← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

خليل أحمد السهارنفوري، والشيخ حسب الله المكّي الشافعي، والشيخ عبد الجليل برادة المدني، والشيخ عثمان عبد السّلام الداغستاني، والسيّد أحمد البرزنجي، سبعتهم عن محدّث "المدنية المنوّرة" عبد الغني بن أبي سعيد المجددي، أنا الإمام إسحاق الدهلوي، أنا جدّي لأمّي العلامة المحدّث عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، أنا والدي الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، أنا سالم بن عبد الله بن سالم البصري، أنا والدي عبد الله بن سالم البصري الحافظ، أنا محمد بن علاء الدين البابلي الحافظ، أنا الشمس محمد الرملي، أنا القاضي زكريا الأنصاري، أنا الحافظ بن حجر العسقلاني، أنا البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد التنوخي، أنا أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجّار، أنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي، أنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى الهروي، ثنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي، ثنا الحافظ أبو محمد عبد الله بن حمويه السرخسي، ثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، قال: حدّثنا الحافظ أبو عبد الله محمد إسماعيل الجعفي، قال حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال حدّثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتّخد الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلّوا (١).

стр. 2977

قال الحافظ بن حجر في "شرحه" لهذا الحديث: وكان تحديث النبيّ ﷺ بذلك في حجّة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة قال: لما كان في حجّة الوداع، قال النبي ﷺ : خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع، فقال أعرابي كيف يرفع؟ فقال: ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته ثلاث مرات. * * * ٢٠٣٢ - الشيخ الفاضل سعادة الله بن مبارك شاه بن المولوي حسن شاه بن قاسم شاه الكُمِلّائي *. ولد سنة ١٣٢١ هـ في قرية "مومنبور" من مضافات "جاندبور" من أعمال "كملا". كان أبوه وجدّه من أجلّة العلماء، قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم التحق بالجامعة اليونسية بـ "بَرْهَمَنْبَارية"، وكان أخوه العلامة مولانا صفي الله من أجلّة الأساتذة فيها، وأخوه الصغير المولى هداية الله متدّرسا في الصفوف الابتدائية. وبعد عدّة سنين سافر إلى دار العلوم ديوبند، وأكمل فيها الدراسة العليا، وقرأ الصحاح الستّة على شيوخها، ثم ارتحل إلى "باكستان"، واختار صحبة شيخ التفسير العلامة أحمد على اللاهوري، وقرأ عليه علوم القرآن والتفسير، وكان شيخه يحبّه كحب الولد.

стр. 2978

كان قويّ الحفظ، سريع الملاحظة، يكاد يكشف حجب الضمائر، ويهتك أسرار السرائر، دقيق النظر، قويّ الحجّة، ذا نفوذ عجيب على جلسائه. توفي سنة ١٣٥٣ هـ، وكان عمره إحدى وثلاثين سنة، ودفن بعد أن صلّي على جنازته في مقبرة آبائه. * * * ٢٠٣٣ - الشيخ الفاضل سعادة حسين بن رحمة علي بن غلام علي البهاري *. أحد كبار العلماء. ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف بـ "كتها" قرية من أعمال "بهار" (١) -بكسر الموحَّدة-. واشتغل بالعلم أياما في بلاده، ثم سافر إلى "جونبور"، وقرأ على المفتي يوسف بن أصغر الأنصاري اللكنوي، ثم سافر إلى "دهلي"، وأخذ الحديث عن الشيخ المحدّث نذير حسين الدهلوي، ثم رجع إلى بلاده، وولي التدريس بـ "آره"، فدرّس بها عشر سنين.

стр. 2979

وفي خلال ذلك أسند الحديث عن الشيخ أحمد علي بن لطف الله الحنفي السهارنبوري عند قدومه بـ "آره"، وسافر إلى "الحجاز" سنة ستّ وتسعين ومائتين وألف، فحجّ، وزار، ورجع إلى "الهند"، فولي التدريس بالمدرسة العالية بـ "كلكته"، ولقّبته الحكومة الإنكليزية شمس العلماء. قال صاحب "النزهة": اجتمعت به في "كلكته"، فوجدته شيخا مشكلا، منوّر الشبيه، حسن الأخلاق، كثير التواضع، قليل الخلاف على أصحابه. له حاشية على "مير زاهد" رسالة، و"رسالة في إبطال التناسخ". عمّر طويلا. ومات في الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ستين وثلاثمائة وألف. * * * ٢٠٣٤ - الشيخ الفاضل سعادة علي بن محمد حنيف الكُمِلّائي، رحمه الله تعالى *. ولد رحمه الله تعالى في قرية "سِرِيْرَامبُور" من مضافات "جاندبور" من أعمال "كملا". قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، وبعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه. ودرّس في عدّة مدارس، واستفاد منه كثير من الناس. توفي سنة ١٣٥٤ هـ، وعمره إذ ذاك ٦٣ سنة، ودفن في مقبرة قريته عند جوار المسجد الذي بناه بيده. * * *

стр. 2980

٢٠٣٥ - الشيخ الفاضل الداعية الكبير العلامة سعادة علي السهارنبوري *. كان من أخصّ رفقة الشيخ السيّد أحمد الشهيد البريلوي، ومن أعيان الفقهاء. ولقّب بالفقيه السهارنبوري، وكان طلبة العلم يقصدونه، ويأتون إليه، وهو يدرّسهم في بيته، ويقوم بإطعامهم، ويبذل الأموال عليهم، وممن كان تلمّذ عليه في ذلك الحين الشيخ عناية إلهي، عميد جامعة مظاهر العلوم بـ "سهارنبور" سابقا، والشيخ الحافظ قمر الدين. وكان سعادة علي يودّ ويتمنّى منذ مدّة مديدة أن يؤسّس معهدا دينيا في "سهارنبور"، وكان يرغب أصدقائه في ذلك، ويحرّضهم عليه، ووفّق في تأسيس هذا المعهد الديني في مسجد لحارة القاضي بـ "سهارنبور" عام ١٢٨٣ م، الذي اشتهر فيما بعد بمظاهر علوم، وعيّن رحمه الله تعالى للتدريس بعض علماء عصره، أمثال الشيخ سخاوة علي الأنبيتوي (١) مدرّسا بالمدرسة، وقام بتدريس الطلبة بنفسه أيضا.

стр. 2981

وبما أن الناس كانوا في انتظار إلى إنشاء مثل هذا المعهد الديني العلمي، فتهافت إليه القلوب، وتوافد إليه الناس، وقصده الطلّاب من أماكن شتى، حتى كثر عدد الطلاب، ومسّت الحاجة إلى مدرّس آخر، فعيّن الشيخ محمد مظهر النانوتوي مدرّسا. توفي الشيخ سعادة علي في ١٢٨٦ هـ، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. * * * ٢٠٣٦ - الشيخ الفاضل سعد بن خليل بن سليمان، الرُّومِيّ، الْمرْزُبانِيّ، الشيخ سعد الدين، خازن الكتب بـ "الشَّيْخُونيّة" (١)، والخادم الكبير بها *. ذكره التميمي في "طبقاته" فقال: كان عالما، بارعا، فاضلا، علامة في الفقه والعربيَّة، وغيرهما. قرأ عليه الشيخ ركن الدين، عمر بن قَديد (٢)، وغيره، ونقَل عنه أبحاثا في "تعاليقه"

стр. 2982

وله تصانيف في التصريف، وغيره. مات قَتيلا بمدرسة "رَسْلان" بـ "المِنْشِيَّة"، قَتَله اللُّصوص بسكِّين في بطنه، في حُدود سنة أربعَ عشرةَ وثمانمائة، رحمه الله تعالى. * * * ٢٠٣٧ - الشيخ الفاضل سعد بن عبد الله بن أبي القاسم الغَزْنَويّ، أبو نصْر، الإمام *. ذكره التميمي في "طبقاته" فقال: له كتاب "الغرائب والغوامض والمِلْتَقطات". قال في "الجواهر المِضيّة": رأيتُه بخطّه (١). ولم أقفْ على ترجمة سوى ما هُنا، وهو منقول من "الجواهر". * * * ٢٠٣٨ - الشيخ الفاضل سعد بن علي بن إسماعيل الهَمْدانيُّ، الشيخ سعد الدين ،

стр. 2983

٢٠٣٩ - الشيخ الفاضل سعد بن عليّ بن القاسم الكُتْبي الحَظيريّ، أبو المِعالي *. والحظيرة قرية بـ "دُجَيْل" (١). ذكره التميمي في "طبقاته" فقال: كان فاضلا، لدَيه مَعارف، وله نظم جَيِّد، وأدب كثير، وكان دَلّالَ الكُتُب. وصَحِبَ (٢) أبا القاسم على بن أفْلَحَ الشاعر. وجالس الشريفَ أبا السعادات الشَّجَريّ، وأبا منصور الجَوَاليقيّ، وابنَ الخشّاب. وتفقَّهَ على مذهب أبي حنيفة.

стр. 2984

وأحَبَّ الخَلْوة والانقطاع، فخرج سائحا، [وطاف البلاد] (١)، [ورأى عجائب، وجال في الأقطار، وحجَّ، ثم] (٢) عاد إلى "بغداد"، وكان وَجِيها عند أهلها. قال ياقوت في "معجم الأدباء (٣) ": بلغني أنه اتُّهِمَ في دينه، وسُعِيَ به أنه يَرَى رأي الأوائل، ونَمَى ذلك عنه، فخَشِيَ على مُهْجَتِه، ففارق وطنه، وخرج بِزِيٍّ (٤) السياحة، وتغرَّب في البلاد مُدَّة، حتى سكنت الفتنة (٥)، ومات من كان يخافه، فرجع إلى "بغداد" وبنى له بظاهر البلد صَوْمعةً، أقام بها مدّة، [حتى سكنت نَفْسه] (٦)، ثم عاد إلى ما كان عليه من بيع الدّفاتر والكتب، والتَّصنيف، إلى أن أدْركتْه وفاته (٧)، في سنة ثمان وستين وخمسمائة. وله (٨) من التصانيف: "لُمَحُ الملَح" (٩)، جمَع فيه ما وقع لغيره من الجِناس نَظْما ونَثْرا (١٠) وكتاب "الإعجاز في الأحاجي والألغاز"، وكتاب

стр. 2985

"صَفْوَة الصَّفوة"، وهو نظم كلّه في الحِكَم (١)، وكتاب "زينة الدَّهْر" (٢) ذَيَّله على "دُمْية القَصْر"، وله "ديوان" صغير الحَجْم، إلا أن أكثَره مصنوع مُجَدْول، تُقْرأ القصيدة منه على عِدَّة وُجوه. وذكره العماد الكاتب في "الخَريدة"، فقال (٣): الشيخ أبو المِعالي، سَعْد بن عليّ، الورّاق، الحَظيريّ، الكُتْبيّ، من "الحَظيرة" مُجاوِرة "عُكْبَرَا"، أبو المعالي ذو المِعاني، التي هي راحة للمعنّى المعاني، وفِكاك الأسير (٤) العاني، وَرّاق لَفْظُه رَقَّ وراق، وكسا غُصْنَه الأوراق، وهِلال معناه الإشراق، ذو فُنون غضَّة الأفنان، وعُيون تَقَرُّ بها عيون الأعيان، ورُهون يَسْتبدّ بها عند الرِّهان، ضاع عَرْفه، وما ضاع عُرفُه، وسبَق في إنشاء طُرَفِه طِرْفُه، وبَخَسَ حَظَّه الزمان، فجرَّعه صِرْفَه صَرْفُه، فهو ببيع الكُتب على يده مُتَعَيِّش، وعلى القَناعة عن غيره مُتَكَمِّش، وعلى الأُنس بالعلم لما سِواه مُسْتَوْحِش. حَظيريٌّ ينال الصادي من حظيرة وِرْده (٥) حَظَّ رِيّ، ذَكِيٌّ ألْمَعيّ يُذيق كل فَصيحٍ [ببراعته ألَمَ دَعِيّ] (٦). كُتْبيّ يعرف الكتب وما فيها، والمِصنَّفات ومُصنِّفيها، والمؤلَّفات ومُؤلِّفيها. له التصانيف الحَسنة، التى اتّفَقَت على إطرائها الألْسِنة، وثَنَت إليها من الفُضَلاء عِنانَها الأثنِيَة المسْتَعْذَبة المسْتَحْسنة. المِسْك في الطّيب دون ذكره، والعَنْبر مُعْرِب عن بِرِّه. وجوده بالعراق بين الطّغام، وجود الذهب في مَعْدن الرَّغام. جامع الكتاب النَّفيس، المرسوم "بلُمَح المِلح" في التجنيس، ومؤلِّف

стр. 2986

كتاب "الإعجاز في الأحاجي والألغاز". وقائل القول المستَفاد، الشعر المستجاد. نَظْمُه بديع صَنيع، وخاطره في إيداعه وإبداعه كلِّ معنى حسن جَرِيٌّ سريع، فشعره مُصَرَّع مُرصَّع، مُعْلَم بالعلم مُلَمَّع. بُرْدُه مُفَوّفٌ (١)، وسَهْمه مُفَوّقٌ (٢)، وعُودُه مُطيَّب (٣) مُوَرَّق، وشرابه مُرَوُّق، وبَحْره فيّاض، ودِرعه فَضْفاض، وضِرغامه للفضل فارس، ومَقوله على طِرْف الفَصاحة فارس، سمعتْ بسَيْره (٤) "الحِجاز" و"فارس". سوق الأدب قائمة بمكانه في سوق الكتب، وإذا حاورتَه لا تسمعُ منه غيرَ النُّكَت والنُّخَب. قلبه قليب المعنى، ونَحره بَحْره، وصَدْره مَصْدره، وسَحْره سِحْره، وخاطره غَيثُه الماطر، ولِيْثُه القاهر، وجَناته من الجِنان، فإنه مَعْدن الغُرِّ الحِسان، ولسانه كالسنان، والعَضْب اليَمان. عجيب الفَنِّ غَريبه، غَضُّ الفَنَن رَطِيبه. مُقطّعاته أكثر من قصائده؛ فإنه يقَع له معنى، فيَنْظِمه بيتا أو بيتين في فَرائده. وقد ألَّف كل مُؤلَّف ظَريف، وأوْدَعَه كل كلام لطيف، ولا يكون اعتناؤه أكثر زمانه، إلا بالجمع والتأليف، وتصريف القول في التصنيف. ولم يزل مَجْمَعَ الفُضلاء دُكّانُه، ومَنْبَعَ الفَضْل مَكانُه. قال العمادُ (٥): وكنتُ أحضُر عنده، وأقْدحُ زَنْده، واسْتَنْشِقُ بأنه ورَنْده، وهو يُنْشِدني ما يُنْشيه، ويُسَرّح ناظري فيما يُوشِّيه. أنشدني لنفسه في وَصْف العِذار مُقَطِّعات أرقَّ من الاعتذار، غاص على ابتكار معانيها بالافتكار.

стр. 2987

فمنها قوله من الأبيات العِذَارِيّات (١): مُدَّ على ماء الشباب الذي … بخَدِّه جِسْرٌ من الشَّعر صار طريقا لي إلى سَلْوَتي … وكنتُ فيه مُوثَقَ الأسر وقوله أيضا (٢): إن لم يَنَم لك وهْو أمـ … ـــــرَدُ نام وهْوَ مُعَذَّرُ والنوم يعْسُر في النها … ر وفي الدُّجى يتَيَسَّرُ وقوله وقد شَبَّه العِذارَ باللِّجام (٣): ومُعَذَّرٍ في خَدِّه … وَرْدٌ و في فمه مُدام (٤) ما لان لي حتى تَغَشَّـ … ـــــى صُبْحَ عارضه الظَّلام (٥) والمِهْرُ يجْمَحُ تحتَ را … كبه ويَفْطِمُه اللِّجام (٦) وقوله أيضا (٧): أحْدَقَتْ ظُلْمةُ العِذار بخَدَّيْـ … ـــه فزادتْ في حُبِّه زَفراتي (٨)

стр. 2988

قلتُ ماءُ الحياة في فمه الآ … ن فطاب الدُّخول في الظلمات (١) وقوله أيضا (٢): قالوا الْتَحَى فاصْبُ إلى غيره … قلتُ لهم لستُ إذا أسْلُو لو لم يكنْ مِن عَسَلٍ ريقُه … ما دَبَّ في عارضه النَّمْلُ وقوله أيضا في المعنى (٣): قلت وقد أبْصَرْتُه مُقْبلا … وقد بَدا الشَّعْرُ على الخدِّ صُعودُ ذا النَّمْلِ على خَدِّه … يشهدُ أنَّ الرِّيق من شَهْدِ وقوله أيضا (٤): يا آمِري بالصَّبْر عن رَشَأٍ … قَلبي يَحِنُّ إلى مَآرِبِه دَعْني فصاد الصبر قد قُسِمَت … ما بين حاجبه وشاربه وقوله في غلام تحت شَفَته شامَةٌ صغيرة (٥): قل لمن عاب شامَةً لحِبيبي … دون فيه دَعِ المِلامَةَ فيه إنما الشامة التي خِلْتَ عَيْبا … فَصُّ فَيْرُوزَجٍ لخاتَم فيه (٦)

стр. 2989

وقوله في ثِقَل الكَفَل (١): يقولون ما فيه شَيءٌ يُحَبُّ … ويُعْشقُ إلا عُلُوِّ الكَفَلْ فقلت وأيْري يُحِبُّ الْبكا … ء للزُّهد في كهف ذاك الجبلْ وقوله في غلام ساعٍ (٢): وساعٍ سريعٍ إذا ما عدا … لقلْبي سَبَى ولِدَمْعي سَفَكْ يُسابِق في الجَرْى رِيَحَ الشَّمال … ويُزْري على دَوَران الفَلَكْ وقوله في الطَّيف (٣): طَيف خيال هاجري … ألَمَّ بي وما وَقَفْ وافَقَني على الكَرَى … ثُمَّ نَفاه وانْصَرفْ وقوله أيضا (٤): ومُستَحسَنٍ أصْبحتُ أهْذي بذكْرِه … وأمْسَيْتُ في شُغْلٍ من الوَجْد شاغلِ (٥) وعارَضَني من سِحْرِ عَيْنَيْه حُبُّه … فقَيَّدَني من صُدْغه بسلاسِلِ وقوله أيضا (٦): وبَيْضاءَ مَصْقولةِ العارضينِ … تَصيدُ بسَهْمِ اللِّحاظ القُلوبا بَدَتْ قمرا ورَنَتْ جُؤْذرا … ومالَتْ قَضيبا ووَلَّتْ كثيبا (٧) وقوله في مَخْضوبة الكَفِّ (٨):

стр. 2990

وذْاتِ كَفِّ قد خَضَّبَتْه … يَسْبِقُ في الوَهْم كلَّ نَعْتِ (١) كأنه في البَياض عِلْمي … قد اخْتبا فِى سواد بَخْتي وقوله أيضا (٢): يا مَن تغافَل عنِّي … وشَفَّني في التَّجَنِّي (٣) إنْ كنتُ أعْجزُ عن بَثِّ … بَعض لوْعة حُزْني فاسمع حَديثي من الدمـ … ح فَهْو أفْصحُ مني وقوله أيضا (٤): يا غَزالا فاتِنَ النَّظْرِ … يا شَبيه الشمس والقمر (٥) كيف يخْفى ما أُكَتُمُه … وزَفيري صاحب الخَبَر قوله أيضا (٦): وقالوا لِمَ بَكَيْتَ دما ودَمْعا … وقد أَولاكَ بعدَ العُسْر يُسْرا (٧) فقلتُ لفرحتى برِضاه عني … نَثَرْتُ عليه ياقوتا ودُرّا وقوله فيما يكتب على مروحة (٨): بدا يروح جسمي … لما رأى ما ألاقي و ما ينفس كربي … إلا نسيم التلاقي

стр. 2991

وقوله أيضا (١): بأبِي مُوَدَّعةً لوَصْلي إذ بدا … فِى عارض بعدَ المِشيب قَتير كالطَّيْف يَطْرُقُ في الظلام إذا دجا … وله إذا لاح الصبّاح نُفُورُ وقوله أيضا (١): نَقَصوه حَظَّه حسدا … لِكَمالٍ في خَلائِقِه وعُلُوُّ النَّجْمِ أوْرَثَه … صِغَرا في عَيْنِ رامقه وقوله أيضا (٢): أرى ذا النَّدَى والطَّوْل يغْتاله الرَّدَى … ويَبْقَى الذي ما فيه طَوْلُ ولا مَنُّ كما الوَرْدِ يَبْدو في الغُصون وينْقَضِي … سريعا ويَبْقَى الشَّوْك ما بَقِيَ الغُصْنُ وقوله أيضا (٢): لا تَحْقِرَنَّ وَضيعا … يُزْرِي بصَدْرٍ شَريف (٣) فرُبَّما خُفِضَ اسْمٌ … عالٍ بحَرْفٍ ضَعيف وقوله يُخاطب بعضَ الصدور، وقد اسْتخْدمَ غلاما عِيْبَ به (٤): لمِا أضفْتَ إليك نَجْلَ مَسَرَّةٍ … حاربْتَ نَفْسَك بالحُنُوِّ عليْه (٥) وبه انْخَفضْتَ وكان قَدْرُك عاليا … فِعْل المِضاف بما أُضيف إليه وقوله أيضا (٦): تعلَّمتُ منه العِلْمُ ثم اطَّرَحْتُه … وأولَيتُه بعدَ الوِصال له هَجْرا وهل يقْتَنِي الأصْدافَ في الناس حازم … إذا هو من أجْوافها أخَذَ الدُّرَّا

стр. 2992

وقوله يمدح (١): بدأ الوَزيرُ بجُوده مُتَفَضِّلا … فنَطقْت فيه بأحْسنِ الآداب والرَّوض ليس بضاحكٍ عن ثَغْره … إلا إذا رَوّاه صَوْبُ سحابِ وقوله أيضا (٢): أصِخْ لِنَظْمِي ففيه مَعْنًى … بلا شَبيهٍ ولا نظير وقد بدا في رَكِيكِ لفظِي … كعالِمٍ فاضلٍ فقير وقوله أيضا (٣): سَمَحْتَ ببعض الذي أرْتَجِي … وألْقَيتَ حَبْلِي على غاربي وإتْمام نافلة المكْرُما … ت بعدَ الشُّروع من الواجب وقوله في الهجاء (٤): ما كان بُخْلُكَ بالنَّوال مُؤَثَّرًا … فيكون هَجْوِي فيكَ باستحقاقِ لكنني أبصرتُ عِرضَك أسْودًا … مُتَمَزِّقا فقَدَحْتُ في حُرّاقِ (٥) وقوله أيضا (٦): كم تَدَّعِي كرمَ الجُدُو … دِ وأنتَ تَحْرِمُ مَن شَكَرْ وعلَى فساد الأصْل منْـ … ــــك يَدُلُّنِي عدمُ الثَّمَرْ وقوله في الهزل (٧):

стр. 2993

قال قُمُدِّي وقد حَظيتُ بمَنْ … شَقِيتُ في حُبِّها مَدَى عُمُرِي قد أسْكَنْتَني لَظًى فقلتُ كما … عَبَدْتَها دُونَ خالق البَشَرِ وصُمْتَ عن غَيرِها وكنتَ تقُو … مُ اللَّيلَ في حُبِّها إلى السَّحَرِ فاصبرْ علَى قُبْح ما جَنَيْتَ فلمْ … تَظْلِمْكَ إذ خَلَّدَتْك في سَقَرِ وقوله في بعض عُمّال السواد (١). وما اسْوَدَّ فَوْدُك حتَّى نَزَلْتَ … من المقْتَفِي في سُوَيْدا الفؤاد (٢) ورَدَّك ناظرَه في السَّوا … د إذ كنتَ ناظرَه في السواد (٣) ولما أراد اخْتبار الرِّجا … ل ألْفَى مُرادَك فوق المراد وقوله في صاحب المِخْزَن، زعيم الدين، أبي الفضل، يحيي، ابن جعفر (٤)، يُهَنِّيه بالحج الشريف (٥). قد بَرّ حجُّ وحجَّ بَرُّ … وضَمَّ بَحْرَ العراق بَرٌّ عاد الزّعيم الكريم يَطْوِي … أرضا لها من تُقاه نَشْرُ صَدْرٌ نفَى العَجْزَ عنه قلْبٌ … ثَبْت له هِمَّةٌ وصبر إذا حبا واحْتبَى بنادٍ … تقولُ بحرٌ طما وبدرُ

стр. 2994

غَوْثٌ لِمُسْتَصْرِخٍ وغَيْثٌ … إن لم يكنْ في السماء قَطْرُ يا مَن ضُرُوبُ الورَى غُثاءٌ … وخُلْقُه للجميع بحرُ أنتَ الذي دينه لُبابٌ … يَبْقَى ودُنياه منه قِشرُ قد طُلْتُ فَرْعا وطبْتَ عَرْفا … وأصلُ عَلْياكَ مُسْتَقِرُّ فاقْنَ لما لا يَبيد مما … يبيد ذُخْرا فالخير ذُخْرُ إن قلتُ شِعرا ففيه شَرْع … والفكر في المسْتَحيل كفرُ لكنْ سَجايَاك لُحْنَ غُرًّا … حقيقةً لا كما تغُرُّ فصاغها مَنْطِقِي عُقودا … فوق جُيُوب العُلا تُزَرُّ تُضْحِي لِنَحْر الوليِّ حَلْيا … وهْي لنَحْرِ العدُوِّ نَحْرُ كأنما الشخص منك فصُّ … من المعالِي عليه شَطْرُ (١) والشِّعر كالشمع منه يُقْرا … بالسَّمْعِ والطَّبْع فيه شُكْرُ (٢) ولستُ فيما أحُوكُ إلا … حاكٍ فمالِي عليه أجْرُ هذا علَى أنَّ لي زمانا … ما دارَلي في القريض فِكْرُ لأنه يسْتَبيحُ مني … حِمًى له بالعَفاف سِتْرُ وَتَسْتَرقّ الأطْماع مني … حُرًّا ولا يُسْتَرَقُّ حُرُّ فاسْتَوْجَبَ الشُّكرَ ربُّ بِرٍّ … علَى جميع الورَى مُبِرُّ قَلَّدنِي مَنَّه ابْتداءً … فاقْتادَني والكريم غِرُّ ووَقَّفتْ دونَه القوافِي … وشَفَّ وَزْنٌ وضاق بَحْرُ (٣) لكنْ خلعتُ العِذارَ حُبًّا … وكان لِي في القُصور عُذْرُ

стр. 2995

ومن نَظْمه أْبيات تُقْيرأ علَى أربعة أقسام، وتقْرأ عَرْضا وطُوْلا، وهي (١): إنَّ سُؤْلِي بَدْرُ تَمَّ … إن تَبَدَّى وهْوَ حَسْبِيِ يا عَذولِي حين وَلَّى … وتَجَنَّى لا لِذَنْبي (٢) مارنا إذ رامَ هَجْرِي … وجَفانِي بعدَ حُبِّي (٣) قُلتُ عُجْ بِي بعد عَتْبِ … شَفَّ قلْبِيِ مَلَّ قُرْبي (٤) ومن شعره في مليح أصْفر (٥): وأصْفَرَ يَعْجِز عن وَصْفه … إذا رآه الفَطِنُ الحاذقُ إذا بدا يصْفَرُّ لَونِي له … فليس يُدْرَى أيُّنا العاشقُ ومنه أيضا في مليح أشْقَر (٦): كأنَّ خَدَّيْه والصُّدْغين فوقَهما … وقد غدا لِعتابِي مُطْرِقا خَجِلا تَلَهُّبٌ مِن لَظَى قلبِي وزَفْرتِه قد دَبَّتِ النار في خَدَّيْه فاشْتَعَلا (٧) ومنه أيضا (٨): يقولُ لِي حين وافَى … قد نِلْتَ ما تَرْتَجيهِ

стр. 2996

فما لِقَّلبك قد جا … ء خَفْقُه يشْتَكيه (١) فُقلتُ وَصْلُك عُرْسٌ … والقلْبُ يرقُصُ فيه وقال في ليلة طويلة شاتية (٢): أقولُ والليل في امْتِدادٍ … وأدْمُعُ الغَيْثِ في انْسِفاحِ أظُنَّ لَيْلِي بغير شكٍّ … قد بات يَبْكِى على الصبَّاح وقوله أيضا (٣): يا بأبِي ظَبْيٌ غَدا ثَغْرُه … مثلَ أقاحِي الرَّوضِ في الابْتِسامْ لا غَرْوَ أنْ أضْحَكَه مَدْمَعِي … قد يُضْحِكُ الرَّوْضَ بُكاءُ الغَمامْ وقال في الشَّيْب: بدا الشَّيْبُ في فَوْدِي فأقْصَرَ باطِلِي … وأيْقَنْتُ قَطْعا بالمصير إلى قَبْري أيَطْمَع في تَسْويدِ صُحْفِي يَدُ الصِّبا … وقد بيَّضَتْ كَفُّ النُّهَى حِسْبة العُمْرِ وقال أيضا: يقولون لا فَقْرَ يدومُ ولا غِنًى … وما كُرْبَة إلا سيَتْبَعُها كَشْف ولستُ أرى فَقْري وضُرِّيَ يَنْقَضِي … كأنِّي على هذين وَحْدها وَقْفُ * * * ٢٠٤٠ - الشيخ الفاضل سعد بن على بن محمد الأُزُرِيّ *.

стр. 2997

بضَمِّ الألف والزاي وكسْر الراء؛ نسبةً إلى الأُزُر، جمع إزار. ولعلَّ هذا الرجل كان يبيعها. كذا ذكره السَّمْعانِيُّ. وقال ابن النَّجَّار: سمع النَّقيب أبا الفَوَارس طِرادَ بن محمد الزَّيْنَبِيّ، وغيرَه. وتُوُفِّيَ، ﵀ تعالي، في حُدود سنة ثلاثين وخمسمائة. وكان يكتُب الشروط، وكان به صَمَمٌ. حدَّث باليَسير، وسمع منه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الخَشّاب. انتهى. * * * ٢٠٤١ - الشيخ الفاضل سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر بن سعد النابلسي الأصل، القدسي، نزيل "القاهرة"، ويعرف بابن الديري *. (سعد الدين، أبو السعادات) مفسّر، فقيه، متكلّم، أديب. ولد في رجب، وتولى القضاء، وتوفي بـ "مصر القديمة" في ٩ ربيع الآخر. * * *

стр. 2998

٢٠٤٢ - الشيخ الفاضل سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد العبسي، الدَّيْرِيُّ (١)؛

стр. 2999

نسبةِ إلى "دَيْر عثمان"، المقْدِسِيُّ مولدا ومَنْشأ، الشيخ الإمام العلامة

стр. 3000

سعد الدين، ابن قاضى القضاة شمس الدين *. ذكره التميمي في "طبقاته" فقال: ولد سنة ثمان وستين وسبعمائة. وحفظ القرآن وهو صغير، وحفظ كتبا كثيرة في الفقه وغيره؛ منها: "مختصر ابن الحاجب الأصلي". وكان سريع الحِفْظ، مُفْرِط الذكاء، فَعُنِيَ به أبوه، وأعانَه هو بنفسه، وأكبَّ، على الاشتغال إلى أن فاق الأقْران، واشْتهر بمعرفة الفقه حِفْظا، وتنْزِيلا للوقائع، واسْتحضارا للخلاف، وكان والدُه يقدِّمه على نفسه في الفقه. ووَلِيَ عِدَّة وظائفَ ببلاده، وقدِمَ "القاهرة" مرارا، وسمع الحديث علَي أبي الخير ابن الحافظ صلاح الدين العَلائِيِّ، وعلى غيره، وحدَّث عن العَلائِيّ بالسماع والإجازة مرارا، ووَلِيَ مِشْيَخة "المؤَيَّديَّة" بـ "القاهرة"، عِوَضا عن أبيه، وباشَرها. وانْتفَع به الناس في الفتاوَى والمواعيد والاشْتغال، مع طَلاقة اللسان، وحُسْن الوَجه، وكثرة البِشْر، ولِين الجانب، وفَرْط التّواضع، مع الوَقار، والمهابة، والدِّيانة، والصِّيانة. ووَلِيَ قضاء "الدِّيار المصرية"، عِوَضا عن القاضي بدر الدين العَينَتابِيّ، فباشر بمَهابةٍ وعِفَّة وصرامةٍ، وأحبَّه الناس، ولا سيَّما إذ شرط على نفسه أن يُبْطلَ اسْتبْدال الأوقاف، فدام ذلك إلى مُضِيِّ ثالث سنة من ولايته، وحصل للأوقاف من ذلك رِفْيقٌ (١) كبير، وعَمُرَتْ أوقاف الحنفية في

стр. 3001

ولايته، وكثُير متَحَصِّتلُها بعد أن كان تلاشَي أمرها، بكَثْرة ما بِيْع منها أنْقاضا واسْتبْدالا بالذهب أو الفضّة. وذكره السّخاويّ في "ذيله" على "رَفع الإصْر"، وبالَغ في الثَّناء عليه، ثم قال، بعد أن عدَّد شيئا من محفوظاته، وعدَّد جماعة ممن أخذ عنهم، أو لَقِيَهم؛ كالشمس القُونَوِيّ، وصَاحب "دُرَر البحار"، والمولى حافظ الدين البزَّازِيّ صاحب "الفتاوى" المشهورة: وكانتْ ولايته لقضاء الحنفية بعد امْتناعٍ منه، وإلْحاح عليه، وعزَل نفسَه غيرَ مرَّة، ثم أُلْزِمَ، وأعيد. وكان إماما عالما، علامة، جبَلا في استحضار مذهبه، قويَّ الحفاظة، حتى بعد كِبَر سِنِّه، سريعَ الإدراك، شديد الرَّغبة في المباحثة في العلم مع الفضلاء والأئمة، مُقتدرا على الاحتجاج لما يَرُومُه، ذا عناية تامَّة بالتفاسير والمواعيد، يحفظ من مُتون الأحاديث ما يفوق الوصف، غيرَ مُلْتزِمٍ للصَّحيح من ذلك، وعنده من الفصاحة وطَلاقة اللسان في التقرير ما يُعْجَزُ عن وَصْفه، لكن مع الإسْهاب في العبارة، فصار مُنْقَطِع القَرين، مَفْخَرَ المِصْرَين، ذا موقعٍ وجلالة في النفوس، وارْتفاع عند الخاص والعام على الرءوس، بحيث إنه عرَض على كلّ من الشيخ كمال الدين ابن الهُمام، والأمين الأقْصُرائيِّ الاستقرار في منصب القضاء عِوَضًا عنه، [فامتنع، مُصرِّحا] (١) بأنه لا يُحْسِن التَّقدُّمَ مع وُجوده. وقَدِمَ الكمال ابن الهُمام مرّة من الحجّ، فأوّل ما ابتدأَ قبلَ وصوله إلى بيته بالسّلام على السَّعْد في "المؤَيَّدِيَّة"، وعُقِد مَرَّة عنده مجلس في "الصالحيّة"، فسُئل به الأمينُ الأقْصُرائيِّ عن شيء كان أفْتَى فيه في قضية تتعلَّق بحكم حكم به القاضي سعد الدين، فأجاب بقوله: أنا (٢) أفْتيت،

стр. 3002

ولا شُعورَ عندي بكَوْن الاستفتاء يتعلَّق بحُكْم مولانا قاضي القضاة، فالذي عندي أنَّ مشايخها المتأخِّرين لو كانوا في جهة، وهو في جهة، كان عندي أرْجَحَ وأوْثَقَ. وكان ابن حَجَرٍ يُثْني عليه، ويُبالغ في مدحه، وكذلك كان هو في حقّ ابن حجر، رحمهما الله تعالي، فلقد كان للزمان بهما بهجةٌ. وقد حُكِيَ أنهم سمعوا هاتفا يقول: بعد أحمد وسعد ما يفرحُ أحد. قال السَّخاويُّ: ولم يُشْغِلْ نفسَه بالتّصْنيف، مع كثرة اطِّلاعه وحِفْظه، ولهذا كانتْ مؤلّفاته قليلةً، فممّا عرفت منها: "الكواكب النِّيِّرات في وُصول ثواب الطاعات إلى الأموات"، و "السِّهام المارقَة في كَبد الزَّنادقة"، و "فتوى في الحبى بالتُّهْمة"، وأخْرى في "هل تنام الملائكة أم لا"، و "هل مَنْعُ الشَعْر مخصوص بالنبي ﷺ أم عامٌّ في جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام"، وله منظومة طويلة، سمّاها "النُّعْمانيَّة"، فيها فوائد بديعة، وله "قصيدة مخمَّسة" في مَدْحِ النبي ﷺ . قال ابن الشِّحنة: وكتَب على "الهداية" من أوَّل الأيمان، حيث انتهتْ إليه كتابةُ السَّروجِيِّ، إلى أثناء باب المرْتَدِّ من كتاب السِّيَر، سِتَّ مُجلَّدات، وهى عندى بخطّه، باعَها ولدُه تاجُ الدين لابن الصوّاف، ثم "قطعة السَّرُوجيِّ"، ثم لما مات ابن الصَّوَّاف بِيعَا في تَرِكته، فاشْتريتُها مما اشتراهما من تركته، وسلَك في هذه القطعة طريق السَّروجيِّ في الاتِّساع في النقل لا غير؛ فنقلَ كلام ابن حَزْم بحُروفه، وكلام ابن قُدامةَ، وغيرهما، وربَّما يتعقَّب ذلك بمنْقول أئمَّتنا. وأورد له السَّخاوِيُّ في "ذيله" المذكور من نظْمه قولهَ (١):

стр. 3003

يا ربِّ عبدُك قد زَلَّت به القدمُ .... وشفَّه الخوف مما كان والنَّدَم (١) فاغفرْ له وتجاوَزْ عن جَريمته … فالعفوُ دأبُك يا ذا الحلم والكرم وقوله عَقيب فطره في ليالي رمضان (٢): يا مُطعمَ ويا ساقيَهْ … يا حافظَ نفسه و يا واقيَه يرجوك لِما لا يعلمه لاقيَهْ … أن تجعلَ خيرَ عمرِه باقيَهْ وأورَدَ له غيرَ ذلك. وذكره الحافظ السُّيوطيُّ في "أعيان الأعيان"، وبالغَ في الثناء عليه، إلى أن قال: إنه صار رأسَ الحنفية، والمشار إليه في وقته، مع الصَّلاح المفْرط، يُسْتَسْقَى به الغيثُ، ووَلِيَ قضاء القضاة، فسار فيه بالسِّيرة اللائقة به، من رَدْع الأمراء والأكابر، وإقامة الحقّ فيه. وله تصانيف، منها: "تكملة شرح الهداية" للسَّروجيّ، وله الشعر الكثير الحسَن، قيل: إنه رأى في النوم أنه يقرأ الأسماء الحُسْنَي، فعُبِّرَ بأنه يعيش تسعا وتسعين سنة، وكان كذلك. مات في ربيع الأول سنة سبع وستين وثمانمائة. ومن شعره (٣): رَوّحِ الروحَ براحات الأملْ … وتعلَّلْ بعسَى ثم لعلّ واحْتَمِلْ أوْصابَ دهرٍ كَدِرٍ … فغريق البحر لا يخْشى البَلَلْ

стр. 3004

وابْد للبلْوَى بوجهٍ طَلقٍ … واتْرُكِ الشكوىْ ودعْ عنك المِلَل فمُعاناةُ صُروف الدهر لا … تُبْعِدُ البلوَى ولا تُدْنِي الأجَلْ (١) وإذا ضاق بك الأمر فقُلْ … قدَّرَ الله وما شاء فعلْ ما تناهَى الخطبُ إلا وانْتَهَى … وبدا النَّقْصُ به حتى كَمَلْ ومن شعره أيضا (٢): لا تَجْزِعَنَّ لمكروهٍ أُصِبْتُ به … واسْتقْبِلِ الصَّعبَ إن فاجاك باللِّينِ كلُّ المصائب في الدنيا تُهون سوى … مُصيبة عرضَتْ للمرء في الدين ومنه أيضا (٣): لم أنْسَ إذ قالتْ وقد أزِفَ النَّوَى … أفْديكَ بالأموال بل بالأنْفُس ما ذا الفِراق فقلتُ أنْتِ أردْتِه … قالتْ كذا فِعْلُ الجَوارِيّ الكُنَّس فكأنَّ نَثْرَ دُموعها بخُدودها … طَلٌّ على وردٍ همَى من نَرْجِسِ ومنه أيضا (٤): ذهب الأُلى كان التفاضُلُ بينهم … بالحِلْم والإفْضال والمعروف يَتَجَشَّمون مَتاعبًا لإعانة الْـ … ـمَظْلومِ أو لإغاثة المِلْهوف وأتى الذين الفخرُ فيهم مَنْعُهم … للسَّائلين وظلمُ كلِّ ضعيفِ فتراهمُ يتَردَّدون مع الهوى … قد أعْرَضوا عن أكْثر التَّكليفْ ما بين جبار وباعث فتنة … ومُخاتلٍ بخِداعه مشعوفِ (٥) والمستقيمُ على الطريقة نادرٌ … ما إن تراه بين جَمْع أُلوفِ

стр. 3005

فاسْلَمْ بدينك لا تقُل لا بُدَّ لي … منهم لدَفْع كَريهةٍ ومَخوفٍ وادْفَعْ بربِّك لا تكنْ مستبدلا … ذا ضِنَّةٍ وفَظاظةٍ برَءُوفِ فهو الذي تجري الأمور بحُكمه … في سائر التدبير والتصريف فلكم جَلا عنّا حَنادِسَ كُرْبةٍ … قد حلَّها من بعد مَسِّ حُتوفِ وهو الذي يُرْجَى ليوم مَعادِنا … في رَفْع أهْوالٍ وطولِ وقوفِ ثم الشفاعةُ من إمام المرسلـ … ـين السيد المخصوص بالتشريف. وقال الأديب النَّواجِيُّ يمدحه (١): لقد حُزْتَ يا قاضي القضاةِ مآثرا … بخدمةِ علمٍ في الورى ما لها حدُّ وكوكبُ علم الشرع أصبح طالعًا … وفي فلَكِ العلياء يخْدمُه سعدُ ومحاسن السَّعْد كثيرة، وفضائله غزيرة، وتغمَّده الله برحمته. قال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى: قد ترجمه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوى في "الضوء اللامع"، فقال: سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد ابن أبي بكر القاضي سعد الدين أبو السعادات النابلسي الأصل، الدمشقي، الحنفي، نزيل "القاهرة"، يعرف بابن الديري، نسبته لمكان بجبل "نابلس"، يسمى "الدير"، ولد يوم الثلاثاء سابع عشر رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة، وحفظ القرآن، وحفظ كثيرا من الكتب في اثني عشر يوما، وكان سريع الحفظ مفرط الذكاء، انتفع بأبيه، وبالكمال الشريحي، وبحميد الدين، والعلاء بن النقيب، والشمس بن الخطيب الشافعي، وغيرهم، واجتمع بالشمس القونوي، صاحب "درر البحار"، وبحافظ الدين البزازي، صاحب "الفتاوى"، وأكثر من الرواية بالإجازة عن البرهان إبراهيم بن الزين عبد الرحيم بن جماعة، واشتهر بمعرفة الفقه حفظا، وتنزيلا للوقائع، واستحضارا للخلاف، حتى كان والده يقدّمه على نفسه في الفقه وغيره،

стр. 3006

وانتفع الناس بدرسه، وفتاواه، وحجّ مرارا، أولها سنة إحدى وثمانمائة، وباشر قضاء الحنفية سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، عوضا عن العيني بمهابة وعفة، وكان أماما علامة جبلا في استحضار مذهبه، قوى الحفظ، سريع الإدراك، شديد الرغبة في المباحثة في العلم والمذاكرة به، ذا عناية تامة بالتفسير، لا سيّما معاني التنزيل، ويحفظ من متون الأحاديث ما يفوق الوصف، غير ملتزم الصحيح من ذلك، وقد اشتهر ذكره، وبعد صيته، حتى أن شاه رخ بن تيمور ملك الشرق سأل رسول الظاهر حقمق عنه في جماعة، وقرأت عليه أشياء، وكتبت من فوائده ونظمه، ولم يشتغل بالتصنيف، مع كثرة اطلاعه، ولذلك كانت مؤلّفاته قليلة، فمما عرفته منها: "شرح العقائد النسفية"، قد قرأه عليه الزين قاسم الحنفي، و "الكواكب النيرات في وصول ثواب الطاعات إلى الأموات"، اقتفى فيه أثر السروجي مع زيادات، و "الأسهام المارقة في كبد الزنادقة"، وفتوى في الحبس بالتهمة، وجزء آخر في أنه هل تنام الملائكة أم لا، وهل منع الشعر مخصوص بالنبي ﷺ أم عام لجميع الأنبياء، وشرع في تكملة "شرح الهداية" للسروجي من أول الأيمان، فبلغ إلى أثناء باب المرتد، من كتاب السير في ستّ مجلدات، وله منظومة طويلة، سماها بـ "النعمانية"، فيها فوائد كثيرة بديعة، ومات تاسع ربيع الآخر سنة سبع وستين وثانمائة بـ "مصر"، ولم يخلف بعده مثله، انتهى. انظر: الفوائد البهية ص ٧٩، ٨٠. * * * ٢٠٤٣ - الشيخ الفاضل سعد الرازيّ *.

стр. 3007

ذكره التميمي في "طبقاته" فقال: تفقَّه عليه زيد بن الحسن أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، بمدرسة السلطان طُغْرُل بيك "بهَمَذان". حكاه ابن النَّجّار. انتهى. * * * ٢٠٤٤ - الشيخ الفاضل سعدُ الله بن حسين الفارسِيّ السّلْمانيّ المِقُرِئ، نزيل "بيت المقدس"، وإمام الحنفية بـ "الأقصَى " *. ذكره التميمي في "طبقاته" فقال: قدِمَ من بلاده، وكان شافعيّا، فتحنَّف. وأخذ بـ "القاهرة" عن سعد الدين الدَّيْرِيّ، وناب في قضاء "دمشق" عن العلاء ابن قاضي عَجْلُون، وتميَّز في القراءات، وشارَك في غيرها، وأفتَي، ودرَّس. وكان ذا سِمَة حسنة، ووَقار وصَوْلَة، وحُرْمة، وشهامة، وصَدْعٍ بالحق، لا يخاف في الله لومة لائم. وكان مولده سنة اثنتي عشرة أو التي بعدَها. ومات في أواخر شهر ربيع الأول، ودُفن بـ "ماملا"، رحمه الله تعالى. وهو من فُضلاء القرن التاسع. * * * ٢٠٤٥ - الشيخ الفاضل سعد الله بن سعد بن علي بن إسماعيل

стр. 3008

الهَمْدانِيّ الأصل، العَيْنَتابيّ *. ذكره التميمي في "طبقاته" فقال: ذكره قاضي القُضاة، علاءُ الدِّين (١) في "تاريخه"، وقال: قَدِم إلى "حَلَب" مع أبيه من"عَيْنَ تابَ"، وأقام بها، وكان شابّا، فاضلا، دَيِّنا، اشْتغلَ بالفقه على مذهب أبي حنيفة، رضى الله تعالى عنه، واشتغل، ودرَّس بالمدْرستين "الكلْتاويّةَ" (٢) و "الأتابكيَّة" (٣). تُوُفِّي، ﵀ تعالي، ضَحْوةَ نهار الخميس، رابع جُمادى الأولي، سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ودُفِن بـ "مقابر الصَّالحين"، عند أبيه، خارجَ باب المقام، وكانتْ جنازته مَشهودةً، حَضَرها نائب البلد، والأعيان، الخاص، والعام. * * * ٢٠٤٦ - الشيخ الفاضل سعد الله بن عيسى بن أميرخان، الشهير بسَعْدِي جلبي، وربَّما كان يكتب بخطِّه في الكتب الفقير سعد، لا غير * *.

стр. 3009

ذكره التميمي في "طبقاته"، فقال: كان إماما، عالما، علامة، شيخ الإسلام، وقُدْوة الأنام، ومَرْجع الخاص والعام. قال في حقّه السيِّد عبد الرحيم العباسيّ، في ديباجة نسخة من "شرح شواهد التَّلْخيص" (١) له، كتبها باسم صاحب الترجمة، ومن خطِّه نقلتُ: هو مولى تنْخفِض هَمِمُ الأقوال عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، ويَقْصُر جُهْدُ الوصف عن أيسر فواضله ومَساعيه، حَضْرتُه مطلعُ الجود، ومَقْصِد الوُفود، وقبلَة الآمال، ومَحَطُّ الرِّحال، ومَجْمع الأدباء، وحَلْبَة الشعراء، ذو همّة مقصورة على مجد يشيِّده، وإنْعام يُجدِّده، وفاضل يصْطنعُه، وخامل وضعه الدهر، فيَرْفعه، فاق الأقران، وساد الأعيان، فلا يُدانيه مُدان، ولو كان من بني عَبْدِ المِدان (٢)، وليس يُجاريه في مِضْمار الجود جَواد، ولا يُباريه في ارْتياد السيادة مُرْتاد. ما كل مَن طلب السعادَة نافدا … فيها ولا كل الرجال فحولا لا زالتْ آي مجده بألْسُن الأقلام مَتْلُوَّة، وأبكار الأفكار بمديح معاليه مَجْلُوَّة. ثم قال يصف مكارمَه وفواضلَه، وإنعامه عليه، وإسْداء الخيرات إليه، عند ما قصَد حَضرتَه، وأمَّ ساحتَه، وحين أناخ مَطايا قصْدِه بأفناء سعدِه، صادَف مَوْلا حَفيّا وظلا ضَيفِيّا، ومَرتعا رحيبا، ومَرْبَعا خَصيبا، وبَشاشةَ وجه تسُرُّ القلوب، وطَلاقة مُحَيّا تُفرّج الكروب، وتغفر للدهر ما جَناه من الذنوب، مع ما يُضاف إلى ذلك من منظر وَسيم، ومَخْبَر كريم، وخلائقَ رقَّتْ وراقتْ، وطرائقَ علَتْ وفاقتْ، وفضائلَ ضفَتْ مَدارعُها، وشمائلَ صفَتْ مَشارعها، وسُؤُدَدٍ تُثْنَى به عقودُ الخَناصر، ويُثْينِي عليه

стр. 3010

طِيبُ العناصر، فحَمِدَ مِن صباحِ قَصْدِه السُّرَي، وعَلِم أْنّ كل الصَّيدِ في جوف الفرَا. إنَّ الكريم إذا قصدت جَنابَه … تلْقاه طَلْقَ الوجهِ رَحْبَ المنزل وها هو في ظل عزِّه رَخِيُّ البال، متميَّيزُ الحال، آمن من صَرَفان الدهر، وحَدَثان القهر، يرْتَع في رياض فضله، ويخْرج من طّلِّ جوده ووَبله، قد عَجز عن الشكر لسانُه، وكَلَّ عن رَقْم الحمد بَنانُه، لم يفْقِدْ من تَفَيُّئ رأفته ظلالا، ولم يقل لصُدْح آماله انْتِجِعِي بلالا، وبه حقَّق قول القائل من الأوائل (١): ولما انْتَجعْنا لائذين بظلِّه … أعان وما عَنَّى ومَنَّ وما مَنَّى ورَدْنا عليه مُقْترِين فرَاشَنا … ورُدْنا نَداهُ مُجْدِبين فأخْصَبْنا وجملة ما يقوله في العجز عن حمده، وشكره، والثناء علَى جوده وبرِّه: أما وجميلِ الصُّنعِ منه وإنَّها … أليَّة بِرٍّ مثلُها لا يُكفَّرُ لو اسْطَعْتُ حوَّلتُ البّرِيَّة ألْسُنا … وكنتُ بها أُثْنِي عليه وأشْكُرُ ولستُ أُوَفِّي حقَّ ذاك وإنما … قياما بحق الشكر جُهْدي أُشَمِّرُ وذكره العلامة بدر الدين الغَزِّيُّ العامريُّ، عالم "دمشق"، بل عالم "الدِّيار الشاميَّة" بأسْرِها، في "رحلته إلى الدّيار الروميَّة"، وبالغَ في الثناء عليه، وقال: قاضي قضاة المسلمين، وأولى وُلاة الموَحِّدين، وَينْبُوع العلم واليقين، العادل العَدْل في أحكامه، والمراقب لله في فعله وكلامه، عَينُ إنسان الزمان، وإنسان عين البيان، قاضى "القُسْطَنطِنِيَّةِ"، سعدي بن عيسى بن أمير خان، ما قُرِنَ به فاضل في "الروم" إلا رجَحه، ولا أُلقِيَ إليهْ مُهِمُّ من العلم إلا كشفَه وأوْضَحه، له صادقات عزائم، لا تأخذُه في

стр. 3011

الله لومة لائم، إلى عِفَّة ونِزاهة وديانة، وهمَة عالية وصيانة، وطَلاقة وجْه، مع خَلْق وَضِيٍّ وخُلُقٍ رَضِيٍّ، إلى أن قال، أعنى صاحب "الرحلة": وكان يُكرمني، ويُجِلُّني عند ما أجتمع به، ويمْدحني عند الناس بالعلم، ويصفُني بالفضيلة التامة والمعرفة الجيِّدة. وافْتخار البدر بتربية السعد، دليل واضح على عُلُوِّ شأنه، ورفيع مكانه. وأورد في "الرحلة" طرفا يسيرا من مدائح السَيّد عبد الرحيم العبّاسيِّ المذكور في حقّه، فمن ذلك ما كتبه إليه، وقد عمَّر منزلا، وسكن فيه يوم النَّوْروز: يا عظيما دونه شمس الضُّحَى … بدليل قطُّ ما فيه خَفَا هى بالمنزل تُعْطى شرَفا … وبك المنزلُ يُعْطى الشَّرفا وكتب إليه أيضا يمدحه، وهو قاض إذ ذاك بـ "القُسْطَنْطِينية"، وكان زمن النَّوْروز أيضا، قوله: قَرَّتْ عيونُ العلا مذ بِتُّ راعيها … وبالثناء شذَت إذ صرْتَ واعيها ومنك قد أشْرقت أيامُها وغدَتْ … من مدِّها بالسَّنا بيضا ليَاليها وكيف لا يُبْهِجُ الأيام سُؤْدُدُ مَن … سَمَتْ معاليه عن قَرْمٍ يُسَاميها لا تسألنَّ سوى عَلْياه عنه تُصِبْ … فالدارُ تُنْبِئُ عن مقدار بانيها كأنه نسخةٌ في المجد مُثْبَتةٌ … ومَن عَداه دخيل في حَواشيها انظر بعَينيك في الأشخاص هل تَرَمَنْ … يولي المعالي سواه أو يُواليها واسْتَخْبِرِ البِيضَ عن مقدار هِمَّته … يُخْبِرْك بالعجز منها عن مَواضيها واسْتَفْهم السُّمْرَ عن أدْنى عزائمه … تُجِبك عن كُنْه عَلْياها عَواليها يا من يقيس جداه بالسحاب أفق … فالبحر يعجز عنها إذ يجاريها جَدْواه مال وجَدْوَى السُّحْبِ جود حيا … فالفرق كالصبح يبدو في دَياجيها أكْرم به بَشَرا أنْشاهُ بارئُه … على خلال تعالت عن مباريها آثاره لك بالتفضيل مفصحة … عن حُسْن ظاهرها منه وخافيها

стр. 3012

من أين ما جئتَها تظْفَرْ بمُخْبرِها … أم من قَوادِمِها أمْ من خَوافيها تبارك الله كم من آية ظهَرتْ … من مجدِه وفمُ الأيام تاليها يكْفيك أنَّ عطاياه وأنْعُمَه … تُجيبُ قبلَ صدَاها مَن يُناديها ما فيه عَيْبٌ سوى أنَّ الوفود له … تُنْشِي بتأهيله قُرْبَى أهاليها أقامه الله للأيام يُظهِرُ ما … مَحَتْ يدُ الدهر من آثار عافيها إذا تأمَّلْتَه حقَّا التأمُّل يا … من ليس في قلبه بلْوَى يُناجيها ومنها: تظُنُّ أنّ كرامَ الناس قد نشِرُوا … والأرضَ جادَت على الدنيا بما فيها وكم غدَتْ سُحُبُ الإحسان مُمْسِكَةً … وجودُ كَفِّكَ يُغْني عن غَواديها إيهٍ لَعَمْرِيَ قد فُقْتَ الأنامَ بما … حَوَيتَ من رُتَبٍ أعْيَتْ مَراقيها وسُدْتَ بالسُّؤدَدِ المحْض الذي عَمَرت … رُبوعَه لك أخْلاق تُعانيها وسَعْدُك الجدّ في تأثيل مَكْرُمة … بين البرية مشكورٌ مَساعيها دُمْ وابْقَ واسْلمْ لمعروف تُجدّدُه … بين الأنام لِمَرْثيها وعافيها في دولة بدَوام السعد دائرة … والله باللّطف والإسْعاد حاميها واهْنأ بِنَوْرُوزِ عامٍ عائدٍ أبدا … إليك منه مَسرَّات تُواليها في صحة واغْتباط وانْبساط يدٍ … فيما له النفسُ تَهْوى من مَراضيها وما لذاتك في الدنيا وزُخْرُفِها … شيءٌ يُساوي عُلاها أو يُدانيها يا مَن بعليائه الأمثالُ سائرةٌ … ما بين حاضرها تبْدو وباديها في مثل ذا اليوم يُهْدي القادرون إلى … أرْبابهم غُرَرا تسْمُو غَواليها وليس لي غيرُ مقدور الثناء فلي … فيه حدائق قد طابتْ مَجانيها إن أدْعُها لك فيْ حَمْدٍ وفي مِدَحٍ … جاءت إليَّ مُطيعاتٍ قَوافيها ففيه أهْديتُ أبياتا إذا قُبِلَتْ … أرْبَتْ على دُرَر تزْهُو مَرائيها وحكى صاحب "الشَّقائق" أن صاحب الترجمة كان مدرِّسا بإحدى الثَّمان، وأنه وَلِيَ منها قضاء"القُسْطَنْطينيَّة"، ثم عُزِل، وعاد مدرّسا بإحدى

стр. 3013

الثَّمانْ، ثم صار مُفْتيا بـ "الديار الروميَّةْ"، وبالغَ في الثناء عليه، وأرَّخْ وفاتْهْ سنة خمس وأربعين وتسعمائة، رحمه الله تعالى. وكان المولى سعْدي جمَّاعا لنفائس الكتب، مَلَك منها شيئا كيثرا، قَلَّما رأيت كتابا بـ "الديار الرومية" إلا وعليه خطُّه بالمِلْكية. وله من التصانيف: "حاشية" على "الهداية"، و "شرحها" للشيخ أكْمل الدين، وهي من الكتب المهِمَّة الكثيرة النَّفْع، المتداوَلة بين أهل الفضل، وكفَى بها دلالةً علَى وُسْع اطِّلاعه، واطِّلاعا على دِقَّة فهمه، وقد تركها مُسَوَّدة، وإنما جمَعها ورتَّبها على هذا الأسلوب تلميذه عبد الرحمن أفندي، وكان في الصِّناعة قليلَ البضاعة، فربما رأى في بعض الأماكن حاشية لم يجعل المصنِّف لها علامة، فينْقُلها في غير محلِّها، فيأتي مَن لا علمَ له ويعترض على المؤلِّف، والبلاء من سوء فهم الذي جمَع. وله "حاشية" على "تفسير القاضي"، لم تكْمُل، وهي مشهورة، متداوَلة في أيدي الناس، وقد أخْبرني بعضُهم بـ "الديار الرومية"، أن المصنِّف أكْمَلَ الحاشية المذكورة قبلَ وفاته. ولم أتحقَّق ذلك، والله تعالى أعلم. وكان ﵀ تعالي، كثير الكتابة وسَريعها، حتى إن ما كتبه لو جُمِع لكان ربما يزيد على خمسين مجلَّدا، وأخبرني الصديق الأعزُّ أحمد جلبي ابن قاضي القضاة حسن ابن عبد المحسن، أنه رأى بخطِّه "مُغْني اللَّبيب" لابن هشام، وله على هوامشه بعض أبحاث لطيفة. وله كتابة على بعض نسخ "القاموس"، جمعها الشيخ الفاضل، بدر الدين القَرافيُّ المالكيُّ، مع حواشٍ أُخَرَ لبعض البَلْقينيَّة عليه في كتاب مُستقِلٍّ، رأيتُه بخطِّه. وله من الرسائل والتَّحارير والتّعاليق على هوامش الكتب، وما لا يُعَدُّ ولا يُحْصي، هذا مع اشتغاله تارةً بالأحكام الشرعية، وتارة بالكتابة على الفتاوى الفرعية، وتارة بالعبادة. رحمه الله تعالى.

стр. 3014

قال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى: هو صاحب التعليقات على "العناية"، قال صاحب "الكشف" بعد ذكر "العناية": وعليه تعليقة للمولى المحقق سعد الله بن عيسى المفتي، المتوفى سنة خمس وأربعين وتسعمائة، جمعها تلميذه المولى عبد الرحمن من هوامش الأصل والشرح، وميّز الكلام عليه بقوله: وقال، قد سلك في تحرير أكثر المباحث مسلك الإيجاز، فأعجز الناظرين، ولم يساعده عمره على جمعه، ثم وجد تلميذه المذكور حين صار قاضيا بـ "قسطنطينية" كتاب "العناية" انتهى. وفي "رد المحتار على الدر المختار": سعد الله بن عيسى بن أمير خان، الشهير بصعدي جلي، مفتي "الديار الرومية"، له حاشية على "تفسير البيضاوي"، وحاشية على "العناية شرح الهداية"، ورسائل وتحريرات معتبرة، ذكره حافظ "الشام" البدر الغزي في "رحلته"، وبالغ في الثناء عليه، والتميمي في "الطبقات"، انتهى. انظر: الفوائد البهية: ص ٧٨. * * * ٢٠٤٧ - الشيخ الفاضل المولى سعد الله بن مبارك شاه بن المولوي مبارك شاه بن المولوي حسن شاه بن قاسم شاه *. ولد بقرية "مومنفور" من مضافات "جاندفور" سنة ١٣٢١ هـ. تلقّى مبادئ العلوم في الجامعة اليونسية بـ "بي باريه" عند شقيقه الأكبر العلامة صفي الله الجاندفوري، ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، وبعد فاتحة الفراغ سافر إلى شيخ التفسير العلامة الجليل أحمد علي اللاهوري، وحصل المهارة التامة عنده في علوم القرآن والتفسير.

стр. 3015

توفي شابا سنة ١٣٧٢ هـ، وكان عمره إذ ذاك إحدى وثلاثين سنة. * * * ٢٠٤٨ - الشيخ الفاضل الكبير سعد الله بن نظام الدين المراد آبادي *. أحد العلماء المشهورين في النحو واللغة. ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد سنة تسع عشرة ومائتين وألف بـ "مراد آباد"، وسافر إلى "رامبور"، فقرأ المختصرات على مَنْ بها من العلماء. ثم سافر إلى "نجيب آباد"، وقرأ "شرح الكافية" للجامي وغيره على مولانا عبد الرحمن القهستاني. ثم دخل "دهلي"، وقرأ بعض الكتب على مولانا شير محمد القندهاري، والشيخ محمد حياة اللاري، والمفتي صدر الدين الدهلوي، ورجع من "دهلي" سنة ثلاث وأربعين، فدخل "لكنو"، وقرأ الكتب الدراسية على مولانا أشرف، والمفتي إسماعيل، والمرزا حسن علي المحدّث، والمفتي ظهور الله. ثم ولي التدريس في المدرسة السلطانية بها، فدرّس بها مدّة. ثم ولي نظارة التأليف، فأكمل بعض مجلّدات "تاج اللغات"، ثم ولي الإفتاء، فاشتغل تسعا وعشرين سنة، وسافر إلى الحرمين الشريفين سنة سبعين، فحجّ، وزار.
следующие страницы →