بنقل ترجمة خمسة من شيوخه مع ترك الاستطرادات، والاقتصار على ترجمة كلّ شيخ منهم.
فأولهم: والده الشيخ حسن بن علي الكوثري، المولود في "قوقاسية" سنة ١٢٤٥ هـ، وتلقّى العلم هناك من الشيخ سليمان الأزهري المقرئ، المتوفّى شهيدًا سنة ١٢٧٧ هـ، والشيخ موسى الصوبوصي، المتوفّى سنة ١٢٧٦ هـ، والشيخ موسى الحناشي، المتوفىّ سنة ١٣٠٠ هـ، والشيخ حسن الصححي، المتوفّى سنة ١٢٩٥ هـ، تلميذ الشيخ الشامل المجاهد الجركسي المشهور، المتوفّى بـ "المدينة المنوّرة" سنة ١٢٨٧ هـ، ثم هاجر المترجم إلى "البلاد العثمانية" مع طلبته سنة ١٢٨٠ هـ، وبنى قرية جنوبي "دوزجه" بنحو ثلاثة أميال، وتدعى باسمه إلى اليوم، وبنى بها أيضًا مدرسة كثيرة الغرف لطلبة العلم سنة ١٢٨٤ هـ.
واجتمع فيها الطلبة، فاستمرّ على تدريسهم إلى أن بنى أشراف مركز "دوزجه" مدرسة في جنب الجامع الجديد بها، فطلبوه ليدرّس بها، فانتقل من القرية إلى "دوزجه" سنة ١٣٠٣ هـ، فاشتغل بتدريس الطلبة بها، إلى أن بنى خانقاها جانب المدرسة، فانتقل إليه متخلّيًا عن شؤون المدرسة لأنجب تلاميذه، وتفرّغ المترجم لإقراء الفقه والحديث وإرشاد السالكين.
ومن شيوخ المترجم أيضا: الشيخ دولت، المتوفّى سنة ١٢٨٤ هـ، والشيخ موسى الأسترخاني المكّي، المتوفّى سنة ١٣٠٢ هـ، صاحب عبد الله الأرزنجاني المكّي، تلميذ مولانا خالد البغدادي، اجتمع به سنة ١٢٨٧ هـ في موسم الحجّ، وبقي عنده مدّة.
ومن مشايخ المترجم أيضا: الشيخ أحمد ضياء الدين الكمشخانوي، المولود سنة ١٢٢٧ هـ، والمتوفّى سنة ١٣١١ هـ، وهو عمدة المترجم، وكانت للمترجم، ﵁ يد بيضاء في الفقه والحديث، وقد أقرأ أُمّهات كتب الفقه مرّات و "راموز الأحاديث" مرّات، وكان له شغف عظيم
стр. 2837
بـ "صحيح البخاري"، يختمه مطالعة مع "شرحي ابن حجر والبدر العيني"، ثم يعيده، وهكذا.
وقد تلقّى شيخنا من المترجم الفقه والحديث وغيرهما، وأجازه بمروياته عامة، ومنها دعاء الفرج المبارك المسلسل بقول رواته: (كتبته وها هو في جيبي)، توفيّ بـ "دوزجه"، وشيخنا في بلاد الغربة مهاجرًا، وذلك يوم الأربعاء ١٢ من ربيع الآخر سنة ١٣٤٥ هـ عن مائة سنة، رضى الله عنه.
وثانيهم: الشيخ إبراهيم حقّي الأكيني، كان آية في الذكاء، وحسن الإلقاء، ولم ير شيخنا مثله في ذلك بين من أدرك من أهل طبقته، وكانت له يد بيضاء في علوم القراءة، والأدب العربي، وكان بارعًا في الأصلين، والمنطق والحكمة، والفقه، تخرّج في العلوم على الشيخ أحمد شاكر المتوفىّ سنة ١٣١٥ هـ، وهو عمدته فيها، وقد تخرّج عليه نحو مائتي عالم في الطبقة الأولى.
وكان شيخنا يلازمه في الطبقة الثانية في عدد لا يقلّ عن ذلك، إلى أن مرض في شعبان واستمرّ مريضًا، حتى موته يوم السبت ٢٧ من شوّال سنة ١٣١٨ هـ عن ٥٧ سنة، وهو عمدة شيخنا، ويمينه في العلوم من صرف، ونحو، وبلاغةٍ، وأدب، وفقه، وأصول، وتوحيد، ومصطلح، وتفسير، وحديث، ومنطق، وآداب، وحكمة، إلى غير ذلك، مما كان يدرّس في "الآستانة" وقتئذ، ﵁.
وثالثهم: هو الشيخ على زين العابدين الألَصُوني، المولود سنة ١٢٦٨ هـ في "الأصونيا" حيث تعلّم مبادئ العلوم في بلده، ثم رحل إلى "إستانبول"، فحضر درس العلّامة رجب الأرناؤطي، ولما توفّي سنة ١٢٨٩ هـ انتقل إلى درس الشيخ أحمد شاكر، وبه تخرّج في العلوم، وأخذ الحديث عن الشيخ حسن القسطموني.
стр. 2838
وتلقّى برهان الكلنبوي، وغيره من المحقّق الشهير عبد الكريم النادر الألبصاني المتوفّى سنة ١٣٠٠ هـ، ودرّس العلوم في جامع الفاتح.
وتخرّج عنده طبقتان من أهل العلم، الأولى نحو مائة عالم، والثانية نحو مائة وأربعين عالِمًا، وكان آية في الورع، حتى إنه بعد أن أتمّ التدريس في الطبقة الثانية تخلّى عن مرتّبه لبيت مال المسلمين مرتئيًا أنه لم يعد يستطيع التدريس، فلم يبق وجه لصلته من بيت المال، فطار هذا الخبر كلّ مطار، فكثر الزوّارُ، فتوهّم متوهّمون مؤامرة سياسية في المتردّدين إليه، فأصابه بعض أذى إلى أن أذاع بين محبّيه، ألا يزوروه، فامتنع من مقابلة الزوّار لهذا العذر إلى الانقلاب الدستوري في الدولة العثمانية سنة ١٣٢٦ هـ.
ولَمّا أحيل أمر إصلاح المعاهد الدينية إلى العلّامة محمد خالص الشرواني، المتوفّى سنة ١٣٣١ هـ بتعيينه وكيلا للدرس، اختار المترجم في عداد من اختارهم لمجلس الوكالة، فقبل بعد إلحاح شديد، وعاد إلى ساحة التوظيف بالحكومة، وفي سنة ١٣٢٩ هـ عيّن وكيلا للدرس، ومن نصائحه لشيخنا عندما تخرّج عليه: (إن الدرهم لا يدخل محلًّا إلا ويخرج منه الإخلاص).
ولما توفّي الشيخ إبراهيم الأكيني انتقل الأستاذ بوصية منه إلى الألصوني، حيث أكمل عليه العلوم، ونعته بأنه قدوته ومساعده، وشيخه، وملاذه، توفّي المترجم يوم الجمعة ١٨ صفر الخير سنة ١٣٣٦ هـ، ودفن بعد ظهر السبت في مقبرة السلطان محمد الفاتح، رضى الله عنهما.
ورابعهم: الشيخ حسن القسطموني، المولود في بلدة طاطاي سنة ١٢٤٠ هـ، تخرّج في العلوم على العلّامة أحمد حازم الصغير النوشهري، المتوفّى سنة ١٢٨١ هـ حفيد أحمد حازم الكبير، المتوفّى سنة ١١٦٠ هـ، وأخذ الحديث والتصوّف عن الكمشخانوي، وهو من أقدم أصحابه، وشارك شيخه في الأخذ عن السيّد أحمد بن سليمان الأروادي المتوفّى سنة ١٢٧٥ هـ حين ما
стр. 2839
ورد "الآستانة" سنة ١٢٦٦ هـ، وأقام بها سنتين يدرّس الحديث بـ "آيا صوفيا"، كما أخذ المترجم عن الشيخ عبد الفتّاح العقري، أحد أوصياء مولانا خالد البغدادي، دفين صالحين "الشام".
كان من الموفّقين في الإرشاد ونشر الحديث، وسمع شيخنا عليه "راموز الأحاديث" وغيره، وأجازه سنة ١٣١٨ هـ بما حوى ثبت شيخ المترجم وبمروّياته عامة، توفّي يوم الخميس ٢٣ من صفر سنة ١٣٢٩ هـ عن ٨٩ سنة، ودُفن قرب شيخه الكمشخانوي في مقبرة السلطان سليمان، ﵃.
وخامسهم: الشيخ يوسف ضياء الدين التكوشي المولود سنة ١٢٤٥ هـ في "تِكْوَش" بولاية "سلانيك"، ورحل إلى "الآستانة"، ولازم درس العلّامة الحافظ السيّد السيروزي، تلميذ محمد أسعد إمام زاده، ثم تخرّج في العلوم على المحقّق علي الفكري بن بهرام الياقوري المتوفىّ سنة ١٢٩٣ هـ، تلميذ العلامة سليمان الكريدي المتوفّى سنة ١٢٦٨ هـ، وتلقّى المترجم المسلسل بالأولية من الشيخ محمد بن علي التميمي المتوفّى بـ "الآستانة" سنة ١٢٨٧ هـ، وأخذ منه "المطول" في سنتين، وللمترجم غير ذلك المشايخ، إلا أن الياقوري هو عمدته.
وقد سمع شيخنا من المترجم حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وكان المترجم شيخا طوالًا، نيّر الوجه، مهيبًا على سيرة السلف الصالح، ومن مناقبه: أنه كان لا يخاف لومة لائم في بيان الحق، وذلك أن بعض المخذولين من كبار رجال المعارف في حدود سنة ١٣٢٠ هـ رفع تقريرا عن أن في "ردّ المحتار" لابن عابدين كلمة ماسّة تثير الخواطر، وهى قوله في كتاب الأشربة: "من قال لسلطان زماننا عادل، فقد كفر"، فصدر الأمر بمصادرة الكتاب، فنهض المترجم، ومعه العلّامة محمد فرهاد بن عمر الريزوي المتوفّى سنة ١٣٤٣ هـ عن ٨٨ سنة، وكان من الشيوخ الهرمين
стр. 2840
مثله، وقابلا السلطان عبد الحميد الثاني المتوفّى بعد خلعه سنة ١٣٣٦ هـ ﵀.
وقالا له ما خلاصته: إن العبارة المنسوبة إلى الكتاب موجودة تقريبًا في كلّ كتاب فقهي، وإن مصادرة الكتاب تدمي قلوب المخلصين، ومثل هذا العرض كان يعدّ جرأة بالغة في ذلك العهد، فأمر السلطان بإعادة الكتب إلى أصحابها، ونفى ذلك الموظّف الكبير صاحب التقرير إلى إحدى الولايات البعيدة على أن يكون شاويشًا خادمًا بسيطًا في البلدية.
قلت: إن هذه الحسنة من السلطان الذي كان لا رادّ لأمره وقت ملكه نزولا على حكم عالمين جليلين تغمر في بحرها كثيرًا من سيئاته. اهـ. وتوفّي التكوشي في ٢٩ من صفر سنة ١٣٣٩ هـ، ودُفن في مقبرة الفاتح، رضي الله تعالى عنهما.
هذه صفحات ناصعة من سير رجال، طلّقوا الدنيا، ورغبوا في الآخرة، طمعا فيما عند الله تعالى من عظيم الأجر، وخالد النعيم، وقد اخترت هؤلاء الخمسة من شيوخ الأستاذ الكثير، وكلّهم كان عظيمًا جليلًا، يجمع بين العلم، والعمل، والتقوى، والصلاح، واقتصرت على هؤلاء عزوفا عن الإطالة، والله ينفعنا بهم، وبلعومهم التي كانت لشيخنا الكوثري فضل إيصالها إلينا.
وللشيخ الكوثري كما ذكرت من قبل نظم ونثر، وطريقته في النثر يعرفها كلّ من طلب العلم عليه، وكثيرًا ما كنت أقرأ مقالًا، يخفي فيه نفسه، فأستشفّها من عباراته، التي يلتزمها في نثره، وكنت أكتب له بذلك، فكان يعجب في أول الأمر، ثم أخذ يسرّ بعد ذلك - وشعره، كما قلت من قبل لا يليق بقدره خلافا لنثره، فشعره دون المتوسّط، ولكن نثره يعدّ من أبلغ وأجود ما كتب في العربية، على الرغم من أنه لم يكن عربيًا.
стр. 2841
فمن مأثور نثره قوله: (اللامذهبية قنطرة اللادينية) وهو قول لو تدبّره المنصف لوجده من جوامع الكلم، فإن للشيطان تلبيسات، وهو يزين للمرء الوقوع في اللمم، ولا يزال به، حتى يجرئه على ارتكاب الكبائر، والمذاهب الإسلامية كلّها توصل إلى السعادة الدنيوية، وإلى الجنة في الآخرة، فهي أشبه بعدّة طرق، توصل إلى مدينة، فالسالك في أيّ طريق منها واصل.
أما الذى يسير في هذا الطريق حينا، ثم يعرج إلى الآخر، ثم يحاول تجربة الثالث، ثم يسعى إلى سلوك الرابع، ينتهي به الأمر إلى التيه في الشعاب، وتلتوي عليه المسالك والطرق، فلا يصل أبدًا.
وكذلك اللامذهبية مهما تزيّنها الوساوس وتزيّف بريقها الكاذب، فإنها تؤدّي إلى التهاون، فالاستخفاف، فالجحود، وذلك لأن الأئمة المتبوعين رضوان الله علهيم التزم كلّ منهم من قواعد الكتاب والسنّة ما فتح الله به عليه، ولهم شروطهم في النسخ، ودرجات الحديث، ومفهوم الحروف والإجماع والتمييز بين الصحابة، وعمل أهل المدينة، والقياس، والاستحسان، وغير ذلك مما يعرفه أهله.
فإذا اتّبع الإنسان مذهبا، فمعنى ذلك أنه رجح أدلّته، فإذا عاد إلى آخر، فمعناه أنه ارتاح إلى براهينه، فإذا انتقل إلى ثالث بدأ الخلط والوسواس يعتريه. أما إذا أراد أن يأخذ من كلّ مذهب ما يوافق هواه، فقد أصبح ممن يحتكمون إلى الهوى، وهوى النفس أعظم أسباب تردّيها وإتعاسها والتشريع لا يكون عن هوى، ومن المستحيل أن تكون في خلق السلف الصالح الذين شرعوا،. وأنا لا أريد التعرّض لعلماء هذا الزمن، ولا أنكر أن منهم الصالح التقي، والعامل النقي، ولكن لا يمكنني ولا يمكن سواي أن يتغافل عن انكباب معظمهم على الدنيا، وحرصهم على زحرفها، وتعلّقهم بأسبابها، فإذا وجد بيننا اليوم من يُضرب ليلي القضاء،
стр. 2842
فيعتذر عزوفًا عن مناصب الدنيا،. أو من يمشي في "المدينة المنوّرة" حافيًا، حتى لا يطأ بنعليه موضعًا وطئه النبي ﷺ ، أو من يجلد، لأنه امتنع عن مجاراة الخليفة على ما لا يعتقده في القرآن الكريم، إذا وجد أمثال هؤلاء قبلنا منهم أن يضعوا لنا تشريعًا موحّدًا، ومذهبًا مفردًا، أما والحال كما نرى في كلّ بلاد الإسلام فلنعضّ بالنواجذ على مذاهب السلف الصالح، ولا نحاول خلطها ولا مزجها، فكلّ مذهب منها فيه الغناء والكفاء لجميع التشريعات العصرية من غريبة أو شرقية، ويزيد عليها بسموّ أصله، وطهارة منبعه، واستمداده من الله ورسوله، وليتمسّكْ كلّ منا بمذهبه، كما وصل إليه من سلفه الصالح، ولنعلم أن في اختلافهم من التيسير، والألطاف الخفية ما يجعل الجملة الخالدة (اختلافهم رحمة) من روائع الحكم.
ومن مأثور قول الأستاذ أيضًا: (نفي الوجود بعدم الوجدان ليس بجيد)، وهذه حكمة نفيسة، لأن المرء قد يتعجّل، فيقطع بنفي ما لا يجده، وقد يتابعه سواه، فيشتهر الخطأ، ويكون عليه وزره، أما إذا قطع بما يعلم، وتوقّف فيما يجهل، فإن ذلك يكون أولى بالباحث، وأعود بالنفع عليه وعلى غيره.
ومن مأثور قوله أيضًا: (والفقه صلح لكلّ زمان ومكان في أيام مجد الإسلام، فلا يعقل ألا يصلح لهذا الزمان الذى ظهر فيه للعيان مبلغ الخلل في أنظمة الغرب، حتى أصبحت المجتمعات عرضة للانحلال من فساد تلك الأنظمة)، وذلك في مقدمة مؤلّفه "الإشفاق"، ثم قوله في الصفحة التالية عن مسايرة العابثين بالطلاق بتعبيد طرق لهم: (بل هذه المسايرة تزيد في فتك المرض بهم، وتوجب اتّساع الخرق على الراقع، وتزيل حكمة استباحة الأبضاع بكلمة الله سبحانه من حصول البركة في الحرث والنسل بإقامة كلمة بعض المتفيهقين "المتمجهدين" الذين ليس لأهوائهم قرار مقام كلمة
стр. 2843
الله ﷻ في ذلك، وليس بالأمر الهيّن الخروج عما يفقهه الأئمة المتبرّعون إلى أقوال شذاذ ما صدرت تلك الأقوال منهم إلا غلطًا أو إلى آراء رجال متّهمين أظناء، يسعون في الأرض فسادًا، إذ زيّن الشيطان لهم سوء عملهم، وهذه المسايرة هي التي أدّت إلى تخلّي الفقه عن كثير من أبوابه في المحاكم بأيدي أبنائه الذين عقوه، وليس ذلك ناشئًا من عدم صلاحية الفقه لكلّ زمان ومكان، بدون تقويض دعائمه أو قصّ خوافيه مع قوادمه) اهـ.
ومن مأثور نظمه قوله ضمن قصيدته حنين المتفجّع وأنين المتوجّع، التي طبعها في "قسطموني" في ١٢ من صفر سنة ١٣٣٧ هـ، أي بعد أسبوع من الهدنة، التي أنهت الحرب العالمية الأولى، وعدة القصيدة ٥٥ بيتًا، وفيها يقول:
أرض مقدسة عنا قد انتُزعت … آياتها انتبذت فالعيش مملول
أعلامها انتكست صلبانها ارتفعت … تتلى بها اليوم توراة وإنجيل
بلا (صلاح) فهل ترجى استعادتها … وما الصلاح لنا في الكون مأمول
وفي البيت الثالث تورية بين الصلاح ضدّ الفساد، وبين اسم السلطان صلاح الدين يوسف المتوفى سنة ٥٨٩ هـ، ومستعيد "القدس" من الصليبيين في رجب سنة ٥٨٣ هـ، وليت شعري ماذا عسى شيخنا قائله، وقد أصبحت الأرض المقدّسة حكرًا لليهود، بعد أن طردوا منها العرب، وباقي سكّانها من مسلمين ونصارى، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وقوله في مطلع قصيدته التى سمّاها النظم العتيد لتوسّل المريد برجال الطريقة النقشبنذية الخالدية الضيائية:
حَمْدًا لمن أبدع الأكوان من عدم … هو الغفور لعبد عاد بالندم
ثم الصلاة على مهدي طرائقنا … محمد شمس رشد ضاء في الظلم
كذا على الآل والأصحاب قاطبة … هم النجوم فنستهدي بهديهم
стр. 2844
يارب سهّل صعابيب السلوك لنا … وجد بفيض ووصل غير منفصم
بجاه أحمدنا الهادي الشفيع غدًا … وذا وسيلتنا في الحلّ والحرم.
وأختم هذا الفصل بقولي: إن أستاذنا ﵁ بلغ قدره في بقاع الإسلام مبلغًا جليلًا، فكان العلماء ينقلون عنه في مصنّفاتهم، كما فعل مولانا ظفر أحمد التهانوي (١) في كتابه "إعلاء السنن"، حيث قال في ص ٥١٦ من الجزء الحادي عشر طبع الهند سنة ١٣٥٧ هـ، ما نصّه: "وبعد، فلمّا كان وقوع الطلاق في الحيض ووقوع الطلقات الثلاث بلفظ واحد جملة واحدة مما قد كثر فيه الشغب، واعتنى بالبحث عنه كثير من أهل العلم أصحاب المعالي والرتب، وكان من أحسن ما صنّف في الباب كتاب "الإشفاق على أحكام الطلاق" للعلامة محمد زاهد الكوثري المصري، أطال الله بقاءه، ومتّع المسلمين ببركات أنفاسه القدسية، أحببت أن أذكر هنا ما ذكره مما لم أذكره في "الإعلاء"، ولا الحبيب في "الإنقاذ" ولخّص بعد ذلك أكثر مباحث "كتاب الإشفاق"، ونقل منه عشرات الصفحات، وقوله المصري هو على اصطلاح المحدّثين في ذكر آخر موطن للمترجم، كأن يقال عن ابن منظور الإفريقي ثم المصري -وقد سبق أن الأستاذ الكوثري جركسي الأصل، أناضولي المولد، إستامبولي النشأة، مصري الهجرة والوفاة- وقوله في آخر كلامه: ولا الحبيب في الإنقاذ يقصد حبيب أحمد الكيرانوي مؤلّف "الإنقاذ من الشبهات"
стр. 2845
في إنفاذ المكروه من الطلقات ضمنه صاحب "إعلاء السنن" في مؤلّفه في الجزء الحادي عشر المذكور آنفًا (١).
والآن وقد فرغت من سرد سيرة رجل طلب العلم لله، وعمل في دنياه بما يسعده في أُخراه، وكان مثالا يُحتذى في إخلاصه وتقواه، وإمامًا يقتدى في دينه وهداه، لا يسعني قبل أن أترك القلم، إلا سؤال الله ، له الرحمة والرضوان، وفسيح الفردوس وأعلى الجنان، وأن يجزيه عن علمه وصبره وجهاده وهجرته خيرًا، وأن يجزل لنا في فقده ثوابًا، ويعظم لنا أجرًا، وأن يوفّقنا لترسّم خطواته، والانتفاع بنفحاته، والإفادة من مؤلّفاته، وأن يفيض علينا من بركاته بجاه النبي ﷺ وسيلة كلّ مؤمن في الدنيا، وشفيعه في الآخرة، وإمامه إلى الجنّة، وصلى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله وصبحه، والحمد لله ربّ العالمين.
تلامذته مرتبة أسماء من تعيه الذاكرة منهم على حروف المعجم:
أرى قبل سرد بعض الأسماء التي أعرفها الإشارة إلى أن الأستاذ ﵁ درّس في "الآستانة"، وفي غيرها مدّة طويلة، وأنه كان لا يشاركه، أو يقاربه أحد من أهل طبقته في عدد التلاميذ، الذين كانوا يحضرون حلقات دروسه حيث بلغوا المئات، وإني أشكر كلّ من يتفضّل منهم، فيكتب لي بأسماء من يعرف من زملائه في الحضور على الأستاذ، وعنواني "روضة خيري باشا دسونس بحيرة القطر المصري"، فلعلّي أستطيع سرد أكبر عدد منهم في طبعة مقبلة إن شاء الله تعالى.
هذا فيما يتعلّق بتلامذته الذين حضروا عليه قبل هجرته.
стр. 2846
أما الذين استجازوه فهم يبلغون المئات أيضًا، وذلك لأن ثبته "التحرير الوجيز" طبع منه ٣٠٠ نسخة -ولم يبق منه نسخة واحدة تحت يده- بل كان ينوي إعادة طبعه قبيل موته، لكثرة من كانوا يستجيزونه، ويلاحظ أنه كتب إجازات كثيرة قبل طبع ثبته المذكور.
وقد أجازني بأكثر من إجازة بخطّه، كما أن الأستاذ أمين سراج نسخ لنفسه بخطّ يده إجازة وقّع له الأستاذ عليها، كما أفاد السيّد حسام الدين القدسي، فمن ذلك يتبيّن أن المستجيزين زادوا على ثلاثمائة، وأظنّ أن آخر إجازة بثبته حرّرها للأستاذ فؤاد السيّد عمارة بدار الكتب المصرية، وقد أرانيها، وتاريخها في شهر رمضان سنة ١٣٧١ هـ، أي قبل وفاة الأستاذ، ﵁ بشهرين.
أما تلامذته بعد هجرته، فإن عددهم قليل، وذلك لأن الأستاذ اشتغل بعد الهجرة بالمطالعة والتعليق والتأليف، ولم يتعرّض للتدريس العام، ولكنّه كان لا يمتنع عن تدريس من يلجأ إليه، كما حدث مع الفقير مؤلّف هذه الرسالة، ومع سواه من الإخوان.
وأنا إذا أكتب أسماء بعض التلامذة، الذين تيسّر لي إحصاؤهم أتبع كلّ اسم ببيان موضع تلمذته، واسم من أخبرني به، إلا إذا كان ذلك معروفًا لدىّ بمشاهدتي، وهذه هي الأسماء:
١ - حاجي جمال الألَصوني، واعظ في "إستانبول" في جامع السلطان بايزيد، وهو من تلامذة الأستاذ قبل هجرته، كما أفاد القدسي.
٢ - السيّد حسام الدين القدسي، صاحب مكتبة القدسى بـ "مصر"، وناشر "الضوء اللامع" في ١٢ جزءًا، و"مجمع الزوائد" في عشرة أجزاء، و"شذرات الذهب" في ٨ أجزاء، عرفه الأستاذ في رحلته إلى "الشام" بعد
стр. 2847
هجرته، وتتلمّذ عليه، وأفاد منه، ونشر بإشارته كثيرًا من الكتب النافعة، وقد اهتمّ بعد موت الأستاذ للقيام بجمع مقالاته والمشاركة في نشرها، وهو الذي جمع لي بعض أسماء تلامذته.
٣ - الشيخ حسين بن إسماعيل أطاي بكلية الشريعة بـ "بغداد" تتلمّذ للأستاذ بعد هجرته، كما أفاده القدسي.
٤ - البرنس حسين خير الدين ابن بنت السلطان عبد العزيز العثماني المتوفّى سنة ١٢٩٣ هـ -كان من تلامذة الأستاذ قبل هجرته- ورأيته بـ "مصر" بمنزل الأستاذ، يقرأ عليه "دلائل الخيرات" ليستجيزه بها، حرصًا على دوام الصلة العلمية بينهما، فيكون ممن جمع بين الحسنيين، وقد جمع أيضًا بين حسن الخلَق (بفتح الخاء)، وحسن الخلُق (بضم الخاء)، وعليه سمت العلماء وزيّهم، وهيبة الأمراء ووقارهم، وخطّه من أجمل ما رأيت.
٥ - الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة، كان يطلب العلم بـ "الأزهر"، واشتغل بعد تخرّجه بالتدريس في بلدته "حلب"، رأيته أكثر من مرّة بـ "مصر" يسأل الأستاذ، ويستمليه، ويكتب عنه، وبلغ من شدّ تعلّقه به أن نسب نفسه إليه، فهو الشيخ عبد الفتّاح أبو غدّة الحنفي الكوثري، وهو من تلامذته بعد هجرته.
٦ - الشيخ عبد الله بن عثمان الحمصي الجركسي الأصل، وهو الذي لازم الأستاذ في أواخر أيامه حتى موته، ومن المهتمين لجمع ونشر مقالاته، وكان الأستاذ يزوره في غرفته بمدرسة محمد بك أبي الذهب في ميدان الأزهر، وهو من تلامذته بعد هجرته.
٧ - السيد عزّت العطّار الحسيني، ناشر الكتب النافعة، كان يقرأ على الأستاذ تجارب ما ينشره، ونشر له من مؤلّفات "تأنيب الخطيب"، وهو من تلامذته بعد هجرته.
стр. 2848
٨ - الشيخ على آق صوي الواعظ في "أزمير"، من تلامذة الأستاذ قبل هجرته، كما أفاده القدسي، وزاد بأنه كان رئيس الوعّاظ، ثم صار مفتيًا بـ "أندرمة" بقرب "إستانبول".
٩ - الشيخ محمد إبراهيم الختني ثم المدني الشهير باسم الحاج إبراهيم الختني، وهو الذي ألف الأستاذ من أجله رسالته في ابن أركماس، كما مرّ في ص ٤٢، حضر "مصر" في أواخر أيام الأستاذ، واجتمع به، وكان ممن صلّوا عليه وشيّعوه، كان شديد التعلّق بالأستاذ، وتتلمذ له بالمكاتبة، وهو في "المدينة المنوّرة"، ثم أراد الله له أن يلقاه قبل موته، فلقيه بـ "مصر"، كما سلف القول.
١٠ - الشيخ محمد إحسان بن عبد العزيز من أقدم تلامذة الأستاذ بعد هجرته، كما أفاده القدسي، وهو الآن مدرّس اللغة التركية في جامعة إبراهيم بـ "القاهرة"، وشيخ تكية السلطان محمود في درب الجماميز ومعرب كتاب (العاهل العثماني أبو الفتح السلطان محمد الثاني فاتح "القسطنطينية" وحياته العدلية)، الذي طبع بـ "مصر". سنة ١٣٧٢ هـ.
١١ - الأستاذ محمد أمين سراج بن مصطفى في كلية الشريعة بالأزهر الشريف بـ "مصر" تركي الأصل، وهو من تلامذة الأستاذ بعد هجرته، وأجازه الأستاذ، كما أفاد القدسي.
١٢ - الأستاذ محمد رشاد عبد المطلب بالإدارة الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية، رأيته أكثر من مرة بمنزل الأستاذ يتلقّى منه، ويستفيد، وهو من تلامذته بعد هجرته.
١٣ - الشيخ مصطفى عاصم، كان بـ "مصر، وأجازه الأستاذ، كما أفاده القدسي.
стр. 2849
فهؤلاء هم تلامذة الأستاذ، الذين وعتهم الذاكرة أو أرشدت إليهم، ولم أذكر اسمي في هذا السجل، لأني كرهت أن أتقدّم عليهم بحكم حروف المعجم - وقد سبق في هذا المؤلّف -أكثر من مرة- أني تتلمّذت للإمام الكوثرى، رضى الله عنه بعد هجرته وأفدت منه كثيرًا لمدة سنوات طويلة.
على أن الكوثري كانت له رسالة نبيلة في الحياة، هي أبقى أثرًا، وأدوم خلودًا من تلامذته، وقد بيّنها في مؤلّفاته، وسيتبين للناس يومًا ما، أن الرجل كان من المجاهدين الصادقين في صمت وإخلاص ويقين، وأنه كان ينشر العلم لوجه الله، ويدافع عن الدين ابتغاء مرضاة الله.
وإذا كانت الظروف جعلت شهرة الرجل، على انتشارها في حياته، أقلّ من حقيقته وفضله، ودون خلقه وعلمه ونبله، إلا أن الأيام كفيلة بإصلاح هذا، وسيأتي يوم إن شاء الله تعالى يعرف فيه الناس جميعًا من هو الكوثري، وما هي مؤلّفاته القيّمة النافعة، المباركة الناجعة، فإن عرف العطر يضوع، ولا يضيع، وأريج الرند مهما حصرته، فإنه ينتشر، ويشيع، وشذا الورد لم يخلق ليحبس، وإنما لينمو، ويذيع.
وإذا أنكر مزكوم نفح العطور، وطيب المسك والعبير، وحاول تجاهل ذلك، فإن الزكام سيزول يومًا ما، ويبقى للطيب أثره الخالد، وعبقه التالد.
والآن وقد تمّ ما التزمته في مقدمة هذا الكتاب، أرى من المناسب ذكر سند الإمام الكوثري في الفقه إلى إمام المذهب رضى الله عنهما. ثمّ إلى إمام الأئمة صلى الله تعالى عليه وسلم، لينتفع به من يتعسّر عليه الحصول على نسخة من "التحرير الوجيز".
كما أني رأيت أن أتّبع هذا السند قصيدة نظمتها يوم الخميس ١٩ من ذي القعدة سنة ١٣٧٢ هـ بمناسبة مرور سنة على انتقال الأستاذ، ﵁ إلى رحمة الله تعالى ونعيمه وغفرانه وجواره وجنّاته ورضوانه.
стр. 2850
سند الإمام الكوثري في الفقه إلى إمام المذهب أبي حنيفة النعمان، ثم إلى إمام الأئمة، وسيّد سادات هذه الأمة:
تفقّه مولانا الكوثري المتوفى بـ "مصر" سنة ١٣٧١ هـ على والده، وعلى الأستاذين: الحافظ إبراهيم حقي الأكيني، وعلى زين العابدين الألصوني، كما سلف القول.
فالأول المتوفى سنة ١٣٤٥ هـ كما مرّ، عن الشيخ أحمد ضياء الدين الكُمُشْخانوي المتوفى سنة ١٣١١ هـ، عن السيّد أحمد بن سليمان الأروادي المتوفى سنة ١٢٧٥ هـ، عن العلامة محمد أمين الشهير بابن عابدين المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ، وسنده مشهور في ثبته المطبوع، وبهذا السند ساق المترجم إجازته لي بالقدوري. وقد سلفت الإشارة إليها. وفيه هبة الله البعلي المتوفى سنة ١٢٢٤ هـ، وصالح بن إبراهيم الجينيني المتوفى سنة ١١٧٠ هـ وغيرهما من عيون المذهب الحنفي، رضى الله عنهم، وأرضاهم.
والأخيران أي الألصوني المتوفى سنة ١٣٣٦ هـ، والأكيني المتوفى سنة ١٣١٨ هـ، أخذا عن الحافظ أحمد شاكر المتوفى سنة ١٣١٥ هـ، عن الحافظ محمد غالب المتوفى سنة ١٣٨٦ هـ، عن سليمان بن الحسن الكريدي المتوفى سنة ١٢٦٨ هـ، عن إبراهيم بن محمد الإسبيري المتوفى سنة ١٢٥٥ هـ، عن على الفكري بن محمد صالح الأخِسْخوي المتوفى سنة ١٢٣٦ هـ، عن محمد منيب العينتابي المتوفى سنة ١٢٣٨ هـ، عن إسماعيل بن محمد القونوي المتوفى سنة ١١٩٥ هـ، عن عبد الكريم القونوي الآمدي المتوفى سنة ١١٥٠ هـ، عن محمد اليماني الأزهري المتوفى سنة ١١٣٥ هـ، عن عبد الله بن محمد النحريري، وشمس الدين محمد المحبي القاهري المتوفى سنة ١٠٤١ هـ، كلاهما عن علي المقدسي المتوفى سنة ١٠٠٤ هـ، عن أحمد بن يونس الشلبي
стр. 2851
المتوفى ٩٤٧ هـ، عن عبد البر ين الشحنة المتوفى سنة ٩٢١ هـ، عن الإمام كمال الدين بن الهمام المتوفى سنة ٨٦١ هـ، عن سراج الدين عمر بن علي قارئ "الهداية" المتوفى سنة ٨٢٩ هـ، عن علاء الدين السيرامي المتوفى سنة ٧٩٠ هـ، عن جلال الدين الكرلاني شارح "الهداية"، عن عبد العزيز البخاري صاحب "كشف الأسرار" المتوفى سنة ٧٣٠ هـ، عن حافظ الدين عبد الله بن أحمد النسفي، المتوفى سنة ٧١٠ هـ، صاحب "الكنز"، عن شمس الأئمة محمد بن عبد الستّار الكردري.
ح وأخذ قارئ "الهداية" عن أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي، صاحب "العناية" المتوفى سنة ٧٩٦ هـ، عن قوام الدين محمد بن نصر البخاري المتوفى سنة ٧١١ هـ، عن حافظ الدين الكبير محمد بن محمد بن نصر البخاري المتوفى سنة ٦٩٣ هـ، عن محمد بن عبد الستار الكردري المتوفى سنة ٦٤٢ هـ، عن صاحب "الهداية" على بن أبي بكر المرغيناني المتوفى سنة ٥٩٣ هـ، عن النجم أبي حفص عمر النسفي المتوفى سنة ٥٣٧ هـ، عن الأخوين البزدويين: فخر الإسلام، وصدر الإسلام، فالأول المتوفى سنة ٤٨٢ هـ أخذ عن شمس الأئمة السرخسي المتوفى سنة ٤٨٣ هـ، شارح "السير الكبير"، وصاحب "المبسوط" المطبوع في ثلاثين جزءا، عن شمس الأئمة الحلواني المتوفى سنة ٤٤٨ هـ، عن الحسين بن خضر النسفي المتوفى سنة ٤٢٤ هـ، عن محمد بن الفضل البخاري المتوفى سنة ٣٨١ هـ، عن عبد الله بن محمد الحارقي المتوفى سنة ٣٤٠ هـ عن محمد بن أحمد بن حفص المتوفى سنة ٢٦٤ هـ عن أبيه أبي حفص الكبير المتوفى سنة ٢١٧ هـ، كما في "تاريخ بخارى" للنرشخي، عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة ١٨٩ هـ.
وأخذ صدر الإسلام المتوفى سنة ٤٩٣ هـ، عن إسماعيل بن عبد الصادق، عن عبد الكريم البزدوي المتوفى سنة ٣٩٠ هـ، عن إمام الهدى أبي
стр. 2852
منصور الماتريدي المتوفى سنة ٣٣٣ هـ، عن أبي بكر أحمد الجوزجاني، عن أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة ١٨٩ هـ، عن إمام المذهب أبي حنيفة النعمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ، عن حماد بن أبي سليمان المتوفى سنة ١٢٠ هـ، عن إبراهيم بن يزيد النخعي المتوفى سنة ٩٥ هـ، عن علقمة بن قيس المتوفى سنة ٦٢ هـ، والأسود بن يزيد المتوفى سنة ٧٥ هـ، وأبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي، القارئ المقرئ، المتوفى سنة ٧٤ هـ، وقيل: ٧٣ هـ، فالأولان عن عبد الله بن مسعود المتوفى سنة ٣٢ هـ ﵁، والسلمي عن سيدنا علي ﵇ المستشهد بـ "الكوفة" في شهر رمضان سنة ٤٠ هـ، وسيدنا علي وابن مسعود عن خاتم النبيين وقائد الغرّ المحجّلين سيّد الأولين والآخرين من ملائكة وجن وإنس وأنبياء ومرسلين، المنتقل إلى الرفيق الأعلى ضحى يوم الاثنين ١٣، من شهر ربيع الأول سنة ١١ إحدى بيب السعشرة، صلَّى الله وسلّم وشرف وكرم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأصفياء المتقين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
ذكرى مرور عام على وفاة فقيد الإسلام الإمام الكوثري بـ "مصر" يوم الأحد ١٩ من ذي القعدة سنة ١٣٧١ هـ، رضى الله عنه.
١ - مضى العام مذ عاد التقي مودعا … وخلى فراغا خلقه لا نطيقه.
٢ - فراغا تجلى في فراق ترددت … له زفرات القلب حين يذوقه.
٣ - فادمع آماقا وأجزع أنفسا … وأحرق أكبادا وكيف حريقه.
٤ - وأعقبنا بعد التأنس وحشة … وحل محل الرأس في العلم سوقه.
٥ - وغاب عن الدنيا بغيبة زاهد … حديث وتوحيد وفقه عريقه.
٦ - فقد كان مرساة إذا غلب الهوى … وطف على موج الفساد غريقه.
٧ - وكنا إذا هبّت زعازع فتنة … ولاحت بتجسيم الغوي بروقه.
стр. 2853
٨ - فزعنا إلى الأستاذ نرجو بيانه … ليذهب زور القول عنا حقيقه.
٩ - فمن يرتجي للدين يحرس دره … ويحميه من زيف تناهي بريقه.
١٠ - ويمنع عنه ملحدا ومشبها … ويرتق منه ما تشت فتوقه.
١١ - ويعصم بالبرهان رأي أئمة … ويقصم شريرا تفشى مروقه.
١٢ - ويقصي عن الدين الحنيف عصابة … يرفرف طير الشؤم فيما تسوقه.
١٣ - تراهم وقد عجوا بمين كضفدع … تضاءل في ضحل وزاد نقيقه.
١٤ - سلام على الدنيا فقد زال زاهد … وغيب بدر لا يرجى شروقه.
١٥ - ونام شيوخ الدين عن بيضة الهدى … وقامت أساليب النفاق وسوقه.
١٦ - فيا رب أرشدنا وأشياخ ديننا … ليبعد عنا فاجر وفسوقه.
١٧ - ويا رب أكرمنا بحرمة سيّد … له الجاه إن جاء المخيف يعوقه.
١٨ - أضاءت به شرق العقيق مدينة … إليها صبا قلبي وحنت عروقه.
١٩ - شفاعته حرز إذا نال لي بها … نزلت بفردوس يجلّ خلوقه.
* * *
١٩٦٥ - الشيخ الفاضل زاهد بن عارف بن جلال اللكنوي الهندي *.
قرأ على أربعين النووي بـ "مكة" في رمضان سنة أربع وتسعين.
* * *
١٩٦٦ - الشيخ الفاضل المحدّث الكبير الفقيه البارع القاضي زاهد بن
стр. 2854
المولى القاضي غلام جيلاني بن المولى القاضي نادر دين بن القاضي جنغ باز الحسيني *.
وكان أبوه عالما كبيرا، شاعرا مجيدا.
ولد يوم السبت ٢٤ صفر المظفّر سنة ١٣١٣ هـ في "شمس آباد" من أكناف "أتَك" من "باكستان".
تلقّى مبادئ العلم على والده وعمّه، وحصَّل العلوم العصرية في عدّة سنين، وتلقّى العلوم الدينية من الشيخ عبد الرحمن الحميدي، والشيخ عبد الله جان.
ثم سافر إلى مظاهر العلوم سهارنبور، وقرأ فيها على الشيخ سراج الدين الرشيدي، والمفتي جميل أحمد التهانوي، والمفتي ظهور الحق، وغيرهم. ثم ارتحل إلى "جامعة دابيل"، وقرأ "صحيح البخاري" على الإمام أنور شاه الكشميري، وكتب الحديث الأخرى على العلامة بدر عالم الميرتهي، والعلامة إدريس السكهروي.
درّس في عدّة مدارس، وسافر للحجّ إلى بيت الله الحرام سنة ١٣٥٧ هـ، فحج، وزار الروضة الشريفة بـ "المدينة المنوره". وسافر إلى بنغلاديش للدعوة والتبليغ سنة ١٣٥٩ هـ.
بايع في الطريقة على يد السيّد حسين أحمد المدني، فهذّب أخلاقه، وكان متواضعا، متخشِعا، صاحب أدب ووقار وهيبة وسكون، مراعيا للشريعة، حافظا لأدب الطريقة، مقبولا عند الخواص والعوام، فصار ذاته الكريم من نوادر الأيام، حسن السمت، مقبول الطريقة، يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، وكان كريم الأخلاق، طاهر اللسان، فأجازه شيخه للإصلاح
стр. 2855
والتلقين، ثم بايع على يد شيخ التفسير العلامة أحمد علي اللاهوري بإيماء السيد المدني.
له مؤلفات كثيرة، منها: "معارف القرآن"، و "ضرورة القرآن"، و "شأن الرسول" ﷺ ، و "عقائد حقه"، و "فقه إسلامي"، و "جراغ محمد"، و "سوانح حضرة حسين أحمد مدني"، و "خلاصه فقه حنفي"، و"تذكرة المفسرين"، و"كشكول معرفت"، و "درس قرآن عزيز"، و"من الظلمات إلى النور"، و"قواعد ترجمه قرآن"، و "ديني لغات" و "رسالة المدينة" باللغة العربية، و"روح الباري على تراجم البخارى"، و "زاد آخرت"، و "مقدمة أنوار المشكاة"، و"أصول حسيني"، و "تذكرة ديار حبيب"، و "أصول ترجمة القرآن"، و "أحكام القرآن"، و "رحمت كائنات"، و"أنوار الحديث"، و"آسان تفسير"، و "نجات دارين"، و "جواهر البخاري"، و "درس حديث" و"أحسن الفوائد"، و "شان صحابه كرام"، "مقام محمود"، و "ظل رحماني"، و "فرائض والدين"، "سيرت صحابه"، و"إصلاح رسوم"، و"سنة الأنبياء"، وغيرها من الكتب والرسائل النفيسة.
توفي ٦ محرم الحرام ١٤١٨ هـ في آخر الليل، روّح الله تعالى روحه، ونوّر ضريحه.
* * *
١٩٦٧ - الشيخ الفاضل زاهد بن محمد بن أسلم الهروي، الكابلي *.
стр. 2856
متكلّم.
من آثاره: "حاشية على المواقف في علم الكلام".
توفي سنة ١١٠١ هـ.
* * *
١٩٦٨ - الشيخ الفاضل زاهد ده بالي *.
عالم ورع في "الديار الرومية" في زمن السلطان عثمان الغازي، جدّ السلاطين (١) العثمانية.
стр. 2857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2860
كان شيخا كبيرا، لقي العلماء العظام بـ "البلاد القرمانية".
قرأ مدّة على نجم الدين مختار الزاهدي.
وأخذ عن فخر الدين بديع بن منصور القزبني، وعن سراج الدين القزبني،
ثم ارتحل إلى "الشام"، وأخذ عن صدر الدين سليمان بن وهب عن محمود الحصيري عن قاضي خان، وبلغ رتبة الكمال، ودرّس، وأفتى، وعمّر مائة وعشرين سنة.
ومات سنة ستّ وعشرين وسبعمائة.
قال الإمام اللكنوي: سماه أحمد بن مصطفى الشهير بطاشكبري زاده في كتابه "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" بالمولى أده بالي، وقال قرأ بـ "البلاد القرمانية"، ثم ارتحل إلى "البلاد الشامية"، وتفقّه على مشايخ "الشام"، واتّصل بخدمة السلطان عثمان، ونال عنده القبول التام، وزوّجه ابنته، ماتتْ بعد وفاته بشهر، وكان عالما، عابدا، مقبول الدعوة، كانوا يتبرّكون بأنفاسه الشريفة.
* * *
стр. 2861
١٩٦٩ - الشيخ الفاضل زبير بن أبي زبير، الأفغاني، الرامبوري *.
أحد الفقهاء الحنفية.
كان معدوم النظير في زمانه في استخراج المسائل الجزئية.
ذكره عبد القادر بن محمد أكرم الرامبوري في كتابه "روز نامه".
* * *
١٩٧٠ - الشيخ الفاضل البارع الفقيه المحدث زبير أحمد الديوبندي، رحمه الله تعالى * *.
ولد سنة ١٣٥٤ هـ، والتحق بدار العلوم الديوبندية سنة ١٣٦٤ هـ.
وقرأ الكتب الدراسية من البداية إلى النهاية فيها، وقرأ كتب الحديث سنة ١٣٨٠ هـ، وتخرج من التخصّصات في العلوم سنة ١٣٨٢ هـ.
ثم عيّن مدرّسا في مدينة العلوم بـ "ناكبور"، فدرّس، وأفاد هناك أربع سنوات، ثم عيّن مدرّسا في دار العلوم ديوبند سنة ١٣٨٦ هـ، فدرّس فيها "سنن النسائي"، و"سنن أبي داود"، و"مشكاة المصابيح"، وغيرها من الكتب مرارا.
ومن مشايخه: فخر المحدّثين السيّد فخر الدين أحمد المراد آبادى، قرأ عليه "صحيح البخاري"، والعلامة إبراهيم البلياوي، قرأ عليه "جامع
стр. 2862
الترمذي"، والشيخ بشير أحمد خان البرني، قرأ عليه "صحيح مسلم"، والشيخ فخر الحسن المراد آبادي، قرأ عليه "سنن النسائي"، و"سنن أبي داود"، والشيخ ظهور أحمد، قرأ عليه "موطأ الإمام مالك"، رواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني، ورواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي المصمودي.
وكان حسن المنظر والمخبر، له صحبة مؤثرة، انتفع به خلق كثير من العلماء والمشايخ.
كان سريع الإدراك، قويّ الحفظ، شديد الانهماك في مطالعة الكتب، والمذاكرة، حريصا على جمع الكتب النفيسة، كثير الإحضار للمسائل الجزئية، وله مشاركة جيّدة في الفقه والأصول والحديث، ونظر واسع على جزئيات المسائل، وكان ذكيا، فطنا، حادّ الذهن، سريع الملاحظة، قانعا، متوكّلا، شديد التعبّد.
ومن تصانيفه: "إيمان النظر في شرح شرح نخبة الفكر"، لم يطبع بعد.
توفي سنة ١٤١٨ هـ.
* * *
آخر الجزء السابع
ويليه الجزء الثامن وأوله: رقم ١٩٧١ ترجمة الإمام زفر
والحمد لله حق حمده
стр. 2863
١٩٧١ - الإمام المجتهد المطلق المقدّم بين أصحا ب أب ي حنيفة أبو الهذيل زفر العنبري البصري بن الهذيل بن (زفر بن الهذيل بن) قيس بن سليم بن مكمل بن قيس بن ذهل بن ذؤيب بن جذيمة بن عمرو بن حنجور بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان على ما ساق ابن خلكان نسبه في "وفيات الأعيان" تبعا للواقدي في غير ما زدته بين قوسين، تعويلا على رواية أبي بشر الدولابي، كما سيأتي *.
وفيما ساق أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" بعض مخالفة لذلك.
وقد ترجم لزفر أبو الشيخ في "طبقات المحدّثين بأصبهان" -وهي محفوظة بظاهرية "دمشق"- وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" - وهو مطبوع في "ليدن".
ولد الإمام زفر بن الهذيل في "أصبهان" سنة ١١٠ هـ في عهد ولاية أبيه هناك، وكانت وفاته بـ "البصرة" سنة ١٥٨ هـ في شهر شعبان فيما ذكره ابن خلكان، فتكون وفاته قبل وفاة المنصور العبّاسي بأربعة أشهر، لأنه توفي في ٧ ذي الحجّة من السنة، وشذّ يعقوب بن شيبة، فقال: توفي زفر في أول خلافة المهدي بن المنصور المذكور، فتابعه من تابعه، لكن الجمهور علي الرواية
стр. 2864
الأولى، وأسند الصيمري إلى يعقوب بن شيبة السدوسي أنه قال: زفر بن الهذيل عنبري من أنفسهم، يكنى أبا الهذيل، وكان قد سمع الحديث، ونظر في الرأي، فغلب عليه، ونسب إليه، ومات بـ "البصرة"، وأوصى إلى خالد بن الحارث، وعبد الواحد بن زياد، وكان أبوه الهذيل يلي الأعمال، ومات وهو والي "أصبهان"، وكان أخوه صباح بن الهذيل على صدقة بن تميم، وزفر هو زوج أخت خالد بن الحارث، ومات في أول خلافة المهدي سنة ثمان وخمسين ومائة.
وأول خلافة المهدي منتصف ذي الحجّة من السنة بعد وفاة والده أبي جعفر المنصور بـ "مكة" سابع ذي الحجّة، فلا تكون وفاة زفر في أول خلافة المهدي ما دامت وفاته في شعبان من السنة كما سبق، وسأعيد الكلام في وفاته في آخر هذه الرسالة، إن شاء الله تعالى.
قال ابن أبي العوام: حدّثني محمد بن أحمد بن حماد عن زكريا بن خلاد الساجي، ثنا الأصمعي قال داود بن يزيد المهلب (١) عن أبيه، فقال لابنه مخلد: استأذن لي على أبيك، فاستأذن له عليه، فدخل، فقال: السلام عليك أيها الأمير! قدرك أعظم من أن يستعان عليك، أو يستعان، (قال جاء زفر بن الهذيل إلى يزيد بن المهلّب وهو في حبس الحجّاج بك، وقد حملت خمسين حمالة، وقد قصدتك. فقال: قد أمرت لك بها، وشفعتها بمثلها. فقال زفر: والله لا أقبل منها شيئا. فقال له يزيد: ولم ذلك؟ قال: إني بذلت لك من وجهي أكثر مما بذلت لي من مالك. فخرج، ولم يقبل منه شيئا. قال ابن أبي العوام: قال أبو بشر (الدولابي): زفر بن الهذيل هذا هو جدّ زفر بن الهذيل
стр. 2865
الفقيه صاحب أبي حنيفة) اهـ. والمهالبة في عهد الدولة الأموية كانوا كالبرامكة في الدولة العباسية في الجود وعلوّ المنزلة، وحال يزيد بن المهلّب في الجود في "تاريخ ابن خلكان" و"تاريخ ابن كثير" وغيرهما. وكان ما بين الحجّاج وبين يزيد بن المهلّب هذا ساء جدا، حتى حبسه الحجّاج على خلاف رضا عبد الملك، وهو يجود هذا الجود، وهو في المحبس، وهذا ما لا نظير له بين الأجواد، وعدم قبول زفر هذا البذل يدلّ على شهامته البالغة، بعد أن رأى أريحية بن المهلّب هذه، وخالد بن الحارث المذكور في كلام يعقوب بن شيبة من بني العنبر، ومن الحفّاظ الثقات.
وقال أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان": كان الهذيل والد زفر بـ "أصبهان" في خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان ينزل قرية "بزاءان"، وكان له ثلاثة بنين: الكوثر، وهرثمة، وزفر. انتهى. ولم يستوف أبو نعيم ذلك ذكر إخوانه، كما رأيت. وقد سبق في كلام يعقوب بن شيبة ذكر صباح بن الهذيل في عداد إخوة زفر. والله أعلم.
اتصال زفر بأبي حنيفة:
قال الصيمري: أخبرنا عبد الله بن محمد الأسدي، قال: أخبرنا أبو بكر الدامغاني الفقيه، قال: أخبرنا الطحاوي، قال: أخبرنا محمد بن عبد اليه بن أبي ثور، قال: أخبرني محمد بن وهب، قال: كان سبب انتقال زفر إلى أبي حنيفة أنه كان من أصحاب الحديث. فنزلت به وبأصحابه مسألة، فأعيتهم، فأتى أبا حنيفة، فسأله عنها، فأجابه في ذلك، فقال له: من أين قلت هذا؟ قال: لحديث كذا، وللقياس من جهة كذا. ثم قال له أبو حنيفة: فلو كانت المسألة كذا ما كان الجواب فيها؟ قال: فكنت فيها أعيا مني في الأول، فقال: الجواب فيها كذا من جهة كذا. ثم زادني مسألة أخرى، وأجابني فيها، وبين وجهها. قال: فرحت إلى أصحابي، فسألتهم عن المسائل، فكانوا فيها أعمى مني، فذكرت لهم الجواب، وبينت لهم
стр. 2866
العلل، فقالوا: من أين لك هذا؟ فقلت: من عند أبي حنيفة. فصرت رأس الحلقة بالثلاث المسائل. ثم انتقل إلى أبي حنيفة، فكان أحد العشرة الأكابر، الذين دوّنوا الكتب مع أبي حنيفة. اهـ.
وساق ابن فضل الله العمري في "مسالك الأبصار" هذا الخبر بنصّه بطريق الطحاوي.
أقوال أهل العلم في زفر:
قال الصيمري: أخبرنا أبو عبد الله المرزباني، قال: حدّثنا أحمد بن محمد المسكي، قال: حدثنا ابن أبي خيثمة، عن أبي الحسن المدائني، قال: زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة عنبريّ. وقال أيضا: أخبرنا المرزباني، قال: حدثنا الحسن بن محمد المخرمي، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: سألت أبى وعمّي أبا بكر عن زفر، فقالا: كان زفر من أفقه أهل زمانه، قال أبي: وكان أبو نعيم -يعنى الفضل بن دكين- يرفع زفر، ويقول: كان نبيلا، فقيها.
قال: وحدثنا أبو الحسن علي بن الحسن الرازي، قال: حدثنا أبو عبد الله الزعفراني نزيل "واسط"، قال: حدثنا أحمد بن أبي خيمثة، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني عمرو بن سليمان العطّار، قال: كنت بـ "الكوفة" أجالس أبا حنيفة، فتزوّج زفر، فحضره أبو حنيفة، فقال له: تكلّم. فخطب، فقال في خطبته:
هذا زفر بن الهذيل، وهو إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلام الدين في حسبه وشرفه وعلمه. فقال بعض قومه: ما يسرّنا أن غير أبي حنيفة خطب حين ذكر خصاله ومدحه، وكره ذلك بعض قومه، وقالوا له-: حضر ابن عمّك أشراف قومك، ونسأل أبا حنيفة أن يخطب؟! فقال: لو حضرني أبي لقدمت أبا حنيفة عليه. اهـ. وكفى في معرفة منزلة زفر في الفضل قول أبي حنيفة هذا فيه.
стр. 2867
وقال الصيميري: حدّثنا أبو الحسن العبّاس بن أحمد بن الفضل الهاشمي، قال: حدثنا أحمد بن محمد المسكي، قال: حدثنا علي بن محمد النخعي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا علي بن مدرك عن الحسن بن زياد، قال: كان زفر وداود الطائي متواخيين، فأما داود الطائي فترك الفقه، وأقبل على العبادة، وأما زفر فإنه جمع الفقه مع العبادة. ثم ذكر الصيمري بسنده قدوم زفر "البصرة"، يزور داود الطائي -رحمهما الله-.
وساق الصيمري بطريق علي بن محمد النخعي، عن محمد بن علي بن عفّان، قال: حدثنا وليد بن حمّاد، عن الحسن بن زياد، قال: ما رأيت أحدا يناظر زفر إلا رحمته، قال: وقال زفر: إني لست أناظر أحدا حتى يقول: قد أخطأت، ولكن أناظره حتى يجنّ، قيل، وكيف يجنّ؟ قال: يقول بما لم يقله أحد.
وقال الصيمري أيضا: أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: حدثنا مكرم بن أحمد، وقال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا مليح بن وكيع، قال: قال: سمعت أبي يقول: كان زفر شديد الورع، حسن القياس، قليل الكتابة، يحفظ ما يكتبه. وقال: أخبرنا عمر بن إبراهيم، قال: حدثنا مكرم، قال: حدثنا أبو خازم القاضي، حدثنا ابن أبي عمران، قال: كان زفر من بلعنبر، من بيت شريف منهم، وكانت أمه أمة، فكان وجهه يشبه وجوه (١) العجم لأمّه. ولسانه يشبه لسان العرب، قال: فحضر مجلس الحجّاج بن أرطاة - وكان يتولى القضاء بـ "الكوفة"، وكان يغلب عليه البذاء، وكانت النخع تغمزه في نسبه، فتكلّم زفر، فأخذ المجلس، فملأ قلب الحجّاج، فالتفت إليه، فقال: أما اللسان فلسان عربي، وأما الوجه فليس وجه عربي. فقال زفر: أما أنا فقد قبلني قومي.
стр. 2868
وفي رواية ابن أبن أبي العوام عن الطحاوي عن ابن أبي عمران: دخل زفر وأبو يوسف على حجّاج بن أرطاة، فجرت مسألة، فقال الحجّاج لزفر، أما اللسان فعربي، وأما الصورة فتدلّ على غير ذلك، فقال له زفر، أما أنا فيقبلني قومي، وكان عنبريا من بني تميم، وكان الحجّاج يطعن في نسبه، فاشتدّ ذلك عليه، وأسكته، ثم ناظره أبو يوسف، فقطعه، فلمّا قاما قال لحاجبه: لا يدخل هذان عليّ بعد.
وقال ابن أبي العوام، حدّثنا أبو معمر محمد بن أحمد بن خزيمة البصري، قال: ثنا عبّاس بن محمد بن حاتم، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: زفر صاحب الرأي، ثقة، مأمون، سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين، وذكر له زفر، فقال: كان ثقة، مأمونا. وجعل يعظم أمره، وهذه الدار التي فيها الجبان دارهم، قلت "فكيف وقع إلى "البصرة"، قال: في ميراث له، فتشبت به البصريون، وقالوا: حدّثنا، فأقام فيهم (١).
وقال ابن أبي العوام أيضا: حدّثني أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي، قال: سمعت العبّاس بن محمد الدوري، يقول: سمعت يحيى بن معين، يقول: ثم ذكر مثله، وزاد. قال يحيى بن معين: سمعت أبا نعيم، يقول: زفر بن الهذيل من خيار الناس. وأراني أبو نعيم منزل زفر بـ "الكوفة" في جبانة "كندة" في وسط الجبان، وجعل أبو نعيم يثني عليه. وبه إلى أبي بشر عن يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدّثني محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدّثني أبي ثنا إبراهيم بن المغيرة، قال: قيل لوكيع بن الجرّاح: تختلف إلى زفر؟! فقال: غررتمونا عن أبي حنيفة حتى فات، فتريدون أن تغرونا عن زفر، حتى نحتاج إلى أبي أسيد (٢) وأصحابه.
стр. 2869
وبه إلى أبي بشر سمعت محمد بن مقاتل، قال: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: قال لي زفر بن الهذيل: أخرج إلىّ حديثك حتى أغربله لك.
وقال الذهبي: زفر ابن الهذيل العنبري أحد الفقهاء والزهّاد، صدوق، وثقه غير واحد، وابن مَعين.
وقال ابن حجر: ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان متقنا حافظا، لم يسلك مسلك صاحبيه، وكان أقيس أصحابه وأكثرهم رجوعا إلى الحق، توفي بـ "البصرة" في ولاية أبي جعفر، وقد وقع لنا حديثه بعلوّ في حديث ابن أبي الهيثم. اهـ. وقد أسقط ابن حجر بعض كلمات من كلام ابن حبّان.
وقال ابن عبد البر: كان زفر ذا عقل ودين وفهم وورع، وكان ثقة في الحديث. اهـ.
وقد ترجم له في "الانتقاء"، ومع ذلك كلّه يوجد من يتكلّم فيه، وسنذكر ذلك في فصل خاص إن شاء الله تعالى للفت النظر إلى مواضع العبرة في كلام المتعنّتين.
بعض ما قيل في الموازنة بين زفر وأبي يوسف:
قال ابن أبى العوام: حدّثني محمد بن أحمد بن حماد الدولابي، قال: سمعت محمد بن شجاع الثلجيَّ أبا عبد الله، قال: سمعت بعض البصريين يقول: لما قدم زفر "البصرة" لقوه، فسألوه، فأعجبوا به، فبلغه أنهم قالوا: ما رأينا مثل زفر في الفقه، هو أعلم الناس. فقال زفر وبلغه ذلك: كيف لو رأيتم أبا يوسف اهـ؟. وحدّث عن الطحاوي عن ابن عمران عن محمد بن سلمة البلخي عن شدّاد، قال: سمعت زفر يقول: يعقوب - يعني أبا يوسف أفقه من أتى. اهـ.
стр. 2870
وبهذا وذاك يكون زفر فضَّل أبا يوسف على نفسه -رحم الله تلك النفوس الطاهرة ما كان لهوى النفس سلطان عليهم-، وكانت خدمتهم في العلم بإخلاص لله وفي الله، فبارك لهم في علومهم، وما غرّهم ثناء الناس عليهم، بل وقفوا موقف اتّهام النفس، -نفعنا الله بعلومهم-.
ومما يروى في تفضيل زفر على أبي يوسف ما حدّثه ابن أبي العوام عن الطحاوي، عن أبي خازم عبد الحميد القاضي أنه سمع بكرا العمّي، يقول: سمعت محمد بن سماعة يقول عن محمد بن الحسن، قال: حضرت زفر وأبا يوسف يتناظران، فكان أبو يوسف يقهره بكثرة الرواية عن أبي حنيفة والأخبار، فإذا صار إلى المقايسة قهره زفر. اهـ. وأسند عن أبي بشر عن أحمد بن القاسم، حدّثني أبو حفص المروزي، عن بشر بن يحيى، عن خالد بن صبيح، قال: رحلت إلى أبي حنيفة، فنعى إلىّ في الطريق، فدخلت مسجد "الكوفة"، فإذا الناس كلّهم على زفر بن الهذيل، وعند أبي يوسف رجلان أو ثلاثة. اهـ.
لعلّ هذا كان في مبدأ الأمر، ثم علا شأن أبي يوسف بكثرة الآخذين عنه، بحيث لا يلحقه لاحق، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: الآية ٢١].
ومما ذكره ابن أبي العوام بسنده إلى الفضل بن دكين: كان زفر يجلس إلى أسطوانة، وأبو يوسف بحذائه، وكان زفر يلبس قلنسوة بيضاء فخمة، فكانا يتناظران في الفقه، وكان زفر ركينا، حيّد اللسان، وكان أبو يوسف يضطرب في مناظرته، فربما سمعت زفر يقول لأبي يوسف: أين تفرّ؟ هذه أبواب "كندة" مفتحة، فخذ في أيّها شئت. اهـ. وأبواب "كندة" أبواب لقبائل "كندة" في "الكوفة" معروفة، ووقع في بعض النسخ (أبواب كثيرة) بدل أبواب "كندة"، والمعنى صحيح في اللفظين، ولفظ الصيمري يسنده إلى محمد بن سماعة: كان زفر يستند إلى أسطوانة، وكان رجلا ركينا، فينتصب، فلا
стр. 2871
يزول، وكان أبو يوسف إذا ناظره يكثر الحركة، حتى يجيئ، فيجلس بين يديه، أو قال بالقرب منه، فكان زفر يقول: إن هذه أبواب "كندة"، فإن أردت أن تفرّ فخذ في أيّها شئت.
وذكر عن وكيع ما نصّه: لما مات أبو حنيفة أقبل الناس على زفر فما كان يأتي أبا يوسف إلا نفر يسير، النفسان والثلاثة. فكأن جو "الكوفة" صفا لأبي يوسف بعد انتقال زفر إلى "البصرة"، بالنظر إلى هذه الروايات، على أنه ليس بقليل في الروايات ما يفضل جانب أبي يوسف، منها كون أبي يوسف أوسع صدرا بالتعليم من زفر، ومنها ما ساقه الخطيب بطريق حمّاد بن أبي حنيفة أنه قال: رأيت أبا حنيفة يوما، وعن يمينه أبو يوسف، وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولا إلا أفسده زفر، ولا يقول زفر قولا إلا أفسده أبو يوسف إلى وقت الظهر، فلمّا أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده، فضرب بها على فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رياسة ببلدة فيها أبو يوسف، قال: وقضى لأبي يوسف على زفر، وفي معناه ما ذكر الخطيب بسنده عن عبد الرزاق بن همام عن محمد بن عمارة أنه قال: رأيت أبا يوسف وزفر يوما افتتحا مسألة عند أبي حنيفة من حين طلعت الشمس إلى أن نودي بالظهر، فإذا قضى لأحدهما على الآخر، قال له الآخر: أخطأت ما حجتك؟ فيخبره حتى كان آخر ذلك أن قضى لأبي يوسف على زفر حين نودي بالظهر، فقام أبو يوسف، قال: فضرب أبو حنيفة على فخذ زفر، وقال: لا تطمعنّ في الرياسة بأرض يكون هذا بها.
وحضور الأستاذ في المناظرة بين تلميذيه هكذا ومصارحته لهما بالصواب والخطأ طريقة بديعة في التدريب على المناظرة في العلم، ومنهج رائع في شحذ الأذهان وتنمية الملكات، وعلى كلّ حال هما كانا كفرسي رهان، حتى إن أبا حنيفة قال يوما: أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون رجلا، منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، ومنهم ستة يصلحون للفتاوى،
стр. 2872
ومنهم اثنان يصلحان يؤدّبان القضاة، وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف وزفر، كما أخرجه الخطيب في "تاريخه" بسنده، وهذا شهادة من الإمام الأعظم في حقّها أنهما بلغا أعلى درجات الاجتهاد عند ما نطق بهذا الحكم.
وساق أيضا بطريق إسماعيل بن حماد: كان أصحاب أبي حنيفة عشرة: أبو يوسف، وزفر، وأسد بن عمر، والبجلي، وعافية الأودي، وداود الطائي، والقاسم بن معن المسعودي، وعلي بن مسهر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحبّان، ومندل ابنا علي العنزي. ولم يكن فيهم مثل أبي يوسف وزفر، وهؤلاء العشرة هم أكابر أصحاب أبي حنيفة، الذين دوّنوا الفقه معه، كما سبق في رواية الصيمري عن الطحاوي.
وفي "طبقات علي القاري": قال شدّاد بن حكيم: سألت أسد بن عمرو: أبو يوسف أفقه أم زفر؟ فقال: زفر أروع. قلت: عن الفقه سألتك، فقال: يا شدّاد! بالورع يرتفع الرجل. ومثله في "مناقب الكردري"، وهذان الإمامان العظيمان اللذان هما كفرسي رهان عند أهل النقد يقول عنهما الصيمري: ما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبي بكر الدامغاني عن الطحاوي عن ابن أبي عمران عن وليد بن حماد ابن أخي الحسن بن زياد، قلت لعمّي الحسن بن زياد: رأيت زفر وأبا يوسف عند أبي حنيفة، فكيف رأيتهما، قال: رأيتهما كعصفورين انقض عليهما البازي. اهـ.
وحكى القارئ عن أبي مطيع: زفر حجّة الله على الناس فيما بينهم يعملون بقوله، وأما أبو يوسف فقد غرّته الدنيا بعض الغرور، ومثله في "مناقب الكردري"، هكذا يكون كلام الناس فيمن ولي الأحكام، مع أنه لا تصلح أحوال الناس إلا بقضاة عدول، فمن تولّى القضاء وعدل فهو القائم بأشقّ الأمرين، فيستحقّ الإجلال، ولقد صدق ابن الوردي، حيث قال:
إن كل الناس أعداء لمن … ولي الأحكام هذا إن عدل.
стр. 2873
ولذا طال لسان بعض الناس في أبى يوسف مع ما شهر عنه من العدل في الأحكام.
وقد حكى جماعة عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال: أكره زفر على أن يلي القضاء، فأبى وهدى منزله، واختفى مدّة، ثم خرج، وأصلح منزله، ثم هدم ثانيا، واختفى كذلك، حتى أعفي عن تولي القضاء ﵀.
بعض شيوخ زفر والآخذين عنه:
تفقّه زفر على الإمام الأعظم أبي حنيفة، وجالسه أكثر من عشرين سنة، وفي "المناقب الكردرية" ٢: ١٠٤ عن زفر جالست أبا حنيفة أكثر من عشرين سنة، فلم أر أحدا أنصح وأشفق للناس منه، وأنه كان يبذل نفسه لله تعالى، أما عامة النهار فإنه كان مشغولا بالمسائل، وحلّها، وتعليمها، وما يعرض عليه من النوازل وجوابها، فإذا قام من المجلس عاد مريضا، أو شيع جنازة، أو واسى فقيرا، أو واصل أخا، أو سعى في حاجة، فإذا كان الليل خلا للتلاوة والعبادة والصلاة، فكان هذا سبيله حتى توفي. فنعم الشيخ ذلك الشيخ، ونعم التلميذ ذلك التلميذ. ومع تفقّه زفر عليه أكثر رواية الحديث عنه أيضا.
وقد ذكر أبو سعد السمعاني في "الأنساب" عند ذكر الجصيني أحمد بن بكر بن سيف: ثقة يروي عن أبي وهب محمد بن مزاحم المروزي عن زفر عن أبي حنيفة "كتاب الآثار"، وروى عن غيره، فأكثر. وذكر الحاكم في (١٦٤) من كتابه "معرفة علوم الحديث" أن لزفر نسختين في الحديث، إحداهما رواية أبي وهب، والأخرى رواية شدّاد بن حكيم. ومرويات زفر في الحديث بأسانيده مسرودة في كثير من الكتب، كـ "تاريخي أصبهان" لأبي الشيخ وأبي نعيم، و"تاريخ الخطيب"، وغيرها.
стр. 2874
ومن شيوخ زفر في الحديث: سليمان بن مهران الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن إسحاق صاحب "المغازي"، ويحيى بن عبد الله التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وأيوب السختياني، وزكريا بن أبي زائدة، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من شيوخ الحديث في الأمصار، وفي سرد أسمائهم طول، وممن أخذ عن زفر: عبد الله بن المبارك، وشقيق بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن، ووكيع بن الجرّاح، وسفيان بن عيينة، وأبو علي عبيد الله بن عبد المجيد البصري، من أصحاب النبي الذين انتقلوا إليه، ومحمد بن عبد الله الأنصاري القاضي، من ولد أنس بن مالك، وهلال بن يحيى المعروف بهلال الرأي، والحكم بن أيوب، وشدّاد بن حكيم، والنعمان بن عبد السلام، ومالك بن فديك، وأبو عاصم النبيل، الضحّاك بن مخلد، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو وهب محمد بن مزاحم المروزي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وبشر بن القاسم، وسعيد بن أوس، وإبراهيم بن سليمان، وحسّان بن إبراهيم، ومسلم بن إبراهيم، وأكثم والد يحيى، والحسن بن الوليد، ومحمد بن أعين، وعبد الله بن أبي رزمة، ومحمد بن وهب، وعمر بن الزجّاج، وعبد الله بن داود الخريببي، وخالد بن الحارث الحافظ، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم، من حملة العلم في الأمصار.
وروى الطحاوي والدولابي: أن أبا عاصم النبيل كان يختلف إلى زفر، وكان ثمة رجل آخر يكنى أبا عاصم، رثّ الهيئة، يختلف إلى زفر أيضا. فجاء أبو عاصم بضحّاك بن خلد يستأذن على زفر، فخرجت جارية لزفر، فقالت: من هذا؟ فقال: أنا أبو عاصم. فدخلت إلى مولاها، فقالت: أبو عاصم بالباب. فقال: أيّهما هو؟ فقالت: النبيل منهما، فأذنت لي، فدخلت. فقال لي زفر: يا أبا عاصم قد لقّبتك الجارية بلقب لا أراه يفارقك أبدا. لقّبتك بالنبيل. فلزمني هذا اللقب. وقال ابن أبي العوّام: حدّثنيه محمد بن أحمد بن
стр. 2875
الأشعث، قال: سمعت يزيد بن سنان يقول: سمعت أبا عاصم، يقول مثله سواء. اهـ.
في "المناقب الكردرية" عن ابن المبارك أنه سمع زفر يقول: نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر. فإذا جاء الأثر تركنا الرأي. اهـ.
وعن والد يحيى بن أكثم رأيت وكيعا يختلف (١) إلى زفر بالغدوات، وإلى أبي يوسف بالعشيات، ثم ترك أبا يوسف، ثم جعل كلّ اختلافه إليه، لأنه كان أفرغ. وكان يقول: الحمد لله الذي جعلك خلفا لنا عن الإمام، ولكن لا يذهب عني حسرة الإمام. وعن الفضل بن دكين: لما مات الإمام لزمت زفر، لأنه كان أفقه أصحابه وأروعهم. وعن الحسين بن الوليد أنه كان أصلب أصحاب أبي حنيفة، وأدقهم نظرا.
نماذج من أقوال زفر وأجوبته في المسائل:
روى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن محمد بن الحسن بن مرداس عن أبي بكرة العطّار عن أبي عاصم النبيل، قال قال ابن الهذيل: من قعد قبل وقته ذلّ، يعني من جعل لنفسه مجلسا خاصّا لنشر العلم قبل أن يتكامل في العلم فضحته شواهد الامتحان، وتكشف جهله بأخطائه في أجوبة المسائل. وكم من ناشئ يعتريه الغرور، فيظنّ بنفسه الاستغناء عن أستاذه، فيستقلّ بمجلس في العلم قبل أوانه، ثم يعود إلى رشده، فيرجع إلى ملازمة شيخه.
وبه إلى ابن مرداس عن زيد بن أخزم عن أبي عاصم عن زفر في رجل باع من رجل جارية بألف درهم على أن ينقده الثمن فيما بينه وبين ثلاثة أيام وإلا فلا بيع بينهما. قال: البيع فاسد. وروى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن أبي العبّاس الأيلي عن زيد بن أخزم عن عبد الله بن داود: سألت زفر بن الهذيل عن قرض الخبز، فقال لي: لا يجوز إلا وزنا.