← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

١٧٦ هـ، واللؤلؤي إنما ولي القضاء سنة ١٩٤ هـ، فلا يكون قضاؤهما في زمن واحد، حتى يصحّ هذا القول، بل لا يعلم أن حمَّاد بن أبي حنيفة ولي القضاء، حتى يمكن أن يقال: هذا القول، بل لم يستمرّ الحسن بن زياد على القضاء إلى مدّة يسيرة، لا تفسد معها بركة العام! حيث استقال من القضاء سريعا، ولم يتمسّك بكرسي الحكم كغيره، فقبلت استقالته، وإسحاق الطالقاني يكذبه أناس، وإن مشاه أناس، كما يظهر من "تاريخ الخطيب" على أن من بلغ مبلغ العقيلي من التعصّب المزري، لا يكون موضع تعويل في مثل هذا الخبر، نسأل الله السلامة، وكان الحسم بن زياد رجلا صريحا لا يعرف المداجاة ولا المداهنة، ولا يحسن السياسة مع خلطائه، حتى إنه لم يوفّق في اتصالاته بالأمراء، وقد اتصل بالرشيد، فأخفق، واتصل بالمأمون فأخفق، وكان من العُلماء الذين يحضرون مجلس الرشيد في ليالي رمضان لمذاكرة العلم، فأقبل الرشيد عليهم، فقال: سلوا فألقى عليه الحسن اللؤلؤي مسألة من المعقدات، فأقبل عليه أبو يوسف، فقال: ليس هذا مما يسأل عنه أمير المؤمنين، ثم أخذ أبو يوسف يتكلّم في العلم إصلاحا للوضع، ثم قال للحسن: يا ضعيف مثل هذه المسألة المعقدة تلقى على الخلفاء؟ لو ألقيت هذه على بعضنا ما قام بها، فقال اللؤلوي، فلم قال: سلونا؟ وكان الرشيد إذا صلى مسح بيده موضع سجوده، ثم مسح به وجهه، فقال له الحسن بن زياد: إن هذا الذي يفعله أمير المؤمنين بدعة، فعمّن أخذه؟ قال: رأيت أبائي يفعلونه، فأنا أقتدي بهم، فأقبل أبو يوسف، وتكلّم بما يصلح الموقف، فلمّا انصرف أمر الرشيد حجب اللؤلؤي عنه، كما في رواية طويلة، ذكرها ابن أبي العوّام الحافظ. وقال الصَّيمري: أخبرنا أبو عبد الله المرزباني، قال: حدّثنا أحمد بن خلف، قال: حدّثنا الحُسين بن حميد النحوي، قال: حدّثنا إبراهيم بن الليث الدهقان، عن بعض أصحابه، قال: كان الرشيد أمر الحسن بن زياد اللؤلؤي

стр. 2207

أن يسير إلى المأمون أيام كان بـ "الرقّة" كلّ أسبوع يومًا، فيذاكره الفقه، ويسأله عن الحديث، واختلاف الناس فيه، قال: فبينا اللؤلؤي في بعض الليالي عنده بـ "الرقّة" يحدثه إذ نعس المأمون، فقال له اللؤلؤي: سمعتُ أيها الأمير، ففتح عينيه، فقال: سوقي والله يا غلام! خذه بيده، فأخرجه، فأخرج، فلم يدخل عليه بعد ذلك، فبلغ ذلك الرشيد، فقال متمثّلا: وهل ينبت الخطمي إلا وشيجه … ويغرس إلا في منابتها النخل وهذا مما يدلّ على أنه كان قويّ النفس، لا يعامل الكبار معاملة خاصّة، وهذا مما لا يستسيغه الأمراء والكبراء، ولو كان يرعي السياسة المرعية لانتفع بعلمه الكبار والصغار، ولعلّه لم يكن يرتاح إلى الاتصال بهم، لانصرافه إلى العلم، فأبدى شذوذا عن الرسوم المرعية، ليستغنوا عنه، فحصل له ما كان يريده، والله أعلم. وهذه الأنباء تدلّ على نفيسة الحسن بن زياد، وعلى أنه كان من خيرة العُلماء في عصره في الفقه والحديث ومعرفة الاختلاف، حيث كان وقع الاختيار عليه لمجالسته مثل الرشيد، وتعليم مثل المأمون، وإن أخفق فيهما لحالته الحية. كثرة حديث الحسن بن زياد تلقّى الحسن بن زياد الحديث عن كثير من شيوخ العلم، وما كتبه عن ابن جريج فقط من الأحاديث، التي يحتاج إليها الفقهاء نحو اثني عشر ألف حديث، كما حكى ذلك الصيمري، والخطيب، وغيرهما، ومن استكثر عليه هذا العدد مع استساغته أن يروي من هو دون طبقته خمسين ألف حديث عن ظهر قلب أو مائة ألف حديث أو ألف ألف حديث إنما يستكثر كتابته لذلك العدد عنه لحاجة في النفس، وللحسن بن زياد مسند معروف في مروياته عن أبي حنيفة، وهو أحد المسانيد السبعة عشر لأبي حنيفة

стр. 2208

المذكور، أسانيدها في "الفهرست" "الأوسط" للحافظ الشمس بن طولون، وفي "عقود الجمان" للحافظ محمد بن يوسف الصالحي مؤلّف "السيرة الكبرى الشامية"، وفي "ثبت" المسند الشيخ أيوب بن أحمد الدمشقي الخلوتي، وفي "حصر الشارد" في أسانيد محمد عابد السندي محدّث القرن المنصرم، وقد ساق المحدّث علي بن عبد المحسن الدواليبي الحنبلي سنده في مسند الحسن بن زياد في "ثبته" المحفوظ في ظاهرية "دمشق" تحت رقم ٢٨٥ من الحديث، وقال: مسند الإمام المقدّم أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي الفقيه، رحمة الله عليه رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي عنه عن شيوخه مما استخرج من "كتاب المجرّد" رواية محمد بن شُجاع الثلجي عنه قراءة على والدي جمال الدين قال والدي ﵀: وقد سمعته على جدّي الشيخ عفيف الدين أبي عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المحسن بن أبي الحسن عبد الغفّار الخراط المحدّث بقراءة الشيخ سراج الدين أبي حفص عمر بن علي عمر القزويني المحدّث إمام جامع الخلافة بـ "بغداد" قلنا له: أخبرنا أبو طاهر إبراهيم بن محمد بن أحمد بن حمديه البيع قراءة عليه، ونحن نسمع يوم الأحد خامس جمادى الأولى من سنة تسع وثمانين وخمسمائة، قال: أنبأنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن الحسن بن محمد الحسن الخلال في ربيع الآخر من سنة سبع وخمسين وأربعمائة، قال: أبنأنا أبو الحُسين عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن حمة قراءة عليه، وأنا أسمع في شعبان سنة ستّ وتسعين وثلائمائة، قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، وتوفي في آخر سنة ستّ وستين ومائتين، وولد ابن حبيش يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة اثنتين وخمسين ومائتين. قال محمد بن شجاع: أخبرنا الحسن بن زياد اللؤلؤي، عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، رحمه الله تعالى ورضي عنه. (ح) قال والدي وسراج الدين عمر رحمهما الله: وقلنا له أيضًا: أخبرك أبو نصر الأعزّ بن أبي الفضائل بن العليق، وعجيبة بنت محمد بن

стр. 2209

أحمد الباقداري إجازة إن لم يكن سماعا عليهما أو على أحدهما، قال: أنبأنا كذلك حجّة العرب أبو محمد عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أحمد الخشَّاب، قال: أنبأنا الشيخ الإمام أبو عبد يحيى بن الحسن بن أحمد البناء بقراءتي عليه في يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول سنة سبع وعشرين وخمسمائة بسنده المذكور. (ح) وقلنا له أيضًا: أخبرتك عاليا أم آسية ضوء الصباح عجيبة بنت محمد بن أحمد الباقداري إن لم يكن سماعا عن الرئيس أبي الفرج مسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي إجازة، عن الشريف بن الحُسين محمد بن علي بن محمد بن المهتدي بالله، عن أبي الحسين عبد الرحمن بن عمر بن أحمد توفي ليلة الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وثلاثمائة بسنده أعلاه. (ح) قال والدي وسراج الدين رحمهما الله: هذه طريقة سنة الشيخ عفيف الدين، وقال الشيخ سراج الدين عمر القارئ: لهذا المسند على جدّي الشيخ عفيف الدين رحمهما الله: وأنا أرويه أيضًا عن جماعة، منهم: أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم عبد الله بن عمر المقرئ، وأبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي، وأبو بكر عبد الله بن منصور بن أبي السعادات الخطيب البابصري إجازة بخطوطهم مرارا بروايتهم كذلك عن أبي محمد الأنجب أبي السعادات بن عبد الرحمن الحمامي بروايته عن الرئيس أبي الفرج مسعود بن الحسن الثقفي بسنده. ويقول كاتب الحروف محمد زاهد الكوثري: لم أسق أحاديث بطرق أئمتنا زفر بن الهذيل، وأبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبي جعفر الطحاوي، ﵏ في تراجمهم، لكثرة ما طبع من الكتب المحتوية لأحاديثهم، وأما الإمام الحسن بن زياد فمع كثرة حديثه لم يطبع إلى الآن كتاب يحتوي أحاديثه فأحببت أن أسوق في هذا الفصل

стр. 2210

ستين حديثًا من أحاديثه في مسنده، كما فعل الدواليبي في "ثبته"، حيث قال: يقول مسطر هذه الأحرف عفيف الدين أبو المعالي علي بن المولى الشيخ العلامة رحلة زمانه جمال الدين أبي المحاسن عبد المحسن الواعظ المحدّث وخطيب جامع الخلافة بـ "بغداد": وأريد أن أذكر بعض سندي هذا إلى مسنده ستين حديثًا مسندة بسند آخر، تبرَّكا بهذا الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم، رحمه الله تعالى، مرتّبة على أبواب الفقه، نفع الله بها جامعها، وكاتبها، وراويها وحافظها، والعامل بها إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. (الحديث الأول) حدّثني والدي وشيخي وأستاذي ومن عليه في العلوم اعتمادي المولى الشيخ الإمام الرحلة جمال الدين أبو المحاسن عبد المحسن الواعظ خطيب جامع الخلافة بـ "بغداد" عرف بابن الدواليبى الأزجي الحنبلي رحمه الله تعالى، قال: حدّثنا سيّدنا وشيخنا المولى الشيخ الإمام شيخ الإسلام وقدوة الأنام محيي السنّة وقامع البدعة سراج الملّة والدين أبو حفص (١) عمر بن السيّد علي بن عمر القزويني المقرئ المحدّث الشافعي المدرّس بالمدرسة الثقفية والإمام بجامع الخليفة بـ "بغداد" - رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين -، قال: أخبرنا الشيوخ المحمّدون العراقيون السَّيلاميون أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المحسن بن أبي الحسن الأزجي البغدادي بقراءتي عليه، وأبو عبد الله محمد بن ناصر بن أحمد الحلاوي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عمر بن أبي القاسم، وأبو بكر محمد بن أبي منصور بن أبي السعادات الخطيب البابصري البغداديون سماعا، ومن أهل "الشام" مسند "الشام" قاضي القضاة أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي، وأبو محمد القاسم بن محمود بن عساكر الدمشقيان، وغيرهم إجازة بخطوطهم مرارا،

стр. 2211

قالوا: جميعًا أنبأتنا أمّ آسية ضوء الصباح لامعة، وتدعى عجيبة بنت الحافظ أبي بكر محمد بن أحمد بن مرزوق الباقداري. وقال الأربعة الآخرون: أنبأنا أيضًا أبو محمد الأنجب بن أبي السعادات بن عبد الرحمن الحمامي، وأبو العبّاس أحمد بن يعقوب بن عبد الله المارستاني، قالوا جميعا: أخبرنا مسند الدنيا الرئيس أبو القاسم مسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي الأصبهاني، قال: أخبرنا الشريف أبو الحُسين محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الصمد المهتدى بالله أمير المؤمنين، قال: أخبرنا أبو الحُسين عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن حمة في بعض شهور سنة تسعين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن حبيش البغوي المعدل قراءة عليه في رجب سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، قال حدّثنا الحسن بن زياد اللؤلؤي، قال: حدّثنا الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، عن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: خرجنا مع حذيفة ﵁، فنزلنا معه على دهقان بـ "المداين"، فأتانا بطعام، ثم أتانا بشراب في إناء من فضّة، فتناوله حذيفة ﵁، فضرب به وجه الدهقان، فسألنا ما صنع، فقال: أتدرون لم صنعت هذا به؟ فقلنا: لا، فقال: فإني نزلت به في العام الماضي، فأتانا بشراب في هذا الإناء، فأخبرته أن رسول الله ﷺ نهى أن نأكل في آنية الذهب والفضّة، وأن نشرب فيها، ونهانا أن نلبس الحرير والدبياج، وقال: إنما هو للمشركين في الدنيا، وهو لنا في الآخرة. (الحديث الثاني): وبالإسناد المذكور إلى اللؤلؤي قال: حدّثنا أبو حنيفة رحمه الله تعالى ورضي عنه، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: نهيتُكم عن النبيذ في الدبّاء والحنتم والمزفّت، فاشربوا في كلّ ظرف، فإن الظروف لا تخلّ شيئًا، ولا تحرمه، ولا تشربوا المسكر.

стр. 2212

(الحديث الثالث): وبالإسناد قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: حدّثنا خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي ﵁ أنه دعا بماء، فغسل كفّيه ثلاثًا، ومضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح رأسه، وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هذا وضوء رسول الله ﷺ . (الحديث الرابع): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الوضوء مفتاح الصلاة، التكبير تحريمها، والتسليم تحليلها، ولا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ومعها غيرها، وفي كلّ ركعتين تسليم، يعني التشهّد. (الحديث الخامس): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن حذيفة ﵁، أنه خرج، وهو جنب، فبصر به النبيّ ﷺ (فمشى) ليضع يده على يد حذيفة، فأخّرها حذيفة، فقال: إني جنب يا رسول الله! فقال: النبيّ ﷺ : أدن يدك، فإن المؤمن لا ينجس. (الحديث السادس): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة، ﵂، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصيب من أهله أول الليل، ثم ينام، وما يمسّ ماء، فإذا استيقظ من آخر الليل، فإن كان له حاجة عاودها، ثم اغتسل. (الحديث السابع): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة، ﵂، قالت: كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول الله ﷺ ، فيصلى فيه. (الحديث الثامن): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، رضى اللّه عنها، أنها قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش

стр. 2213

إلى النبيّ ﷺ ، فقالت يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر الشهرين والثلاثة، فقال لها رسول الله ﷺ : إذا أدبرت حيضتك، فاغتسلي لطهرك، وتوضئى لكلّ صلاة. (الحديث التاسع): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة عن عبد الملك بن عمير عن قزعة (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة بعد صلاة الغداة، حتى تطلع الشمس. (الحديث العاشر): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن بلال عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ﵄، أن رسول الله ﷺ ، كان يعلمهم التكبير في الصلاة كلّما ركعوا، وسجدوا، كما يعلمهم السورة من القرآن. (الحديث الحادي عشر): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن أبي الحسن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله، ﵄، عن النبيّ، ﷺ : أنه صلّى ورجل يقرأ خلفه، فجعل رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ينهاه عن القراءة في الصلاة خلف رسول الله ﷺ ، فتنازعا، حتى ذكر ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : من صلّى خلف إمام، فقراءة الإمام له قراءة. (الحديث الثاني عشر): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن أبي الحسن، عن أبي الوليد عن جابر ﵁، قال: انصرف رسول اللّه ﷺ من صلاة الظهر والعصر، فقال: من قرأ سبّح اسم ربّك الأعلى؟ فسكت القوم مرارا، فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال: لقد رأيتك قبل تنازعني أو تخالفني القرآن.

стр. 2214

(الحديث الثالث عشر): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلّم عن يمينه لينصرف، قال: السّلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خدّه الأيمن، وإذا سلّم عن يساره، قال: السَّلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خدّه الأيسر. (الحديث الرابع عشر): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي، وأنا إلى جنبه نائمة، وعليه ثوب، يصلّى فيه، وجانب الثوب عليَّ. (الحديث الخامس عشر): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن أبان، عن أنس بن مالك، ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل. (الحديث السادس عشر): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، ﵂، قالت: كان أصحاب رسول الله ﷺ يصلحون أراضيهم بأيديهم، فكان الرجل يروح إلى الجمعة، وقد عرق، وتلطّخ بالطين، فكان يقال: من راح إلى الجمعة فليغتسل. (الحديث السابع عشر): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير رضى الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ ، يقرأ في الجمعة والعيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. (الحديث الثامن عشر): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن عبيد بن نسطاس، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله

стр. 2215

عنه، أنه قال: من السنّة حمل الجنازة بجوانب السرير الأربع، فما زدت على ذلك فهو نافلة. (الحديث التاسع عشر): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : نهيتُكم عن زيارة القبور، فزوروها، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمّه، ولا تقولوا هجرا. (الحديث العشرون): وبه قال: حدّثَنَا أبو حنيفة، عن الهيثم، عن ابن سيرين، عن علي، ﵁: أنه كان يكبر على الجنائز ستا وخمسا وأربعا، فلمّا قبض النبيّ ﷺ كان المسلمون على ذلك في خلافة أبي بكر، وكانوا كذلك في أول خلافة عمر، فلمّا رأى عمر اختلافهم جمع أصحاب محمد ﷺ ، فقال متى تختلفوا يختلف من بعدكم، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها رسول الله ﷺ حين قبض، فيأخذون بذلك، ويرفضون ما سواه، فنظروا، فوجدوا آخر جنازة كبّر عليها رسول الله ﷺ حين قبض كبّر عليها أربع تكبيرات، فأخذوا بالأربع، وتركوا ما سوى ذلك. (الحديث الحادي والعشرون): وبه قال حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة ﵂، أنه بلغها أن أبا هريرة كان يفتي في مسجد الرسول ﷺ أنه من أصبح جنبا في رمضان، فلا يصومنّ ذلك اليوم. فقالت يرحم الله أبا هريرة لم يحفظ، لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يخرج إلى صلاة الفجر، ورأسه يقطر من ماء، غسله من الجنابة، ثم يصبح صائما، فبلغ ذلك أبا هريرة، فرجع أبو هريرة، ﵁، عن قوله، وقال: هي أعلم مني.

стр. 2216

(الحديث الثاني والعشرون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة عن عدي بن ثابت عن أبي الشعثاء عن أبي هريرة، رضى اللّه عنه، أن النبيّ ﷺ نهى عن صوم الوصال وصوم الصمت. (الحديث الثالث والعشرون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة (١)، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا صيام هذان اليومان، يوم الفطر، ويوم الأضحى. (الحديث الرابع والعشرون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة عن مسلم عن أنس، ﵁، قال سافرت مع النبيّ ﷺ في شهر رمضان، وهو يريد مكّة، فصام وصام المسلمون، حتى إذا كان في بعض الطريق شكا إليه المسلمون الجهد، فدعا بماء، فأفطر، وأفطر المسلمون معه. (الحديث الخامس والعشرون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة ﵁، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية (٢) أن عمر بن الخطّاب ضى الله عنه، أرسل إلى عمّار ﵁، وأمره أن يحدّث عن النبيّ ﷺ في الأيام البيض، فقال عمّار: أهدى أعرابي إلى النبيّ ﷺ أرنبا مشوية، فأمر النبيّ ﷺ بأكلها، وأبى الأعرابيّ أن يأكل، فقال رسول الله ﷺ : أفلا تجعلهنّ البيض. (الحديث السادس والعشرون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة، ﵂: أنها كانت تغسل رأس رسول الله ﷺ ، وهي حائض، وهو معتكف، فخرج رأسه إليها من المسجد، فتغسله.

стр. 2217

(الحديث السابع والعشرون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة عن حمَّاد عن إبراهيم، قال: خرج صُبيَ (١) بن معبد وزيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة، فلما أحرموا أحرم زيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة بالحجّ مفردا، وأما صُبَي بن معبد، فإنه قرن العمرة والحجّ جميعا، فأقبلا يلومانه، وقالا له: أنت أضلّ من بعيرك، أتقرن العمرة مع الحجّ، وقد نهى أمير المؤمنين عن العمرة، يعنون عمر ﵁، فقال لهما: أقدم على أمير المؤمنين، وتقدمون، فلمَّا قدموا مكة، وقضوا نسكهم، مرّوا بالمدينة، فدخلوا على عمر، فقال له زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة: يا أمير المؤمنين! إن صُبَيا قرن العمرة والحجّ جميعا، فنهيناه عن ذلك، فلم ينته، فأقبل عمر على صُبَي، فقال: ماذا صنعت يا صُبَي؟ قال: فقال: يا أمير المؤمنين! أهللت بالحجّ والعمرة جميعا، فلما قدمت مكة، طفت طوافا لعمرتي، وسعيت بين الصفا والمروة لعمرتي، وطفت طوافا آخر لحجّتي، ثم سعيت بين الصفا والمروة لحجتي، ثم أقمت حراما كما أنا، حتى إذا كان يوم النحر، ذبحت ما استيسر من الهدي، ثم أحللت، قال: فضرب عمر ﵁ على ظهره، ثم قال هديت لسنّة نبيّك ﷺ . (الحديث الثامن والعشرون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة ﵂، أنها قالت طيّبت رسول الله ﷺ ، حين أراد أن يحرم، وكأني أنظر إلى وبيض الطيب في مفارقه، وهو محرم. (الحديث التاسع والعشرون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، أن رجلًا سأله، فقال يا أبا عبد الرحمن! رأيتك حين أردت أن تحرم ركبت راحلتك،

стр. 2218

واستقبلت القبلة، ثم أحرمت، فقأل: "إني رأيت رسول الله ﷺ يفعله. (الحديث الثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول اللّه ﷺ : إن أفضل الحجّ العجّ والثجّ، فالثجّ نحر البدن، والعجّ بالتلبية، يعني رفع الصوت بها. (الحديث الحادي الثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن عمر، ﵄، أن رجلًا قال له: يا أبا عبد الرحمن! ما رأيتك تطوف بالبيت، فتجاوز الركن اليماني، حتى تستلمه، فقال: إني أفعله، فإني رأيتُ رسول اللّه ﷺ يفعله. (الحديث الثاني والثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: لقد كنت أفتل قلائد الهدي لمحمد ﷺ ، ثم يقيم، وما يعتزل منا امرأة. (الحديث الثالث والثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة، عن أبيه الزبير بن العوام ﵁، قال كنا نحمل لحوم الصيد معنا، ونتزوّد، ونحن محرمون مع النبي ﷺ . (الحديث الرابع والثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا، الملح بالملح مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا، وبه عنه ﵁: الذهب بالذهب مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا، الفضة بالفضة مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا.

стр. 2219

(الحديث الخامس والثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : لا يستام الرجل على سوم أخيه. (الحديث السادس والثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: من باع عبدا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع. (الحديث السابع والثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من باع نخلا مؤبّرة، فالتمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع. (الحديث الثامن والثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن عبد الكريم، عن المسور بن مخرمة، عن رافع بن خديج ﵁، أنه قال: عرض على سعد بن مالك ﵁ بيتا، فقال: خذه، أما إني قد أعطيت به أكثر مما تعطيني، ولكنّك أحقّ به، إني سمعتُ رسول الله ﷺ ، يقول: الجار أحقّ بسقبه. (الحديث التاسع والثلاثون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : من استأجر أجيرا فليعلمه أجره. (الحديث الأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن الحكم، عن عبد الله ابن شدّاد بن الهاد أن ابنة (١) حمزة ﵂ وعن أبيها، أعتقت غلاما، ثم مات المعتق، وترك ابنته، فأعطى رسول الله ﷺ ابنة المعتق النصف، وأعطى ابنة حمزة النصف.

стр. 2220

(الحديث الحادي والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة ﵂، أبها أرادت أن تشتري بريرة، فتعتقها، فقال مواليها: لا نبيعها إلا أن تشترطي لنا ولاءها، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ﷺ ، فقال: الولاء لمن أعتق، فاشترتها عائشة، فاعتقتها، ولها زوج مولى لآل بني (هلال)، فخيّرها رسول الله ﷺ ، فاختارت نفسها، ففرّق بينهما وبه عنه بعد قوله، فتعتقها: فأبى أهلها أن يبيعوها إلا ولهم ولاؤها، فذكرت ذلك عائشة للنبيّ ﷺ ، فقال: لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق. (وبه قال ابن شجاع: التأويل في ذلك عند أهل العلم أنهم يعني البائعين أرادوا شيئًا لا يجوز، فقال ﷺ : لا يمنعك ذلك. قال: فإن الذي قالوا لا يجوز، وإذا أخبروا بأنه لا يجوز لم يثبتوا على طلب ذلك، ورجعوا إلى أن يبيعوا على بيع السنّة إن الولاء لمن أعطى الثمن. (الحديث الثاني والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقّاص ﵁، أنه قال: دخل على رسول الله ﷺ يعودني في مرض، فقلت: يا رسول الله! أريد أن أوصى أفأوصي بمالي كلّه؟ قال: لا، قلت: فأوصي بنصف مالي؟ قال: لا، قلت: فأوصي بثلث مالي؟ قال: بالثلث، والثلث كثير، لا تدع أهلك يتكفّفون الناس. (الحديث الثالث والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن أبي تميم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄، أن النبي ﷺ ، قال: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا تزوج المرأة على أختها، ولا على خالتها.

стр. 2221

(الحديث الرابع والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن متعة النساء، وما كنا مسافحين. (الحديث الخامس والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال في متعة النساء: أنها كانت رخصة لأصحاب محمد ﷺ ثلاثة أيام في غزاة لهم، شكوا إليه فيها العزوبة، ثم نسخها آية النكاح والصداق والميراث. (الحديث السادس والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حميد الأعرج، عن أبي ذرّ ﵁ أنه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن إتيان النساء في أعجازهنّ. (الحديث السابع والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أن امرأة أتته، فقالت: يا أبا عبد الرحمن! إن زوجي مات عني، ولم يدخل بي، ولم يفرض لي صداقا، فلم يدر عبد الله ما يجيبُها به، فمكثت يردّدها شهرا، ثم قال: ما سمعت من رسول الله في ذلك شيئًا، وسأجتهد برأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطئ فمن قبل رأيي، ثم قال: أرى أن لها صداق مثلها، من نسائها لا وكس ولا شطط، وإن لها الميراث، وعليها العدّة، فقال بعض القوم: والذي يحلف به لقد قضيت فيها بقضاء رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق الأشجعية، قال: ففرح عبد الله فرحة ما فرح مثلها منذ أسلم، بموافقة رسول الله ﷺ في شيء لم يسمع منه. (الحديث الثامن والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة ﵂، قالت: خيّرها رسول الله ﷺ ، فلم يعد ذلك طلاقا.

стр. 2222

(الحديث التاسع والأربعون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن يحيى بن الحارث التميمي، عن أبي ماجد الحنفي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رجلًا أتاه بابن أخ له نشوان، قد ذهب عقله، فأمر به عبد الله، فحبس حتى إذا صحا دعا بسوط، فقطع ثمرته، ثم دقّ طرفه، ثم دعا جلّادا، فقال: اجلده، وأوجع في جلدك ولا تبد ضبعيك، وأقبل عبد الله يعدّ، حتى إذا كمل ثمانين جلدة خلّى سبيله، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن! أما والله إنه لابن أخي، وما لي من ولد غيره، فقال عبد الله: بئس العمّ والي اليتيم، كنت ما أحسنت أدبه صغيرا، ولا سترت عليه كبيرًا، ثم أنشأ عبد الله يحدّثنا، فقال: إن أول حدّ أقيم في الإسلام لسارق أتي به النبيّ ﷺ ، فلمّا قامت عليه البينة، قال انطلقوا به، فاقطعوه، فلمّا انطلق به ليقطع، نظر إلى وجه رسول الله ﷺ ، كأنما أسفى (١) فيه الرماد، فقال له بعض جلسائه: يا رسول الله! لكأنّ هذا اشتدّ عليك، فقال رسول الله ﷺ : وما لي لا يشتدّ على أن تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم المسلم، قالوا: فلو خلّيت سبيله، يا رسول الله! قال: أفلا كان هذا قبل أن تأتوني به، فإن الإمام إذا انتهى إليه حدّ، فليس ينبغي له أن يعطّله حتى يقيمه، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (الحديث الخمسون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ أتى ماعز بن مالك، فقال له: إن الأخر (٢) قد زنى، فأقم عليه

стр. 2223

الحدّ، فردّه، ثم أتاه الثانية، فقال له: إن الأخر قد زنى فردّه، ثم أتى الثالثة، فقال له: إن الأخر قد زني، فردّه، ثم أتاه الرابعة، فقال له: إن الأخر قد زنى، فسأل النبيّ ﷺ قومه، فقال: هل تنكرون من عقله شيئًا؟ فقالوا: لا، فقال النبيّ ﷺ : انطلقوا به، فارجموه، فانطلقوا به، فرجم ساعة بالحجارة، فأبطأ عليه القتل، فهرب إلى مكان كثير الحجارة، فقام فيه، فأتاه المسلمون، فرضخوه بالحجارة، حتى قتلوه، فقال ﷺ : فهلا خلّيتم سبيله، وتركتموه، ثم اختلف الناس فيه، فقال قائل: هلك ماعز، وأهلك نفسه، وقال قائل: نرجو أن يكون توبة، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فقال: لقد تاب توبة لو تابها فئام من الناس قبلت منهم، فلما سمع ذلك أصحابه طمعوا فيه، وقالوا للنبيّ ﷺ : ما نصنع بجسده؟ فقال: انطلقوا، فاصنعوا به كما تصنعون بموتاكم من الغسل له، والكفن والصَّلاة عليه والدفن له، فانطلق أصحابه، فصلّوا عليه، ودفنوه. (الحديث الحادي والخمسون): وبه قال: حدّثَنَا أبو حنيفة، عن أبي حجية (١)، عن أبي الأسود، عن أبي ذرّ ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: إن أحسن ما غيّرتم به الشعر الحناء والكتم. (الحديث الثاني والخمسون). وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا أو سرية أوصى صاحبهم بتقوى الله في خاصّة نفسه، وأوصاه بمن معه من المسلمين خيرا، ثم يقول لهم: اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، فاقتلوا من كفر بالله، لا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا شيخا كبيرًا، وإذا لقيتم عدوكّم

стр. 2224

من المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاقبلوا منهم، كفّوا عنهم، وادعوهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فاقبلوا منهم، وكفّوا عنهم، وإلا فأعلموهم أنهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله، الذي يجري على المسلمين، وليس لهم في الفئ ولا في الغنيمة نصيب، فإن أبوا ذلك فادعوهم إلى أن يؤدّوا الجزية، فإن فعلوا فاقبلوا منهم، وكفّوا عنهم، وإذا حاصرتم قرية أو مدينة فأرادوكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم علي. حكم الله ، فإنكم لا تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم احكموا فيهم ما رأيتم، وإن أرادوكم أن تعطوهم ذمّة الله وذمّة رسوله فلا تعطوهم ذمّة الله ولا ذمّة رسوله، ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم أيسر. (الحديث الثالث والخمسون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن محمد بن الزبير، عن عمران بن الحصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا نذرَ في معصية الله ، وكفّارته كفّارة يمين. (الحديث الرابع الخمسون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إني نهيتُكم عن لحوم الأضاحي أن تمسكوا فوق ثلاثة أيام، فأمسكوا ما بدا لكم، وتزوّدوا، فإنما نهيتُكم ليوسع موسركم على فقيركم. (الحديث الخامس والخمسون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عدي بن حاتم ﵁، أنه سأل رسول الله ﷺ ، عن الصيد يقتله الكلب قبل أن تدرك ذكاته، فأمره النبيّ ﷺ أن يأكله إن كان عالما، وسمى الله عليه - يعني معلّما.

стр. 2225

(الحديث السادس والخمسون): وبه قال: حدَّثنا أبو حنيفة، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة الخشني ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن كل ذي ناب من السبع، وعن كلّ ذي مخلب من الطير. (الحديث السابع والخمسون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية (١) بن رفاعة ﵁ أن بعيرا من إبل الصدقة ندَّ، فطلبوه، فلمَّا أعياهم أن يأخذوه رماه رجل بسهم، فأصاب عقتله، فقتله، فسألوا النبيَّ ﷺ عن أكله، فقال: إن لها أوابد كأوابد الوحش، فإذا خشيتم منها فاصنعوا كما صنعتم بهذا، ثم كلوه. (الحديث الثامن والخمسون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر ضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية عام خيبر. (الحديث التاسع والخمسون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سئل عن لحم الأرنب، فقال لولا أني أتخوف أن أزيد شيئًا أو أنقص منه لحدثتكم، ولكني مرسل إلى بعض من شهد الحديث، فأرسل إلى عمَّار بن ياسر ﵁، فأمره أن يحدث، فقال عمّار ﵁: أهدى أعرابي إلى النبي ﷺ أرنبا مشوية، فأمره النبي ﷺ بأكلها. (الحديث الستون): وبه قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عائشة ﵂، أنه أهدي لها ضبّ، فسألت النبي ﷺ ، فنهاها عن أكله، فجاء سائل، فأمرت له به، فقال رسول الله صلى

стр. 2226

الله عليه وسلم: أتطعمين ما تأكلين؟ انتهت الأحاديث الستون، التي انتقاها العفيف علي بن عبد المحسن الدواليبي من مسند الحسن بن زياد، نقلت جميعها من خطّه لتكون كنماذج لمرويات الإمام الحسن بن زياد اللؤلؤي، الذي يعدّ من المكثرين من رواية الحديث، بين أصحاب أبي حنيفة - رضى الله عنه وعن الجميع، ونفعنا بعلومهم أجمعين -. أسانيد أهل العلم في مسند الحسن بن زياد (وسندنا إلى الدواليبي في روايتُه) يقول الحافظ شمس الدين بن طولون في "الفهرس الأوسط": أخبرنا بهذا المسند النور محمد بن محمد الجمال بقراءتي عليه، عن أبي عبد الله محمد بن أحمد الحنفي سماعا، عن أبي العبّاس أحمد بن محمد العبّاسي، عن أبي الحسن حيدرة بن محمد البغدادي، عن أبي الفضائل صالح بن عبد الله بن الصبّاغ، عن أبي المؤيّد محمد بن محمود العربي الخوارزمي بسنده في "جامع المسانيد" إلى أبي الحسن محمد بن إبراهيم البغوي المعروف بابن حبيش، عن محمد بن شجاع الثلجي، عن الحسن بن زياد. (ح) قال: وأخبرنا أبو بكر محمد بن أبي بكر بن عمر بن زريق، عن أبي بكر محمد بن عبد الله الدمشقي بن ناصر الدين، وأبو الفضل أحمد بن علي بن حجر المصري، وأم كمال كمالية بنت محمد المكّي، ثلاثتهم عن أبي هريرة بن الذهبي، عن محمد بن عبد المحسن الدواليبي بالسند في الفصل السابق. (ح) وقال ابن زريق: وأنبأنا به عاليا أبو الوفاء إبراهيم بن محمد الحلبي سبط العجمي شارح "البخاري"، عن الصلاح بن أبي عمر، عن الفخر بن البخاري، عن ابن الجوزي، عن إسماعيل بن أحمد السمرقندي، عن أبي القاسم عبد الله بن الحسن الخلال، عن عبد الرحمن بن حمة، عن ابن حبيش بسنده، ويقول الحافظ محمد بن يوسف الصالحي مؤلّف

стр. 2227

"السيرة الشامية الكبرى" في "عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان" أنبأنا به شيخ القضاة عمران الصيرفي، عن الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين عن أبي هريرة بن الذهبي، عن زينب بنت الكمال، عن عجيبة بنت محمد الباقداري، عن مسعود بن الحسن الثقفي، عن أبي الحُسين بن المهتدي بالله، عن أبي الحسن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن حمة، عن محمد بن إبراهيم بن حبيش البغوي، عن محمد بن شجاع، عن الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة. (ح)، وساق الصالحي سنده أيضًا عن شيخه الجلال السيوطي عن فاطمة بنت اليسيري، عن أبي هريرة بن الذهبي، عن محمد بن عبد المحسن الدواليبي بسنده في الفصل السابق. وله أسانيد أُخرُ في الكتاب، وقال المسند الشيخ أيوب الخلوتي في "ثبته": أنبأنا به ابن الأحدب عن النجم الماتاني، عن أبي البقاء بن زريق، عن ابن ناصر الدين، عن أبي هريرة بن الذهبي، عن محمد بن عبد المحسن الدواليبي بالسند السابق، وله مسند آخر في الكتاب ويقول أبو المؤيّد محمد بن محمود الخوارزمي في "جامع المسانيد": وأما "المسند" الذي رواه الحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، فقد أخبرني به المشايخ الأربعة محيي الدين يوسف بن الجوزي بقراءتي عليه، وإبراهيم بن محمود بن سالم، وأبو نصر الأعزّ بن أبي الفضائل، ومحمد بن علي بن بقاء، وآخرون إذنا قالوا جميعا: أخبرنا أبو الفرج بن الجوزي، عن أبي القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي، عن أبي القاسم عبد الله بن الحسن بن محمد الخلال، عن أبي الحسن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد، عن ابن حبيش، عن ابن شجاع، عن الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة، عن الجميع. وقال محمد عابد السندي مسند القرن المنصرم في "حصر الشارد": من أسانيد محمد عابد: أرويه عن يوسف المزجاجي، عن أحمد بن محمد الأهدل،

стр. 2228

عن خاله يحيى بن عمر الأهدل، عن أبي بكر علي البطّاح الأهدل عن عمّه يوسف بن محمد البطَّاح الأهدل، عن الطاهر بن الحُسين الأهدل، عن الحافظ ابن الديبع، عن الشمس السخاوى الحافظ، عن أبي عبد الله محمد بن أحمد التدمري كتابة، عن الصدر الميدومي، عن النجيب عبد اللطيف، عن ابن الجوزي بسنده. ومن هذا الطريق أيضًا ساق المحدّث عبد القادر بن خليل في "المطرب المعرب الجامع لأهل المشرق والمغرب" بأسانيده إلى السخاوي، وما حوى هذا المسند عبارة عن - الأحاديث، التي رواها الحسن بن زياد في كتابه "المجرّد" عن أبي حنيفة، (راجع الشامل لأبي القاسم إسماعيل بن الحُسين البيهتمي، وخزانة الأمل في مسائل كتاب الحسن بن زياد). وقد سمع محمد بن الثلجي "المجرّد" من مؤلّفه الحسن بن زياد، وسمعه من ابن شجاع أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن حبيش البغوي، وهو الذي أفرد أحاديث "المجرّد" بالتدوين، فنسب المسند إليه لقيامه بتدوينه، ونسب أيضًا إلى الحسن بن زياد، لاتصال السماع به، كما نصَّ على ذلك أئمة هذا الشأن. قال شيخ محمد زاهد الكوثري: وأروى "مسند الحسن بن زياد" ﵁ إجازة عن شيخنا الحسن بن عبد الله القسطموني، عن أحمد حازم الصغير، عن محمد أسعد إمام زاده، عن محمد هبة الله بعلي، عن صالح الجينيني، عن أبي المواهب بن عبد الباقي الحنبلي، عن أيوب بن أحمد الخلوتي بأسانيده في "ثبته" إلى ابن الدواليبي بسنده، وبأسانيد ابن طولون في "الفهرس الأوسط" برواية الخلوتي، عن إبراهيم بن الأحدب، عن ابن طولون. وأرويه أيضًا بسندى إلى صالح بن إبراهيم بن الجينيني، عن أبيه، عن خير الدين الرملي، عن محمد بن عمر الحانوتي، عن محمد بن يوسف

стр. 2229

الصالحي الحافظ بأسانيده من طريق ابن الدواليبي، وغيره في "عقود الجمان". (ح) وأرويه إجازة أيضًا عن أحمد طاهر القونوى العلائي، عن الوتري، عن عبد الغنى الدهلوي، عن محمد عابد السندي بسنده في "حصر الشارد". (ح) وأرويه إجازة أيضًا عن محدث "اليمن" الأكبر الحُسين بن علي العمري المعمّر ﵀ مكاتبة، عن أحمد بن محمد السياغي، عن الحُسين بن أحمد الرباعي، عن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، عن المحدّث عبد القادر بن خليل كدك زاده بأسانيده في "المطرب المعرب الجامع لأسانيد أهل المشرق والمغرب". (ح) وأرويه إجازة أيضًا عن محمد صالح الأمدي عن فالح الظاهري بسنده في حسن الوفا، وفي هذا القدر من سرد الأسانيد في مسند الإمام الحسن بن زياد ﵁ كفاية في معرفة مبلغ اهتمام أهل العلم بأحاديثه في جميع الطبقات، رغم تطاول ألسنة الناس على ذلك الفقيه العظيم، كعادتهم في أبي حنيفة وأصحابه، من غير حجّة، ﵃، وعن سائر الأئمة وأصحاتهم أجمعين، وسامح من تكلّم فيهم عن جهل بمنازلهم في العلم والإخلاص والخدمة للدين، وعاقب من طعن فيهم عن خبث طوية، وفساد نية معاقبة الأشرار المفسدين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين. كلام بعض أهل الجرح في الحسن بن زياد سبق بيان ما قاله أهل العلم في الثناء على الحسن بن زياد بالعلم، والورع، وسعة الرواية في الحديث، والإمامة في الفقه، واليقظة، وعلوّ النفس، وكرم الخلال، ولين الجانب، والسخاء، والاعتصام بالسنة، وفيما

стр. 2230

رواه ابن أبي العوّام سئل الحسن بن زياد عن زفر أكان زفر نظر في الكلام؟ فقال: سبحان الله! ما أسخفك تقول لأصحابنا: إنهم نظروا في الكلام، وهم بيوت العلم والفقه، إنما يقال: نظر في الكلام فيمن لا عقل له. وهؤلاء كانوا أعلم بحدود الله ، وبالله، من أن يتكلّموا في الكلام، الذي تعني. وكان يهمّهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدّمهم. وذكر الحسن بن زياد أيضًا عن زفر أنه سأله رجل، فقال له: القرآن كلام الله، فقال له الرجل: أمخلوق هو؟ فقال له زفر: لو شغلك فكر في مسألة أنا فيها أرجو أن ينفعني الله بعلمها لشغلك ذلك عن هذا الذي تفكّرت فيه، والذي فكرت فيه بلا شكّ يضرّك، سلم لله ما رضى به منك، ولا تكلّف نفسك ما لا تكلّف، وكان أبو يوسف أيضًا يقول: القرآن كلام الله، ولا يزيد على ذلك شيئًا، وكان أناس يعدّون ذلك بدعة فظيعة، بل كفرًا، بل إن هذا وقوف عندما وقف الكتاب والسنّة، لا اشتباه في قدم ما قام بالله، ولا في حدوث ما قام بالخلق، والمؤسف في المسألة إسراع من لا تحقيق عنده في موضع الخلاف إلى الإكفار والتبديع، قبل أن يعلم مراد القائل. ومثل ذلك التشنيع يرتدّ إلى قائله من غير شكّ، وفتنة القول بخلق القرآن أنتجت تناحرا بين الأمة مدى الدهور، فيما لا يعرف أغلبهم وجوه الخلاف فيه، فكانت مصيبة تراكبت ظلماتها على توالي العصور، وامتلأت كتب الجرح المؤلّفة من نقلة ذلك العصر بجروح، لا طائل تحتها، ولذلك قلت: (أي قال الشيخ زاهد) فيما علّقت على "شروط الأئمة" للحازمي، ومن أشرف على سير المسألة بعد محنة الإمام أحمد يرى مبلغ ما اعترض الرواة من التشدّد في مسائل يكون الخلاف فيها لفظيا، وعلى تقدير عدّه حقيقيا، يكون المغمز في جانبهم حتما في نظر البرهان الصحيح، فليتهم لم يتداخلوا فيما لا يعنيهم اشتغلوا بما يحسنونه من الرِّواية، ولو فعلوا ذلك لما امتلأت

стр. 2231

كتب الجرح بجروح لا طائل تحتها كقولهم: فلان من الواقفة الملعونة، أو من اللفظية الضالة، أو كان ينفي الحدّ عن الله، فنفيناه، أو لا يستثنى في الإيمان فمرجئ ضال، أو جهمي في غير مسألة الجبر، وإنكار الخلود، ونحو بها، أو كان لا يقول: إن الإيمان قول وعمل، فتركناه، أو ينسب إلى الفلسفة والزندقة، لمجرّد النظر في الكلام، أو ينظر في الرأي، ونحو ذلك، مما لبسطه موضع أخر. ومن أخطر العلوم علم الجرح والتعديل، وفي كثير من الكتب المؤلّفة في ذلك غلو وإسراف بالغ، ويظهر منشأ هذا الغلو مما ذكره ابن قتيبة في "الاختلاف في اللفظ" (ص ٦٢) ولا يخلو كتاب، ألف بعد محنة الإمام أحمد في الرجال من البعد عن الصَّواب، كما لا يخفى على أهل البصيرة، الذين درسوا تلك الكتب بإمعان، قال الرامَهرمزي في "الفاصل بين الراوي والواعي": "وليس للراوي المجرّد أن يعترض لما لا يكمل له فإن تركه ما لا يعنيه أولى به، وأعذر له، كذلك كلّ ذي علم"، فكان حرب بن إسماعيل السيرجاني (الكرماني) صاحب المسائل عن إسحاق وأحمد قد اكتفى بالسماع، وأغفل الاستبصار، فعمل رسالة، سماها "السنّة والجماعة"، تعجرف فيها، واعترض عليها بعض الكتبة من أبناء "خراسان" ممن يتعاطى الكلام ويذكر بالرياسة فيه، والتقدّم، فصنّف في ثلب رواة الحديث كتابا، يلقط فيه كلام يحيى بن مَعين، وابن المديني، ومن "كتاب التدليس" للكرابيسي وتاريخ ابن أبي خيثمة، والبخاري ما شنّع به على جماعة من شيوخ العلم خلط الغثّ بالسمين، والموثوق بالظنين. ولو كان حرب مؤيّدا مع الرِّواية بالفهم لأمسك من عنانه، ودرأ ما يخرج من لسانه، ولكنه ترك أولاها، فأمكن القارة من رماها، ونسأل الله أن ينفعنا بالعلم، ولا يجعلنا من حملة أسفاره والأشقياء به، إنه واسع لطيف قريب مجيب، وقد ذكرت في "التأنيب" (أي ذكر الشيخ زاهد) عند ذكر

стр. 2232

أئمة الفقه وأتباعهم: وقد مضت طوائف الأمّة على إجلال هؤلاء الأئمة مكتفين بالأخذ والردّ في الاحتجاج على المسائل والموازنة بين أدلة كلّ طائفة، كما تقضى به أمانة العلم، إلى أن حدثت فتنة القول بخلق القرآن في عهد المأمون العبّاسي، وكان بين رواية الحديث أناس لم يتقنوا النظر، ولم يمارسوا استنباط الأحكام من الأدلّة، فإذا سئل أحدهم عن مسألة فقهية لا يجهلها صغار المتفقِّهين، يجيب عنها بما يكون وصمة عار أبد الآبدين، وكانت فلتات تصدر من شيوخهم في الله سبحانه وصفاته مما ينبذه الشرع والعقل في آن واحد، فرأى المأمون امتحان المحدّثين والرواة في مسألة كان يراها من أجلى المسائل، ليوقف موقف التروي فيما يرون، ويروون، فأخذ يمتحنهم في مسألة القرآن، يدعوهم إلى القول بخلق القرآن، ويضطهدهم على ذلك ملوما فيما اختاره من الوسيلة في اختيارهم، غير موفّق فيما توخّاه، واستمرّت هذه الفتنة من عهد المأمون إلى عهد المتوكّل العبّاسي، ولقي الرواة صنوف الإرهاق طول هذه المدّة، فمنهم من أجاب مرغما، من غير أن أن يعقل المعنى، ومنهم من تورّع من الخوض فيما لم يخص فيه السلف، وكان نزاع القوم بحسب الظاهر فيما بالأيدي، ودعوى قدمه تكون مكابرة. وأما الكلام الذي قام باللّه سبحانه، وهو صفة من صفاته تعالى، فلا شكّ في قدمه قدم باقي صفاته الذاتية الثبوتية، كم صرّح الإمام بأن القرآن من علم اللّه، وعلم الله قديم، وبين أن القرآن باعتبار وجوده في علم الله سبحانه قديم، ولكن دهماء الرواة كانوا بعيدين عن تعقل محلّ النزاع وتحريره، وكان بين أهل الغوص على المعاني ونقلة الألفاظ جفاء متوارث، وحيث كانت النقلة متمسّكين بحرفية ما يروونه، غير معوّلين على أفهام الآخرين في النصوص، يرموتهم بمنابذة السنّة عند عدم موافقة أفهام هؤلاء لأفهامهم أنفسهم، وفي هؤلاء المكثرين من الرواية بدون

стр. 2233

اهتمام بالتفقّه والدراية، ويقول شعبة كنت إذا رأيتُ رجلًا من أهل الحديث يجئ أفرح به، فصرت اليوم ليس شيء أبغض لي أن أرى واحدا منهم، ويقول ابن عيينة: أنتم سخنة عين، لو أدركَنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربا، ويقول الثوري: ليس طلب الحديث من عدد الموت، ويقول أيضًا: لو كان هذا الحديث خيرا لنقص كما ينقص الخير، ويقول عمرو بن الحارث (شيخ الليث): ما رأيتُ علما أشرف وأهلا أسخف من أهل الحديث، إلى غير ذلك، كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد الير، و "المحدّث الفاضل" للرامَهرمزي وغير بها، ومما زاد في الشقاق بين الفريقين انتداب قضاة في تلك البرهة لامتحانهم في مسألة خلق القرآن، وغالب هؤلاء القضاة كانوا يرون رأي أبي حنيفة وأصحابه في الفقه، ويميلون إلى المعتزلة في مسائل الامتحان، فلمّا رفعت المحنة في عهد المتوكّل أخذ ردّ الفعل مجراه الطبيعي، من غير أن يفيد ما بدأه المأمون شيئًا مما كان يتوخَّاه، سوى استفحال التعصّب والتطرّف بين الفريقين، وقد انقلب الاضطهاد في عهد المتوكّل إلى عكس سابقه، وكان أهل الرِّواية يغلب عليهم قلّة التبصّر في المسائل، يندفعون في الوقيعة كلما ضاقتْ حجَّتهم، اندفاعا لا يبرره دليل، ولا شبه دليل، فسلوا سيف النقد على ممتحنيهم القضاة (بحق)، وعلى أئمة هؤلاء القضاة في الفقه، الذين لا ناقة لهم في الأمر، ولا جمل (من غير حق)، حتى ساووا بين القضاة وأئمتهم الأبرياء، ولسان حال أبي حنيفة وأصحابه يقول: غيري جنى وأنا المعاقب عندكم … فكأنني سبابة المتندّم وقد أطال عثمان بن سعيد الدارمي المجسّم الوقيعة فيه، وفي بشر بن غياث، ومحمد بن شُجاع الثلجي في نقده، ظالما أن القضية تكسب بالبذاءة، وينقلب بها ضلالة هدي، وهو المثبت لله الحدّ والمكان والثقل والمسافة، ونحو ذلك، مما ينزل أهل العلم، مع هؤلاء إله العالمين منها، وهذا

стр. 2234

ذنب لا يغتفر عند الدارمي، وأصحابه الحشوية، فرموه وأصحابه عن وتر واحد، ودوّنوا فيه وأصحابه مثالب نحتلفة بأسانيد مركّبة أوحتها إليهم غضبتهم الظالمة، فجعلوا رقابهم بأيدي أبي حنيفة وأصحابه في الآخرة، يسامحونهم إذا شاؤوا، ويقتصون منهم إذا أرادوا، كما كانت أقفيتهم في الدنيا باعترافهم، ومسامحتهم هي الجديرة بما عرف عن أبي حنيفة وأصحابه، من سعة الصدر وكرم الخلال نحو جهلة المعتدين، وهم حينما طعنوا فيه إنما طعنوا ظانّين أنه على الخطأ، وهم على الصَّواب. ومن علم حالهم ربما يعذرهم في ذلك، بخلاف أهل الفقه من المخالفين، لأن اعتقاد الحنفية واعتقادهم واحد، ومدارك الفقه عند الفريقين متقاربة، والكلّ متمسّك بالقياس في غير مورد النصّ، فإذا جازوا أحد هؤلاء في النقد حدّ قرع الحجّة بالحجّة، واسترسل في اصطناع مثالب، مسايرا لهواه، فلا عذر له أصلا، فلا يلقى مثله غير مقامع توقفه عند حدّه، وقد أجاد ابن السبكى في "طبقاته الكبرى" (١ - ١٨٧) بيان ردّ طعن المخالف في المذهب فيمن ثبتت إمامته وأمانته، لكن يضيق المقام عن نقل ذلك، فليراجعها من شاء، فهناك تحقيق بديع لا يستغني عنه باحث، فالحسن بن زياد على إمامته في الفقه وأمانته في العلم لم ينج كثير من تلامذته من ملابسة تلك الفتنة، فلم يخلص هو وتلامذته من طعون شنيعة منهم ظلما وعدوانا، وممن حاز الحدّ في الطعن على الحسن بن زياد أبو جعفر العقيلي، حيث يقول في "الضعفاء": "الحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحاب النعمان: حدّثنا محمد بن عثمان، سمعت يحيى بن مَعين، عن الحسن بن زياد اللؤلؤي، فقال: كان ضعيف الحديث، حدّثني محمد بن عبد الحميد السمتي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد الحضرمي، قال: سألت يحيى بن مَعين، عن الحسن بن زياد اللؤلؤي، فقال: ليس بشيء، حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري، قال: حدّثنا محمود بن غيلان، قال لي يعلى: اتّق اللؤلؤي، حدّثنا أحمد بن علي

стр. 2235

الأبار، قال: حدّثنا محمود بن غيلان، قال: قلت ليزيد بن هارون، ما تقول في الحسن بن زياد اللؤلؤي؟ قال: أو مسلم هو؟ حدّثني محمد بن أبي عتاب المؤدّب، حدّثني أحمد بن سنان القطّان، قال: حدّثني هيثم بن معاوية، قال: سمعتُ محمد بن إسحاق الأزرق، يقول: كنا عند شريك بـ "الكوفة" فجاء رجل خراساني رثّ الهيئة، فقال: يا أبا عبد الله! قد فنيت نفقتي، وليس عندي شيء، وههنا من يعرف ما أقول، فكان شريكا رقّ له، فقال: من يعرفك؟ قال: الحسن بن زياد اللؤلؤي، وحمّاد بن أبي حنيفة، قال: لقد عرفت شرًّا، لقد عرفت شرًّا. حدَّثني القضل بن عبد الله الجوزجاني، حدّثنا قتيبة بن سعيد بن رجاء، قال: كنا عند شريك، وهو يملي علينا إذا جاء الحسن بن زياد اللؤلؤي، فقعد في آخر المجلس، وغطّى رأسه، فبصربه شريك، فقال: إني أجد ريح الأنباط، ثم رمى بصره نحوه، قال: فقام الحسن بن زياد، فذهب، حدّثنا أحمد بن علي الأبار، حدّثنا محمد بن رافع النيسابوري، قال: كان الحسن بن زياد اللؤلؤي يرفع رأسه قبل الإمام، يسجد قبله، قال: وسمعته يقول: أليس قد جاء الحديث: من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار، أرأيتم إن قطع نخلة؟ قالوا: إنما جاء الحديث في السدرة، قال: فمن قطع نخلة صوّر الله رأسه في النار مرتين، حدّثنا محمد بن عيسى، حدّثنا عبّاس، قال: سمعتُ يحيى يقول: الحسن بن زياد كذّاب، حدّثنا إدريس بن عبد الكريم المقرئ، قال: حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: كنا عند وكيع، فقيل له: السنة مجدبة، فقال: كيف لا تجدب، والحسن اللؤلؤي قاض، وحمّاد بن أبي حنيفة، فمحمد بن عثمان في الخير الأول هو ابن أبي شيبة، الذي كذبه كثيرون، وأحمد بن علي الأبار بالغ العداء والتعصّب ضدّ أبي حنيفة وأصحابه، كما هو مشروح في "تأنيب الخطيب"، والمتعصب المعادي غير مقبول الرواية، ولا الشهادة فيما يمسّ تعصَّبه عند أهل العلم، وهو حيث

стр. 2236

كان من الحشوية، يعادي أهل التنزيه، ولمحمود بن غيلان انحراف غريب عن المنزهّة، وشأن الاختلاف في المذهب في باب الطعون مشروح في "طبقات ابن السبكي"، على أن من يعتقد أن الوقوف على أن (القرآن كلام الله) من غير زيادة شئ لم يرد في الكتاب والسنّة عليه كفر، لا يستغرب منه أن يتساءل عن إسلام الحسن بن زياد، على أن هذا القول لن يثبت عن يزيد بن هارون بذلك السند، ومن الغريب أنهم يطعنون طعنا مرا في شريك، ويحتجّون بقوله المخالف للسنّة، لأن الطعن في الأنساب، وتعيير المرء بنسبه الذي اختاره الله له من خلال الجاهلية، وشريك ذلق للسان مطعان، وإن كان فقيها جليلا، وفيما رواه الأبار عن محمد بن رافع، معه شاهد يكذبه، وذلك أن (كان) يفيد الاستمرار. ومن المستبعد أن يبقى محمد بن رافع خارج الصفّ، والجماعة منعقدة، حتى يشاهد سبق الحسن بن زياد على وجه الاستمرار، على أنك تعرف من هو هذا الأبار المأجور للطعن في المنزهّة، وأما تكذيب يحيى بن معين وغيره له فلا يعدو أن يكون الحسن يهم في شيء أو أشياء، ومن الذي لا يهم أصلا؟ والواهم كاذب لإخباره بخلاف الواقع، فيكون تكذيبه من قبيل تكذيبه بعضهم لأبي حنيفة وغيره من أساطين العلم. والجارح في هذا الصدد هو تعمّد الكذب عند أهل الفنّ، ولم يدلل عليه، فلا نزيد على أن يكون واهما في بعض رواته، ولا نجترئ أن نقول إن مثل هذا الإمام يعتمد الكذب من غير دليل. وأما قطع السدرة فلا يدلّ على حكم قطع النخلة عند المتمسّكين بحرفية النصّ، وأما القول بالأولوية قياسا، فله شأن عند أهل النظر، وسبق أن ذكرت خرافة إجداب السنّة والجواب عنها بتكذيب ذلك من الخبر نفسه، فلا داعي إلى إعادة ذكر جواب عنها، وهذا العقيلي لإسرافه البالغ في تجريح حملة الآثار انبري الذهبي للذّب عمن طعن فيه هذا العقيلي، وقال بعد سرد

стр. 2237

أسماء رجال في ترجمة ابن المديني في "ميزان الاعتدال"، (فما لكَ عقل يا عقيلي أتدرى فيمن تكلّم كأنك لا تدري أن كلّ واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات). وزاد الخطيب على العقيلي في الولوغ في دم الحسن بن زياد والنهش في عرضه، حتى قال الذهبي في "تاريخه الكبير": بعد أن ترجم للحسن بن زياد ترجمة واسعة: (قلت: قد ساق في ترجمته أبو بكر الخطيب أشياء، لا ينبغي لي ذكرها)، هكذا يقول الذهبي، وإن لم يربأ الخطيب بنفسه، من الولوغ في دم مثله، والنهش في عرضه، مع ما له من حظّ في النظر، وسعة في الرِّواية، بخلاف ابن عدي، الذي لم يرزق حظّا، مما يقوم به لسانه، فضلًا عما يقوم به طرق تفكيره، فمثله إذا سبّ وشتم وطاوع الشيطان في الإساءة إلى أهل النظر، الذين بهم حفظ كيان الدين اعتقادا وعملا لا يستغرب، لأنه لا يميز بين صحيح الاستنباط وفاسده، وبعد ما هو عليه. هو الدين الصحيح والاعتقاد الرجيح، فيؤيّد من يؤيّده عن جهل، ويعادي من يعاديه عن خرق ونرق، معتمدا على كلّ من هبّ ودبّ، وتوغّل في الكذب، وأغرب، بل مستندًا إلى مجروحين جرحهم هو نفسه أيضًا، وإن اعتدل بعض اعتدال بعد اتصاله بأبي جعفر الطحاوي، وألّف مسندا في أحاديث أبي حنيفة، لكن الجهل المتأصّل في نفسه لا يقبل العلم الصحيح، بل شخصه في حاجة إلى بناء جديد، فدعه يهذي إلى أن يلقى جزاء خرقة في يوم الوعيد، وفي "كتاب النقد" للدارمي عثمان بن سعيد المجسّم فيكر الحسن بن زياد في صفّ بشر بن غياث، ومحمد بن شُجاع، حينما ينزل نزلات جامحة على أبي حنيفة وأصحابه، حيث لا يعجبه تنزيههم، كما هو شأن الحشوية، ظانًّا أن بذاءة اللسان تجعله على حقّ في اعتقاده التجسيم، وكتابه نفسه يكشف عما ينطوي عليه من الزيغ والضلال المبين، فكفى الله المؤمنين القتال.

стр. 2238

وبعد أن طبع "تاريخ الخطيب"، و "لسان ابن حجر" اللذان حويا كلّ إساءة في الحسن بن زياد لا يجوز إغفال ما ذكره، ونحن في زمن غير زمن الذهبي، فأقول: قال الحطيب في "تاريخه" (٧ - ٣١٥): أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن عبد الله بن مهران أخبرنا عبد المؤمن بن خلف النسفي، قال: سألت أبا علي صالح بن محمد عن الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، فقال: ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا، ولا عندهم. فقلت: بأيّ شيء تتّهمه؟ (١) قال: بداء سوء، وليس هو في الحديث بشئ)، فالخطيب على ما تعلم من بالغ التعصّب المؤدّي إلى ردّ خبره، وأبو العلاء الواسطي شيخه يقول عنه الخطيب نفسه (٣ - ٩٦): رأيتُ له أشياء، سماعه فيها مفسود، إما محكوك بالسكّين، أو مصلح بالقلم، فيكون غير مؤتمن عنده (إلا إذا كان خبره في الطعن في أصحاب أبي حنيفة)، وعبد المؤمن ليس ممن يصدق فيه، لأنه كان ظاهريا، طويل اللسان، على أهل القياس، وصالح جزرة على سعة علمه في الحديث كان بذيء اللسان، مداعبا أسوأ مداعبة، وهو القائل لمن رأى سوأته قد انكشفت: لا ترمد عيناك، بدل أن يخجل يستتر، وقد قال مرّة لمن سأله عن الثوري: كذّاب، فكتب السائل قوله، فخاطبه أحد جلسائه مستنكرا صنيعه (لا يحلّ لك هذا، فالرجل يأخذه على الحقيقة ويحكيه عنك)، فقال: إما أعجبك من يسأل مثلي عن مثل سفيان الثوري يفكّر فيه أنه يحكي أو لا يحكى كما في "تاريخ الخطيب" (٩ - ٣٢٦، ٣٢٧)، فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يقبل قوله في الأئمة، لضياع كلامه بين الهزل والجدّ والعجب، من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع، هكذا فيما لا يتصوّر قيام الحجة فيه، مع علمهم بحكم الله في القذفة، ومن يكون كما يصوّره هذا الخبر كيف تكون له تلك الوجاهة والمكانة؟ كيف يلتف حوله الحفّاظ والفقهاء لأخذ العلم عنه؟ كيف يثني عليه أهل العلم بالورع،

стр. 2239

والزهد، والتقي، والعلم الغزير؟ كما سبق، كمل، وسيأتي في رواية مثل الذهبي، حيث يقول في "تاريخه" الكبير: قال ابن كاس النخعي: حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي: ما رأيت أحسن خلقا من الحسن بن زياد، ولا أقرب مأخذا منه، ولا أسهل جانبا، مع توّفر فقهه وعلمه وزهده وورعه. ثم قال الخطيب: أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، حدّثنا محمد بن العبّاس، حدّثنا أبو بكر بن أبي داود، حدّثني أبي عن الحسن بن علي الحلواني، قال: رأيتُ الحسن بن زياد اللؤلؤي قبَّل غلاما، وهو ساجد، محمد بن عبّاس هو الخزاز كان يحدّث بما ليس عليه سماعه في رواية الخطيب نفسه، فكيف يأتمن الخطيب مثله؟! وأبو بكر بن أبي داود كذبه من من الحفّاظ أبوه، وابن صاعد، وابن جرير، والأخرم، وابن الجارود، ومحمد بن يحيى بن منده، وهو مختلق أرجوفة التسلق المعروفة. راجع "التأنيب" (ص ٦٨)، والحلواني لم يكن أحمد يرضاه، وساء كلام كثير من حملة العلم فيه، كما في (٧ - ٣٣٥) من "تاريخ الخطيب" وإن قبلت روايتُه فيما بعد، وفي الخبر نفسه ما يشهد بتلفيق الخبر، لأنه لا يتصوّر في أفجر البلاد، وأفسق العصور أن يحدث مثل هذا من أيّ فاجر، من غير أن يأتيه الموت من كلّ جانب، ثم الرائي كيف يلغ في دمه بإلقاء الخبر إلى ألسنة الإخباريين، من غير أن يرفع الأمر إلى أصحاب الشأن ليلقى جزاء عمله، ومن اجترأ على الافتراء على على كرّم اللّه وجهه بشهادة حفّاظ عليه بذلك التسلّق المختلق يسهل عليه الافتراءُ على الإمام الحسن بن زياد، وهذا ظاهر كلّ الظهور. والخطيب الذي نسب إليه في "الشام" ما نسب من مخالطة المرد، كيف لا يتحاشى عن حكاية مثل هذه الفرية المكشوفة بمثل هذا السند، ومن علم مبلغ توغّل الآجري في معتقد الحشوية، لا يصدقه في المنزهّة، وهو يروي عن أبي داود تكذيب الحسن بن زياد في كلام الخطيب، تعويلا على رواية عن أبي ثور، فسل ابن أبي حاتم، هل كان أبو ثور بحيث يتحاكم إليه

стр. 2240

في الحديث؟ وسل غيره ما إذا كان المنتقّل من مذهب إلى مذهب بجلبة وضوضاء أحدثت تهاجرا يؤتمن على ما يقوله في أصحابه القدماء؟ على أن تكذيبه المروي عن أناس عند الخطيب في أسانيده رجال متكلّم فيهم من أمثال ابن درستويه الدراهمي، والحسن بن أبي بكر، وابن كامل، والساجي، ومحمد بن سعد العوفي، ومحمد بن أبي شيبة، فلا يعرج على الروايات عنهم فيمن ثبتت إمامته، وأمانته على أنه ليس في شيء منها ما يدلّ على تعمّده الكذب، فغاية ما في الأمر أنها تحمّل على أنه كان عنده بعض وهم في بعض الأحاديث، وهذا غير قادح عند أهل الفنّ، بل نحمل التكذيب المطلق على التوهيم مطلقا، ما يذكر ما يدلّ على التعمّد، فعند مطلقه جرحا غير مفسّر، ومن عجيب صنع ابن عدي تدليله على كذب الحسن على ابن جريج بما أخبره عبد الرزّاق بن محمد بن حمزة الجرجاني أن إبراهيم بن عبد الله النيسابوري أن خلف بن أيوب البلخي منذ سبعين سنة أن الحسن بن زياد اللؤلؤي أن ابن جريج عن موسى بن وردان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من مات مريضًا مات شهيدا". قال إبراهيم: فلقيتُ الحسن بن زياد، فأول شئ سألته عن هذا الحديث، فحدّثني ابن جريج بمثل ما كان أخبرنا به خلف عن أيوب، وهذا الحديث يرويه ابن جريج عن إبراهيم، عن أبي يحيي، عن موسى بن وردان، ويقول إبراهيم بن أبي عطاء: هكذا يسمّيه، فإذا روي عن ابن جُريج، عن موسى هذا الحديث يكون قد دلسه. وهذا كلّ ما في كتاب ابن عدي في التدليل على كذب الحسن على ابن جُريج، ولا دليل في ذلك على ما تخيله، لأن غاية ما في الأمر أن ابن جريج عن موسى في روايته له، والعنعنة لا تفيد الاتصال عندهم) وابن جريج معروف بالتدليس في كتب أهل الشأن، فيكون دلس في روايتُه للحسن، وذكر الواسطة في رواية أخرى له، ولو لم يكن ابن جريج ممن يدلس، كما ذكره

стр. 2241

الذهبي في "الميزان" لساغ القول: بأن الحسن يمكن أن يكون هو الذي أسقط الواسطة في "السند"، لكن ابن أبي يحيى يكثر عنه الشافعي، ويوثقه، وإن كان الجمهور على تضعيفه، والذى يدلّ عليه هذا الحديث أن الحسن بن زياد كان كهو قبل سنين في حفظ الرِّواية، وإبراهيم بن عبد الله السعدي النيسابوري معمر، عاش نحو تسعين سنة، لكنه لم يعاصر الحسن، المتوفى سنة ٢٠٤ هـ بسبعين سنة، بل توفي سنة ٢٦٧ هـ، فيتعين أن الصَّواب (سنين) بدل (سبعين)، والله أعلم. والحسن بن زياد أيضًا معمّر، يناهز عمره تسعين سنة، أو يزيد عند وفاته في المشهور، وإن لم أجد في كتب التاريخ تحديد مولده، والله سبحانه أعلم. وأما قول النضر بن شميل للفتح بن عمرو الكشبي بمناسبة حمله للكتب التي كتبها عن الحسن بن زياد إلى "مرو": يا كشي! لقد جلبت إلى بلدك شرا كثيرا، فمن قبيل غسله لكتب أبي حنيفة جمودا وتعصّبا، وما فعله المأمون من تأنيب النضر على ذلك معروف، فلا داعي على ذكره هنا، ولله في خلقه شؤون. وأما ما ذكره ابن عدي في "كامله" سمعتُ أبا جعفر بـ "مصر" يقول: سمعتُ فهد بن سليمان، يقول: سمعتُ البويطي، يقول: سمعت الشافعي، يقول: قال لي الفضل بن الربيع: أنا أشتهي مناظرتك، واللؤلؤي، قال: فقلت له: ليس هناك، قال: فقال: أنا أشتهي ذلك، فقلت له: متى شئت؟ قال: فأرسل لي، فحضرني رجل ممن كان يقول بقولهم، ثم رجع إلى قولي، فاستتبعته، وأرسل إلى اللؤلؤي، فجاء، فأتانا بطعام، فأكلنا، ولم يأكل اللؤلؤي، فلما غسلنا أيدينا، قال له الرجل الذي كان معي: ما تقول: في رجل قذف محصنة في الصلاة؟ قال: بطلت صلاته، قال: فما حال الطهارة؟ قال: بحالها، قال: فقال له: فما تقول فيمن ضحك في الصلاة؟

стр. 2242

قال: بطلتْ صلاته وطهارتُه، قال: فقال له: قذف المحصنات أيسر من الضحك في الصلاة؟! قال: فأخذ اللؤلؤي نعله، وقام، قال: فقلت للفضل: قد قلت لك: إنه ليس هناك، ومن أحاط خبرا بهذا الخبر علم أن دعوة الحسن بن زياد على سنه وإمامته إلى بيت الفضل بن الربيع لحمله على مناظرة تلميذ له انحاز إلى الشافعي بتدبير مبيت، مما يستاء من مثله حقّا، ولذا لم يشاركهم في الأكل، ولما رأى أن حديث المتحدّث معه في مسألة الضحك في الصلاة كان بالقياس فيما ورد النصّ بخلافه استهجن ذلك، وقام، وذهب، فلو كان المتحدّث معه هو الشافعي نفسه لرأى منه ما يعجبه من قوّة الحجّة، والقائل بقبول المرسَل باشتراط اعتضاده، أو من غير اشتراط ذلك، لا يمكنه ردّ مرسَل أبي العالية، كما يقول ابن حزم، لأن حديثه في الوضوء من الضحك في الصلاة لم يعيبوه إلا بالإرسال، وأبو العالية قد أدرك الصحابة، ﵃، وقد اعتضد مرسله بمراسيل إبراهيم النخعي، والحسن، والزهري، فلا يمكن ردّ هذا المرسَل بعد اعتضاده بتعدّد المخارج، وفمحاولة ذلك التلميذ ردّ النصّ بالقياس جهل، يأباه شيخه أن يستمرّ على الحديث معه على تعنّته، ومجاهرته بمخالفة النصّ، مع علمه بالمراسيل الواردة في ذلك، عند ما كان يلازمه في العلم قبل انتقاله إلى مجلس الشافعي، كما في "مسنده"، فلا يستفيد ابن عدي شيئا من ذكر هذه الحكاية، وفهد بن سليمان، شيخ الطحاوي من الثقات الأثبات. وقد جمع عبد الحي اللكنوي الآثار الواردة في حكم القهقهة في الصلاة في جزء استوفاها فيه، وتكلّم فيها بما يشفي غلّة الباحث عن هذه المسألة، ومن أقذر ما لطخ به ابن عدي كتابه ما حكاه عن ابن حمّاد (وهو متّهم عنده) عن إبراهيم بن الأصبغ (وهو مجهول غير موثّق) عن أبي الحسن أحمد بن سليمان الزهاوي (وكان صغيرا عند وفاة الحسن بن زياد) "كتبت عن

стр. 2243

الحسن بن زياد كتبه، وكنت لزمته، فرأيته يوما في الصلاة، وغلام أمرد إلى جانبه في الصفّ، فلمّا سجد مدّ يده إلى خدّ الغلام، فقرصه، وهو ساجد، ففارقته، وجعلته على نفسي أن لا أحدّث عنه أبدا". ثم قال ابن عدي: وأخبرني بعضُ أصحابنا عن أبي علي الحافظ البلخي، عن الحسين بن محمد الحريري، قال: (رأيت الحسن بن زياد يلعب بذكر صبي)، انظر إلى ما سجّله هذا الجلف باسم الجرح، ففيه ما ينادي أنه ليس عنده من العقل ما يفهم به أن هذا البهت معه ما يكذبه، ويفضح الباهت الأثيم، والحاكي المجرم اللئيم، فأيّ فاسق في أفسق البلاد، وأفسق العصور يجترئ على مثل هذا في الجامع والجماعة صفوف، من غير أن يأتيه الموت من كلّ جانب، وأين كان هذا المتخلّف عن الجماعة، حتى شاهد ما جرى في موضع السجدة هو وحدَه دون الجماعة؟ وكيف لم يرفع هذا المشاهد لما جرى تحت الصفوف المتراصّة أمر هذا الفاجر إلى صاحب الشأن في الحضور! بدل أن يلغ في دمه وعرضه بعد وفاته، ويعرضه للولوغ في عرضه هكذا مدى الدهور، أم كيف سكت المعتدي عليه على هذا الاعتداء؟ ومن رأى هرما متهدّما يقع منه هذا؟ كلّ ذلك يدلّ على عقل هذا الحقود الكنود ودينه، والحسن بن زياد ﵁ كان توفي سنة ٢٠٤ هـ، وهو في سنّ الهرم والتهدّم يناهز عمره التسعين، أو يزيد، وقد ذكر البرهان الزرنوجي، تلميذ صاحب "الهداية" في "تعليم المتعلّم" أن الحسن بن زياد استمرّ على تعلّم العلم أربعين سنة أخرى، فيكون ابتداؤه في تحصيل العلم في حدود سنة ١٢٤ هـ، وهو ابن ثمان فيما أرى، كما سيأتي الكلام على ذلك في آخر الترجمة، فانتظره. فلا تقلْ سنّه عند وفاته من نحو التسعين، والرهاوي توفي سنة ٢٦١ هـ، فيكون في سنّ الصغر عندما أدرك الإمام الحسن بن زياد، فهل يتصوّر عاقل من هرم متهدّم في أواخر العقد التاسع أن يقترف مثل هذا الفجور؟

стр. 2244

فتلك أمور تكفي في تحطيم هذا البهت على رأس الباهت الأثيم، ولو لم ننظر إلى السند، فكيف، والسند كما سبق. والحاصل أن من نظر إلى هذه الأسطورة من أيّ ناحية من نواحي النظر تبين له أنها مختلقة قطعا، وعلم مبلغ سقوط هؤلاء في النيل من أئمتنا الأبرياء، وأما ادّعاء لعبه بذكر رضيع حكاية عن مجهول فجهل فظيع، فكأن هذا المتحامل لم يبلغْه حديث تقبيل الرسول صلى الله ﷺ لزبيبة الحسن أو الحسين عند البيهقي، وغيره على أن وجود مجهول في السند يجعل الخبر مردودا في أول خطوة. وأما ما حكاه ابن حجر في "اللسان" عن محمد بن حميد الرازي: ما رأيت أسوأ صلاة منه، فهو رواية ابن عدي أيضا عن أحمد بن حفص السعدي عن محمد بن حميد الرازي، فأحمد بن حفص ممرور، مخلط، صاحب مناكير، وقد قال ابن عدي نفسه عنه: حدّث بأحاديث منكرة، لم يتابع عليها، فلا يصدّق مثله في إمام من أئمة المسلمين العباد المتجهدين، ومحمد بن حميد كذبه غير واحد، ولم يثن عليه إلا من لم يخبره، وهذا أيضا من الدليل على مبلغ مجازفة الخصوم في محاولة، وصم أئمتنا، على أن بعض الفقهاء يرى الاشتغال بالفقه والتفقيه أفضل من إطالة الركعات، حتى حكى العجلي أن ابن مهدي كان يسيء الصلاة، فنصحه من هو دونه، ولا يكون هذا من مثله بإخلال في أركان الصلاة، بل بعدم الإطالة بقدر ما يرضاه المتعبّدون، والله أعلم. وتجد أغلب من ألّف في الرجال، كأسراب طير، يتابع بعضهم بعضا، من غير تمحيص الرواية، فلا داعي إلى إيراد كلّ ما ذكر في كتبهم، وأكتفي بختم البحث بما ذكره الذهبي في "تاريخه الكبير" في ترجمة الإمام الحسن بن زياد بحروفه مع تحيّزه إلى الحشوية، وانحرافه عن أصحاب أبي حنيفة، ولم أرد تقطيع كلامه، وإن كان فيه بعض تكرار لما سبق، وها هي ترجمته عنده

стр. 2245

بحروفه: "الحسن بن زياد الفقيه أبو علي مولى الأنصار، صاحب أبي حنيفة، أخذ عنه محمد بن شجاع الثلجي، وشعيب بن أيوب الصريفيني، وهو كوفي، نزل "بغداد". قال محمد بن شُجاع: سمعته يقول، وسأله رجل: أكان زفر قياسا؟ فقال: ما قولك قياسا؟ هذا كلام الجهّال، كان عالما، فقال الرجل: أكان زفر نظر في الكلام؟ فقال: ما أسخفك، تقول لأصحابنا: نظروا في الكلام، وهم بيوت الفقه والعلم، إنما يقال: نظر في الكلام فيمن لا عقل له، وهؤلاء كانوا أعلم بالله وبحدوده، من أن يتكلّموا في الكلام، الذي تعني، ما كان همّهم غير الفقه. قال محمد بن شجاع الثلجي: سمعت الحسن بن أبي مالك، يقول: كان الحسن بن زياد، يقول: إذا جاء إلى أبي يوسف أهمَّت أبو يوسف نفسه من كثرة سؤالاته، قال ابن كاس النخعي: حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، قال: ما رأيت أحسن خلقا من الحسن بن زياد، ولا أقرب مأخذا منه، ولا أسهل جانبا مع توفّر فقهه وعلمه وزهده وورعه، وكان يكسو مماليكه كسوة نفسه، وقال: سمعتُ محمد بن عبيد الهمذاني يقول: سمعت يحيى بن آدم يقول: ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد، وقال ابن كاس: أنا محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد، عن أبيه أن الحسن بن زياد استفتي في مسألة، وأخطأ فيها، فلمّا ذهب السائل ظهر له الحقّ، فاكترى مناديا، فنادى أن الحسن بن زياد استفتي، فأخطأ في كذا، فمن كان أفتاه الحسن في شيء، فيلرجع إليه، فما زال حتى وجد صاحب الفتوى، فأعلمه بالصواب. قال زكريا الساجي: يقال: اللؤلؤي كان على القضاء، وكان حافظا لقولهم، يعني أصحاب الرأي، فكان إذا جلس ليحكم ذهب عنه التوفيق، حتى يسأل أصحابه عن الحكم، فإذا قام عاد إليه حفظه، قال نفطويه: توفي حفص بن غياث سنة ١٩٤ هـ، فولي مكانه الحسن بن زياد اللؤلؤي، قال أحمد بن يونس لما ولي الحسن بن زياد لم يوفّق، وكان حافظا لقول أصحابه،
следующие страницы →