بن حسين بن أحمد بن أحمد بن محمد بن علي بن عبد الله بن
علي البدراني المعروف كسلفه بابن الطولوني *.
ولد سنة ستّ وثلاثين وثمانمائة بـ "القاهرة"، ولازم الأمين الأقصرائي، والعلامة قاسم بن قطلوبغا، وأخذ عنهما، وعن غيرهما.
وفيه خير، وأدب وتواضع، وتودّد للطلبة، وإحسان للفقراء، واعتناء بالتاريخ.
وقيل: إنه شرح "مقدمة أبي الليث"، و"الجَرُّوْمِية"، وكان نعم الرجل، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 2181
١٤٤٥ - الشيخ الفاضل حسن بن حسين بن أحمد، بدر الدين المعروف بابن الطولوني *.
مؤرّخ، نحوي فقيه من الحنفية.
من أهل "القاهرة".
غنى بالإنغام في القراءات والأذان وغيرهما.
وصنّف من أثاره "النزهة السنية في أخبار الخلفاء والملوك المصرية" مختصر، و "شرح المقدمة شرح الآجرومية في النحو وشرح مقدمة أبي الليث السمرقندي الحنفي في الصلاة.
السمرقندية"، و"نزهة النفوس والخواطر فيما كتب للمحبين غائب وحاضر"، في طوبقبو (١).
ولد سنة ٨٣٦ هـ، وتوفي سنة ٩٠٩ هـ.
* * *
١٤٤٦ - الشيخ الفاضل الحسن بن الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة * *.
стр. 2182
روى عن أبيه، وتفقّه به.
وسيأتي ذكر كلّ من أبيه وجدّه في بابه، إن شاء الله تعالى.
* * *
١٤٤٧ - الشيخ الفاضل الحسن بن الحسين بن أبي الحسن أبو محمد الأندقي *.
سبط الإمام عبد الكريم الأندقي، فإنه كان جدّه لأمّه، وكان عبد الكريم من أصحاب الإمام عبد العزيز الحلواني، بل من كبارهم.
قال السمعاني في حقّ صاحب الترجمة: يقال: هو من بيت العلم، والزهد، والورع، شيخ الوقت، وصاحب الطريقة الحسنة، من كبار مشايخ ما وراء النهر.
مات في السادس والعشرين من رمضان، سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
١٤٤٨ - الشيخ الفاضل الحسن بن حماد الحضرمي المعروف بسجّادة، من أصحاب محمد بن الحسن * *.
стр. 2183
سمع أبا بكر بن عيّاش، وعبد الرحمن بن سليمان، وأبا معاوية، وغيرهم، وروى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا، وغيره.
قال الخطيب: وكان ثقة، سأله رجل عن من حلف بالطلاق أن لا يكلّم كافرًا، فكلّم من يقول: القرآن مخلوق. فقال: طلّقت امرأته.
وسئل أيضًا عن من حلف بالطلاق لا يكلّم زنديقًا، فكلّم رجلا يقول: القرآن مخلوق. فقال: طلّقت امرأته. فحكى ذلك لأحمد بن حنبل، فقال: ما أبعد.
وسئل عنه أحمد، فقال: صاحب سنة، وما بلغني عنه إلا خير.
وكانت وفاته بـ"بغداد" سنة إحدى وأربعين ومائتين.
ونقل عنه في "الجواهر" أنه قال: سمعت محمد بن الحسن، يقول في رجل نبش بعد ما دفن، قال: أقول لابنه، اتّق الله، ووار أباك، ولا أجبره على ذلك.
* * *
١٤٤٩ - الشيخ الفاضل الحسن بن خاص بيك، العلامة بدر الدين *.
стр. 2184
ذكره في "المنهل" فقال: كان جنديًا بارعًا، عالمًا، مفنّنًا؛ في الفقه، والأصول، وله مشاركة في عدّة علوم، وتصدّر للإفتاء والتدريس عدّة سنين، وانتفعت به الطلبة، مع وجاهته عند الأكابر من الأمراء، وغيرهم، بحيث لا تردّ رسالته.
قال المقريزي، بعد ثنائه عليه: سمعنا بقراءته بـ "مكة"، في سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، "الصحيحين".
ومات سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، عن نحو ستين سنة.
قال السخاوى: وسماه شيخنا في "الإنباء": محمد. والله أعلم.
* * *
١٤٥٠ - الشيخ الفاضل الحسن بن الخطير بن أبي الحسين النعماني *.
نسبة إلى "النعمانية"، قرية بين "بغداد" و"واسط"، وإلى جدّه النعمان بن المنذر.
الإمام أبو علي الظهير، ويقال له: الفارسي؛ لأنه تفقّه بـ"شيرازا".
قال ياقوت: كان مبرّزًا في اللغة والنحو، والعروض والقوافي، والشعر، والأخبار، عالمًا بتفسير القرآن، والخلاف، والكلام، والحساب،
стр. 2185
والمنطق، والهيئة، والطبّ، قارئًا بالعشر والشواذّ، حنفيًا، عالمًا باللغة العبرانية، ويناظر أهلها، يحفظ في كلّ فنّ كتابًا.
دخل "الشام"، وأقام بـ "القدس" مدّة، فاجتاز به العزيز بن الصلاح بن أيوب، فرآه عند الصخرة يدرّس، فسأل عنه، فعرف منزلته في العلم، فأحضره ورغبه في المصير معه إلى "مصر"، ليقمع به الشهاب الطوسي، فورد معه، وأجرى له كلّ شهر ستين دينارًا، ومائة رطل خبزًا، وخروفًا، وشمعة كلّ يوم، ومال إليه الناس، وقرّر العزيز المناظرة بينه وبين الطوسي، وعزم على أن يسلك معه مسلكًا في المغالطة؛ لأن الطوسي كان قليل المحفوظ، إلا أنه كان جريئًا مقدامًا.
فركب العزيز يوم العيد، وركب معه الطوسي والظهير، فقال الظهير للعزيز في أثناء الكلام: أنت يا مولانا من أهل الجنة. فوجد الطوسي السبيل إلى مقتله، فقال له: وما يدريك أنه من أهل الجنة، كيف تزكّي على الله، ومن أخبرك بهذا؟ ما أنت إلا كما زعموا أن فأرة وقعت في دنّ خمر، فشربت فسكرت، فقالت: أين القطاط؟ فلاح لها هر، فقالت: لا تؤاخذ السكارَى بما يقولون. أنت شربت من خمر دنّ هذا الملك فسكرت، فصرت تقول خاليًا: أين العلماء؟ فأبلس الظهير، ولم يجد جوابًا، وانصرف، وقد انكسرت حرمته عند العزيز.
وشاعت هذه الحكاية بين العوامّ، وصارت تحكى في الأسواق والمحافل، فكان مال أمره أن انضوى إلى مدرسة الأمير الأسدي، يدرّس بها مذهب أبي حنيفة، إلى أن مات يوم الجمعة، سلخ ذي القعدة، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وكان مولده سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
قال في "الدر الثمين" كان يحفظ في التفسير "كتاب التفسير" لتاج القرّاء، ويحفظ في الفقه "الجامع الصغير" لمحمد بن الحسن، و"الوجيز"
стр. 2186
للغزالي، وفي الكلام "نهاية الإقدام" للشهرستاني، وفي اللغة "الجمهرة" لابن دريد، وفي النحو "الإيضاح" لأبى علي، ويحفظ عروض الصاحب ابن عباد، ويحفظ في المنطق "أرجوزة ابن سينا".
وله من التصانيف "تفسير"، وصل فيه إلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في نحو مائتي ورقة إملاء، وشرح "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، سماه "الحجّة"، اختصره في كتاب "الإفصاح" للوزير يحيى بن هبيرة، وزاد عليه أشياء، و"كتاب في اختلاف الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار" لم يتمه، وله "خطب"، وفصول وعظه مشحونة بغريب اللغة، و"تنبيه البارعين على المنحوت من كلم العرب"، وله غير ذلك، رحمه الله تعالى بمنّه ولطفه.
* * *
١٤٥١ - الشيخ الفاضل حسن بن خليل بن خضر، بدر الدين القاهري أخو ناصر الدين محمد الكلوتاتي *.
كان قد اشتغل عند الزين قاسم الحنفي، وغيره.
وفضل، وحجّ، وجاور، ولازم العبادة، مع الانجماع عن الناس.
قال السخاوي: وكان يقصدني كثيرًا للمراجعة في شيءٍ كان يجمعه في السيرة النبوية، ونحو ذلك.
стр. 2187
مات في ربيع الأول، سنة ثمانين - يعني: وثمانمائة - بين "الخطارة" و"بلبيس"، رحمه الله تعالى.
كذا في "الضوء اللامع".
* * *
١٤٥٢ - الشيخ الفاضل الحسن بن داود بن بابشاذ بن داود بن سليمان أبو سعيد، المصري *.
قال الخطيب: قدم "بغداد"، ودرس فقه أبي حنيفة على القاضي أبي عبد الله الصيمري.
وكان مفرط الذكاء، حسن الفهم، يحفظ القرآن بقراءات عدّة، ويحفظ طرفًا من علم الأدب، والحساب، والجبر والمقابلة، والنحو، كتب الحديث بـ "مصر" على أبي محمد بن النحّاس، وطبقته.
قال: كتبت عنه أحاديث، وكتب عني، وكان ثقة حسن الخلق، وافر العقل، وكان أبوه يهوديًا، ثم أسلم وحسن إسلامه، وذكر بالعلم، وهو فارسي الأصل.
وأقام أبو سعيد بـ "بغداد" إلى أن أدركه أجله، فتوفي ليلة السبت، ودفن صبيحة تلك الليلة، لعشر بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثين
стр. 2188
وأربعمائة، ودفن في مقبرة الشونيزي، ولم تكن سنّه بلغت الأربعين. رحمه الله تعالى.
وكان قد قرأ بعد الصيمري على أبي عبد الله الدامغاني، وكان أبو عبد الله، وابنه أبو الحسن علي، يعوّلان عليه في درسهما على تعليقه.
وهو ابن أخي أبي الفتح أحمد بن بابشاذ، رحمه الله تعالى.
وبابشاذ: كلمة أعجمية، تتضمّن الفرح والسرور.
* * *
١٤٥٣ - الشيخ الفاضل الحسن بن داود بن رضوان، أبو علي الفقيه السمرقندي *.
درس الفقه بـ "نيسابور" على أبي سهل الزجاجي، وسمع "السنن" لأبي داود، من ابن داسة.
قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": وكان أحد الفقهاء الكوفيين المقدّمين في النظر والجدل، وخرج إلى "العراق"، وأقام بها يسمع ويتفقّه، ثم انصرف إلى "نيسابور"، ودرّس الفقه، وبنى بها مدرسة.
قال الحاكم: وأقام معى مدّة.
وتوفي، رحمه الله تعالى، يوم الاثنين، التاسع عشر من رجب، سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
стр. 2189
١٤٥٤ - الشيخ العالم الصالح حسن بن داود البنارسي (١)، أحد كبار المشايخ الجشتية *.
قرأ العلم على عمّه الشيخ فريد بن قطب البنارسي، ودرّس مدّة من الزمان، ثم أخذ الطريقة الجشتية عنه، وألزم نفسَه حفظ الأنفاس ومجاهدة النفس، حتى أنه كان يفطر على خبز الشعير في كلّ أسبوع، ولم يكن يأكل أكثر من عشرين مثقالا.
وله مصنّفات في الصرف والنحو، منها: "مرغوب الطالبين" في الصرف، وسافر إلى أرض "الحجاز" للحجّ والزيارة، فأغار على فلكه القرصان، وقتلوه في رابع ربيع الأول سنة ستين وتسعمائة، كما في "كنج أرشدي".
стр. 2190
١٤٥٥ - الشيخ الفاضل الحسن بن رشيد من أصحاب الإمام الأعظم، رضي الله تعالى عنه *.
روى عن أبي حنيفة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".
قال الحسن: قال لي أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لما حدّثت إبراهيم الصائغ به، جاءني من الغد. فذكر قصّة إبراهيم الصائغ، المذكورة في ترجمته، رحمه الله تعالى.
* * *
١٤٥٦ - الشيخ الفاضل حسن بن رضوان بن محمد بن حنفي بن عامر الحسيني الخالدي * *.
متصوّف أزهري.
ولد في إحدى قرى بني سويف بـ "مصر" سنة ١٢٣٩ هـ، وتفقّه بـ"الأزهر"، وتنقّل في بعض الزوايا المصرية، وتوفي سنة ١٣١٠ هـ ببلدة "بردونة الأشراق" القريبة من سفط أبي جرج.
له "روض القلوب المستطاب" أرجوزة طويلة في التصوّف، بأولها ترجمة له.
стр. 2191
١٤٥٧ - الإمام الهمام الحسن بن زياد *.
نشأته ومبدأ أمره ونظام حياته عند اكتمال بدره (١)
كان كوفيّ الدار، عراقيّ الأصل، نبطيا، كالزعفراني راوية المذهب القديم للشافعي، والنبط: شعب نشيط معروف بالحذق في عمارة الأرض، وكانوا سكّان "العراق" وأربابها. وفي حديث ابن عبّاس رضى الله عنهما: نحن معاشر قريش، حيّ من النبط من أهل كوثى. وكوثى "العراق" سرة السواد، وبها ولد إبراهيم الخليل ﵊، وفي حديث علي كرّم الله وجهه: من كان سائلا عن نسبنا فأنا قوم من كوثي، وهذا منه تبرّؤ من الفخر بالأنساب، وتحقيق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. (الحجرات: الآية ١٣٩)، كما يقول ابن الأثير، فانظر إلى ذلك الصحابي الجليل، ذي المجد الأثيل، والشرف الأصيل، كيف لم يحمل نسبه الأشرف من كلّ نسب على الفخر بنسب أو حسب، مترفّعا عن التعجرف والعنجهية الكبرياء، عادا الإخاء الإسلامي فوق كلّ إخاء، باعتبار أن
стр. 2192
إسماعيل ﵇ إنما استعرب بسكنى "الحجاز" بعد أن كان سَليل إبراهيم ﵇، المولود في كوثي النبط، فأين هذا الإخاء الإسلامي الشامل، المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: الآية ١٠]) الجامع لشمل المسلمين؟ من تلك الشعوبية المفرّقة لكلمة المسلمين الحاملة لكلّ شعب منهم على الانفراد عن الآخرين، ليكونوا لقمة سائغة للمبتلعين من أعداء الدين.
قال أبو عبد الله الحُسين بن علي الصيمري في كتابه "أخبار أبي حنفية وأصحابه": أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: حدّثنا مكرم، قال: حدّثنا أحمد بن عطية، قال: حدّثنا مليح بن وكيع، قال: حدّثنا أبي، قال: كان الحسن بن زياد يلزم أبا حنيفة، فقال أبوه: لي بنات، وليس لنا غيره، فقال: أشر عليه بما ينفعه، فقال له: وقد جاء أن أباك، قال: كيت كيت، الزم، فإني لم أر فقيها قطّ فقيرا، وكان يجري عليه حتى استقلّ، ومثله في "المناقب" للموفّق بن أحمد المالكي (١ - ٢٦٤)، إلا أن فيه (حتى اشتغل) بدل (حتى استقلّ)، وهذا يدلّ على أن الحسن بن زياد كان ممن ينفق عليهم أبو حنيفة من تلاميذه، ليتمكّنوا من الانصراف إلى العلم إلى أن ينبغوا في الفقه، إلا أن الحسن بن زياد لم يكن من الرعيل الأول من أصحاب أبي حنيفة، بل تفقّه عليه في مبدأ أمره، ثم أصبح هلاله بدرا بعد أبي حنيفة بملازمته زفر وأبا يوسف وغربها من أصحابه، ﵃ أجمعين.
وكان والد الحسن بن زياد من موالي الأنصار، فنسب الحسن أنصاريا لذلك، ويذكره الموفّق المكّي في "المناقب" (٢ - ١٣٣) عند سرد أسماء أصحاب أبي حنيفة قائلا: ومنهم اليقظ النبيه، والفهم الفقيه، والورع النزيه، الحسن بن زياد اللؤلؤي. وسعة دائرة علمه، ويقظته البالغة، وورعه الشديد، موضع اتفاق بين فقهاء المذهب.
стр. 2193
وحكى نصير بن يحيى أن الحسن بن زياد كان قسَّم النهار على أقسام، وكان مجلس صدر النهار إذا رجع من صلاة الصبح، فيدرّس، فيخوضون في مسائل الفروع إلى قريب الزوال، ثم يدخل المنزل، فيقضي حوائجه إلى وقت الظهر، ثم يخرج للظهر، ويجلس للواقعات إلى العصر، ثم يصلّي العصر، ثم يجلس، فيناظرون بين يديه في الأصول، ثم يصلّي المغرب، ويدخل المنزل، ثم يخرج، فيتذاكرون المسائل المغلقة إلى العشاء، فإذا صلّى العشاء، جلس لمسائل الدور، والوصايا إلى ثلث الليل، وكان لا يفتر عن النظر في العلم. وكان له جارية إذا اشتغل بالطعام أو بالوضوء أو بغير ذلك تقرأ عليه المسائل، حتى يفرغ من حاجته، كما في "المناقب الكردرية الكبرى" (٢ - ٢٠٩)، هكذا كان إكبابه على العلم والتعليم، بعد أن أصبح إماما قدوة، ﵀ ورضي عنه.
ونصير بن يحيى الذي حكى ذلك هو ممن أدرك الحسن بن زياد، وأخذ عنه العلم، وهو الذي قال لأحمد بن حنبل: ما ذكره ابن أبي العوام حدّثني أبو أحمد إبراهيم بن أحمد الترمذي، سمعتُ أبا نصر محمد بن سلام البلخي، سمعت نصير بن يحيى يقول: قلت لأحمد بن حنبل: ما الذي تكلمتم على هذا الرجل؟ أعني أبا حنفية، قال الرأي. فقلت له: فهذا مالك بن أنس ألم يتكلّم بالرأي؟ قال: نعم، لكن رأي أبي حنيفة خلد في الكتب، قلت: فقد خلد رأي مالك في الكتب، قال: أبو حنيفة أكثر رأيا منه، فقلت له: فهلا تكلّمتم في هذا بحصّته وها بحصّته؟ فسكت، اهـ، ﵃، ونفعنا بعلومهم.
ثناء أهل العلم على الحسن بن زياد
قال أبو عبد الله الصيمري: حدّثنا العبّاس بن أحمد الهاشمي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد المسكي؟، قال: حدّثنا علي بن محمد النخعي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، قال: ما رأيتُ أحسن خلقا من الحسن
стр. 2194
بن زياد، ولا أقرب مأخذا، ولا أسهل جانبا. قال: وكان الحسن يكسو مماليكه مما يكسو نفسه.
قال الحافظ عبد القادر القرشي: كان الحسن محبا للسنّة واتباعها، حتى كان يكسو مماليكه كما كان يكسو نفسه، اتباعا لقول رسول الله ﷺ : ألبسوهم مما تلبسون.
وقال الصيمري: حدّثنا العبَّاس، قال: حدّثنا أحمد بن محمد، حدّثنا علي بن محمد، قال: حدثني محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد، عن أبيه أن الحسن بن زياد استفتى في مسألة، فأخطأ، فلم يعرف الذي استفتاه، فاكترى مناديا، فنادى أن الحسن بن زياد استفتي يوم كذا وكذا في مسألة، فأخطأ، فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه. قال فمكث أياما لا يفتي، حتى وجد صاحب الفتوي، فأعلمه أنه أخطأ، وأن الصَّواب كذا وكذا، فهل يتصوّر أن يفعل مثل هذا من لا يكون ملء إهابه خوف الله جلّ شأنه.
وقال الصيمري: أخبرنا أحمد بن محمد الصيرفي، قال: حدّثنا علي بن عمرو الحريري، قال: حدّثنا علي بن محمد النخعي، قال: حدثني محمد بن منصور، قال: حدّثنا محمد بن عبيد الله الهمذاني، قال: سمعتُ يحيى بن آدم، يقول: ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد. ومن علم من هو يحيى بن آدم، ومن رآهم من الفقهاء، علم مبلغ أهمية هذه الشهادة منه لحسن بن زياد.
وقال الصيمري: أخبرنا أحمد بن محمد، قال: حدّثنا علي بن عمرو، قال: حدّثنا القاضي النخعي، قال: حدّثنا علي بن عبيدة قال: حدّثنا محمد بن شُجاع، قال: حدثني علي بن صالح، قال: كنا عند أبي يوسف، فأقبل الحسن بن زياد، فقال أبو يوسف: بادروه، فاسئلوه، وإلا لم تقووا عليه، فأقبل الحسن بن زياد، فقال: السَّلام عليكم يا أبا يوسف! ما تقول؟ متصلا بالسلام، قال: فلقد رأيتُ أبا يوسف يلوي وجهه إلى هذا الجانب مرّة،
стр. 2195
وإلى هذا الجانب مرّة، من كثرة إدخالات الحسن عليه ورجوعه من جواب إلى جواب، هو يدري مبلغ براعة أبي يوسف في ميدان السؤال والجواب، كيفية إسكاته لكثير من كبار الفقهاء في الجدل، يدري ما في هذه الحكاية من حسن الشهادة للحسن في المناظرة، مع مثل أبي يوسف.
وقال الصيمري: أخبرنا أحمد بن محمد الصيرفي، قال: حدّثنا علي بن عمرو، قال: حدّثنا النخغي القاضي، قال: حدّثنا محمد بن منصور الأسدي، قال: سألت نمر بن جدار، فقلت: أيما أفقه، الحسن بن زياد أو محمد بن الحسن؟ قال: الحسن، والله لقد رأيتُ الحسن بن زياد يسأل محمدا، حتى بكى محمد مما يخطئه. قال: فقلت له: قد لقيت أبا يوسف وحسنا ومحمدا، فكيف رأيتهم؟ فقال: أما محمد فكان أحسن الناس سؤالا، وأحسنهم جوابا، ولم يكن سؤاله على قدر جوابه. وكان الحسن بن زياد أحسن الناس سؤالا، ولم يكن جوابه على حسب سؤاله، وكان أبو يوسف أحسنهم سؤالا، وأحسنهم جوابا، فشهد نمر لأبي يوسف بالتفوّق على الاثنين، كما شهد لكلّ واحد منها بالتفوّق على الآخر من جهة وجهة، على أن مثل هذا الحكم لا يكون باتا، لأن العالم قد ينشط في مجلس، ويفتر في مجلس آخر، لأسباب نفسية، وهذا لا يدلّ بمجرّده على رجحان هذا على ذاك مطلقًا، والإنصاف أنه لا مجال لإنكار فضل أبي يوسف على الاثنين، وفضل محمد على الحسن، ﵃ أجمعين.
وقال الصيمري أيضًا: أخبرنا عبد الله بن محمد الشاهد قال: حدّثنا مكرم، قال: حدّثنا عبد الوهّاب بن محمد، قال: سمعتُ الحسن بن أبي مالك، قال: كان الحسن بن زياد إذا جاء إلى أبي يوسف أهمّته نفسُه.
وقال ابن شجاع: سمعتُ ابن زياد يقول: مكثت أربعين سنة لا أبيت إلا والسراج بين يديَّ، كفى للحسن بن زياد فخرا أن تكون منزلته
стр. 2196
عند أستاذه أبي يوسف كما في تلك الروايات، وسهره في سبيل العلم أربعين سنة، هكذا جعله خالد الذكر بين فقهاء هذه الأمة.
وبطريقه ينقل ابن جرير مذاهب فقهاء "الكوفة" في اختلاف الفقهاء في حين أنه يهمل بالمرّة ذكر آراء أمثال الإمام أحمد وداود في الفقه، لأنهم ليسوا بفقهاء في نظره، وهذا موقف عبرة لمن يعتبر، والحسن بن زياد على براعته هكذا في الفقه كثير الحديث.
قال الصيمري: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحلواني، قال: حدّثنا مكرم، قال: حدّثنا أحمد، قال: سمعت ابن سماعة قال: سمعت الحسن بن زياد، قال: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث، كلّها يحتاج إليها الفقهاء، وهذا ليس بعدد قليل في أحاديث الأحكام في حين أن أحاديث أبي حنيفة أربعة آلاف حديث نصف ذلك عن شيخه حمَّاد، والباقى عن سائر مشايخه، كما روي ذلك الحسن بن زياد على ما في "مناقب الموفق" (١ - ٩٦)، وأحاديث مالك المسندة في "الموطأ" نحو ستّمائة حديث.
وفي "مناقب الكردري" (٢ - ٢٠٩) ذكر السمعاني عن الفتح بن عمرو عنه، قال: وافيت "مكة"، فإذا أنا بيحيى بن سليم الطائي جالسا، ونفر يقرأون "كتاب المناسك " لابن جريج، وكان يقول: قال لي عطاء، وسألت عطاء، فأُعجب بها، وقال: أين أبو حنيفة من هذه المسائل؟ فقلت: قد جاء وقت الكلام، فقلت له: رحمك الله أما الإمام فقد مضى لسبيله، وأنا من أصغر تلامذته، أفتأذن لي في الكلام؟ فقال لي: من أنت؟ فقلت: الحسن بن زياد، قال: لا، فلو أذنْ لي في الكلام لتركته نكالا للعالمين. أقول: وهو كذلك، فأنى يقوى مثل يحيى بن سليم أمام هذا الجدلي العظيم؟
وقال نصير بن يحيى: سأل رجل خلف بن أيوب عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال: دلَّني على من يعرف، قال: الحسن بن زياد بـ "الكوفة"، قال: إنه
стр. 2197
بعيد، قال خلف: من همّه الدين فـ "الكوفة" إليه قريبة. وقال نصير بن يحيى: قلت لخلف: من الحجّة اليوم؟ قال: الحسن بن زياد، فأعاد السؤال ثلاثًا، فقال: الحسن هو حجّة. وقال محمد بن عثمان الفقيه: قدم الحسن .. بغداد"، فجاءه أبو يوسف، فقال الحسن: هل أحدثت تلميذا؟ قال أبو يوسف: نعم بشرا عن مسألة، فأخطأ، ثم عن ثانية، وثالثة، ورابعة، فأخطأ، فقال الحسن لأبي يوسف: نعمة الخليفة أفسدت، ارجعْ إلى "الكوفة"، ودم على الطعام، الذي عليه كنت بها. يريد ببشر بن الوليد الكندي.
بعض ما قاله الحسن بن زياد عن أبي حنيفة
وفي "مناقب الموفق" (١ - ٩٦) قال الحسن بن زياد: "كان أبو حنيفة يروي أربعة آلاف حديث: ألفين لحماد، وألفين لسائر المشيخة"، ولعلّها هي التي انتخبها من أربعين ألف حديث، كانت عنده، كما يذكر عن محمد بن شجاع، وما عنده من صناديق في الحديث محكي في الكتب.
وفي "المناقب" (١ - ١٧٠) سمع الحسن بن زياد أبا حنيفة يقول: كانت ولاة بني أمية لا يدعون بالموالي من الفقهاء للفتيا، وأول من دعا بالموالي فلان (ذكر رجلًا منهم سماه)، قال أبو حنيفة: فدعيت فيمن دعي، فدخلت، فإذا ابن أبي ليلي، وابن شبرمة عنده عن يمينه، وعن شماله، فقال لأحدهما: ما تقول في امرأة تزوجت في عدّتها؟ فقال أحدهما: يفرّق بينهما، ويضرب ضرب النكال، ويجعل مهرها في بيت المال، ولا يجتمعان أبدًا. وقال للآخر، ما تقول؟ فقال: مثل ذلك. قال: فنظر الخليفة إليَّ، فقال: ما تقول يا نعمان؟ فاسترجعت في نفسي، وقلت: أول ما دعيت، وسئلت، وأنا أقول فيها بقول عليّ ﵁، وبه أدين الله تعالى، فكيف أصنع؟ ثم عزمت أن أصدقه، وأفتيه بالذي أدين الله به، وذلك أن بني أمية كانوا لا يفتون بقول علي ﵁، ولا يأخذون به.
стр. 2198
فقلت: أصلحك الله، اختلف فيها رجلان بدريان، فقال لي: ما قالا؟ قلت: قال أحدهما كالذي قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة، قال: من هو؟ قلت: عمر بن الخطاب، ﵁، قال: وما قال الآخر؟ قلت: قال يفرّق بينهما، وتعتدّ بقية عدّتها من الأول، ثم تعتدّ عدّة مستأنفة من الآخر إن كان دخل بها، ثم يفرّق بينهما، ولها مهرها بما استحلَّ من فرجها، يدفع إليها، ولا يجعل في بيت المال، فإذا انقضت عدّتها، فإن شاء تزوّج بها نكاحا جديدا بمهر جديد. فقال لي: يا نعمان من هذا؟ قلت: عليّ بن أبي طالب، ﵁، فقال لي: أبو تراب؟ قلت نعم. ثم قلت: وما تقول أنت؟ فنكس رأسه، ونكت بقضيب كان في يده، ورفع رأسه إليّ، وقال لي: يا نعمان! والله إنه لأشبه القولين بالحديث. هذا ما رواه الحسن بن زياد، وزاد عليه الموفّق، وقال: أورد هذا الحديث الإمام أبو القاسم بن علي الرازي نزيل "همذان" عن محمد بن مقاتل، وهو ممن أدرك الحسن بن زياد، وزاد: قال ابن هبيرة بأيّ القولين تأخذ؟
قال قلت: عندي عمر أفضل من علي ﵁، وآخذ في هذا بقول علي، ﵁. فقال: أنا أرى ذلك، وإنما قال أبو حنيفة: عمر ﵁ أفضل من عليّ ﵁، لئلا يقول ابن هبيرة أنا أختار قول عمر ﵁، وكان عليّ لا يذكر في ذلك الزمان باسمه، وكانت العلامة فيه بين المشايخ بأن يقولوا: قال الشيخ كذا، وكان الحسن البصري يقول فيه أخبرنا أبو زينب، لأن من كان يذكره باسمه يعاقبه بنو مروان، فلهذا اختاروا الكناية عنه. فتبين من هذا أن الوالي الأموي المكنى عنه في صدر الحكاية هو ابن هبيرة.
وفي "المناقب" (١ - ١٧٣) أيضًا قال الحسن بن زياد: سمعتُ أبا حنيفة، وسئل من أفقه من رأيتُ؟ قال: ما رأيتُ أفقه من جعفر بن محمد الصادق، لما أقدمه المنصور بعث إليّ، فقال: يا أبا حنيفة! إن الناس قد فتنوا
стр. 2199
بجعفر بن محمد، فهيئ له من المسائل الشداد، فهيأتُ له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر، وهو بـ "الحيرة"، فأتيته، فدخلتْ عليه، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت عليه، وأومأ إليّ، فجلست، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله! هذا أبو حنيفة، فقال: نعم، ثم أتبعها، قد أتانا كأنه كره ما يقول فيه قوم إنه إذا رأى الرجل عرفه، قال: ثم التفت إليّ، فقال: يا أبا حنيفة! ألقي على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت ألقي عليه، فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل "المدينة" يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا، وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة، ما أخلّ منها بمسألة، ثم قال أبو حنيفة ﵀: ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.
وفي (١ - ١٨٥) بطريق نمر بن جدار عن الحسن بن زياد، قال: دفن رجل مالا في موضع، ثم نسي أيّ موضع دفنه فيه، طلبه فلم يقع عليه، فجاء إلى أبي حنيفة، فشكا إليه، فقال له أبو حنيفة: ليس هذا فقها، فأحتال لك، لكن اذهبْ فصلّ الليلة إلى الغد، فإنك ستذكر أيّ موضع دفنته فيه، ففعل الرجل، فلم يقم إلا أقلّ من ربع الليل، حتى ذكر أيّ موضع دفنه فيه، فجاء إلى أبي حنيفة، فأخبره، فقال: قد علمت أن الشيطان لا يدعُك تصلّي ليلتك حتى يذكرك، ويحك فهلا أتممتَ ليلتك شكر الله تعالى؟
وفي (١ - ٢١٤) بطريق إبراهيم بن إسماعيل الطلحي، عن الحسن زياد، ما قبل أبو حنيفة لأحد جائزة ولا هدية، أي من الأمراء، أو من غير أن يهدي إليه ما هو أثمن من هديته، أو فيما علم الحسن بن زياد جمعا بين الروايات.
وفي (٢ - ٣) عن الحسن بن زياد حلفت أمّ أبي حنيفة بيمين، فحنثت، فاستفتت أبا حنيفة، فلم ترض، وقالت: لا أرضى إلا بما يقول
стр. 2200
زرعة القاصّ، فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة، فقال: هذه أمّي تستفيك في كذا وكذا، فقال أنت أعلم مني وأفقه، فأفتِها أنت، قال أبو حنيفة: قد أفتيتها بكذا وكذا، فقال زرعة: القول كما قال أبو حنيفة، فرضيت، وانصرفت، والمسجد الذي كان يقصّ فيه زرعة هو مسجد الحضرميين في "الكوفة" في رواية طويلة لحجر بن عبد الجبّار الحضرمي.
وفي (٢ - ٤٣) من رواية أبي هشام الرفاعي عن الحسن اللآل (وهو ابن زياد) كان أبو حنيفة بحرا لا يدرك عمقه، وما علمنا عنه علمه إلا كالخيال.
وفي (٢ - ٨٠) من رواية المعاني بسنده عن الحسن بن زياد، عن أبي يوسف سمعت أبا حنيفة يقول: "رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة، فصارت ديانة"، ونظر بعضهم هذا المعنى.
وفي (٢ - ٨٣) من رواية الوليد بن حمَّاد، عن عمّه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: "ما قاتل أحد عليا إلا وعلي أولى بالحقّ منه، ولولا ما سار عليّ فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين".
وفي (٢ - ٨٤) عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: "لا شكّ أن أمير المؤمنين عليا إنما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه".
وفي (٢ - ٩٩) بالإسناد إلى الحسن بن زياد: "سمعت أبا يوسف يقول اجتمعنا عند أبي حنيفة في يوم مطير في نفر من أصحابه، منهم: داود الطائي، وعافية الأودي، والقاسم بن معن المسعودي، وحفص بن غياث النخعي، ووكيع بن الجراح، ومالك بن مغول، وزفر بن الهذيل، وغيرهم، فأقبل علينا، فقال: أنتم مسار قلبي، وجلاء حزني، قد أسرجت لكم الفقه، وألجمته، فإذا شئتم فاركبوا، قد تركت لكم الناس يطأون أعقابكم، ويلتمسون ألفاظكم، وذللت لكم الرقاب، وما منكم أحد إلا وهو يصلح للقضاء، وفيكم عشرة يصلحون أن يكونوا مؤدّبي القضاة، فسألتكم باللّه
стр. 2201
وبقدر ما وهب الله لكم من جلالة العلم لما صنتموه عن ذلّ الاستثمار، فإن بلي رجل منكم بالدخول في القضاء، فعلم من نفسه خربة، سترها الله تعالى عن العباد، لم يجز قضاؤه، ولم يطب له رزقه، وإن كانت سريرته مثل علانيته جاز قضاؤه، وطاب له رزقه، فإن دفعته ضرورة إلى الدخول فيه، فلا يجعلنّ بينه وبين الناس حجابا، وليصلّ الصلوات الخمس في الجامع، وليناد عند كلّ صلاة من له حاجة، فإذا صلّى صلاة العشاء الآخرة نادى ثلاثة أصوات من له حاجة، ثم دخل إلى منزله، فإن مرض مرضا لا يستطيع الجلوس معه أسقط من رزقه بقدر مرضه، وأيما إمام غلّ فيئا أو جار في حكمه بطلت إمامته، ولم يجز حكمه، وإن أذنب ذنبا فيما بينه وبين الناس أقامه عليه أقرب القضاة إليه. فيا له من عالم ومعلّم ومؤدّب لأصحابه.
وفي رواية أخرى عند الخطيب (١٤ - ٢٤٧) قال أبو حنيفة يومًا أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون رجلًا، منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، ومنهم ستة يصلحون للفتاوي، ومنهم اثنان يصلحان يؤدّبان القضاة، وأصحاب الفتوى. وأشار إلى أبي يوسف وزفر. والظاهر أن الروايتين بالنظر إلى الذين حضروا في مجلس وآخر، والله أعلم.
شيوخ الحسن بن زياد وأصحابه وتلاميذه
تفقّه الحسن بن زياد على أبي حنيفة، وداود بن نصير، وحمّاد بن نصير، وحمّاد بن أبي حنيفة، وزفر بن الهذيل، وأبي يوسف وسمع من سعيد بن عبيد الطائي، وعبد الملك بن جُريج، ومالك بن مغول، ووكيع، وأيوب بن عقبة، والحسن بن عمارة، وعيسى بن عمر الهمذاني مقرئ "الكوفة" بعد حمزة وغيرهم.
وأخذ عنه الفتح بن عمرو الكشي، وأبو هشام الرفاعي، ونصير بن يحيى البلخي، ومحمد بن سماعة القاضي، وإسحاق بن بهلول التنوخي الحافظ، وشعيب بن أيوب الصريفيني، والوليد بن حمَّاد اللؤلؤي ابن أخيه،
стр. 2202
وإبراهيم بن إسماعيل الطلحي، وطاهر بن أبي أحمد، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وخلف بن أيوب البلخي، والرشيد، والمأمون، ونمر بن جدار، والإمام محمد بن شجاع الثلجي، وعلي بن هاشم بن مرزوق، وإسماعيل الفزاري، ومحمد بن مقاتل الرازي، وعمرو بن مهير، والد الخصّاف، وأحمد بن سليمان الرهاوي، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، وإبراهيم بن عبد الله النيسابوري، وغيرهم.
ومروياته من الحديث عن أبي حنيفة مدوّنة في "مسنده" المروي عند المسندين في عداد المسانيد السبعة عشر المروية عن أبي حنيفة، ولا سيّما في "الفهرست الأوسط" لابن طولون، و "عقود الجمان" للحافظ محمد بن يوسف الصالحي، و"ثبت الشيخ أيوب الخلوتي"، و"حصر الشارد" لمحمد عابد السندي، وغيرها، كما سيأتي، ومروياته عن ابن جريج فقط نحو اثني عشر ألف حديث، وهذا العدد لا يستكثر على مثله، وقد أقرّ أهل الحديث لأحد تلاميذته بأنه روى خمسين ألف حديث، وهو إسحاق بن بهلول التنوخي، كما شهد أهل العلم أن كتب تلميذه الآخر محمد بن شجاع الثلجي تحتوي على ثلاثة وسبعين ألف حديث، كما سيأتي. وترى النقلة يعزون رواية ألف ألف حديث ومائة ألف حديث ونحو ذلك لأناس دون طبقة الحسن بن زياد، ومع ذلك تراهم لا يستكثرون تلك الأعداد الضخمة عليهم، وحين أتى دور التحدّث عن الحسن بن زياد - الذي أفنى عمره في علوم الرِّواية والدراية - يستكثرون عليه أن يكون كتب عن ابن جريج نحو اثني عشر ألف حديث، ولله في خلقه شؤون.
وقد ذكر الخطيب في ترجمة أبي يعقوب إسحاق بن البهلول الحافظ (٦ - ٣٦٦) أنه كان فقيها، حمل الفقه عن الحسن بن زياد، وعن الهيثم بن موسى صاحب أبي يوسف القاضي، ثم قال في (٦ - ٣٦٨): (حدث إسحاق بن بهلول من حفظه بـ "بغداد" بأكثر من خمسين ألف حديث) يقول الموفّق
стр. 2203
المكّي في (١ - ٩٥): (إن محمد بن شجاع ذكر في تصانيفه نيفا وسبعين ألف حديث عن النبي ﷺ مما فيها نظيرها من الصحابة)، وهذا أيضًا من أشهر أصحاب الحسن بن زياد، وهو كثير الحديث هذه الدرجة، حتى يقول محمد بن إسحاق النديم عن ابن شجاع هذا: (مبرز على نظرائه من أهل زمانه. وكان فقيها، ورعا، ثباتا على آرائه، وهو الذي فتق فقه أبي حنيفة، واحتجّ له، وأظهر علله، وقوَّاه بالحديث، وحلَّاه في الصدور)، وعدّه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" من بحور العلم.
وقال الحكم: "أنه كثير الحديث كثير التصنيف، ورأيت "كتابه في المناسك" في نيف وستين جزءا كبارا دقاقا). راجع معرفة علوم الحديث له (٢٢٤)، ومن يكون تلامذته بهذا الإكثار من الحديث، كيف يستكثر على شيخهم الذي تخرَّجوا عليه أن يكون حمل عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث.
مؤلَّفات الحسن بن زياد
وله مؤلّفات معروفة، منها: "كتاب المجرّد" لأبي حنيفة، يحتوي على ما رواه عن أبي حنيفة من المسائل وأدلتها، وفي "الجامع الكبير" للإمام محمد بن الحسن الشيباني المطبوع بمعرفة لجنة إحياء المعارف النعمانية في "حيدر آباد" "الدكن". في "الهند" بتحقيق العلامة أبي الوفاء الأفغاني - حفظة الله - تجد نماذج من "كتاب المجرّد" منشورة في هوامشه، احتفاظا بما في الأصل المنقول عنه من النصوص القديمة المدرجة فيه.
ومن "كتاب المجرّد" هذا جرّد محمد بن إبراهيم بن حبيش البغوي أحاديثه التي رواها الحسن بن زياد اللؤلؤي عن أبي حنيفة، حيث كان ابن حبيش سمع "المجرّد" من محمد بن شجاع، الذي كان سمعه من الحسن بن زياد، و"المسند المعروف" باسم الحسن بن زياد يحتوي على أحاديث "كتاب المجرّد" المسموعة من أبي حنيفة، وسنذكر في فصل خاص إن شاء
стр. 2204
الله نحو ستين حديثًا، انتقاها من المسند المذكور المحدّث عفيف الدين علي بن عبد المحسن الدواليبي الحنبلي، لتكون كنماذج من مروياته الكثيرة، ومنها: "كتاب أدب القاضي"، و "كتاب الخصال"، و "كتاب معاني الإيمان"، و "كتاب النفقات"، و "كتاب الخراج"، و "كتاب الفرائض"، و "كتاب الوصايا" على ما ذكره محمد بن إسحاق النديم في "الفهرست"، ونسب التقي المقريزي إليه في "تذكرته" "كتاب المقالات" نقلًا عن "المبسوط"، وأقرّه الحافظ القاسم بن قطلوبغا في "تاج التَّراجم"، وزاد البدر العيني في "المغاني" في عداد مؤلّفاته: "كتاب التهمة"، و "كتاب الإجارة"، و"كتاب الصرف"، وأما ما يعزى إليه من جزء فيما سمعه من القراءات من أبي حنيفة برواية ابنه محمد بن الحسن بن زياد، فكذب ملفق، لا صلة لها بأبي حنيفة، ولا بالحسن بن زياد، وقد ثبت عن أهل العلم أن ملفقها هو أبو الفضل الخزاعي القارئ المكشوف الأمر، وإن تكلّف ابن الجزري في تبرئة ساحته من ذلك، وإنما قراءة أبي حنيفة هي قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، (ح) وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه، وفي الطريقين من قراءة عصام الفاتحة والمعوّذتان وقراءته في أعلى درجات التواتر، فيؤسف على سرد تلك القراءات في بعض كتب التفسير والمناقب، مع محاولة توجيهها، كقراءات لأبي حنيفة، مروية بطريق الحسن بن زياد عنه، مع أنها قراءات مكذوبة عليه، (كما ذكرت في تأنيب الخطيب، وغيره تحقيق أهل الشأن في ذلك). راجع التأنيب (ص ٢٩).
توليته القضاء واتصاله بالأمراء
كانت تولية الحسن بن زياد القضاء سنة ١٩٤ هـ بعد وفاة حفص بن غياث القاضي، قال الصيمري أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدّثنا مكرم، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدَّثنا أحمد بن يونس، قال: لما ولي الحسن بن
стр. 2205
زياد القضاء لم يوفّق فيه، وكان حافظا لقول أصحابه، فبعث إليه البكائي: ويحك إنك لم توفّق في القضاء، وأرجو أن يكون هذا لخيرة، أرادها الله بك، فاستعف، فاستعفى، واستراح.
وقال الخطيب: أخبرني الأزهري عن أحمد بن إبراهيم بن الحسن عن إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: توفي الحفص بن غياث في سنة ١٩٤ هـ، فجعل مكانه (يعني على القضاء) الحسن بن زياد اللؤلؤي، وقال أيضًا: أخبرنا أبو بكر البرقاني، حدّثني محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك الأدمي، حدّثنا محمد بن علي الأيادي، حدّثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال: يقال: إن اللؤلؤي كان على القضاء، وكان حافظا لقولهم: (يعني أصحاب الرأي) وكان إذا جلس ليحكم ذهب عنه التوفيق، حتى يسأل أصحابه عن الحكم في ذلك، فإذا قام عن مجلس القضاء، عاد إلى ما كان عليه من الحفظ، ولا يكون هذا إلا من تهيّبه القضاء، وخوفه من الله في الحكم، وبين من ولوا القضاء على خلاف رغبتهم أناس يتحاشون الحكم لذلك، بأن يصلحوا بين المتخاصمين بتحمّل القاضي الغرامة، وهذا نوع من الورع، لا يمكن أن يتخذ أساسا للقضاء، فسبيل مثله أن يستعفي ويستريح، كما فعل الحسن بن زياد.
وحكى العقيلي عن إدريس بن عبد الكريم، عن إسحاق بن إسماعيل قال: كنا عند وكيع، فقيل له: إن السنة مجدبة، قال: كيف لا تجدب وحسن اللؤلؤي قاض، وحمَّاد بن أبي حنيفة والعقيلي لا يهدأ له بال إلا بالنيل من أبي حنيفة أصحابه، حتى لا يذكر لأحد منهم منقبة واحدة، مع كونهم قادة الأمة في الفقه رغم أنف العقيلي، وأذياله من الحشوية، ولذا ردّ عليه صاحبه ابن الدخيل ردًّا مشبعا، كما ذكرت ذلك في مواضع في "التأنيب"، وغيره من كتبي، ولم يدبر العقيلي هذا الفرية، حيث إن شطر هذا الخبر يدلّ على كذب الشطر الآخر، لأن حمّاد بن أبي حنيفة توفي سنة
стр. 2206
١٧٦ هـ، واللؤلؤي إنما ولي القضاء سنة ١٩٤ هـ، فلا يكون قضاؤهما في زمن واحد، حتى يصحّ هذا القول، بل لا يعلم أن حمَّاد بن أبي حنيفة ولي القضاء، حتى يمكن أن يقال: هذا القول، بل لم يستمرّ الحسن بن زياد على القضاء إلى مدّة يسيرة، لا تفسد معها بركة العام! حيث استقال من القضاء سريعا، ولم يتمسّك بكرسي الحكم كغيره، فقبلت استقالته، وإسحاق الطالقاني يكذبه أناس، وإن مشاه أناس، كما يظهر من "تاريخ الخطيب" على أن من بلغ مبلغ العقيلي من التعصّب المزري، لا يكون موضع تعويل في مثل هذا الخبر، نسأل الله السلامة، وكان الحسم بن زياد رجلا صريحا لا يعرف المداجاة ولا المداهنة، ولا يحسن السياسة مع خلطائه، حتى إنه لم يوفّق في اتصالاته بالأمراء، وقد اتصل بالرشيد، فأخفق، واتصل بالمأمون فأخفق، وكان من العُلماء الذين يحضرون مجلس الرشيد في ليالي رمضان لمذاكرة العلم، فأقبل الرشيد عليهم، فقال: سلوا فألقى عليه الحسن اللؤلؤي مسألة من المعقدات، فأقبل عليه أبو يوسف، فقال: ليس هذا مما يسأل عنه أمير المؤمنين، ثم أخذ أبو يوسف يتكلّم في العلم إصلاحا للوضع، ثم قال للحسن: يا ضعيف مثل هذه المسألة المعقدة تلقى على الخلفاء؟ لو ألقيت هذه على بعضنا ما قام بها، فقال اللؤلوي، فلم قال: سلونا؟ وكان الرشيد إذا صلى مسح بيده موضع سجوده، ثم مسح به وجهه، فقال له الحسن بن زياد: إن هذا الذي يفعله أمير المؤمنين بدعة، فعمّن أخذه؟ قال: رأيت أبائي يفعلونه، فأنا أقتدي بهم، فأقبل أبو يوسف، وتكلّم بما يصلح الموقف، فلمّا انصرف أمر الرشيد حجب اللؤلؤي عنه، كما في رواية طويلة، ذكرها ابن أبي العوّام الحافظ.
وقال الصَّيمري: أخبرنا أبو عبد الله المرزباني، قال: حدّثنا أحمد بن خلف، قال: حدّثنا الحُسين بن حميد النحوي، قال: حدّثنا إبراهيم بن الليث الدهقان، عن بعض أصحابه، قال: كان الرشيد أمر الحسن بن زياد اللؤلؤي
стр. 2207
أن يسير إلى المأمون أيام كان بـ "الرقّة" كلّ أسبوع يومًا، فيذاكره الفقه، ويسأله عن الحديث، واختلاف الناس فيه، قال: فبينا اللؤلؤي في بعض الليالي عنده بـ "الرقّة" يحدثه إذ نعس المأمون، فقال له اللؤلؤي: سمعتُ أيها الأمير، ففتح عينيه، فقال: سوقي والله يا غلام! خذه بيده، فأخرجه، فأخرج، فلم يدخل عليه بعد ذلك، فبلغ ذلك الرشيد، فقال متمثّلا:
وهل ينبت الخطمي إلا وشيجه … ويغرس إلا في منابتها النخل
وهذا مما يدلّ على أنه كان قويّ النفس، لا يعامل الكبار معاملة خاصّة، وهذا مما لا يستسيغه الأمراء والكبراء، ولو كان يرعي السياسة المرعية لانتفع بعلمه الكبار والصغار، ولعلّه لم يكن يرتاح إلى الاتصال بهم، لانصرافه إلى العلم، فأبدى شذوذا عن الرسوم المرعية، ليستغنوا عنه، فحصل له ما كان يريده، والله أعلم.
وهذه الأنباء تدلّ على نفيسة الحسن بن زياد، وعلى أنه كان من خيرة العُلماء في عصره في الفقه والحديث ومعرفة الاختلاف، حيث كان وقع الاختيار عليه لمجالسته مثل الرشيد، وتعليم مثل المأمون، وإن أخفق فيهما لحالته الحية.
كثرة حديث الحسن بن زياد
تلقّى الحسن بن زياد الحديث عن كثير من شيوخ العلم، وما كتبه عن ابن جريج فقط من الأحاديث، التي يحتاج إليها الفقهاء نحو اثني عشر ألف حديث، كما حكى ذلك الصيمري، والخطيب، وغيرهما، ومن استكثر عليه هذا العدد مع استساغته أن يروي من هو دون طبقته خمسين ألف حديث عن ظهر قلب أو مائة ألف حديث أو ألف ألف حديث إنما يستكثر كتابته لذلك العدد عنه لحاجة في النفس، وللحسن بن زياد مسند معروف في مروياته عن أبي حنيفة، وهو أحد المسانيد السبعة عشر لأبي حنيفة
стр. 2208
المذكور، أسانيدها في "الفهرست" "الأوسط" للحافظ الشمس بن طولون، وفي "عقود الجمان" للحافظ محمد بن يوسف الصالحي مؤلّف "السيرة الكبرى الشامية"، وفي "ثبت" المسند الشيخ أيوب بن أحمد الدمشقي الخلوتي، وفي "حصر الشارد" في أسانيد محمد عابد السندي محدّث القرن المنصرم، وقد ساق المحدّث علي بن عبد المحسن الدواليبي الحنبلي سنده في مسند الحسن بن زياد في "ثبته" المحفوظ في ظاهرية "دمشق" تحت رقم ٢٨٥ من الحديث، وقال: مسند الإمام المقدّم أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي الفقيه، رحمة الله عليه رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي عنه عن شيوخه مما استخرج من "كتاب المجرّد" رواية محمد بن شُجاع الثلجي عنه قراءة على والدي جمال الدين قال والدي ﵀: وقد سمعته على جدّي الشيخ عفيف الدين أبي عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المحسن بن أبي الحسن عبد الغفّار الخراط المحدّث بقراءة الشيخ سراج الدين أبي حفص عمر بن علي عمر القزويني المحدّث إمام جامع الخلافة بـ "بغداد" قلنا له: أخبرنا أبو طاهر إبراهيم بن محمد بن أحمد بن حمديه البيع قراءة عليه، ونحن نسمع يوم الأحد خامس جمادى الأولى من سنة تسع وثمانين وخمسمائة، قال: أنبأنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن الحسن بن محمد الحسن الخلال في ربيع الآخر من سنة سبع وخمسين وأربعمائة، قال: أبنأنا أبو الحُسين عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن حمة قراءة عليه، وأنا أسمع في شعبان سنة ستّ وتسعين وثلائمائة، قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، وتوفي في آخر سنة ستّ وستين ومائتين، وولد ابن حبيش يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
قال محمد بن شجاع: أخبرنا الحسن بن زياد اللؤلؤي، عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
(ح) قال والدي وسراج الدين عمر رحمهما الله: وقلنا له أيضًا: أخبرك أبو نصر الأعزّ بن أبي الفضائل بن العليق، وعجيبة بنت محمد بن
стр. 2209
أحمد الباقداري إجازة إن لم يكن سماعا عليهما أو على أحدهما، قال: أنبأنا كذلك حجّة العرب أبو محمد عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أحمد الخشَّاب، قال: أنبأنا الشيخ الإمام أبو عبد يحيى بن الحسن بن أحمد البناء بقراءتي عليه في يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول سنة سبع وعشرين وخمسمائة بسنده المذكور.
(ح) وقلنا له أيضًا: أخبرتك عاليا أم آسية ضوء الصباح عجيبة بنت محمد بن أحمد الباقداري إن لم يكن سماعا عن الرئيس أبي الفرج مسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي إجازة، عن الشريف بن الحُسين محمد بن علي بن محمد بن المهتدي بالله، عن أبي الحسين عبد الرحمن بن عمر بن أحمد توفي ليلة الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وثلاثمائة بسنده أعلاه.
(ح) قال والدي وسراج الدين رحمهما الله: هذه طريقة سنة الشيخ عفيف الدين، وقال الشيخ سراج الدين عمر القارئ: لهذا المسند على جدّي الشيخ عفيف الدين رحمهما الله: وأنا أرويه أيضًا عن جماعة، منهم: أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم عبد الله بن عمر المقرئ، وأبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي، وأبو بكر عبد الله بن منصور بن أبي السعادات الخطيب البابصري إجازة بخطوطهم مرارا بروايتهم كذلك عن أبي محمد الأنجب أبي السعادات بن عبد الرحمن الحمامي بروايته عن الرئيس أبي الفرج مسعود بن الحسن الثقفي بسنده.
ويقول كاتب الحروف محمد زاهد الكوثري: لم أسق أحاديث بطرق أئمتنا زفر بن الهذيل، وأبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبي جعفر الطحاوي، ﵏ في تراجمهم، لكثرة ما طبع من الكتب المحتوية لأحاديثهم، وأما الإمام الحسن بن زياد فمع كثرة حديثه لم يطبع إلى الآن كتاب يحتوي أحاديثه فأحببت أن أسوق في هذا الفصل
стр. 2210
ستين حديثًا من أحاديثه في مسنده، كما فعل الدواليبي في "ثبته"، حيث قال: يقول مسطر هذه الأحرف عفيف الدين أبو المعالي علي بن المولى الشيخ العلامة رحلة زمانه جمال الدين أبي المحاسن عبد المحسن الواعظ المحدّث وخطيب جامع الخلافة بـ "بغداد": وأريد أن أذكر بعض سندي هذا إلى مسنده ستين حديثًا مسندة بسند آخر، تبرَّكا بهذا الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم، رحمه الله تعالى، مرتّبة على أبواب الفقه، نفع الله بها جامعها، وكاتبها، وراويها وحافظها، والعامل بها إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
(الحديث الأول) حدّثني والدي وشيخي وأستاذي ومن عليه في العلوم اعتمادي المولى الشيخ الإمام الرحلة جمال الدين أبو المحاسن عبد المحسن الواعظ خطيب جامع الخلافة بـ "بغداد" عرف بابن الدواليبى الأزجي الحنبلي رحمه الله تعالى، قال: حدّثنا سيّدنا وشيخنا المولى الشيخ الإمام شيخ الإسلام وقدوة الأنام محيي السنّة وقامع البدعة سراج الملّة والدين أبو حفص (١) عمر بن السيّد علي بن عمر القزويني المقرئ المحدّث الشافعي المدرّس بالمدرسة الثقفية والإمام بجامع الخليفة بـ "بغداد" - رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين -، قال: أخبرنا الشيوخ المحمّدون العراقيون السَّيلاميون أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المحسن بن أبي الحسن الأزجي البغدادي بقراءتي عليه، وأبو عبد الله محمد بن ناصر بن أحمد الحلاوي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عمر بن أبي القاسم، وأبو بكر محمد بن أبي منصور بن أبي السعادات الخطيب البابصري البغداديون سماعا، ومن أهل "الشام" مسند "الشام" قاضي القضاة أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي، وأبو محمد القاسم بن محمود بن عساكر الدمشقيان، وغيرهم إجازة بخطوطهم مرارا،