← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل (١)، فحلف المنصور ليفعلن، فحلفَ أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف. فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفَّارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني. فأبى أن يلي، فأمرَ به إلى الحبس في الوقت. وروي (٢) أن أبا جعفر المنصور بعد أن حبسَه دعاه يومًا، وقال له: أترغبُ عن ما نحن فيه؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء. فقال له: كذبتَ. ثم عرض عليه الثانيةَ، فقال أبو حنيفة: قد حكم عليَّ أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء، لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنتُ كاذبًا فلا أصلحُ، وإن كنتُ صادقًا فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح. فلم يقبلْ منه، وردَّه إلى الحبس، فأقامَ به إلى أن ماتَ فيه، على الصحيح من الروايات. وحدّث عباس الدوري (٣)، قال: حدّثونا عن المنصور، أنه لما بنى مدينته، ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي، وبنى مسجد الرصافة، أرسلَ إلى أبي حنيفة، فجيء به، فعرض عليه قضاءَ الرصافة، فأبى، فقالَ: إن لم تفعلْ ضربتُك بالسياط. قال: أوَ تفعل؟! قال: نعم.

стр. 282

فقَعَدَ في القضاء يومين، فلم يأته أحد، فلمَّا كان في الثالث أتاه رجل صفَّار، ومعه آخر، فقال الصفَّار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق، ثمن تور (١) صفر. فقال أبو حنيفة: اتق الله، وانظرْ فيما يقول الصفَّار. قال: ليس على شئ، فقال أبو حنيفة للصفَّار: ما تقول؟ قال: استحلفْه. فقال أبو حنيفة للرجل: قُل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلمَّا رآه أبو حنيفة عازمًا على أن يحلف، قطع عليه، وضرب بيده إلى كمِّه، فحلَّ صرّة، وأخرج درهمين ثقيلين، فقال للصفَّار: هذان عوض من باقي تورك. فنظر الصفَّار إليهما، وقال: نعم، فأخذ الدرهمين. فلما كان بعد يومين، اشتكى أبو حنيفة، فمرض ستة أيام، ثم مات، رحمه الله تعالى، ورضى عنه. قال عبَّاس: وهذا قبره في مقابر "الخيزران" إذا دخلت من باب القطانين يسرة، بعد قبرين أو ثلاثة. وقيل (٢): إن المنصور أقدمه "بغداد" لأمرٍ آخر غير القضاء. وقيل (٣): إنه أقام بعد قدومه إلى "بغداد" خمسة عشر يومًا، ثم سقاه المنصور، فمات، رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه، وذلك في سنة خمسين ومائة، وله من العمر سبعون سنة.

стр. 283

جود أبي حنيفة، وسماحه، وحُسن عهده: عن قيس بن الربيع (١)، قال: كان أبو حنيفة رجلًا ورعًا فقيهًا محسودًا، وكان كثير الصلة والبر لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه. وقال أيضًا: كان أبو حنيفة من عقلاء الرجال، وكان يبعث بالبضائع إلى "بغداد"، يشتري (٢) بها الأمتعة، ويحملها إلى "الكوفة"، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائجَ الأشياخ المحدثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله؟ فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي، فما في رزق الله حول لغيره. وحدث حجر بن عبد الجبَّار، قال: ما أرى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا أكثر إكرامًا لأصحابه. وقال حفص بن حمزة القرشي: كان أبو حنيفة ربما مرَّ به الرجل، فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده. وكان أكرم الناس مجالسة. وروي (٣) أنه رأى على بعض جُلسائه ثيابًا رثة، فأمره، فجلس، حتى تفرق الناس، وبقي وحده، فقال له: ارفع المصلى، وخذْ ما تحته. فرفع الرجل المصلى، وكان تحته ألف درهم، فقال له: خذْ هذه الدراهم فغير بها من حالك.

стр. 284

فقال الرجل إني موسر، وأنا في نعمة، ولستُ أحتاج إليها. فقال له: أما بلغك الحديث: "إن الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده"، فينبغي لك أن تغير حالك، حتى لا يغتم صديقك. وروي (١) أن امرأة جاءتْ إلى أبي حنيفة تطلب منه ثوب خز، فأخرج لها ثوبًا، فقالت له: إني امرأة ضعيفة، وإنها أمانة، فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك. فقال: خُذيه بأربعة دراهم. فقالتْ: لا تسخر بي، وأنا امرأة عجوز كبيرة. فقال: إني اشتريتُ ثوبين، فبعتُ أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقى هذا يقوم عليَّ بأربعة دراهم. وجاء إليه يوما رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز. فقال: ما لونه؟ قال: كذا، وكذا. فقال له: اصبرْ حتى يقع، وآخذه لك، إن شاءَ الله تعالى. فما دارت الجمعة حتى وقع، فمرَّ به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتُك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبَه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن؟ قال: درهمًا. فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنّك تهزأ. قال: ما هزأتُ، إني اشتريتُ ثوبين بعشرين دينارًا ودرهم، وإني بعتُ أحدهما بعشرين دينارًا، وبقى هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق. ومن المشهور عن مروءته، ووفائه ورعايته حق الجوار، ما روي أنه كان له جار بـ "الكوفة" إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنَّه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل معه لحمًا، فطبخه أو سمكة، فشواها، ثم لا يزال يشرب، حتى

стр. 285

إذا دب الشراب فيه غنى بصوت، وهو يقول (١): أضاعوني وأي فتًى أضاعُوا … ليَوم كريهةٍ وسدَادِ ثَغْرِ. فلا يزال يشرب، ويردّد هذا البيت، حتى يأخذه النوم. وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس. فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وكب بغلة، واستأذن على الأمير، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط. ففعل، فلم يزل الأمير يوسع في مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليال، ويأمر الأمير بتخليته. فقال: نعم، كل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين. فركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشى وراءه، فلمَّا نزل أبو حنيفة مضى إليه، فقال: يا فتى، هل أضعناك؟ فقال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار، ورعايته (٢). وتاب الرجل، ولم يعدْ إلى ما كان عليه، ببركة الإمام، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مُتقلبه ومثواه، ونفعنا ببركاته، وبركات علومه في الدنيا والآخرة.

стр. 286

الفصل الرابع في ما كان عليه أبو حنيفة من وفور العقل، والفِطنة، والذكاء المفرط، والتلطف في الجواب، وبره لوالديه: روى الخطيبُ (١) بسنده، عن يحيى بن نصر، قال: كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر وعمر، ويحبّ عليًا وعثمان، وكان يؤمن بالأقدار، ولا يتكلّم في القدر، وكان يمسح على الخفّين، وكان من أعلم الناس في زمانه وأتقاهم. وعن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فهو مبتدع، فلا يقولنَّ أحدٌ بقوله، ولا يصلينَّ أحدٌ خلفه. وروي (٢) أن ابن المبارك قدم على أبى حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دبَّ فيكم؟ قال له: رجل يقال له: جهم. قال: وما يقول؟ قال: يقول القرآن مخلوق. فقال أبو حنيفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٣). وكان معلّى بن منصور الرازي، يقول: ما تكلّم أبو حنيفة، ولا أبو يوسف، ولا زفر، ولا محمد، ولا أحد من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم بشر المريسي، وابن أبي داود. وعن ابن المبارك (٤): قلتُ لسفيان الثوري، يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، وما سمعتُه يغتاب عدوا له قط. قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها.

стр. 287

وكان عليُّ بن عاصم، يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أقل الأرض لرجح بهم. وقال خارجة بن مصعب: لقيتُ ألفًا من العلماء، فوجدتُ العاقل فيهم أربعة، فذكر أبا حنيفة في الثلاثة أو الأربعة. وقال أيضًا: من لا يرى المسح على الخفَّين، أو يقع في أبي حنيفة، فهو ناقص العقل. وكان يزيد بن هارون (١) يقول: رأيتُ (٢) الناس فما رأيتُ أحدا أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة. وروى الخطيب في "تاريخه"، أنه كان بـ "الكوفة" رجل يقول: عُثمان بن عفَّان كان يهوديًا. فأتاه أبو حنيفة، قال: أتيتُك خاطبًا لابنتك. قال: لمن؟ قال: لرجل شريف، غني من المال، حافظ لكتاب الله، سخي، يقوم في الليل في ركعة، كثير البكاء من خوف الله. قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة. قال: إلا أن فيه خصلة. قال: وما هي؟ قال: يهودي. قال: سُبحان الله، تأمرني أن أزوّج ابنتي من يهودي. قال: لا تفعل؟ قال: لا. قال: فالنبي ﷺ زوَّج ابنتَه من يهودي!. قال: أستغفر الله، فإني تائب إلى الله.

стр. 288

وروى الخطيب أيضًا (١)، بسنده، عن إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، قال: كان لنا جار طحَّان رافضي، وكان له بغلان؛ أحدهما أبو بكر، والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما، فقتله، فأخبرَ أبو حنيفة، فقال: انظروا البغلَ الذي رمحه، هو الذي سماه عمر، فنظروا، فكان كذلك. وقال ابن المبارك: رأيتُ أبا حنيفة في طريق "مكة"، وقد شوى لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخل، فلم يجدوا شيئًا يصبّون فيه الخلَّ، فتحيَّروا، فرأيتُ أبا حنيفة قد حفر في الرمل حفرة، وبسط عليها السفرة، وسكب الخلَّ على ذلك الموضع، فأكلوا الشواءَ بالخلّ، فقالوا له: تحسن كل شيء!!. قال: عليكم بالشكر، هذا شيء ألهمته فضلًا من الله عليكم. وعن أبي يوسف (٢)، قال: دعا المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يُعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يُخالف جدَّك، كان عبد الله بن عبَّاس يقول: إذا حلف اليمين استثنى ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء، إلا متصلًا باليمين. فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جُندك بيعة. قال: كيف؟ قال: يحلفون لكم، ثم يرجعون إلى منازلهم، فيستثنون، فتبطل أيمانُهم. قال: فضحك المنصور، وقال: يا ربيع، لا تعرض لأبي حنيفة.

стр. 289

فلما خرج أبو حنيفة، قال: أردتُ أن تشيط بدمي؟ قال لا، ولكنك أردتَ أن تشيط بدمي، فخلصتك، وخلصت نفسي. وكان أبو العبَّاس الطوسي (١) سيئ الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على أبي جعفر المنصور يومًا، وكثر الناس عنده، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة. فأقبل عليه، فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منا، فيأمره بضرب عنق الرجل، لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب؟ فقال: يا أبا العبَّاس، أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق. قال: أنفذ الحق حيث كان، ولا تسئل عنه. ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني، فربطته. وكان أبو حنيفة، ﵀، كثير البر بوالدته، والقيام بواجب حقّها، وإدخال السرور عليها، وعدم المخالفة لها. حدّث حجر بن عبد الجبّار الحضرمي (٢)، رحمه الله تعالى، قال: كان في مسجدنا قاص، يُقال له: زرعة، ينسب مسجدنا إليه، وهو مسجد الحضرميين، فأرادتْ أمُّ أبي حنيفة أن تستفتي في شيء، فأفتاها أبو حنيفة، فلم تقبلْ، وقالتْ: ما أقبل إلا ما يقوله زرعة القاص. فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة، فقال: هذه أمّي، تستفتيك في كذا وكذا. فقال: أنت أعلم مني وأفقه، فأفتها أنت. فقال أبو حنيفة: قد أفتيتُها بكذا وكذا. فقال زرعة: القول كما قال أبو حنيفة.

стр. 290

فرضيتْ، وانصرفت. وفي رواية أن زرعة قال لها: أفتيك ومعك فقيه "الكوفة"! فقال أبو حنيفة: أفتها بكذا وكذا، فأفتاها، فرضيتْ. وفي برّه بوالديه وتعظيمه لشيخه حمَّاد يقول بعضهم (١): نُعمَانُ كان أبرَّ الناسِ كُلِّهمُ … بوَالدَيْه وبالأُسْتاذ حَمَّادِ مَا مَدَّ رِجْليْهِ يومًا نحْو منزلِه … ودُونَه سِكَكٌ سَبْعٌ كأطْوَادِ روي أن أبا حنيفة قال: ما مددتُ رجليَّ نحو دار أستاذي حمّاد؛ إجلالًا له، وكان بين داره وداره سبع سِكك. وعن ابن المبارك، أنه قال: رأيتُ الحسن بن عمَّار آخذًا بركاب أبي حنيفة، وهو يقول: والله ما أدركتُ أحدًا تكلم في الفقه أبلغ، ولا أصبر، ولا أحضر جوابًا منك، وإنك لسيّد من تكلّم في وقتك غير مدافع، ولا يتكلّمون فيك إلا حسدًا. وكان ابن داود يقول: الناس في أبي حنيفة حاسد، وجاهل، وأحسنهم عندى حالًا الجاهل. وحدّث سفيان بن وكيع، قال: سمعتُ أبى يقول: دخلتُ على أبى حنيفة، فرأيتُه مُطرقًا مُفكرًا، فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: أقبلتُ من عند شريك. فرفع رأسه، وأنشأ يقول (٢): إن يَحسُدُودني فإنِّي غيرُ لائِمِهمْ … قَبْلي مِن الناس أهْلُ الفضْلِ قد حُسِدوا فدَامَ لي ولهم مَا بِي وما بِهِمُ … ومَات أكثرُنا غَيظًا بما يَجِدُ قال: وأظنه كان بلغه عنه شيء.

стр. 291

وذكر لمحمد بن الحسن ما يجري الناس من الحسد لأبي حنيفة، فقال: مُحَسَّدُون وشَرُّ الناسِ مَنْزِلَةً … مَن عاش في الناسِ يَوْمًا غيرَ مَحسودِ (١) الفصل الخامس في بعض اعتراضات الحُسَّاد قال قاضي القضاة ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (٢)، بعد أن ذكر طرفًا صالحًا من مناقب الإمام رضي الله تعالى عنه: ومناقبه وفضائله كثيرة، وقد ذكر الخطيب في "تاريخه" منها شيئًا كثيرًا، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق تركه والإضراب عنه، فمثل هذا الإمام لا يشكّ في دينه، ولا في ورعه وتحفظه، ولم يكن يُعاب بشيء سوى قلة العربية. فمن ذلك ما روى أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل بالمثقل هل يستوجب القود أم لا؟ فقال: لا، كما هو قاعدة مذهبه، خِلافًا للإمام الشافعي. فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق؟. فقال: ولو قتله بأبا قُبَيْس. يعني الجبل المطل على "مكة"، حرسها الله تعالى. قال: وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات الست المعربة بالحروف "أبُوهُ، وأخوه، وحموه، وهنوه، وفوه، وذو مال" إن إعرابها يكون في الأحوال بالألف، وأنشدوا على ذلك (٣): إنَّ أباهَا وأبا أباهَا … قد بَلغا في المجْد غَايتاهَا

стр. 292

وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل "الكوفة"، فهي لغته. انتهى كلام ابن خلكان. قلت: وهو مع ما اشتمل عليه من الصواب في الجواب لا يخلو من شائبة التعصب، حيث جزم بأن الإمام رضي الله تعالى عنه كان قليل العربية، بمجرّد كلمة صدرتْ منه على لغة أهل بلده، واستعملها غير واحد ممن يحتج بقوله في شعره، والحال أنه لم ينقل عن أحد من أهل اللغة وحملة العربية، أنه قال: إن كل من تكلَّم بكلمة غير فصيحة في عرض كلامه، على لغة أهل بلده، وهي غير شاذة، ولم يدونها في كتاب من كتبه، يكون لحَّانًا قليل العربية، هذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، مع كونه ممن يحتج بقوله في اللغة، قال في بعض تآليفه: "ماء عذب أو مالح"، فقال: "مالح"، ولم يقل: "مِلح"، وهي لغة شاذة، أنكرها أكثر أهل اللغة، ولم يقل أحدٌ في حقّه بسبب ذلك: إنه كان قليل العربية واللغة، ولكن جرى الأمر في ذلك على قول الشاعر (١): وعَينُ الرِّضَا عن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلةٌ … كما أنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدِي المسَاويَا وقد ذكر بعض من صنَّف في مناقب الإمام الأعظم، في حق الإمام الشافعي مِن مثل هذه المؤاخذات شيئًا كثيرًا، أضربنا عن ذكره، لعدم الفائدة، ولأن الأليق بكل إنسان أن يكُفَّ لِسانه عن التكلّم في حقّ مثل هولاء الأئمة، الذين اتفق الناس على علمهم، وصلاحهم، وعلوّ مقامهم، إلا بخير، فإنه قلما أطلق أحد لسانه في حق السلف، إلا وعُجلت له النكبة في الدنيا قبل الآخرة، عَصمنا الله من ذلك بمنّه وكرمه.

стр. 293

بعض التشنيعات في حق الإمام: ومن جملة التشنيعات في حق الإمام، رضي الله تعالى عنه، قول بعض الحُسَّاد: إنه كان قليل الرواية، وليس له إحاطة بكثير من الأحاديث والآثار، كغيره من مُجتهدي عصره، ومن تأخَّر بقليل عنهم. والجواب عن ذلك هو المنع؛ بدليل أن أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، كان أكثر الناس تفريعًا للأحكام، ووضعًا للمسائل، وكثرة الفروع تدلّ على كثرة الأصول، وصحتها على صحتها، وقد سلموا أن أبا حنيفة أقوى في القياس من غيره، وأعرف به من سواه، وإنما يُقاس على الكتاب والأثر، كثرة قياسه في المسائل تدلُّ على كثرة اطلاعه على الأثار، كثرة إحاطته بها. وإنما قلَّت الرواية عنه لما ذكرناه سابقًا، من كونه كان يشترط في جواز الرواية حفظ الراوي لما يرويه من يوم سمعه إلى يوم يُحدث به، ولأنه صاحب مذهب، نصب نفسه لتدوين الفقه، وإثبات الأحكام، وتفقيه الناس وإفتائهم، وهذا لا يدل على أن ما كان يرويه عن غيره، عن النبي ﷺ كان قليلًا؛ لأن صاحب المقالة والمذهب، إذا أنهى إليه الخبر، أخذ حكمه المشتمل عليه، فدوَّنه، وأثبته عنده، وجعله أصلًا ليقيس عليه نظائره؛ فمرة يفتي بحكمه، ولا يروى الخبر، فيخرجه على وجه الفتوى، فيقف لفظ الخبر، وينقطع عنده، وكذا فعل أكثر فقهاء الصحابة، كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وزيد، ويخرجها، من فقهاء الصحابة، ﵃. ويدلك على هذا، أن الخلفاء الأربعة صحبوا رسول الله ﷺ من مبعثه إلى وفاته، وكانوا لا يكادون يُفارقونه في سفر ولا حضر، وكذلك عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمَّار بن ياسر؛ وأبو هريرة أكثر رواية منهم، وإنما صحب النبي ﷺ أكثر مما سمع هؤلاء،

стр. 294

أو شاهد أكثر مما شاهد هؤلاء!!، وقد روى الناس عنه أكثر مما رَوَوْا عنهم!! وإنما كان كذلك؛ لأن الخلفاء الراشدين، ﵃، كانوا فقهاء الصحابة، وكانوا أصحابَ مقالات ومذاهب، وكذلك عبد الله بن مسعود، وكانوا يفتون بكل علم صدر عن قول رسول الله ﷺ أو عن فعله، فيخرجونه على وجه الفتوى، ولا يروونه، وربما رواه البعض منهم عند احتياجه إلى الاحتجاج به على غيره ممن خالفه من نظرائه. وهذا هو المعنى في قلة رواية ذي المقالة والمذهب عن النبي ﷺ للناس، وقلة روايتهم عنه. وأما هو فقد سمع من الأخبار، وجمع ما لم يحط به غيره؛ فإن الأخبار منها ناسخ ومنسوخ، ومثبت وناف، وحاظر ومبيح، ونحو ذلك، فإذا ورد جميع ذلك إلى صاحب المقالة نظر فيها، وأخذ بالناسخ منها، وهو المتأخّر، فإن لم يعلم بالمتأخّر، أخذ بأرجحهما عنده، وترك الآخر، فإذا أخذ المتأخّر أو ما رجح عنده، فربما رواه، وربما أفتى بحكمه، ولم يروه، وأسقط ما نافاه، ولم يلتفتْ إليه، وأصحاب الحديث يروون الجميع؛ فلهذا قلَّت رواية الخلفاء الأربعة، ومن بعدهم من الفقهاء. وقد يرد أيضًا الخبر من طرق كثيرة، فيقتصر صاحب المذهب منه على أصحّ الطرق، فيرويه منها، وريما أفتى بحكمه، ولم يروه، وأصحاب الحديث يروونه من جميع طرقه، فلهذا قلّت الروايةُ عن الفقهاء أولي المقالات. قال أبو بكر عتيق بن داود اليماني: فإن قال قائل: قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "بلّغوا عني ولو آية"، وقال ﵊: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوَعَاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". قيل له: إذا أفتى بما قال النبي ﷺ ، أو بما فعل، فقد بلغ أشدّ التبليغ؛ لأن صاحب المقالة والمذهب،

стр. 295

يلزمه أن لا يروي جميع الأخبار المتنافية، لأن ذلك يؤدي إلى تحير من يستفتي، ولا يحصل له التخلّص مما نزل به من الحادثة، فإذا أفتاه بالصحيح عنده، أو رَوَاه، حصلتْ للمُستفتي الفائدة، وفي هذا كفاية لكل ذي بصر. فهذا يدل على أن قلّة الرواية عنه لا تدلّ على قلّة ما نقله من الأخبار والآثار، عن النبي ﷺ . انتهى. هذا، ولئن سُلّم ما زعمه المشنّع من قلة الرواية، فجوابه أنا نقول: قال أبو عمر بن عبد البر (١): الذي عليه جماعة [فقهاء] المسملمين وعُلمائهم ذم الإكثار - يعني من الحديث - دون تفقّه ولا تدبّر، فالمكثر لا يأمن من مواقعة (٢) الكذب على رسول الله، ﷺ (٣) ثم روى بسنده، عن قتادة، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم وكثرة الحديث، ومن قال عني فلا يقولنَّ إلا حقًا". وروى بسنده أيضًا، عن وهب بن بقية (٤)، قال: سمعتُ خالد بن عبد الله، يقول: سمعتُ ابن شبرمة، يقول: أقلل الرواية تفقه. وقال أيضًا (٥): أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عَصرنا [اليوم]، دون تفقة فيه، ولا تدبّر لمعانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم. ثم ذكر (٦) بعد كلام طويل، قول الأعمش لأبي يوسف: أنتم الأطبَّاء، ونحن الصيادلة.

стр. 296

ومن ها هنا قال الترمذي: إن من يحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل، كالصيدلاني. وعن ابن المبارك، أنه قال: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأى ما يفسر لك الحديث. ولله درّ بعضهم حيث يقول: إن الرُواةَ على جَهْلٍ بما حَملُوا … مثلُ الجِمَال عليها يُحْمَل الوَدَعُ لا الوَدْعُ يَنفْعهُ حَمْلُ الجمالِ له … ولا الجمالُ بِحَمْل الوَدْع تنتفعُ وقال ابن أبي ليلى: لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويَدَع. من التشنيعات على المذهب الحنفي: ومن التشنيعات أيضًا، قولهم: إن مذهب أبي حنيفة في موضوعه مُخالف لما عليه أساس الإمارة والأمامة، ولا يوافق في كثير من فروعه للأمراء والأئمة. والجواب عن ذلك هو المنع، بل مذهبه أوفق للإمامة والإمارة، والأصلح للولاة والأئمة. والدليل على ذلك، ما ذكرناه سابقًا (١) من الجواب عنه لأبي جعفر المنصور في مسئلة الاستثناء المنفصل، وخلافه فيه لابن عبَّاس؛ فإنه أوفق للإمامه والإمارة، بخلاف مذهب غيره. وكان بعض السلف يقول: لا يزال الإسلام مُشيَّد الأركان ما بقى له ثلاثة أشياء: الكعبة، والدولة العبَّاسية، والفتيا على مذهب أبي حنيفة، فلولا الموافقة بين الدولة العباسية ومذهب أبي حنيفة ما قرن بينها. وقال بعض الشعراء في ذلك:

стр. 297

أبو حنيفةَ فاق الناسَ كُلَّهمُ … في العِلمِ والزُّهْدِ والعَليَاء والباسِ له الإمَامَةُ في الدُّنيا مُسلَّمةٌ … كما الخلافةُ في أولاد عَبَّاسِ وسماهما بعض السلف التوْأمين؛ لاتفاقهما في الموضوع، وظهورهما في زمن واحد. كيف يجوز أن يدعى أن أبا حنيفة على خلاف الإمامة مع ما ذكرناه عنه سابقًا، حين منع من الفتوى، وسألته ابنته عن مسئلة، فقال لها: سلي أخاك؛ فإن الأمير (١) منعني من الفتيا. فلم يرض لنفيه أن يعمل بخلاف سلطان زمانه في جواب مسئلة. والذي يدلّ على صحة ذلك أن من صفة الإمامة أن يكون الإمام غالبًا، قاهرًا، نافذ الأمر، جائز التصرف في مملكته، مُطلق اليد في الرعية، وعلى مذهب أبي حنيفة كل هذا مفوَّض إلى الأئمة أينما نزلوا، ومذهب المخالفين ليس على هذه الصفة. وبيان ذلك في مسائل كثيرة من فرع الفقه، لا بأس بذكر بعضها في هذا الموضوع للإيضاح. الفصل السادس في عدة مسائل فرعية: مسئلة: من له أرض خراجية، عجز عن زراعتها، وأداء خَراجها. قال أبو حنيفة: للإمام أن يؤجرها من غيره، ويأخذ الخراج من أجرتها، سواء رضي بذلك صاحبها أم لم يرض. وقال الشافعي: ليس للإمام ذلك.

стр. 298

مسئلة: إذا فتح السلطان بلدة من بلاد الكفَّار، فأراد أن يمن عليهم، ويقرَّهم على أملاكهم، ويضع الجزية على رؤوسهم، ولا يقسمها بين الأجناد. قال أبو حنيفة: له أن يفعل ذلك، سواء رضي الجند بذلك أم لم يرضوا. وقال الشافعي: ليس له ذلك إلا برضى الجُند، وعليه أن يقسمها بين الغانمين. وهذه مسئلة نفسية، والعمل بها على مذهبنا. مسئلة: السلب في حال القتال لا يكون للقاتل عند أبي حنيفة، إلا أن يكون الإمام قال قبل ذلك: من قتل قتيلًا فله سلبه. وقال الشافعي: السلب للقاتل، سواء قال الإمام: ذلك أو لم يقل. مسئلة: من عزَّره الإمام، لاستحقاقه التعزير، فمات في تعزيره. قال أبو حنيفة: لا ضمانَ عليه، ودمه هدر. وقال الشافعي: يجبُ عليه الضمان. مسئلة: من أحيى أرضًا مواتًا. قال أبو حنيفة: إن أحياها بإذن الإمام ملكها. وقال الشافعي: يملكها، ولا يحتاج إلى إذن الإمام. مسئلة: إذا كان للرجل عبد فزنى، أو شرب خمرًا، لا يقيم مولاه عليه الحدّ إلا بإذن الإمام. وقال الشافعي: يقيم مولاه، ولا يحتاج إلى إذن الإمام. وهو افتيات على السلطان في ولايته؛ قال ﵊: "الحدود للولاة". مسئلة: إذا كان للرجل سوائم، وحال عليها الحول، وأدَّى صاحبُها زكاتها.

стр. 299

قال أبو حنيفة: "للسلطان أن يأخذ زكاتها ثانيًا، ويصرفها إلى الفقراء. وقال الشافعي: ليس للسلطان ذلك. وهو افتيات على السلطان أيضًا؛ فإن القبض في الأموال الظاهرة له، لا إلى أصحاب الأموال. مسئلة: أهل مصر خرجوا إلى المصلى يوم العيد، وأرادوا أن يصلوا العيد. قال أبو حنيفة: إن كان السلطان أو نائبه معهم جاز، وإلا فلا. وقال الشافعي: يجوز، ولا يحتاج إلى حضور السُلطان ولا نائبه. مسئلة: رجل قتل لقيطًا متعمدًا. قال أبو حنيفة: للسلطان ولاية استيفاء القصاص من قاتله. وقال الشافعي: ليس عليه ذلك. مسئلة: رجل مَاتَ، فحضر السلطان وأولياء الميت جنازته. قال أبو حنيفة: السلطان أحقُّ بالتقديم للصلاة عليه من الأولياء. وقال الشافعي: الأولياء أحقُّ. مسئلة: الجزية إذا أخذت على مذهبنا حصل أكثر مما أخذت على مذهبه، وكان أنفع لبيت المال؛ فإن عندنا يوضع على الغنى الظاهر الغنى في كل سنة ثمانية وأربعون درهمًا، وعلى المتوسّط الغنى أربعة وعشرون درهمًا، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا، وتؤخذ سلفًا، وعنده على كل شخص دينار، والدينار عشرة دراهم، فظهر التفاوت بينهما. مسئلة: الإمام إذا أخذ صدقات أموال الناس، ثم أرادَ أن يمنع أعيانَ الصدقة، ويدفع أبدالها وأثمانها إلى الفقراء. قال أبو حنيفة: له فعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة. وقال الشافعي: ليس له ذلك.

стр. 300

مسئلة: "السلطان إذا احتاج إلى تقوية الجيش فأخذ من أرباب الأموال ما يكفيه من غير رضاهم، له ذلك. ومثل هذه المسائل كثيرة، قل أن تحصر في مصنف، وفيما ذكرناه منها كفاية للمنصف؛ فإنه إذا تأمَّل ما أوردناه، ونظر بعين الإنصاف إلى ما قرَّرناه، ظهر له أن مذهبنا أوفق للإمامة من غيره، وأكثر تفويضًا للأئمة من سواه، والله الموفّق للصواب. بعض التشنيعات عليه والجواب عنه: ومن التشنيعات أيضًا، قولهم: إنه قدَّم القياس الذي اختلف الناس في كونه حجَّة على الأخبار الصحيحة، التي اتفق العلماء على كونها حُجَّة. والجواب: أن هذا القول (١) زعم منهم، فإن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسول الله ﷺ ، ثم بما اتفقت عليه الصحابة، ثم بما جاءَ عن واحد من الصحابة، وثبتَ ذلك، واشتهرَ، ولم يظهرْ له فيه مُخالف، وإن كان أمرًا اختلف فيه الصحابة والعلماء، فإنه يقيس الشيء بالشيء حتى يتضح الأمر، ثم بالقياس إن لم يكنْ في الحادثة شئ مما ذكرناه. والدليل على أن مذهب أبي حنيفة على الصفة المشروحة، ما رَوَى أبو مطيع البلخي، قال: [كتب] أبو جعفر المنصور إلى أبي حنيفة يسأله عن مسائل، وكان مما سأل: أخبرني عن ما أنت عليه، فقد وقع فيك الناس، وزعموا أنك ذو رأي، وصاحب اجتهاد وقياس، كتبتُ (٢) إليك بالمسائل، فإن كنت بها عالمًا علمنا أنك تقول بما نقول، وإن اشتبهت عليك، وتماديت فيها، علمنا أنك تقول بالقياس، والسَّلام.

стр. 301

فأجابَ عنْ تلك المسائل، وقال: يعلم أمير المؤمنين أن الذين يقعون فينا، لأنا نعمل بكتاب الله، ثم سنة رسوله ﵊، ثم بأحاديث الصحابة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ونحوهم، وهذا حسد منهم، وطعن في الدين، وهذا علم لا يعرفه إلا الخبير البصير، والله ما تكلمت بمسئلة حتى أذنت نفسي بالنصيحة، وليس بين الله وبين خلقه قرابة، وقد قالت الصحابة والتابعون: الأمر بالرأي لا بالكبر والسنّ، فمن وافق كان أقرب إلى الحق، وأوفق للقرآن والسنن، فالأولى أن يعمل بقولهم. وقال أبو مطيع البلخي لأبي حنيفة: أرأيت لو رأيت رأيًا، ورأى أبو بكر رأيًا غيره، أتدع رأيك برأيه؟ قال: نعم. فقلتُ: أرأيتَ لو رأيتَ رأيًا، ورأى عمر رأيًا، أتدع رأيك برأيه؟ قال: نعم. قال: ثم سألته عن عثمان وعلي، فأجاب بمثل هذا، وقال: إني أدع رأيي عند رأي جميع الصحابة، إلا ثلاثة أنفس: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وسمرة بن جُندب. فهذا يدلّ على أنه يؤخّر القياس عند الآثار. ويدلّ على ذلك أيضًا، ما روي عن محمد بن النضر، وكان من كبار العلماء، وأنه قال: ما رأيتُ أحدًا تمسّك بالآثار أكثر من أبي حنيفة. وعن أبي مُطيع البلخي، أن سفيان الثوري، ومقاتل بن حيَّان (١)، وحمَّاد بن سلمة، وغيرهم من فقهاء ذلك العصر، اجتمعوا، وقالوا: إن النعمان هذا يدعى الفقه، وما عنده إلا القياس، فتعالوا، حتى نناظره في ذلك، فإن قال:

стр. 302

إنه قياس، قلنا له: عبدت الشمس بالمقاييس، وأول من قاسَ إبليس، لعنه الله، حيث قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فناظرهم أبو حنيفة يوم الجمعة في جامع "الكوفة"، وعرض عليهم مذهبَه كما ذكرنا، فقالوا: إنك سيّد العلماء، فاعف عنا؛ فإننا وقعنا فيك من غير تجربة ولا روية. فقال لهم أبو حنيفة: غَفر الله لنا ولكم. وروى أن أبا حنيفة كان يتكلم في مسئلة من المسائل القياسية، وشخص من أهل "المدينة" يتسمع، فقال: ما هذه المقايسة، دعوها، فإن أول من قاسَ إبليس. فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا هذا، وضعت الكلام في غير موضعه، إبليس رد على الله تعالى أمره، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾، وقال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، فاستكبر ورد على الله أمره، وكل من رد على الله تعالى أمره فهو كافر، وهذا القياس الذي نحن فيه نطلب فيه اتباع أمر الله تعالى؛ لأنا نرده إلى أصل أمر الله تعالى في الكتاب، أو السنَّة، أو إجماع الصحابة والتابعين، فلا نخرج من أمر الله تعالى، ويكون العمل على الكتاب والسنَّة والإجماع، فاتبعنا في أمرنا إليها أمر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فنحن ندور حول الاتباع، فنعمل بأمر الله تعالى، وإبليس خالف أمر الله تعالى، وردَّه عليه، فكيف يستويان؟ فقال الرجل: غلطتُ يا أبا حنيفة، وتُبتُ إلى الله تعالى، فنوَّر الله قلبك كما نوَّرتَ قلبي.

стр. 303

عدة مسائل فرعية أخرى: ولا بأس بذكر بعض المسائل الشاهدة لما دكرنا، والموضحة لما قررنا، على أنها لا تدخل تحت الحضر، والله الموفّق للصواب. ١ - مسئلة: رجل رد عبدًا آبقًا من مسيرة ثلاثة أيام. قال أبو حنيفة: له الجعل أربعون درهمًا، وكان القياس أن لا يجب، فترك الناس، وأخذ من ذلك بالخبر الذي روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، في خبر طويل، أن رجلًا قدم بآبق من "الفيوم" (١)، فقال القوم: لقد أصاب أجرًا. فقال ابن مسعود: وأصاب جعلًا. وقال من خالفه: لا يجب الجعل، فترك الخبر، وأخذ بالقياس. ٢ - مسئلة: ولو أن رجلًا حلق لحية رجلٍ، أو حاجبيه، فلم تنبتْ ثانيًا. قال أبو حنيفة: يجبُ على الحالق دية كاملة. وقال من خالفه: لا يجبُ الدية على الكمال. وكان القياس أن لا يجب الدية على الكمال، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروي في حديث سعيد بن المسيّب، رحمه الله تعالى. ٣ - مسئلة: ولو أن رجلًا أوجب على نفسه أن ينحر ولده. قال أبو حنيفة: يلزمه أن يذبح شاة. وقال من خالفه: لا يجبُ عليه شئ، فأخذ بالقياس وترك الخبر. ٤ - مسئلة: ولو أن رجلًا حلف، وقال: إن فعلتُ كذا فأنا بريء من الإسلام، ففعل ذلك. قال أبو حنيفة: يجب عليه كفارة يمين.

стр. 304

وكان القياس أن لا يجب عليه شئ، فترك القياسَ، وأخذ بالخبر المروي عن عائشة، وابن عمر، رضى الله عنهما، أنهما أوجَبَا فيه كفارة يمين. وقال من خالفه: لا شئ عليه إلا التوبة، فأخذَ القياسَ. ٥ - مسئلة: ولو أن رجلًا اشترى شيئًا بألف درهم، وقبضه، ولم ينقد الثمن، ثم باعَه من البائع بخمسمائة درهم. قال أبو حنيفة: بيع الثاني لا يجوز، وكان ينبغي في القياس أن يجوز، فترك القياس، وأخذ في ذلك بخبر روي عن عائشة، رضى الله عنها، أنها قالتْ للمرأة التي سألتها عن هذا البيع: أبلغي زيدَ بنَ أرقم أن الله تعالى أبطلَ جهادَه مع رسول الله ﷺ إن لم يتبْ. وقال من خالفه: يجوز بيعُه، فأخذ بالقياس، وترك الخبر. ٦ - مسئلة: ولو أن رجلًا باع من ذمّي خمرًا. قال أبو حنيفة: جاز بيعه. وكان ينبغي في القياس أن لا يجوز، فترك أبو حنيفة القياسَ، وأخذ بالخبر الذي روي عن عمر أنه قال: ولوهم بيعها، وخذوا العُشر من أثمانها. وقال من خالفَه: لا يجوزُ بيعُه، وأخذ بالقياس وترك الخبر. ٧ - مسئلة: ولو أن رجلًا اغتسلَ من الجنابة، ولم يتمضمضْ ولم يستنشقْ، وصلى على ذلك. قال أبو حنيفة: لا يجوزُ ما لم يتمضمضْ، ويستنشقْ. فرآها فرضين في الجنابة، وكان القياس أن لا يكونا فرضين، فترك القياس، وأخذ بخبر الواحد، وهو ما روى عن ابن عبَّاس، رضى الله تعالى عنهما، أنه قال: مَنْ تركَ المضمضةَ، والاستنشاقَ في الجنابة، وصلّى، تمضمض، واستنشق، وأعادَ ما صلَّى. وقال مَنْ خَالَفَه: المضمضة والاستنشاق غير مفروضين في غسل الجنابة، فأخذ بالقياس، وترك الخبر.

стр. 305

ويقع (١) الخلاف من هذا الجنس بين أبي حنيفة ومالك؛ لأن عند أبي حنيفة الخبر المروي عن طريق الآحاد مُقدم على القِيَاس، وعند مالك، القِيَاس مُقدَّم على الخبر المروي من طريق الآحاد. ٨ - مسئلة: ولو أن صائمًا أكل، أو شرب، أو جامع، ناسيًا. قال أبو حنيفة: لا يبطل صومه. وكان القياس أن يبطل، فترك القياس، وأخذ بخبر رواه أبو هريرة، عن النبي ﷺ : "الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه، فإن الله تعالى أطعمه وسقاه". وقال من خالفه: يبطل صومه، فأخذ بالقياس، وترك الخبر. ٩ - مسئلة: ولو أم رجلًا تزوج أمةً على حرةٍ. قال أبو حنيفة: لا يجوز. وكان القياس أن يجوز؛ إلا أنه ترك القياسَ، وأخذ في ذلك بخبر، روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لا تنكح الأمة على حرة". وقال من خالف: يجوز نكاحها، فأخذ بالقياس، وترك الخبر. ١٠ - مسئلة: إذا تزوَّج العبد بإذن مولاه. قال أبو حنيفة لا يجوز أن يتزوّج أكثرَ من امرأتين. وكان القياس أن يجوز له أن يتزوّج بأربع نسوة كالحر، إلا أن أبا حنيفة ترك القياسَ، وأخذ بالخبر، وهو ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لا يتروّج العبد أكثرَ من اثنتين". وقال من خالفه بالقياس، وترك الخبر. ١١ - مسئلة: رجل وهب أخر هبة، ولم يقبضْها الموهوب له. قال أبو حنيفة: لا تصح الهبة.

стр. 306

وكان القياس أن تصح، إلا أنه ترك القياس، وأخذ بالخبر الوارد في ذلك، وهو ما روي عن أبي بكر الصديق، رضى الله عنه، أنه قال لعائشة: كنت نحلتك جداد (١) عشرين وسقا بـ "العالية" (٢)، ولم تكوني حزتيه، ولا قبضتيه، وإنما هو مال الوارث، جعل القبض شرطًا. ومخالفه أخذ بالقياس، وترك الخبر. ١٣ - مسئلة: إذا تزوَّج الرجل امرأة وهو غير كفءٍ (٣) لها. قال أبو حنيفة: للأولياء حق الاعتراض. وكان القياس أن لا يكون لهم ذلك، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى عن النبي ﷺ ، أنه قال؛ "لا تزوّج النساء إلا من كفءٍ". ومخالفه أخذ بالقياس، وترك الخبر. ١٤ - مسئلة: عبد بين اثنين، أعتقَه أحدُهما وهو معسر. قال أبو حنيفة: على العبد أن يسعى في نصف قيمته. وكان القياس أن لا سعايةَ عليه؛ لأنه لم تكن منه جناية، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبي ﷺ ، أنه قال في عبدٍ من اثنين أعتقد أحدهما: "إن كان موسرًا ضمن نصف قيمته، وإن كان مُعسرًا سعى العبد في نصف قيمته غير مشقوق عليه". وقال المخالف: لا سعايةَ عليه، فأخذَ بالقياس، وترك الخبرَ.

стр. 307

١٥ - مسئلة: السكران إذا طلّق امرأته. قال أبو حنيفة: يقع طلاقه وعتاقه. وكان القياس أن لا يقع، فترك القياس، وأخذ بخبر رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وعن النبي ﷺ ، أنه قال: "ثلاثٌ جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: الطلاق، والعتاق، والنكاح". وقال من خالفه: لا يقع طلاقه، وعتاقه؛ لأنه لا يعقل، فأخذ بالقياس، وترك الخبر. ١٦ - مسئلة: لو اجتمع جماعة في قتل رجل عَمدًا. قال أبو حنيفة: يقتلون جميعًا. وكان القياس أن لا تقتل الجماعة بواحد، فترك القياس، وأخذ بخبر روي عن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه قتل سبعة نفر بقتل رجلٍ واحد، فترك القياسَ بهذا، حتى قال عمر، رضى الله تعالى عنه: لو اجتمع أهل "صنعاء" على قتله لقتلتهم به. وقال من خالفه: لا تقتل الجماعة بواحد، فأخذ بالقياس، وترك الخبر. وفي هذا القدر كفايةٌ في الدلالة على أن أبا حنيفة ﵁ لم يقدم القياسَ على الخبر، ومن ادّعى ذلك فليس عنده خبر، وأن مخالفه هو الذي فعل ذلك، والله أعلم. عدة تشنيعات في حق الإمام: ومن جملة التشنيعات في حق الإمام، رضى الله تعالى عنه، أنهم زعموا أنه ترك من فروع الفقه طريق الاحتياط والتورَّع، وأفرط في الرخصة فيما يحتاج فيه إلى التحرّج. والجواب عن ذلك، أن هذا زعم ممنوع، وقول غير مسموع، لأن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه، كان من أزهد الناس وأوعهم وأتقاهم لله تعالى،

стр. 308

وقد ذكرنا سابقًا من شهادة العلماء له بذلك ما فيه الكفاية، والدلالة على أنه كان أجل قدرًا من أن يترك الاحتياط، ويتساهل في الدين. ولا بأس بذكر بعض المسائل، التي تدل على أنه أخذ فيها بالأحوط، وترك غيره. فنقول، وبالله التوفيق: ١ - مسئلة: إذا أكل في رمضان متعمدًا. قال أبو حنيفة: يجبُ عليه الكفَّارة، كما يجبُ على المجامع، فأخذ بالاحتياط. وقال من خالفه: يجبُ عليه قضاء يوم واحد، ولا يجبُ عليه الكفَّارة. وفيما ذهب إليه المخالف ترك الاحتياط. ٢ - مسئلة: إذا شرع الرجل في صوم التطوّع، ثم أفطر. قال أبو حنيفة: يجبُ عليه القضاء. وقال مَنْ خَالَفَه: لا يجبُ عليه القضاء. والاحتياط فيما ذهبَ إليه أبو حنيفة، لا فيما ذهبَ إليه المخالف. ٣ - مسئلة: إذا صُبّ في جوف الصائم شراب أو طعام. قال أبو حنيفة: انتقض صومُه، وعليه القضاءُ، وسلك فيه طريقة الاحتياط. وقال المخالف: لا ينتقضُ صومُه، فترك الاحتياط في فتواه. ٤ - مسئلة: إذا قاءَ الرجلُ، أو رعفَ أو افتصدَ. قال أبو حنيفة: انتقض وضوءُه. وقال المخالف: لا ينتقضُ. والأحوط ما قاله الإمام. ٥ - مسئلة: إذا صلَّى الرجل خلفَ إمام، والإمام محدث أو جنب وهو لا يعلم، ثم علم بعد فراغه من الصلاة. قال أبو حنيفة: لا تجوزُ صلاةُ الإمام، وصلاةُ المقتدي.

стр. 309

وقال من خالفه: صلاة المقتدي جائزة. والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام. ٦ - مسئلة: إذا نَسي الرجل الظهرَ والعصرَ في يومين مختلفين، ولا يدري أيهما الأول. قال أبو حنيفة: يُصلي الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، حتى يسقط الفرض عن ذمته بيقينٍ، ويكون ذلك أخذًا بالاحتياط. وقال من خالفه: يُصلّي مرة واحدة، ولا يصلي مرتين. وفي ذلك ترك الاحتياط، لأن الفرضَ لا يسقطُ عن ذمته بيقينٍ. ٧ - مسئلة: إذا تكلم الرجل في صلاته ناسيًا. قال أبو حنيفة: تفسدُ صلاتُه. وقال من خالفه: لا تفسد إن كان قليلًا، وإن كان كثيرًا تفسد. والاحتياط فيما ذهب إليه الامام. ٨ - مسئلة: إذا تناول المحرم من محظورات إحرامه ناسيًا. قال أبو حنيفة: تلزمه الذكاة. وقال من خالفه: لا تجبُ عليه إذا كان ناسيًا، إلا في الأشياء التي نصَّ الله في كتابه على تحريمها، نحو قتل الصيد والجماع، وحلق الرأس. والاحتياطُ فيما ذهبَ إليه الإمام. ٩ - مسئلة: إذا اشترك الرهط المحرمون في قتل الصيد. قال أبو حنيفة: يجبُ على كل واحد منهم كفَّارة على حدة. وقال مَنْ خَالَفه: يجبُ عليهم كفارة واحدة. والاحتياط فيما قاله أبو حنيفة. ١٠ - مسئلة: إذا استأجَرَ الرجلُ شيئًا، ثم أجره من غيره بأكثرَ مما استأجره، ولم يزد من عنده شيئا. قال أبو حنيفة: لا تطيب له الفضل، ويتصدّق به.

стр. 310

والاحتياط فيما ذهب إليه أبو حنيفة، حتى لا يكون داخلًا تحت نهيه ﵊ عن ربح ما لم يضمنْ. ومسائل هذا النوع لا تنحصر، وفيما ذكرناه كفاية. ومن جملة ما يشنع به الحسَّاد على أبي حنيفة، رضى الله عنه، أنه من جملة الموالي وليس هو من العرب، وأن من كان مجتهدًا من العرب أولى بالتقديم من غيره. والجواب، أن شرف العلم مُقدَّم على شرف النسب، وشرف الدين مقدَّم على شرف المنتسبين، وأكرم الناس عند الله أتقاهم، وما يضرّ العالم كونه من الموالي، وما ينفع الغوي الجاهل كونه حجازيًا، أو تميميًا، وهو لا يعرف اليمين من الشمال، ولا يفرق بين الهدى والضلال. ومما روي أن رجلًا من بني قفل (١)، من خيار بني تيم الله، قال لأبي حنيفة: أنت مولاي. فقال: والله!! والله أشرف لك منك لي. فجعل أبو حنيفة شرف القرشى التيمى يكون من مواليه مثل أبي حنيفة، أفضل من شرف أبي حنيفة بكونه من موالي القرشى التيمى، وهذا مما لا شبهةَ فيه، فإنه ثابت بالكتاب والسنَّة. أما الكتاب، فقوله تعالى (٢): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وأما السُّنة، فقوله ﷺ : "لا فضلَ لعربي على عجمي إلا بالتقوى"، وقال ﷺ : "سلمان منا أهل البيت"، ونفى الله تعالى ولد نوح ﵊ منه، فقال (٣): ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾،

стр. 311

وعلى هذا بلال الحبشي، وأبو لهب الهاشمي، وأبو جهل القرشي. وقد أشدّ الخطيب الخوارزمي (١) في هذا المعنى، وأجادَ، فقال: إلى التُقَى فانْتسِبْ إن كنتَ مُنْتَسِبًا … فليس يُجديكَ يومًا خالِصُ النَّسَبِ بِلالٌ الحبشيُّ العَبْدُ فَاق تُقىً … أحرَارَ صِيدِ قُرَيشٍ صَفْوَةَ العَرَب غَدَا أبُو لهَبٍ يُرْمَى إلى لَهَبٍ … فيه غَدَتْ حَطَبًا حَمَّالَةُ الحَطَب وذكر القاضي عياض في "الشفاء" (٢) عن الشعبى، قال: صلى زيد بن ثابت على جنازة أمه، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس، فأخذ بركابه، فقال زيد: خَلِّ عنه يا ابن عم رسول الله ﷺ . فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. فقبَّل زيد يدَ ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، ﷺ . ففعل ابن عباس فعله معه بالعلم، وإنه إنما بالغ في التواضع إلى هذه الغاية، لكونه عالمًا، وابن عباس ابن عباس. انتهى. وفي أوائل "شرح الهداية" لمحمد بن محمد المعروف بابن الشحنة حكاية مشهورة، نقلها هو وغيره عن عطاء، وأظنّه عطاء بن السائب الكوفي، قال: دخلتُ على هشام بن عبد الملك بالرصافة، فقال: يا عطاء، هل لك علم بعلماء الأمصار؟ قلت: بلى، يا أمير المؤمنين. فقال: من فقيه أهل "المدينة"؟ قلت: نافع مولى ابن عمر. قال: فمن فقيه أهل "مكة"؟ قلت: عطاء بن أبي رَبَاح. قال: مولى أم عربي. قلت: مولى.

стр. 312

قال فمن فقيه أهل "اليمن"؟ قلت: طاوس بن كيسان. قال: مولى أم عربي؟. قلت: مولى. قال: فمن فقيه أهل "الشام"؟ قلت: مكحول. قال: مولى أم عربي. قلت: مولى. قال: فمن فقيه أهل "الجزيرة"؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: مولى أم عربي؟ قلت: مولى. قال: فمن فقيه أهل "خراسان"؟ قلت: الضحَّاك بن مزاحم. قال: مولى أم عربي؟ قلت: مولى. قال: فمن فقيه أهل "البصرة"؟ قلت: الحسن، وابن سيرين. قال: موليان أم عربيان؟ قلت: موليان. قال: فمن فقيه أهل "الكوفة"؟ قلت: إبراهيم النَّخَعي. قال: مولى أم عربي؟ قلت: لا، بل عربي. قال: كادت تخرج نفسي. أقول: إن اصطلاح أهالي الديار الرومية في هذه الأيام إطلاق لفظ الموالي على العلماء الكبار منهم، سواء كانوا من قسم الموالي المذكورين هنا، أم من الأحرار أبًا وجدا، من غير أن يمسهم أو يمس أحدًا منهم الرق، والسبب في ذلك - والله تعالى أعلم - أنهم لما رأوا غالب العلماء من طائفة الموالي،

стр. 313

أطلقوا هذا على علمائهم تشبّهًا بهم، وتقليدًا لهم، ومنعوا من إطلاقه على غير أهل العلم، ثم طال الأمد، وقصرت الهمم، وتساهلت الناس في إطلاق الألقاب، على غير ذوي الألباب، وشارك الفاضل المفضول، وتساوى العالم بالجهول. وصار من ليس لهُ منْصِبٌ … يُقال عنه جاهلٌ يَمْذُقُ ومَن غدا بالمال ذا ثروةٍ … يُقال عنه عالمٌ مُفْلِقُ مَوْلَى الموالي كلِّهم وهو بالْـ … ـحقِّ غَبِيٌ جاهلٌ أحمقُ والعلمُ عندَ الله لا يُرْتجىَ … به نوالٌ لا ولا يُرْزَقُ ولا ترى عنه امْرَءًا سائلًا … ولا به يُعْطَى ولا يُنْفِقُ هذا ولم يبق من يستحق أن يوصف بالمولوية بالديار الرومية، على الوجه الأكمل، والوصف الأجل، إلا جماعة يسيرة، ذُكر آباؤهم في هذه الطبقات، ووفينا كلًا منهم حقه، أدام الله تعالى بهم جمال هذه الدولة العُثمانية بمنه وكرمه. وأما ما يُنسب إلى أبي حنيفة من الشعر فكثير، منه قوله: إن يحسُدُوني فإنِّي غيْرُ لائمهمْ … ......................... البيتين السابقين. ومنه قوله: وقد اتفق له مع شيطان الطاق (١) في الحمام لما رآه الإمام مكشوف العورة، ونهاه عن ذلك، ما هو مشهور، وهو (٢): أقول وفي قولي بلاغٌ وحِكمةٌ … وما قلتُ قَوْلًا جئتُ فيه بمُنكَرِ ألا يا عباد الله خَافُوا إلهَكمْ … فلا تدخلوا الحمَّامَ إلا بمِئزرِ

стр. 314

وأما ما كان يتمثل به أبو حنيفة من الشعر، وما مدح به رضى الله تعالى عنه من النظم، فكثير لا يدخل تحت الحصر، ومنه قول بعضهم (١): لأبي حنيفةَ ذي الفَخارِ قراءة … مشهورةٌ مَنْخُولةٌ غَرَّاءُ عُرضِتْ على القُرَّاءِ في أيامِهِ … فتعجَّبَتْ من حُسْنِها القُراءُ لله در أبي حنيفة إنهُ … خضَعَتْ له القُرَّاء والفقهاءُ خلَف الصَّحابةِ كلَّهم في علمهمْ … فتضاءلَت لِجَلالِهِ العُلماءُ سُلطانُ مَن في الأرضِ من فقهائها … وهمُ إذا أفتَوا له أصدَاءُ إن المياهَ كثيرةٌ لكنَّهُ … فَضَلَ الميَاهَ جمَيعَهَا صَدَّاءُ (٢) قال ابن الشحنة: وكأن "أصداء" هذا جمع صدى بالقصر، وهو الذي يجيبك مثل صوتك في الجبال وغيرها، إشارة إلى أن الأصل منه نشأ وعنه أخذ؛ لأنه كان كافل الفقهاء ومُربيهم، لأنهم عياله، كما نصَّ عليه الشافعي. انتهى. وفِي هذه الأبيات تصريح بأن الإمام، رضى الله تعالى عنه، كان من المتقدمين في فن القراءات، كما هو من المتقدمين السابقين في علم الفقه، وهو كذلك، فقد أفردوا بالتآليف قراءته التي انفرد بها، ورَوَوْها عنه بالأسانيد. وممن أفردها بالتأليف أبو القاسم الزمخشري، وأبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة الهُذلي البسكري، بموحَّدة وسين مهملة، في كتابه المعروف بـ "الكامل"، وغيرهما. وممن روى عنه القراءة أبو يوسف، ومحمد، رحمهما الله، وغيرهما. وحروفه معروفة مذكورة في "المناقب"، وغيرها.

стр. 315

وقد وضع بعض الحسَّاد قراءات، ونسبها إليه، فأظهر الله الحق، ومحق الباطل، وجوزي كلٌّ بفعله. وقال صاحب "المناقب" يمدحه: رَسُولُ الله قال سِراجُ ديني … وأمَّتِي الهُداة أبو حنيفَة غدا بعد الصَّحابةِ في الفتاوى … لأحْمَدَ في شريعته خليفَهْ وقال غيره، يصفه بالعلم والعبادة، من أبيات: نهارُ أبي حنيفة للإفادة … وليل أبي حنيفة للعبادَهْ وَوَدَّعَ نوْمَهُ خمسين عَامًا … لِطَاعَتِه وَخَدَّاهُ الوِسَادَهْ وكان يحيى بن مَعين إذا ذكر من يتكلم في أبي حنيفة، يقول: حَسَدُوا الفتى إذ لم ينالُوا سَعْيَهُ … فالقومُ أعْداء لهُ وخُصومُ كضَرائرِ الحَسْناء قُلْنَ لوَجْهِها … حَسَدًا وَبَغْيًا إنَه لذَميمُ وقيل لعبد الله بن طاهر: الناس يقعون في أبي حنيفة، فقال: ما يَضُرُّ البَحْرَ أمْسَى زاخرًا … أن رَمَى فيه غلامٌ بِحَجَز ثم أنشد: إن يحسدوني فزاد الله في حَسَدي … لا عاشَ مَن عَاشَ يَومًا غَيرَ مَحْسُودِ ما يُحْسَدُ المرءُ إلا مِنْ فضائِلِه … بالعلم والبأس أو بالمْجدِ والجُودِ وقال: فازدادَ لي حَسدًا مَن لستُ أحْسُدُه … إنَ الفضيلةَ لا تخلو عن الحَسَدِ وقال: ما ضَرني حَسَدُ اللِّئامِ ولم يَزلْ … ذو الفضلِ يحسُدُهُ ذَوو النُّقْصانِ يا بُؤسَ قومٍ ليس ذَنبي بَيْنَهُمْ … إلا تظاهُر نعمَةِ الرّحمنِ ولله درُّ الشريف الرضي، حيث يقول: نَظرُوا بعَيْنِ عَدَاوَةٍ وَلَوَ أنها … عَينُ الرِّضَا لاسْتَحْسَنُوا ما اسْتَقْبحُوا يُولُونَني شَزْرَ العُيُونِ لأنَّني … غَلَّسْتُ في طَلَبِ العُلَى وتصبَّحُوا

стр. 316

ومما أنشده صاحب "المناقب" في مدح في الإمام، وذكر واقعته مع ابن هُبَيرة، قوله: أرضيت نَفْسَك ضَارب النُّعمانِ … فكسبتَ جَهلًا سَخطةَ الرَّحمنِ ما زلت تُنقُصُ لا تزيدُ بضَربهِ … يا بشَ ما قدَّمتَ للميزانِ أضَربْت عابِدَ رَبّه في ليله … ونهارهِ يا عَابِدَ الشَّيْطَانِ أعْطَيْتَه الدنيا ولكن رَدَّها … رَدَّ التقيِّ الخائف الرباني حَرّ السَّياط قد ارتضى كي لا يرى … يَوم الجَزاءِ مَقامعَ النِّيرانِ مَا ذَلَّ يا ابن هُبيرة بالضَّربِ مَنْ … مَلأ الفُؤادَ بعِزَّةِ الإيمَانِ ولصاحب "المناقب" أيضًا في مدحه قوله: غدا مذهبُ النعمان خير المذاهب … كما القَمرُ الوَضَّاحُ خيرُ الكواكب تفقَّه في خيرِ القرونِ مع التُقَى … فمذهبهُ لا شَكَّ خيرُ المذاهبِ ولا عيبَ فيه غيرَ أنَّ جميعَه … حَلا إذْ تخلى عن جميع المعايب لأنَّ عِداهُ قد أقرُّوا بحُسْنِه … وإقرارُهم بالحسنِ ضربَةُ لازِب وكان له صَحبٌ بُنودُ عُلومِهم … تُجلِّي عن الأحْكام سُجْفَ الغَياهِبِ ثلاثةُ آلافٍ وألفٌ شيوخُه … وأصحابُه مثلُ النجوم الثَّواقِبِ وله أيضًا يمدحه: نُعمانُ فحل العلم يَعسُوبُ الهُدى … في خير قَرن قد أتى وقرَانِ نُعْمَانُ كانَ سِراجَ أفضلِ أُمَّةٍ … لكنْ سِرَاجًا دائمَ اللَّمَعَانِ الفِقْهُ في نادِيه مُجْتَمِعُ النَّوى … راسي القَواعدِ شامِخُ البُنيانِ بحر موارده تراها عذبة … قذافة للدر والمرجان وشقائِقُ النُّعْمَانِ في بَهَجاتِها … هَزأتْ بهنَّ دَقائِقُ النُّعمَانِ كم قد رَمَوْهُ بمُعْضلاتٍ رَدَّهَا … بحَوابِ حَقٍّ سَاطعِ البُرْهَانِ وعن سفيان بن عيينة، قال: قال مساور الورَّاق، وكان رجلًا صالحًا، في أبي حنيفة، وله فيه رأي:

стр. 317

إذا ما الناس يومًا قَايَسُونَا … بمُعْضِلةٍ منْ الفُتيَا لَطِيفَهْ أَتيْنَاهُمْ بمِقْياسٍ صَحيحٍ … بَديعٍ مِن طِرَاز أبي حَنيفه إذا سَمعَ الفقيهُ به وَعَاهُ … وأثبَتهُ بحِبْرٍ في صَحِيفهْ وعن الحسن بن الربيع، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ المبارك، يقول: رأيتُ أبا حنيفة كلَّ يَوْمٍ … يزِيدُ نَباهَةً ويَزيدُ خِيرًا ويَنْطِقُ بالصَّواب ويصْطفِيهِ … إذا ما قال أهلُ الحقِّ حُورا يُقايسُ مَن يُقايسُه بلُبٍّ … ومَن ذا تجعلُونَ له نَظيرًا كَفانا فَقْدَ حَمَّاد وكانتْ … مُصِيبتُنا به أمْرًا كَبيرًا رَأيتُ أبَا حنيفةَ حين يُؤتَى … ويُطلبُ عِلمهُ بَحْرًا غَزيرًا إذا ما المشْكِلاتُ تدافعَتْها … رِجَالُ العِلم كانَ بهَا بَصيرًا وقال بعضهم يرثيه بقصيدة، أظنّها لصاحب "المناقب"، منها: لقَدْ طَلَعَ النُّعمانُ من أرْضِ كوفةٍ … كَغُرَّةِ صُبْح يَسْتفِيضُ انبلاجُهَا هو المرتَضى في الدِّين والمقتدى به … وصَدرُ الورَى في الخافقيْنِ وتاجُها إذا مرض الإسلامُ والدِّينُ مَرْضَةً … فمِن نُكَتِ النُّعمانِ يُلفى عِلاجُها وإن كسَدتْ سُوقُ الهُدى وتوجعت … فمِن مذهب النُعمان أيضًا رواجُهَا وَإنْ فُتِحتْ أبْوابُ جهْلٍ وبِدْعَةٍ … على الناسِ يَوْمًا كان منه رتَاجُها وإن غُمَّة فمِنهُ انْجلاؤُهَا … وإن شِدةٌ ضاقت فمِنه انْفراجُها سَقَاهُ إلهُ الخَلْق في الخُلْدِ شَرْبةً … بكأسٍ من الكافُور كان مِزاجُهَا وقال عبد الله بن صهيب الكلبى: كان أبو حنيفة يتمثَّل كثيرًا بهذين البيتين، وهما: عَطاء العَرْشِ خيرٌ من عطائِكمُ … وسَيْبُهُ واسِعٌ يُرْجَى ويُنتظَرُ أنتم يُكدِّرُ مَا تُعْطُونَ مَنُّكُمُ .. والله يُعْطي فلا مَنٌّ ولا كَدَرُ

стр. 318

هذا، وما قيل في حق الإمام من المديح، وما رُثي به، وما مدح به، وما تمثل به هو، أو تمثل به الغير عند ذكره، فأمر لا يدخل كما قلنا تحت الحَصر، وفيما ذكرناه منه كفاية، والله تعالى أعلم. الفصل السابع في بعض بعض المنامات التي رآها له الصالحون: فمن ذلك ما روي عن الإمام الشافعي، أنه كان يقول: إني لأتبرك بأبى حنيفة رضى الله عنه، وأجيء إلى قبره كل يوم، كنت إذا عَرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة، فما تبعد عنى حتى تُقضى. وقال أبو يوسف: رأيتُ أبا حنيفة في المنام، وهو جالس على إيوان، وحوله أصحابه، فقال: إيتوني بقرطاس ودواة، فقمت من بينهم وأتيته بهما، فجعل يكتب، فقلت: ما تكتب؟ قال: أكتب أصحابي من أهل الجنَّة. فقلت: أفلا تكتبني فيهم؟ قال: نعم. فكتبني في آخرهم. وعن أبي مُعاذ، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام، فقلتُ: يا رسول الله، ما تقول في علم أبي حنيفة؟ فقال: ذلك علم يحتاج إليه الناس عند الحُكم. وعن بعضهم، قال: كنتُ في حلقة مُقاتل بن سليمان، إمام أهل التفسير في زمانه، فقام إليه رجل، فقال: يا أبا الحسن، رأيتُ البارحةَ في المنام كان رجلًا من السماء. قد نزل، ثيابه بيض، وقام على المنارة الفُلانية بـ "بغداد"، وهي أطول منارة بها، فنادى: ماذا فقد الناس!! فقال له مقاتل: لئن صدقت رؤياك ليفقدن أعلم الناس.

стр. 319

فأصبحنا، فإذا أبو حنيفة قد مات. وعن ابن بسطام، أنه قال: صحبتُ أبا حنيفة اثنى عشرة سنة، فما رأيتُ أفقهَ منه، ورأيتُ ليلة كان القيامة قد قامتْ، وإذا أبو حنيفة ومعه لواء وهو واقف، فقلت له: ما بالك واقفًا؟ قال: أنتظر أصحابى، لأذهبَ معهم. فوقفتُ معه، فرأيتُ جماعة عظيمة اجتمعتْ عليه، ثم مضى، ومعه اللواء، ونحن نتبعه. فأتيتُه فذكرتُ ذلك له، فجعل يبكى، ويقول: اللهم اجعلْ عاقبتنا إلى خير. وعن أزهر، أنه قال: كنت زاهدًا في علم أبي حنيفة، فرأيتُ النبي ﷺ ، وخلفه رجلان، فقيل لي: المتقدم هو النبي ﷺ ، واللذان خلفه أبو بكر وعمر ﵄. فقلت لهما: أسأل النبي ﷺ عن شئٍ؟ فقالا لي: سَلْ، ولا ترفعْ صوتَك. فسألتُه عن علم أبي حنيفة. فقال: هذا علمٌ انتسخ من علم الحضرة. وعن السري بن طلحة، قال: رأيتُ أبا حنيفة في النوم جالسًا في موضع، فقلتُ: ما يجلسك هنا؟ قال: جئتُ من عند ربّ العزّة ، وقد أنصفني من سفيان الثورى. وعن مسدّد بن عبد الرحمن البصري، قال: نمتُ بين الركن والمقام، فإذا أنا بآتٍ قد دنا منى، فقال لي: أتنام في هذا المكان، وهو مكان لا يحجب فيه دعاء!. فانتبهتُ من نومي، فقمتُ مبادرًا، أدعو الله للمسلمين والمؤمنين إلى أن غلبتْني عيناي، فإذا أنا بالنبي ﷺ ، فدنا مني، فقلتُ: يا رسول الله، ما تقول في هذا الرجل الذي بـ "الكوفة"، يُقال له: النعمان، أ آخذ

стр. 320

من علمه؟ فقال النبي ﷺ : خذ من علمه، واعملْ به، فنعم الرجل هو. فقمتُ من نومي، فإذا مُنادي صلاة الغداة، ولقد كنت والله من أكره الناس للنعمان، وأنا أستغفر الله مما كان مني. ويُحكى: أن أبا حنيفة رضى الله عنه رُئي في المنام على سرير في بستان، ومعه رق عظيم، يكتب جوائزَ قوم، فسُئلَ عن ذلك، فقال: إن الله قبل عملي ومذهبي، وشفعني في أصحابي، وأنا أكتبُ جوائزَهم. ومنامات الصُلحاء والأولياء، التي رؤيتْ له في مثل ذلك كثيرة، وهذا اليسير منها كافٍ لمن بصره الله تعالى، ولم ينظرْ بعين الحمية، وقوة العصبية. الفصل الثامن في ما يؤثر عنه من المحاسن، وحسن الاعتقاد وهي وإن كان مَحلّها الفصول المتقدمة، فقد ذكرناها هُنا على حِدة، لما أنها وقعتْ إلينا بعد الانتهاء من الترتيب المتقدم، لأن النفس إلى مثل هذا أميل، وإلى مطالعته أرغب، فنقول، وبالله التوفيق: روي عن علي بن مُسهر، أنه قال: خرج الأعمش إلى الحج، فشيعه أهل "الكوفة"، وأنا فيهم، فلما أتى "القادسية"، رأوه مَغمومًا، فقالوا له: ما لك؟. قال: أعليٌّ بن مسهر شيعنا؟. قالوا: نعم. قال: ادعوه لي. فدعوني، وقد كان عرفني بمجالسة أبي حنيفة، فقال: ارجع إلى المِصر، واسأل أبا حنيفة أن يكتب لنا المناسك. فرجعتُ، فسألتُه، فأملى علي، ثم أتيتُ بها الأعمش.
следующие страницы →