← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

١٥١٠ - الشيخ الفاضل الحسن بن محمد بن مصطفى بن زكريا ابن خواجا حسن التركي الدوركي الملقّب بالحسام *. درس بـ "الحسامية"، وناب في الحكم، وكان فاضلًا، أديبًا. وسيأتي أبوه محمد، في بابه إن شاء اللَّه تعالى. * * * ١٥١١ - الشيخ الفاضل الحسن بن محمد الغزنوي أبو علي، مِن أصحاب قاضي القضاة أبي عبد اللَّه القدماء * *. ولي الحسبة بجانبي "بغداد"، وكان من أهل الكرم، وأرباب المروءات، مشى يومًا مع بعض أصحابه، وكان قد نقه من المرض، فاجتاز على دكّان حلوائي، ورائحة الحلوى تفوح من الدكّان، ولم يكن معه ما يشتري له به، ففارقه، وقطع عمامته، وابتاع ببعضها ما حمله إلى صديقه، فعاتبه على ذلك، فقال: ما تكلّفت ذلك، وهذا مرتفع بين الأصدقاء.

стр. 2312

وحكى أحمد بن محمد بن الصبّاغ، قال: سمعته يقول: غمِّ الدنيا أربعة: البنات وإن كانت واحدة، والدين وإن كان درهمًا، والغربة وإن كانت يومًا، والسؤال وإن كان حبّة. وكانتْ وفاته، رحمه اللَّه تعالى بـ "الكوفة". * * * ١٥١٢ - الشيخ الفاضل الحسن بن محمد، بدر الدين، أبو محمد الشهير بالبشتاكي، مفتي دار العدل بـ "حلب " *. هكذا ذكره قاضي القضاة علاء الدين في "تاريخه"، وقال: ذكره شيخنا أبو محمد ابن حبيب في "تاريخه"، فقال: فاضل في لسانه عجمة، وله حظّ أطْلَعَ السعدُ نجمَه، وعارف عنده تودّد، وفيه لين يمنعه عن التشدّد. أقام بـ "القاهرة" حينًا من الزمان، ثم ورد إلى "حلب" منخرطًا في سلك الأعيان، واستقرّ عاليًا قدره، مضيئًا بأفقها بدره. وباشر بعد وظيفة الإفتاء تدريس "الجردبكية"، واستمرّ إلى أن أمضى الردى فيه سطوته المليكية. توفي بـ "حلب" سنة اثنين وسبعن وسبعمائة، عن نيّف وستين سنة، رحمه اللَّه تعالى. * * *

стр. 2313

١٥١٣ - الشيخ الفاضل الحسن بن محمد الهاشمي الزيني القاضي، أحد أصحاب أبي الحسن الكرخي، وممن حمل جنازته، رحمه اللَّه تعالى *. كذا في "الجواهر المضية" من غير زيادة. وسيأتي ولده، في محلّه، مع تمام نسبه، إن شاء اللَّه تعالى. وكان صاحب الترجمة هذا يكنى أبا تمام. * * * ١٥١٤ - الشيخ الإمام العالم المحدّث أبو الحسن بن محمد صادق السندي * *. كان مشهورا بالصغير ليمتاز عن الشيخ أبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي الكبير. ولد بأرض "السند"، وهاجر إلى "المدينة المنوّرة"، وأخذ عن الشيخ محمد حياة السندي، ولازمه ملازمة طويلة، ثم تصدّر للتدريس في تلك البقعة المباركة، ولم يكن مثله في زمانه في كثرة الدرس والإفادة. له مصنّفات عديدة، منها: "شرح جامع الأصول"، ومنها: "مختار الأطوار في أطوار المختار"، وله غير ذلك.

стр. 2314

أخذ عنه السيّد أبو سعيد بن محمد ضياء الشريف الحسنى البريلوي، والشيخ أمين ابن الحميد العلوي الكاكوروي، وخلق كثير من العلماء. مات ليلة الجمعة لخمس بقين من شهر رمضان سنة سبع وثمانين ومائة وألف بـ "المدينة المنوّرة"، كما في رسالة الشيخ أمين بن الحميد المذكور. * * * ١٥١٥ - الشيخ الفاضل العلامة السيّد حسن بن العلامة نبيه حسن، أستاذ دار العلوم ديوبند *. ولد سنة ١٣٢٤ هـ. قرأ في دار العلوم ديوبند، وبعد إتمام الدراسة عيّن مدرّسا فيها. وبايع في الطريقة على يد حكيم الأمة أشرف علي التهانوي في زمن تدرّسه. كان لين الجانب، متواضعا، ومراعيا في حقوق العباد. توفي ٢٢ جمادى الأولى سنة ١٣٨١ هـ. * * * ١٥١٦ - الشيخ الفاضل الحسن بن مسعود بن الحسن الشربتي أبو علي بن الوزير الخوارزمي * *.

стр. 2315

مولده سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بـ "دمشق". تفقّه بـ "مرو" على شيخ أصحاب أبي حنيفة بـ "خراسان" أبي الفضل الكرماني. ذكره ابن عسكر. وكان يتزيى بزيّ الجند مدّة، ثم اشتغل بطلب الفقه والحديث. مات سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، رحمه اللَّه تعالى. * * * ١٥١٧ - الشيخ الفاضل الحسن بن مسهر *. روى عن محمد بن الحسن أنه قال: جواز أخذ أجرة الظئر دليل على فساد بيع لبنها؛ لأنه لما جازت الإجارة ثبت أن سبيله سبيل المنافع، وليس سبيله سبيل الأموال، لأنه لو كان مالًا لم تجز إجارته، ألا ترى أن رجلًا لو استأجر بقرة على أن يشرب لبنها لم تجز الإجارة. كذا رواه بمسنده عن الحسن بن مسهر، عن محمد بن الحسن، أبو الليث، في "الجامع الصغير". * * * ١٥١٨ - الشيخ الفاضل الحسن بن معالي بن مسعود بن الحسين النحوي

стр. 2316

عرف بابن الباقلاني *. مولده سنة ثمان وستين وخمسمائة. تفقّه على يوسف بن إسماعيل الحنفي، وسمع الحديث من أبي الفرج ابن كليب. كتب عنه ابن النجّار، وقال: قدم "بغداد" في صباه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، واستوطنها، وقرأ بها الفقه على يوسف المذكور، وعلى النصير عبد اللَّه بن حمزة الطوسي. مات سنة سبع وثلاثين وستمائة، واللَّه تعالى أعلم. * * * ١٥١٩ - الإمام حسن بن منصور بن شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز بن عبد الرزاق بن أبي نصر بن جعفر بن سليمان الملقّب بفخر الدين، المعروف بقاضي خان، الأوزجندي، الفرغاني، البخاري * *.

стр. 2317

كنيته ولقبه: كنيته أبو المفاخر، أو أبو المحاسن. ولقبه: فخر الدين، وقاضي خان. يكاد يتفق أهل التراجم على ذلك، فترجم له كمال الدين ابن الفوطي في الملقّبين بفخر الدين. أما لقبه المعروف قاضي خان فهو مما انفرد، واشتهر، حتى غلب على اسمه هذا اللقب، فصار معروفا به عند عامة الفقهاء وأصحاب التراجم، قديما وحديثا، يذكرونه دائما بهذا اللقب، وذكره القرشي في كتاب الألقاب من "الجواهر المضية"، وكذلك اللكنوي في الخاتمة. وبما أن لقبه هذا غلب على اسمه الحقيقي، لذا نسبت إليه "فتاواه" الشهيرة، فاشتهرت باسم: "فتاوى قاضى خان"، و"الفتاوى الخانية"، ثم غلب على بعض المتأخّرين من الفقهاء اختصار اسم هذا الكتاب، فيذكرون عند إحالاتهم إليه: وفي "قاضي خان" أو: وفي "الخانية". ثم إنه لم يفصح المؤرّخون عن وجه شهرته بهذا اللقب، إلا أن الظاهر أن سبب شهرته هو توليته منصب القضاء، حتى أصبح قاضي القضاة، كما يشعر إليه كلام تلميذه الجليل الإمام الحصيري، وكلام ابن الفوطي، وسوف أتحدّث عنه فيما بعد. لم يتطرّق المؤرّخون وأصحاب التراجم إلى ذكر تاريخ ميلاده، إلا أنه يُسْتوحى من تاريخ وفيات مشايخه أن ولادته كان في العقد الثاني من القرن السادس، حيث إنه تفقّه على شيخه إبراهيم الصفّار، وهو من أقدم شيوخه، وقد كانت وفاة الصفّار المذكور سنة ٥٣٤ هـ، فلو فرضنا أن قاضي خان حين تتلمُّذه على الصفّار كان عمره في حدود العشرين -وهو الغالب- لوصلنا إلى نتيجة أن ميلاده كان في العقد الثاني. واللَّه أعلم.

стр. 2318

مولده وموطنه وفاته ولد الإمام قاضي خان في "أوزجند"، وإليه ينسب الأوزجندي: نسبة إلى "أوزجند"، بالضمّ والواو والزاي ساكنان. ويقال فيه: الأوزكندي، نسبة إلى "أوزكند"، بلد بـ "ما وراء النهر" من نواحي "فرغانة"، وهى آخر مدن "فرغانة"، و"كند" معناه القرية بلغة أهل تلك البلاد، كما يقول أهل "الشام": "الكفر". الفرغاني: بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الغين المعجمة، هذه النسبة إلى موضعين أحدهما: إلى "فرغانة"، وهي ولاية وراء "الشاش" من بلاد المشرق، وراء نهر "جيحون" و"سيحون". والثاني إلى "فرغان"، قرية من قرى "فارس"، ينسب إليها أبو الفتح محمد بن إسماعيل الفارسى الفرغاني. والإمام قاضي خان من "فرغانة" الأولى، وهى الآن أهمّ مقاطعة في الجمهورية الإسلامية. "أوزبيكستان"، وكانت "فرغانة" مسقط رأس العلماء الأجلّاء في الإسلام، ينسب إليها كثير من العلماء. قال الإمام الذهي: بقي إلى سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فانه أملى في هذا العام، وترجم له الذهبى في المتوفّين على التقريب من أهل الطبقة التاسعة والخمسين من "تاريخ الإسلام"، إلا أن عامة المترجمين له من أبي الوفاء القرشي، وتقي الدين التميمى، وابن العماد الحنبلي، والكَفَوي، واللكنوي اتفقوا على أنه توفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة من الهجرة، وأضاف القرشي والتميمي أنه توفي ليلة الاثنين، خامس عشر من شهر رمضان المبارك، ودفن عند القضاة السبعة. أسرته ونشأته نشأ الإمام قاضي خان بـ "بخارى"، التى كانت مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء، ومركزهم العلمي، وكانت مكتظّة بفطاحل العلماء

стр. 2319

وجهابذتهم، (كما يتبيّن من أسماء بعض علماء منطقة "بخارى" في تلك الفترة الزمنية، ذكرتها تحت عنوان: "عصر الإمام قاضي خان"، وقد ذكر بعض المؤرّخين أن هذه المدينة الواسعة كان المسجد الجامع بها معدوم المثال، كثير الاحتفال. ولكن مما يؤسف له أن المؤرّخين له لم يبسطوا القول عن نشأته وتلقّيه العلم، رغم أنه تربى في أسرة علمية عريقة، عرفت بالعلم والفقه والقضاء، فأبوه كان عالما وقاضيا، أما جدّه شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز، وعمّه الحسن بن علي ظهير الدين المرغيناني، فكانا علمين بارزين في قائمة مشايخه، وكذلك جدّ أبيه كان من كبار الفقهاء، وفيما يلي ذكره باختصار بعض فقهاء أسرته الكبار: ١ - عبد العزيز بن عبد الرزاق بن أبي نصر بن جعفر بن سليمان، الإمام، المرغيناني، (والد جدّ قاضي خان)، روى عنه أولاده. ونقل القرشي عن أبي سعد، قال: كان له ستّ بنين، كلّهم يصلح للفتوى والتدريس، فإذا خرج مع أولاده، قالوا: سبعة من المفتين، خرجوا من دار واحدة، مات بـ "مرغينان" سنة سبع وسبعين وأربعمائة. ٢ - محمود بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، الملقّب بشمس الأئمة، الأوزجندي، جدّ قاضي خان وشيخه، تفقّه على الإمام السرخسي. ترجم له الكفوي في "كتائب أعلام الأخيار"، فقال: شيخ الإسلام القاضى محمود بن عبد العزيز، الأوزجندي، جدّ الشيخ الإمام قاضي خان. ٣ - علي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، الإمام، المعروف بظهير الدين الكبير، أبو الحسن، المرغيناني، (أخو جدّ قاضي خان) تفقّه على أبيه عبد العزيز، وعلى السيّد أبي شجاع محمد بن أحمد بن حمزة، وعلي بن برهان الدين الكبير عبد العزيز وغيرهم.

стр. 2320

٤ - المعلّى بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، أحد الإخوة الفضلاء الستة. ٥ - الحسن بن علي ظهير الدين الكبير بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، المرغيناني، الملقّب بظهير الدين، أبو المحاسن، شيخ قاضي خان. كان فقيها محدّثا، نشر العلم إملاء وتصنيفا، ومن مصنّفاته: "كتاب الأقضية"، و"الشروط"، و"الفتاوى"، و"الفوائد"، وغير ذلك، تفقّه على برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه، وعلى عمّه شمس الأئمة محمود الأوزجندي (جدّ قاضي خان)، وسوف يأتي ذكره في مشايخ قاضي خان. ٦ - طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين، افتخار الدين، البخاري. تلميذ قاضي خان وابن أخت عمّه، صاحب "خلاصة الفتاوى"، و"خزانة الواقعات"، و"النصاب". كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر، شيخ الحنفية بـ "ما وراء النهر"، من أعلام المجتهدين في المسائل، يأتي ذكره في تلامذة قاضي خان. عصر الإمام قاضي خان: عاش الإمام قاضي خان ﵀ في القرن السادس الهجري، حيث ولد بـ "أوزجند"، "فرغانة" قبل عام ٥١٨ هـ، وتوفي بـ "بخارى" عام ٥٩٢ هـ، أي في أواخر عصر الدولة العباسية الثانية، التي سقطت عام ٦٥٦ هـ بسقوط "بغداد" على يد التتار. عصر الإمام قاضي خان وقد كان هذا العصر عصر ضعف وانهيار للدولة العباسية، كثرت فيه الفتن والاضطرابات، ونجمت بجانب الدولة العباسية عدّة دول. قال ابن كثير: ولم تكن أيدي بني العبّاس حاكمة على جميع البلاد، فإنه خرج عن بني العبّاس بلاد المغرب، وبلاد "الشام" في بعض الأحيان، والحرمين في أزمان طويلة. كذلك أخذت من أيديهم بلاد "خراسان" و"ما وراء النهر"،

стр. 2321

وتداولتها الملوك دولا بعد دول، حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا "بغداد" وبعض بلاد العراق؛ وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات، وجمع الأموال في أكثر الأوقات. وعاصر الإمام قاضي خان من خلفاء بنى العباس: الفضل المسترشد باللَّه بن المستظهر (٥١٢ هـ - ٥٢٩ هـ)، والمنصور الراشد باللَّه بن المسترشد (٥٢٩ هـ - ٥٣٠ هـ)، والمقتفي بأمر اللَّه محمد بن المستظهر باللَّه (٥٣٥ هـ - ٥٥٥ هـ)، والمستنجد باللَّه أبو المظفر يوسف بن المقتفي (٥٥٥ هـ - ٥٦٦ هـ)، والمستضيء بأمر اللَّه أبو محمد الحسن بن يوسف (٥٦٦ هـ - ٥٧٥ هـ)، والناصر لدين اللَّه العباس أحمد بن المستضيء (٥٧٥ هـ - ٦٢٢ هـ). وقد كانت القوة المسيطرة على الخلافة في أواخر الدولة العبّاسية دولة السلاجقة، وهم شعب من شعوب الترك، يعرفون باسم العز، هاجروا إلى "ما وراء النهر" عام ٣٧٥ هـ، وكان السلطان السلجوقي ملكشاه قد أعطى أنوشتكين، أحمد سقاه بلاطه بلد "خوارزم"، فبدأ أنوشتكين ملكه لـ "خوارزم" عام ٤٧٠ هـ، ثم تعاقب على هذا الملك أحفاده من بعده بإقرار من ملوك السلاجقة، وخضوع من ملوك "خوارزم" في أغلب الأحيان، إلى أن بدأت الخلافات تنشب بينهما، حيث طمع ملوك "خوارزم" في الاستقلال عن السلاجقة، والاستئثار بالسلطة على البلاد، التي تحت أيديهم، وأعلنوا ذلك، فقامت المعارك بينهما. وقد كان في كلّ مدينة حاكم محلّي أو نائب من المسلمين، يتولى إدراة الشؤون الداخلية والنواحي الدينية، ويقونم بدفع ضريبة للقر اخطائيين. وكان الحكم المحلّي الذي له المشورة في جميع الأمور في "بخارى" هو: تاج الدين أحمد بن عبد أحمد بن عمر بن مازة، وذلك بعد مقتل الصدر الشهيد، ثم كان الحاكم محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد ابن الصدر

стр. 2322

الشهيد عمر بن عبد العزيز البخاري الملقّب بصدر جهان، وكان الحاكم بـ "سمرقند" السلطان عثمان بن إبراهيم بن حسين. ولا شكّ أن ضعف الخلافة العبّاسية، وعدم الاستقرار السياسي، وكثرة الحروب كان له الأثر الكبير على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في ذلك العصر، إلا أنه رغم الاضطراب السياسي وأحداث داخلية وخارجية كانت هناك حركات علمية ونهضة أدبية في "بخارى" و"سمرقند" وما جاورها من البلاد الإسلامية، ازدهرت فيها الحضارة والعلوم والآداب، يتمثّل ذلك في التأليف والتدريس والقضاء والإفتاء وبناء المدارس الإسلامية والمكتبات العلمية في أنحاء العالم الإسلامي، ومن ذلك ما أسّسه الوزير السلجوقي نظام الملك الحسن بن علي الطوسي ٤٨٥ هـ من مدارس نظامية في المدن الإسلامية الكبرى. أنجب هذا العصر علماء وفقهاء أفذاذا كانوا أئمة في العلوم النقلية والعقلية، ووجد فيه أعلام من الفقهاء، الذين كان لهم دور كبير في توضيح المذهب وتطويره وتهذيبه، لذلك أصبحت أقوالهم محلّ الاعتماد والتعويل في المذهب. وفي هذه الفترة الزمنية التي عاشها الإمام قاضي خان بمدينة "بخارى"، وجدت بها وما جاورها طائفة من جهابذة العلماء: بعضهم من الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل، التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، وأكثرهم من الطبقة الرابعة طبقة أصحاب التخريج، والخامسة: طبقة أصحاب الترجيح، وفيما يلي أذكر أشهر فقهاء الحنفية، الذين عاصرهم قاضي خان في تلك المنطقة: ١ - ركن الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الزاهد المعروف بالصفّار، المتوفى سنة ٥٣٤ هـ شيخ قاضي خان.

стр. 2323

٢ - صدر الشهيد عمر بن عبد العزيز بن مازة، المتوفى سنة ٥٣٦ هـ، صاحب "شرح أدب القاضي" للخصّاف، أحد جهابذة المذهب. ٣ - شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز الأوزجندي، جدّ قاضي خان. ٤ - الإمام طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري، المتوفى سنة ٥٤٢ هـ، صاحب "خلاصة الفتاوى". ٥ - أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة ٥٥٢ هـ، صاحب "تحفة الفقهاء". ٦ - الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز الظهير البلخي، المتوفى سنة ٥٥٣ هـ. ٧ - قاضي القضاة علي بن أحمد بن قاضي القضاة أبي الحسن علي بن قاضي القضاة أبي عبد اللَّه، الدامغاني، المتوفى سنة ٥٨٣ هـ. ٨ - زين الدين أبو نصر أحمد بن محمد بن عمر العتابي، المتوفى سنة ٥٨٦ هـ. ٩ - ملك العلماء أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، المتوفى سنة ٥٨٧ هـ، "صاحب البدائع". ١٠ - على بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، المتوفى سنة ٥٩٣ هـ، صاحب "الهداية". ١١ - برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة، ٥٥١ هـ - ٦١٦ هـ. صاحب "المحيط البرهاني". وغيرهم، الذين كانوا نجوما ساطعة في سماء العلم، وكل واحد منهم يتبوّأ مركزا علميا مرموقا، وكان لهم أثر كبير في الأجيال من بعدهم في ازدهار العلم

стр. 2324

وتطوّر المذهب، وتميز الإمام قاضي خان بينهم في تمكنّه في الاجتهاد والقضاء والإفتاء، ورسوخه في الفقه الحنفي. مشايخه الأجلاء: لقد سبق أن الإمام قاضي خان ترعرع في بيئة علمية، وتربى في أسرة عريقة في العلم والمعرفة، وأنه عاصر كبارا من جهابذة الفقهاء، فالتقى بهم، واستفاد منهم، وإن المترجمين له لم يسجّلوا شيئا عن رحلاته العلمية، كما لم يفصلوا أسماء شيوخه، الذين روى عنهم، لا شكّ فيه أن عدد مشايخه أكبر من ذلك بكثير، تدلّ عليه مصنّفاته العلمية، وما دون فيها من آرائهم القيّمة، وهذا ما ألمع إليه الإمام الذهبي بقوله: سمع الكثير من الإمام ظهير الدين الحسن بن علي، ومن إبراهيم بن عثمان الصفّاري وطائفة، وفيما يلي أسجّل نبذة يسيرة عن كبار مشايخه: ١ - إبراهيم بن إسماعيل الصفّار: هو إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق، ركن الإسلام، الزاهد المعروف بالصفّار. من بيت علم وفضل، أبوه وجدّه وجدّ أبيه كلّهم من أفاضل الحنفية، وهو تفقّه على والده، ذكر القاري أنه ولد في حدود سنة ستين وأربعمائة، مات بـ "بخارى" في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة ٥٣٤ هـ، وله تصانيف، منها: "كتاب تلخيص الزاهدي"، و"كتاب السنة والجماعة"، وأخذ عنه جماعة، يقول تقى الدين التميمي الداري: واشتغل عليه الجمّ الغفير، ومن جملتهم: قاضي خان ﵀. ٢ - شمس الأئمة محمود الأوزجندي جدّ قاضي خان: هو محمود بن عبد العزيز بن عبد الرزاق الأوزجندي، القاضى الملقّب بشمس الأئمة، جدّ قاضي خان وشيخه، ويلقّب بشيخ الإسلام أيضا، كما ذكره القرشي والكفوي، ترجم له الكفوي في "كتائب أعلام الأخيار"، فقال:

стр. 2325

شيخ الإسلام القاضي محمود بن عبد العزيز الأوزجندي، جدّ الشيخ الإمام قاضي خان، كان من الفقهاء العظام والفضلاء الفخام، كان يتصدّر للإفتاء، وحلّ مشكلات الأنام فيما شجر بينهم من النزاع، تفقّه على الشيخ الإمام قاضي خان، كما صرّح به الكفوي واللكنوي، ودوّن بعض آرائه في كتابه "شرح الزيادات". ٣ - ظهير الدين الحسن بن علي ظهير الدين الكبير المرغيناني: هو الحسن بن علي ظهير الدين الكبير بن عبد العزيز بن عبد الرزاق بن أبي نصر، المرغيناني، الملقّب بظهير الدين أبو المحاسن. تفقّه على برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه، وعلى عمّه شمس الأئمة محمود الأوزجندي (جدّ قاضي خان)، وزكي الدين الخطيب مسعود بن الحسن الكشاني، وهم تفقّهوا على شمس الأئمة السرخسي. والإمام فخر الدين قاضي خان الذي هو ابن ابن عمّه قرابة، كان من أجلّ تلامذته، ولازمه ملازمة طويلة، وأكثر في السماع منه، أشار إليه الإمام الذهبي والعلامة قاسم ابن قطلوبغا بقوله: سمع الكثير من الإمام ظهير الدين حسن بن علي بن عبد العزيز. ٤ - نظام الدين إبراهيم بن علي المرغيناني: هو إبراهيم بن علي المرغيناني، الملقّب نظام الدين، أبو إسحاق، يقول القرشي والتميمي الداري: أحد مشايخ قاضي خان، وأحد من انتفع به، وتفقّه عليه، وتخرّج به، رحمهما اللَّه تعالى. تلامذته العظام درس الإمام قاضي خان، وتفقّه على أيدي هؤلاء المشايخ، حتى بلغ إلى مرحلة النضج والرسوخ، وبعد أن ارتفع شأنه في العلم وترقى، وتبوأ منزلة كبيرة بين علماء زمانه، حتى فاق أكثر فقهاء ذلك العصر في الفقه، تصدّر

стр. 2326

للتدريس والإملاء والإفتاء، فانضمّ إلى حلقته كثير من رواد العلم، ولعلّ الإمام قاضي خان كان أجلّ الفقهاء في ذلك العصر وأشهرهم. ومن كان مثله في العلم والفضل لابدّ أن يكثر تلاميذه، ألمع إليه الإمام الذهبي بقوله: وأملى مجالس كثيرة، رأيتها. كذلك يدلّ عليه ما ساقه القرشي والتميمي والقاري في طبقاتهم من حكاية طريفة، وفيها: أن محمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الفضل الكماري عندما دخل بلاد "فرغانة" وجد قاضي خان يتكلّم فوق المنبر، وبين يديه العلماء، وهم يكتبون ما يملى عليهم، فتفقّه عليه أجلّة العلماء وكبار الفقهاء، الذي أصبحوا بعد ذلك أئمة في علوم الدين، وفيما يلى أسوق تراجم الفقهاء البارزين من تلاميذه باختصار: ١ - طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسني، الإمام افتخار الدين البخاري: تلميذ قاضي خان وابن أخت عمّه، أخذ عن أبيه قوام الدين أحمد عن أبيه عبد الرشيد، وأيضا أخذ عن حماد بن إبراهيم الصفّار، وتفقّه على خاله ظهير الدين الحسن بن علي المرغيناني، كما تفقّه على الإمام قاضي خان. وله تصانيف مقبولة، منها: "خلاصة الفتاوى"، و"خزانة الواقعات"، و"النصاب"، يقول العلامة اللكنوي: وقد طالعت من تصانيفه "خلاصة الفتاوى"، ذكر فيه أنه لخّصه من "الواقعات"، و"الخزانة"، وهو كتاب معتبر عند العلماء، معتمد عند الفقهاء. ٢ - عبيد اللَّه بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، ينتهي نسبه إلى عبادة بن الصامت جمال الدين المحبوبي، الإمام المعروف بأبي حنيفة الثاني.

стр. 2327

ولد سنة ٥٤٦ هـ، و كان إماما كاملا. معدوم النظير في زمانه، فرد أوانه في معرفة المذهب والخلاف. قال الإمام الذهى في "العبر في خبر من غبر": شيخ الحنفية بـ "ما وراء النهر"، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب، أخذ عن أبي العلاء عمر بن بكر بن محمد الزرنجري، عن أبيه شمس الأئمة، وتفقّه أيضا على قاضي خان الأوزجندي. وممن تفقّه عليه ابنه أحمد، والد تاج الشريعة، صاحب "الوقاية"، وحافظ الدين الكبير محمد البخاري، وحميد الدين الضرير على بن محمد البخاري، وبهاء الدين محمد بن أحمد الإسبيجابي، والظهير أبو بكر أحمد بن علي البلخي، وغيرهم. له تصانيف، منها: "شرح الجامع الصغير"، و"كتاب الفروق"، توفي بـ "بخارى" في جمادى الأولى سنة ٦٣٠ هـ. ٣ - يوسف بن أحمد بن أبي بكر، الخاصي، نجم الدين جمال الأئمة: كان إماما فاضلا، أخذ عن أبي بكر محمد بن عبد اللَّه، من أقران عمر النسفي، ومن الصدر الشهيد حسام الدين عمر، وعن الحسن قاضي خان، جمع الفتاوى المشهورة، ورتّب "فتاوى الصدر الشهيد"، و"واقعاته". وحكى اللكنوي عن القاري أنه كان في أوائل المائة السادسة، وأن له "الفتاوى" و"مختصر الفصول"، وذكر حاجي خليفة وفاته عند ذكر "الفصول في الأصول"، سنة أربع وثلاثين وستمائة. ٤ - الإمام محمود بن أحمد بن عبد السيّد بن عثمان بن نصر بن عبد الملك الملقّب بجمال الدين، المكنى بأبي المحامد، البخاري، الشهير بالحصيري. تفقّه على الإمام قاضي خان، الذي كان أجلّ الفقهاء في ذلك العصر وأشهرهم، وكان من تلامذته الخاصة، حتى بلغ رتبة الكمال. وبعد وفاة شيخه قاضي خان سنة ٥٩٢ هـ خرج من "بخارى"، فسمع "صحيح مسلم" وغيره بـ "نيسابور" من الإمام أبي الحسن المؤيد الطوسي،

стр. 2328

وسمع من الإمام المحدّث أبي سعد الصفّار النيسابوري الشافعي، والإمام منصور الفراوي، وسمع بـ "حلب" من الإمام افتخار الدين الهاشمي، ثم توجّه إلى "دمشق"، واستقرّ به. ودرس في المدرسة النورية بـ "دمشق" خمسا وعشرين سنة، وتفقّه به طائفة كبيرة، منهم: الملك المعظّم عيسى بن أبي بكر الأيوبي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ، مصنّف "أصول الجامع الكبير"، وصدر الدين الخلاطي، وسبط ابن الجوزي، والإمام صدر الدين سليمان بن وهيب الأذرعي صاحب "المنتخب شرح الزيادات"، الذي ألفه قاضي خان، والعلامة شهاب الدين الرازي، والعلامة مجد الدين الموصلي، صاحب المتن المشهور "المختار"، وشرحه "الاختيار" وكثيرون، وروي عنه الحديث جمال الدين الحافظ ابن الصابوني صاحب "تكملة إكمال الإكمال"، والقاضى تقي الدين سليمان الحنبلي، وغيرهم. شَغَفَ بكتب الإمام محمد وروايتها، ومن تصانفيه: "شرح الجامع الصغير"، و"شرح السير الكبير"، و"الطريقة الحصيرية" في علم الخلاف بين الشافعية والحنفية، و"خير مطلوب" في العلم المرغوب، و"النجم الهادي الساري إلى الهادي الساري إلى حل ألفاظ صحيح البخاري"، و"الوجيز شرح الجامع الكبير"، و"التحرير شرح الجامع الكبير"، سلك فيهما نهج شيخه قاضي خان في "شرح الزيادات" من التأصيل والتقعيد. كان جمال الدين الحصيري من أبرز تلاميذ قاضي خان، وكثيرا ما ينقل آراء شيخه في مواضع من كتابه "التحرير"، فيقول: قال أستاذنا الإمام قاضي خان. إجازة قاضي خان للحصيري: كان الإمام الحصيري موضع الثقة عند شيخه، اعترف له بالنبوغ والإمامة، تدلّ على ذلك الإجازة الآتية التي منحها شيخه قاضي خان:

стр. 2329

يقول المحتاج إلى رحمة اللَّه تعالى وغفرانه، الشاكر لفضله وإحسانه: الحسن بن منصور بن محمود الأوزجندي: قرأ عليّ كثيرا من الكتب التي ألّفها علماء الإسلام وصدور الأنام في تمهيد قواعد الفقه والأحكام، تمييز الحلال من الحرام، منها ما رواه محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، رحمهم اللَّه تعالى نحو "المبسوط"، و"الجامع الصغير"، ومنها من اختص بتأليفها محمد رحمه اللَّه تعالى نحو "الجامع الكبير"، و"السير الكبير"، و"الزيادات"، وقد يسّر اللَّه تعالى على الشيخ الإمام الجليل الزاهد جمال الدين زين الأنام محمود بن أحمد بن عبد السيّد قراءة عامتها، وإحكام صورها ومبانيها، والوقوف على حقائقها ومعانيها، فبلغه درجة الإفتاء والدراسة، وارتقى مرقاة الشرف والرياسة، متّعه اللَّه تعالى بما أعطاه، وجعل الجنة مأواه، كتبت هذه الأسطر رجاء أن يذكرني بالدعاء الصالح، فإنه أحسن مسئول، وأنفس مأمول. ثم أضاف إلى ذلك التميمي: ورأيت أيضا على ظهر النسخة المذكورة بخطّ الحصيري ما صورته: قال مولانا وسيّدنا القاضي الإمام الأجلّ الأستاذ قاضي القضاة فخر الملّة والدين ركن الإسلام والمسلمين، بقية السلف، أستاذ الخلف، مفتي الشرق والصين أبو المفاخر الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز متع اللَّه الإسلام والمسلمين بطول بقائه. وهذه الإجازة بمثابة تزكية من الإمام قاضي خان لتلميذه النابغة الحصيري، وإنها شهادة إمام خبير لتلميذ نبيه، ويعدّ مثل هذا التلميذ عنوان مجد ووسام فخر لأستاذه أيضا، ثم تعليق الحصيري على الشهادة المذكورة، فيه إشارة واضحة إلى مدى علاقته بأستاذه، والاعتراف بعظيم مناقبه. توفي الحصيري في صفر سنة ٦٣٦ هـ، وله تسعون سنة، قال الذهبي: ازدحم الخلق على نعشه، وحمله الفقهاء على الرءوس، وكان يوما مشهودا.

стр. 2330

٥ - محمد بن عبد الستار بن محمد، المعروف بشمس الأئمة الكردري: ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وقرأ بـ "خوارزم" على الشيخ برهان الدين ناصر المطرزي صاحب "المغرب"، ثم رحل لطلب العلم إلى "ما وراء النهر"، وتفقّه بـ "سمرقند" و"بخارى" على مشايخ منهم: القاضي عماد الدين عمر الزرنجري، وقوام الدين الصفّار، وشرف الدين العقيلي، ونور الدين الصابوني، والإمام زين الدين أحمد العتابي، وأجلّ أساتذته فخر الدين قاضي خان، وصاحب "الهداية" علي بن أبي بكر المرغيناني. برع في العلوّ، وفاق على أقرانه، وأقرّ له بالفضل والتقدّم أهل زمانه، حتى قيل: إنه أحيى علم الفروع وأصوله بعد أبي زيد الدبوسي، كان أستاذ الأئمة على الإطلاق، والموفود إليه من الآفاق، وتفقّه عليه خلق كثير، منهم: ابن أخته العلامة محمد بن محمود بن عبد الكريم المعروف بالإمام خواهرزاده، وحميد الدين الضرير على الرامشي، وحافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري، وغيرهم. مات بـ "بخارى" يوم الجمعة تاسع المحرّم سنة اثنتين وأربعين وستمائة. ٦ - صدر الإسلام طاهر بن برهان الدين محمود صاحب "المحيط البرهاني"، بن تاج الدين الصدر السعيد أحمد بن برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه، كان أعيان الفقهاء الحنفية، له اليد الطولى في الفروع والأصول، ومشاركة تامة في المعقول والمنقول، أخذ عن أبيه صاحب "المحيط"، كما تفقّه على فخر الدين قاضي خان، ومن تصانيفه: "الفوائد"، و"الفتاوى".

стр. 2331

٧ - نجم الأئمة الحكيمي: لم أجد اسمه ونسبه في كتب التراجم، إنما ذكر القاري والكفوي أنه تلميذ قاضي خان، وأستاذ ركن الدين الوالجاني الخوارزمي، الذى كان إماما جليلا كثير العلم، والذي تفقّه عليه صاحب "القنية". سند الإمام قاضي خان في الفقه: ذكر الحافظ القرشي في ترجمة أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق، السروجى (٧١٠ هـ) ستجع في للفقه الذي يحتوي على سند الإمام قاضي خان أيضا فقال: قرأ على الإمام أبي الربيع صدر الدين سليمان، عن الشيخ جمال الدين محمود الحصيري عن الإمام فخر الدين الحسن بن منصور قاضي خان، عن الإمام ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني، عن الإمام سراج الأئمة برهان الدين عبد العزيز بن مازة، وشمس الدين محمود جدّ قاضي خان، كلاهما عن شمس الأئمة السرخسي، عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري، عن عبد اللَّه بن أبي حفص، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد بن الحسن، عن الإمام أبي حنيفة. منزلة قاضي خان بين الفقهاء الحنفية: احتلّ الإمام قاضي خان مكانة مرموقة بارزة بين الفقهاء الحنفية، تتجلّى منزلته بوضوح من حيث إن الذين كتبوا في طبقات الفقهاء من المحقّق ابن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ)، وعصام الدين أبو الخير طاش كبري زاده (ت ٩٦٨ هـ)، والعلامة ابن عابدين (ت ١٢٥٢ هـ)، والعلامة عبد الحي اللكنوي، اتفقت كلمتهم على أن الإمام قاضيخان من طبقة المجتهدين في المسائل، الذين يجتهدون في المسائل، التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ومن هذه الطبقة الإمام الخصّاف، والإمام الطحاوي، وأبو الحسن

стр. 2332

الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي. وهذه الطبقة أعلى طبقة الفقهاء بعد طبقة المجتهدين في المذهب من أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر، وحسن بن زياد، وهذه الطبقة تميّزت بخدمة الفقه الحنفي، ووضعت الأسس لنموه والتخريج فيه البناء على أقواله، كما وضعت أسس الترجيح فيه، والمقايسة بين الأراء، وتصحيح بعضها، وتضعيف الآخر. وهؤلاء الفقهاء، عملهم في الحقيقة يتكوّن من عنصرين على حدّ تعبير الشيخ أبي زهرة: أحدهما: استخلاص القواعد العامّة، التي كان يلتزمها الأئمة من الفروع المأثورة عنهم، فإنهم جمعوها في قواعد وضوابط، واعتبروها الأصل، الذي كان على أساسه الاستنباط، وكان مقياس الاستخراج السليم للأحكام الفقهية. ثانيهما: استنباط الأحكام في المسائل التي لا نصّ فيها عن أئمة المذهب على حسب أصول قرّروها، ومقتضى قواعد بسطوها. ولقد نهج الإمام قاضي خان على هذا النمط في مؤلّفاته، خاصّة في "الفتاوى" وفي "شرح الزيإدات"، وله آراء وترجيحات سديدة معتمدة عند الفقهاء المتأخرين، الذين أكثروا النقل عنه. ثناء العلماء عليه: احتلّ الإمام قاضي خان مكانة علمية بارزة بين الفقهاء الحنفية، فأشادوا بذكره، وأثنوا عليه، ولقّبوه بألقاب فخمة. يذكره الإمام الحصيري معترفا بمناقبه وفضله بقوله: قال مولانا وسيّدنا القاضي الإمام الأجلّ الأستاذ قاضي القضاة فخر الملّة والدين ركن الإسلام

стр. 2333

والمسلمين بقية السلف، أستاذ الخلف، مفتي الشرق والصين أبو المفاخر الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز، متّع اللَّه الإسلام والمسلمين بطول بقائه. يقول كمال الدين بن الفوطي الششيباني الحنبلي في ترجمته: "من القضاة الفضلاء والرواة النبلاء". وقال ابن العماد الفقيه المؤرّخ والأديب الحنبلي في ترجمته: "الإمام الكبير بقية السلف مفتي الشرق من طبقة المجتهدين في المسائل". وقال ابن عابدين الشامى: "لا يعدل عن تصحيح قاضي خان، فإنه فقيه النفس". تصحيح قاضي خان معتمد ومقدم: الذي يزيد منزلة قاضي خان العلمية وثقته ومكانته الفقهية، ويؤيّد ما سبق أننا نرى أن كبار الفقهاء المتأخّرين من أصحاب المتون والشروح والفتاوى، من ابن السَّاعاتي، وكمال الدين ابن الهمام، وأكمل الدين البابرتي، والعلامة بدر الدين العيني، وابن نُجيم، وفخر الدين الزيلعي، والإمام محمد بن محمود الأستروشني، وقاسم بن قطلوبغا، وخير الدين الرملي، ومحمد بن عبد اللَّه التمرتاشي، وعلاء الدين الحصكفي، والعلامة ابن عابدين، وصاحب "الفتاوى التتارخانية" وأصحاب "الفتاوى الهندية" وغيرهم، كلّهم يعتمدون على أقواله، وتصحيحه وترجيحه للروايات. يقول مظفّر الدين ابن الساعاتي (٦٥١ هـ - ٦٩٤ هـ) في "شرح مجمع البحرين" عند اختياره تصحيح قاضي خان في مسألة غسل اللحية في الوضوء: "والأصحّ من الرواية ما نصّ عليه قاضي خان ﵀ في "شرح الجامع الصغير" أن الفرض هو مسح ما يلاقي البشرة من الوجه. . ". وقال العلامة قاسم ابن قطلوبغا (ت ٨٧٩ هـ) في مقدمة كتابه القيّم "الترجيح والتصحيح على القدوري": "وهذا ما تيسّر لي على "مختصر

стр. 2334

القدوري" مع زيادات نصّ على تصحيحها القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان في "فتاواه"، فإنه من أحقّ أن يعتمد على تصحيحه، واللَّه ولي الإعانة، وهو حسبي ونعم الوكيل". وقال في موضع آخر: "ما يصحّحه قاضي خان مقدّم على تصحيح غيره، لأنه فقيه النفس". ونقله العلامة ابن عابدين، وأيّده، وأضاف عليه في مؤلّفاته الشهيرة، قال في "شرح عقود رسم المفتي": وإن كان كلّ منهما بلفظ الأصحّ أو الصحيح، فلا شبهة في أنه يتخيّر بينهما، إذا كان الإمامان المصحّحان في رتبة واحدة، أما لو كان أحدهما أعلم، فإنه يختار تصحيحه، كما لو كان أحدهما في "الخانية"، والآخر في "البزازية" مثلا، فإن تصحيح قاضي خان أقوي، فقد قال العلامة قاسم: إن قاضي خان من أحقّ من يعتمد على تصحيحه. وذكر في مسائل الخلع من حاشيته على "الدر المختار"، وقول الشارح أول الباب خلافا لـ "الخانية"، تبع فيه قول "البحر"، وإن شرح قاضي خان بخلافه، ولم يظهر لي وجه ترجيح التصحيح الأول على الثاني، مع أنهم قالوا: إن قاضي خان من أجلّ من يعتمد على تصحيحه. ونقل ابن عابدين عن خير الدين الرملي: وفي "حاشيته" للرملي بعد كلام نقله عن "الخانية": وقد ذكر المسألة في "جواهر الفتاوى"، وذكر فيه اختلافا كثيرا، واختلاف تصحيح، ولكن عليك بما في "الخانية"، فإن قاضي خان من أهل التصحيح والترجيح. انتهى. وفي مسائل قبض الهبة عن الصغير نرى أن ابن عابدين رجّح قول قاضي خان على قول صاحب "الهداية"، وصاحب "البدائع"، فقال: فقد علمت أن "الهداية" و"الجواهر" على تصحيح عدم جواز قبض من يعوله مع عدم غيبة الأب، وبه جزم صاحب "البدائع"، وقاضي خان

стр. 2335

وغيره من أصحاب الفتاوى صحّحوا خلافه، ولكن على ذكر مما قالوا: لا يعدل عن تصحيح قاضي خان، فإنه فقيه النفس، ولا سيّما وفيه هنا نفع للصغير، فتأمل عند الفتوى. فما نوّه به ابن عابدين ولقبه بأنه فقيه النفس، يعتبر شهادة فقيه، خير بكمّ هائل من تراث الفقهاء، والذي يعتبر خاتم المحقّقين في الفقه الحنفي. أما تعريف فقيه النفس: فهو الذي صار الفقه سجية ملازمة له، وملكة قائمة به، يستطيع بواسطتها استنباط الأحكام وإدراكها. والمقصود بذلك أن يكون شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، أي أن يكون له استعداد فطري يؤهله للاجتهاد. وعد إمام الحرمين الجويني وجلال الدين المحلّي من شروط المجتهد أن يكون فقيه النفس، واعتبر الجويني هذا رأس مال المجتهد، وقال: إنه أمر جبلي، ولا يتأتى كسبه وتحصيله بحفظ الكتب. مؤلّفات الإمام قاضي خان: خلف الإمام قاضي خان ثروة علمية كبيرة للمكتبة الإسلامية، تدلّ على مكانته العلمية العالية في الفقه، واطلاعه الواسع على دقائق المذهب الحنفي، وقد نسبت كتب التراجم إليه طائفة من الكتب، كانت موضع اهتمام الفقهاء المتأخّرين، الذين أكثروا النقل عنه والإحالة إليها، ولكنّها مغمورة مع جلالة قدرها، سوى فتاواه الشهيرة بعضها ما تزال مخطوطة يمكن الوقوف عليها، وبعضها لا علم له مكانا، وفيما يلى أذكر نبذة يسيرة عن مؤلّفاته القيمة: ١ - فتاوى قاض خان أو الفتاوى الخانية. من الفتاوى المعتمدة في المذهب الحنفي، ومن كتب الفتاوى التي نالت أسمى مكانة في الإفتاء، وتداولتها أيدي الفقهاء في كلّ زمان ومكان، لأنه

стр. 2336

احتوى على المسائل، التي يغلب وقوعها، وتمسّ الحاجة إليها بدون التعرض للفروض النادرة. وبجانب ذلك نرى أن الإمام قاضي خان يسلك فيه مسلك الترجيح عند تعدّد الروايات من أئمة المذهب المتقدّمين وكثرة الأقاويل من المتأخّرين، وكلّ ذلك جعل هذه المجموعة الطيبة المختارة من الفتاوى تحوز القبول والاعتماد لدى العلماء. يقول حاجي خليفة في بيان وصفه وأهميته: هي مشهورة، مقبولة، معمول بها، متداولة بين أيدي العلماء والفقهاء، وكانت هى نصب عين من تصدّر للحكم والإفتاء. ووصفها العلامة اللكنوي بقوله: وله الفتاوى المشهورة المتداولة. . . انتفعت بفتاواه، وهى في أربعة أسفار معتمدة عند أجلّة الفقهاء، حتى قال قاسم بن قطلوبغا في "تصحيح القدوري": ما يصحّحه قاضي خان مقدّم على تصحيح غيره، لأنه فقيه النفس. أما طريقته وترتيبه ومنهجه الذى وضعه المؤلّف نصب عينيه في الفتاوى، فخير ما عبّره هو نفسه في فاتحة الكتاب قائلا: ذكرت في هذا الكتاب من المسائل التي يغلب وقوعها، وتمس الحاجة إليها، وتدور عليها واقعات الأمة، ويقتصر عليها رغبات الفقهاء والأئمة، وهي أنواع وأقسام: فمنها: ما هى مروية عن أصحابنا المتقدّمين، ومنها: ما هي منقولة عن المشايخ المتأخّرين، رضوان اللَّه عليهم أجمعين، ورتّبته ترتيب الكتب المعروفة. ونظرا إلى عظم أهمية الكتاب وشهرته العلمية، اهتمّ بعض العلماء باختصاره وتلخيصه، منها: "مختصر قاضي خان"، للشيخ محمد ابن مصطفى بن الحاج محمد أفندي:

стр. 2337

أشار إليه حاجي خليفة بقوله: وقد رتّب رجل من علماء "الروم" مسائله، يقال له محمد، وهو محمد بن مصطفى بن الحاج محمد أفندي، وأوله: الحمد للَّه الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه إلخ، ذكر فيه أنه أشار إليه شيخه المولى محمد ابن شيخ الإسلام محمد الشهير بجوي زاده سنة ٩٩٥ هـ بترتيبه، فرتّبه، وسمّاه "وهاج الشريعة". "مختصر قاضي خان": للمولى يوسف بن جنيد الشهير بأخي جلبي التوقاتي، في مجلّد، أوله: الحمد للَّه الملك القوي المتين إلخ، وأهداه إلى السلطان بايزيد خان. ٢ - شرح الجامع الصغير. وهو من أجود الشروح لـ "الجامع الصغير"، الذي ألّفه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وعدّه طاش كبري زاده أحد الشروح السبعة المعتبرة لـ "الجامع الصغير" في مجلّدين كبيرين، سار فيه الشارح على ترتيبه لأبي عبد اللَّه الزعفراني. اعتنى الشارح ﵀ بذكر أقوال الفقهاء والاستدلال لآرائهم، حيث يورد أقوال أئمة المذهب الحنفي وغيرهم في المسألة الخلافية، ويستدلّ لكلّ فريق باختصار، مع الجواب في بعض الأحيان عن دليل المخالف، والغالب على منهجه أن يذكر الرأي المختار أولا، ثم رأي المخالف مع دليله، ثم دليل الرأي الأول المختار. بين الشارح في مقدّمته أهميّة الكتاب، وما يحتوي عليه من مسائل، وصحة نسبته إلى الشيباني، فقال: اعلموا وفّقكم اللَّه تعالى وإيانا، أن هذا الكتاب أصل جليل في الفقه، مشتمل على أمّهات مسائل أصحابنا ﵏، حتى كان علي الرازي يقول: من حفظ مسائل هذا الكتاب فهو من أحفظ أصحابنا، ومن فهمه فهو من أفهم أصحابنا، والمتقدّمون كانوا لا يقلّدون القضاء لمن لم يحفظ مسائل هذا الكتاب.

стр. 2338

٣ - شرح الجامع الكبير. لم يذكره عامة المترجمين له، وإنما ذكره إسماعيل باشا في مصنّفات قاضي خان، كما عدّه حاجي خليفة من بين شروح "الجامع الكبير"، ولعلّ العلامة أبو الوفاء الأفغاني اعتمد عليهما، فذكر قاضي خان في قائمة شرّاح "الجامع الكبير"، أنه أحال إليه في "شرح الزيادات" في كتاب الإقرار، بقوله: وقد ذكرنا هذا في "الجامع الكبير"، يقصد: "شرح الجامع الكبير"، كما هو. صنيعه في الكتاب وغيره من الفقهاء. ٤ - شرح الزايادات. ٥ - شرح أدب القاضي للخصّاف. ذكره حاجي خليفة، وإسماعيل باشا، وقاسم بن قطلوبغا، وطاش كبري زاده في مؤلّفات قاضي خان بهذا الاسم، وذكره الكفوي واللكنوي بعنوان: "شرح أدب القضاء" للخصّاف. و"كتاب أدب القاضي" للإمام أحمد بن عمر بن مهير الشيباني، أبي بكر الخصّاف، المتوفى ٢٦١ هـ، كان إمام فاضلا فارضا حاسبا، عارفا بمذهب أصحابه، ورعا زاهدا يأكل من كسب يده، وقد تبوأ منزلة كبيرة بين الفقهاء، ونقل عنه الفقهاء المتأخّرون كثيرا، ودوّنوا آرائه في كتبهم، وقال عنه شمس الأئمة الحلواني: الخصّاف رجل كبير في العلم، وهو ممن يصحّ الاقتداء به. وعدّه العلامة ابن كمال باشا في الطبقة الثالثة، وهى طبقة المجتهدين في المسائل، التي لا رواية فيها من صاحب المذهب، وهي الطبقة، التي يعدّ منها الإمام قاضي خان أيضا، كما ذكرنا أنفا. ويعتبر "كتاب أدب القاضي" الكتاب الجامع غاية ما في الباب، ونهاية مآرب الطلاب، كما قال حاجي خليفة ومن الكتب الأوائل، التي

стр. 2339

ألّفت في أدب القضاء، يقول طاش كبري زاده: وأشهر التصانيف في علم القضاء كتاب الخصّاف. ولذلك تلقّاه الأئمة بالقبول، وشرحه فحول أئمة الفروع والأصول، منهم: الإمام أبو جعفر الهندواني، ٣٦٢ هـ، والإمام أبو بكر الجصّاص، ٣٧٠ هـ، والإمام أبو الحسين القدروي، ٤٣٨ هـ، وشيخ الإسلام علي السغدي، ٤٦١ هـ، والإمام شمس الأئمة السرخسي، ٤٨٣ هـ، وبرهان الأئمة عمر بن عبد العزيز بن مازه الصدر الشهيد ٥٣٦ هـ، وهو المشهور المتداول اليوم من بين الشروح، والإمام فخر الدين قاضي خان ٥٩٢ هـ، وغيرهم. ٦ - الأمالي في الفقه. ذكره الكفوي واللكنوي وإسماعيل باشا بهذا العنوان، وقال حاجي خليفة: أمالي الإمام فخر الدين قاضي خان في الفقه. ولعلّه هو المراد عند الإمام الذهي بقوله في "السيىر": وأملى مجالس كثيرة، رأيتها، وقال في "تاريخ الإسلام": رأيت مجلّدا من أماليه في سنة سبع، وسنة ثمان، وسنة تسع وثمانين وخمسمائة. وذكره، واستفاد منه الشيخ عبد الغني الغنيمى الميداني في شرحه لـ "مختصر القدوري": "اللباب" في شرح الكتاب، وصاحب "الفتاوى التاتارخانية". ذكره حاجي خليفة وإسماعيل باشا بهذا العنوان، وذكره الكفوي، ومنه اللكنوي باسم "المحاضر". دكره الكفوي واللكنوي بهذا الاسم، وذكره حاجي خليفة وإسماعيل باشا بعنوان: و"الواقعات في الفروع". ٧ - فوائد الإمام قاضيخان.

стр. 2340

ذكره حاجي خليفة، وأحال إليه الإمام محمد بن محمود الأستروشني المتوفى ٦٣٢ هـ في كتابه الشهير "جامع أحكام الصغار" في مسائل الحدود، وفي مسائل الغصب والضمان. * * * ١٥٢٠ - الشيخ الفاضل الحسن بن ناصر بن أبي بكر البكراباذي، الكاغدي، السمرقندي *. أحد مشايخ الإمام جمال الدين المحبوبي. كان رفيقًا لصاحب "الهداية"، رحمهما اللَّه. * * * ١٥٢١ - العلامة، المحدّث، الفقيه أبو الحسن بن نذير أحمد بن شاكر علي بن غلام نبي بن كهولن بن معين الدين القاضي بن عين الدين القاضي، البنغلاديشي، رحمه اللَّه تعالى * *.

стр. 2341

جامع الفروع والأصول، شيخ المعقول والمنقول. ولد سنة ١٣٣٨ هـ في قرية "دهورنك" من أكناف "فَتِكْسَرِي" من مضافات "شِيْتَاغونغ" (١). فرغ من حفظ القرآن الكريم، وعمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، واشتغل بـ "المدرسة نصير الإسلام" بـ "ناظرهات" بقراءة الكتب الدراسية، حتى فرغ من قراءة "شرح الملا جامي" في النحو، و"شرح الوقاية" في الفقه، ومن أساتذته في هذه المدرسة: الشيخ المولى نور أحمد، والمحقّق الكبير الشيخ المولى نادر الزمان. ثم في سنة ١٣٥٨ هـ وصل إلى "الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام" أكبر المدارس الإسلامية وأقدمها في "بنغلاديش"، واشتغل في تحصيل العلم فيها سنة واحدة، وقرأ "هداية الفقه" للإمام المرغيناني، وغيرها من الكتب، ومن أساتذته ههنا: الشيخ المولى الخطيب الأعظم صدّيق أحمد، والأديب البارع الشيخ عبد الجليل الجاريوبي، ومخدوم العلماء خليل أحمد الراموي. ثم في سنة ١٣٦٠ هـ ارتحل إلى أزهر الهند "دار العلوم ديوبند"، واشتغل هناك في تحصيل العلوم والفنون العالية بجدّ واجتهاد ستّ سنين، وحصل له الفراغ سنة ١٣٦٦ هـ، ومن شيوخه هناك: شيخ العرب والعجم السيّد المحدّث حسين أحمد المدني، وشيخ التفسير والمحدّث العلامة شبير أحمد العثماني، والعلامة إبراهيم البلياوي، وشيخ الأدب مولانا إعزاز علي الأمروهوي، وشيخ التفسير العلامة محمد إدريس الكاندهلوي، وأستاذ المنطق والفلسفة العلامة عبد الخالق، والمفتي الأكبر محمد شفيع الديوبندي،

стр. 2342

وحكيم الإسلام القارئ محمد طيب، وشيخ القراء القارئ محمد حفظ الرحمن، رحمهم اللَّه تعالى. وبعد تكميل دراسة العلوم والفنون بايع في الطريقة على يد العلامة ظفر أحمد العثماني التهانوى صاحب "إعلاء السنن"، وبعد وفاته بايع على يد العلامة الشاه عبد الوهّاب، المدير الأعلى للجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، رحمهما اللَّه تعالى. ثم بعد ذلك اشتغل بتدريس العلوم والفنون في المدارس المختلفة المشهورة، منها: "الجامعة الإسلامية فتيه"، و"الجامعة الأهلية دار العلوم هاتهزاري". وكان في آخر عمره أستاذ الحديث والتفسير والفنون، بـ "دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري". درّس فيها "الصحيح" للبخاري، و"الصحيح" لمسلم، و"السنن" لأبي داود، و"السنن" للنسائي، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي، و"الموطأ" للإمام مالك، و"الموطأ" للإمام محمد، وغيرها. كان غاية في الذكاء، وسرعة الإدراك، رأسا في معرفة الكتاب والسنة والاختلاف، بحرا زاخرا في العلوم الحكمية، يدرّس كتب الصحاح، ويخدم الحديث الشريف تدريسا وتحقيقا، وكتابة وتعليقا، وتربية وتخريجا، عاكفا على الدرس والإفادة، والبحث والمطالعة، منقطعا إلى ذلك بقلبه وقالبه، لا يعرف اللذّة في غيره، ولا يتصل بالدنيا وأسبابها، قانعا باليسير! زاهدا في الكثير، مؤثرا للطلبة على نفسه وعياله، ولإجهاد النفس، وتحمّل التعب في الدرس والمطالعة على راحته، لا يدّخر مالا، ولا يطمع في مفقود، ولا يطمح إلى جاه أو منصب، همّه ولذته من العيش أن يعثر على كتاب جديد، أو بحث مفيد، أو أن يجد حجّة لمذهبه الذي ينصره.

стр. 2343

وكان يقرأ القرآن بلحن شجي، وتجويد وترتيل، وكانت له اليد الطولى في القراءات العشر، يقرأ القرآن الكريم قراءة تحقيق وإتقان، ويعني بتصحيح القرآن عناية عظيمة. وكان متضلّعا من العلوم العقلية، درسها دراسة إتقان وإمعان، راسخا في النحو وعلوم البلاغة، بارعا في الهيئة والهندسة، والمنطق والفلسفة، يدرّس كتبه الكبار بمهارة وقوّة، وكان متصلّبا في المذهب الحنفي، شديد الحبّ والإجلال للإمام أبي حنيفة، عظيم الانتصار له مع إجلال للأئمة الثلاثة. من تصانيفه: "تفسير القرآن الكريم" تفسير لسورة الفاتحة فقط، و"تنظيم الأشتات في حلّ عويصات المشكاة" (١)، و"تنظيم الدراية في حلّ عويصات الهداية"، و"الفتوحات الإلهية" شرح "القصائد المدحية" للشيخ عبد الغني الدمشقي، و"سير القمر"، رسالة في علم الهيئة، و"شرح المتنبي"، و"شرح سلّم العلوم"، و"شرح قاضي مبارك"، و"شرح تفسير البيضاوي"، وغير ذلك. وتوفي سنة ١٤١٢ هـ، ودفن بعد أن صلي على جنازته في مقبرة آبائه. * * * ١٥٢٢ - الشيخ الفاضل الحسن بن نصر بن إبراهيم بن يعقوب الكاشاني الأصل، الكشي المولد، ولي القضاء، وتفقّه على أبي المعالي

стр. 2344

مسعود بن الحسن الكشاني الخطيب *. ولقيه السمعاني بـ "سمرقند"، كتب عنه. وكانت ولادته في حدود سنة تسعين وأربعمائة، ووفاته في أواخر سنة سبع وخمسين وخمسمائة، بـ "كش". وكان رجلًا فاضلًا، له شعر حسن مطبوع، ورواية مقبولة، وقول مسموع. روى السمعاني عنه، عن أحمد بن عثمان بن عبد الرحيم الخطيب، أنه قال: لما بلغ الإمام الحكيم والدي عثمان قول أبي الفتح البستي: خُذُوا بدَمِي هذا الغَزالَ فإنَّهُ .... رَمَانِي بسَهْمَي مُقْلَتَيْهِ على عَمْدِ ولا تَقْتُلُوهُ إنَما أنا عَبْدهُ … ولم أر حرا قط يُقْتَلُ بالعَبْدِ أنشد على نقيضها: خُذُوا بِدَمِي مَن رَامَ قَتْلِي بِلَحْظِهِ … ولم يَخْشَ بَطْشَ اللَّهِ في قاتِلِ العَمْدِ وقُودُوا بِهِ جَهْرًا وإنْ كنتُ عَبْدَهُ … لِيَعْلَمَ أنَّ الحُرَّ يُقْتَلُ بالعَبْدِ * * *

стр. 2345

١٥٢٣ - الشيخ الفاضل الحسن بن نصر بن عثمان ابن زيد بن يزيد والد محمد متويه *. ولد بـ "أصبهان"، وحكى عنه ولده محمد، وأورده ابن مكولا في كتابه، وقال: كتب عن أبي حنيفة النعمان، وزفر، رحمهما اللَّه تعالى، وكان يتفقّه. * * * ١٥٢٤ - الشيخ العالم الفقيه حسن بن نوح بن محمود الحسيني الواسطي البلكرامي (١)، أحد الرجال المعروفين بالتفقّه * *. له حاشية على "مختصر القدوري".

стр. 2346

وكان حيا إلى سنة ثمان بعد الألف. ومات في شعبان، كما في "مآثر الكرام"، ولم أقف على سنة وفاته. * * * ١٥٢٥ - الشيخ الفاضل حسن بن نور الدين المقدسي، الأزهري *. فقيه. من آثاره "متن في فروع الفقه الحنفي". توفي سنة ١١٨٢ هـ. * * * ١٥٢٦ - الشيخ الفاضل الحسن بن يلنكري بن عمر السلغري * *. ذكره في "الجواهر"، وقال: أنبأني عنه الدمياطي. ولم يزد على ذلك. * * * ١٥٢٧ - الشيخ الفاضل حسن الرومي، الشهير بأمير حسن * * *.

стр. 2347

وليس هو بأمير حسن النيكساري المتقدّم. كان رجلًا فاضلًا، له مشاركة في أكثر العلوم، وولي تدريس بعض المدارس بـ "الديار الرومية". وله مؤلّفات، منها: "حواش" على "شرح الفرائض" للسيّد الشريف، و"حواش" على "شرح رسالة المولى مسعود في علم الآداب"، وله غير ذلك، رحمه اللَّه تعالى. * * * ١٥٢٨ - الشيخ الفاضل الكبير أبو الحسن الكشميري، السندي *. أحد العلماء المشهورين في المعقول والمنقول. كان يدرّس، ويفيد في أيام شاهجهان بن جهانكير الدهلوي، كما في "تذكرة علماء الهند". * * * ١٥٢٩ - الشيخ الفاضل العلامة أبو الحسن الكشميري، المشهور بشاهم بابا * *. كان من العلماء المبرِّزين في الفقه والأصول والعربية.

стр. 2348

برّز على معارصيه في استحضار المسائل الجزئية، وحلاوة المنطق، وسرعة الحفظ، والإدراك. كان يقرأ عبارات "تفسير البيضاوي"، و"تعليقات العصام" عن ظهر قلبه، ويقرأ القرآن حفظا في مناظرات، تجري بينه وبين العلماء. وكان يقدح على "تعليقات العلامة عبد الحكيم بن شمس الدين السيالكوتي" (١) كثيرا، كما في "حدائق الحنفية". * * * ١٥٣٠ - الشيخ العالم المفتي حسن الأمرتسري، الهندي *. لا يعرف له تاريخ ولادته باليقين، وقيل: إنه ولد في ١٢٩٥ هـ في موضع "مل بور". كان والده اللَّه داد (عطاء اللَّه) عالما مشهورا، محدّثا، خادما للدين. تعلم القرآن الكريم والكتب الفارسية على العالم الشهير القاضي محمد نور. وقرأ الصرف والنحو على القاضي جوهر دين، وتعلّم العلوم العقلية عند الشيخ محمد معصوم ببلدة "هزاره"، وأكمل دراسة العلوم الإسلامية والعربية بالمدرسة الغزنوية ببلدة "أمرتسر".

стр. 2349

ثم ذهب إلى حكيم الأمة أشرف علي التهانوي قدّس اللَّه سرّه للاستفادة منه، فوجّهه الشيخ التهانوي إلى تعلّم التجويد، وقراءة كتب الحديث مرّة ثانية. وتعلّم التجويد عن بعض أهله، وأخذ الحديث في جامعة ديوبند الإسلامية ثانيا، وتخرّج على العلامة المحدّث الجليل الإمام محمد أنور شاه الكشميري، رحمه اللَّه تعالى. بعد أن تضلّع من العلوم النافعة شرع في التدريس والإفادة، فنظرا إلى علمه وصلاحه عيّن مدرّسا بالمدرسة النعمانية بـ "أمرتسر"، فما زال يدرّس بها أربعين عاما، وكان يترجم القرآن الكريم، ويفسّره في بعض مساجد "أمرتسر" بعد صلاة الفجر، وكان يحضره الخواصّ والعوامّ بالإضافة إلى قيامه كتابة الفتاوى. ومدّة تدريس لترجمة القرآن وتفسيره أربعون سنة ثلاثين سنة في "الهند"، وعشر سنوات في "باكستان". ولما انقسم "الهند" هاجر إلى "باكستان"، وأسّس الجامعة في حارة نيلا كنبد (لاهور)، ثم لما تضايق المكان اشترى أرضا كبيرة، فجمع لوضع الحجر الأساسي كبار العلماء والأتقياء، منهم: المفتي محمد شفيع الديوبندي المفتي الأكبر لديار "الهند" و"باكستان"، والشيخ الكبير القارئ محمد طيب، وإدريس الكاندهلوي، والعارف باللَّه الشيخ مسيح اللَّه خان، رحمهم اللَّه تعالى. في آخر أيامه فرجت قرحة في رجله ذات سمّ، فاضطرّ الأطبّاء لقطع الرجل، فلمّا اجتمعوا لإجراء العملية، وأرادوا أن يعطوه دواء للإغماء عليه، ليتمكّن لهم قطعها، وهو لا يشعر، رفض الشيخ ذلك الدواء، وقال: إني لا أحبّ الغفلة عن ذكر اللَّه، ولا لمحة واحدة، فجعل يذكر اللَّه تعالى، والأطباء قطعوا رجله، ولم يشعر الشيخ بقطعها.

стр. 2350

انتقل إلى رحمة اللَّه تعالى في يوم الخميس سنة ١٣٨٠ هـ تغمّده اللَّه تعالى برحمة منه، وأخلف أولادا صالحين يقومون بخدمة العلم. * * * ١٥٣١ - الشيخ الفاضل العالم أبو الحسن الجاتجامي، رحمه اللَّه تعالى *. أستاذ القرن الأول بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، الواقعة في "شِيْتَاغونغ" من أكبر مدن "بنغلاديش". ولد بقرية "خُنْدُكِيَه" ببلدة "هَاتْهزارى" (محطة الشرطة) بمدينة "شِيْتَاغُوْنغ". من البيت المشهور بالعلم، والفضل، والتقدّم. يقال: إن آبائه الأقدمين سافروا إلى هذه الديار، حاملي الثقافة الإسلامية. تخرّج من المدرسة المحسنية الحكومية الواقعة بـ "شيتاغونغ" بالفوز والفلاح، ثم التحق مدرّسا بمدرسة حكومية بمدينة "مومن شاهي"، ثم سافر إلى جامعة دار العلوم ديوبند، وهنا أتم الدراسة العليا، ثم رجع إلى وطنه المألوف، وعينه مدرّسا بجامعة هاتهزاري الشيخ العلامة حبيب اللَّه، والعلامة عبد الحميد، رحمهما اللَّه تعالى، ويقال له: المدرّس الثالث في ذلك الحين، وكان يحبّ أن يصله الموت وهو يطلب العلم، لما كان يعلم أن طالب العلم يموت شهيدا.
следующие страницы →