الأكبر للشيخ الحافظ محمد أحمد ابن الإمام النانوتوي، المتوفى ١٣٤٧ هـ، الذي رأس جامعة ديوبند مدّة أربعين عاما في الفترة ما بين ١٣١٣ هـ و ١٣٤٧ هـ، في هذا البيت العلمي والوسط الديني.
ولد سماحة الشيخ محمد طيّب رحمه الله تعالى في محرّم ١٣١٥ هـ، وذلك في مدينة "ديوبند" بمديرية "سهارنفور" بولاية "أترابراديش" بـ "الهند"، وسُلّم للكتّاب، وهو ابن سبع سنين، وانتهى من حفظ القرآن الكريم مع إتقان التجويد والقراءة في ظرف سنتين، وانتسب إلى القسم الفارسي والأردي بجامعة ديوبند، ثم انتسب فيها لتلقّي الدراسات العليا إلى القسم العربي المخصّص للشريعة الإسلامية، فتخرّج منه عالما متضلّعا عام ١٣٣٧ هـ، وهو ابن نحو ٢٢ سنة فقط.
وكان من بين الشيوخ الأجلاء، الذين قرأ عليهم في جامعة ديوبند الشيخ محمود حسن الديوبندي، المعروف بشيخ الهند، المتوفى ١٣٣٩ هـ، الذي أسّس لتحرير "الهند" من مخالب الاستعمار البريطاني حركة الرسائل الحريرية، المعروفة جدًّا في تاريخ تحرير الهند، والشيخ خليل أحمد السهارنفوري المدني، المتوفى ١٣٤٦ هـ، صاحب "بذل المجهود في حلّ سنن أبي داود" في مجلّدات كبيرة، والمفتي الأكبر بجامعة ديوبند الشيخ عزيز الرحمن العثماني الديوبندي، المتوفى ١٣٤٧ هـ، والمحدّث الكبير الشيخ العلامة أنور شاه الكشميري، المتوفى ١٣٥٢ هـ، الذي انتهت إليه رياسة الحديث في عصره، والشيخ حبيب الرحمن العثماني الديوبندي، نائب الرئيس والرئيس الأسبق لجامعة ديوبند، المتوفى ١٣٤٨ هـ، والعلامة شبير أحمد العثماني الديوبندي ثم الباكستاني، صاحب التفسير الشهير للقرآن الكريم باللغة الأردية، المطبوع أخيرا من قبل مجمَّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بـ "المدينة المنورة"، المتوفى ١٣٦٩ هـ، والعالم الربّاني الشيخ السيّد أصغر حسين الديوبندي، المتوفى ١٣٦٤ هـ، والشيخ إعزاز علي الأمروهوي، المعروف بشيخ الأدب،
стр. 3397
المتوفى ١٣٧٤ هـ، والشيخ محمد إبراهيم البلياوي، المتوفى ١٣٨٧ هـ، وتخرّج في التزكية والإحسان على الشيخ محمود حسن شيخ الهند الديوبندي المذكور، والشيخ الكبير العلامة أشرف علي التهانوي، المعروف بحكيم الأمة، المتوفى ١٣٦٢ هـ.
الشيخ يتحدث عن نفسه:
وقد تحدّث الشيخ محمد طيّب ﵀ بدوره عن البيئة السعيدة المعمورة بالتديّن والورع والتقوى والزهد في الدنيا والانقطاع لخدمة العلم والدين، التي ولد فيها، ونشأ، وترعرع، فقال: قد ولدتُ في مستهلّ القرن الرابع عشر. الهجرى ومنتهى القرن الثامن عشر الميلادي في بيئة شهدتْ انقلاب موازين الحضارة المتوارثة، وكان وقع حضارة جديدة وثقافة جديدة، بدأ يقرع الآذان، وقد كانت ولادتي في أسرة جدّي الإمام حجّة الإسلام محمد قاسم النانوتوي، مؤسّس دار العلوم ديوبند، الذي كان محي العلم والدين في عصره، وكانت حياته مثالا للبساطة والتوكّل، والاكتفاء بأقلّ ما يمكن من الأسباب، والاقتصاد والجدّ والكدّ، وكانت زوجته: جدّتي قد تشبّعت مباشرة بتربيته وصحبته المؤثرة، فكانت نسيج وحدها في المجاهدة في العبادة، والسخاء والسماحة، والتمسّك بشعائر الدين، والمحافظة على الصلاة والصيام والأوراد.
وقد تلقّيتُ التعليم والتربية تحت إشراف كلّ من والدي الشيخ الحافظ محمد أحمد ابن الإمام محمد قاسم النانوتوي وأمّه: جدّتي رحمهما الله تعالى، وقد كان يؤمن، ويعمل بكامل البساطة في أسباب الحياة كلّها، وكانت جدّتي مجبولة على التواضع وإنكار الذات، وكان يبذل هو والدي وجدّتي والأسرة كلّها كامل العطف غير العادى نحو أولئك المآت من الطلاب، الذين كانوا يتوافدون من داخل البلاد وخارجها إلى دار العلوم ديوبند، وكان الجميع
стр. 3398
شغلهم الشاغل هو التفكير في بناء مستقبلهم على أحسن مستوى، ففي تلك البيئة فتحت عيني.
ولا بدّ من الإشارة إلى قصّة تتعلّق بوالدي رحمه الله تعالى، وهي أن أحد طلاب دار العلوم قد وضع ثيابه المغسولة المبلولة في صحن مسجد دار العلوم لتجفيفها في الشمس، ووقعت عينا الوالد عليها، فدعا الطالب، وزجره، ونهاه عن ذلك، ولكن أخذته رأفته، فتأسّف على زجره للطالب، الذي إنما كان منه احتراما للمسجد، فاستدعى الطالب، واعتذر إليه، وألزمه أن يتناول معه الطعام على مائدته لأسابيع، وكانت عواطف عطفه على الطلاب معروفة في الوسط الطلابي.
وكذلك لا بدّ ههنا من ذكر قصّة أخرى تتعلّق بجدّتي، إنها سافرت ذات مرّة على دعوة من أحد تلاميذ جدّنا الإمام النانوتوي إلى مدينة "أمروهه" بمديريّة "مرادآباد" بولاية "أترابراديش"، ولما نزلت في محطّة المدينة عن القطار، ركبت المحفّة مركبة تحاكي الرحل يحملها أربعة حمّالين أو أكثر على أكتافهم، فكان الشيخ أحمد حسن المحدّث الأمروهوي المتوفى ١٣٣٠ هـ، تلميذ النانوتوي يحمل المحفّة مع الحمّالين، وكان ذلك هو الأدب وأسلوب الاحترام، الذي يلتزم به التلاميذ آنذاك نحو الأساتذة وأهلهم وأولادهم، وقد كنت ابن تلك البيئة، التي كانت تعتبر الاهتمام يحميع شعب الدين، ولا سيّما تعليم الدين وطلابه والعطف عليهم أكبر فريضة.
إن آبائي قد تناولوا طلاب العلوم الشرعية بالتربية على شاكلة أولادهم، حتى قاموا بإنهاء أمور زواج كثير منهم، فهناك كثير من العلماء، الذين قد انعقدت مجالس زواجهم في بيتنا، على كلّ فكان بيتي مورد العلماء والفضلاء، كما عاش عدد من العُلماء في أكناف جدّتي ووالدتي في رغد من العيش.
стр. 3399
أما في حياتي التعليمية فقد سعدت بالتلقّي من العلماء المنقطعي النظير في عهدهم، فقد أنهيت حفظ القرآن الكريم، وتعلّمت التجويد والقراءات على الشيخ المقرئ عبد الوحيد، واجتزت المراحل الفارسية والأردية على الشيخ محمد ياسين المتوفى ١٣٥٥ هـ، والد الشيخ المفتي الأكبر محمد شفيع الديوبندي ثم الباكستاني المتوفى ١٣٩٦ هـ، وتلقّيتُ شتى الفنون من الشيخ غلام رسول الهزاروي، المتوفى ١٣٣٧ هـ، وعلوم الكتاب والسنة من كلّ من الأستاذ الأكبر الشيخ العلامة السيّد أنور شاه الكشميري، وشيخ الإسلام العلامة شبير أحمد العثماني، والمفتي الأكبر الشيخ عزيز الرحمن العثماني، وفخر الهند الشيخ حبيب الرحمن العثماني، والشيخ السيّد أصغر حسين الديوبندي، والشيخ إعزاز علي الأمروهوي، والشيخ محمد إبراهيم البلياوي.
وأجد في قائمة زملائي في التحصيل كبار العلماء، وأخصّ بالذكر منهم أولئك الذين عشت معهم معظم أوقات الدراسة، وهم: الشيخ محمد شفيع العثماني، المفتي الأكبر بـ "باكستان"، والشيخ محمد إدريس الكاندهلوي، المتوفى ١٣٩٤ هـ، والشيخ السيّد بدر عالم الميرتهي المهاجر المدني، المتوفى ١٣٨٥ هـ، والشيخ ميرك شاه الكشميري، وهم جبال في العلم لا تسخر.
أما المفتي عتيق الرحمن العثماني المتوفى ١٤٠٤ هـ، والشيخ محمد منظور النعماني المتوفى ١٤١٧ هـ، والشيخ السيّد محمد ميان الديوبندي الدهلوي، المتوفى ١٣٩٥ هـ، فهم تخرّجوا من دار العلوم ديوبند من بعدي.
أما العطف غير العادي الذي حظيت به من قبل الأساتذة، فيكفي أن أذكر في ذلك قصّة واحدة، وهي أن العلامة شبّير أحمد العثماني كان أستاذا في الجامعة بقسم الدراسات العليا، وكان مرهف الحسّ للغاية، فكان يستاء من تقصير طفيف، فحدث أن قبع في بيته مستاء على خطأ من الطلَّاب، وأوقف حضوره للتدريس في حصصه المفوّضة له، فشقّ ذلك عليهم كثيرا،
стр. 3400
وتَشَاوروا مجتمعين، وقرّروا أن أذهب إليه، وأسترضيه، وأعتذر إليه من قبل الطلَّاب جميعا، ودخلت عليه، وقدّمت إليه اعتذارهم، فقبلها برضا القلب، وحضر الجامعة من ساعته، وبدأ التدريس، ونظرا لعناية المشيخة الزائدة بي، كان الأساتذة يحمّلونني مسؤولية العمل على احتواء الخلافات كانت تحدث أحيانا بين المشايخ.
عمله أستاذا ونائب رئيس ثم رئيسا للجامعة:
وبعد تخرّجه من دار العلوم ديوبند عيّن أستاذا فيها، فدرّس كتب شتى العلوم والفنون عن جدارة وأهلية، بما فيها كتب الفقه والمنطق والفلسفة والصرف والنحو والبلاغة والحديث والتفسير وكتاب أسرار الشريعة الإسلامية وحقائقها "حجّة الله البالغة" للإمام ولي الله الدهلوي المتوفى ١١٧٦ هـ. ورغم توليه بعدئذ رياسة الجامعة لمدّة نحو ستين عاما ظلّ يقوم بالتدريس، ولا سيّما لكتاب "حجّة الله البالغة".
وقد شهد تاريخ الجامعة أنه قام بإدارتها بشكل يفوق الوصف، ويرجع ذلك إلى ما كان يتصف به رحمه الله تعالى، بجانب العراقة والشرف في النسب الديني والطيني من قدرة على الإدارة، والعمل الجماعي الذي يتطلّب مرونة وحزما في بصيرة، وفوق ذلك، وقبل ذلك علما في فهم وتعمّق وأهلية في ذكاء ودين، يؤهّله لرياسة أكبر جامعة إسلامية ومعقل ديني ومركز إشعاع إسلامي في شبه القارة الهندية، وصدق أعضاء مجلس شورى الجامعة، الذين أبدوا انطباعاتهم عنه لدى تعيينهم إياه رئيسا مستقلا في ٢١ شوّال ١٣٤٨ هـ.
قد قمنا نحن جميع أعضاء مجلس شورى الجامعة بدراسة تقييم شاملة متعمّقة لجميع أقسام الجامعة في الفترة ما بين ١٨ شوّال ١٣٤٨ هـ و ٢١ شوَّال ١٣٤٨ هـ، واتخذنا ما رأيناه من قرارات دونما مجاملة في شأن الأمور، التي كان رئيس الجامعة الشيخ محمد طيّب قد طرحها للمناقشة والدراسة.
стр. 3401
وإننا نحن جميع أعضاء مجلس الشورى نشهد بأنه منذ أن تولى الشيخ محمد طيّب منصب رياسة الجامعة قد تبدّى من كلّ سلوك له الصدق وإخلاص النية، والحبّ والبغض في الله، وأداء الحقوق والشعور الكامل بالمسؤولية، وقوة العزم، والثبات والاستقلال، ولله الحمد حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، ونرجو الله العليّ القدير كلّ الرجاء، أنه سيجعل محاسن الرئيس، التي ظهرت في هذه المدّة القصيرة تتضاعف بدرجات كثيرة في مستقبل الأيام، وما ذلك على الله بعزيز، إن هذه الكلمات التي نسجّلها هي صادرة عن أعماق القلب بشكل عفوي، ولا دخل فيها للتكلّف، وليست تلك ثناءً يساوي مستوى خدمات رئيس الجامعة.
شغل - كما أسلفت منصب رياسة الجمامعة نحو ستين عاما:
مدّة طويلة قلما يتاح لأحد أن يتحمّل مثل هذه المسؤولية الجليلة عبر هذه المدّة المديدة، حتى صار اسمه "رئيس الجامعة"، فكلّما أطلق أحد كلمة رئيس الجامعة دونما تقييد في أيّ ناحية من نواحي "الهند"، تطرّق الذهن بصورة عفوية إلى رئيس جامعة دار العلوم الإسلامية في مدينة "ديوبند": سماحة الشيخ محمد طيّب رحمه الله تعالى.
كانت فترة رياسته طويلة وسعيدة للجامعة:
وقد شهدت الجامعة على عهده تقدّما كبيرا جديرا بكلّ نوع من الإشادة والتقدير، بالإضافة إلى أنّ صيتها طبق الآفاق بشكل غير مسبوق، وتخرّج في عهده أكبر عدد من دفعات العلماء والدعاة والمفتين والمفكّرين من هذه الجامعة، وفي عهده تم إنشاء معظم المباني الجامعة، التي تجمع بين الهندسة الإسلامية الهندية التقليدية وبين الفنّ المعماري العربي في وقت واحد بالإضافة إلى أنها تفيض روعة ومهابة وفخامة، ففي عهده تم إجراء توسعة في مسجد دار العلوم وبناء دور علوي له، وأول قرار اتخذه
стр. 3402
الشيخ بعد كونه رئيسا مستقلا للجامعة هو إجراء التوسعة في هذا المسجد، كما انتهى بناء مبنى دار الحديث (الدور الأرضي) عام ١٣٤٩ هـ، وقد كان الشروع في بناءه منذ عام ١٣٣٣ هـ، وكذلك بدئ في بناء دار الحديث (الدور الأول) عام ١٣٥٢ هـ حسب القرار والتصميم، الذين كانت الموافقة قد صدرت عليهما من قبل مجلس الشورى بالجامعة عام ١٣٢٥ هـ، واستكمل بنائه في ظرف سنوات عام ١٣٥٥ هـ.
وأيضًا تم عام ١٣٥٦ هـ إنشاء مبنى القسم الفارسي باسم "يادكار سعدي" ذكرى الشيخ سعدي الشيرازي، صاحب كتاب "كلستان" و"بوستان"، الشهيرين في العالم المتوفى ٦٩٠ هـ، وكذلك تم في هذا العام نفسه بناء مبنى ذي طابقين لقسم صيانة الوثائق الجامعية، يقع في الجانب الجنوبي من مكتب رئيس الجامعة، ثم تحقّق تنفيذ مشروع مبنى دار التفسير عام ١٣٥٨ هـ، وذلك على الدور الثاني من دار الحديث، وشيّد سقف هذا المبنى بشكل قبّة جميلة، تزين المباني الجامعية كلّها، وكأنها تاج جميل على رأس هذه المباني.
كما تم تنفيذ مشروع بوّابة، (ظاهر) عام ١٣٥٩ هـ، وذلك على نفقة الملك الأفغاني ظاهر شاه، قدّمها إلى رئيس الجامعة لدى زيارته لـ "أفغانستان"، وهي بوّابة ضخمة، تضمّ عددا من الغرف الصغيرة والكبيرة، كما تم في عام ١٣٦٠ هـ استكمال بناء غرفة من السكن الجامعي الكبير، المعروف باسم "الدار الجديدة"، الذي كان مشروعه يضمّ (٥٢) غرفة، وقد سبق أن تم بناء خمس غرف منها في الجانب الشمالي الغربي على عهد رئيس الجامعة السابق الشيخ الحافظ محمد أحمد، والد الشيخ محمد طيّب.
وكذلك أنشئ عام ١٣٦٧ هـ مبنى مستقل لقسم الإفتاء باسم دار الإفتاء، وذلك في الطابق الثاني من الجانب الشرقي من مسجد دار العلوم القديم، وتم نقل هذا القسم إليه يوم ١٩ ربيع الثاني ١٣٦٧ هـ.
стр. 3403
كما أجريت توسعة جديدة في مسجد دار العلوم عام ١٣٧٥ هـ تمثلت في نقل الحوض من وسط الصحن إلى الجانب الشرقي من المسجد الذي يقع تحت الدور الأرضي لمبنى قسم الإفتاء.
وعام ١٣٨٠ هـ استكمل تنفيذ مشروع مبنى كلّية الطبّ باسم الجامعة الطبية، وكان البدء فيه عام ١٣٧٥ هـ.
وعام ١٣٨٦ هـ أنشئت قاعة وغرفتان لصالح المكتبة المركزية نظرا إلى تضايق القاعات القديمة للمكتبة.
وعام ١٣٩١ هـ تم استكمال ما تبقى من بناء دار الشفاء التابعة لكلّية الطبّ.
كما أنشئ في هذا العام نفسه سكنى طلَّابي باسم المبنى الإفريقي لسكنى الطلاب الأفارقة، يشتمل على (١١) غرفة.
هذا بالإضافة إلى كثير من النشاطات البنائية والإنشائية الأخرى، التي لا حاجة إلى ذكرها، لأننا لم نرد ههنا استيفاء ذكر جميع الإنجازات البنائية، التي تحقّقت خلال رياسة الشيخ ﵀ للجامعة، وإنما أردنا الاكتفاء بإشارات خاطفة لتدلّ على مدى التقدّم البنائي، الذي شهدته الجامعة على عهده.
الأعمال البنائية الهائلة، التي أنجزت قبيل الاحتفال المئوي:
وبقي أن نشير إلى الأعمال البنائية المكثفة، التي نفذت خلال التحضير لعقد الاحتفال المئوي، فهي كما يلي:
١ - بنيت عشرات من الغرف الكبيرة والصغيرة في الدور الثاني من السكن الطلابي، المعروف بالدار الجديدة في المكان الشاغر بمساحة غرفة بين كلّ غرفتين مزدوجتين.
٢ - بني فصلان كبيران في الجانبين الشمالي والجنوبي للقاعة المركزية، التي تنعقد فيها دروس كتب الحديث الشريف.
стр. 3404
٣ - جعلت المنارتان الشمالية والجنوبية، اللتان تتبعان المبنى الجامعي المركزي، الذي يتوسّط المدينة الجامعية ذواتي ثلاثة طوابق بعد ما كانتا ذواتي طابقين.
٤ - أجريت توسعة في المسجد القديم شملت بناء دورتين وبناء منارتين مرتفعتين أكثر مما كانتا عليه.
٥ - وأحدثت له بوّابة رئيسة، تجمع بين الشموخ والروعة والهندسة الدقيقة.
٦ - وأعيد بناء الحوض، فيه أكبر من ذي قبل وأجمل.
٧ - شُقّت طريق تصل "إحاطة باغ" السكن الطلابي، المعروف بالدار الجديدة. السكن الطلابي الكبير الذي يضم نحو (١٢٥) غرفة.
٨ - وأنشئت غرف عديدة صغيرة على الدور الثاني من "إحاطة باغ".
٩ - أنشئ مبنى مشتمل على قاعة وغرف لصالح مكتب شؤون إدارة التعليم بالجامعة.
١٠ - أدخلت تزيينات على البوّابة الرئيسة للجامعة المعروفة بـ "بوابة قاسم"، المنسوبة للإمام محمد قاسم النانوتوي، وبنيت عليها قاعة كبيرة، تستخدم لصالح مكتب الحسابات.
١١ - أنشئت أروقة ذات طابقين في محيط المكتبة الجامعية المركزية القديمة.
١٢ - أدخلت تحسينات لازمة على القبّة المركزية، الكائنة على قاعة "دار التفسير".
النهضة الإدارية والتعليمية في عهده:
أما التطوّرات التي شهدتها الجامعة في عهده على الصعيدين الإداري والتعليمي، والمكانة والسمعة غير العاديتين، اللتان حظيت بهما على
стр. 3405
الصعيدين الداخلي والخارجي والمحلّي والعالمي، فهو موضوع متشعّب مجرّد الاكتفاء بالإشارات فيه، يتطلّب صفحات، ولكن لا بدّ من الإلماح إلى الإنجازات الهامّة في هذا الشأن.
ففي العام الدراسي ٥٠ - ١٣٥١ هـ تم إجراء دورة التفسير.
وفي عام ١٣٥٢ هـ أجري تعديل في لوائح القبول والتسجيل، فقد كان الطلاب الجدد من ذي قبل يلتحقون بالجامعة عن طريق طلبات كتابية، يكتبونها بخطّ أيديهم، فقرّرت الجامعة طباعة استمارات مستقلّة لتقديم طلب الالتحاق. وكانت الاستمارات نوعين: نوع للطلّاب القدامي، ونوع للطلّاب الجدد، ولا تزال هذه اللوائح متبعة في الجامعة لحدّ الآن.
وفي هذا العام أعدّت تذاكر من الألمونيوم لتوزيع وجبات الطعام: تذاكر للغداء وتذاكر للعشاء، ولم يكن في الجامعة من قبل أيّ نظام للتمييز بين الطلّاب الذين حصلوا على الوجبة من الذين لم يحصلوا عليها.
وفي عام ١٣٥٥ هـ افتتح ثلاثة أقسام بالجامعة:
١ - قسم التنظيم والتطوير، وذلك للاهتمام بزيادة دخل الجامعة والاتصال بالخرّيجين والمحبّين.
٢ - قسم صيانة وثائق الجامعة لصيانة الملفات والأوراق والمستندات.
٣ - قسم الرياضة البدنية.
وفي عام ١٣٥٩ هـ أعيد تدعيم العلاقة فيما بين الجامعة وبين جامعة عليكره الإسلامية، حيث دعا الاتحاد الطلّابي بجامعة عليكره فضيلة الشيخ محمد طيّب لإلقاء محاضرة "حول الإسلام والعلم الحديث"، فأجاد، وأفاد، وأطنب وأطرب، وأشبع الموضوع، فنال قبولا زائدا، واستحسانا بالغا، فيما بين الطلاب والأساتذة معا.
стр. 3406
وفي جمادى الأخرى ١٣٦٠ هـ بدأت الجامعة تصدر مجلة أردية شهرية ناطقة باسمها، باسم "دار العلوم"، لا تزال تصدر لحدّ اليوم، ومن قبل كانت الجامعة تصدر مجلة باسم "القاسم" منذ عام ١٣٢٨ هـ، وظلت تصدر عبر (١١) عاما، ثم أوقفت.
وفي عام ١٣٦٤ هـ افتتح قسم "تعليم الخطوط"، الذي كان فريدا في موضوعه آنذاك، حيث لم يهتمّ معهد أهلي بفنّ الخطوط قبل دار العلوم اهتماما مستقلا.
وفي عام ١٣٦٥ هـ أجري قسم للتداريب المهني باسم "دار الصنائع".
وفي عام ١٣٦٦ هـ أجري في الجامعة لصالح الموظّفين والأساتذة "صندوق الاقتصاد" (Provident Fund)
وفي عام ١٣٦٨ هـ انتخب الشيخ محمد طيّب وعدد من أبناء الجامعة أعضاء في مجلس الشؤون الإدارية لجامعة عليكره.
وفي ١٣٦٩ هـ زار الجامعة سفير "أفغانستان" بـ "الهند" فقال: مهما كانت دار العلوم ديوبند معهدا تعليميا أهليا لدى الشارع الأفغانستاني، لكني في ضوء ملاحظاتي أودّ أن أسجّل أنها ليست معهدا تعليميا فقط، ولكنها مركز للثقافة الإسلامية.
وفي ١/ ربيع الآخر ١٣٧١ هـ زار الجامعة أحد كبار القادة الهندوس "أشاريا ونوبا بهاوي"، فأبدى إعجابه الكبير بالجامعة في خطابه، الذي ألقاه في رحابها، كما قال في إحدى الحفلات الشعبية في مدينة ديوبند: إنها الجامعة الوحيدة التي حاربت الاستعمار منذ اليوم الأول، وخلال هذه المعركة قدمت تضحيات جسيمة على كلّ جبهة وقبل كلّ أحد.
وفي ١٣٧١ هـ زار الجامعة المثقّف المصري الأستاذ محمد رشاد بن عبد المطلب، الذي كان يتقن الإنكليزية، وقال في انطباعاته عن الجامعة: وجدت
стр. 3407
الجامعة قائمة على أسس متينة، والمتانة ترجع إلى إخلاص مؤسّسيها وأعمالهم الصالحة.
وفي عام ١٣٧٢ هـ زار الجامعة السيّد أنور السادات المتوفى ١٤٠١ هـ، الذي كان آنذاك أمينا عاما للمؤتمر الإسلامي، فأعجب إعجابا كبيرا بجوّها العلمي والروحاني.
وفي عام ١٣٧٥ هـ بعثت جامعة الأزهر والمؤتمر الإسلامي إلى دار العلوم ديوبند أستاذين، وهما الشيخ عبد المنعم النمر، والشيخ عبد العال العقباوي، وبعد عامين رجعا إلى "مصر"، فبعثت الشيخ عبد الوهّاب محمود، وبفضل وجودهم انتعشت اللغة العربية في الجامعة، وأقبل الطلاب على الخطابة والكتابة فيها، وتحسّنت الحالة بشكل أكثر فيما بعد، بوجود الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي، المتوفى ١٤١٥ هـ، ومساعيه المضنية، التي واصلها عبر سنوات طويلة في مجال اللغة العربية، وعادت الجامعة تخرّج كتّابا ومؤلّفين وخطباء باللغة العربية بجانب اللغة الأردية، التي هي لغة التدريس فيها في الأغلب.
وفي عام ١٣٨٢ هـ زار الجامعة محدّث "سوريا" الكبير وعالمها الشهير الشيخ الصالح عبد الفتّاح أبو غدّة، المتوفى ١٤١٧ هـ، الذي كان آنذاك أستاذا بجامعة "حلب"، وقد أبدى إعجابه البالغ بهذه الجامعة العتيدة وبمؤلّفات علمائها، التي تحتوي عنده على معان ومباحث، لا توجد، حتى في كثير من كتب المفسّرين ولا المحدّثين والعلماء المتقدّمين، ومن بين ما قاله رحمه الله تعالى في انطباعاته، التي سجَّلها في سجل الانطباعات: من فضل الله الكبير على العاجز كاتب هذه السطور أنه أتاح له زيارة مدن "الهند" والتجوال فيها، وعلى رأسها وفي مقدّمتها "ديوبند" وجامعتها الإسلامية دار العلوم، التي هي في الواقع بمثابة قلب حيّ مشحون بالعلم والتقوى، وهي مركز العلماء والمؤلّفين ومهوى طلّاب العلم والدين. وقد كانت زيارة هذا المركز
стр. 3408
الإسلامي أمنية راودتني عبر حياتي وحلما من أحلام الليل والنهار التي ظلّت أحلم بها، وأحمد الله تعالى أنه أسعدني اليوم بزيارة هذه الدار، وتحقّقت أمنيتي القديمة. ولقد وجدتها رؤية أحسن مما كنت قد تصوّرت عنها في ضوء ما سمعت عنها. إن أنوار العلم تتفجّر من جنبات هذه الجامعة السعيدة، ففي فصولها وقاعاتها تدرّس أحاديث رسول الله ﷺ ، تبيّن أحكام الدين والشريعة لعطشى العلم وطلّاب العلم والمعرفة والإحسان على منهاج مثالي من النظام والإدارة والدقّة واللباقة والفراسة، تتجلّى فيه روحانية ذوي القلوب المؤمنة وأولي العلم والبحث.
ومن فضل الله العظيم عليّ أن سعدت بالاستماع لبعض أجزاء درس في الحديث لمولانا الأجلّ بركة الأمة ذي الأنفاس الطاهرة سيّدي الشيخ المحدّث السيّد فخر الدين أحمد المرادآبادي، فقد تحدّث الشيخ على طلب من الأحبّة الطلَّاب ومراعاة لي حول حديث بني سلمة باللغة العربية، ذاك الحديث الذي جاء فيه أن بني سلمة رغبوا في أن يتركوا ديارهم إلى جوار المسجد النبوي، على صاحبه الصلاة والسلام، ولمَّا علم رسول الله ﷺ رغبتهم هذه، قال: دياركم تكتب آثاركم.
وقد كانت محاضرته جامعة بين الدرر اليتيمة والنجوم المتلألئة، ومصداقا لـ "فيض الباري" و"عمدة القارئ". . . وأتضرّع إلى الله أن يجزيه خيرا عن السنّة المطهّرة والعاملين بها. وأن يديم هذه الجامعة متقدّمة زاهرة في ظلّ أمثال مولانا العلامة محمد إبراهيم البلياوي رئيس هيئة التدريس، ومولانا المقرئ محمد طيّب رئيس الجامعة، وغيرهما من الأئمة الأجلّة بدور الهدى ومصابيح الدجى.
وفي عهده بدئ تنفيذ مشروع تدوين "فتاوى دار العلوم" ديوبند، وصدر المجلّد الأول منها عام ١٣٨٢ هـ، وقد صدرت لحد الآن ١٢ مجلّدا منها، والبقية قيد الإعداد.
стр. 3409
وفي ١٤ ذو الحجّة ١٣٧٦ هـ زار الجامعة أول رئيس للجمهورية الهندية، وهو د. راجندرا براشاد، الذي قال في حفلة مأدبة غداء، أقيمت على شرفه: إن العالم يسوده اليوم قلق من أجل التقدّم المادي، وعادت القلوب تفقد الطمأنينة والسكينة، وهما في الرواحانية، وإني أرى أن أسباب هذه الطمأنينة وتلك السكينة يوفرها شيوخ هذه الجامعة، وإني أرى أن الله إذا رضي بالإبقاء على هذا العالم، فإنه سيجعله يعود أخيرا إلى الخطّ الذي يسير عليه شيوخ هذه الجامعة. . .
وفي شوَّال ١٣٨٤ هـ أصدرت الجامعة لأول مرّة في تاريخها مجلّة عربية باسم "دعوة الحق"، ظلّت تصدر أربع مرَّات في السنة مدَّة أعوام عديدة، يرأس تحريرها الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي ﵀ المتوفى ١٤١٥ هـ، ثم حلّت محلّها تحت إشرافه ﵀ جريدة عربية نصف شهرية باسم "الداعي"، صدر العدد الأول منها في ١١ جادى الأخرى ١٣٩٦ هـ.
ثم ارتأى المجلس الاستشاري في عهد ما بعد الشيخ محمد طيّب ﵀ أن يحولها مجلّة شهرية، فصدر العدد الأول من مجلّة "الداعي" الشهرية في صفر، ربيع الأول، ١٤١٤ هـ، عندما كانت في سنتها ١٧. ولا تزال تصدر شهرية، وهي اليوم في ١٤٢٠ هـ، في سنتها ٢٣، ولله الحمد.
وفي عام ١٣٩٢ هـ زار الجامعة وفد ثقافي مصري برياسة السيّد محمد توفيق عويضة. وقد قال رئيس الوفد لدى حديثه الودّي مع المسؤولين في الجامعة:
لقد صدق العلامة رشيد رضا عندما قال: ما قرّت عيني بشيء في "الهند" بمثلما قرّت برؤية مدرسة ديوبند.
وفي عام ١٣٩٤ هـ زار الجامعة وفد من رابطة العالم الإسلامي بقيادة السيّد إبراهيم السقّاف، الذي اعتبر دار العلوم منارة علم ومركز إشعاع فكري، وسببا قويا في انتشار علم الحديث في "الديار الهندية".
стр. 3410
وفي عام ١٣٩٥ هـ زار الجامعة كلّ من شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود ﵀ وكيل الأزهر، والشيخ عبد الرحمن بيصار، والشيخ محمد خاطر مفتي "الديار المصرية"، والشيخ محمد الفحام شيخ الأزهر السابق. وقد قال الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود في انطباعاته في الحفلة:
ولا يسعني إلا أن أعترف أن زهد رئيس الجامعة الشيخ محمد طيّب وتقواه وعلمه الغزير وإخلاصه الكبير، هو الذي يتجلّى في كلّ ما نلمسه في هذه الجامعة، الأمر الذي جعل خرّيجي هذه الجامعة يسودون مجالات الحياة كلّها في نجاح كبير.
هذا، وإلى جانب هذا التقدّم الهائل الذي شهدته الجامعة على عهد رياسته على كافّة الأصعدة البنائية والإدارية والتعليمية، وعلى صعيد السمعة المطبقة والصيت الذائع إلى الوقار والاعتبار الذين جعلاها جامعة شعبية فريدة منقطعة النظير في الشرق الإسلامي هذا، إلى جانب ذلك كان دوره طليعيا كذلك في الدفاع عن الإسلام والمسلمين.
وذلك انطلاقا من أسوة مشايخ الجامعة: مؤسّسيها وأبنائها، الذين ظلّوا يحاربون الاستعمار الإنجليزي بكافّة الأسلحة، ثم ظلّوا في طليعة المحاربين للفرق الضالّة والطوائف المنحرفة، بما فيها القاديانية، والبريلوية، والحركات المستهدفة للإسلام من قبل الإحيائية الهندوسية والتبشير والمسيحي.
أما بالنسبة للقاديانية فقد شارك مع مشايخه وزملائه في كثير من المناظرات والمقاومات، كما كتب، وخطب طويلا في هذا الموضوع.
وبالنسبة للبريلوية فقد كان لسانا ناطقًا ضدّها بخطاباته، التي لا تحصى، والتي قلّما بقيت مدينة أو قرية في شبه القارة الهندية لم تستمع لها. وكانت معظم خطاباته تدور حول غرس الحقائق الأصيلة للإسلام في قلوب الجماهير.
стр. 3411
والمطلع على أحوال "الهند" يعرف جيّدا أن قضيّة الحفاظ على الشرائع الإسلامية لم تقلّ أهمية في "الهند" المستقلّة، بل ربما أخذت أهمية متزايدة من أجل المآسي، التي شهدها الشعب المسلم، ولا يزال يشهدها في هذا الخصوص بشكل، لم يكن ليتصوّره في "الهند" المستعبدة، التي كان هو في مقدّمة المضحّين بالنفس والنفيس في سبيل تحريرها، وذاق في هذا السبيل ويلات لم يذقها بالتأكيد أيّ من طوائف البلاد.
ونحمد الله أن الجامعة ظلّت بقيادة الشيخ محمد طيّب الحكيمة ملاذا للشعب المسلم الهندي بالنسبة لكلّ محاولة رامية لدينه وعقيدته، وقامت بالجهد المشكور في تحطيم المحاولة في مهدها، أو ظلّت تلاحقها لآخر مرحلة.
في الثمانينات من القرن الميلادي الحالي، ولا سيّما عام ١٣٩٢ هـ، قامت محاولات للتدخّل في قانون الأحوال الشخصية لمسلمي "الهند" بشدّة غير عادية، وقيل: إن الشرائع الإسلامية عادت لا تفي بمطالب العصر.
فأمر رئيس الجامعة الشيخ محمد طيّب بتكوين لجنة من كبار أساتذة الجامعة لتقوم بتفنيد شبهات المشكّكين والمعترضين، ثم عقد ﵀ في رحاب الجامعة يوم ٢٦ صفر ١٣٩٢ هـ اجتماعا، دعا إليه كبار علماء ديوبند، وآخرين من العلماء والمفكّرين والمثقّفين المسلمين، حتى يتّخذوا موقفا موحّدا فيما يتعلق بالأحوال الشخصية للمسلمين والدفاع عنها، وتدارس المجتمعون جميع نواحي القضيّة، وأعدّوا مذكرة، تتضمّن أسئلة، وجهت للعلماء ورجال الإفتاء لشتى مدارس الفكر الإسلامية في "الهند"، وطلب إليهم أن يوافوا الجامعة بأجوبتهم في أوائل رجب ١٣٩٢ هـ.
كما اتفق المجتمعون على عقد مؤتمر موسع لعموم "الهند" حول الموضوع، واتخذ رئيس الجامعة لهذا الاجتماع الموسّع لجانا عديدة تتضمّن رجال القانون ورجال الدعوة والفكر إلى رجال العلم والإفتاء.
стр. 3412
واللجنة المحلّية في هذا الشأن عقدت اجتماعها في الجامعة يوم ٢ جمادى الأخرى ١٣٩٢ هـ، وقرّر أن يعقد اجتماع كبير في الجامعة في ٥ - ٦ رجب ١٣٩٢ هـ، لدراسة أجوبة العلماء حول الأسئلة المشار إليها.
وحسب المقرّر عقد المؤتمر الموسّع لعموم "الهند" في مدينة "بومباي" في ٢٠ - ٢١ ذو القعدة ١٣٩٢ هـ. ونظرا لأهمية الموضوع ارتأى العلماء أن تكون الدعوة موجّهة من قبل رؤساء وقادة شتى المنظّمات الإسلامية المعروفة. وكان كذلك فقد اجتهدت جميع المنظّمات والجمعيات الإسلامية في عقد المؤتمر، وقد تكلّل بالنجاح من جميع الاعتبارات بشكل غير عادي، وبإجماع ممثلي جميع المنظّمات المساهمة في الدعوة لعقد هذا المؤتمر بما فيها أهل السنّة والشيعة والديوبندية والبريلوية، وأهل الحديث والجماعة الإسلامية، وكلّ من الطوائف، التي تنتمي إلى الإسلام، ويعتبرها الدستور الهندي مسلمة، أسندت رياسة المؤتمر إلى سماحة الشيخ محمد طيّب رحمه الله تعالى.
ومن على منبر هذا المؤتمر التاريخي المشهود أعلن الشعب المسلم بجميع طوائفه ومذاهبه أنه لن يتحمّل أيّ تدخّل للتغيير في أحواله الشخصية، وتمخّض المؤتمر عن قيام هيئة للأحوال الشخصيّة لعموم "الهند"، تمثل جميع المذاهب والمدارس الفكرية للمسلمين، وأجمع المؤتمرون على انتخاب الشيخ محمد طيّب رئيسا للهيئة، والشيخ منت الله الرحماني أمير الشريعة لولايتي بـ "يهار" و"أريسه" سابقا، المتوفى ١٤١١ هـ. أمينا عاما للهيئة، وقد ظلّا يتولّيان مسؤوليتهما نحو الهيئة لآخر لحظة من حياتهما.
وبشهادة التاريخ يسجّل أن "الهند" المستقلّة لم تشهد منبرا موحّدا للدفاع عن الشريعة الإسلامية خصوصا، وقضايا الإسلام والمسلمين عموما أقوى من منبر هيئة الأحوال الشخصيّة لعموم "الهند".
стр. 3413
الاحتفال المئوي المنقطع النظير للجامعة:
وفي عهده وقبل وفاته بثلاث سنين ونحو نصف، في الفترة ما بين ٣ - ٥ جمادى الأولى ١٤٠٠ هـ، عقدت الجامعة احتفالا باسم "الاحتفال المئوي".
كان الاحتفال منقطع النظير حقًّا، حضره نخبة رجال العلم والفكر، والدعوة والتبليغ، والتعليم والتربية، والصَّحافة والإعلام، من أنحاء "الهند" وأرجاء العالمين العربي والإسلامي، ربما لم ير الناس هذا التجمّع الإنساني الإسلامي المائج في مكان ما في العالم فيما بعد "عرفات"، بشهادة العلماء الموثوق بهم، الذين أتيح لهم في هذا العصر أن يطوفوا في الدنيا كلّها ما لم يتح لغيرهم.
وكانت المسَاحَة التي أقيم عليها السرادق خصيصا لعقد الاحتفال (٦٠٠٠٠٠) قدم مربّع، بالإضافة إلى المخيمات المفردة لكلّ من الولايات والمديريات الهندية، ولكلّ من "الهند" و"باكستان" و"بنغلاديش".
ولاتخاذ الاستعدادات وإنجاح الاحتفال شكلت لجنة تضمّ كلّ منها عددا من الخبراء والمحبّين للجامعة والأساتذة.
وعبر نحو أسبوع أو أكثر ظلّت ديوبند هي محطّة الركاب المسلمين من أنحاء "الهند" كلّها، في معظم المدن الهندية ظلّت تزدحم المواقف والمحطّات بالمسافرين القاصدين لمدينة "ديوبند"، والسيّارات والحافلات والقطارات كلّها وجدت غاصّة بالركاب المسلمين في هذه الفترة، وبمن هم في زيّ العلماء والصالحين، حتى رأت الحكومة أن تجري قطارات خصوصية من وإلى "ديوبند"، من محطّات المدن الرئيسة في البلاد.
وأوفدت حكومات معظم البلاد العربية والإسلامية ممثّليها إلى هذا اللقاء الإسلامي التاريخي، وعلى رأسها "المملكة العربية السعودية"، و"جمهورية مصر"
стр. 3414
العربية، و"دولة الكويت"، و"باكستان"، و"الجمهورية العراقية" و"المملكة الأردنية الهاشمية"، و"سلطنة عمان"، وغير ذلك من الحكومات.
أما على صعيد "الهند" فقد وجّه رئيس الجمهورية الراحل "نيلام سنجيفا ريدي" رسالة تهنئة حارّة، وحضرت الاحتفال رئيسة وزراء "الهند" الراحلة إندرا غاندي، (المتوفى ١٤٠٤ هـ)، التي ألقت كلمة ضافية في الجلسة الافتتاحية يوم الجمعة المبارك ٣ جمادى الأولى ١٤٠٠ هـ، كما أن مصلحة البريد الهندية أصدرت هذه المناسبة طابعا تذكاريا، مشتملا على بعض المباني الجامعية الهامّة.
ويقدّر عدد الحضور بالمليونين ونصف، وقد ساهمت في تغطية المداولات بالإضافة إلى كبرى الصحف الهندية ووسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة المحلّية والعالمية، مجلّة البلاغ الكويتية، وجريدة أخبار العالم الإسلامي بمكّة المكّرمة، وعرب تائمز الكويتية، ومجلّة صوت الشرق القاهرية، ومجلّة الوعي الإسلامي الكويتية، ومجلّة منبر الإسلام المصرية، ومجلّة الشريعة الأردنية، وجريدة المدينة السعودية.
وظلت ذكريات الاحتفال حيّة في القلوب ومذكورة على الألسنة أياما طويلة.
وصدق الأستاذ إبراهيم محمد سرسيق ممثّل جريدة المدينة إذ كتب بعددها الصادر بيوم السبت ١٩/ ٥/ ١٤٠٠ هـ، في تقريره الطويل النفس عن الاحتفال وانطباعاته عنه وعن الجماعة وعن الهند:
… إن ما رأيته من احتفاء الناس بهذه الجامعة، قد أثلج صدري حقًّا، فمن الصعب أن يوجد هذا التعاطف بين الناس ومؤسّساتهم العلمية هذه الدرجة من الحبّ والتلاحم والذوبان الروحي والتعلّق القلبي.
التعاطف هو الذي ساعدني على أن أرى مشهدا ما شهدته قطّ إلا في الحجّ الأكبر في عرفات الله …
стр. 3415
مكانته في الخطابة:
أشهِدُ الله أني ما رأيت في حياتي رجلًا في طول شبه القارة الهندية وعرضه يجلس على منصّة الخطابة والوعظ، فيمتلك مشاعر المستمعين وقلوبهم مثله، بغزارة علمه، ووفرة اطلاعه، وكثرة محفوظاته، وتعمّقه في الكتاب والسنّة، وتشبّعه بأسرار الشريعة، وبروعة عرضه للدلائل على حقّية الإسلام وأحكامه وشرائعه، وبعذوبة منطقه، وجمال مظهره، وحسن هندامه، وبديع بيانه، وسلاسة لسانه، كأنه عندليب يغنِّي، أو ملك يتكلّم، يجري في خطابه في هدوء وعلى نسق واحد، كالأنهار الجارية في السهول، يستمع إليه الحاضرون ثلاث ساعات متتاليات أو أكثر دون أن يساورهم ملل، جلّ محاضراته في أيّ من المواضيع الإسلامية تطول أكثر من ساعتين على الأقلّ، يتحدّث ارتجالا دون أن يخونه التعبير أو تنقصه المعلومات، وكأن الألفاظ والمعاني كانت رهن إشارته. وقد رأينا المستمعين رغم كون محاضراته طويلة النفس يشكون في النهاية دائما عدم التشبّع، ويتطلّبون المزيد، كأنهم حرموا صحبة ممتعة، أو ظلّا ظليلا، أو أغنية مطربة تغذي الروح، أو حلوى غير عادية في اللذَّة والحلاوة، كانوا يتناولونها، فنزعت من أفواههم.
وكان القائمون على المؤسّسات والمدارس والجامعات الإسلامية في كلّ مكان ينتهزون وجوده، ويعقدون المناسبة دون تحضير مسبق، فيتوافد الناس لاستماع كلمته، وينجذبون إلى مكان الحفل فور علمهم بانعقاده، انجذاب القطع الحديدية للمغناطيس.
وكانت تكون خطاباته مملوءة بالاستشهاد بنصوص الكتاب والسنّة وأقوال السلف بألفاظهم، ومجملة بقصص طريفة، ونكت لطيفة، وإشارات دقيقة، تنشط الأذهان، وتبعث الدروس، وتشحذ الإيمان، وتصقل القلوب، وتحرّك الهمم، وتلفت الأنظار إلى مغزى آيات الله، المبعثرة في الكون.
стр. 3416
خطابات، لم يُتعِبْ فيها قطّ صاحبها نفسه، برفع الصوت، وبذل الحماس الزائد، وإعمال التفاتات كريهة إلى جانبي اليمين والشمال، والتعمّد لاستخراج ضحكات الحضور، ولم يعتمد على تحريك يديه، والإشارة بالأصابع، ولم يُزَمْجِرْ، ولم يُزْبِد، ولم يحرص على التصفيق من الحضور، وإنما ظلّ يجري في رفق وتأن، كحلم لذيذ، يسري في الخاطر، وينعشه.
أجل، لم يتعب نفسه بذلك كلّه، كما أنه أراح الجمهور من أيّ تعب، فلم يصبه به عبر مشواره الخطابي ورحلته الدعوية، فكانوا يستمعون له ساعات طويلة متسمرّين مشدودين كأنَّ على رؤوسهم الطير.
وكان ﵀ مكثرا من ضرب الأمثلة، وتقريب الموضوع إلى الحضور، بالمحاكاة والتشبيهات، وبالأساليب البيانية والصياغات اللغوية المتنوّعة، التي كان بارعا فيها، في أوائل ثمانينات القرن الحالي الميلادي كنت أستمع له بعد ظهر أحد أيام شهر محرّم الحرام، في حفلة مزدحمة بالحضور في (محيط شوكت علي) بمدينة "لكنو"، وكان الموضوع هو التأكيد على فضائل الصحابة في تلك البيئة، التي يتناولهم فيها سكّان المدينة الشيعة بالسباب بل بالشتائم.
وتطرّق في حديثه إلى موضوعات فرعية عديدة، من بينها: الطريق قد تتعدّد، ولكن المنزل يجب أن يكون واحدا، وضرب لذلك مثلا من كتب السلف القديمة، وكان المثل في قصّة طريفة ذات دروس كبيرة، موجَزها:
أن نحويا كان غاية في السواد، يغبطه في ذلك ظلام الليل، وكانت زوجته غاية في البَياض والجمال، كأنها قطعة من القمر أو طلعة من البدر، إذا اجتمعا ظهرا للناظر كأنهما الشمس والظلّ، أو الليل والنهار، أو المتناقضان كالماء والنار، وذات يوم كانا جالسين يتحدّثان في شتى المواضيع، إذا قال الزوج للزوجة: نحن كلانا سندخل الجنّة إن شاء الله. قالت الزوجة: قبل الله دعوتك، ولكني لا أؤمن بكونك نبيا، يطلع الله على بعض مغيباته لدى
стр. 3417
الحاجة، فكيف علمت أننا من أهل الجنة؟ قال: للعلم بذلك لا حاجَة إلى أن يكون المرأ نبيا أو شيخا صالحا، ألا تعلمين أنك على جمال ربما لا تتمتّع به اليوم على ظهر البسيطة امرأة، ومع ذلك أنت مجتهدة في بذل الطاعة لي، والعبادة لله، واستيعاب الأوقات في الذكر والتلاوة، فأنا على منزلة في الشكر ربما لا يعتليها رجل اليوم في الدنيا، حيث استحضر كلّ وقت نعمة الله الغالية المتمثّلة في الزوجة الفريدة في الجمال مثلك، التي أعطيتها دونما حول مني ولا قوّة.
وبالعكس من ذلك أنا أقبح رجل على وجه الأرض، ربما لا يوجد نظيري في العالم في القبح، ورغم ذلك أنت تصبرين عليّ، وترضين بقسمة الربّ، فأنت على درجة من الصبر، ربما لم يفز بها اليوم أحد في الدنيا.
إذا فزوجك المتواضع غاية في الشكر، وأنت غاية في الصبر، فسندخل الجنة إن شاء الله، أما أنا فعن طريق الشكر، وأما أنت، فعن طريق الصبر.
وبعد ما حكى الشيخ القصّة، قال: فالمنزل ههنا واحد، وهو الجنة، وإن أحد القاصدين اختار طريق الشكر إليها، وثانيهما رضي طريق الصبر.
وقد ذكر أحد المترجمين له، قصّة أخرى طريفة تؤكّد مدى براعته في ضرب الأمثلة.
في مدينة "ملتان" بـ "باكستان" كان الشيخ يتحدّث إلى حفلة كبيرة جدا، عن موضوع الآداب التي يجب أن يتقيّد بها القائم بترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغة من اللغات، وتطرّق في ذلك إلى أمور كثيرة، منها: أن المترجم البارع إنما يكون من له علم واسع بالأمثال والحكم والنكت المستخدمة في اللغة، التي يحاول أن يقوم بنقلها إلى لغة أخرى.
وضرب لذلك مثلا لضابط إنجليزي كان يشغل منصبا في عهد الاستعمار الإنجليزي في "الهند"، وكان مقيما بها منذ سنوات طويلة، فتعلم الأردية لطول عهده بها، وبالخدمة فيها واحتكاكه بالناطقين بها، فقال ذات
стр. 3418
يوم مهتزا للجندي المخصّص لخدمته: إني قد أتقنت اللغة الأردية. فابتسم الجندي، لأنه كان من الناطقين بها، وقال له متأدّبا: إن اللغة الأردية لا يتقنها أحد إلا بعد طول ممارسة. فقال الضابط: ما تقول صحيح، ولكني قد أتقنتُها فعلا. قال الجندي: إذا هل تسمح لي بأن أختبرك في ذلك؟ قال الضابط طربا: بكلّ حرّية. قال الجندي: ما معنى القرع المرّ الصاعد على شجرة النيم، وبما أن النصّ الأردي للمثل يحمل بين القرع المرّ، وبين الصاعد على شجرة النيم، كلمة أور العاطفة المرادفة للواو في العربية، فتورّط الرجل أولا في هذه القضيّة، وقال للجنديّ: قد فهمت ما هو المراد من النصّ بين طرفي أور، ولكني لم أدر لماذا تخللت كلمة أور ههنا بدون معنى وبدون حاجة؟ أفهل هي للربط أو للعطف، وكلاهما باطلان ههنا؟ وابتسم الجندي ساخرا منه، وقال له: دع هذه القضيّة، ودلّني على معنى هذه الجملة صارفا نظرك عن أور، فتوقّف قليلا، ثم قال إن "كريلا" "القرع المر" خضار، وأما "نيم" فمعناها النصف، وأما جرها الصاعد، فمعناها أن القائم بطبخ الخضار، قد وضعه في القدر على الموقد. ثم قال ضاحكا: إنك لتعلم أن كريلا خضار مرّ للغاية، فلو طبخه جاهل لما نضج جيّدا، وإنما بقي ناضجا وغير ناضج، فلم تزل مرارته، وإذن فالمعنى واضح!
واستخرج الموقف ضحكا طويلا من الجنديّ، ثم قال للضابط سيّدي! أما قلت: إنك لم تتقن الأردية بعد. وهنا شرح له معنى النصّ. فقال الضابط: حسنا إن ذهني لم يتطرّق إلى شجرة النيم، وإلا فإني كذلك كنت قد توصّلت إلى المعنى المراد الذي شرحته أنت.
قال الشيخ ﵀: إن الضابط عرف كريلا وعرف نيم، بمعنى النصف، ولم يعرف الكلمة في معنى الشجرة ههنا، فأفسد المثل وسلبه مزاياه، ولما شرح له الجندي المعنى الصحيح شعر بالندم، وقال: سلني عن أشياء أخرى، فسأجيبك صحيحا. فقال الجندي: إذا سألتك عن أشياء أخرى،
стр. 3419
فستعود مقلبا نظرك يمينا وشمالا، واستخدم بالمناسبة الحكمة الأردية، التي معناها الحرفي ستعود ناظرا في إبطيك، فكشف الضابط عن أحد إبطيه، ونظر فيه، ثم كشف عن الثاني، ونظر فيه، وقال: لعلّك تريد أني سأفعل هكذا. ولم يستطع الجندي أن يتمالك نفسه تجاه الضحك، الذي سيطر عليه.
وجميع خطابات الشيخ زاخرة بأمثال هذه الأمثال والقصص، التي كانت تزداد طرافة على طرافة لحديثه الشيق المعسول المعجون بلذّة الشوكولاتة، الأمر الذي كان يجعل الحضور لا يكادون يتمالكون أنفسهم من الضحك العفوي، الذي كان يغلب عليهم لدى استماعهم لها، كما كان المتذوّقون للغة والثقافة يهتزون فرحا.
من مزايا خطاباته:
وكان من مزايا خطاباته أنه كان يشبع الحديث في كلّ موضوع يتحدّث عنه، ويوفيه حقّه من الشرح، ومن الدلائل ومن النقاش، ومن تفنيد كلّ شبهة، ومن التطرّق إلى جميع أبعاده، ومن توفير كلّ معلومة ممكنة، يحتاج إليها المستمع فيما يتعلق به، بالإضافة إلى إمداده بتجاربه الواسعة واطلاعاته الدقيقة على الحياة والناس وعلى المجتمعات البشرية.
وكان يقدر على أن يتحدّث في كلّ موضوع دقيق وجليل، وعن مقدرة بيانية عجيبة، وبمعلومات وعناصر مطلوبة، مهما كانت المناسبة، وأيا كان الوقت، وكيفما كان الموقف. مهما طلب إليه الحديث بدأ يتكلّم كأنه مسجّل ضغط على مفتاحه.
وربما تكلّم في موضوع تافه، فجعله شيئًا ذا بال بسحر حديثه، وعذوبة منطقه، وخفّة روحه، وحسن نكته، ولباقة عرضه، وقوّة عارضته، وغرائب معلوماته، واتّساق أطروحاته، وتدفّق رؤاه.
стр. 3420
قد سمعت حديثه ذات مرّة حول فضيلة القناعة بالقليل وعيش الحياة كعابر سبيل، فتأكّد لديّ أن الحياة المثاليّة للمسلم الصحيح إنما هي ما عاشه سيّدنا أبو ذر وأمثاله من الصحابة والتابعين والزاهدين من هذه الأمّة، وأن ما لا يتفق، وهذه الحياة الإيمانية المغبوطة، فإنما هو هوس وجنون وهوى وفنون، يتأنّق فيها الراغبون في هذه الحياة الدنيا. حديث أبكى العيون، وغسل القلوب، وصقل الإيمان، وحطّم الأوهام، وأزال الأردان، وكسر الأهواء، وشفى المتهالكين على المادّة والمعدة من داء الجشع والأنانيّة، والدّوران حول الذات.
ثم استمعت إليه:
بعد سنوات طويلة، وهو يتحدّث عن فضيلة الثروة واقتناء المال والعناية باستثماره، فإنفاقه في وجوه الخير، التي لا تحصى، وأشار في ذلك إلى نواحي الخير، التي قد لا تتبادر إليها الأذهان، وقد لا تنال عناية من فاعلي الخير السبّاقين إلى البذل والحريصين على الخدمة الإنسانية والأعمال الإسلامية فما وسع الحضور، إلا أن كادوا يطيرون فرحا، وعادت المنصّة والمخيم المنعقد فيه الاحتفال، وما حوله من الجدران وما وراءها من الأشجار، ألسنة تلهج بالثناء، وترفع الصوت بالتصفيق والتهليل، والإشادة والدعاء.
وهنا ثارت الدواعي في قلبي، وأتأكّد أن الحضور كانوا شركائي في ذلك أن الفضيلة الأولى التي يجب أن يحظى بها الإنسان في حياته إنما هي فضيلة الثروة والغنى والحصول على المال الوفير، حيث إن هناك حسنات لا يمكن أن يحقّقها المرأ في دنياه، إلا عن طريق المال والثروة، وبذلك فيتمهّد له الطريق إلى التقرّب إلى ربه، ثم إلى دخول جنته بفضله ومنّته، إن شاء الله.
стр. 3421
فحسم الأمر، وحكم في القضيّة فيما يتعلّق بمن يشكّون في شأن العناية بمجرّد الثروة والثريّ، وينظرون إلى مطلق المال كأنه لعنة، وإلى مطلق العناية بأسباب الراحة المباحة والنعيم الحلال بنظرة الشكّ والارتياب.
وأكّد أن مطلق المال والثروة ليس بحرام، وإنما الحرام هو الإخطاء بمواضع استحقاقه، ووجوه الإنفاق، التي أرشد إليها الإسلام، وفصّلتها الشريعة، وضعت لها مبادئ، وقعّدت لها قواعد.
وأن مطلق الفقر والزهد في الدنيا واللعنة على الأسباب، التي بسطها الله لحكمته في الكون ليس محمودا في الشريعة ومقبولا في الإسلام، وإنما المحمود هو الفقر الذي يبعث على المواساة، ويرقّق القلب، ويكسب لذّة اليقين، وجمالا في الدين، ويزيد المؤمن تقرّبا إلى الله، واحتسابا للأجر ورغبة في الذخر، وإلا فإن الفقر قد يؤدّي بغير المتوكّل على الله، وغير الصابر على البلاء، وغير العارف بآداب استمطار رحمات الربّ الغفور الرحيم، إلى الكفر، فإلى النار، أعاذنا الله وإيّاكم من كلّ موقف حرج في الدنيا، وبعدها في الآخرة.
اشترى طلّاب نادي اللغة العربية بالجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند في أيام تحصيلنا في منتصف التسعينات من القرن الرابع عشر الهجري الفائت، جهازا لمكبّر الصوت، وأشار مؤسّس النادي والمشرف عليه أستاذنا وأستاذ الجيل الإسلامي الجديد في شبه القارة الهندية، فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي رحمه الله تعالى، المتوفى ١٤١٥ هـ، أن نلتمس من الشيخ محمد طيّب ﵀ أن يدشّنه بحديثه المبارك، فقبل دعوتنا مشكورا، وحضر الحفل الذي عقدناه على شرفه محمودا، وتحدّث فيه حول مكبّر الصوت: ذاك الجهاز التافِه العادي، ومنافعه وفضائله الكثيرة، وإمكانات توظيفه لخدمة الدين والدعوة، بشكل جامع مانع بدا لنا من أجله، كأنه يتحدّث عن فضائل أحد من الأئمة الأعلام: الحسن البصري، وعبد الله بن المبارك، والغزالي، وابن تيمية، ومن إليهم.
стр. 3422
وكان من خصائص خطاباته: أن المستمعين كلّهم كانوا يعودون يشاطرونه الآراء، التي كان يعرضها عليهم، كأنها هي آراؤهم، بل أحاديث قلوبهم، ونجاوى نفوسهم، فيتجاوبون معها تجاوب عبد مطيع مع سيّده، وينفذونها في حياتهم تنفيذ المحبّ لأوامر حبيبه، قلمّا رأى الهنود خطيبا إسلاميا مثله يجعل مستمعيه، يقتنعون بحديثه، ويتشبّعون بأفكاره، ويتلذّذون بأساليب عرضه، لهذا الحدّ العجيب.
وقد كان علمه الثرّ، ومحفوظاته الغزيرة، وذكاؤه الملتقط، وتأنّقه في الملابس، وجمال هيئته، وحسن هندامه، وجبّته المعروفة بشرواني، وعكازه الخفيف، وقلنسوته القائمة على رأسه بصورة منفردة، وجلسته الوقورة على كرسي الخطابة، وحلمه الزائد، وتواضعه الجمّ، وزهده التامّ في فضول القول، واقتصار كلامه على ما ينفع عباد الله، وتقيّده بالجدّيّة البالغة في الجلوس والقيام والمشي والكلام والحركات والسكنات، ووجهه الصبيح الوضّاء، وجسمه المعتدل بين السمن والنحل، وقامته المعتدلة، والصلاح الذي كان يعلو نوره وجهه، ويشمل كيانه، وحسبه المتوارث، الذي يضفي عليه براءة الملائكة، ويجعل الناس يجدون أنفسهم مضطرّين لحبّه. . كلّ ذلك بالمجموع كان ينحت منه شخصية علمية دينية قيادية خطابية فذّة كان عنوانها الشيخ محمد طيّب رئيس جامعة دار العلوم ديوبند، الذي كان يحمل تأثير السحر ومفعول كبسولة الإنعاش والسرور. . . شخصية وجدت فيه، وانتهت به، ولا يوجد مثيلها اليوم، كما كان لا يوجد حين كانت حيّة تؤدّي دورها في الحياة.
وفي الأغلب جرت العادة:
أن ذوي الكمال لا يعترفون لأمثالهم بالفضل، ولكن نوابغ الخطباء وعباقرة اللسن المعاصرين قد اعترفوا بفضل الشيخ محمد طيّب ﵀ في مجال الخطابة، وعلى رأسهم الخطيب الإسلامي البليغ الشيخ عطاء الله شاه
стр. 3423
البخاري، ﵀ المتوفى ١٣٨١ هـ، وأديب الأردية وخطيبها المصقع، وكاتبها الفريد الشيخ أبو الكلام آزاد وزير التعليم الهندي الأول بعد الاستقلال، المتوفى ١٣٧٧ هـ.
فقد روى بعض من ترجم للشيخ محمد طيّب ﵀ أنه كان يتحدّث ذات مرّة في حفل كبير في مدينة "جالندهر"، بولاية "بنجاب" الهندية، وكان الصمت يلفّ الشجر والحجر، وكان الحضور كأنَّ على رؤوسهم الطير، فلو سقطت إبرة سمع لها صوت، وكان الشيخ محمد طيّب يتكلّم، وينشر لآلئ المعلومات، ويتلقّفها الحضور في لهفة ورغبة. وكان بينهم الخطيب الإسلامي المعروف الشيخ عطاء الله شاه البخاري، الذي لم يتمالك نفسه في بعض مواقف خطاب الشيخ عند ما تفتقت قريحته، فبلغ أوجه، وبرعت لفتاته، وتفردّت إشاراته، وبدعت أقواله، فنهض الشيخ البخاري من مكانه، وصعد إلى المنصّة، وأبدى إلى الحضور، غاية تقديره وإعجابه، وعواطف إشادته به، وأنشد قصيدة ارتجلها في مدحه، وقرّظ فيها سعة علمه، ومدى فضله، وغاية تبحّره، في علوم الشريعة، وتفرّده في عرض محاسن الإسلام.
أما العلامة أبو الكلام آزاد، فقد تحدّث الشيخ محمد طيّب ﵀ بنفسه عن رأيه فيه في إحدى كتاباته، فقال: دعا الشيخ أبو الكلام آزاد عام ١٣٦٨ هـ لعقد مؤتمر في مدينة "لكنو" بهدف دراسة القضايا التعليمية، واتفق أن طلب إليّ كذلك إلقاء الحديث فيه، وقد تناوله الشيخ آزاد بالاستحسان البالغ، الذي لا تزال كلماته تدوي في أذني لحد اليوم.
وإذا كان نبوغه في الخطابة:
يرجع إلى أسباب عديدة تفاعلت، كسنّة طبيعية إلهية، وحكمة ربّانية في تكوينه خطيبا إسلاميا، وداعية، فريدا في شبه القارّة الهندية، فإنه يرجع أولا إلى نزعته الذاتية إليها منذ صباه، وصقلتها تربية أساتذته ومشايخه. ولندع
стр. 3424
الشيخ ﵀ يتحدّث عن ذلك بدوره: كنت راغبا في الكتابة والخطابة منذ صباي، وكان مشايخي معنيّين بإذكاء رغبتي، وتشجيعي على المضيّ قدما في طريق التقدّم على هذا الخطّ، ففي أيام تحصيلي كلّفني سيّدي الأستاذ العلامة أنور شاه الكشميري، الذي استصحبني في زيارة له دعوية في منطقة "بنجاب"، بإلقاء كلمات في حفلات كبيرة في مدن كبيرة. والحادث الذي أذكره مضى عليه ٦٠ - ٦٥ عاما، ولكني أتذكّره بأبعاده، وهو أنني قد شاركت حفلة في "ملتان" في حالة أن ثيابي كلّها كانت قد ابتلّت، وكنت قد اشتملت لستر العورات ببطانية كبيرة، وكنت حافيا، حاسرا عن الرأس، وفي هذه الهيئة حضرت تلك الحفلة المزدحمة، وقدّمني أستاذي العلامة الكشميري ﵀ إلى الحضور قائلا:
إن هذا الفقير الذي يخطب أمامكم، سيكون خطيبا كبيرا في المستقبل، ولا تظنّن أنه يَرْتَدي البطانية كالفقراء، فلا يملك رصيدا من العلم والفضل، بل تأكّدوا أن في هذه الثياب الرثّة لعلا (عقيقا أحمر). وكان ذلك تشجيعا لي من سيّدي الأستاذ، وإلا فأين طالب متواضع مثلي من اللعل والياقوت! وكان أمثاله من المشايخ هم الذين تولّوا تربيتي.
مؤلفاته القيّمة الممتعة:
وإلى جانب ذلك كلّه كان كاتبا قديرا باللغة الأردية، وشاعرا مطبوعا باللغتين: الأردية والفارسية.
دبّجت براعته مئات من المقالات والبحوث العلمية والفكرية والدعوية، نشرتها شتى المجلات الأردية في شبه القارة الهندية وخارجه.
كما ألّف ﵀ كتبا بالأردية في مختلف الموضوعات الإسلامية، ونُقِلَ بعضُها إلى اللغتين: العربية والإنجليزية. ومن أهمّ مؤلفاته: "التشبّه في الإسلام)، و"أسباب تقدّم الأمم وانحطاطها"، و"الدين والسياسة"، و"مبادئ الدعوة الإسلامية"، و"المساواة الإسلامية"، و"الإسلام والعلم"، و"الاجتهاد والتقليد"، وصدر له ديوان باللغة الأردية.
стр. 3425
مكانته في القلوب:
بما أنّه رحمه الله تعالى كان يجمع بين المؤهّلات والاهتمامات الكثيرة التي أشرنا إليها من قبل، وبين العلوّ في النسب الديني والنسب الطيني، وبين الوجاهة، والجمال الرجالي، والوقار العلمي، واللسان العذب.
وبما أنَّ الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند، مهوى أفئدة الشعب المسلم في شبه القارة الهندية وأكبر وأقدم جامعة خاصّة بالمسلمين في هذه الديار، إليها يفزعون في كلّ ما يحزبهم من مشكلة دينية، ومنها يستنيرون في كلّ ظلام قاتم، وبها يلوذون في كلّ ما يمسّ الدين والعقيدة في هذه البلاد.
وقد أتيح له رحمه الله تعالى، أن يخدم مثل هذه الجامعة عبر هذه المدّة المديدة، التي تقارب ستين عاما، فأكسبه ذلك من الشعبيّة والإعجاب والتقدير ما لم أعرفه في حياتي أنا لأحد من علماء الدين، ورجال الأوساط الإسلامية، الذين عايشتُهم، إلا القلائل، الذين عرفوا بإخلاصهم وربّانيتهم وتعمّقهم في الكتاب والسنّة، مثل العلامة المحدّث الشيخ زكريا بن يحيى الكاندهلوي، الذي وافتْه المنية في "المدينة المنوّرة" في ١ شعبان ١٤٠٢ هـ.
فمن أجل ذلك كلّه انساقتْ إليه مناصب متنوّعة، ولا سيّما منصب الرياسة والإشراف العام على عدد من المؤسّسات والهيئات الإسلامية، التي تضمّ مختلف القطاعات الدينية، والمذاهب الفكرية، والجماعات، والمنظّمات الإسلامية.
استقالته من منصب رئيس الجامعة قبل وفاته بأقلّ من عام:
في ١٨ ذو القعدة ١٤٠٢ هـ استقال الشيخ إلى المجلس الاستشاري للجامعة من منصبه لكبر سنّه وانحرافاته الصحيّة وتعقّد الأمور الإداريّة في الجامعة آنذاك، حيث كان في ٨٧، ٨٨ من عمره عند الاستقالة، فقبل المجلس استقالتَه مع إبداء الأسف والتقدير لخدماته الجليلة الطويلة.
стр. 3426
شمائله:
قد جمع الله فيه إلى جانب روح العمل، لين العريكة، ومرونة الخلق، وكرامة النفس، والمروءة والسماحة، والحلم الزائد، وطلاقة الوجه، التي كانت تعلو محياه طبيعيا وكلّ وقت، والتعمّق في الكتاب والسنّة وعلومهما وفي أسرار الشريعة، فقد ظلّ متوفّرا على دراسة كتب الإمام الغزالي، (أبي حامد محمد) المتوفى ٥٠٥ هـ، والإمام ولي الله الدهلوي (أحمد بن عبد الرحيم) المتوفى ١١٧٦ هـ، وجدّه الإمام محمد قاسم النانوتوي المتوفى ١٢٩٧ هـ، والعلامة الشيخ الكبير أشرف علي التهانوي المتوفى ١٣٦٢ هـ، وغيرهم من العلماء، الذين تفرّدوا في الحديث عن أسرار الشريعة وأحكامها.
كما جمع الله فيه خفّة الروح، والأناقة في الملبس والمأكل، وجميع شؤون الحياة، واللسان الذرب البليغ السلسال في الخطابة والموعظة. كلّ من رآه وجد نفسه مضطرّا لحبّه والإعجاب به.
رحلاته:
زار شبه القارة الهندية من أقصاه إلى أقصاه، قد لا تخلو مدينة أو قرية لها شأن إلا وتشرّفت بزيارته ومحاضرته، وتكرّرت زيارته لمعظم الأقطار والمدن الهندية.
كما تكرّرت زيارته على دعوة فردية وجماعية لمعظم البلاد والمدن العربية والإسلامية والأوروبية، كما حضر فيها كثيرًا من المؤتمرات والندوات العلمية والإسلامية.
وفاته:
في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة تماما من ٦ شوّال ١٤٠٣ هـ، يوم الأحد، استأثرت به رحمة الله تعالى. في الساعة الثانية عشرة إلا الربع تماما كنت مشغولا في مكتبي: مكتب الداعي الكائن في الناحية
стр. 3427
الغربية الشمالية بجنب السلّم الحجري، الذي ينزل إلى السكن الطلابي المعروف بـ الدار الجديدة، من الطابق الثاني للمبنى المركزي للجامعة، إذ لفت انتباهي كلّه تنفّس مكبر الصوت الذي دوّى من فوق منارتي الجامع القديم للجامعة، في مفاجأة عجيبة وبصورة غير عادية، تبعه صوت متقطّع موقّع على أوتار الحزن، ينعي أكبر عالم ديني في شبه القارة الهندية: سماحة الشيخ محمد طيّب الرئيس السابق للجامعة.
فحسبت كأن هملايا للعلم والفضل قد هوى، وكأن الشعب المسلم الهندي أصيبوا بفاجعة غير مسبوقة. وهرعت الجامعة مسؤولين وأساتذة وطلابا وموظّفين ومنسوبين إلى منزله ﵀، تزوره جثّة في هذه الدنيا الفانية زيارة أخيرة، وتعزّي أهله وذويه في المصاب العظيم. وسرى الخبر في "ديوبند" وما جاورها سريان النار في الهشيم، وخرجت "ديوبند"، على بكرة أبيها إلى أبناء المرحوم، تقدم لهم التعازي وتشاطرهم الحزن، وإذاعة "دهلي" أذاعت الخبر بعد نحو ساعتين، ثم أذاعت بعض انطباعات بعض معاصريه عنه في ليلة ١٨ يوليو، كما ساهمت في ذلك إذاعة "باكستان" الشقيقة، والصحف والجرائد اليومية في البلدين، مما أطار الخير في الشرق والغرب.
وصُلِّي عليه في داخل الحرم الجامعي في محيط مولسري بعد صلاة العشاء في الساعة الحادية عشرة. وورّي جثمانه في المقبرة القاسمية الملاصقة للجامعة.
كان ﵀ لدى وفاته في ٨٨ من عمره، وفعلت فيه الشيخوخة ما تفعل فيمن يبلغ هذه السنّ، وأنهكته الأمراض التي أصابته في الأيام الأخيرة، إلا أن قواه الفكرية لم تزل على ما هي عليه، حتى آخر لحظات حياته، فقد أصبح كالعادة، فصلّى الفجر، وتلا حزبه من القرآن الكريم، وقام بالأعمال الرتيبة اليومية، وفي نحو الساعة العاشرة استدعى أحد الأطبّاء الحاذقين في المدينة، وبدأ يشرح له ما طرأ عليه من الأحوال أخيرا، والطبيب واضع يده على نبضه، وما إن مضت دقائق حتى جعل النبض يفتر، وما هي إلا ثوان، حتى فاضت روحه إلى الرفيق الأعلى.
стр. 3428
ونظرا إلى طول خدمته للإسلام والمسلمين، وجهوده وجهاده في سبيل العلم والدعوة، ونظرا إلى عبقريته الفذّة في صفوف العلماء وقادة الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية، كان صانع تاريخ، وطوي بوفاته عهد، ولم تكن وفاته مصاب أسرة واحدة أو محيط إسلامي خاص، ولكنه خسارة الأوساط العلمية والعمل الإسلامي في "الهند" وفي "آسيا" وفي العالم الإسلامي كلّه.
أولاد الشيخ المقرئ محمد طيّب:
ولد له رحمه الله تعالى أربعة بنين، هم: السادة محمد سالم القاسمي، ومحمد عاصم القاسمي، ومحمد أسلم القاسمي، ومحمد أعظم القاسمي.
كما ولدت له أربع بنات، توفيت الاثنتان، ولا تزال البنتان على قيد الحياة.
* * *
٢٣٩٣ - الشيخ الفاضل الطَّيِّب بن جعفر بن كَمَارِي الواسِطيّ والد أحمد، المذكور في بابه *
وجدُّ محمد بن أحمد، الآتي في محلِّه، إن شاء الله تعالى.
قال السَّمْعانِيّ: هذه النِّسْبَة بفتْح الكاف والميم وبعد الألِف راءٌ مُهْمَلة، وهو اسم لجَدِّ بعض العلماء، وهو الطيِّب بن جعفر بن كَمَارِي الواسِطِيِّ. قال: وجماعة من أولاده يُعْرَفون بابْنِ كَمَارِي. نقلتُه من "الجواهر".
* * *
стр. 3429
٢٣٩٤ - الشيخ الفاضل القاضي طيّب بن القاضي قطب الدين محمد درويش بن محمد أفضل بن عاشق محي الدين العبّاسي، الجرياكوتي ثم الموي الإله آبادي *
أحد الفقهاء الحنفية.
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: تولّى القضاء بـ "فتحبور" مدّة، ثم سكن ببادية كانت على عشرة أميال من "إله آباد" (١)، وعمّرها، وهي التي يسمّونها "مؤ قاضي طيّب"، نسبة إليه، واليوم بلدة عامرة من أعمال "إله آباد".
* * *
٢٣٩٥ - الشيخ الفاضل طيّب بن معين بن حسن بن داود بن خليل العمري البنارسي * *
أحد كبار المشايخ.
стр. 3430
توفي أبوه في صغر سنّه، فتربّى في مهد عمّه، وقرأ القرآن الكريم، وبعض الرسائل المختصرة في بيته، ثم قرأ الصرف والنحو في مدرسة الشيخ نظام البنارسي، ثم سافر إلى "جونبور"، وقرأ على الشيخ نور الله بن طه الجونبوري "شرح الوقاية"، و"الحسامي"، ثم رجع إلى "بنارس"، وتزوّج بها، وأقام ثلاث سنوات، ثم تردّد إلى "جونبور"، وقرأ بعض كتب الفقه والأصول، وأقام بها سنة كاملة، ولقي بها الشيخ خواجه كلان بن نصير الدين الجهونسوي، فبايعه، ثم رجع إلى "بنارس"، فخدم بعض الأمراء مدّة من الزمان، واسترزق بها، ثم اعتزل عن الخدمة، ورحل إلى "شيخبوره"، وأخد الطريقة عن الشيخ خواجه كان المذكور، ثم أخذ عن صاحبه الشيخ تاج الدين الجهونسوي، ولازمه عشر سنين، وحصل له مثال الخلافة منه، ثم رجع إلى "بنارس"، وسكن بـ "مندواديه" مدّة من الزمان، ثم انتقل إلى مدينة "بنارس"، وسَكَن بها خارج البلدة، وحصلت له الإجازة في الطريقة القادرية (١) عن الشيخ عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي.
стр. 3431
وكان زاهدا، متقلِّلا، متورِّعا، قنوعا، بشوشا، طيب النفس، يستمع الغنا في بدء حاله، ثم صار يجتنب عنه، ويحترز عن المزامير، وكان يأمر بالمعروف، وينها عن المنكر.
أخذ عنه الشيخ محمد رشيد بن مصطفى العثماني الجونبوري، والشيخ ياسين بن أحمد البنارسي، وخلق آخرون.
مات في ثامن شوّال سنة اثنتين وأربعين وألف، فدفن بـ "مندواديه"، كما في "كنج أرشدي".
* * *
٢٣٩٦ - الشيخ الفاضل طيبرس بن عبد الله، الشيخ الإمام العالم، الفقيه، النَّحْوِيّ، علاء الدين المعروف بالجندِيّ *
стр. 3432
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذُكِر أنَّه قدِم من بلاده إلى "إلْبَيرة (١) "، فاشتراه بعضُ الأمراء بها، وعلَّمه الخطَّ والقرآن العظيم، وتقدَّم عنده، وأعطاه إقْطاعا، وأعتقَه، فلمَّا تُوُفِّيَ أسْتاذه، قدِم إلى "دمشق"، وقد جاوز عشرين سنة، وتفقَّه على مذهب الإمام أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، واشتغل بالنحو واللغة، والعَروض، والأدب، والفَرائض، والأَصْلَيْن، حتى فاق أقْرانَه. وسَمَتْ هِمَّته، فصنَّف في النحو وغيره، ونَظَم كتاب "الطُّرفة" في النحو، جمع فيه بين "ألفيَّة ابن مالك"، و"مُقدِّمة ابن الحاجب"، وزاد عليهما، وهي تسعمائة بيت. وقرأها عليه جماعة، منهم: الشيخ صلاح الدين البَطائِنيّ، وشَرَحها، وكان الشيخ شمس الدين بن عبد الهادي يُثْنِي عليهما، وكان مُغْرًى بالنَّظْم من صِغَرِه. وكان حسَن المذاكرة، لطيفَ المعاشرة، مَخْبَرُه أحسنُ من مَنْظرِه، كثير التِّلاوة، يصلِّي بالليل كثيرًا.
وكانتْ وفاته سنة تسع وأربعين وسبعمائة بـ "الصَّالحِيَّة"، في طاعون "دمشق". رحمه الله تعالى.
وكان مولدُه سنة ثمانين وستّمائة تقريبًا.
ومن نَظْمه في كَيَّالٍ مليحٍ، له رفيق اسمُه الشمس، ويُلقَّب بالثَّور؛ لقُبْحِه، وبالذَّقَن لِطُولِ لِحْيتِه قوله:
نَفْسِي الفِداء لكَيَّالٍ بَرَى جَسَدِي … بأربعٍ زيَّنتْها أربعٌ أخَرُ
في رَدْفِه عِظَمٌ في خَصْرِه هِضَمٌ … في رِيقِه شُهُدٌ في طَرْفِه حَوَرُ
كأنَّ وَجْنَتَه في النَّقْعِ إذ عَرِقَتْ … ياقوتةٌ تحت تِبْرٍ فوقَها دُرَرُ
مِن أجْله الشمس من أَنْوارِه كُسِفَتْ … فَمن رأى الشمس غَشَّى نُورَها القمرُ
رَفيقة الذَقنِ ثَوْران. وذا عَجَبٌ … خِشْفٌ تُرافِقُه الثِّيرانُ والبقرُ (٢)
стр. 3433
ومنه أيضًا (١):
قد بِتُّ في قصر حَجَّاجٍ فذكَّرنِي … بِضَنْكِ عِيْشَةِ من في النار يشْتعِلُ
بَق يطيرُ وبَق في الحصير سعَى … كأنَّه ظُلَلٌ من فوقها ظُلَلُ
ومنه أيضًا في عطَّار:
احْتَجْتُ إلى قَطْرِ نباتٍ وسنا … فابْتَعْتُهما من ذي اعْتدالٍ وسَنَا
من مَنْطقِه ووجهِه كم سلَبتْ … أجفانُ مُتَيَّمِي هواهُ وَسَنَا
وكذا نقلتُ هذه الترجمة من "أعْيان العصر" للصَّفَدِيّ، وحذفتُ من شعر صاحبها ما لا طائلَ تحته، على أنَّ غالب شعرِه ليس بذلك، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 3434
حرف الظاء المعجمة
٢٣٩٧ - الشيخ الفاضل ظاهر بن علي الزيداني، الصفدي وطنا، الإسلامبولي قطنا، النقشبندي *
له"أرجوزة سعادة الدارين في اتباع سيد الكونين".
كان حيا سنة ١٢١٥ هـ
* * *
٢٣٩٨ - العلامة المحقّق البحّاثة المدقّق، الثبت الحجّة، المفسّر المحدّث الفقيه الأصولي البارع الأريب، المؤرّخ الأديب، الورع الزاهد، الصوفي البصير، ظفر أحمد ابن لطيف العثماني التهانوي * *
ولد في ١٣ من ربيع الأول سنة ١٣١٠ هـ، بدار آبائه بقرب دار العلوم في "ديوبند"، أعظم مراكز العلم في البلاد الهندية، وتوفّيت أمّه وهو ابن ثلاث
стр. 3435
سنين فربّته جدّته أحسن تربية، وكانت امرأة حاجّة صالحة، فتلقَّن منها صلاحها وتقواها.
ولما تمَّ له من العمر خمس سنوات شرع في قراءة القرآن الكريم عند كبار حفظته في "ديوبند"، مثل الحافظ نامدار مدرّس دار العلوم، ونائبه الحافظ غلام رسول، ومولانا نذور أحمد، وهو أخو جدّته.
ولما أتمّ السابعة شرع في قراءة الكتب الأردية والفارسية، كتب الحساب والرياضي، عند الشيخ الجليل مولانا محمد ياسين، وهو والد كبير علماء "باكستان". مولانا العلامة الشيخ محمد شفيع الديوبندي، والمفتي الأعظم في "كراتشي". ومؤسّس دار العلوم الإسلامية فيها، رحمه الله تعالى.
ثم انتقل من "ديوبند" إلى "تهانه بهون"، إلى مجلس خاله حكيم الأمة مولانا محمد أشرف علي التهانوي قدَّس الله سرّه، وشرع في قراءة الكتب العربية في الصرف والنحو والأدب عند العلامة المتمكّن مولانا محمد عبد الله الكنكوهي، وسمع من خاله حكيم الأمّة شيئًا من علم التجويد، ونبذا من التلخيصات العشر له، وأجزاء من "المثنوي" للجلال الرومي، وقرأ عند أخيه العالم مولانا سعيد أحمد شيئًا من التلخيصات.
ثم لما اشتغل خاله حكيم الأُمّة في تاليف كتابه العظيم "بيان القرآن" بالأردية ذهب به إلى "كانبور" (١)، وأدخله في المدرسة المسمّاة (جامع العلوم)، التي كان الشيخ حكيم الأمة قد أسّسها حين إقامته في "كانبور"، وفوّض تدريسه وتعليمه إلى أرشد تلامذته مولانا محمد إسحاق البردواني، ومولانا محمد رشيد الكانبوري، فقرأ عندهما كتب الحديث المقرّرة في تلك البلاد، وهي: