← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

يزول، وكان أبو يوسف إذا ناظره يكثر الحركة، حتى يجيئ، فيجلس بين يديه، أو قال بالقرب منه، فكان زفر يقول: إن هذه أبواب "كندة"، فإن أردت أن تفرّ فخذ في أيّها شئت. وذكر عن وكيع ما نصّه: لما مات أبو حنيفة أقبل الناس على زفر فما كان يأتي أبا يوسف إلا نفر يسير، النفسان والثلاثة. فكأن جو "الكوفة" صفا لأبي يوسف بعد انتقال زفر إلى "البصرة"، بالنظر إلى هذه الروايات، على أنه ليس بقليل في الروايات ما يفضل جانب أبي يوسف، منها كون أبي يوسف أوسع صدرا بالتعليم من زفر، ومنها ما ساقه الخطيب بطريق حمّاد بن أبي حنيفة أنه قال: رأيت أبا حنيفة يوما، وعن يمينه أبو يوسف، وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولا إلا أفسده زفر، ولا يقول زفر قولا إلا أفسده أبو يوسف إلى وقت الظهر، فلمّا أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده، فضرب بها على فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رياسة ببلدة فيها أبو يوسف، قال: وقضى لأبي يوسف على زفر، وفي معناه ما ذكر الخطيب بسنده عن عبد الرزاق بن همام عن محمد بن عمارة أنه قال: رأيت أبا يوسف وزفر يوما افتتحا مسألة عند أبي حنيفة من حين طلعت الشمس إلى أن نودي بالظهر، فإذا قضى لأحدهما على الآخر، قال له الآخر: أخطأت ما حجتك؟ فيخبره حتى كان آخر ذلك أن قضى لأبي يوسف على زفر حين نودي بالظهر، فقام أبو يوسف، قال: فضرب أبو حنيفة على فخذ زفر، وقال: لا تطمعنّ في الرياسة بأرض يكون هذا بها. وحضور الأستاذ في المناظرة بين تلميذيه هكذا ومصارحته لهما بالصواب والخطأ طريقة بديعة في التدريب على المناظرة في العلم، ومنهج رائع في شحذ الأذهان وتنمية الملكات، وعلى كلّ حال هما كانا كفرسي رهان، حتى إن أبا حنيفة قال يوما: أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون رجلا، منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، ومنهم ستة يصلحون للفتاوى،

стр. 2872

ومنهم اثنان يصلحان يؤدّبان القضاة، وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف وزفر، كما أخرجه الخطيب في "تاريخه" بسنده، وهذا شهادة من الإمام الأعظم في حقّها أنهما بلغا أعلى درجات الاجتهاد عند ما نطق بهذا الحكم. وساق أيضا بطريق إسماعيل بن حماد: كان أصحاب أبي حنيفة عشرة: أبو يوسف، وزفر، وأسد بن عمر، والبجلي، وعافية الأودي، وداود الطائي، والقاسم بن معن المسعودي، وعلي بن مسهر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحبّان، ومندل ابنا علي العنزي. ولم يكن فيهم مثل أبي يوسف وزفر، وهؤلاء العشرة هم أكابر أصحاب أبي حنيفة، الذين دوّنوا الفقه معه، كما سبق في رواية الصيمري عن الطحاوي. وفي "طبقات علي القاري": قال شدّاد بن حكيم: سألت أسد بن عمرو: أبو يوسف أفقه أم زفر؟ فقال: زفر أروع. قلت: عن الفقه سألتك، فقال: يا شدّاد! بالورع يرتفع الرجل. ومثله في "مناقب الكردري"، وهذان الإمامان العظيمان اللذان هما كفرسي رهان عند أهل النقد يقول عنهما الصيمري: ما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبي بكر الدامغاني عن الطحاوي عن ابن أبي عمران عن وليد بن حماد ابن أخي الحسن بن زياد، قلت لعمّي الحسن بن زياد: رأيت زفر وأبا يوسف عند أبي حنيفة، فكيف رأيتهما، قال: رأيتهما كعصفورين انقض عليهما البازي. اهـ. وحكى القارئ عن أبي مطيع: زفر حجّة الله على الناس فيما بينهم يعملون بقوله، وأما أبو يوسف فقد غرّته الدنيا بعض الغرور، ومثله في "مناقب الكردري"، هكذا يكون كلام الناس فيمن ولي الأحكام، مع أنه لا تصلح أحوال الناس إلا بقضاة عدول، فمن تولّى القضاء وعدل فهو القائم بأشقّ الأمرين، فيستحقّ الإجلال، ولقد صدق ابن الوردي، حيث قال: إن كل الناس أعداء لمن … ولي الأحكام هذا إن عدل.

стр. 2873

ولذا طال لسان بعض الناس في أبى يوسف مع ما شهر عنه من العدل في الأحكام. وقد حكى جماعة عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال: أكره زفر على أن يلي القضاء، فأبى وهدى منزله، واختفى مدّة، ثم خرج، وأصلح منزله، ثم هدم ثانيا، واختفى كذلك، حتى أعفي عن تولي القضاء ﵀. بعض شيوخ زفر والآخذين عنه: تفقّه زفر على الإمام الأعظم أبي حنيفة، وجالسه أكثر من عشرين سنة، وفي "المناقب الكردرية" ٢: ١٠٤ عن زفر جالست أبا حنيفة أكثر من عشرين سنة، فلم أر أحدا أنصح وأشفق للناس منه، وأنه كان يبذل نفسه لله تعالى، أما عامة النهار فإنه كان مشغولا بالمسائل، وحلّها، وتعليمها، وما يعرض عليه من النوازل وجوابها، فإذا قام من المجلس عاد مريضا، أو شيع جنازة، أو واسى فقيرا، أو واصل أخا، أو سعى في حاجة، فإذا كان الليل خلا للتلاوة والعبادة والصلاة، فكان هذا سبيله حتى توفي. فنعم الشيخ ذلك الشيخ، ونعم التلميذ ذلك التلميذ. ومع تفقّه زفر عليه أكثر رواية الحديث عنه أيضا. وقد ذكر أبو سعد السمعاني في "الأنساب" عند ذكر الجصيني أحمد بن بكر بن سيف: ثقة يروي عن أبي وهب محمد بن مزاحم المروزي عن زفر عن أبي حنيفة "كتاب الآثار"، وروى عن غيره، فأكثر. وذكر الحاكم في (١٦٤) من كتابه "معرفة علوم الحديث" أن لزفر نسختين في الحديث، إحداهما رواية أبي وهب، والأخرى رواية شدّاد بن حكيم. ومرويات زفر في الحديث بأسانيده مسرودة في كثير من الكتب، كـ "تاريخي أصبهان" لأبي الشيخ وأبي نعيم، و"تاريخ الخطيب"، وغيرها.

стр. 2874

ومن شيوخ زفر في الحديث: سليمان بن مهران الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن إسحاق صاحب "المغازي"، ويحيى بن عبد الله التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وأيوب السختياني، وزكريا بن أبي زائدة، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من شيوخ الحديث في الأمصار، وفي سرد أسمائهم طول، وممن أخذ عن زفر: عبد الله بن المبارك، وشقيق بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن، ووكيع بن الجرّاح، وسفيان بن عيينة، وأبو علي عبيد الله بن عبد المجيد البصري، من أصحاب النبي الذين انتقلوا إليه، ومحمد بن عبد الله الأنصاري القاضي، من ولد أنس بن مالك، وهلال بن يحيى المعروف بهلال الرأي، والحكم بن أيوب، وشدّاد بن حكيم، والنعمان بن عبد السلام، ومالك بن فديك، وأبو عاصم النبيل، الضحّاك بن مخلد، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو وهب محمد بن مزاحم المروزي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وبشر بن القاسم، وسعيد بن أوس، وإبراهيم بن سليمان، وحسّان بن إبراهيم، ومسلم بن إبراهيم، وأكثم والد يحيى، والحسن بن الوليد، ومحمد بن أعين، وعبد الله بن أبي رزمة، ومحمد بن وهب، وعمر بن الزجّاج، وعبد الله بن داود الخريببي، وخالد بن الحارث الحافظ، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم، من حملة العلم في الأمصار. وروى الطحاوي والدولابي: أن أبا عاصم النبيل كان يختلف إلى زفر، وكان ثمة رجل آخر يكنى أبا عاصم، رثّ الهيئة، يختلف إلى زفر أيضا. فجاء أبو عاصم بضحّاك بن خلد يستأذن على زفر، فخرجت جارية لزفر، فقالت: من هذا؟ فقال: أنا أبو عاصم. فدخلت إلى مولاها، فقالت: أبو عاصم بالباب. فقال: أيّهما هو؟ فقالت: النبيل منهما، فأذنت لي، فدخلت. فقال لي زفر: يا أبا عاصم قد لقّبتك الجارية بلقب لا أراه يفارقك أبدا. لقّبتك بالنبيل. فلزمني هذا اللقب. وقال ابن أبي العوّام: حدّثنيه محمد بن أحمد بن

стр. 2875

الأشعث، قال: سمعت يزيد بن سنان يقول: سمعت أبا عاصم، يقول مثله سواء. اهـ. في "المناقب الكردرية" عن ابن المبارك أنه سمع زفر يقول: نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر. فإذا جاء الأثر تركنا الرأي. اهـ. وعن والد يحيى بن أكثم رأيت وكيعا يختلف (١) إلى زفر بالغدوات، وإلى أبي يوسف بالعشيات، ثم ترك أبا يوسف، ثم جعل كلّ اختلافه إليه، لأنه كان أفرغ. وكان يقول: الحمد لله الذي جعلك خلفا لنا عن الإمام، ولكن لا يذهب عني حسرة الإمام. وعن الفضل بن دكين: لما مات الإمام لزمت زفر، لأنه كان أفقه أصحابه وأروعهم. وعن الحسين بن الوليد أنه كان أصلب أصحاب أبي حنيفة، وأدقهم نظرا. نماذج من أقوال زفر وأجوبته في المسائل: روى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن محمد بن الحسن بن مرداس عن أبي بكرة العطّار عن أبي عاصم النبيل، قال قال ابن الهذيل: من قعد قبل وقته ذلّ، يعني من جعل لنفسه مجلسا خاصّا لنشر العلم قبل أن يتكامل في العلم فضحته شواهد الامتحان، وتكشف جهله بأخطائه في أجوبة المسائل. وكم من ناشئ يعتريه الغرور، فيظنّ بنفسه الاستغناء عن أستاذه، فيستقلّ بمجلس في العلم قبل أوانه، ثم يعود إلى رشده، فيرجع إلى ملازمة شيخه. وبه إلى ابن مرداس عن زيد بن أخزم عن أبي عاصم عن زفر في رجل باع من رجل جارية بألف درهم على أن ينقده الثمن فيما بينه وبين ثلاثة أيام وإلا فلا بيع بينهما. قال: البيع فاسد. وروى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن أبي العبّاس الأيلي عن زيد بن أخزم عن عبد الله بن داود: سألت زفر بن الهذيل عن قرض الخبز، فقال لي: لا يجوز إلا وزنا.

стр. 2876

وروى ابن أبي العوام عن محمد بن عبد الله بن سعيد البصري عن إسحاق بن إبراهيم الشهيدي عن يحيى بن يمان عن سفيان عن زفر عن قيس بن حبتر، قال: مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية كمثل مؤمن آل فرعون. وروى ابن أبى العوام عن الطحاوي عن إبراهيم بن مرزوق عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن الأشعث الحمراني عن عبد الواحد بن صبرة، قال: كنت عند القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، وعندهما إياس بن معاوية، فسألهما رجل عن رجل، قال لامرأته: أنت طالق إن. فلم يدريا ما يجيبان به، فقالا: أفته يا أبا واثلة! فقال إياس: هذا رجل أراد أن يطلّق امرأته، فلم يفعل. قال الأنصاري: فذكرت ذلك لزفر بن الهذيل، فقال: أخطأ إياس، هذا رجل طلّق، وأراد أن يستثني، فلم يفعل. وروى ابن أبي العوام عن أبي بكر محمد بن هارون بن حسان البرقي عن بكر بن القاسم عن يحيى بن المغيرة القرشي عن سعيد بن أوس. قال: سمعت زفر يقول في رجل أسقط سجدة من كعة، فاستوى قائما قبل أن يفتح فاتحة الكتاب: إنه يخرّ ساجدا، ثم يعود إلى استئناف عمله. وروى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن بكّار بن قتيبة عن هلال بن يحيى، قال: سألت أبا يوسف عن رجل له مائتا درهم حال عليها حولان، قال: في الحول الأول خمسة دراهم، ولا شئ عليه في الحول الثاني، فقلت له، فإن زفر يقول: إن عليه عشرة دراهم. فما حجّتك عليه؟ قال: ما حجّتي على رجل يزعم في مائتي درهم أربعمائة درهم. قال بكّار: تكرّر الأحوال عليها. وقال أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" في ترجمة زفر: رجع عن الرأي، وأقبل على العبادة. لكن هذا وهم منه، لأن الذي ترك الرأي، وأقبل على العبادة هو صديقه داود الطائي، كما سبق. وأما زفر نفسه فممّن جمع بين الفقه والعبادة. والرأي المستمدّ من الكتاب والسنة ليس بشئ يرجع عنه،

стр. 2877

وإنما الذي يستحقّ الهجر هو الرأي المستند إلى الهوى، دون الكتاب والسنة، وأصحابنا براء من ذلك. وزفر عاش فقيها، يستعمل الرأي واليقظة في الفهم، ومات فقيها ذا بصارة في الرأي والفقه، ولم يكن يرى أن الرأي والفهم في دليل الحكم مما يتاب منه. ومن الدليل على ذلك ما حدّثه ابن أبي العوام عن الطحاوي عن ابن أبي عمران عن أبي نعيم الفضل بن دكين: دخلت على زفر، وقد احتضر، وهو يقول في حال: لها مهر، وفي حال: لها ثلث مهر. أهكذا يكون من رجع عن الرأي! ﵁. وساق أحمد بن محمد بن سعيد التميمي عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول كما رأيت بخطّ الحافظ البرزالي: جاء رجل إلى أبي حنيفة، فقال: إني شربت البارحة نبيذا، ولا أدري طلّقت امرأتي أم لا؟ قال: المرأة امرأتك، حتى تستيقن أنك قد طلّقتها. ثم جاء إلى سفيان الثورى، فقال: يا أبا عبد الله! إني شربت البارحة نبيذا، ولا أدري طلّقت امرأتي أم لا؟. قال: اذهب، فراجعها، فإن كنت قد طلّقتها، لم تضرّك المراجعة شيئا. ثم أتى شريك بن عبد الله، فقال: يا أبا عبد الله! إني شربت البارحة نبيذا، ولا أدري طلّقت امرأتي أم لا؟ قال: اذهب، فطلّقها، ثم راجعها، ثم أتى زفر بن الهذيل، فقال: يا أبا الهذيل! إني شربت البارحة نبيذا، لا أدري أطلّقت امرأتي أم لا؟ قال: هل سألت غيري، قال: نعم، أبو حنيفة، قال: فما قال لك؟ قال: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك قد طلّقتها، قال: الصواب ما قال، فهل سألت غيره؟ قال: سفيان الثوري. فما قال لك!؟ قال: اذهب، فراجعها، فإن كانت قد طلّقتها، فقد راجعتها، وإن لم تكن طلّقتها لم تضرّك المراجعة شيئا. قال: ما أحسن هذا، قال فهل سألت غيره؟ قال شريك بن عبد الله، قال: فما قال لك؟ قال: اذهب، فطلّقها، ثم راجعها. قال: فضحك زفر،

стр. 2878

ثم قال أضرب لك مثلا: رجل مرّ بثعب يسيل ماء، فأصاب ثوبه قال أبو حنيفة: ثوبك طاهر، وصلاتك تامة، حتى تستيقن أمر الماء، وقال لك سفيان: اغسله، فإن بك تجسّسا فقد طهر، وإن بك نظيفا زاده نظافة، وقال لك شريك: اذهب فبل عليه، ثم اغسله. اهـ. وتلك نماذج من آرائه وأجوبته. منع زفر العامة من الخوض في مضايق المباحث الكلامية: أنبأ ابن أبي العوام عن الدولابي، عن محمد بن شجاع عن الحسن بن زياد، سمعت زفر بن الهذيل، وسأله رجل، فقال له: القرآن كلام الله. فقال له الرجل أمخلوق هو؟ فقال له زفر: لو شغلك فكر في مسألة أنا فيها أرجو أن ينفعني الله بعملها لشغلك ذلك عن ذلك الذي فكرت فيه، والذي فكرت فيه، والذي فكرت بلا شكّ يضرّك، سلم الله ما رضي به منك، ولا تكلّف نفسك ما لا تكلّف. وبه عن الحسن بن زياد، وقد قال له رجل من أهل "بغداد": أكان زفر قيّاسا، فقال له الحسن: وما قولك: قيّاسا؟ هذا كلام الجهّال، كان عالما. فقال الرجل: أكان زفر نظر في الكلام؟ فقال سبحان الله ما أسخفك! تقول لأصحابنا: إنهم نظروا في الكلام، وهم بيوت العلم والفقه، إنما يقال: نظر في الكلام فيمن لا عقل له، وهؤلاء كانوا أعلم بحدود الله ، وبالله من أن يتكلّموا في الكلام، الذي تعني، وما كان يهمهم غير الفقه (١) والافتداء بمن تقدّمهم.

стр. 2879

ومعنى ذلك زجر العامة عما لا قبل لهم به من دقائق علم الكلام، خوفا عليهم من الزلل، وإلا فهو من أئمة علم أصول الدين، جادل الناس في مسائله، فجدلهم، ويشهد لذلك ما ذكره جمال الدين أبو يعلى أحمد بن مسعود الأصبهاني بإسناده عن خالد بن زيد العمري أنه قال: كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قوما قد خصموا بالكلام الناس، وهم أئمة العلم، كما ذكره صاحب "الفتاوى البزازية" في "المناقب" (١ - ٣٨). نشر زفر لمذهب أبي حنيفة في البصرة: وروى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن أبي خازم القاضي، سمعت أحمد بن عبدة يقول: قدم يوسف بن خالد السمتي "البصرة". من عند أبي حنيفة، فكان يأتي عثمان البتّي، وهو رئيسها وفقيهها، فيجاذب أصحابه المسائل، ويذكر لهم خلاف أبي حنيفة إياهم، فيضربونه، ويسبّون أبا حنيفة، فلم يزالوا كذلك، حتى قدم زفر بن الهذيل "البصرة"، فكان أعلم بالسياسة منه، فكان يأتي حلقة البتّي، فيسمع مسائلهم، فإذا وقف على الأصل الذي بنوا عليه تتبّع فروعهم، التي فرّعوا على ذلك الأصل، فإذا وقف على تركهم الأصل طالب البتّي، حتى يلزمه قوله، ويبين له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهودا عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البتّي على ذلك، واستحسنوا ما كان منه، قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره لهم، ويقيم الحجة عليهم فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه، ويطالب البتّي بالرجوع إليه، ويشهد أصحابه عليه بذلك، ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة. فما مضت الأيام، حتى تحوّلت الحلقة إلى زفر، وبقي البتّي وحده. هذا في رحلة زفر إلى "البصرة" في حياة إمام أهل "البصرة" عثمان بن مسلم البتّي ﵁.

стр. 2880

وأما رحلته إلى "البصرة" بعد وفاة البتّي وأبي حنيفة واستقراره فيها، أنبأ الصيمري عن أبي الحسن العبّاس بن أحمد بن الفضل الهاشمي، عن أحمد بن محمد المسكي، عن علي بن محمد النخعي، عن أبي خازم القاضي عن بكر (العمي) عن هلال بن يحيى، قال: رحل يوسف بن خالد السمتي من "البصرة" إلى "الكوفة"، فتفقّه عند أبي حنيفة، فلما أراد الخروج إلى "البصرة" قال له أبو حنيفة: إذا حضرت، فإنك تجيئ إلى قوم قد تقدّمت لهم الرياسة، فلا تعجل بالقعود عند أسطوانة واتخاذ حلقة، ثم تقول: قال أبو حنيفة، وقال أبو حنيفة، فإنك إذا فعلت ذلك لم تلبث، حتى تقام. قال: فخرج يوسف، فأعجبته نفسه، وجلس عند أسطوانة، وقال: قال أبو حنيفة، قال: فأقاموه من المسجد، فلم يذكر أحد أبا حنيفة، حتى قدم زفر "البصرة"، فجعل يجلس عند الشيوخ الذين تقدمت لهم الرياسة، فيحتج لأقوالهم بما ليس عندهم، فيعجبون من ذلك، ثم يقول: ههنا قول آخر أحسن من هذا، فيذكره، ويحتج له، ولا يعلم أنه قول أبي حنيفة، فإذا حسن في قلوبهم قال: إنه قول أبي حنيفة، فيقولون: هو قول حسن، لا تبالي بمن قال به، فلم يزل بهم، حتى ردّهم إلى قول أبي حنيفة ﵁. سوء السياسة في العالم يحرمه نشر العلم، واستفادة المجتمع منه، ولو أخذ يوسف السمتي بوصايا أبي حنيفة في معاشرة الناس، وسياستهم لما أوذي، ولا طعن في دينه، ولا رمي ببدع فظيعة ليس هذا موضع شرحها، (١) ووصية أبي حنيفة ليوسف السمتي مدوّنة في كتب المناقب، وقد قام بتحقيقها

стр. 2881

الأستاذ الغيور المفضال الشيخ إبراهيم المختار الزيلعي الجبرتي حفظه الله، وهي مطبوعة في مطبعة السيّد مصطفى البابي الحلبي، وهي من عيون الوصايا، تعلم القائم بالإرشاد بين الناس طرق معاشرتهم وسياستهم لينجح في إرشادهم وتعليمهم. وقد روى الصيمري عن عبد الله بن محمد الأسدي عن أبي بكر الدامغاني عن الطحاوي، عن ابن أبي ثور، عن سليمان بن عمران، عن أسد: قدم زفر "البصرة"، فدخل مسجدها، فانفضّت إليه حلق أصحاب التابعين. زفر في طبقة المجتهد المطلق في التحقيق، وإن حافظ على انتسابه إلى أبي حنيفة: بعد أن علم أن زفر مع أبي يوسف كفرسي رهان في الاجتهاد، لا يبقى وجه للالتفات إلى قول من ظنّ أن زفر في عداد المجتهدين في المذهب، كما أوضحنا ذلك في غير موضع. وإنما وقع في ذلك الظنّ من رأى كثرة تنويه زفر بأقوال الإمام الأعظم، مع أن ذلك التنويه والموافقة لآرائه إنما كان بمعرفة لدليل الحكم، كما عرف هو، لا تقليدا له. قال ابن أبي العوام: حدّثني محمد بن أحمد بن حمّاد، سمعت محمد بن شجاع، سمعت أبا عاصم الضحّاك بن مخلد يقول: سمعت زفر، يقول: ما خالفت أبا حنيفة في قول إلا وقد كان أبو حنيفة يقول به. وحدّث ابن أبي العوام أيضا عن الطحاوي، عن ابن أبي عمران، سمعت سوار بن عبد الله العنبري القاضي -يعني الحفيد- يقول: سمعت أبا عاصم يقول: قال زفر بن الهذيل: كلّ أقوالي هذه قد قالها أبو حنيفة قبلي، ثم وقف منها على أشياء، لم أقف أنا عليها، فخالفها لما وقف عليه منها، وثبت أنا عليها. قال أحمد بن أبي عمران، فأنكرت ذلك، فأتيت محمد بن شجاع، فحدثته بذلك، فقال لي: مكانك، ثم دخل منزله، وخرج وفي يده كتاب، فقرأ عليَّ منه هذه الحكاية، عن أبي عاصم، كما سمعتها من سوار العنبري.

стр. 2882

وفي "الكردرية" أن يحيى بن أكثم روى عن والده أنه سمع زفر يقول: لم أجترئ أن أخالف الإمام بعد وفاته، لأني إذا خالفته في حياته، وأبرزت الدليل، وأتيت به ألزمني بالحقّ الظاهر من ساعته، وردّني إلى قوله، فأما بعد وفاته فكيف أخالفه؟ وربما لو كان حيا، وحاج لردّني إلى قوله. وهذا ليس بتقليد له، بل سكوت عما لا يعلم دليله، واطمئنان إلى الدليل، وفهم صحيح للدليل فيما يعلم، وهو الاجتهاد بعينه، وأبو حنيفة هو الذي كان ينهى أصحابه عن التقليد، ويأمرهم بإبداء ما عنده من الحجج، فيناقشهم فيها، حتى يستقرّ الحقّ في نصابه، وكان لأصحابه مقام عظيم في سرد الدلائل وتحقيق المسائل، بل كان أبو حنيفة يقول: لا يحلّ لأحد أن يفتي بقولي ما لم يعلم من أين قلته، ومع ذلك كلّه كان لزفر مخالفات في الأصول والفروع مدوّنة في كتب القوم، فلا يكون تأدّب زفر تجاه أستاذه محافظته على الانتساب إليه، وعرفانه لجميله عليه مما ينزل مقامه في الاجتهاد المطلق على حدّة ذهنه في قياس المسائل، وقوّة ضبطه للدلائل، وإتقانه للحديث، كما أقرّ بذلك أمثال ابن حبّان، وورعه البالغ معروف عند الجميع ﵁ وعن أساتذته وأصحابه أجمعين-. ولزفر نحو سبع عشرة مسألة يفتي بها في المذهب عند نقاد المذهب، ألّف فيها السيّد أحمد الحموي شارح "الأشباه والنظائر" رسالة سمّاها "عقود الدرر فيما يفتي به في المذهب من أقوال زفر"، وشرحها الشيخ عبد الغني النابلسي، ومحصها ابن عابدين، وانفرادات زفر في المسائل مدوّنة في "منظومة النسفي" في الخلاف وشروحها ببسط. وقد أشار أبو زيد الدبوسي في "تأسيس النظر" في فصل خاص إلى مخالفات زفر في الأصول والفروع، كما أشير إلى آرائه الخاصة في الأصول في كتب الأصول المبسوطة، كـ "شامل الأتقاني"، و"بحر الزركشي"، و"شروح أصول البزدوي" خاصة، فإن كان شأن المجتهد المطلق الانفراد بمسائل في الأصول والفروع، فها هو زفر، له

стр. 2883

انفرادات في الناحيتين على أن الموافقة لإمام في الرأي في بعض مسائل الأصول أو الفروع عن علم بأدلتها لا تخلّ بالاجهاد المطلق أصلا، كما أوضحت ذلك في كثير من المواضع، والله سبحانه أعلم. كلام أهل النقد في زفر: قال الذهبي في "الميزان": أحد الفقهاء والزهّاد، صدوق، وثقه غير واحد، وابن معين. وقال ابن سعد: لم يكن في الحديث بشئ. لعلّه يريد قلّة حديثه، لأنه يقال: فلان لم يكن في الحديث بشئ. بمعنى أنه قليل الحديث -يعني في نظر القائل- كما في "الرفع والتكميل" لعبد الحي اللكنوي، وهذا ربما يسلم بالنظر إلى علم ابن سعد فقط، وإلا فزفر على علوّ منزلته في الاجتهاد حافظ معروف بالإتقان عند ابن حبّان وغيره. وقال ابن حجر في "اللسان": قال ابن أبي حاتم قرئ على عبّاس الدوري، وأنا أسمع، سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين، وذكر عنده زفر، فقال: كان ثقة مأمونا. قال العبّاس: وسمعت يحيى، وهو ابن مَعين - يقول: هو ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: كان متقنا حافظا، لم يسلك مسلك صاحبه، وكان أقيس أصحاب أبي حنيفة، وأكثرهم رجوعا إلى الحق، توفي بـ "البصرة" في ولاية أبي جعفر، وقد وقع لنا حديثه بعلوّ في حديث ابن أبي الهيثم. ثم لخّص ابن حجر كلام العقيلي، وقال: قال أبو موسى محمد بن المثنى، ما سمعت عبد الرحمن بن مهدي يحدّث عن زفر شيئا قط، وقال أيضا: حدّثنا معاذ بن معاذ، قال: كنت عند سوار (١) القاضي، فجاء الغلام، فقال:

стр. 2884

زفر بالباب، فقال: زفر الرأي، لا تأذن له، فإنه مبتدع. فقيل له: ابن عمّك قدم من سفر، ولم تأته، ومشى إليك، فلو أذنت له، فأذن له فما كلّمه كلمة، حتى خرج. وقال بشر بن السري: ترحمت يوما على زفر، وأنا مع سفيان الثوري، فأعرض بوجهه عني. ثم ذكر ابن حجر عن أبي الفتح الأزدي: زفر غير مرضيّ المذهب والرأي. وذكر عن ابن عدي أنه قال الحارث بن مالك: إن أول من قدم "البصرة" برأي أبي حنيفة زفر، وسوار بن عبد الله على القضاء، فاستأذن عليه، فحجبه، وسعى بي إليه، فقلت: أصلحك الله، إن زفر رجل من أهل العلم ومن العشيرة، قال: أما من العشيرة فنعم. وأما من أهل العلم فلا، فإنه أتانا ببدعة: برأي أبي حنيفة. فقلت: إنه يحبّ أن يتزيّن بمجالسة القاضي، قال فائذن له على أن لا يتكلّم معنا في العلم. فإذا تهرّب سوار على ضيق دائرة روايته من كلام زفر معه في العلم لا يتعجّب، لأن مثل الحجّاج بن أرطاة القاضي المعدود في الحفّاظ على سعة دائرة روايته كان يحجب زفر عنه، تهرّبا من كلامه معه في العلم، وأما عدّ رأي أبي حنيفة بدعة فما يردّه عمل فقهاء الأمة من الصحابة والتابعين، كما تجد مصداق ذلك في "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي، و"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر، ومن أنكر الفهم في الكتاب والسنة، وردّ النظير إلى النظير فهو المبتدع، كما ذكرنا ذلك فيما علّقناه على "النبذ" لابن حزم. وأما حال سوار القاضي هذا -وهو الجدّ لا الحفيد- فلم يخرج عنه واحد من أصحاب الأصول الستة على تقديم زمنه، وفيه يقول شعبة: ما تعني في طلب العلم وقد ساد، (١) وقال الثوري: ليس بشيء. وذكره العقيلي في

стр. 2885

"الضعفاء". وقال ابن سعد: قليل الحديث. وقال الذهبي: روى القليل عن بكر المزني والحسن. وسلطان مثله يكون بقوّة الحكم لا بقوّة العلم، وقد روى عنه أنه لما قيل له: لو نظرت في شيء من كلام أبي حنيفة وقضاياه. قال: كيف أنظر في كلام رجل لم يؤت الرفق في دينه؟. فمن يكون زهده في الحديث كما سبق يكون زهده في الفقه، ورأي أبي حنيفة وأصحابه كما ترى، على أن زفر حيث حوّل وجوه المتفقّهين بـ "البصرة" إلى فقه أبي حنيفة كان رؤوس أهل "البصرة" من طوائف الفقه، لا يغتفرون ذلك لزفر، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (الحديد: الآية ٢١). ومثل سوار في ضيق دائرة عمله وكلام أهل النقد فيه لا يتحاكم إليه في مثل زفر، بعد أن تواطأت القلوب مع الألسن عند جمهرة النقّاد على الثناء عليه خيرا، والشهادة له بالحفظ والإتقان، ودقّة الفهم، وشدّة الورع. وأما أبو الفتح الأزدي فلا يكون مرضي المذهب والرأي عنده، إلا من كان رافضا مثله في الرأي والمذهب، والحاصل أن الجرح غير المفسّر لا يلتفت إليه إزاء صرائح التوثيق من أهل الشأن، وأما حكاية عدم رواية ابن مهدي عن زفر فشهادة على النفي، وعلى فرض ثبوتها لا يخلو ابن مهدي من تأثير الثوري عليه، وهو ضيفه النازل عنده المختفي لديه سنين، كما ذكرت في "لفت اللحظ"، حيث كان عنده بعض انحراف عن أبي حنيفة وأصحابه في بعض الروايات، كما هو شأن التنافس بين الأقران، على أن رستة عبد الرحمن بن عمر ظنين في ابن مهدي، كما ترى ذلك في "الميزان" وغيره، وبشر بن السري ممن أطالوا الكلام فيه، ولا مانع من أن يستاء الثوري من زفر، وقد بلغه ما قاله في جامع سفيان الثوري بـ "البصرة"، وذلك ما حكاه عكرمة بن عمّار أنه لما قدم زفر "البصرة"، ونقل إليه "جامع سفيان"، قال: هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا. والكلام بين الأقران مما لا يلتفت إليه كثير عند أهل النقد، راجع ما ذكرناه في الثوري في "التأنيب" ص ١١٠.

стр. 2886

وأما قول أحمد بن المعذل: إن كنت كاذبة الذي حدثتني … فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر. المائلين إلى القياس تعمّدا … والراغبين عن التمسّك بالخبر. فنفثة مصدور من تضايقه بـ "البصرة" من أصحاب زفر القائمين بنشر فقه أبي حنيفة هناك نشرا مكتسحا لآراء سائر الطوائف، لكن الواجب على الهاجي أن يعلم أن الهجو إنما يكبّ الهاجي في النار، من غير أن يضرّ إلا في شيء، وأن التحاكم في المسائل الخلافية إلى الحجج الناهضة لا إلى الشغب الفارغ، والإقذاع المزري، فما ذنب زفر؟ حتى يستحلّ الولوغ في دمه ودم أستاذه بهذه الصورة البشعة، ولم يريا الإثفار، ولا قدما القياس على صحاح الآثار، ولا فتحا باب الاسترسال في نقض الشرع باسم المصلحة، ولا كانا يستصحبان من يغني لهما في مجالس العلم، وأنت تعلم تفقه ابن المعذل على شيخه القادم إلى "البصرة" ومعه من يغنيه، فزهد فيه أهل العلم بـ "العراق"، وهو خلفه هناك في فقهه، فمثله لو سكت لكان أستر له ولطائفته. المصراع الأول مضمن من شعر لحسان ﵁، وأخوه عبد الصمد (١). إذا تحاكمنا إليه في أخيه نراه يقول فيه: أضاع الفريضة والسنة … فتاه على الإنس والجنه. كأن لنا النار من دونه … وأفرده الله بالجنه. وينظر نحوي إذا زرته … بعين حماة إلى كنه.

стр. 2887

وهذا هو قول أخيه فيه. وقد ذكر ابن عبد البر في "الانتقاء" أن أبا جعفر الطحاوي لما سمع البيتين لأحمد بن المعذل قال: وددت أن لي حسناتهما وأجورهما، وعلى إثمهما. ومن الناس من لم يكتف بذلك التهجّم في البيتين، حتى غير المصراع الثالث، وقال: الوارثين على القياس تمردا. وقد عارض كثير من أصحابنا البيتين، وأقرب ما قيل في المعارضة إلى الأدب قول الحافظ القاسم بن قطلوبغا: كذب الذي نسب المآثم للذي … قاس المسائل بالكتاب وبالأثر. إن الكتاب وسنة المختار قد … دلا عليه فدع مقالة من قشر. وأدلة القياس من الكتاب والسنة مبسوطة في كتب الأصول المبسوطة، وفي كثير من سائر الكتب كما سبق. -سامحهم الله وإيانا بمنّه وكرمه، ووقانا شرّ التعصّب والتحزّب، ووفّقنا لإنزال الناس منازلهم بأعدل الموازين-. وتغاير العلماء وتحاسدهم، مما أدّى إلى ردّ أقوال بعضهم في بعض عند أهل النقد، ولا سيّما عند اختلاف المذاهب، كما هو معروف، فنسأل الله الصون من متابعة الهوى. وذكر العقيلي عن عبد الرحمن بن محمد عن رستة عن ابن مهدي عن عبد الواحد بن زياد، قال: قلت لزفر بن الهذيل: عطلتم حدود الله كلّها، فقلنا ما حجتكم؟ فقلتم: ادرؤوا الحدود بالشبهات، حتى إذا صرتم إلى أعظم الحدود، وقول النبي ﷺ : لا يقتل مؤمن بكافر، فعلتم ما نهيتم، وتركتم ما أمرتم به. هذا أو نحوه من الكلام. ولفظ عبد الواحد في راية الطحاوي عن ابن أبي عمران عن أبي عبيد عن ابن مهدي قلت لزفر: يقولون: إنكم تدرؤون الحدود بالشبهات، وقد جئتم إلى أعظم الشبهات، فأقدمتم عليه قال: وما هو؟ قلت: المسلم يقتل بالكافر. قال فاشهد أنت

стр. 2888

على رجوعي عن هذا. على أن هناك آثارا عن عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز ومراسيل يؤيّد بعضها بعضا، مع كون المراد بالكافر من لا عهد له بدليل ذكر (ولا ذو عهد في عهده) أي بكافر غير معاهد، فلا يكون دليل المذهب ضعيفا (١). وموضع العبرة في عمل العقيلي هنا تصرّفه في الرواية، فقارن بين الروايتين، ثم احكم. هل ولّي زفر قضاء البصرة ؟ قال الحاكم عبد القادر القرشي، قال أبو عمر: كان زفر ذا عقل ودين وفهم وورع، وكان ثقة في الحديث. وذكر القرشي قبل ذلك عن أبي نعيم: كان زفر ثقة، مأمونا، دخل "البصرة" في ميراث أخيه، فتشبّث به أهل "البصرة"، فمنعوه الخروج منها. ثم قال: وتولى قضاء "البصرة". وهذا متابعة منه لابن عبد البر حيث قال في "الانتقاء". وكان زفر كبيرا من كبار أصحاب أبي حنيفة، وأفقههم، وكان يقال: إنه كان أحسنهم قياسا، ولي قضاء "البصرة"، فقال له أبو حنيفة: قد علمت ما بيننا وبين أهل "البصرة" من العداوة والحسد والمنافسة، وما أظنّك تسلم منهم، فلما قدم "البصرة" قاضيا اجتمع إليه أهل العلم، وجعلوا يناظرونه في الفقه يوما بعد يوم، فكان إذا رأى منهم قبولا واستحسانا لما يجئ به قال لهم: هذا قول أبي حنيفة، فكانوا يقولون: أو يحسن أبو حنيفة هذا؟ فيقول لهم: نعم، وأكثر من هذا، فلم يزل بهم إذا رأى منهم قبولا لما يحتجّ به عليهم، ورضا به وتسليما له، قال لهم: هذا قول أبي حنيفة. فيعجبون من ذلك، فلم تزل حاله معهم على هذا، حتى

стр. 2889

رجع كثير منهم عن بغضه إلى محبته، وإلى القول الحسن فيه بعد ما كانوا عليه من القول السيئ فيه، وكان زفر قد خلف أبا حنيفة في حلقته إذ مات، ثم خلف بعده أبو يوسف، ثم بعدهما محمد بن الحسن، ومات زفر سنة ثمان وخمسين ومائة، وهو ابن ثمان وأربعين سنة. ويخدش في دعوى توليه قضاء "البصرة" استمرار قضاء سوار بن عبد الله العنبري بـ "البصرة" من سنة ١٣٨ هـ إلى وفاته في ذي القعدة سنة ١٥٦ هـ كما يقول ابن حبان، وتولى ابنه عبد الله بن سوار قضاء "البصرة" بعد وفاة أبيه، فيكون القرشي وابن عبد البر واهمين في ذلك، وكان لزفر قرابة بـ "البصرة"، فزارهم في عهد عثمان البتي، المتوفى سنة ١٤٣ هـ، فجرى بينهما ما سبق ذكره بأسانيده. ثم رحل إلى "البصرة" بمناسبة وفاة أخيه بعد وفاة أبي حنيفة، فتمسّك أهل "البصرة" به، فأقام هناك ينشر العلم إلى أن مات بـ "البصرة"، وسبق بيان مبلغ ما أوذي به بسبب امتناعه عن قبول القضاء، ﵀ وأرضاه-. ولابن عبد البر بعض أغلاط في تراجم المشارقة. وفاة زفر في البصرة وكلام أهل العلم في زهده في الدنيا: سبق بيان سبب اتصال زفر بأبي حنيفة وملازمته لمجلسه أكثر من عشرين سنة، وقد روى الصيمري عن عبد الله بن محمد الشاهد عن مكرم عن أحمد بن محمد عن مليح بن وكيع عن أبيه، قال: لما مات أبو حنيفة أقبل الناس على زفر، فما كان يأتي أبا يوسف إلا نفر يسير، النفسان والثلاثة. وكان زفر يكنى بأبي خالد، وبأبي الهذيل، وكان من أهل "أصبهان"، ومات أخوه، فتزوّج بعده بامرأة أخيه، فلمّا احتضر دخل عليه أبو يوسف وغيره، فقالوا له: ألا توصي يا أبا الهذيل! فقال: هذا المتاع الذي ترونه لهذه المرأة، وهذه الثلاثة

стр. 2890

الآلاف (١) الدرهم هي لولد أخي، وليس لأحد عليّ شيئ، ولا لي على أحد شيئ، وكان زفر شديد العبادة والاجتهاد. وقال الصيمري أخبرنا عمر بن إبراهيم عن مكرم عن محمد بن أحمد بن يعقوب السدوسي، قال: حدّثنا جدّي -وهو يعقوب بن شيبة بن الصلت المالكي- قال: زفر بن الهذيل عنبري من أنفسهم يكنى أبا الهذيل، وكان قد سمع الحديث، ونظر في الرأي، فغلب عليه، ونسب إليه، ومات بـ "البصرة"، وأوصى إلى خالد بن الحارث (الحافظ)، وعبد الواحد بن زياد، وكان أبو الهذيل يلي الأعمال، ومات وهو والي "أصبهان"، وكان أخوه صباح بن الهذيل على صدقة بني تميم، وزفر هو زوج أخت خالد بن الحارث، ومات في أول خلافة المهدي سنة ثمان وخمسين ومائة. وكلام يعقوب بن شيبة هذا لا غبار عليه، إلا أن جعل وفاته في أول خلافة المهدي فيه وقفة، لأنه نصّ ابن خلكان وغيره على أن وفاته في شعبان من سنة ١٥٨ هـ، فيكون وفاته قبل وفاة المنصور بأربعة أشهر، وسبق أن نقلنا من "ثقات ابن حبان" وفاته في ولاية أبي جعفر المنصور، وقال أحمد بن خلف وعبد الباقي بن قانع في رواية المرزباني عند الصيمري أن زفر مات سنة ١٥٨ هـ، وفيها مات المنصور، وإسرائيل بن يونس. وحكى أبو خازم عن بكر العمي أن زفر توفي سنة ١٥٨ هـ، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، كما ذكره ابن أبي العوام. وعن بشر بن القاسم، سمعت زفر يقول: لا أخلف بعد موتي شيئا أخاف عليه الحساب، فلمّا مات قوّم ما في بيته، فلم يبلغ ثلاثة دراهم، ولما احتضر قال له أبو يوسف وغيره: أوص، فقال: هذا المتاع لزوجتي، وهذه الثلاثة الآلاف الدرهم لولد أخى -وكان تزوّج امرأة أخيه بعد وفاته- وأما أنا

стр. 2891

فليس لي على أحد شيئ، ولا لأحد عليّ شيئ، كما في "مفتاح السعادة" و"المناقب الكردرية". وعن إبراهيم بن سليمان قال: كنا إذا جالسنا زفر لي نقدر أن نذكر الدنيا بين يديه، فإذا ذكرها واحد منا قام من المجلس، وتركه وكنا نتحدّث فيما بيننا أن الخوف قتله، كما في "الكردرية". وقال النواوي في "تهذيب الأسماء": كان جامعا بين العلم والعبادة، وكان صاحب حديث، ثم غلب عليه الرأي، قال ابن أبي حاتم: روى عن الحجّاج بن أرطاة، وروى عنه أبو نعيم (الفضل بن دكين)، وحسان بن إبراهيم، وأكثم بن محمد (والد يحيى)، قال أبو نعيم: كان زفر ثقة مأمونا، دخل "البصرة" في ميراث أخيه، فتثبّث به أهل "البصرة"، فمنعوه الخروج منها. قال يحيى بن معين: زفر صاحب الرأي، ثقة، مأمون. قال ابن قتيبة: توفي بـ "البصرة". ومما قيل في مدحه ﵁ (١): قوس القياس به كانت موترة … ما عاش والآن أضحت ما لها وتر (٢). لقد حوى في قياس الفقه مرتبة … علياء قد قصرت من دونها الفكر (٣). قياسه قد صفا في بحر خاطره … وحاسدوه لشؤم الخلق قد كدروا. غذا لكسر قياس الناس جابره … وهم لحيدهم حقا قد انكسروا (٤).

стр. 2892

عيونهم في الليالي بالكرى كحلت .... وعينه كحلها في ليلة السهر. أنى يساويه في فقه له أحد؟ … هل يستوي الذهب الإبريز والحجر؟ (١). * * * ١٩٧٢ - الشيخ الفاضل زكريا بن بيرام بن زكريا الروميّ، أصله من ولاية "أنكورية " *. وكان مولده بدار السلطنة السنية، "قُسطنطينية" المحمية، في أوائل سلطنة السلطان سليمان خان (٢)، عليه الرحمة والرضوان. واشتغل، وحصل، إلى أن صار من أعيان فضلاء "الديار الرومية"، وصار ملازمًا من المولى الفاضل العلامة محمد أفندي، المعروف بمعلول أمير، وكان جل انتفاعه به، وقد كان رفيقًا في الاشتغال عليه بـ "الديار المصرية" للإمام العلامة مفتي "الديار المصرية" الشيخ علي القدسي.

стр. 2893

ثم إن صاحب الترجمة صار مدرّسًا بمدارس متعدّدة؛ منها: إحدى المدارس الثمان، ومدرسة السلطان سليم خان بمدينة "قُسطنطينية". ثم ولي منها قضاء "حلب"، وأقام بها مدّة، وعُزل منها لا إلى منصب. ثم صار قاضيًا بمدينة "بروسة"، ثم عزل، وصار بعد ذلك قاضيًا بـ "قسطنطينية". ثم ولى قضاء العسكر بولاية "أناطولي"، ثم عزل منه، وعُين له من العلوفة كل يوم مائة وخمسون درهمًا عثمانيًا، بطريق التقاعد. وكان في ولاياته كلّها محمود السيرة، مشكور الطريقة، والرعايا راضون منه، داعون له، غير أنه كان محسودًا على علمه وفضله وتقدّمه، وما عزل من منصبٍ من هذه المناصب إلا بتحريك الأعداء، وتدبير الحسّاد، وسعي من لا يخاف الله تعالى. وقد اجتمعت بحضرته العلية، في سنة "اثنتين وتسعين وتسعمائة" مرّات عديدة، وأوقفني على بعض تحريراته وكتاباته، فرأيت من ذلك ما يُبهج الناظر، ويسر الخاطر، ويقول لسان حاله كم ترك الأول للآخر؛ فمن ذلك: "حاشية" على سورة الأعراف، و "حاشية" على "الهداية" من كتاب الوكالة إلى آخر "الهداية"، و"حاشية" على "صدر الشريعة" و "حاشية" على "شرح المفتاح" و "حاشية" على "حاشية التجريد"، وله غير ذلك من الرسائل المفيدة. وله نظم بالعربية والفارسية والتركية. وبالجملة فهو من مفاخر تلك البلاد، أدام الله النفع بوجوده، آمين. ثم بعد كتابة هذه الترجمة بمدة مديدة قدمت إلى "الديار الرومية"، فرأيته قد ولى قضاء العسكر بولاية "روميلي" (١)، وقضاة ولايته ومدرسوها

стр. 2894

وملازموها راضون عنه، شاكرون منه، داعون له، لأنه يعاملهم بالإنصاف، ويُعطى كل ذيْ حقّ حقّه، لا تأخذه في ذلك لومة لائم، ولا يصده عنه رهبة ظالم. ثم بعد مدّة من الزمان فوّض إليه منصب الفتوى بـ "الديار الرومية"، وسائر الممالك الإسلامية، وصار يكتب الفتاوى على الأسئلة كتابة جيّدة، بعبارات رائعة فصيحة. وكانت في بدايته في الكتابة نهاية كثير ممن ولى هذا المنصب، لأن أكثرهم ما كانوا يُحصلون الرسوخ في الكتابة، ويسلمون من الخطأ، وسبق القلم، والمؤاخذة في غالب فتاواهم، إلا بعد مدّة طويلة. وأما صاحب الترجمة، فإن أول كتاباته كأواخرها، سالمة من الطعن فيها، والمؤاخذة عليها، فحصل بولايته للعلماء والأفاضل والطلبة وسائر من ينتمي إلى العلم فرح كثير، وسرور زائد، وظنوا أن الزمان تنبه لهم، وأقبل عليهم، فما مضى إلا مدة يسيرة، وأصابته عين الكمال، وتوفي إلى رحمة الله تعالى فجأة، بدار السلطنة السنية، وهو جالسٌ على الصفة المتصلة بالباب المعروف بـ "باب همايون"، الذي تدخل منه الوزراء، وقضاة العسكر، وأرباب الدولة، لعرض المهمّات على السلطان محمد خان، نصره الله تعالى، وكان المفتي المذكور ينتظر جلوس السلطان محمد خان، للسلام عليه، وتهنئته بالعيد، وهو عيد .... (١). وخلف، رحمه الله تعالى من الأولاد الكبار، المعدودين في جملة السادات الأخيار، عدة لا تحضرني الآن أسماؤهم، ولكن أعرف منهم قدوة الأفاضل،

стр. 2895

وكثر الفواضل، قاضي القضاة بـ "الديار المصرية"، يحيى أفندي (١)، [متع الله المسلمين بطول بقائه] (٢). كان مولده في سنة "تسع وتسعين وتسعمائة". ورُبى في حجر العلم والعمل، والصيانة عن ارتكاب الحطأ والزلل، "إلى أن" صار ممن يُشار إليه بالأنامل، وتعقد عليه الخناصر (٣). انتهى. * * * ١٩٧٣ - الشيخ الفاضل زكريا بن أبي زائدة، أبو يحيى *. واسم أبي زائدة ميمون بن وداعة. كوفي، من كبار الرواة. روى عن الشعبي، وغيره.

стр. 2896

وروى عنه الثوري، وشعبة، وغيرهما. وروى له الشيخان، وكان ثقة. خرج في البعوث إلى الديلم غازيًا، ثم انصرف إلى "الكوفة". ذكره أبو القاسم الرافعي في "تاريخ قزوين". وروى فيه بسنده عنه، وعن مسعر، وسفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ كان إذا نام يتوسّد يمينه، ويقول: "اللهم قِني عذابك يومَ تَبْعَثُ عبادك" (١). وروى أيضًا بسنده عنه، أنه قال: قرأت على محراب رجل بـ "قزوين": فَلا تَغُرَّنَّكَ الآمالُ يا رَجُلُ … واعْمَلْ فليس وراءَ الموتِ مُعْتَمَلُ واعملْ لِنَفْسِكَ لا تَشْقَى بِعِيْشَتِها … قبلَ الفراق إذا ما جاءك الأجَلُ واحذَرْ فإِنَّ مجيء الموتِ مُقْتَرِبٌ … فلا يَغُرَّنَّكَ التَّسْرِيفُ والأمَلُ توفي سنة تسع وأربعين ومائة. وقيل: ثمان. وقيل: سبع. رحمه الله تعالى.

стр. 2897

حكى عنه ابنه يحيى، الآتي في بابه إن شاء الله تعالى، أنه كان يقول له: يا بُنيّ، عليكَ بالنعمان بن ثابت، فخذ عنه قبل أن يفوتك. قال يحيى: ورُبما عرضت عليه فتياه فيعجب به، كذا في "الجواهر". قلت: وفيه أيضا عن أسد بن الفرات، كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا الكتب أربعين رجلا، فكان في العشرة المتقدّمين أبو يوسف، وزفر، وداود الطائي، وأسد بن عمرو، ويوسف بن خالد السمتي، ويحيى بن زكريا، وهو الذي كان يكتب لهم ثلاثين سنة. وقال القاري في "مناقبه" عن عبد الرحمن بن حاتم الرازي أنه أول من صنّف الكتب بـ "الكوفة"، وإنما صنّف وكيع على كنبه اهـ. ورقم الحافظ ليحيى وأبيه كليهما للستة. والله تعالى أعلم. * * * ١٩٧٤ - الشيخ الصالح زكريا بن عيسى العمري بهاء الدين بن علاء الدين الأجودهني ثم الدهلوي *. أحد المشايخ الجشتية. قرأ بعض الكتب على الشيح مودود اللاري، وشارك الشيخ عبد الملك بن عبد الغفور الباني بتي في القراءة والسماع عليه. ثم لازم الشيخ عبد القدّوس بن إسماعيل الحنفي الكنكوهي، وأخذ عن غيرهما من المشايخ. وكان صاحب وجد وحالة. توفي سنة سبعين وتسعمائة، كما في "كلزار أبرار". * * *

стр. 2898

١٩٧٥ - الشيخ الفاضل زكريا بن محمود بن زكري، الشيخ، الإمام الفقيه، زكي الدين، البصروي مدرّس "الشبلية " (١) *. كان قد درس أولًا بالمدرسة الفرُّخشاهية (٢)، ثم إنه درس أيامًا يسيرة في آخر عمره بالشبلية، عوضًا عن فصيح الدين المارديني، وأخذت منه الفرخشاهية، وكان ذلك في جمادى الآخرة، سنة ثمان وتسعين وستمائة. وتوفي زكى الدين المذكور، في سادس عشر شهر رجب، من السنة المذكورة. فكانت مدة الولاية أربعين يومًا. كذا ترجم له الصلاح الصفدي في "أعيان العصر وأعوان النصر"، رحمه الله تعالى. * * *

стр. 2899

١٩٧٦ - الشيخ الفاضل زكريا بن مزمّل بن أحمد الحسيني البنوري *. ولد سنة ١٢٩٢ هـ. عالم، باحث. درّس علي علماء عصره في العلوم العقلية والنقلية حتى برز، وأجاد العربية والأردية والفارسيّة، وصنّف بها جميعا. قام برحلاته، فزار "سرهند" (١) و"دهلي" و "بغداد"، ثم قصد "بومباي"، فعتكف على العبادة والخلوة في الغابات. وعاد إلى "كراتشي"، فتصدّر للتدريس، وتخرّج عليه جمع من العلماء. من مؤلّفاته بالعربية: "مطالع الأنواري فضائل آل بيت النبي المختار". توفي سنة ١٣٩٥ هـ * * * ١٩٧٧ - الشيخ العلامة المحدث محمد زكريا بن الشيخ محمد يحيى بن الشيخ إسماعيل الكاندهلوي ،

стр. 2900

ثم المهاجر المدني، رحمه الله تعالى *. هو الإمام العلامة المحدّث المفسّر الفقيه النبيه الحافظ الأديب البارع المحقّق القدوة الحافظ الجليل الحجّة أحد أئمة الحديث والتوحيد والسنة، ريحانة الهند وبركة العصر شيخ الحديث بـ "الهند" وأحد كبار المحدّثين في العالم الإسلامي. وهو ابن عمّ الشيخ محمد يوسف وزوج أخته، وهو الذي أشرف على تربيته وتوجيهه، ويصفونه بأنه ريحانة "الهند" وبركة العصر. كان شيخ الحديث والمشرف الأعلى لجماعة التبليغ، وهو الرجل الثالث، وصاحب كتاب "تبليغي نصاب"، أي منهج التبليغ. ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ١٣١٥ هـ الموافق ٢ فبراير ١٨٩٨ م في "كاندهلة" من أعمال "مظفّر نكر" قرب "دهلي" في بيت عريق في العلم والدين، امتاز رجاله وأسلافه بعلوّ الهمّة، وشدّة المجاهدة، والتمسّك بالدين، والصلابة فيه، والحرص على حفظ القرآن، وقراءته، وطلب العلوم الدينية. فتح عينيه في بيت عريق في العلم والصلاح والتقوى منذ عهد بعيد، ونشأ في تربية والده، الذي كان وحيد العصر في مزاياه العلمية والعملية الباهرة، ومفاخره السائرة، والذي كان يحفظ القرآن والحديث. حفظ القرآن الكريم، وتلقّى مبادئ العلوم عن والده، ورعاه رعاية دقيقة، حتى كان يأمره أن يقرأ ما يحفظه من القرآن مائة مرة.

стр. 2901

وقرأ مبادئ اللغة الأردية والفارسية على عمّه الجليل الشيخ محمد إلياس بن الشيخ إسماعيل الكاندهلوي، صاحب دعوة التبليغ المشهورة، الذي كان من رأسه إلى قدمه، إخلاصًا للدعوة الإسلامية، وإصلاح الأمة. وقد أثمرت نهضته المباركة، فشرقت، وغربت، وسارت بها الركبان إلى أقطار الأرض، وملأت بركتها الآفاق. ثم قرأ بقية العلوم والفنون، وعدّة من كتب الحديث بعضها على والده، وبعضها على مشايخ مدرسة مظاهر العلوم بـ "سهارنفور"، التي كانت معهدًا كبيرًا من أكبر المعاهد العلمية بعد دار العلوم الديوبندية. فقرأ كتب الصحاح الستة مرّة على والده، ومرة أخرى قرأ "الصحيحين" مع "سنن أبي داود"، و"سنن الترمذي"، مع "الموطا" لمالك، و"الموطأ" لمحمد بن الحسن، و"شرح معاني الآثار" على الإمام المحدّث الكبير الشيخ خليل أحمد الأيوبي الأنصاري، وهو الذي كان يجمع بين علوم الفقهاء والمحدّثين، وعلوم الأولياء والعارفين، وجمع بين مآثرها الظاهرة، ومفاخرها الباطنة، صاحب مكاشفات وكرامات. وكان حجّة قاطعة لرقاب أهل البدع، وأهل الهوى، وأصبح مدارًا لإتباع السنة، وردّ البدع. فنشأ نشأة صالحة في ظلّ هؤلاء العلماء الربانيين من الفقهاء والمحدّثين، وأرباب القلوب. وترعرع شابًا صالحًا، تقيًا نقيًا، تلمع في جبينه المتهلّل آثار نجابة وسعادة، تنم عن مستقبل ساطع لامع. وقد أدرك الإمام الربّاني الشيخ الكنكوهي، فنال بركات من دعواته وعنايته، وقد توفي الشيخ، وهو ابن ثماني سنوات. نقل إلى "كنكوه"، وهو قريب العهد بالفطام، فدبّ، ودرج بين الصالحين والعلماء الراسخين. ثم انتقل مع والده سنة ١٣٢٨ هـ إلى "سهارنفور" المركز العلمي الكبير، وأقبل على العلم، واشتغل به بهمة عالية، وقلب متفرغ. وبدأ درس الحديث الشريف على والده، فقرأ عليه الصحاح،

стр. 2902

غير "سنن ابن ماجه" سنة ١٣٣٣ هـ. ثم قرأ "صحيح البخاري"، و"سنن الترمذي" على العالم الجليل، والمربي الكبير خليل أحمد السهارنفوري سنة ١٣٣٤ هـ. ولزم شيخه خليل أحمد الأيوبي الأنصاري، وساعده في تأليف كتابه "بذل المجهود شرح سنن أبي داود"، وصحبه إلى الحجّ، وأجازه إجازة عامة، وخلفه، فآلت إليه بعدهم شيخة الحديث، وصار يلقّب بشيخ المحدّثين، وأقبل عليه الطلاب. وأبدى شيخه رغبته، فيوضع شرح لـ "سنن أبي داود"، وطلب منه أن يساعده في ذلك، وأن يكون له فيه عضده الأيمن، وقلمه الكاتب، وكان ذلك مبدأ سعادته وإقباله، فكان الشيخ خليل يرشده إلى المظانّ والمصادر، العلمية الى يلتقط منها المواد، فيجمعها الشيخ محمد زكريا، ويعرضها على شيخه، فيأخذ منها ما يشاء، ويترك ما يشاء، ثم يملي عليه الشرح، فيكتبه، وهكذا تكون كتاب "بذل المجهود في شرح سنن أبي داود" في خمسة أجزاء كبار، وفتح ذلك قريحته في التأليف والشرح، ووسع نظره في فنّ الحديث، ثم اهتمّ بطبعه في المطابع الهندية والعناية بتصحيحه وإخراجه. وقد تلقّى علمًا جمًا غزيرًا من فقيه هذه الأمة في عصره، ومحدّثها، وعارفها، وحكيمها، وزعيمها، مولانا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، ﵀، المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ. فارتوى، وتضلّع من منابع علمه الصافية فقهًا وحديثًا، كما ارتوى من أكابر مشايخ عصره في بقية العلوم روايتها ودرايتها، منقولها ومعقولها. رحل إلى "إفريقيا" و"باكستان" للدعوة، ثم جاور في آخر حياته في "المدينة المنوّرة" بمدرسة العلوم الشرعية، وكان حصل على الجنسية السعودية. وطاف أنحاء العالم الإسلامي، وتتلمّذ عليه كثيرون، ثم قدم "المدينة المنوّرة"، واستوطنها إلى أن كانت منيته فيها.

стр. 2903

عيّن مدرسًا للحديث الشريف وغيره من العلوم المختلفة بمدرسة مظاهر العلوم، التي تخرّج منها، وكان يدرّس فيها شيخه ووالده من قبل، غرّة محرّم سنة ١٣٣٥ هـ وهو أصغر الأساتذة سنًا، حيث كان عمره عشرين عامًا، وأسند إليه تدريس كتب لا تسند عادة إلى أمثاله في العمر، فسرعان ما فوّض إليه تدريس "مشكاة المصابيح" وعدّة أجزاء من "صحيح البخاري" بأمر شيخه الإمام الشيخ خليل أحمد، ثم تدريس "سنن أبي داود"، ثم النصف الأول من "صحيح البخاري" كلّه، حتى اشتهر بشيخ الحديث، وأصبح شيخ الحديث لقبًا لازمًا لاسمه الكريم، وقلّما يعرفه أحد إلا بهذا اللقب الكريم. وأثبت المدرس الشابّ جدارته وقدرته على التدريس، حتى أصبح رئيس أساتذة هذه المدرسة، ومن كبار مدرّسيها، وانتهت إليه رياسة تدريس الحديث أخيرًا. وكان أكثر اشتغاله بتدريس "سنن أبي داود"، ويدرّس في النصف الثاني من "صحيح البخاري" في آخر السنة. وبعد وفاة الشيخ عبد اللطيف مدير المدرسة آل إليه تدريس "الجامع الصحيح" بكامله، فواظب عليه مدّة طويلة، مع ضعف بصره وأمراضه الكثيرة، ولم يعتذّر عنه إلا في أول السنة الدراسية في سنة ١٣٨٨ هـ. وكان اشتغاله بالتدريس طول هذه المدّة تطوّعًا وتبرّعًا، لا يأخذ في ذلك أجرًا، ولا يبتغي جزاء، وهذا يدلّ على ورعه وإخلاصه. وعندما سافر بصحبة شيخه السهارنفوري إلى الحجّ عام ١٣٤٤ هـ حصلت له في "الحجاز" إلإجازة العامة والخلافة المطلقة عن الشيخ خليل أحمد. وفي هذه الرحلة وأثناء إقامته في مدينة الرسول ﵊ بدأ في تأليف كتاب "أوجز المسالك" في شرح الموطأ لإمام دار الهجرة، وهو في التاسعة والعشرين من عمره. بدأ في تأليفه في مسجد الرسول ﷺ ، وبارك الله له في الكتابة والتأليف، فأكمل في بضعة شهور ما لم يكمله

стр. 2904

في سنين عديدة في "الهند"، ووصل في الشرح إلى أبواب الصلاة، وظلّ مشتغلًا به بعد عودته إلى "الهند"، تتخلّله فترات طويلة، حتى أكمله في ستة أجزاء كبار. وعاد إلى "الهند" مكرمًا محببًا مثقلًا بالأعباء، قد شخصت إليه الأبصار، وارتفعت إليه الأصابع، واتّجهت إليه القلوب، فأقبل على التدريس. بجميع همته، وتوفي شيخه في "الحجاز"، فآلت إليه المشيخة، ورياسة تدريس الحديث والإشراف على تربية أصحابه والاتصال بمراكز العلم المنتشرة حوله، وبالجماعات الدينية التي تلوذ به، وتلتقي عليه وتصدر عن رأيه، وبيته ملتقى العلماء والطلبة، ولا تشغله المطالعة، وما فطر عليه من حبّ العلم والانزواء والخلوة، من البشاشة، وبذل الودّ، وطيب النفس، ولا يشغله كلّ ذلك عن الاشتغال بربه، والانفراد بعبادته ومناجاته، وعن تربية المريدين، وعن حضور حفلات التبليغ، وعن وضع كتب ورسائل في الإصلاح والدعوة إلى الله في أسلوب سهل، يتنزل فيه إلى مستوى العامة، وقد تلقّيت هذه الرسائل بقبول عام، وانتفع بها خلق لا يحصون، وظهرت لها طبعات لم تتيسّر إلا لكتب دينية معدودة في عصرنا. وأوقاته مشغولة بأمور نافعة موزّعة بينها، يحافظ عليها بكلّ دقّة وشدّة، فإذا صلى الفجر جلس قليلًا مشغولًا بحزبه وورده، ثم يخرج إلى بيته، ويجلس مع الناس، ثم يطلع إلى غرفة مطالعته، فيشتغل بالمطالعة والتأليف، ولا يزوره في هذا الوقت إلا من يطلبه، أو من يكون مستعجلًا من الضيوف، وغرفته هذه تذكر بالسلف المنقطعين إلى العلم والتأليف، فهي آية في البساطة والتقشّف، ومجرّدة من كلّ زينة وتكلّيف. فإذا كان وقت الغداء نزل، وجلس مع الضيوف الذين يكثر عددهم عادة، وهم من طبقات شتى، فيؤنسهم، ويلاطفهم، ويبالغ في إكرامهم والتفقّد لما يسرّهم، ويلذّ لهم، فإذا صلى الظهر اشتغل بإملاء الرسائل، والردّ عليها قليلًا،

стр. 2905

وكانت تتراوح بين ٤٠ و ٥٠ رسالة يوميًا، ثم يخرج إلى الدرس، وكان يشتغل به ساعتين كاملتين قبل العصر، فإذا صلى العصر جلس للناس، وإذا صلى المغرب اشتغل طويلًا بالتطوّع والأوراد، ولا يتناول طعام العشاء عادة إلا إكرامًا لضيف كبير. وقد أراد الله بمشيئته أن يحيى من طفولته إلى كهولته في غاشية من رحمة إلهية، كسته أنفاسًا قدسية من هؤلاء أرباب القلوب، فوهبه الله نفسًا مطمئنة، وروحًا طاهرة، نقية خفيفة، وذوقًا ووجدانًا، وتوفيقًا عظيمًا إلى كلّ خير من عبادة وتقوى، وتدريس وتأليف، وشمائل كريمة: من طلاقة وجه، وحسن لقاء، وكرم نفس، وجود وإكرام ضيف، ورقة في الطبيعة، وبشر دائم متهلّل. ومن أعظم مفاخره المغتبطة أن حياته كلّها بعدما أدرك شعوره لم تنقص منها ساعة ضائعة، فحياته مليئة بالاستفادة والإفادة، والعبادة والذكر، والتدريس والتأليف، وإصلاح النفوس، وهداية وإرشاد. ومن أغبط مفاخره أنه عالم وجيد في أهل عصره، لم يكتسب بعلمه وتدريسه الحديث راتبًا، وإنما درس متبرّعًا وتطوّعًا محتسبًا دله، غير راتب زهيد في أول عهده بالتدريس، وعاش عيشة زهيدة من مكتبته التجّارية المتواضعة. ومن أبرع مزاياه: أنه حاول، واجتهد أن تزول تلك المنافرة بين أرباب المراكز العلمية، فحاول بقلمه ولسانه وصحبته أن تعفو تلك المنافرة العصرية، التي كانت في طبقات أهل العلم بين "سهارنفور" و"ديوبند"، و"تهانه بون"، وأهل الندوة، فتقاربت بجهده البليغ هذه المراكز المتنافرة، فقضى بتلك الفروق على العواطف المختلفة. فحاز قصب السبق في جميع معاصريه بهذه المزايا الباهرة. كان مربوع القامة، أبيض اللون، مشرب بحمرة، خفيف الروح، كثير الدعابة، سريع الدمعة، كثّ اللحية، يلبس طاقية ونظارة.

стр. 2906

وهو كثير النشاط، لا يعرف الكسل، خفيف الروح، بشوش، ودود، كثير الدعابة، مع الذين يأنسهم، أو يحبّ أن يؤنسهم، سريع الدمعة، جريح المقلة، كلما ذكر شيء من أخبار الرسول ﷺ أو الصحابة أو الأولياء أو أنشد بيت رقيق مرقّق فاضت عيناه، وتملكه البكاء، وهو يغالبه، ويخفيه، فتنم عليه الدموع، وليس الحديث له صناعة وعلمًا فحسب، بل هو ذوق وحال، يعيش به ويعيش فيه. وسافر إلى الحجّ للمرة الخامسة في صفر الخير عام ١٣٨٩ هـ وصاحبه فيها العلامة أبو الحسن الندوي، وذكر أنه كان شديد الأدب مع الرسول ﷺ ، شديد الحبّ له، والشوق إليه، وكان يجلس تجاه أقدامه ﵊ ساعات متواليات مشغولًا مراقبًا، رغم ضعفه وكبر سنّه، وعلله الكثيرة، لا يفتر ولا يشبع من ذلك، وكان يتمنّى البقاء في هذه البقعة المباركة، وفي هذا الجوار الكريم، حتى يفارق الدنيا، ويلحق بربه. ويعز عليه حديث العودة إلى بلده "الهند"، ومغادرة "المدينة المنوّرة" إلا أن دعوات المسلمين وما يعانونه في "الهند" من مشكلات ومسائل تطلب بقاءه بجوارهم، وما تعانيه المدارس الدينية من أزمات ومعضلات، وما تحتاج إليه في "الهند" جماعة التبليغ من إرشاد وتوجيه وإشراف ومراقبة اضطرّته إلى العودة، فعاد في شهر ذي القعدة ١٣٨٩ هـ، ومرّ من طريقه من "باكستان"، فتهافت عليه الناس تهافت الفراش على النور، والتفّوا حوله في كلّ مكان كان ينزل فيه. ثم عاد إلى "المدينة المنوّرة"، وجاور فِى جوار المسجد النبوي، عاكفًا على العبادة والذكر، والإملاء والإرشاد، والتربية الروحية وتزكية النفوس، والحثّ والتشجيع على الدعوة إلى الدين ونشره، والقيام بأعباء التعليم الديني، وفتح المدارس، والتعاون على البرّ والتقوى، متمنيًا من الله أن يلقى الحِمام في

стр. 2907

جوار الرسول ﵊، ويجد مكانًا في البقيع بجوار الصحابة، وأهل البيت الكرام. عندما بدأ الشيخ الإمام خليل أحمد، فيشرحه على "سنن أبي داود"، فأصبح له خير معين في البحث، والجمع، وتصفح الأوراق، وتفحّص المظانّ، فكان خير وسيلة لترشيحه في التأليف، وتربية ملكة التصنيف، تحت رعاية شيخه، حتى فاز بسعادة مزاملته في رحلة الحجّ، فرافقه، وزامله، وتم بمساعدته تأليف "كتاب بذل المجهود شرح سنن أبي داود" بـ "المدينة المنورة" زادها الله نورًا، حين تم له العقد الثالث من عمره، وكان خير تمرين له بالتأليف والبحث. ثم بـ "المدينة المنورة" بدأ بتأليف "شرح الموطأ" في تلك البقعة المقدّسة الطاهرة في جوار القبر الأنور، والضريح الأطهر، على صاحبه صلوات الله وسلامه، وأتمه في ستة أجزاء كبيرة، بعد عودته إلى البلاد والعود أحمد وألّفَ في أكثر الفنون وشتى العلوم في الحديث والفقه والتفسير والتاريخ والتراجم والصرف والنحو والمنطق والحكمة. وتميزت كتب هذا الإمام النابغة بالضبط التام والتحقيق والإتقان وعمق البحث والاعتدال وكثرة المصادر وتقدر ثروته العلمية التي تركها من بعده فوق مائة مؤلّف ما بين رسالة في صفحات، وكتاب ضخم في عدة مجلّدات. وله من المؤلفات ما يزيد على (١٤٠) مؤلفًا منها المطبوع، ومنها المخطوط، فمن أهمّ وأشهر مؤلفاته المطبوعة ١: أوجز المسالك إلى موطأ مالك في ثمانية عشر مجلدًا بتحقيق تلميذه ومجازه الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي. وقدم له العلامة أبو الحسن الندوي … وحقّقه في طبعة أخرى: أيمن صالح شعبان عدد الأجزاء: ١٦، سنة النشر: ١٩٩٩، الطبعة رقم: ١، الناشر: دار الكتب العلمية. وهو لأبيه عاجلته المنية عن إتمامه، فأتمه هو وترجم لنفسه في مقدمته وذكر فيه أسانيده وتراجم شيوخه.

стр. 2908

٢ - وتعليقات على بذل المجهود شرح سنن أبي داود في أربعة عشر مجلدًا بتحقيق الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي. بذل المجهود في حل أبي داود. خليل أحمد السهارنفوري (تعليق) ٢٠ جزأً. ٣ - وتعليقات لامع الدراري على جامع البخاري لأبي مسعود رشيد أحمد الكنكوهي، ضبط أبي زكريا محمد يحيى الصديقي (تعليق) ١٠ مجلدات، وقدم له العلامة أبو الحسن الندوي. ٤ - وتعليقات الكوكب الدري على جامع الترمذي ٤ مجلدات، وكلاهما من أمالي الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي. ٥ - حجة الوداع وجزء عمرات النبي ﷺ (مجلد بتحقيق الدكتور ولي الدين الندوي، وقدم له العلامة أبو الحسن الندوي. ٦ - الأبواب والتراجم لصحيح البخاري، مجلد، وقدم له العلامة أبو الحسن الندوي. ٧ - أسباب سعادة المسلمين وشقائهم، كتاب متوسط من الحجم الصغير. ٨ - وجوب إعفاء اللحية، حقّقه، وخرج نصوصه أحمد يوسف الدقّاق، كما حقّقه، وعلّق عليه، وخرّج أحاديثه فريد أمين الهنداوي، وقرّظه الشيخ عبد العزيز بن باز. رسالة ٩ - الشريعة والطريقة، مجلد. ١٠ - المودودي ما له وما عليه. ١١ - الأستاذ المودودي ونتائج بحوثه وأفكاره. كتاب متوسط. ١٢ - مكانة الصلاة في الإسلام تحقيق: حسان عبد المنان الطيبي. ١٣ - فضائل الدعوة إلى الخير تحقيق: حسان عبد المنان الطيبي وألف كتبا عديدة بالأردية، منها: شرح شمائل الترمذي، حكايات الصحابة. وكتب أخرى في الفضائل:

стр. 2909

فضائل الذكر، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وفضائل الصلاة على النبي عليه صلوات الله وسلامه وغيرها. ألفها هداية وإرشادًا للناشئة الحديثة، فأقبلوا عليها إقبالًا عظيمًا، وقد نفع الله بها نفعًا كبيرًا، وأصلح الله بها أمة وأصبحت هذه الكتب والرسائل وسيلة إرشاد وخير لأرباب دعوة التبليغ، فجعلوها كمنهج علمي لأهل التبليغ، يقرؤونها، ويدرسونها دراسة حفظ وإتقان. توفي ﵀ رحمة واسعة في "المدينة المنورة" في أول يوم من شعبان سنة ١٤٠٢ هـ يوم الاثنين بعد العصر، وشيعت جنازته في جمع عظيم، ودفن بجوار شيخه المحدّث خليل أحمد السهارنفوري في البقيع، غفر الله له، ورفع درجاته. إن مزاياه التي امتاز بها عن أقرانه من كبار العلماء والمفكّرين والمشايخ المربّين، متعددة الجوانب، وإن أبرز جانب فيه اتّزانه العجيب، وجمعه المعجب المدهش بين الاستغراق في العلم، والتحقيق، والبحث، والتنقيب، والتحشية، والتأليف، وبين الانغماس الكلّي في العبادات المضنية من نوافل الصلوات، والصيام، وكثرة الذكر، وتلاوة القرآن، والاهتمام بالأوراد، وفضائل الأعمال، هذا مع الانصراف التام إلى تربية السالكين، وإرشاد المتعلّمين، وتسليك المريدين، الذين بلغ عددهم ألوفا مؤلفة، وتنوّعت جهاتهم واختصاصاتهم، وتباعدت أقطارهم وبلدانهم، وتفاوتت مراتبهم ومستوياتهم، والردّ على عشرات من الرسائل التي تأتي يوميا ردّا مفصّلا دقيقا، يعرض الحلول الناجعة لمشاكل السائلين والمستفتين. أضِفْ إلى ذلك استقباله الحار للضيوف وإكرامه الذي لا يفوقه إكرام، لكلّ طارق ونازل، ومطايبته بلطيف القول وجميل الخلق، مع السفرة المملوءة بألوان الطعام، وكلّ ذلك في يقظة نادرة، وفطنة فائقة، وذكاء حاد، تستشفه في عينيه البراقتين، وتلمحه على جبينه الأغرّ

стр. 2910

العريض، ثم لا يصرفه أيّ شيء من ذلك عن تعلق قلبه بالله، تلحظ بوضوح عند مجالسته كأنك أمام رجل موصول القلب بربه، ، وأن الجنة والنار رأي عين. ذلك العالم الربّاني الذي تعدّدت جوانبه الممتازة، وفاق فيها على كثير من كبار علماء عصره، بل أشهد بالله أنه ما رأت عيناي، وقد شهدتا عددا كبيرا من علماء العالم الإسلامي، ومشايخه، من يماثله في ربانيته المشرقة مع الاطلاع الواسع، والعلم الغزير، والحنكة، والذكاء، واليقظة، والصفاء، وكثرة المؤلّفات وتهافت الناس عليه تهافت الفراش على النور، وسخائه المنقطع النظير، واجتماع المئات من الناس في أيام رمضان على سفرته، لم تر عيناي يعلم الله، من جمع هذه الخصال في مثل هذا التوازن الجميل، والأخلاق النبوية العالية. لقد عرف هذا المحدّث الفذّ بكتبه الشهيرة، التي تتداولها الأوساط العلمية والدراسية في "الهند" وخارجها كـ "أوجز المسالك إلى شرح موطأ الإمام مالك"، الذي طبع مرارا في "الهند"، وطبع أخيرا في عشرة مجلّدات من "مصر"، وتعليقاته على "بذل المجهود في حل أبي داود"، الذي ساعد في تأليفه شيخه وأستاذه: الشيخ المحدّث خليل أحمد السهارنفوري، والذي طبع في عشرين مجلّدا من "مصر"، وكتاب "لامع الدراري في شرح صحيح البخاري"، الذي هو مجموع دروس الشيخ المحدّث رشيد أحمد الكنكوهي، قيّدها والد الشيخ المترجم له: الشيخ المحدّث محمد يحيى الكاندهلوي، ثم قام شيخ الحديث بالإضافات القيّمة، والتحقيقات المنيرة، فحلّى بها جيد الكتاب، وخرج في عشرة مجلّدات من "بيروت"، كما أن له كتاب: "الأبواب والتراجم للبخاري"، وهو فريد في موضوعه، لم يكتب في هذا الموضوع بحث أبسط وأوفى وأدقّ من هذا البحث الذي كان عصارة دراسات شيخ الحديث لكتاب "صحيح البخاري"، الذي قرأه مرارا، ودرسه عاما بعد عام، وقد
следующие страницы →