← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وهادمًا لشهوات المتطرّفين، فلما شمرت الحرب عن ساقها، وكان شيخنا اختير له علوم البلاغة والوضع والعروض والتدريس في معاهد نظامية يوميًا ما عدا يوم الجمعة، أشار عليه بعض أصدقائه من الاتحاديين بأن وجوده في "الآستانة" أثناء الحرب قد يجعله عرضة لبعض الاضطهاد، فقال: إنه يودّ القيام بافتتاح المعهد الفرعي الذي أنشاته الحكومة في "قسطموني" بوسط "الأناضول"، فصدر الأمر بنقله، حيث بقي هناك ثلاث سنوات استقال عقبها، وعاد إلى "الآستانة". ومما حدث له قبل ذهابه إلى "قسطموني" أن الجامعة أرادت تعيين أحد أساتذتها لتدريس الفقه وتاريخه، فتنافس في ذلك الأساتذة الاتّحاديون، فرأت الإدارة عقد امتحان، وأخبره بالنبأ أحد زملائه، فقدّم طلب الدخول في الامتحان آخر يوم، وأصبح فأدّى الامتحان، وكان الأول في النجاح، ولكنّ الاتّحاديون غاظهم هذا الأمر، فقام أحد كبار نوّابهم. وكان زميلًا للشيخ في التدريس بالفاتح، واسمه فاضل عارف المتوفّى سنة ١٣٤١ هـ، وطلب من وكيل (١) المعارف المدعو محمد شكري بك أن يوقف تبليغ موافقته للجامعة، ففعل، فلما علم الشيخ بذلك زاره، وقال له: والآخر يعجب من زيارة خصمه -علمت من الصحف نبأ تعييني، ولما كنت زميلي في التدريس ومن ذوي الجاه الآن، فلا بدّ أن ذلك كان بمساعدتك، واضطرّ عارف إلى مجاراة الشيخ وقبول شكره، وتناسي معاكسته السالفة. ولما رأى الاتّحاديون أنّه لا مناص من تعيين خصمهم اكتفوا بانتداب أحد الأساتذة لهذه الوظيفة، ولم يعينوا فيها أحدًا، حتى لا يتعرّضوا للنقد

стр. 2802

بتعيين أحد أعوانهم، وتخطّي الناجح الأول، وحتى يتفادوا تعيين عدوّهم في وظيفة جديدة ذات مرتّب حسن. وعاد الشيخ من "قسطموني" إلى "الآستانة"، وفي طريقه غرق في أقتشه شهر، وكان وصوله إلى "الآستانة" عقب الهدنة مباشرة، فعيّن في دار الشفقة الإسلامية، وهي مدرسة ليلة كبيرة تحت إشراف جمعية خاصة. وساعده نجاحه في الامتحان السابق الذكر على أن يلي تدريس التخصّص مع صغر سنّه بالنسبة إلى زملائه في تدريس التخصّص، وذلك بعد نحو شهر من اشتغاله بدار الشفقة الإسلامية - واستمرّ في ذلك، حتى انتخب عضوًا في مجلس وكالة الدرس، نائبًا عن معهد التخصّص، وبعد ذلك عُيّن وكيلًا للدرس، ورئيسًا للمجلس المذكور (١) إلى أن عُزِل، واستمرّ بعد عزله عضوًا بمجلس وكالة الدرس، لأنه لَمّا عُيّن رئيسا لم يعين بدله في العضوية، فلما عُزل عن الرياسة بقي في العضوية، والتدريس إلى أن غادر "الآستانة" (٢) قاصدًا "مصر" على الباخرة العباسيّة من بواخر شركة البوستة الخديوية، فوصل "الإسكندريّة" يوم الأحد ١٣ من ربيع الآخر سنة ١٣٤١ هـ الموافق ٣ ديسمبر سنة ١٣٥١ هـ، ونزل بـ "القباري" أيامًا، ثم سافر إلى "القاهرة"، ونزل بفندق دار السلام بالحي الحسيني أيامًا، ثم انتقل إلى "شبرا"، وسكن منزلا بجوار قسم "شبرا" أشهرًا، ثم سكن بـ "مصر الجديدة" لمدة أشهر أيضًا، ثم عاد إلى "الإسكندريّة"، ومنها رحل رحلته الأولى إلى "الشام" قبل انقضاء عام على يوم وصوله من "الآستانة"، فسافر بالبحر من "إسكندرية" إلى "بيروت"، ومنها بسكة الحديد إلى "دمشق"، حيث مكث بها ما يزيد على سنة، ثم عاد بالسكه الحديديّة إلى "مصر" عن طريق "فلسطين" و"القنطرة"، فنزل

стр. 2803

بـ "حلوان" ثم تحوّل إلى مدرسة محمد بك أبي الذهب، المتوفّى سنة ١١٨٩ هـ، وهي المعروفة بين العامة باسم تكية الأتراك، وتقع شمال جامع أبي الذهب الكائن في شمال الجامع الأزهر، والمطلّ على ميدان الأزهر. ثم رحل الرحلة الثانية إلى "الشام" سنة ١٣٤٦ هـ عن طريق "فلسطين" بسكّة الحديد، وأقام بـ "دمشق" حوالي سنة، وعاد بنفس الطريق إلى "مصر" سنة ١٣٤٨ هـ (١)، فنزل بفندق الكلوب المصري بالحيّ الحسيني، فلما التحق بدار المحفوظات المصرية لتعريب الوثائق التركية بعد اختباره نقل سكنه إلى القلعة، ليكون قريبًا من عمله، وهناك حضرت عائلته حيث رآها لأول مرّة منذ مغادرته "الآستانة"، ثم انتقل بعائلته إلى "شبرا"، فـ "حلوان"، فشارع حسن الأكبر، فشارع النزهة بالسكاكيني، فشارع سوق العبّاسية بالمنزل رقم ١٧، فآخر شارع العباسية بالمنزل رقم ١٣٠ حيث زرته لأول مرة سنة ١٣٥٦ هـ، ثم انتقل إلى رقم ٦٠ من شارع العباسيّة في سنة ١٣٥٧ هـ، وفي أوائل سنة ١٣٥٨ هـ انتقل إلى المنزل رقم ٦٣ من شارع

стр. 2804

العباسية حيث بقي به عشر سنوات، وفي أواسط سنة ١٣٦٨ هـ انتقل إلى المنزل رقم ٣ حارة الروم المتفرّعة من شارع الملك، وانتقل منه بعد أشهر يوم الاثنين ٢٠ من شوّال سنة ١٣٦٨ هـ إلى المنزل رقم ١٠٤ بشارع العباسيّة على يسار السالك من "مصر" إلى "مصر الجديدة" بجوار قسم الواسلي، وبه توفّي. وكان قد تزوّج بعد اشتغاله بالتدريس، وذلك قبيل الحرب العالمية الأولى بالسيّدة الفاضلة التقيّة، التي شاركته أفراحه وأتراحه وساكنته في هجرته وغربته، وهي لا تشكو ولا تتذمّر، بل كانت مثال المؤمنة الصالحة التقيّة على الرغم مما نالها من بلاء يؤود الجبال، وما نزل بها من أحزام تئطّ منها الجمال، ولم يبن على غيرها طول حياته، ورزق منها ولدًا وثلاث بنات، مات الولد وإحدى البنات بـ "الآستانة" قبل هجرته، وماتت البنتان بـ "مصر". فأما الآنسة سنيحة، فماتت أثناء إقامته الثانية بـ "حلوان" في ٢٠ من شوّال سنة ١٣٥٣ هـ بحمّى التيفوئيد، وأما السيّدة مليحة، فقد تزوّجت، ثم طلّقت لسبب صحي، وتوفيت ليلة الأحد من رجب سنة ١٣٦٧ هـ، وصلّى عليها بالحرم الحسينى يوم الأحد، ودفنت مع شقيقتها، وكانت وفاتها نتيجة ضعف عام من تسلّط مرض السكر على الرغم من صغر سنّها، وظلّت تصلّي إلى ظهر الجمعة، ثم أحسّت بانهيار، فأشهدت والدها أن عليها أداء الصلاة من عصر الجمعة. فانظر إلى هذه المؤمنة التي تخرج من الدنيا وعليها صلاة يوم واحد بسبب وطأة المرض وشدّة الاحتضار، وقِس هذه الحالة على كثير ممن يدّعون الإسلام، ويزعمون الانتساب إليه، ثم لا يعرفون ما هي الصلاة. وانظر قبل ذلك كله إلى ذلك الرجل الصالح الذي ربّى أولاده تربية إسلامية صحيحة، ثم احتسبهم عند الله صابرًا راضيًا، واذكر قول رسول الله

стр. 2805

صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم تدرك له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه، إلا أدخلتاه الجنّة". (الجامع الصغير للسيوطي وحسّنه). وكان المترجم ﵁ يشكو في سنواته الأخيرة تارة من السكر، وتارة من الضغط، وآونة من الأملاح، وغيرها من أمراض الشيخوخة، على أن ذلك لم يكن ليقعده عن التأليف، ولقاء تلامذته، وتعليمهم، والردّ على الأسئلة، التي كانت تأتيه من المسلمين من مختلف البقاع، وفي السنة الأخيرة من عمره شعر بضعف في بصره، فأجريت له جراحة في إحدى عينيه، ثم أصيب باحتباس البول، ودخل مستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية -بالأجر- وغادره في آخر ربيع الآخر، ولما زرته لآخر مرة، وأفطرت عنده يوم الجمعة ٢٧ من رمضان كانت تبدو عليه آثار الضعف، ولكنه كان سليم الحواس، حديد الذاكرة، وأملى عليّ بعض فوائد عن مكتبة طوبقبو بـ "الآستانة"، التى غادرها منذ أكثر من ثلاثين سنة، وفي شوّال عاوده احتباس البول، فدخل المستشفى الإيطالي، وغادره بعد شفائه، وقد أكّد لي الأخ الشيخ عبد الله عثمان أن المترجم ظلّ متمتعًا، بحواسه إلى آخر لحظات حياته. ولذا فإن من يزعم أنه كفّ قبيل موته يكذب على الله، ويكذب على الأحياء من عباد الله، وفي يوم السبت السابق على وفاته شعر بأعراض الحمّى، فأحضر له الشيخ عبد الله عثمان -وكان يلازمه في المدّة الأخيرة- طبيبًا قرّر بعد فحصه أنه مصاب (بالأنفلونزا) وأمر له بدواء، وفي ليلة الأحد اشتدّت الحرارة، وزاد الضعف، وبعد ظهر يوم الأحد المذكور رأى الشيخ عبد الله أن الحالة تستدعي حضور بعض الإخوان لمعاونته على ما قد يحدث، فنزل قبيل العصر، ولما عاد في الساعة الخامسة إلا ثلثا وجده انتقل إلى رحمة الله تعالى منذ خمس دقائق، أي في الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والثلاثين من بعد ظهر يوم الأحد تاسع عشر ذي

стр. 2806

القعدة سنة ١٣٧١ هـ إحدى وسبعين، ولم يحضره إلا زوجته التي أوصاها المترجم أن تقرأ الفاتحة عند خروج روحه، وقد نفّذت وصيته، وصُلي عليه قبل ظهر الاثنين ٢٠ منه في الجامع الأزهر، وأم الناس الشيخ عبد الجليل عيسى شيخ كلية اللغة العربية -كان- ودُفِن في قرافة الإمام الشافعي في حوش صديقه الشيخ إبراهيم سليم شارع الرضوان، وهو شارع يتفرّع من الشارع الرئيسي الموصل إلى البساتين، ويتّجه شرقًا إلى الجبل، فإذا دخل فيه السائر مستدبرًا شارع البساتين، مستقبلًا جبل المقطم، وجد الحوش عن يمينه، فإذا دخله وجد حوشًا صغيرا غير مسقوف ويواجه الداخل قبر مكتوب عليه: الفاتحة لروحَي سنيحة ومليحة ابنتي الكوثري في ٢٠ شوّال سنة ١٣٥٣ هـ - ٧ رجب ١٣٦٧ هـ، وإلي يمين الداخل دفن المترجم في قبر خاص لم تكن عليه كتابة يوم زرته بعد عصر الأربعاء ١٣ من ذي الحجة سنة ١٣٦١ - وقد رأيت عند السيّد حسام الدين القدسي لوحة من الرخام، أعدّت لتوضع على القبر مكتوب عليها ما يأتي: الفاتحة لروح محمد الزاهد الكوثري، وهو القائل: يا واقفًا بشفير اللحد معتبرًا … قد صار زائر أمس اليوم قد قُبِرَا، فالموت حتم فلا تغفل وكن حذرًا … من الفجاءة وادع للذي عبرا فالزاهد الكوثري ثاوٍ بمرقده … مسترحمًا ضارعًا للعفو (١) منتظرا. توفي في ١٩ (ذا) من سنة ١٣٧١ هـ عن ٧٥ سنة. وكان رضى الله عنه أملى عليّ هذا الشعر في ٢٧ من رمضان سنة ١٣٧١ هـ، وقال: إنه يودّ أن يُكتب على قبره، فكأنه كان يؤذنني بأنّ هذا هو آخر لقاء بيننا في هذه الدنيا الفانية. وقبره قريب من قبر أبي العباس الطوسي المتكلّم المشهور، رضوان الله عليهما.

стр. 2807

هذا هو الرجل الذي فقده الإسلام، وخسره الأحناف، ورزئ فيه العلم، وثكلته المروءه، واستوحش لغيابه الزهد وشغر مكانه بـ "مصر" رضى الله عنه، وأرضاه، وأعلى في جنان الخلد منازله ومثواه. ذكر أهم الأحداث في حياته على ترتيبها الزمني: فأوّلها: حادث الغرق بـ "أقششهر" وتفصيل ذلك أنه عقب الهدنة استقال من عماله في "قسطموني"، وأراد العودة إلى "الآستانة"، وكان الوقت شتاء، ويستحيل السفر بالبرّ لكثرة الثلوج وصعوبة السير -وليس إلا طريق البحر الأسود- فسار من "قسطموني" إلى "إيتابولي"، وهي ميناؤها على البحر، وتبعد عن "قسطموني" نحو مرحلة إلى الشمال، وهناك بعد أن طال انتظاره اضطرّ إلى ركوب باخرة صغيرة قديمة، كانت تسير حينًا، وتلتفّ آخر، حتى وصل إلى ميناء أرَيْلي، وهناك فضل تركها، واستقلّ قاربًا بقصد "أقششهر"، وهي ميناء بلدته "دوزجه"، وتبعد عنها خمس ساعات بالعربة، التي تجرّها الخيل على نيّة أن يبقى ببلدته، حتى يتيسّر له سبيل العودة إلى "الآستانة"، وكانت مغادرة أريلي مع الفجر، وقبيل العصر بدت له ولمن معه من الركاب مدينة "أقششهر"، وبدأ اضطراب البحر، واشتداد هياجه، وما إن أشرفوا على الساحل عن بعد، حتى انقلب بهم الزورق، ولكنهم ظلّوا متمسّكين به، ورآهم من كان على الشاطئ، فهمّوا بإنزال زورق آخر، ولكنهم اضطرّوا إلى العدول لشدّة هياج البحر واضطراب أمواجه، فما كان من اثنين منهم، إلا أن نزلا إلى الماء، وسبحا، ومعهما حبال طويلة، ربطا بها الزورق، وعادا لمن في البرّ لجذبه، وأثناء الجذب اشتدّت الأمواج المثلّثة، وهى: بأن تأتي الموجة تعقبها ثانية، ثم ثالثة متتاليات. وأدّى ذلك إلى أن أفلت من في البر الحبال، وعاد الزورق إلى وسط البحر كما كان، كل هذا والغرقى مستمسكون بالزورق غير شاعرين بما يُبذل

стр. 2808

لإنقاذهم، فلما اشتدّت الأمواج المثلثة أرغمتهم على إفلات الزورق، وهنا بدأ الشيخ يغرق، وكان مما دار بخلده عند انقلاب الزورق أن لو كان غرق بعيدًا لكان أجدى من غرقه هنا، حيث يعثرون على جثته، فيترتّب على ذلك إزعاج والده وأهله، فلما بدأ يغرق قال لنفسه: أهكذا الموت غرقًا بهذه السهولة، كنت أظنّه أشدّ من ذلك، ثم غاب عن وعيه -ولم يقف إلّا على طنين في أذنيه، ثم بدأت حواسّه تعود إليه حتى أفاق، ثم ألزمه منقذوه أن يجري حتى لا يهلك مما تحمّله من شدّة البر ومقاومة الأمواج، ومع وجود كثير يعرفونه لم يعرفه أحد إلا بعد مدّة حين تمت إفاقته، وعاد الدم إلى وجهه- وعلم بعد ذلك أن الرجلين اللذين ربطًا الزورق بالحبال كانا في شبابهما ممن يعمل في البحر، ثم أثريا وتركا تلك الصناعة لعمّال تحت أيديهما، فلمّا شاهدا الحادث -واتّفق عدم وجود أحد غيرهما يحسن الإنقاذ- نزلا وربطا الزورق، ولما اضطرت الأمواج المنقذين إلى إفلات الزورق عادا إلى النزول، وأنقذا جميع الغرقى الذين خرجوا أحياء، ولَم يمت أحد منهم، ولله الحمد. ولما أراد شيخنا مكافاة الأخوين ماديًا -وذلك لأن الرجلين المنقذين كانا أخوين- قيل له: مهما تكافئهما لن تؤثر مكافأتك عليهما، لأنهما من الثراء بمكان عظيم، ولكن لو توسّطت لدى الحكومة، فشكرت لهما هذا الصنيع لكان أجدي، فلمّا عاد إلى "الآستانة" وسط بعض أصدقائه لدى الصدر الأعظم، فأنعم عليهما بنوط، وأشير إلى ذلك لشهامتهما. وعلم الشيخ أنهم عند إخراجه ظنّوه قد مات، ولكن أحد الشيوخ قال: اعملوا الواجب بأن تضربوه على رجليه، وتستفرغوا الماء منه، إلى آخر ما يعمل لإنقاذ الغرقي، وما هي إلا هنيهة، حتى أفاق، وعاد إليه شعوره، وكان معه عند الغرق مجموعة من أنفس المخطوطات -بلغ الحرص به عليها- أن نقلها معه من "الآستانة" إلى "قسطموني"، ولم يرد تركها

стр. 2809

هناك، فحملها معه حيث غرقت فيما غرق من متاعه -وكان بينها مخطوط- كان من ضمن ما فيه أن كاتبه ذكر أنه رأى (الأمالي) لأبي يوسف القاضي الصاحب المتوفىّ سنة ١٨٢ هـ، في قمطر (دولاب) خاص، وأن الكتاب المذكور في ثلاثمائة مجلّد، وكان هذا الحادث في سنة ١٣٣٧ هـ. وكانت المخطوطات سالفة الذكر، منها ما هو من مخطوطات القرن السادس، ومنها ما هو من القرن السابع، أي أنها كانت من عيون الذخائر. أما المخطوط الذي ذكر الأمالي، فقد كان مخطوطًا بعد الألف، وليس له تاريخ ولا اسم مؤلف، ولكن الشيخ يرجّح أن مؤلّفه هو العلّامة (نوح القونوي) مُحشّي "درر الحكام شرح غرر الأحكام"، المتوفّى سنة ١٠٧٠ هـ -والمدفون بـ "مصر" قرب عقبة بن عامر- وكانت الكتابة مبتدئة في كل صفحة من الزاوية، ثم تسير في أسطر مائله، حتى تنتهي في الزاوية المقابلة، وكان هذا المخطوط يحتوى على مجموعة رسائل نادرة من ضمنها رسالة لابن جحر الهيثمي الشافعي، المتوفى سنة ٩٧٣ هـ في مناقب أبي حنيفة "الخيرات الحسان"، وكان فيه أيضًا رسالة جاء بها أن مؤلّفها رأى في مخطوط قديم رواية عن أبي عاصم العامري القاضي أن الأمالي بالوصف السابق ذكره -ولأبي عاصم هذا "المبسوط" في الفقه الحنفي في ثلاثين مجلّدًا، وذكر عبد القادر القرشي المتوفىّ سنة ٧٧٥ هـ أنه موجود بمكتبة نور الدين الشهيد بـ "الشام"- وكان هذا المخطوط مما اشتراه شيخنا من تركة شيخه محمد خالص الشرواني، المتوفىّ سنة ١٣٣١ هـ -ومما غرق أيضًا يومئذ كتاب "عقيدة الطحاوي" المتوفّى سنة ٣٢١ بخطّ ابن العديم صاحب "تاريخ حلب" المتوفى سنة ٦٦٠ هـ، وعليه سماعات، وغير ذلك من الذخائر والنفائس.

стр. 2810

ولَمّا أنقذ الشيخ لجأ إلى "دوزجه" ليستجم بها بضعة أيام، وفي أثناء ذلك وردت له برقبة من "الآستانة" بتعيينه في دار الشفقة الإسلامية، فتوجّه إلى "الآستانة" كما مرّ ذكره. وثانيها: عزله المشرف من منصب وكالة الدرس، ويحسن أن نذكر معنى الكلمة، وسببها وذلك أن السلطان بايزيد (١) الثاني بنى مدرسة، وأمر بأن يدرّس فيها شيخ الإسلام، ومع تطوّرات الزمن عيّن مشايخ للإسلام يجيدون السياسة أكثر من العلم، فكانوا ينيبون عنهم وكيلا لأداء هذا الدرس عُرِف باسم وكيل الدرس، أو (درس وكيلي)، كما يقول الترك، ثم انتهى الأمر بأن أصبح لشيخ الإسلام ثلاثة وكلاء، أحدهم للفتوي، ويسمّونه (فتوى أميني)، أي أمين الفتوى. والثاني: له الإشراف على العلم والعلماء والمدارس، وهو وكيل الدرس، ووظيفته تقابل منصب شيخ الأزهر بـ "مصر". والثالث: رئيس التحقيقات الشرعية، ووظيفته ضبط أعلام القضاة والإشراف على الشؤون القضائية، أما تعيين القضاة وعزلهم، فكان بأمر السلطان، بناء على اقتراح شيخ الإسلام وتقرير مجلس القضاء، وكان سبب عزل الأستاذ عن منصب وكيل الدرس أن لجنة مساعدة منكوبي الحرائق بـ "الآستانة" أرادت هدم مدرسة أنشأها السلطان مصطفى الثالث المتوفّى سنة ١١٨٧ هـ. والمشهور باسم لاله لي -لتبني عليها دارًا لإسعاف المنكوبين تكون بمثابة مأوى لهم، وكانت اللجنة برياسة شرف السلطان محمد وحيد

стр. 2811

الدين (١) السادس، ورياسة توفيق باشا، فعارض الأستاذ في هدمها، وطلب من شيخ الإسلام (٢) أن يعارض، فلم يعمل شيئا، فما كان من الأستاذ إلا أن يرفع دعوى لدى المحكمة لمنع هدم المدرسة، لأنها مستكملة شرائطها، ولا يجوز هدمها إلا بحكم، ووكل عنه محاميين، ورفعها أمام أحد القضاة المطربشين (أي لابسي الطربوش)، لعدم ثقته بالمعمّمين، وأثناء سر الدعوى ولّى توفيق باشا منصب الصدر الأعظم، وحاولوا ثنى الأستاذ عن عزمه، فلم يفلحوا. فاحتجّوا بأن صاحب الحق في رفع الدعوى هو شيخ الإسلام، فأخرج لهم الأستاذ نصّا، بأن المدارس تابعة لوكيل الدرس، فلم يروا بدا من عزله وتعيين سواه، على أنه بقي عضوًا في مجلس وكالة الدرس، الذي كان رئيسه كما مرّ ذكره، فلم يسكت، بل ذهب لمن خلفه، وقال له: إن سكت فبها، ونعمت، وإن لم تسكت، وتنازلت عن الدعوى بعزل المحاميين فثق بأني مهاجمك، فقال له: أنا أسكت، والدعوى تأخذ سيرها، ثم انقلبت الأمور، ودخل الكماليون "الآستانة"، وقبيل دخولهم غادرها الأستاذ، وهدمت المدرسة بعد ذلك فعلًا، وبني مكانها بناء سلم لإدارة الهلال الأحمر، وهذه الدار الآن (٣) هي مركز الكفر والإلحاد والعياذ بالله، بينما كانت المدرسة المهدومة مسكنًا للطلبة

стр. 2812

الذين حصلوا على إجازات علمية، وأصبحوا علماء، ولكن لم يتزوّجوا، فكان يسكنها كل صالح، وكان لشيخنا صديق من حاشية السلطان وحيد الدين، وكان ذلك الصديق صالحًا ومتألّما لهدم المدرسة، فقال له الشيخ: أخبر السلطان أن السلطان مصطفى لاله لي، وإن عرف عنه أنه كان مجنونًا إلا أنه بنى هذه المدرسة المباركة، وفي زمنه احترق جامع الفاتح، فجدّد بناءه، ووقف عليه خيرات جمّة، وله عدّة أوقاف، وصدقات جارية بـ "الآستانة"، فهدم هذه المدرسة المباركة يكون مشؤومًا خصوصًا، وقد بلغني أن السلطان قال: هذا عمل جدّي، ولا بدّ قبل هدمه من بناء سواه. والآن أقف برهة أُسائل فيها نفسي كم من علماء الإسلام يستطيع -في سبيل ما يعتقده حقًّا- أن يقف في وجه من بيده أدنى سلطان فضلًا عن الوقوف في وجه (جلالة) السلطان -أظنّ أن العدد يكون قليلًا جدًّا- والكوثري كان من هذا القليل النادر. وكان مرتّب منصب وكيل الدرس خمسة وسبعين جنيهًا عثمانيا ذهبًا في كلّ شهر، وهو مبلغ طائل في تلك الأيام. وثالثها: اضطراره إلى مغادرة بلاده فارًّا بدينه، وسبب ذلك أن الأستاذ كان من المستمسكين بدينهم، واستلزم ذلك كراهته الاتحاديين لنزعتهم الإلحادية، فلما ولي الأمر الكماليون، وكانوا أشدّ إلحادًا ولا دينيةً وبغضًا للإسلام وعلمائه، وكلّ ما يتّصل به كما ظهر منهم فيما بعده، فقد رأى أن الخبر في مغادرة البلاد مؤقتًا، حتى تهدأ الفتنة خصوصًا، وقد أخبره بعض المخلصين أن هناك مؤامرة لاعتقاله، فخرج من السوق إلى الميناء دون الرجوع إلى منزله، حيث استقلّ الباخرة من "الآستانة" إلى "الإسكندرية"، كما مرّ في الفصل الأول.

стр. 2813

ويجمل بي أن أعرض في هذا المقام للإصلاح الفاسد الذي زعمه الكماليون، وفساده أتى من فصلهم الدين عن الدولة، فالدين الإسلامي كما يعمل كلّ من له أقلّ إلمام به ليس بقاصر على صلاة وصوم، ولكنه دين سياسة وتنظيم للمجتمع، فكتب الفقه تبدأ بالعبادات، ولكنها تشمل المعاملات العامّة والخاصة والعقوبات والحظر والإباحة، وكتب السير تبحث في الحرب وأحكامها، وما يترتّب عليها والغنائمُ، ومعاملة غير المسلمين مع مراعاة حقوقهم وحفظ ذمّتهم، وإجمالًا. أقول: إن الدين الإسلاميّ فيه كلّ ما يراد من تحقيق مجتمع إنساني مثالي سعيد، ولا يطلب فصل الدين عن الدولة، إلا الذي لا يعرف ما هو الدين الإسلامي. وِمِما لا شَكّ فيه أن هذا الحدث أهم أحداث حياته، فقد انتقل فيه من سِعَة دنيوية فانية إلى ضيق، ولكن العكس حدث فيما يتعلق بالآخرة، وهي خير وأبقي، ففضلًا عن أجر مهاجرته إلى الله ورسوله، فقد انتقل من أفق تركي قاصرة على دولة واحدةٍ إلى أفق عالمي يشمل كل المسلمين -وذلك أن وجوده في "مصر" هيأ له الاتّصال بعلماء الإسلام في كثير من البلاد، وهيأ له حرية القول والتأليف، وهيّأ له أن يكون له تلامذة من مختلف الأجناس والبلدان. فأما الدنيا فقد غادرها، وقد مضى ضيقها الزائل وعسرها الفاني. وأما الآخرة، فقد قام عليها حيث يلقى جزاء ما أفاد عباد الله، وما علمهم، وما نصح لهم به. وهكذا ترك هذا العالم الجليل وطنه غضبًا لدين الله، ولو نافق الكماليين لعاش معهم كما عاش سواه، ولكنه فرّ بدينه إلى مستقبل غامض، وتلقفته الأحداث بـ "مصر"، فهو حينًا يعيش من ترجمة الوثائق التركية بدار المحفوظات، وآونة يعيش مما تجريه عليه وزارة الأوقاف من الخيرات، وفي كلّ

стр. 2814

ذلك تراه صابرًا راضيًا، يشكر الله تعالي، الذي حفظ عليه دينه، ولا يشكو مما كان يتعرض له أحيانًا من نفر، لا خلاق لهم من الأخلاق، يحاربونه في مرتب ضئيل، ويشنّون عليه غارات شعواء، انتهت كلها إلى أن أصبحت هباء، وبقي الشيخ راسخًا رسوخ الطود، ماضيًا فيما عاهد الله تعالى عليه، من ذبّ عن دينه، وحفظ لدعائم تنزيهه، فلا يخرج من الدنيا، حتى يكون سجل تعاليمه الخالدة النافعة الرائعة الناصعة في سطور تآليفه وصدور تلاميذه. وصفه وصفًا دقيقًا: كان ﵀ طويل القامة، ضخم الهامة، ممتلئ الجسم في غير بدانة، خفيف العارضين، قصير اللحية، أشيب الشعر، جميل الصورة، حديد السمع والبصر، بديع الذاكرة، جميل الخطّ، فقد كان خطّه يُقرأ بسهوله لضبط قواعده، وحرصه على مواضع النقط من الحروف، فكأن دقته في تحقيقاته وعلمه، كانت تنعكس على الأوراق، حين يرسم عليها حروفا ظاهرة جليّة، وكان يجيد اللغات العربية والتركية والفارسية والجركسية، وكان إذا تكلّم بالعربية تبدو عليه مسحة طفيفة من اللكنة الأعجمية، ولكن كلامه كان واضحًا في عامية العربية وفصيحها، وإذا تكلّم بالفصحى أقام الإعراب، وفي بعض الأحيان كنت آخذًا عليه تعبيرًا أو جملة، فيقول: (أعجمي يا شيخ سيبك من نقده)، حتى إذا ظننت أني ظفرتُ به أتى بشاهد عربي يؤيّد وجهة نظره، ومن ثم أصبحت أنا وكثير من تلامذته لا نعارضه في تعبير لثقتنا بأنه مستند فيه إلى شاهد لغوي متين. وبالجملة، فقد كان عالي الأسلوب، دقيق العبارة، متين التركيب، يختار من الألفاظ ما يحسن به أداء المعني، كما أنه كان يقول الشعر، ولكنه لم يكن

стр. 2815

مبرزًا فيه تبريزه في النثر، وذلك لأنه لم يشغل نفسه به، ولعلّه على حنفيته اقتدى في هذا المقام بالإمام الشافعي (١) رضى الله عنه في قوله: ولولا الشعر بالعلماء يزري … لكنت اليوم أشعر من لبيد (٢) وكان ذا ذاكرة فذّة، ولا سيما في حفظ الأسماء، فكان إذا سمع شيئًا أو رأى أحدًا مرّة واحدة ذكره، ولو بعد سنوات، وهيّأ له ذلك مع كثرة اطّلاعه على المخطوطات النادرة في "الآستانة"، و "مصر"، و "الشام" أن يصبح حجّة لا يبارى في علم الرجال، وجمع إلى براعته في الحديث، ورجاله مهارة فائقة في علم الكلام، وتنزيه الله سبحانه وتعالي، كما كان أستاذ العصر في علمَي الأصول والفقه، وكان على عبقريته المدهشة يسرّه أن يتعقّبه العلماء -والمراد بالعلماء المدلول الصحيح لهذه الكلمة- وقد ظلّ يذكر السيّد أحمد رافع الطهطاوي المتوفّى سنة ١٣٥٥ هـ بخير دائمًا، مع أنه تعقّب بعض تعاليقه في "ذيول تذكرة الحفاظ" بمؤلفه "التنبيه والإيقاظ" (٣)، ولم يغضبه أبدًا تأليف السيد أحمد، لأن شيخنا كان يقصد من تعليقه النفع والإفادة، وتعقّب السيد أحمد كان كذلك. وكان يردّ على مهاجميه ردًّا يتفاوت بين جملة في ثنايا كتاب وبين مؤلّف خاص، فقد اكتفى في الردّ على مؤلّف "تنبيه الباحث السري" (٤) بقوله في

стр. 2816

ص ٤٨ من "حسن التقاضي" (يأتي في فصل ذكر مؤلفاته): (فمن يشتبه في شئ مما سطرناه … إلى قوله: ويرثى لمن يطلق لسانه بكلّ عدوان في أقدس مكان غير متصوّن مما يوجب تضاعف السيئات، والله ولي الهداية) اهـ. يشير بذلك إلى أن مؤلف "تنبيه الباحث السري" من سكّان البلد الحرام، والواقع أن مؤلفه أراد أن يعاتب شيخنا على تعصّبه للأحناف، فتعصّب في تنبيهه للمالكية، تعصّبًا شديدًا ظاهرًا في مؤلّفه. كما أنه لما أراد أن يردّ على "طليعة التنكيل" (١) ردّ بمؤلفه "الترحيب بنقد التأنيب"، فلما ردّ معلّق "الطليعة" على المترجم بكتابه "حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه" (٢)، وحَشَا كتابه سبًّا وشتمًا ترفع المؤلّف عن الردّ عليه تنزّهًا عن مجاراة المهاترة والسباب. ويلاحظ أن المؤلف لم يكتف بسبّ شيخنا فحسب، ولكنه سبّ المصريين عمومًا الذين يزورون مقام الإمام الحسين ﵇ بـ "مصر"، والسباب ليس من شأن العلماء، والسفه أولى بالجهلاء، وقد مضى الكوثري، وسيمضي شاتموه، بل سنمضى جميعًا، ويبقى علم الكوثري، وشبّ شانئيه لتقارن الأجيال القادمة بينهما، وحينئذ يتبيّن الغثّ من السمين، ويتّضح التافه من الثمين، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. وقد عاش المترجم طول حياته خصمًا لابن تيمية (٣)، ومذهبه سرد آراء الأستاذ يخرج بالترجمة عن القصد، وهي مبسوطة في كثير من تآليفه وتعاليقه، وعلى الرغم من أن لابن تيمية بعض المشايعين الآن بـ "مصر"، فإنه سيتبين إن

стр. 2817

عاجلًا وإن آجلًا، ولو يوم تعرض خفايا الصدور، أن ابن تيمية كان من اللاعبين بدين الله، وأنه في جلّ فتاواه كان يتّبع هواه، وحسبك فساد رأيه في اعتبار السفر لزيارة النبي ﷺ سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة (١). وقد كان المترجم في كل ناحية تعرض لها بتأليف أو تعليق يفيد وبجيد، وقد يكون هذا ميسورًا لغيره إذا راجع وبحث، ولكن عبقرية المترجم كانت في سرعة ردّه وحضور ذهنه في كل ما يوجّه إليه من أسئلة أثناء المحاورات العلمية المختلفة، فكان دائمًا إما يقطع بالجواب الشافي، أو يحيل إلى المرجع الوافي، وكان إذا تكلّم في موضوع علمي تدفق كالنيل في فيضانه، وحينئذ لست ترى المتكلّم عالما واحدًا بل ولا جماعة من العلماء، وإنما هو دار كتب قيّمة تعرض على روّادها نفائسها في دقّة وترتيب وإبداع وأمانة. تعصّبه المزعوم: دعاني إلى جلاء هذه النقطة ما نسب إلى الشيخ من التعصّب، والتعصّب لا يعدو أن تكون غايته الاستمساك باليقين، والذبّ عن الدين، فهذا فرض لازم على كلّ مسلم لدينه وعقيدته، أو أن يكون تعصّبًا مذمومًا للهوى ونزغ الشيطان، وهذا ما عصم الله تعالى أستاذنا منه. وكتبه وتآليفه شاهدة جميعها بأن تعصّبه كان لله ورسوله -ونِعم التعصّب هذا، فإن أبا

стр. 2818

حنيفة وأتباعه لم يخرجوا عن كونهم من الأمة، ومن خير من دافعوا عن الدين الإسلامي -ورمي المترجم بالتعصّب من خصومه مردود، بأن مذمّة الخصم معلّلة، وتجريحه محجوج لخصومته، وبغضه- والحالة الوحيدة التى قد يرتكز عليها بعض ذوى الهوى هي أن أحد تلامذته أشار إلى ذلك في بعض مطبوعاته، ولكن حتى هذه الحجة منهارة، فإن ذلك التلميذ حرص بعد ذلك على التودّد إلى المترجم والإفادة من علمه والتفاخر بالانتساب إليه إلى يومنا هذا مما يدلّ على اعتذاره مما قال، والفعل يجب القول، والآخر ينسخ الأول، والحسنة تمحو السيّئة. وقد يقول متورّع -وما أكثرهم حين لا يلزمون وأقلّهم إذا أدلّهم الخطب- قد يقول هذا المتورّع المتزهّد، أفلا نمسك عن قوم مضوا، ولعلّ لهذا السّمّ المعسول بعض الوجه إذا كان أذى المؤذي مات بموته، ولكن الطاعنين على أبي حنيفة لا تزال كتبهم موجودة على توالي القرون، بل زاد انتشارها بطبعها، وقد تجد من يميل إلى زيفها، فالردّ عليها كفيل بقمع المفسد المتهوّر ونفع التائه المتحيّر - والغضب لله لا يكون تعصّبًا، فإن رؤى بعد هذا أنه كذلك فنِعْم التعصّب هذا لأن السفيه إن لم يغلظ له في القول لا ينفكّ مصرًا على سفاهته ولا يفتأ سادرًا في حماقته. وأىّ ورع يكون في الإمساك عمّن يقول إن إمام ثلثي الأمة فتّان هذه الأمة، وأن جنازته ترى في النوم عليها ثوب أسود، وحولها قسيسون (١) - أو أن يلبس جلد كلب، ويتوضأ بنبيذ، ويقول: إن هذه هي صلاة الأحناف (٢).

стр. 2819

وأيّ ورع يكون فيمن يقف ملجم اللسان من أجل سواد عيني الخطيب البغدادي (١)، أو إمام الحرمين (٢)، اللذين لم يتورّعا عن ذكر هذه المثالب القذرة التي لا تليق روايتها بحق عوام الناس وفسّاقهم، فكيف بالإمام الجليل الذي تواضع الناس على إجلاله واتّباعه جيلًا بعد جيل. ويُعْذَر مضطرّ إذا ضاق ذَرْعه … فجرّدَ صَمْصَامًا به يتذَرّع. فإنّ الذي تَعْيا به من حَمَاقَة … ستُقْنِعه حَتْمًا إذا تَتدرّع. زهده الفريد وعفافه النادر: كان الكوثري في زهده مثلا حيّا لاسمه زاهد، وكان في عفافه مترفّعا عن الدنيا وعن أهلها إلى حدّ قد لا يتصوّر -ولا أستسيغ أن أذكر هنا بعض ما أعرف من نوادر عفافه، لأنه كان يستحيي من ذكرها، ويتأذّى من الكلام عن عسره- ولذا يكفيني والله يعلم صدقي أن أقول: إن المترجم كان على قلّة ذات يده، أعفّ من رأيت -وإذا كان التعفّف عن الدنيا في هذا الزمان أضحى متعسّرا على الميسورين، مستحيلًا في حقّ المملقين، فإن الله أراد خرق هذه الاستحالة، فأوجد لنا معسِرًا عفيفًا، هو الزاهد الكوثري. ومن فضائله الجمّة عزوفه التامّ عن المماكسة، وقد كتب لي السيّد حسام الدين القدسي، يقول: ضمن كتابه عن الأستاذ لما لقيه عند قدومه

стр. 2820

لـ "دمشق" أول مرة- في دار الكتب الظاهرة (وعاشرته، فرأيت من خلقه أنه لا يساوم بائعًا، ولكن إذا تحقّق من غشّه تركه ولم يعامله. وأخبرني الشيخ عبد الله الحمصي أنه كان في مستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية يعطى ثلاثة من الممرضين ثلاثين قرشًا يوميّا، ويعطي اثنين يساعدانه في الحمام للغسل كلّ أسبوع مائة قرش لمرة واحدة، يغتسل فيها في الأسبوع، ويساعدانه على تنظيف جسمه، ويقول للشيخ عبد الله: جرت عادة بعض المنتمين إلى سلك المشايخ أو العلماء على التقتير الشحّ والمساومة و … فيجب أن نقتلع من رؤوس الناس هذه الفكرة عنهم اهـ). قلت: وبهذه المناسبة أذكر أن سبب حرصي على التعرّف إليه، والتلمّذ عليه، هو أني لقيته بمكتبة المرحوم السيّد محمد أمين الخانجي، المتوفّى سنة ١٣٥٨ هـ، وهو يلحّ على الخانجي في أن يأخذ أكثر مما طلب، ويقول له: الكتاب يساوي أكثر، وإنما أنت تحطّ من السعر لأجلي، وهذا أمر لا أقبله، والخانجي يصمّم على الرفض، ويقول: إن الثمن الذى أطلبه فيه ربح لي، فعجبت من هذه المحاورة التي يندر حدوثها قديمًا وينعدم حديثًا، وأحببتُ أن تكون لي صلة بهذا العالم الفاضل الذي لا يريد استغلال علمه في أي ناحية مادية، وقد تَمّ لي ذلك بحمد الله، وكنت أنا الفائز بتلقي العلم على علّامة عصره. ومما هو مشهور بين عارفيه أنه كان لا يقبل أجرًا على تعليمه أحدًا، ولا على تصحيحه كتابًا، بل كان قول ما قاله للسيّد حسام الدين القدسي لما عرض عليه مائة نسخة من كل كتاب صحّحه من مطبوعاته: (هل يجتمع هذا مع الأجرة في الآخرة)، فسكت القدسي. ولما اشتدّت به العلّة في أُخريات أيامه، وأرهقته أسباب العلاج شرع في بيع كتبه، وامتنع بتاتًا من قبول المعاونات المادية، التى عرضها عليه بعض الفضلاء من تلامذته.

стр. 2821

وقد عرض عليه في السنة الأخيرة من حياته أستاذان من أساتذة الجامعة، هما أبو زهرة والخفيف أن يلقى بعض الدروس في الشريعة بجامعة فؤاد الأول، فاعتذر وألحا فأصرّ، فلما عاتبته في ذلك، قال: إن هذين الفاضلين عرضا ما عرضاه لاطمئنانهما بأني سأقوم بواجب التدريس كما ينبغي، وصحتي لا تسمح لي بذلك الآن، ولا أستحلّ لنفسي، وقد أوشك الأجل على الانتهاء أن ألتزم القيام بأمر أثق بأني عاجز عنه، اهـ. قلت: ولو أن كل مسلم امتنع من أخذ أجر ما لا يقوم به لامتلأت خزائن الدول الإسلامية، ولا سيما الحكومة المصرية مما يتوفّر لها من ذلك. وقد ظلّ طول إقامته بـ "مصر" يؤلّف، ويدرّس، وينصح، ويرشد ما وجد إلى ذلك سبيلًا. وكان يشير على تلامذته بطبع النافع من الكتب ونشرها، وكان ممن سمع له السيد عزّت العطّار، فطبع كثيرا من نفائس المخطوطات بإشارته. وكان المغفور له الصديق النبيل الشيخ مصطفى عبد الرزاق يجلّ أستاذنا، ويبجله، ولا غرو، فالفضل يعرفه ذووه، ولما رأى شيخنا حرص شيخ الأزهر على الإفادة من توجيهاته كتب تقريرًا ضمنه ما يراه لإصلاح الأزهر، وإحياء علم الحديث الذي اندثر من "الديار المصرية" بعد أن كان فيها أشهر حفاظه. ولكن موت الشيخ مصطفى في ربيع الأول سنة ١٣٦٦ هـ جعل هذا التقرير يحفظ ضمن المهملات التي يحفظ فيها كلّ مشروع نافع في "مصر". ولا يزال التقرير موجودًا، ولعلّ شيخ الأزهر الحالي، وهو ممن يعرفون فضل شيخنا يعمل على بعثه والإفادة مما فيه، والله وليّ التوفيق. في بيان مؤلّفاته وتقدماته وتعاليقه ومقالاته: تنقسم مؤلّفات الأستاذ إلى قسمين رئيسيين، أولهما: ما ألّفه قبل هجرته من"الآستانة"، والثاني: ما ألّفه بعدها، والغالب على القسم الأول أنه

стр. 2822

مخطوط، والثاني على العكس، كما أن مؤلّفات القسم الأول لا ندري عنها شيئا سوى "إرغام المريد" الذي أهدى منه نسخا لتلامذته. القسم الأول ١ - نظم عوامل الإعراب (باللغة الفارسية)، وهو أول مؤلفاته، مخطوط. ٢ - إزاحة شبهة المعمّم عن عبارة المحرم (١)، مخطوط. ٣ - الجواب الوفي في الردّ على الواعظ الأوفى (٢)، مخطوط. ٤ - تفريج البال بحل تاريخ ابن الكمال (٣) مخطوط. ٥ - الصحف المنشرة في شرح الأصول العشرة لنجم الدين الطامة الكبرى، مخطوط.

стр. 2823

٦ - ترويض القريحة بموازين الفكر الصحيحة في المنطق (١)، مخطوط. ٧ - قرة النواظر في آداب المناظر (٢)، مخطوط. ٨ - النظم العتيد في توسل المريد (٣)، طبع بآخر تاليه في ٦ صفحات. ٩ - إرغام المريد في شرح النظم العتيد لتوسّل الْمُريد (٤)، طبع في الآستانة سنة ١٣٢٨ هـ في ١١٤ صفحة غير الفهرس والتصويبات. ١٠ - إصعاد الراقي على المراقي (٥)، مخطوط. ١١ - النقد الطامي على العقد النامي على شرح الجامي (٦)، مخطوط. ١٢ - الفوائد الكافية في العروض والقافية (٧)، طبع وليس عليه اسم المؤلّف. ١٣ - تدريب الوصيف على قواعد التصريف، مخطوط.

стр. 2824

١٤ - تدريب الطلّاب على قواعد الإعراب، مخطوط. ١٥ - حنين المتفجع وأنين المتوجع قصيدة في ويلات الحرب العظمى الأولي طبعت. ١٦ - إبداء وجوه التعدّي في كامل ابن عدي، مخطوط. ١٧ - نقد كتاب الضعفاء للعقيلي، مخطوط. ١٨ - التعقب الحثيث لما ينفيه ابن تيمية من الحديث (١)، مخطوط. ١٩ - البحوث الوفية في مفردات ابن تيمية، مخطوط. ٢٠ - الروض الناضر الوردي في ترجمة الإمام الرباني السرهندي المتوفّى سنة ١٠٣٤ هـ، ألّفه بقسطموني، وهو الكتاب الوحيد الذي ألّفه باللغة التركية، مخطوط. ٢١ - الْمدخل العام لعلوم القرآن مخطوط في مجلدين، ألّفه بـ"الآستانة"، وهو أهمّ مؤلفاته مطلقًا لما فيه من التقضي والمقارنة والبحث، سواء من ناحية الموازنة بين المفسّرين بالرواية، والمفسّرين بالدراية، ومسالكهم، وفيما يتعلق بجمع القرآن في أدواره الثلاثة (النبي ﵊ وأبي بكر وعثمان ﵄، وما يتعلق برسم القرآن، وقراءاته الأربع عشرة، وطبقات قرّائه، والإلمام العام بما ألّف في القراءة والرسم وتراجم المفسّرين، وذلك على توالي القرون، ولم يكن الشيخ يأسف على شيء أسفه على ضياع هذا الكتاب الذي لا يدري مآله، ولعلّ الله يسهل العثور عليه، فقد أخبرني الأستاذ محمد سامي الخانجي أن كتب الشيخ التى كان يملكها ظهرت أخيرًا في "الآستانة" بعد انقضاء ثلاثين سنة على اختفائها عقب هجرته، مما يدلّ على أنها كانت محفوظة، ولعلّ المدخل يظهر يومًا، ويلاحظ: أن ما ذكر ألّف

стр. 2825

بعضه بـ "الآستانة"، والبعض بـ "دوزجه"، أثناء العطلة المدرسيةِ، والبعض بـ "قسطموني". القسم الثاني ١ - رفع الريبة عن تخبّطات ابن قتيبة (١)، مخطوط. ٢ - صفعات البرهان على صفحات العدوان (٢)، طُبع في دمشق بمطبعة الترقي سنة ١٣٤٨ في ٥٤ صفحة. ٣ - الإشفاق على أحكام الطلاق (٣)، طُبع في مطبعة مجلة الإسلام في ١٠٤ صفحة. ٤ - بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني، طُبع ضمن الرسائل النادرة التي كان يطبعها الخانجي سنة ١٣٥٥ هـ في ٧٢ صفحة غير الفهارس والتصويبات. ٥ - التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز (٤)، طُبع بمطبعة الأنوار سنة ١٣٦٠ هـ في ٤٧ صفحة. ٦ - تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب (٥)، طُبع سنة ١٣٦١ هـ في ٢٠٠ صفحة غير مقدّمة حافلة في ترجمة الأستاذ.

стр. 2826

٧ - إحقاق الحق بإبطال الباطل في مغيث الحلق (١)، طبع بمطبعة الأنوار سنة ١٣٦٠ هـ في ٦٦ صفحة. ٨ - أقوم المسالك في بحث رواية مالك عن أبي حنيفة ورواية أبي حنيفة عن مالك، طبع في آخر إحقاق الحق في الصفحات ٦٧ - ٧٢. ٩ - تذهيب التاج اللجيني في ترجمة البدر العيني المتوفّى سنة ٨٥٥ هـ لَخّصها طابع شرحه للبخاري وطبعها بأوّله. ١٠ - الاهتمام بترجمة ابن الهمام، المتوفّى سنة ٨٦١ لم يطبع. ١١ - عتب المغترّين بدجاجلة المعمرين، مخطوط. ١٢ - تحذير الخلف من مخازي أدعياء السلف، مخطوط. ١٣ - قطرات الغيث من حياة الليث المتوفّى سنة ١٧٥ هـ، مخطوط. ١٤ - الحاوى في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي المتوفّى سنة ٣٢١ هـ، طبع بمطبعة الأنوار سنة ١٣٦٨ هـ في ٤٣ صفحة. ١٥ - فصل المقال في بحث الأوعال، ثم سمّاه فصل المقال في تمحيص أحدوثة الأوعال (٢)، مخطوط. ١٦ - البحوث السنية عن بعض رجال أسانيد الطريقة الخلوتية (٣)، مخطوط.

стр. 2827

١٧ - نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ﵇، مطبعة أمين عبد الرحمن ١٢٦٢ في ٦٧ صفحة غير التصويبات. ١٨ - نبراس المهتدي في اجتلاء أنباء العارف دمرداش المحمدي المتوفّى سنة ٩٢٩ هـ، مطبعة الأنوار سنة ١٣٦٤ هـ في ٣١ صفحة. ١٩ - النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة (١)، مطبعة الأنوار سنة ١٣٦٥ هـ في ٢٧٣ صفحة. ٢٠ - رفع الاشتباه عن مسألتي كشف الرؤوس، ولبس النعال في الصلاة، طبع سنة ١٣٩٦ هـ في ٢٤ صفحة. ٢١ - ترجمة العلامة محمد منيب العنتابي (٢)، المتوفّى سنة ١٢٣٨ هـ، مخطوطة. ٢٢ - من عِبَر التاريخ (٣)، طبع سنة ١٣٦٧ هـ في ٣٢ صفحة، نشره السيد عزّت العطار. ٢٣ - حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي، المتوفّى سنة ١٨٢ هـ، مطبعة الأنوار سنة ١٣٦٨ هـ في ١٠٣ صفحة. ٢٤ - لمحات النظر في سيرة الإمام زفر، المتوفّى سنة ١٥٨ هـ، مطبعة الأنوار سنة ١٣٦٨ هـ في ٣٠ صفحة. ٢٥ - الإمتاع بسيرة الإمامين الحسن بن زياد، المتوفّى سنة ٢٠٤ هـ وصاحبه محمد بن شجاع المتوفّى سنة ٢٦٦ هـ، مطبعة الأنوار سنة ١٣٦٨ هـ في ٧٠ صفحة.

стр. 2828

٢٦ - الترحيب بنقد التأنيب (١)، نشرته مكتبة الخانجي سنة ١٣٦٩ هـ في ٥٢ صفحة. ٢٧ - محقّ التقوّل في مسألة التوسّل (٢)، مطبعة الأنوار سنة ١٣٦٩ هـ في ١٨ صفحة. ٢٨ - تعطير الأنفاس بذكر سند ابن أركماس (٣)، طبع ضمن مجموعة سنة ١٣٦٩ هـ، مطبعة الأنوار من ص ٩ إلى ص ١١. ٢٩ - الإفصاح عن حكم الإكراه في الطلاق والنكاح، طبع ضمن المجموعة السابقة من ص ١٢ إلى ص ١٦. ٣٠ - الاستبصار في تحدّث عن الجبر والاختيار (٤)، طبع بمطبعة الأنوار في ذي القعدة، سنة ١٣٦٠ هـ، وهو آخر ما نشره من مؤلّفاته ﵁، ولعلّه آخرها تأليفًا. فجملة مؤلّفاته التي أفردها هي ٥١ مؤلّفا كما مرّ ذكره (٥)، على أن هناك مؤلّفات سماها، ولكنها طبعت ضمن الكتب التي كانت مؤلّفات الأستاذ بمثابة التعليق، والحواشي لها، وأذكر من ذلك:

стр. 2829

١ - لفت اللحظ إلى ما في الاختلاف في اللفظ، وهو مقدّمة وتعاليق على كتاب الاختلاف في اللفظ، والردّ على الجهميّة، والمشبّهة لابن قتيبة، طبعها القدسي بمطبعة السعادة بمصر في ٨٦ صفحة، بما في ذلك الفهارس سنة ١٣٤٩ هـ. ٢ - تبديد الظلام المخيّم من نونية ابن القيّم، وهو مقدّمة وتعاليق على كتاب السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل للسبكي الكبير، مطبعة السعادة سنة ١٣٥٦ هـ في ١٩٢ صفحة غير الفهارس والتصويبات، كلمة الناشر. تقْدماته وتعاليقه: لأستاذنا الكوثري رضى الله عنه تقدمات وتعاليق على كثير من الكتب النافعة، وسأكتفي بالكلام على ثلاث منها، ثم أسرد أسماء الباقي نقلًا عن آخر مؤلّفاته الاستبصار، حيث سردها في آخره: ١ - مقدّمته الحافلة القيّمة على نصب الراية لأحاديث الهداية للحافظ الزيلعي، المتوفّى سنة ٧٦٢، طبع بـ "مصر" سنة ١٣٥٧ هـ، وتقع من ص ١٧ إلى ص ٤٩، ثم من ص ٥٧ إلى ص ٦٠، من الجزء الأول وتعتبر تاريخًا للفقه ومنشأ تطوّراته. فقد استهلها بكلمة عن فقه أهل "العراق" ثم استطرد إلى الرأي والاجتهاد، ثم تكلّم عن الاستحسان، وانتفل إلى شروط قبول الأخبار، ثم استعرض منزلة "الكوفة" من علوم الاجتهاد، وذكر ٣٣ حبرًا من أصحاب علي ﵇، وابن مسعود بـ "الكوفة"، ثم انتهى إلى طريقة أبي حنية في التفقيه، وذكر ٩٦ حافظًا من كبار المحدثين الأحناف، وانتهى بكلمة في كتب

стр. 2830

الجرح والتعديل، والواقع أن هذه المقدمة تعتبر دستورًا جليلًا ومدخلاً مضيئًا للفقه الإسلامي. ٢ - مقدمته لكتاب المقدمات الخمس والعشرون … من دلالة الحائرين لابن ميمون الفيلسوف الإسرائيلي المتوفّى سنة ٦٠٥ هـ، طبع بمطبعة السعادة بـ "مصر" سنة ١٣٦٩ هـ، ومقدمة الأستاذ تقع من ص ٣ إلى ص ٢٣، وفيها عدّة أبحاث نفيسة خصوصًا عن الشخصيات الإسرائيلية في تاريخ الإسلام مع استطرادات مفيدة نافعة. ٣ - تعليقة قيّمة على مادّة (الجركس) في تعريب دائرة المعارف الإسلامية، وتقع تعليقة الأستاذ في المجلد السادس ص ٣٤٥ إلى ٣٥٠، أراد بها تصحيح ما ورد في الدائرة المذكورة عن الجركس، فأجاد، وأفاد على عادته، أما باقي تقدماته وتعاليقه فقد ذكر في ص ٣٨ من مؤلّفه "الاستبصار" بعد سرد أسماء مؤلّفاته، ما نصّه: ومما قدم له وعلق عليه: ١ - الغرّة المنيفة للسراج الغزنوي الهندي في تحقيق نحو مائة وسبعين مسألة، ردًّا على الطريقة البهائية للفخر الرازي. ٢ - دفع شبه التشبيه لابن الجوزي. ٣ - رسالة أبي داؤد السجستاني في وصف سننه. ٤ - مناقب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن للذهبي، ومعها أيضا تعليق الأستاذ أبي الوفاء. ٥ - ذيول طبقات الحفاظ للحسيني وابن فهد والسيوطي. ٦ - تبيين كذب المفتري في الذبّ عن الإمام الأشعري لابن عساكر. ٧ - التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية من الفرق الهالكين لأبي المظفر الإسفراييني. ٨ - العالم والمتعلم رواية أبي مقاتل عن أبي حنيفة. ٩ - رسالة أبي حنيفة إلى البتي إمام أهل البصرة في الإرجاء.

стр. 2831

١٠ - الفقه الأبسط رواية أبي مطيع. ١١ - الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي مع ملء الخروم من كلامه وكلام أصحابه. ١٢ - التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع لأبي الحسن الملطي. ١٣ - اللمعة في الوجود والقدر وأفعال العباد لإبراهيم بن مصطفى الحلبي المذاري. ١٤ - كشف أسرار الباطنية لمحمد بن مالك الحمادي. ١٥ - الروض الزاهر للبدر العيني في سيرة الملك الظاهر (ططر). ١٦ - الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح لسبط ابن الجوزي. ١٧ - شروط الأئمة الستة لمحمد بن طاهر المقدسي والخمسة للحازمي، والتعليقات عليهما مسمّاة بالتعليقات المهمّة على شروط الأئمّة. ١٨ - مراتب الإجماع لابن حزم ونقده لابن تيمية. ١٩ - النبذ في أصول المذهب الظاهري لابن حزم. ٢٠ - اختلاف الموطأت للدارقطني. ٢١ - كشف المغطّى من فضل الموطأ لابن عساكر. ٢٢ - العقل وفضله لابن أبي الدنيا. ٢٣ - الحدائق في الفلسفة العالية للبطليوسي. ٢٤ - حقيقة الإنسان والروح للجلال الدواني. ٢٥ - العقيدة النظامية لإمام الحرمين. ٢٦ - الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به للباقلاني. ٢٧ - خصائص مسند أحمد لأبي موسى المديني. ٢٨ - المصعد الأحمد لابن الجزري. ٢٩ - زغل العلم للذهبي. ٣٠ - الأسماء والصفات للبيهقي.

стр. 2832

ومما قدّم له وكتب فيه كلمة: ١ - شرح مقامة (الحور العين) لنشوان الحميري. ٢ - نثر الدرّ المكنون في فضائل اليمن الميمون للسيد محمد الأهدل شيخ رواق اليمن. ٣ - الدرّ الفريد الجامع لمتفرّقات الأسانيد للسيد عبد الواسع اليماني. ٤ - بيان مذهب الباطنية وبطلانه من كتاب قواعد عقائد آل محمد لمحمد بن الحسن الديامي. ٥ - طبقات ابن سعد من الطبعة المصرية. ٦ - فتح الملهم في شرح صحيح مسلم لمولانا العلامة شبير أحمد العثماني ﵀. ٧ - ترتيب مسند الإمام الشافعي للحافظ محمد عابد السندي. ٨ - أحكام القرآن جمع البيهقي من نصوص الإمام الشافعي ﵁. ٩ - مناقب الإمام الشافعي للحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الشافعي. ١٠ - ذيل الروضتين للحافظ ابن شامة. ١١ - فهارس البخاري لفضيلة الأستاذ الشيخ رضوان محمد رضوان. ١٢ - إشارات المرام لكمال الدين البياضي. ١٣ - كشف الستر عن فرضية الوتر لعبد الغني النابلسي. ١٤ - العالم والمتعلم لأبي بكر الورّاق الترمذي. ١٥ - الأعلام الشرقية للأستاذ زكي مجاهد. ١٦ - انتقاد المغني عن الحفظ والكتاب للأستاذ حسام الدين القدسي. ١٧ - النهضة الإصلاحية للأسرة الإسلامية للأستاذ الكبير مصطفى الحمامي ﵀. ١٨ - منتهى آمال الخطباء له أيضًا.

стр. 2833

١٩ - براهين الكتاب والسنة للعلامة العارف بالله الشيخ سلامة العزامي. ٢٠ - قانون التأويل لحجّة الإسلام الغزالي. ٢١ - الثمرة البهية للصحابة البدرية لمحمد سالم الحفناوي. ٢٢ - كتاب بغداد لابن طيفور. ٢٣ - الروض النضير في شرح المجموع الفقهي الكبير للسياغي الصنعاني. قلتُ: وأزيد على ما ذكره ما يأتي: ١ - منية الألمعي فيما فات من تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، للحافظ ابن قطلوبغا، قدم له، وحقّقه، ونشر مذيلًا بتعليقات الحافظ قاسم بن قطلوبغا على النصف الثاني من الدراية، مطبغة السعادة بمصر سنة ١٣٦٩ هـ. ٢ - إيضاح الكلام فيما جرى للعزّ بن عبد السلام في مسألة الكلام بقلم ولده الشيخ محمد عبد اللطيف، طبعه الأستاذ من نسخته بمطبعة الأنوار سنة ١٣٧٠ هـ صحّحه، وعلّق بأوله تعليقة. ٣ - الانتفاء في فضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء، علق عليه لغاية ص ٨٨، والكتاب طبع سنة ١٣٥٠ هـ في ١٩٠ صفحة بما في ذلك مقدمة الناشر والفهارس. وهناك أشياء من هذا القبيل أخفى الأستاذ فيها نفسه، أذكر منها الآتي: ١ - تعليقاته النفيسة على تاريخ القوقاز الذي طبع تعريبه بمطبعة عيسى الحلبي سنة ١٣٥٨ هـ. وذكرت منسوبة إلى عالم جركسي جليل. ٢ - مذكرات الأمير محمد علي توفيق، عرّبها، وطبع التعريب في مطبعة عناني سنة ١٣٦٦ هـ في ٥٧ صفحة، ولم يذكر فيها اسمه. ٣ - بيان الخطوط الجميلة المحفوظة في المتحف الذي أنشأه الأمير محمد على في سراى منيل الروضة المطبوع بمطبعة مصر سنة ١٣٧٠ هـ في ٣٢ صفحة.

стр. 2834

٤ - بعض وثائق تاريخية من عهد ساكني الجنان إسماعيل باشا، وتوفيق باشا، انتقاها، وأمر بترجمتها الأمير محمد علي، وطبعت بمطبعة عناني سنة ١٣٦٧ هـ في ٩٣ صفحة غير التصويب، وذكر بأولها أنها ترجمة الأستاذ ﵁، وكان الإفصاح باسمه هنا مخالفًا لما سبق. وإني أشكر مزيد الشكر كلّ من يتفضّل، فيرشدني إلى ما أكون غفلت عنه من مؤلّفاته خاصة، ومن تقدماته وتعاليقه عامة. وقد عثر في أوراق المترجم ﵁ على رسالة بخطّه في ١٦ صفحة، اسمها "المنتقى المفيد" انتقى فيها أشياء من "العقد الفريد في علوّ الأسانيد" تأليف العلامة سيدي الشيخ أحمد بن سليمان الأروادي، المتوفّى سنة ١٢٧٥ هـ، فرغ منها المترجم في خامس جادى الثانية سنة ١٣٥٤ هـ، وهي مخطوطة بخطّه كما ذُكر. كما عثر على نسخة من (حنين المتفجّع) طبع قسطموني سنة ١٣٣٧ هـ. وعلى قدر ما بذلته من جهد لحصر مؤلّفات أستاذنا ﵁ وتعاليقه وتقدماته، فإني أستشعر أن منها ما فاتني مضطرّا، وقد نبّهني السيّد حسام الدين القدسي إلى أن الترجمة الموجودة في صدر الجزء الأول من فتاوى السبكى الذي طبعه سنة ١٣٥٦ هـ، والواقعة في ص ١٣ - ١٥ هي من صنع الأستاذ رضى الله عنه، ولكنه لم يرد أن تذكر باسمه لصغرها، وقلّة الجهد المبذول فيها، ولخلوّ الكتاب المطبوع من أيّ مجهود للأستاذ ﵁، ومن يطالع هذه الترجمة، ولا سيما في أواخر ص ١٤ يستشف منها روح الكوثري ومقدرته وعلمه وسعة أفقه، وأخيرًا أرجو قبول عذري في ما فاتني وتكرار شكري لمن ينبّهني إليه.

стр. 2835

مقالاته: للمترجم ﵁ مقالات كثيرة في فنون متشعّبة، وفي كلّ مقالة منها من الدروس ما يفيد جماعة، وقد كان يُنشر في معظم المجلات التي تتمّشى مع نواحي مقالاته على أنه اختصّ مجلة الإسلام، ثم الشرق العربي بمعظم ما نشر، وقد حرص بعض فضلاء تلاميذه على جمع مقالاته، ونشرها في مجلد مستقلّ، رأوا أن تكون هذه الترجمة في صدره، والله المستعان. وختامًا أحبّ أن أسجّل أن للمترجم عدّة رسائل علمية، وهذه لا يسهل جمعها، لأنها منتشرة في بقاع الأرض، حيث كان يرسل ردًا إلى مَن يسألونه، ولا أدري إذا كان احتفظ بصورها في أوراقه، أما مراسلاته الخاصّة معي فمحفوظة بفضل الله، ويأتي الكلام عليها في الفصل التالي إن شاء الله. ويحسن التنويه بأن للأستاذ ترجمة نفيسة للسيّد عزّت العطّار في صدر "تأنيب الخطيب"، وأخرى للأستاذ السراوي في أول "الطبقات الكبرى" لابن سعد طبع "مصر"، وقد كتب لي السيّد عزّت العطّار بأن آخر ما كتبه شيخنا بخطّه الكريم من تقدمات للكتب "تقدمة كتاب جذوة" المقتبس الذي طبعه السيد عزت ونشره. هذه هي صفحة فخار من سجل حياة مجيدة لرجل عاش يرغب عن دنياه، ويرجو من الله أخراه، رجل نقّاه الله تعالى من الخطايا، كما نقّى الثوب الأبيض من الدنس، والله المسؤول أن يغسله بالماء والثلج والبرد، وأن يكرم نزله بمنّه وفضله. بيان بعض شيوخه: وبعض مأثور كلامه من منظوم ومنثور: ذكر أستاذنا ﵁ شيوخه وترجم لهم في ثبته "التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجير"، مطبعة الأنوار سنة ١٣٦٠ بـ "القاهرة"، وأكتفي هنا

стр. 2836

بنقل ترجمة خمسة من شيوخه مع ترك الاستطرادات، والاقتصار على ترجمة كلّ شيخ منهم. فأولهم: والده الشيخ حسن بن علي الكوثري، المولود في "قوقاسية" سنة ١٢٤٥ هـ، وتلقّى العلم هناك من الشيخ سليمان الأزهري المقرئ، المتوفّى شهيدًا سنة ١٢٧٧ هـ، والشيخ موسى الصوبوصي، المتوفّى سنة ١٢٧٦ هـ، والشيخ موسى الحناشي، المتوفىّ سنة ١٣٠٠ هـ، والشيخ حسن الصححي، المتوفّى سنة ١٢٩٥ هـ، تلميذ الشيخ الشامل المجاهد الجركسي المشهور، المتوفّى بـ "المدينة المنوّرة" سنة ١٢٨٧ هـ، ثم هاجر المترجم إلى "البلاد العثمانية" مع طلبته سنة ١٢٨٠ هـ، وبنى قرية جنوبي "دوزجه" بنحو ثلاثة أميال، وتدعى باسمه إلى اليوم، وبنى بها أيضًا مدرسة كثيرة الغرف لطلبة العلم سنة ١٢٨٤ هـ. واجتمع فيها الطلبة، فاستمرّ على تدريسهم إلى أن بنى أشراف مركز "دوزجه" مدرسة في جنب الجامع الجديد بها، فطلبوه ليدرّس بها، فانتقل من القرية إلى "دوزجه" سنة ١٣٠٣ هـ، فاشتغل بتدريس الطلبة بها، إلى أن بنى خانقاها جانب المدرسة، فانتقل إليه متخلّيًا عن شؤون المدرسة لأنجب تلاميذه، وتفرّغ المترجم لإقراء الفقه والحديث وإرشاد السالكين. ومن شيوخ المترجم أيضا: الشيخ دولت، المتوفّى سنة ١٢٨٤ هـ، والشيخ موسى الأسترخاني المكّي، المتوفّى سنة ١٣٠٢ هـ، صاحب عبد الله الأرزنجاني المكّي، تلميذ مولانا خالد البغدادي، اجتمع به سنة ١٢٨٧ هـ في موسم الحجّ، وبقي عنده مدّة. ومن مشايخ المترجم أيضا: الشيخ أحمد ضياء الدين الكمشخانوي، المولود سنة ١٢٢٧ هـ، والمتوفّى سنة ١٣١١ هـ، وهو عمدة المترجم، وكانت للمترجم، ﵁ يد بيضاء في الفقه والحديث، وقد أقرأ أُمّهات كتب الفقه مرّات و "راموز الأحاديث" مرّات، وكان له شغف عظيم

стр. 2837

بـ "صحيح البخاري"، يختمه مطالعة مع "شرحي ابن حجر والبدر العيني"، ثم يعيده، وهكذا. وقد تلقّى شيخنا من المترجم الفقه والحديث وغيرهما، وأجازه بمروياته عامة، ومنها دعاء الفرج المبارك المسلسل بقول رواته: (كتبته وها هو في جيبي)، توفيّ بـ "دوزجه"، وشيخنا في بلاد الغربة مهاجرًا، وذلك يوم الأربعاء ١٢ من ربيع الآخر سنة ١٣٤٥ هـ عن مائة سنة، رضى الله عنه. وثانيهم: الشيخ إبراهيم حقّي الأكيني، كان آية في الذكاء، وحسن الإلقاء، ولم ير شيخنا مثله في ذلك بين من أدرك من أهل طبقته، وكانت له يد بيضاء في علوم القراءة، والأدب العربي، وكان بارعًا في الأصلين، والمنطق والحكمة، والفقه، تخرّج في العلوم على الشيخ أحمد شاكر المتوفىّ سنة ١٣١٥ هـ، وهو عمدته فيها، وقد تخرّج عليه نحو مائتي عالم في الطبقة الأولى. وكان شيخنا يلازمه في الطبقة الثانية في عدد لا يقلّ عن ذلك، إلى أن مرض في شعبان واستمرّ مريضًا، حتى موته يوم السبت ٢٧ من شوّال سنة ١٣١٨ هـ عن ٥٧ سنة، وهو عمدة شيخنا، ويمينه في العلوم من صرف، ونحو، وبلاغةٍ، وأدب، وفقه، وأصول، وتوحيد، ومصطلح، وتفسير، وحديث، ومنطق، وآداب، وحكمة، إلى غير ذلك، مما كان يدرّس في "الآستانة" وقتئذ، ﵁. وثالثهم: هو الشيخ على زين العابدين الألَصُوني، المولود سنة ١٢٦٨ هـ في "الأصونيا" حيث تعلّم مبادئ العلوم في بلده، ثم رحل إلى "إستانبول"، فحضر درس العلّامة رجب الأرناؤطي، ولما توفّي سنة ١٢٨٩ هـ انتقل إلى درس الشيخ أحمد شاكر، وبه تخرّج في العلوم، وأخذ الحديث عن الشيخ حسن القسطموني.

стр. 2838

وتلقّى برهان الكلنبوي، وغيره من المحقّق الشهير عبد الكريم النادر الألبصاني المتوفّى سنة ١٣٠٠ هـ، ودرّس العلوم في جامع الفاتح. وتخرّج عنده طبقتان من أهل العلم، الأولى نحو مائة عالم، والثانية نحو مائة وأربعين عالِمًا، وكان آية في الورع، حتى إنه بعد أن أتمّ التدريس في الطبقة الثانية تخلّى عن مرتّبه لبيت مال المسلمين مرتئيًا أنه لم يعد يستطيع التدريس، فلم يبق وجه لصلته من بيت المال، فطار هذا الخبر كلّ مطار، فكثر الزوّارُ، فتوهّم متوهّمون مؤامرة سياسية في المتردّدين إليه، فأصابه بعض أذى إلى أن أذاع بين محبّيه، ألا يزوروه، فامتنع من مقابلة الزوّار لهذا العذر إلى الانقلاب الدستوري في الدولة العثمانية سنة ١٣٢٦ هـ. ولَمّا أحيل أمر إصلاح المعاهد الدينية إلى العلّامة محمد خالص الشرواني، المتوفّى سنة ١٣٣١ هـ بتعيينه وكيلا للدرس، اختار المترجم في عداد من اختارهم لمجلس الوكالة، فقبل بعد إلحاح شديد، وعاد إلى ساحة التوظيف بالحكومة، وفي سنة ١٣٢٩ هـ عيّن وكيلا للدرس، ومن نصائحه لشيخنا عندما تخرّج عليه: (إن الدرهم لا يدخل محلًّا إلا ويخرج منه الإخلاص). ولما توفّي الشيخ إبراهيم الأكيني انتقل الأستاذ بوصية منه إلى الألصوني، حيث أكمل عليه العلوم، ونعته بأنه قدوته ومساعده، وشيخه، وملاذه، توفّي المترجم يوم الجمعة ١٨ صفر الخير سنة ١٣٣٦ هـ، ودفن بعد ظهر السبت في مقبرة السلطان محمد الفاتح، رضى الله عنهما. ورابعهم: الشيخ حسن القسطموني، المولود في بلدة طاطاي سنة ١٢٤٠ هـ، تخرّج في العلوم على العلّامة أحمد حازم الصغير النوشهري، المتوفّى سنة ١٢٨١ هـ حفيد أحمد حازم الكبير، المتوفّى سنة ١١٦٠ هـ، وأخذ الحديث والتصوّف عن الكمشخانوي، وهو من أقدم أصحابه، وشارك شيخه في الأخذ عن السيّد أحمد بن سليمان الأروادي المتوفّى سنة ١٢٧٥ هـ حين ما

стр. 2839

ورد "الآستانة" سنة ١٢٦٦ هـ، وأقام بها سنتين يدرّس الحديث بـ "آيا صوفيا"، كما أخذ المترجم عن الشيخ عبد الفتّاح العقري، أحد أوصياء مولانا خالد البغدادي، دفين صالحين "الشام". كان من الموفّقين في الإرشاد ونشر الحديث، وسمع شيخنا عليه "راموز الأحاديث" وغيره، وأجازه سنة ١٣١٨ هـ بما حوى ثبت شيخ المترجم وبمروّياته عامة، توفّي يوم الخميس ٢٣ من صفر سنة ١٣٢٩ هـ عن ٨٩ سنة، ودُفن قرب شيخه الكمشخانوي في مقبرة السلطان سليمان، ﵃. وخامسهم: الشيخ يوسف ضياء الدين التكوشي المولود سنة ١٢٤٥ هـ في "تِكْوَش" بولاية "سلانيك"، ورحل إلى "الآستانة"، ولازم درس العلّامة الحافظ السيّد السيروزي، تلميذ محمد أسعد إمام زاده، ثم تخرّج في العلوم على المحقّق علي الفكري بن بهرام الياقوري المتوفىّ سنة ١٢٩٣ هـ، تلميذ العلامة سليمان الكريدي المتوفّى سنة ١٢٦٨ هـ، وتلقّى المترجم المسلسل بالأولية من الشيخ محمد بن علي التميمي المتوفّى بـ "الآستانة" سنة ١٢٨٧ هـ، وأخذ منه "المطول" في سنتين، وللمترجم غير ذلك المشايخ، إلا أن الياقوري هو عمدته. وقد سمع شيخنا من المترجم حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وكان المترجم شيخا طوالًا، نيّر الوجه، مهيبًا على سيرة السلف الصالح، ومن مناقبه: أنه كان لا يخاف لومة لائم في بيان الحق، وذلك أن بعض المخذولين من كبار رجال المعارف في حدود سنة ١٣٢٠ هـ رفع تقريرا عن أن في "ردّ المحتار" لابن عابدين كلمة ماسّة تثير الخواطر، وهى قوله في كتاب الأشربة: "من قال لسلطان زماننا عادل، فقد كفر"، فصدر الأمر بمصادرة الكتاب، فنهض المترجم، ومعه العلّامة محمد فرهاد بن عمر الريزوي المتوفّى سنة ١٣٤٣ هـ عن ٨٨ سنة، وكان من الشيوخ الهرمين

стр. 2840

مثله، وقابلا السلطان عبد الحميد الثاني المتوفّى بعد خلعه سنة ١٣٣٦ هـ ﵀. وقالا له ما خلاصته: إن العبارة المنسوبة إلى الكتاب موجودة تقريبًا في كلّ كتاب فقهي، وإن مصادرة الكتاب تدمي قلوب المخلصين، ومثل هذا العرض كان يعدّ جرأة بالغة في ذلك العهد، فأمر السلطان بإعادة الكتب إلى أصحابها، ونفى ذلك الموظّف الكبير صاحب التقرير إلى إحدى الولايات البعيدة على أن يكون شاويشًا خادمًا بسيطًا في البلدية. قلت: إن هذه الحسنة من السلطان الذي كان لا رادّ لأمره وقت ملكه نزولا على حكم عالمين جليلين تغمر في بحرها كثيرًا من سيئاته. اهـ. وتوفّي التكوشي في ٢٩ من صفر سنة ١٣٣٩ هـ، ودُفن في مقبرة الفاتح، رضي الله تعالى عنهما. هذه صفحات ناصعة من سير رجال، طلّقوا الدنيا، ورغبوا في الآخرة، طمعا فيما عند الله تعالى من عظيم الأجر، وخالد النعيم، وقد اخترت هؤلاء الخمسة من شيوخ الأستاذ الكثير، وكلّهم كان عظيمًا جليلًا، يجمع بين العلم، والعمل، والتقوى، والصلاح، واقتصرت على هؤلاء عزوفا عن الإطالة، والله ينفعنا بهم، وبلعومهم التي كانت لشيخنا الكوثري فضل إيصالها إلينا. وللشيخ الكوثري كما ذكرت من قبل نظم ونثر، وطريقته في النثر يعرفها كلّ من طلب العلم عليه، وكثيرًا ما كنت أقرأ مقالًا، يخفي فيه نفسه، فأستشفّها من عباراته، التي يلتزمها في نثره، وكنت أكتب له بذلك، فكان يعجب في أول الأمر، ثم أخذ يسرّ بعد ذلك - وشعره، كما قلت من قبل لا يليق بقدره خلافا لنثره، فشعره دون المتوسّط، ولكن نثره يعدّ من أبلغ وأجود ما كتب في العربية، على الرغم من أنه لم يكن عربيًا.
следующие страницы →