٢٤٩٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد الرحمن بن الحَسَبَانِيّ، الأخ جمال الدين *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: كذا ذكرَه في "الغُرَف العَلِيَّة"، وقال: حَفِظَ "الكَنْز"، و"المنار"، واشْتَغل، وتُوُفِّي بالطّاعون، في آخر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٢٤٩٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد الرحمن، خَيْر الدين الآمِدِيّ * *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو ممَّن برَع في المعْقولات، وشارَك في علوم أُخَر.
ومات ببلاد "آمِدِ"، سنة خمس وثلاثين.
ذكره المقْرِيزِيّ في "عُقوده". ونَقَل عن الشِّهاب الكُورانِيّ، أنه قال: حلَّيْتُ على مشايخي مائةٌ وثلاثين تصْنيفا.
كذا نقلتُه بحُروفه من "الضوء اللامع".
* * *
стр. 3607
٢٤٩٩ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد الرحمن الكليسي، الحلبي *
مفسّر.
أصولي، منطقي، متكلّم، مقرئ، نحوي.
من تصانيفه: "حاشية على أنوار التنزيل" للبيضاوي، و"حاشية على شرح التصورات والتصديقات" في المنطق، و"حاشية على عقائد النسفي"، و"حاشية على الجامي" في النحو، و"الزبدة في القراءات".
ولد سنة ١٢٤١ هـ، وتوفي سنة ١٣٠٣ هـ.
* * *
٢٥٠٠ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد الرحمن الهندي، الدهلي * *
متكلم.
من آثاره: "روض المجال في الرد على أهل الضلال"، ألفه لما سافر من "مكة" إلى "الهند" سنة ٢٩٩ هـ.
كان حيا ١٢٩٩ هـ.
* * *
стр. 3608
٢٥٠١ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد العزيز الباليكسري، الرومي، الخلوتي، الشهير بالصلاحي *
محدث، أصولي، صوفي.
ولد سنة ١١١٧ هـ.
أديب، شاعر، مشارك في بعض العلوم.
من تصانيفه الكثيرة: "شرح أصول الحديث"، و"شرح الخمرية" لابن الفارض، و"ديوان شعر"، و"مفتاح الوجود الأشهر في توجيه كلام الشيخ الأكبر"، و"طوالع منافع العلوم من مطالع مواقع النجوم".
توفي سنة ١١٩٧ هـ.
* * *
٢٥٠٢ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد العزيز السمرقندي * *
فاضل.
له "شرح أسماء الله الحسنى"، و"شرح كلمتي الشهادة".
توفي سنة ٩٥٣ هـ.
* * *
стр. 3609
٢٥٠٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد الغني المصري *
فقيه.
من تصانيفه: "النور البادي في أحكام الأراضي"، فرغ منه سنة ١٢١١ هـ. كان حيا ١٢١١ هـ.
* * *
٢٥٠٤ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد القادر الصّالِحِيّ، الشهير بالحُصْرِيّ، جمال الدين، أبو محمد * *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكره في "الغُرف العَلِيَّة"، وقال: ميلادُه - كما أخبرني به - سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة.
وتُوُفِيّ في جُمادى الأولى، سنة سبع وتسعين وثمانمائة، ودُفِن بـ "تُرْبة الأماج" (١) بـ "سَفْح قاسيون".
وكان يحفظ "المختار"، و"المنار"، و"ألْفِيَّة ابنِ مالك". واشْتغَل على الشيخ عيسى الفلوجيّ وغيره. وأخذ عن القاضي حَميد الدين النُّعمانِيّ.
стр. 3610
قال ابنُ طُولون: قرأتُ عليه كتاب "المختار" تصحيحا بمَنْزِله، وأجازَني شِفاهًا بِسُؤالِ شيخِنا الجمال بن عبد الهادي.
* * *
٢٥٠٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن حمزة بن الثَّقَفِيّ، القاضي، أبو الفُتوح، ابن قاضي القضاة أبي حفص، ابن القاضي أبي الحسين، الكوفِيّ *
تقدَّم ذِكْرُ جَدِّه وأخيه جعفر. ويأتي ذِكْرُ والده عبد الواحد، في محلِّه، إن شاء الله تعالى.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: سمع الحديث من والده، من أبي الوَقْت الصُّوفِيّ، وأحمد بن يحيى بن ناقِه الكُوفِيّ.
ذكَره ابنُ النَّجَّار، وقال: ما أظُنُّه روَى شيئا. وشَهِد عند أخيه قاضي القُّضاة جعفر ابن عبد الواحد، فقَبِل شهادَته، واستنابهُ على الحُكْم والقضاءَ، مُدَّةَ ولايته إلى حين وَفاتِه، ثم وَلِيَ بعدَ وفاتِه القضاء والحِسْبَةَ بالجانب الغَرْبيّ من "بغداد"، و"البلاد المزْيَدِيَّة"، و"الكُوفة" في المحَرَّم، سنة ستّ وسبعين خمسمائة، ولم يزلْ على ولايته إلى حين وفاته.
قال: وتُوُفِّيَ، رحمه الله تعالى، يومَ السبت، لعَشْرٍ خلَوْنَ من شعبان، سنة ثمانين وخمسمائة.
* * *
стр. 3611
٢٥٠٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن علي بن صائِن بن عبد الجليل بن الخليل بن أبي بكر الفَرْغانِيّ أبو بكر بن أبي الحسن على بن أبي بكر الفقيه الكبير *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو من أهل "مَرْغِينان"، من بلاد "فَرْغانة".
سكن "سَمَرْقَنْدَ"، وكان يتولّى الخطابة بها.
قال ابنُ النَّجَّار: قدم علينا "بغداد" حاجّا، في صفر سنة ستمائة. وسمع الحديث من شُيوخنا أبي أحمد الأمين، وأبي محمد بن الأخْضر، وعلى جماعة من أصحاب أبي القاسم ابن الحُصَين، وأبي غالِب [بن] البَنَّا (١)، وأبي بكر الأنْصارِيّ، وكتب بخطِّه، وحَصَّل. وحدَّثنا "أربعين حديثا" جَمَعَها عن شُيوخِه، بما بـ "ما وَرَاء النَّهْر"، فسمعناها منه، وسمع منِّي شيئا، وروَى عَنِّي في "أماليه" بـ "نَيْسابور"، وعُمْرِي إذ ذاك عشرون سنة. وكان إماما كبيرا في المذهب، والخلاف، والجَدَل، ومعرفة الحديث، والنحو، واللغة. وله النَّظْم والنثْر.
стр. 3612
وما رأتْ عَيْنايَ إنْسانا جَمَع حُسْنَ الصورة، مع لُطْف الأخلاق، وكمال التّواضع، وغَزارة الفضل، ومتانة الدين، والوَرَع، والنَّزاهة، وحُسْن الخَطِّ، وسُرْعة القلم، القُّدرة على الإنشاء نَظْما ونَثْرا، وفَصاحة اللِّسان، وعُذُوبة الألفاظ، الصِّدْق، والنُّبْل، والثِّقة، غَيْرِه. فلقد كان من أفْراد الدَّهر، ونَوادِرِ العصر، كاملَ الصِّفات، بَعيدَ المِثْل، قَلَّ، أن تَلِدَ النِّساءُ مِثْلَه.
ولقد تأدَّبْناه بأخْلاقِه، واقْتَدَيْنا بأفْعالِه، وتعلَّمْنا مِن فوائِدِه، وفَرائِده، واقْتَبَسْنا من عُلومِه، ما يُنْقَشُ بالخَناجِر على الخَنَاجِرِ. وأنْشَدنِي لنفسه (١):
تَحَرَّ فَدَيْتُكَ صِدْقَ الحديثِ … ولا تَحْسَبِ الكِذْبَ أمْرا يَسيرا
قال صاحب "إعلاء السنن": قتل شهيدا بـ "بخارى"، صابرا، محتسبا على يد الترك الكفرة، حين استولّوا عليها سنة ٦١٦ هـ.
فمَنْ آثر الصِّدْق في قَوْلِه … سيَلْقَى سُرُروا ويَرْقَى سَرِيرَا
ومن كان بالكذْب مُستَهْتَرا … سَيدْعو ثُبورا ويَصْلَى سَعيرا (٢)
سألتُ أبا بكر الفَرْغَانِيَّ عن مَوْلِدِه، فقال: أخْبَرَنِي والدِي، أنَّه يوم الاثنين، الثاني والعشرين (٣) من رجب، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، بـ "مَرْغِينان".
وبلَغنا أنَّه قُتِلَ شهيدا بـ "بُخارَى"، صابرا مُحْتَسِبا، على يَدِ كَفَرة التُّرْك، حين اسْتَوْلَوا على "بُخارَى"، في ذي الحِجَّة، سنة ستّ عشرة وستمائة، - تغمَّده الله تعالى برحمته، وأسكنه فسيحَ جَنّاته -.
ويأتي ولدُه عبد الجليل. نقلت هذه الترجمةَ برمَّتها من "الجواهر المضية".
стр. 3613
وذكره السُّيوطِيُّ، في "طبقات النُّحاة" بنحو ما هنا.
* * *
٢٥٠٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان، جمال الدين المارِدِينيّ، المعروف بابن التُرْكُمانِيّ من أهلِ المائة الثامنة *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ولد سنة تسعَ عشرة وسبعمائة.
واشْتغل، ومهَر، وحَفِظَ "الهداية" في الفقه، وكمَّل "شَرْح والِده" عليها، وكان يسرُد منها في دَرْسه حفظا.
واسْتَقَرَّ في القضاء بـ "مصرَ استقْلالا بعدَ مَوتِ والدِه، فباشَر بصِيانةٍ وإحسان، مع المعرفة بالأحكام، والتَّرَفُّع على أهل الدولة، والتَّواضُع للفقراء، وكانتْ ولايته في شهر المحرم، سنة خمسين، بعناية الأمير شَيْخون، في سَلْطَنَة الناصر حسن الأُولى، وسكن "المدرسة الصَّالحِيَّة" بعِياله، واستمرَّ فيها، وأقام قاضيا نحو عشرين سنة مُتواليةً، لم يدخُلْ عليه فيها نَقْصٌ، ولا نُسب فيها إلى ما يُعابُ به.
وكان يعْتَنِي بالطلبة والنُّجَباء من الحنفية، فيُفْضِلُ عليهم، ويُنْعِشُ حالَ فقيرهم، ويُجِلُّ كبيرهم، ويتجاوَزُ عن مُسيئِهم، ويجمعُ الجميع على طعامه
стр. 3614
غالبا، ويسْعى لهم في جميع ما يَعْرِض مما يتعلَّق به وبغيره من الأكابر، وربما رَكِب في ذلك بنفسه إلى مَن هو مثلُه، وإلى مَن هو دُونه، حتى ركب مَرَّة إلى صَيْرَفِيِّ بعضِ الأمراء في قضاء حاجة فقيه من الطلبة.
ولقد بالَغَ الشيخ تقيّ الدين المقْرِيزِيّ في إطْرائه، والثَّناء عليه، حتى قال: لو كتبتُ مناقبَه لاجْتمَع منها سِفْرٌ ضَخْمٌ.
وقال ابنُ حَبِيب في حقِّه: كان وافرَ الوَقار، لطيف الذّات، مُقدَّما عند الملوك، عارفا بالأحكام، لَيِّن الجانب، شديدا على المفْسِدين، متواضعا مع أهل الخير، وسَدَّ أبوابَ الرِّيَب، وامْتنَعَ من اسْتِبْدال الأوقاف، وصَمَّم على ذلك، ولم يُخَلِّف بعدَه مثلَه، خُصوصا من الحنفية. انتهى.
مات في حادي عِشْري شعبان، سنة تسع وستين وسبعمائة، وقيل في رمضان منها. رحمه الله تعالى.
قلت: أرّخ السيوطي ولادته سنة ٧١٠ هـ، وقال: ولي قضاء "الديار المصرية" بعد أبيه، ودرّس بالكاملية، وأفتى، وصنّف.
* * *
٢٥٠٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن علي بن عمر السِّنْجارِيّ، تاج الدين، أبو عبد الله، المعروف بابن قاضي "صَوْر " *
стр. 3615
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ولد سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وتفقَّه على الشيخ عِزِّ الدين حسن بن عيون، وغيره.
ونَظَم "المختار" في الفقه، و"السِّراجية" في الفرائض، وله كتاب "البحر الحاوي في الفتاوى"، جمعَ مذاهبَ الأئمة الأربعة، وأقْوالَ بعضِ الصَّحابة، والتابعين ونَظَم "سُلْوان المطاع"، وله "قصيدة في مكارم الأخلاق".
تُوُفِّيَ بـ "دمشق"، سنة ثمانمائة.
كذا نقلتُ هذه الترجمة من خطِّ أحمد ابن الشِّحْنة، ثم رأيتُ له ترجمةً في "الغُرف العَلِيَّة" مُتضَمِّنة لما ذكره ابنُ الشِّحْنة وزيادةً، وذكرَ أنّ صاحبَ "المنْهَل" قال في حقّه: الشيخ الإمام العلامة، تاج الدين أبو محمد، ابن قاضي "صَوْر"، بفتح الصاد المهْمَلة، و"صَوْر" بلدة بديار "بَكْر بن وائل".
وكان مولدُه بـ "سِنْجار"، وتفقَّه بها.
وكان عالما بارعا، مُفنِّنا في الفقه والأصول واللغة.
وألَّف عدَّة كُتُب. وعدَّ الكتب المذكورة، ثم قال: وناب في الحُكم بـ "دمشق" و"القاهرة"، وكان من مَحاسنِ الدنيا، دينا وخَيْرا، وعِلْما وكرَما.
* * *
٢٥٠٩ - الشيخ الفاضل عبد الله بن علي بن يحيى بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفُرات، جمال الدين *
стр. 3616
مُوَقِّع الحُكْم.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: سَمِع من ابن الشِّحْنة، وسِتِّ الوُزَراء.
وحدَّث، وكان عارفا بتذْهيب الكُتُب، مُحْتَرِزًا في الشّهادة، مع التَّواضُع والفضل، حُسْن العبارة.
ومات في العشرين من شهر رمضان، سنة تسع وستين وسبعمائة.
قال ابنُ حَجَر: وهو ابن عمِّ شيخنا ناصر الدين ابن الفُرات، صاحب "التاريخ الكبير".
* * *
٢٥١٠ - الشيخ الفاضل عبد الله بن علي بن يحيى، أبو بكر الفقيه البَلْخِيّ *
ذكَره في "الجواهر".
* * *
٢٥١١ - الشيخ الفاضل عبد الله بن علي البَزّار النَّيْسابورِيّ * *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: تفقَّه في "نَيْسابور" بالإمام الصَّنْدَلِيّ (١)، وجلس بعدَ وفاته مكانَه.
стр. 3617
ودرَّس سنين كثيرة.
ذكرَه الهَمَدانِيّ في "طبقاته".
* * *
٢٥١٢ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عليّ الكِنْدِيّ، الملقَّب سيف الدين، أبو محمد، من أقران شمس الأئمة السَّرخَسِيّ *
وهو أستاذُ مسعود بن الحسين الكُشانِيّ.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: تقدَّم ابنُ ابنِه أحمد بن محمد.
ويأتي محمد بن عبد الله، في محلِّه، إن شاء الله تعالى.
* * *
٢٥١٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن علي أبو عبد الله تاج الدين، المعروف بقاضي منصور * *
ولد بـ "سجستان" سنة ٧٢٢ هـ، ونظم "المختار" في الفقه، و"السراجية" في الفرائض، وله "البحر الجاري" في الفتاوى، جمع فيه المذاهب للأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
مات سنة ثلاثمائة.
стр. 3618
قلت: ذكر صاحب "الكشف" أن "البحر" في الفتاوى لتاج الدين عبد الله بن علي البخاري المتوفى سنة ٧٩٩ هـ. انتهى.
* * *
٢٥١٤ - الشيخ العالم الفقيه أبو الخير عبد الله بن عمر بن أحمد سعيد النقشبندي، الدهلوي *
أحد كبار المشايخ، من ذرية الشيخ الإمام أحمد بن عبد الأحد العمري السرهندي إمام الطريقة المجدّدية.
ولد لثلاث بقين من ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف بدار الملك "دهلي"، (وسمّاه جدّه محي الدين ووالده عبد الله)، وسافر في صغر سنّه إلى الحرمين الشريفين، مع أبيه وجدّه، فأقام بـ "مكّة المباركة" مدّة طويلة، وقرأ الكتب الدرسية على الشيخ عبد الحق بن شاه محمد الإله آبادي، والشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن العثماني الكيرانوي، والشيخ حبيب الرحمن الردولوي، والسيّد أحمد الدهّان المكّي، وعلى غيرهم من العلماء، وأخذ الطريقة عن والده، ولازمه، وسافر معه إلى "الهند"، ثم سكن بـ "دهلي" في زاوية الشيخ غلام علي النقشبندي الدهلوي، واعتزل بها عن الناس مدّة طويلة، ثم فتح الباب، ولازم الدرس والإفادة.
قال صاحب "النزهة": لقيته ببلدة "دهلي"، (وحصل له القبول العظيم والوجاهة العظيمة عند الأمراء وأهل الرياسة. وطالبي الطريقة النقشبندية (١) المجدّدية، خصوصا في الحدود الشمالية و"أفغانستان"
стр. 3619
و"بلوجستان"، وأقبل الناس إليه من البلاد البعيدة، واستقام على الطريقة مدّة طويلة.
وكان صاحب جذبة إلهية، ونسبة قوية، تروى له كشوف وكرامات.
كانت وفاته ليلة الجمعة لليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف، وصلى عليه جمع كبير، ودفن في زاوية جدّه.
* * *
٢٥١٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عمر، ابن أبي جَرادة، قاضي القضاة جمال الدين الحلبيّ، الشهير بابن العَديم، قاضي "حَماة " *
стр. 3620
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: كان إماما، فقيها، عالما.
أقام مُدَّة طويلة يُفْتِي، ويُدرِّس ببلده، وغيرها، إلى أن مات، في رابع عشر، ذي الحِجَّة، سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، بـ "مكة المشرَّفة"، ودُفِن بـ "المعْلاة". رحمه الله تعالى.
كذا نقلتُ هذه الترجمة من "الغُرَف العَلِيَّة".
* * *
٢٥١٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عمر بن عثمان بن موسى الرومي، الشهير بمستجي زاده *
عالم مشارك في التفسير والحكمة وعلم الكلام وغيرها.
توفي سنة ١١٥٠ هـ، ودفن في مقبرة كسكين ده ده.
له من التصانيف "حاشية على أنوار التنزيل" للبيضاوي إلى سورة يونس، و"المسالك في الخلافيات بين المتكلمين والحكماء".
* * *
٢٥١٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد الدَّبوسِيّ * *
стр. 3621
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو صاحبَ "كتاب الأسْرار"، و"تَقْويم الأدلّة"، و"الأمَدِ الأقْصَى"، وغير ذلك.
وهو أوَّل مَن وضع علمَ الخلاف، وأبْرزَه إلى الوُجود.
قال السَّمْعانيُّ: كان مِن كبار الحنفية الفقهاء، ممَّن يُضْرَب به المثَلُ.
وكانتْ وفاته بـ "بُخارَى"، سنة ثلاثين وأربعمائة على الصحيح، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو أحد القُّضاة السَّبْعة المشهورين.
ولقد رَثاه بعضُ الأفاضل بقوله:
لو صُوِّرَ الكونُ عَيْنًا تسْتفيضُ دَمًا … بشَقِّ جَيْبٍ ولَطْمِ الوجه بالأيدِي
لم تُوفِ مِن حَقِّها ما كان يَلْزَمُها … من البُكاء على القاضي أبي زَيْدِ
ورُوِيَ أنَّه ناظَر بعضَ الفُقهاء، وكان كُلَّما ألْزَمه أبو زيد تبسَّم وضَحِك، فأنْشَد، رحمه الله تعالى عنه (١):
ما لِي إذا أَلْزَمْتُه حُجَّةً … قابَلنِي بالضِّحْكِ والقَهْقَههْ
إن كان ضِحكُ المرْء مِن فِقْهه … فالقِرْدُ في الصَّحْراء ما أفْقَهَه (٢)
стр. 3622
ومنْ تَصانِيفه: كتاب سمّاه "تأسيس النَّظائر"، ليس له نَظيرٌ في بابه.
* * *
٢٥١٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عمر بن محمد الطرابلسي، المعروف بالأفيوني *
أديب، شاعر مشارك في بعض العلوم.
ولد بـ "طرابلس الشام"، وبها نشأ، وتوفي بـ "دمشق" سنة ١١٥٤ هـ.
من آثاره: "رنة المثاني في حكم الاقتباس القرآني"، و"الزهر البسام في فضائل الشام"، و"العقود الدرية في رحلة الديار المصرية"، و"الفتوحات المحمدية على الكواكب الدرية"، و"ديوان شعر".
* * *
٢٥١٩ - الشيخ الفاضل عبد الله بن عمر بن مَيْمون الرَّمَّاح، أبو محمد، قاضي "نَيْسابور " * *
стр. 3623
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: روَى عن أبيه عمر، الآتي ذكرُه، وتفقَّه عليه.
* * *
٢٥٢٠ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الله بن الشيخ غلام محمد *
قرأ مبادئ العلم في بيته، ثم التحق بدار العلوم، وقرأ فيها كتب الصحاح الستّة وغيرها من الكتب الحديثية، من أساتذته: شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، رحمه الله تعالى.
وبعد إتمام الدراسة اختار الإقامة في "ملتان"، والتحق بقاسم العلوم، ودرّس فيها مدّة مديدة.
بايع في السلوك على يد شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، رحمه الله تعالى، ثم بعد وفاته بايع على يد بير خورشد أحمد الهمداني، رحمه الله تعالى، وحصلت منه الإجازة له.
стр. 3624
أقام لنشر الكتب الإسلامية "إدارة نشر وإشاعة إسلام"، ثم التحق بخير المدارس ملتان، ودرّس فيها حسبة لله، حتى توفّاه الأجل ٣ جمادى الأولى سنة ١٤٠٥ هـ.
* * *
٢٥٢١ - الشيخ الفاضل عبد الله بن أبي الفَتْح الخَانْقاهِيّ من أهل "مَرْغِينان " *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: روَى عنه، أبو الحسن علي بن أبي بكر صاحب "الهداية"، في "مُعْجَم شُيوخه"، وقال: كان إماما، شيخا، زاهدا، واعظا، من المشتغلين بالعبادة، المنْقطِعين إلى الله تعالى، صاحبَ كرامات ظاهرة، عُمِّر حتى بلغ مائة ونَيِّفا، سمعتُه بـ "مَرْغينان" يُنْشِد (١):
جعلتُ هَدِيَّتِي منكم سِواكَا … ولم أوثِرْ به أحدا سِواكَا (٢)
سبعَثْتُ إليك عودا من أراكٍ … رجاءَ أن أعود وأن أراكا
* * *
٢٥٢٢ - الشيخ الفاضل عبد الله بن فخر الدين الأعرج الحسيني، الموصلي * *
стр. 3625
أديب، فلكي، متكلّم. ولي ديوان الإنشاء بـ "بغداد".
من آثاره: "سوانح القريحة في شرح الصفيحة" في الاسطرلاب، و"شرح تشريح الأفلاك" للبهاء العاملي، و"التحفة السنية" في الكلام.
توفي سنة ١١٨٨ هـ.
* * *
٢٥٢٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن فَرُّوخ الخُراسانِيّ، رحمه الله تعالى *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو أحد أصحاب الإمام الأعظم، رضي الله تعالى عنه، تفقَّه عليه، وحَمَل عنه المسائل.
ورحل إلى "الدِّيار المصرية".
قال عبد الله بن وَهْب: قَدِم علينا بعد مَوْت اللَّيْث بن سعد، فَرَجَونا أن يكونَ خَلَفًا منه، وكان اعْتماده في الفقه على مذهب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه.
وقيل: إنّه ناظَرَ زُفَرَ، في حَلْقةِ أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، فازدراه زُفَرُ، فلم يَزَلْ عبد الله بن فَرُّوخ يَعْلو عليه حتى قطعَه، ثم ناظَره أبو حنيفة فلم يزل به حتى أبانَ له.
стр. 3626
وكان يقول حين انصرف إلى "القَيْروان": كلُّ مَن لَقيتُه، صاحبُكم - يعني نفسَه - أفْقَه منه، إلا أبا حنيفة، رضي الله تعالى عنه
وذكره المزِّيُّ في "التَّهذيب"، ونقَل تَوْثيقَه عن ابن حِبَّان.
قيل: كان الناس يتبرَّكون بابن فَرُّوخْ، ويجلسون له على طريقه ليَدْعُوَ لهم.
وكان يقول بشُرْب النَّبيذ، وتَحْلِيلِه، ويَرْوِي أحاديثَ في ذلك.
وكان يَرَى الخُرُجَ على أهل الجَوْر.
قال ابنُ يونُس: تُوُفِيَّ، رحمه الله تعالى، بـ "مصر"، بعد انْصِرافه من الحجِّ، في سنة خمس وسبعين ومائة.
وروَى له أبو داود في "سُننه".
قال صاحب "إعلاء السنن": وفي "تهذيب التهذيب": روى عنه أسامة بن زيد الليثي، والثوري، والأعمش، وابن جريج، وهشام بن عروة، وغيرهم. وعنه سعيد بن أبي مريم، وخلاد بن هلال، وهشام بن عبيد الله الرازي. قال الجوزجاني: ما رأيت ابن أبي مريم حسن القول فيه، قال: وهو أرضى أهل الأرض عندي، وأحاديثه منكير، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربما خالف، وقال أبو العرب في "طبقات أفريقية": رحل في طلب العلم، ولقي بالمشرق مالكا، والثوري، وأبا حنيفة، وابن جريج، وغيرهم، وكان ثقة، وقد رمي بشيء من القدر، ثم تبيّنت براءتُه منه. وقال الذهلي في علل حديث الزهري، وابن فروخ: خراسانيّ الأصل، سكن المغرب، ثقة.
* * *
٢٥٢٤ - الشيخ الفاضل عبد الله بن الفضل الخَيْزاخَزِيّ، رحمه الله تعالى *
стр. 3627
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: روَى عنه ابنُه أبو نصر أحمد بن عبد الله، المذكور في حرف الألف.
وروَى هو عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بن خَنْب (١)، وأبي بكر بن مجاهد القَطَّان البَلْخِي (٢)، وغيرِهما.
وتفقَّه على أبي بكر محمد بن الفضل الكَمارِي.
ذكر القاضي (٣) في "الغاية"، في مسألة المسْبوق يُتابع الإمام في التَّشهُّد إلى قولِه "عبده ورسوله" بلا خلاف، إلى أن قال: وروَى البَلْخِيّ (٤)، عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، أنَّه يأتي بالدَّعَوات. وبه كان يُفتِي عبد الله بن الفضل الخَيْزاخَزِيّ.
وذكره في "القُنْية" في الصلاة. وذكره قاضي خَان في "شرح الجامع الصغير" في الصوم. كذا ترجمه في "الجواهر".
* * *
٢٥٢٥ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الله بن المفتي فقير الله الرائبوري *
стр. 3628
ولد ٨ رمضان ١٣٣٠ في مدرسة الرشيدية رائبُور من أعمال "جالندهر".
سماه أبوه بمسكين الله ثم سمّي بعبد الله، قرأ مبادئ العلم عند جدّه من الأم مولانا ميان الله راسي، وحفظ القرآن الكريم في صباه، ثم التحق بالمدرسة الرشيدية، وقرأ فيها الكتب الابتدائية من الفارسية والعربية، وقرأ "مشكاة المصابيح"، و"آثار السنن" على والده، ثم التحق بمدرسة فيض محمدي جالندهر، وقرأ فيها على خير محمد الجالندهري، ومولانا أحمد بخش، ومولانا غلام محمد، وقرأ في هذه المدرسة الصحاح الستّة.
وبعد إتمام الدراسة التحق بخير المدارس جالندهر، وبعد تقسيم "الهند" هاجر مع أبويه إلى "باكستان"، واختار الإقامة في "ساهيوال"، والتحق بالجامعة الرشيدية، ودرّس فيها إلى آخر حياته.
بايع في الطريقة على يد مولانا عبد القادر الرائُبوري، وحصلت له الإجازة منه، ثم أجازه في السلوك شيخ الحديث العلامة زكريا السهارنبوري.
توفي ٢٦ رمضان سنة ١٤٠٥ هـ.
* * *
٢٥٢٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن الفَلَّاس *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: كذا ذكره في "القُنْية".
وقال: الدَّم الذي ليس بمَسْفوحٍ طاهر.
كذا ذكره، وذكر اللَّذين قبلَه، صاحبُ "الجواهر"، من غير زيادةٍ.
* * *
стр. 3629
٢٥٢٧ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الله بن المولوي كرامة الله بن المنشئ هداية الله بن المنشئ أسد الله الكُمِلائي *
ولد سنة ١٣٢٣ هـ في قرية "دَلِي" من مضافات "قَصْبَه".
ماتت أمّه، وهو ابن خمس سنين، قرأ مبادئ العلم على عمّه المنشئ دائم الله، ثم التحق بمدرسة جمشيدبُور، ثم التحق بالجامعة اليونسية، وقرأ فيها عدّة سنين، ثم ارتحل إلى "داكا"، والتحق بأشرف العلوم بَرَاكَتْرَا.
من أساتذته: شيخ التفسير العلامة سراج الإسلام، والعلامة شمس الحق الفريدبُوري، والعلامة محمد الله الحافظجي، والعلامة عبد الوهّاب البيرجي.
ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند (١)، والتحق بها، وقرأ فيها شهرين، ثم التحق بالجامعة الإسلامية دَابِيْل، وقرأ فيها في السنة الأولى "مشكاة المصابيح"، وغيرها من الكتب، وفي السنة الثانية "صحيح البخاري" على شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني، وقرأ فيها كتب الصحاح الستّة وغيرها من الكتب الحديثية، ثم التحق بمظاهر العلوم سهارنبُور، وقرأ "سنن أبي داود" على العلامة زكريا الكاندهلوي، وقرأ "صحيح البخاري" على العلامة عبد الرحمن الكاملبوري.
وبعد إتمام الدراسة ذهب إلى حكيم الأمة أشرف علي التهانوي، وأقام في "خانقاه تهانه بهون" خمسة عشر يوما، ثم رجع إلى وطنه المألوف، وبايع في
стр. 3630
السلوك على يد أمير الشريعة محمد الله الحافظجي، ثم التحق مدرّسا بأشرف العلوم برَاكَتْرا، وعيّن إماما وخطيبا في شاهي مسجد في "عظيمبُور" من "داكا"، ثم درّس في عدّة مدارس في "داكا".
وحجّ وزار خمس مرار، وأسّس "مدرسة فيض العلوم" سنة ١٣٨٤ هـ بـ "عظيمبُور". وصنّف عدّة كتب.
توفي في ليلة الجمعة سنة ١٤٢٣ هـ، وصلى على جنازته العلامة عبيد الحق الجلال آبادي، ودفن بعد أن صلّي على جنازته بمقبرة عظيمبُور.
* * *
٢٥٢٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن الشيخ كمال الدين الرُّوميّ، المشهور بشيخ زاده *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قرأ على المولى سيِّدي محمد القُوجَوِيّ، والمولى محمد بن حسن السَّامُونِيِّ، وغيرِهما.
وصار مدرِّسا ببعض المدارس، ثم إنّه اختار العُزْلةَ، وانْقَطَع إلى العبادة، وترك الاخْتلاط بأهل الدنيا، إلى أن مات، في سنة سبع وخمسين وتسعمائة.
وكانتْ له مُشارَكة في العلوم العقلية، والنقلية، وله مَزِيدُ اختصاص بالتفسير، وكان من خِيارِ الناس، - تغمَّده الله برحمته -.
* * *
стр. 3631
٢٥٢٩ - الشيخ الفاضل عبد الله بن لطْف الله بن محمد بن بهاء الدين، المشهور في "الدِّيار الرُّوميَّة" ببهاء الدين زاده، من فُضلاء مَوالي "الدِّيار الرومية " *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: اشتغل وحصَّل، ودرَّس وأفاد، وبلغ من الفضائل غايات المراد، وصار ملازما من العلامة أبي السعود العِمادِيِّ، وكان له به عنايةٌ كاملة، واخْتلاط كثير، يتردَّد إليه في غالب الأوقات، ويُقَيَّد عنه كثيرا من الفوائد المهِمّات، إلى أن لَحِق باللَّطيف الخبير.
وقد وَلِيَ صاحبُ الترجمة مدارسَ مُتعدِّدة، من أجَلِّها إحْدى المدارس الثَّمان، والمدرسة السَّلِيمية، بمدينة "إستانْبول"، وإحدَى المدارس السُّلَيْمانية، ومنها تَوَلَّى قضاء "الغَلْطَة"، مُضافة إلى أبي أيُّوب الأنْصاري، رحمه الله تعالى، ثم وَلِيَ قضاءَ "بَرُوسَة"، ثم قضاءَ "أدِرْنَه"، ثم قضاءَ "إستانْبول"، ثم قضاء العَسْكَر، بولاية "أناطُولِي"، وأقام مدّة يسيرة، ثم عُزِل، وَلِيَ عِوَضا عنه مُلا أحمد الأنصاري، المتقدِّم ذكرُه في محلِّه.
وقد اجتمعتُ به في مدينة "إستانْبول"، في سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة، ورأيته كاملَ الأوصاف من العقل والتَّدبير، والعلم والمعرفة.
وذكر أنَّه صنَّف "حاشية" على "شرح المفتاح" للسيِّد، ولكنَّها في المسوَّدة ما بُيِّضَتْ، وأنَّ له بعضَ حَواشٍ على شُروح "الهداية"، ورسائل مفيدة في فنون عَديدة؛ وهو الآن مُقيم في "الديار الرُّومية"، حَيُّ يُرْزَق، يُؤمِّل ما يُناسِبُ مَقَامَه الشريف من المناصب السَّنِيّة، والرُّتَبِ العَلِيَّة، وهو أهلٌ لكلِّ ما يُسْدَى إليه، ويُنْعَم به عليه.
* * *
стр. 3632
٢٥٣٠ - الشيخ الفاضل عبد الله بن لعل محمد الموي الأعظم كرهي *
أحد العلماء الصالحين.
ولد بـ "مئو" سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف.
قرأ الكتب الدرسية بعضها على الشيخ عناية الله الواعظ، والشيخ الكبير سخاوة علي العمري الجونبوري، وأكثرها على مولانا تراب علي، ومولانا عبد الحليم بن أمين الله اللكنوي.
وأخذ الصناعة الطبّية عن غير واحد من الأطبّاء، أجلّهم الحكيم يعقوب اللكنوي، وسافر معه للحجّ والزيادة سنة أربع وثمانين، وسافر للحج مرّة ثانية سنة تسعين.
وأخذ الحديث عن الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري الدهلوي المهاجر، ثم رجع إلى "الهند"، وأقام ببلدة "نوانكر"، كان يدرّس ويفيد، ولما كبر سنّه رجع إلى بلدته، واعتزل عن الناس.
توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف.
* * *
٢٥٣١ - الإمام الهمام، شيخ الإسلام، عالم زمانه، أمير الاتقياء في وقته،
стр. 3633
أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم التركي، ثم المروزي، الحافظ، الغازي، أحد الأعلام عبد الله بن المبارك بن واضح الإمام المشهور، العَلَم المنْشور *
стр. 3634
الذي اتَّفقت الألْسُن على مدحه، والقلوب على حبِّه، ووقع الإجماع على أنَّه فريدُ عصرِه، ووحيدُ دهرِه، ونَسيجُ وَحْدِه، وواسِطة عِقْده.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكره أبو إسحاق الشِّيرازِيّ في أصحاب أبي حنيفة، ثم حمله الانْحِراف عن الإمام الأعظم وأصحابه، كما هو المشهور عنه، أنْ قال: ثم تركه، ورجع عن مذهبه (١). ولم يذكر لكلامه دليلا، ولا أتَى فيه بحُجّةٍ، ولا ذكَر إلى أيِّ مذهبٍ رجَع، إلى أيِّ طريق اتَّبع، وهل تفرّد بمذهب، وتمسّك بمَطْلب، وترك التقليد أصلا، واجْتهد كبقيَّة، أصحاب المذاهب المتَّبَعة أم لا، وحُسنُ رأي ابنِ المبارك في أبي حنيفة، ومَدْحُه له، وثَناؤه عليه، إلى أن توفّاه الله تعالى، كما هو مُسْتَفيضٌ عنه، ومَشْحونةٌ به الكتُب ومتفقِّهٌ عليه ألسُنُ الرُّواة، يدُلُّ على أنَّه لم يزلْ آخذا برأيه، مُصَوِّبا لأقوالِه، ذاهبا إلى مذهبه، رضي الله تعالى عنهما، وجمَع بينهما في دار كَرامته.
ولا يُلْتَفتُ إلى ما يُلَفِّقه الخطيبُ البغداديُّ في "تاريخه"، من كلام يحْكِيه عن ابن المبارك، ينْسُبُه إليه، ويَرْويه عنه، مما يريد الخطيبُ أن يُشنِّع به على أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه؛ فإنَّ تعصُّبه معلوم، وبُغْضه غيرُ مَكْتوم، حتى إنّ بعضَ الأفاضل صنَّف في الرّدِّ عليه كتابا سمّاه، "السَّهم المصيب في كَبِد الخطيبُ".
وحيث كان الأمر على ما ذكرْنا، والشأن على ما قرَّرنا، وجب أن نذْكُرَه في جملة الأصحاب، ونُجمِّل بنَشْر مَحاسِنه طَيّ هذا الكتاب، كما ذكَر جميعُ مَن صنَّف في تراجم الحنفية، وعَدُّوه [من] أئمَّتهم المرْضيَّة، فنقول وبالله التوفيق:
ذكرَه الحافظ الذهَبِيّ في "طبقات الحفّاظ"، وقال في حَقِّه (٢): الإمام الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام، فخر المدرِّسين، قُدْوةُ الزاهدِين، أبو عبد
стр. 3635
الرحمن الحَنْظَلِيّ مولاهم، التُّرْكِيّ الأب، الخُوارَزْمِيّ الأُم، التاجر السَّفّار، صاحب التصانيف النافعة، والرِّحلات الشاسعة.
وُلِد سنة ثماني عشرة مائة، أو بعدَها بعام، وأفنَى عمره في الأسفار، حاجّا ومجاهدا، وتاجرا.
سمع سليمان التَّيْمِي، عاصما الأحْول، وحُمَيدا الطَّويل، والربيعَ بن أنس، وهشام بنَ عُرْوَة، الجَرِيرِيّ، إسماعيل بن أبي خالد، وخالدا الحَذّاء، يَزيدَ بن عبد الله بن أبي بُرْدَة، وأمَما سواهم، حتى كتب عمَّن هو أصْغَرُ منه.
دَوَّن العلمَ في الأبواب، وفي الغَزْو، والزهد، الرَقائق، غير ذلك.
حدَّث عنه خَلْق لا يُحْصون من أهل الأقاليم، فإنَّه من صِباه ما فَتَر عن السَّفَر، منهم: عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، ويحيى بن مَعين، وحِبّان بن موسى، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وأحمد بن مَنيع، أحمد بن حَنْبَل المرْوزِيّ، والحسن بن عيسى بن ماسرْجِس، والحُسين بن الحسن المرْوَزِيّ، والحسن بن عَرَفة.
قال - أعنِي الذَهبي -: ووقَع لي من غيرِ وَجْهٍ عاليا، وبالإجازة بيني وبينه، سِتَّةُ أنْفُس، ووالله إنِّي لأُحِبُّه في الله، وأرجو الخيرَ بِحُّبه، لما مَنَحه الله من التقوى، والعبادة، والإخلاص، وسعة العلم، والإتقان، المواساة، والفُتُوَّة، والصِّفات الحميدة. انتهى.
وعن ابن مَهْدِيّ: الأئمة أربعة: مالك، والثَّورِيّ، حَمّادُ بن زيد، وابنُ المبارك، وعنه أيضًا، أنَّه فضَّلَه على الثَّوْرِيِّ. وقال مرَّةً: حدَّثنا ابنُ المبارك، وكان نسيجَ وَحْدِه.
وعن أحمد بن حنبل، رضي الله تعالى عنه: لم يكُن في زمن ابنِ المبارك أطْلَبَ منه للعلم.
وعن شُعَيب حرب، قال: ما لَقِيَ ابنُ المبارك مثلَ نفسه.
وعن شُعْبَة: ما قَدِمَ علينا مثلُ ابن المبارك.
стр. 3636
وقال أبو إسحاق الفَزَارِيّ: ابنُ المبارك إمامُ المسلمين.
وعن ابن مَعين: كان ثِقَةً ثَبْتا، وكانتْ كتُبه التي حدَّث بها نحوا من عشرين ألف حديث.
وعن يحيى بن آدم قال: كنتُ إذا طلبتُ الدَّقيق من المسائل، فلم أجِدْه في كُتُب ابن المبارك، أيِسْتُ منه.
وعن إسماعيل بن عَيَّاش، قال: ما على وَجْه الأرض مثلُ ابن المبارك.
وقال العبّاس بن مُصْعَب: جمَع ابنُ المبارك الحديث، والفقه، والعربية، وأيام الناس، والشجاعة، ومَحَبَّة الفِرق له.
وقال شُعيب بن حرب: لو جَهِدْتُ جُهْدِي على أن يكونَ في السنة ثلاثةُ أيام على ما عليه ابنُ المبارك، لم أقْدِر.
وقال أبو أسامة: هو أمير المؤمنين في الحديث.
وقال الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس: اجتمع جماعةٌ من أصحاب ابن المبارك، فقالوا: عُدُّوا خِصالَ ابن المبارك. فقالوا: جمَع العلمَ، الفقهَ، والأدبَ، والنحوَ، واللغةَ، والزُّهدَ، والشجاعة، والشعر، الفصاحة، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسيَّة، وتَرْكَ الكلام فيما لا يَعْنيه، والإنصافَ وقِلَّةَ الخِلاف على أصحابه.
وروَى العبّاس بن مُصْعب في "تاريخه" (١)، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن المبارك، قال: تحمَّلتُ عن أربعة آلاف شيخ، فروَيْتُ عن ألفٍ منهم. ثم قال العبّاس: وقَع لي من شيوخه ثمانمائة.
وعن علي بن الحسن بن شَقيق، قال: قُمْتُ مع ابن المبارك في ليلة باردة، ليَخْرُج من المسجد، فذاكَرني عند الباب بحديث، وذاكرْتُه، فما زال يُذاكِرُني حتى جاء المؤذِّن، فأذّن للفجر.
стр. 3637
وكان ابن المبارك من صِيانة العلم، وعدمِ ابْتذاله لأهل الدّوَل وأهلِ المناصب، ومَن ليس له بأهلٍ، على جانبٍ عظيم.
ورُوِيَ أنَّ رجلا من بني هاشم جاء إليه يسْمعُ منه، فامْتنع ابنُ المبارك، فقال الهاشِمِيُّ لغُلامِه: قُمْ بنا. فلمّا أراد الرُّكوب، جاء ابن المبارك ليُمْسِك برِكابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، لا تَرَى أن تُحدِّثني، وتُمْسِكَ برِكابِي؟ فقال: رأيتُ أن أُذِلَّ لك بدنِي، ولا أُذِلُّ لك الحديث.
وعن الفُضيل بن عِياض، أنَّه قال، وهو بـ "مكة": وربِّ هذا البيتِ ما رأتْ عينايَ مثلَ ابن المبارك.
وقال عبد الله بن سِنان: قدم ابنُ المبارك "مكة" وأنا بها، فلمّا خرَج شيَّعه سُفْيان بن عُيَيْنَة، والفُضَيْل بن عِياض، وودَّعاهُ، فقال أحدُهما: هذا فقيه أهل المشرق. وقال الآخر: وفقيه أهل المغرب.
وقال نُعيم بن حَمّاد: كان ابنُ المبارك إذا قرأ كتاب "الزهد"، كأنَّه ثورٌ قد ذُبح، لا يقدرُ أن يتكلّم.
وقال أبو عمر ابن عبد البَرّ: لا أعلم أحدا من الفقهاء سَلِم أن يُقال فيه شيء، إلا عبدَ الله بن المبارك (١).
وذكر ابنُ عَساكر في "تاريخ دمشق" لعبد الله بن المبارك ترجمة واسعة، أحْبَبْتُ أن ألخِّص منها ما يكون فيه قدوةٌ لأهل العلم، وهادٍ لأهل الرَّشاد، وطريقٌ لأهل النّجاة، ومُبِينٌ لما كان عليه عبد الله من العلم والدين والورع وغير ذلك، وإن كان فيما ذكرناه كفاية، فإنَّ مثلَ أخبار عبد الله وأوصافه، لا يَمَلُّ سمَاعَها إلا مُبْتدع، عَمِيَتْ بَصيرته، ولم تخْلُصْ من الكَدَر سَريرته؛ فمِن ذلك ما رُوِي، أنّ عبد الله بن المبارك، رضي الله تعالى عنه، قال - وقد سُئل عن أول زُهدِه - إنِي كنتُ يوما في بُستان، وأنا شابٌّ،
стр. 3638
مع جماعة من أتْرابي، وذلك في وقت الفواكه، فأكلْنا وشربنا، وكنتُ مولَعًا بضَرْب العُود، فقمتُ في بعض الليل، وإذا غُصْنٌ يتحرَّك عند رأسي، فأخذتُ العودَ لأضرب، فإذا بالوعد ينطِق وهو يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١)، قال: فضرَبْتُ بالعود الأرضَ فكسَرْتُه، وصرَفتُ ما عندي من جميع الأمور التي كنتُ عليها، مما يشْغَلُ عن الله تعالى، وجاء التوفيق من الله تعالى، فكان ما سهَّل لنا من الخير، بفَضْل الله ورحمته.
وقال عبد الله: نظر أبو حنيفة إلى أبي، فقال: أدَّت أمُّه إليك الأمانة، وكان أشْبَه الناس بعبد الله.
وقيل له: يا أبا عبد الرحمن، حتى متى تكتب الحديث؟ فقال: لعلَّ الكلمةَ التي أنتفع بها ما كتبتُها بعدُ. وفي رواية: لعلَّ الكلمة التي فيها نَجَاتِي لم أسمعْها بعدُ.
وعن عيسى بن سَلَمة بن وصيف، قال: اجتمع ابن المبارك ووكِيعٌ عند شَريك، يكْتُبان عنه، وكان ابن المبارك إذا سَوَّد ورقتَه تَرَكها تجفُّ، وقام يَرْكَع، قال: وسمع ابنُ المبارك وَكيعا يُقدِّم عليّا على عثمان، فقال: يا أبا سفيان، إنك لَعَلى هذا، لا كلَّمتُك حتى ألْقَى الله .
وعن سفيان بن سعيد، أنَّه كان يقول: أحْبَبْتُ أن أكون خمسَة أيام على وتيرةِ ابن المبارك، فلم أقْدِر عليه، وأربعة أيام، فلم أقْدرْ عليه، وثلاثة أيام، فلم أقْدر عليه، ويَوْمَين، فلم أقْدِر عليه.
قال شُعيب بن حرب: وكنّا نأتِي ابنَ المبارك، فنَحْفَظُ عنه، ثم ننْظُر هل نستطيع أنْ نتعلَّق عليه بشيءٍ، فلا نقْدِر على شيء من ذلك.
وعن عمران بن موسى الطَّرَسوسيِّ، قال: جاء رجل، فسأل سفيانَ الثَّوْرِيّ عن مسألةٍ، فقال له: مِن أينَ أنتَ؟ قال: من أهلِ المشرق. قال:
стр. 3639
أوَليس عندكم أعلمُ أهل المشرق؟ قال: ومَن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: هو أعلمُ أهل المشرق؟ قال: نعم، وأهلِ المغرب.
وعن عبد الرحمن ابن أبي جَميل، قال: كنا حولَ ابن المبارك بـ "مكّة"، فقُلنا له: يا عالمَ المشرق حدِّثنا، وسفيان قريب منا، فقال: وَيْحكم، عالم المشرق والمغرب وما بينهما.
وعن سفيان بن عُيَيْنة، قال: نظرتُ في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيتُ لهم عليه فضلًا إلا بصُحْبَتهم النبيَّ ﷺ ، وغَزْوهم معه.
وعن أبي إسحاق الفَزَارِيّ، أنَّه كان يقول: ابنُ المبارك عندنا إمام المسلمين. وفي رواية عنه: إمام المسلمين أجمعين.
وكان أبو إسحاق هذا يُجِلُّ ابنَ المبارك، يجلِسُ بين يديه، ويُسائله، ويسْتفيد منه، مع جَلالة أبي إسحاق، وعُلُوِّ قدره.
وسأله رجل مرَّةً عن مسألة (١)، فقال: هل كتبتَ فيها إلى إمام المسلمين. يعني عبدَ الله بن المبارك.
وكان ابنُ مَهْدِيّ يقول: كان ابن المبارك أعلمَ من سفيان الثَّورِيّ. وعنه أيضًا أنَّه قال: ما رأيتُ مثلَ ابن المبارك. فقال له يحيى بن سعيد القَطَّان: ولا سفيان ولا شُعْبة؟ قال: ولا سُفيان ولا شُعْبة، كان ابنُ المبارك عالما فقيها في علمه، حافظا، زاهدا عابدا، غنيَّا، حَجَّاجا، غَزَّاء، نحويّا، شاعرا، ما رأيتُ مثلَه.
وعن عبد الله بن إدريس، كان يقول: كلُّ حديث لا يعرفُه ابن المبارك، فنحن منه بَرَاء.
وعن ابن مَهْدِيّ، أنَّه كان يقول: ما رأتْ عينايَ مثلَ أربعة: ما رأيتُ أحفظَ للحديث من الثَّورِيِّ، ولا أشدَّ تقشُّفا من شعْبة، ولا أعْقلَ من مالك بن أنس، ولا أنْصحَ للأمَّة من عبد الله بن المبارك.
стр. 3640
وعن إسماعيل بن عَيّاش، قال: ما على وجه الأرض مثلُ عبد اللهِ بن المبارك، ولا أعلَم أنَّ الله خلقَ خَصْلةً من خِصالِ الخير إلا وقد جعَلَها في عبد الله بن المبارك.
ورُوِيَ عن عبد الله بن المبارك، أنَّه اسْتعار قلمًا بأرض "الشام"، ونَسِيَ أن يَرُدَّه إلى صاحبه، فلمَّا قَدِمَ "مَرْوَ"، رأى القلَم في أمْتعَته، فرجع إلى أرض "الشام" حتى رَدَّه إلى صاحبه.
وهذا من نهاية الوَرَع، الذي مَزيدَ عليه، رحمه الله تعالى، ورضي تعالى عنه، فما كان أزْهَدَه وأتْقاه.
وعن أبي وَهْب، أنَّه قال (١): مَرَّ ابن المبارك برجلٍ أعمَى، فقال له، أسْألك أن تَدْعُوَ الله أن يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي. قال: فدعا الله، فرَدَّ عليه بصرَه وأنا أنْظُرُ.
وعن سُوَيْد بن سعيد، قال: رأيتُ عبد الله المبارك بـ "مكة" أتى "زَمْزَم"، فاسْتَقى منه شَرْبة، ثم اسْتقبل الكعبة فقال: اللّهم إن ابن الموَّال حدَّثنا، عن محمد بن المنْكَدِر، عن جابر، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أنَّه قال: "ماء زَمْزَمَ لما شُرِبَ له" (٢)، وهذا أشْربُه لعطَش القيامة. ثم شَرِبَه.
وعن عبد الله بن سِنان، قال: كنتُ مع ابن المبارك، والمعْتَمِر بن سليمان، بـ "طَرَسُوسَ"، فصاح الناس: النَّفيرَ، النفير. قال: فخرج ابنُ المبارك والمعْتَمِر، وخرج الناس، فلما اصْطَفَّ المسلمون والعَدُوُّ، خرج عِلْجٌ من الروم يطلُب البِرازَ، فخرج إليه رجل مسلم، فشدَّ العِلْجُ على المسلم، فقتَلَ المسلم، حتى قتل سِتَّةً من المسلمين مُبارزة، فجعل يَتَبَخْتَرُ بين الصَّفين، يطلُب المبارزة، لا يخرج إليه أحدٌ، قال: فالتفَتَ إليَّ ابنُ المبارك فقال: يا عبدَ الله، إن
стр. 3641
حدث في حدثُ الموت، فافعلْ كذا وكذا. قال: وحرَّك دابَّته، وخرج العلْج، فعالَج معه ساعة، فقتل العِلْج، طلب المبارزة، فخرج عِلْج آخَر، فقتَله، حتى قتل سِتَّةً من العُلوج مُبارزة، طلب البِراز، فكأنهم كاعوا عنه، فضرَب دابَّته، نظَر بين الصَّفَّين، وغاب، فلم أشْعُرْ بشيء إلا وابن المبارك في الموضع الذي كان فيه، فقال لي: يا عبدَ الله لئن حدَّثتَ بهذا أحدا وأنا حَيُّ. وذكر كلمةً. قال فما حدَّثتُ به أحدا وهو حيٌّ.
وعن محمد بن إبراهيم بن أبي سُكَيْنةَ، قال: أمْلَى علَيّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بـ "طَرَسوسَ"، وودَّعْتُه للخروج، وأنْفَذَها معي الفُضيل بن عِياض، في سنة سبعين ومائة، وفي رواية، سنة سبع وسبعين ومائة (١):
يا عابدَ الحَرَمين لو أبْصَرْتَنا … لَعَلِمْتَ أنَّك في العبادة تَلْعَبُ
مَن كان يخْضِبُ خَدَّهُ بدُموعِه … فنُحورُنا بدمائنا تتَخضَّب
أو كان يبْعَثُ خَيْلَه في باطلٍ … فخُيُولنا يومَ الصَّبيحة تَتْعَب (٢)
رِيحُ العَبير لكم ونحن عبيرنا … رَهَجُ السنابِكِ والغُبارُ الأطْيَبُ (٣)
ولقد أتانا مِن مَقالِ نَبِيِّنا … قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكْذِبُ
لا يستوي وغبار خيل الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب (٤)
هذا كتابُ الله ينْطِقُ بيننا … ليس الشهيد بمَيِّتٍ لا يكْذبُ
قال: فلقيتُ الفُضَيل بن عِياض في المسجد الحرام بكتابِه، فلمّا قرأه ذَرَفتْ عَيْناه، ثم قال: صدَق أبو عبد الرحمن. ونصحني، ثم قال: أنتَ ممن
стр. 3642
يكتُب الحديث؟ قلتُ: نعم يا أبا علي. قال: فاكْتُبْ هذا الحديث كِراءَ حَمْلِك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملَى عليَّ الفُضيل: حدَّثنا منصور بن المعْتَمِر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ﷺ ، عَلِّمنِي عملا أنالُ به ثَوابَ المجاهدين في سبيل الله. فقال النبي ﷺ ، "هل تَسْتَطيع أن تُصَلِّيَ فلا تَفْتُرَ، وتَصومَ فلا تُفْطِرَ؟ " فقال يا رسول الله ﷺ ، أنا أضعفُ مِن أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي ﷺ : "فَوَالذي نَفْسِي بيَدِه، لو طوَّقْتَ ذلك، ما بَلَغْتَ فَضْلَ المجاهِدين في سبيل الله، أما عَلِمْتَ أن فرس المجاهد لَيَسْتَنُّ في طِوَلِه، فتُكْتَبُ بذلك الحَسَناتُ" (١).
وعن عمر بن حفص الصُّوفِيّ، قال: خرج ابن المبارك من "بغداد"، يُريد "المصِّيصَةَ"، فصَحِبَه الصُّوفِيَّة، فقال: أنتم لكم أنْفُسٌ تحْتشمون أن يَنْفَق عليكم، يا غُلام، هات الطَّشتَ، فألْقى على الطَّشْتِ مِنْديلا، ثم قال: يُلْقِي كلُّ رجل منكم تحت المنْديل ما معه، قال: فجعل الرجل يُلْقِي عشرةَ دراهم، والرجل يُلْقِي عشرين درهمًا، فأنْفَق عليهم إلى "المصِّيصَة"، فلمّا بلغَ "المصِّيْصَة"، قال: هذه بلادُ نَفير، فقَسم ما بَقِي، فجعل يُعْطِي الرجلَ عشرين دينارا، فيقول: يا أبا عبد الرحمن، إنَّما أعْطَيْتُ عشرين درهمًا، فيقول: وما تُنْكِرُ إنَّ الله ﵎ يبارِك للغازِي في نَفَقته.
وعن سَلَمَة بن سليمان، قال (٢): جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك، فسأله أن يقْضِيَ دَيْنا عليه، فكتبَ له إلى وكيلٍ له، فلمَّا ورَد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدين الذي سألتَ فيه عبدَ الله أن يقْضيه؟ قال: سبعمائة
стр. 3643
درهم. قال: فكتب إلى عبد الله: إن هذا الرجل سألك أن تقضيَ عنه سبعمائة درهم، وكتبتَ إلىَّ سبعة آلاف درهم، وقد فَنِيَتْ الغَلَّات. فكتبَ إليه عبد الله: إن كانت الغَلّات قد فَنِيَتْ، فإنَّ العمر أيضًا قد فَنِيَ، فأجْر له ما سبق به قلمِي له.
وفي رواية آخرى، أنَّه كتب إلى الوكيل في جواب كتابه: إذا أتاك كتابي هذا وقرأتَه، وفهمتَ ما ذكرتُ فيه، فادْفَعْ إلى صاحب الكتاب أربعة عشر ألفا. فكتب إليه: إن كان على الفِعْل نَفْعَلُ، ما أسْرعَ ما نَبيع الضَّيْعة. فكتب إليه عبد الله، إنْ كنتَ وكيلِي فأنْفِذْ ما آمُرُك به، وإن كنتُ أنا وكيلك فتعالَ إلى موضِعِي حتى أصيرَ إلى مَوْضِعِك، فأنْفِذُ ما تأمُرُني به.
وعن محمد بن عيسى، قال (١): كان عبد الله بن المبارك كثيرَ الاخْتلاف إلى "طَرَسوسَ"، وكان ينزلُ "الرَّقَّةَ" في خان، فكان شابٌّ يخْتَلِف إليه، ويقوم بحَوائِجه، ويسمع منه الحديث، قال: فقدِمَ عبد الله "الرَّقَّة" مرّة، فلم يرَ ذلك الشاب، وكان مُسْتَعْجلا، فخرج في النَّفير، فلما قفَل من غَزْوته، ورجع إلى "الرَّقَّة"، سأل عن الشاب، قال: فقالوا: إنَّه محبوس لدَينٍ رَكِبَه. قال فقال عبد الله: وكم مَبْلَغُ دَيْنِه؟ قالوا عشرةُ آلاف درهم، فلم يزلْ يسْتَقْصِي حتى دُلَّ على صاحب المال، فدَعا به ليلا، ووزَن له عشرة آلاف درهم، وحلَّفه أن لا يُخْبِرَ أحدا ما دام عبد الله حيّا، وقال: إذا أصْبَحْتَ فأخْرِج الرجل من الحَبْس. وأدْلَجَ عبدُ الله، فأُخْرِج الفتى، فقيل له: عبد الله بن المبارك كان ها هنا، وكان يذْكُرُك، وقد خرج، فخرج الفتى في إثْرِه، فَلَحِقه على مَرْحَلَتين أو ثلاثة من"الرَّقَّة"، فقال: يا فتى أين كنتَ، لم أرَك في الخان. قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنتُ محبوسا لدَيْنٍ علَيّ. قال: فكيف كان سببُ خلاصِك؟ فقال: جاء رجل، فقضى دَيْنِي، ولم أعْلَم به حتى خرجتُ من الحبس. فقال له عبد الله: يا فتى، احْمَدِ الله
стр. 3644
على ما وفَّق لك من قضاء دَيْنِك. فلم يُخْبِر ذلكْ الرجلُ أحدًا إلا بعد موت عبد الله.
وعن عثمان بن سعيد، أنَّه قال (١): سمعتُ نُعيمَ بن حَمّاد، يقول: كان ابنُ المبارك يكْثِرُ الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تسْتَوْحِشُ؟ فقال: كيف أسْتَوْحِشُ وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه. يعني النَّظَرَ في الحديث.
وعن أبي نُعيم، أنَّه قال: كان ابن المبارك يتَّجِرُ، ويقْدِمُ كلَّ سنة "مكة"، فيبْعثُ بالصّرر إلى أربابها، كفُضيل بن عِياض، ابن عُيَيْنة، وابن عُلَيَّة وغيرهم، فقَدِم سنة "مكة"، فوجد ابنَ عُلَيَّة قد وَلِيَ الصّدقات لهارون الرشيد، فبعث بالصُّرر إلى أربابها، ولم يَبْعث إلى ابن عُلَيَّة شيئًا، وكان يُعْطِيه في كلِّ سنة خمسمائة درهم، فركب ابنُ عُلَيَّة إليه، فسلَّم عليه، فلم يرفعْ له رأسا، ولم يكلِّمه، فكتبَ إليه: أسعدك الله بطاعته، وتولاك بحفظه، وحاطك بحياطته، قد كنت منتظر البر والصلة منك، لأتبرَّك بها، وجئتُك مسلما، فلم تُكلِّمْني، فأيّ شيء بدا منِّي، فعرِّفْنِي حتى أعْتَذِرَ منه. فلما قرأها ابنُ المبارك، قال: يأبى هذا الرجل إلا أنْ أقْشِرَ له العصا. وكتب إليه رحمه الله تعالى (٢).
يا جاعلَ العلم له بازيًا … يصيدُ أمْوالَ المسكين (٣)
احْتَلْت للدُّنيا ولذّاتها … بحِيلةٍ تذهب بالدين
فصِرْتَ مَجْنونا بها بعدَما … كنتَ دَواءٍ للمَجانِينِ
أينَ رِواياتُك في سردها … عن ابن عون وابن سيرين
стр. 3645
أين أحاديثك والقولُ في … لُزومِ أبوابِ السلاطينِ (١)
إن قلتَ أكْرِهْتُ فما كان ذا … زَلَّ حمارُ العلم في الطِّين (٢)
فلمَّا قرأ الأبيات بكَى، ودخل على هارون، فاسْتعْفاهُ، فقال: لعلَّك التقيْتَ بالمرْوَزِيِّ؟ فقال له: ارْحَمْ شَيْبِي. فأقالَه، فبَعث إليه ابنُ المبارك برَسْنه.
وعن الأصْمعِيّ، قال: سمعتُ ابن المبارك يقول: إنَّه لَيُعْجبُنِي من القُرَّاء كلَّ طَلْقٍ مِضْحاك، فأمّا مَن تلْقاه بالبشر ويلْقاك بالعُبوس، كأنَّه يَمُنُّ عليك بعمله، فلا أكْثَر الله في القُّرَّاء مثله.
وسُئِل ابنُ المبارك: مَن أحسنُ الناس حالا؟ قال: مَن انْقطَع إلى الله .
وكان يقول مَن بَخِلَ بالعلم ابْتُلِيَ بثلاث: إما يموت، فيذهبَ علمُه، أو ينْسَى أو يَتَّبعَ السُّلطان. وكان يقول: لأنْ أخرَّ من السماء، أحبُّ إلىَّ من أن أُدَلِّسَ حديثا.
وذُكِر عندَه رجلٌ مِمَّن كان يُدَلِّس، فقال فيه قولا شديدا، وأنْشَدَ فيه (٣):
دَلَّسَ للناس أحاديثه … والله لا يقْبَلُ تَدْليسا
وعنه أنَّه قال: مَن اسْتَخَفَّ بالعلماء ذهبتْ آخِرتُه، ومن اسْتخَفَّ بالأمراء ذهبتْ دنياه، ومن اسْتَخفَّ بالإخوان ذهَبت مُروْءتُه.