حدث في حدثُ الموت، فافعلْ كذا وكذا. قال: وحرَّك دابَّته، وخرج العلْج، فعالَج معه ساعة، فقتل العِلْج، طلب المبارزة، فخرج عِلْج آخَر، فقتَله، حتى قتل سِتَّةً من العُلوج مُبارزة، طلب البِراز، فكأنهم كاعوا عنه، فضرَب دابَّته، نظَر بين الصَّفَّين، وغاب، فلم أشْعُرْ بشيء إلا وابن المبارك في الموضع الذي كان فيه، فقال لي: يا عبدَ الله لئن حدَّثتَ بهذا أحدا وأنا حَيُّ. وذكر كلمةً. قال فما حدَّثتُ به أحدا وهو حيٌّ.
وعن محمد بن إبراهيم بن أبي سُكَيْنةَ، قال: أمْلَى علَيّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بـ "طَرَسوسَ"، وودَّعْتُه للخروج، وأنْفَذَها معي الفُضيل بن عِياض، في سنة سبعين ومائة، وفي رواية، سنة سبع وسبعين ومائة (١):
يا عابدَ الحَرَمين لو أبْصَرْتَنا … لَعَلِمْتَ أنَّك في العبادة تَلْعَبُ
مَن كان يخْضِبُ خَدَّهُ بدُموعِه … فنُحورُنا بدمائنا تتَخضَّب
أو كان يبْعَثُ خَيْلَه في باطلٍ … فخُيُولنا يومَ الصَّبيحة تَتْعَب (٢)
رِيحُ العَبير لكم ونحن عبيرنا … رَهَجُ السنابِكِ والغُبارُ الأطْيَبُ (٣)
ولقد أتانا مِن مَقالِ نَبِيِّنا … قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكْذِبُ
لا يستوي وغبار خيل الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب (٤)
هذا كتابُ الله ينْطِقُ بيننا … ليس الشهيد بمَيِّتٍ لا يكْذبُ
قال: فلقيتُ الفُضَيل بن عِياض في المسجد الحرام بكتابِه، فلمّا قرأه ذَرَفتْ عَيْناه، ثم قال: صدَق أبو عبد الرحمن. ونصحني، ثم قال: أنتَ ممن
стр. 3642
يكتُب الحديث؟ قلتُ: نعم يا أبا علي. قال: فاكْتُبْ هذا الحديث كِراءَ حَمْلِك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملَى عليَّ الفُضيل: حدَّثنا منصور بن المعْتَمِر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ﷺ ، عَلِّمنِي عملا أنالُ به ثَوابَ المجاهدين في سبيل الله. فقال النبي ﷺ ، "هل تَسْتَطيع أن تُصَلِّيَ فلا تَفْتُرَ، وتَصومَ فلا تُفْطِرَ؟ " فقال يا رسول الله ﷺ ، أنا أضعفُ مِن أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي ﷺ : "فَوَالذي نَفْسِي بيَدِه، لو طوَّقْتَ ذلك، ما بَلَغْتَ فَضْلَ المجاهِدين في سبيل الله، أما عَلِمْتَ أن فرس المجاهد لَيَسْتَنُّ في طِوَلِه، فتُكْتَبُ بذلك الحَسَناتُ" (١).
وعن عمر بن حفص الصُّوفِيّ، قال: خرج ابن المبارك من "بغداد"، يُريد "المصِّيصَةَ"، فصَحِبَه الصُّوفِيَّة، فقال: أنتم لكم أنْفُسٌ تحْتشمون أن يَنْفَق عليكم، يا غُلام، هات الطَّشتَ، فألْقى على الطَّشْتِ مِنْديلا، ثم قال: يُلْقِي كلُّ رجل منكم تحت المنْديل ما معه، قال: فجعل الرجل يُلْقِي عشرةَ دراهم، والرجل يُلْقِي عشرين درهمًا، فأنْفَق عليهم إلى "المصِّيصَة"، فلمّا بلغَ "المصِّيْصَة"، قال: هذه بلادُ نَفير، فقَسم ما بَقِي، فجعل يُعْطِي الرجلَ عشرين دينارا، فيقول: يا أبا عبد الرحمن، إنَّما أعْطَيْتُ عشرين درهمًا، فيقول: وما تُنْكِرُ إنَّ الله ﵎ يبارِك للغازِي في نَفَقته.
وعن سَلَمَة بن سليمان، قال (٢): جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك، فسأله أن يقْضِيَ دَيْنا عليه، فكتبَ له إلى وكيلٍ له، فلمَّا ورَد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدين الذي سألتَ فيه عبدَ الله أن يقْضيه؟ قال: سبعمائة
стр. 3643
درهم. قال: فكتب إلى عبد الله: إن هذا الرجل سألك أن تقضيَ عنه سبعمائة درهم، وكتبتَ إلىَّ سبعة آلاف درهم، وقد فَنِيَتْ الغَلَّات. فكتبَ إليه عبد الله: إن كانت الغَلّات قد فَنِيَتْ، فإنَّ العمر أيضًا قد فَنِيَ، فأجْر له ما سبق به قلمِي له.
وفي رواية آخرى، أنَّه كتب إلى الوكيل في جواب كتابه: إذا أتاك كتابي هذا وقرأتَه، وفهمتَ ما ذكرتُ فيه، فادْفَعْ إلى صاحب الكتاب أربعة عشر ألفا. فكتب إليه: إن كان على الفِعْل نَفْعَلُ، ما أسْرعَ ما نَبيع الضَّيْعة. فكتب إليه عبد الله، إنْ كنتَ وكيلِي فأنْفِذْ ما آمُرُك به، وإن كنتُ أنا وكيلك فتعالَ إلى موضِعِي حتى أصيرَ إلى مَوْضِعِك، فأنْفِذُ ما تأمُرُني به.
وعن محمد بن عيسى، قال (١): كان عبد الله بن المبارك كثيرَ الاخْتلاف إلى "طَرَسوسَ"، وكان ينزلُ "الرَّقَّةَ" في خان، فكان شابٌّ يخْتَلِف إليه، ويقوم بحَوائِجه، ويسمع منه الحديث، قال: فقدِمَ عبد الله "الرَّقَّة" مرّة، فلم يرَ ذلك الشاب، وكان مُسْتَعْجلا، فخرج في النَّفير، فلما قفَل من غَزْوته، ورجع إلى "الرَّقَّة"، سأل عن الشاب، قال: فقالوا: إنَّه محبوس لدَينٍ رَكِبَه. قال فقال عبد الله: وكم مَبْلَغُ دَيْنِه؟ قالوا عشرةُ آلاف درهم، فلم يزلْ يسْتَقْصِي حتى دُلَّ على صاحب المال، فدَعا به ليلا، ووزَن له عشرة آلاف درهم، وحلَّفه أن لا يُخْبِرَ أحدا ما دام عبد الله حيّا، وقال: إذا أصْبَحْتَ فأخْرِج الرجل من الحَبْس. وأدْلَجَ عبدُ الله، فأُخْرِج الفتى، فقيل له: عبد الله بن المبارك كان ها هنا، وكان يذْكُرُك، وقد خرج، فخرج الفتى في إثْرِه، فَلَحِقه على مَرْحَلَتين أو ثلاثة من"الرَّقَّة"، فقال: يا فتى أين كنتَ، لم أرَك في الخان. قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنتُ محبوسا لدَيْنٍ علَيّ. قال: فكيف كان سببُ خلاصِك؟ فقال: جاء رجل، فقضى دَيْنِي، ولم أعْلَم به حتى خرجتُ من الحبس. فقال له عبد الله: يا فتى، احْمَدِ الله
стр. 3644
على ما وفَّق لك من قضاء دَيْنِك. فلم يُخْبِر ذلكْ الرجلُ أحدًا إلا بعد موت عبد الله.
وعن عثمان بن سعيد، أنَّه قال (١): سمعتُ نُعيمَ بن حَمّاد، يقول: كان ابنُ المبارك يكْثِرُ الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تسْتَوْحِشُ؟ فقال: كيف أسْتَوْحِشُ وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه. يعني النَّظَرَ في الحديث.
وعن أبي نُعيم، أنَّه قال: كان ابن المبارك يتَّجِرُ، ويقْدِمُ كلَّ سنة "مكة"، فيبْعثُ بالصّرر إلى أربابها، كفُضيل بن عِياض، ابن عُيَيْنة، وابن عُلَيَّة وغيرهم، فقَدِم سنة "مكة"، فوجد ابنَ عُلَيَّة قد وَلِيَ الصّدقات لهارون الرشيد، فبعث بالصُّرر إلى أربابها، ولم يَبْعث إلى ابن عُلَيَّة شيئًا، وكان يُعْطِيه في كلِّ سنة خمسمائة درهم، فركب ابنُ عُلَيَّة إليه، فسلَّم عليه، فلم يرفعْ له رأسا، ولم يكلِّمه، فكتبَ إليه: أسعدك الله بطاعته، وتولاك بحفظه، وحاطك بحياطته، قد كنت منتظر البر والصلة منك، لأتبرَّك بها، وجئتُك مسلما، فلم تُكلِّمْني، فأيّ شيء بدا منِّي، فعرِّفْنِي حتى أعْتَذِرَ منه. فلما قرأها ابنُ المبارك، قال: يأبى هذا الرجل إلا أنْ أقْشِرَ له العصا. وكتب إليه رحمه الله تعالى (٢).
يا جاعلَ العلم له بازيًا … يصيدُ أمْوالَ المسكين (٣)
احْتَلْت للدُّنيا ولذّاتها … بحِيلةٍ تذهب بالدين
فصِرْتَ مَجْنونا بها بعدَما … كنتَ دَواءٍ للمَجانِينِ
أينَ رِواياتُك في سردها … عن ابن عون وابن سيرين
стр. 3645
أين أحاديثك والقولُ في … لُزومِ أبوابِ السلاطينِ (١)
إن قلتَ أكْرِهْتُ فما كان ذا … زَلَّ حمارُ العلم في الطِّين (٢)
فلمَّا قرأ الأبيات بكَى، ودخل على هارون، فاسْتعْفاهُ، فقال: لعلَّك التقيْتَ بالمرْوَزِيِّ؟ فقال له: ارْحَمْ شَيْبِي. فأقالَه، فبَعث إليه ابنُ المبارك برَسْنه.
وعن الأصْمعِيّ، قال: سمعتُ ابن المبارك يقول: إنَّه لَيُعْجبُنِي من القُرَّاء كلَّ طَلْقٍ مِضْحاك، فأمّا مَن تلْقاه بالبشر ويلْقاك بالعُبوس، كأنَّه يَمُنُّ عليك بعمله، فلا أكْثَر الله في القُّرَّاء مثله.
وسُئِل ابنُ المبارك: مَن أحسنُ الناس حالا؟ قال: مَن انْقطَع إلى الله .
وكان يقول مَن بَخِلَ بالعلم ابْتُلِيَ بثلاث: إما يموت، فيذهبَ علمُه، أو ينْسَى أو يَتَّبعَ السُّلطان. وكان يقول: لأنْ أخرَّ من السماء، أحبُّ إلىَّ من أن أُدَلِّسَ حديثا.
وذُكِر عندَه رجلٌ مِمَّن كان يُدَلِّس، فقال فيه قولا شديدا، وأنْشَدَ فيه (٣):
دَلَّسَ للناس أحاديثه … والله لا يقْبَلُ تَدْليسا
وعنه أنَّه قال: مَن اسْتَخَفَّ بالعلماء ذهبتْ آخِرتُه، ومن اسْتخَفَّ بالأمراء ذهبتْ دنياه، ومن اسْتَخفَّ بالإخوان ذهَبت مُروْءتُه.
стр. 3646
وعن محمد بن حُمَيد، قال: عَطِسَ رجلٌ عند ابن المبارك. قال: فقال له ابن المبارك: أيْش يقول الرجل إذا عَطِس؟ قال: يقول: الحمد لله. قال: فقال له ابن المبارك: يرْحَمُك الله. قال: فعجِبْنا كلُّنا من حُسْنِ أدبِه.
وكان يقول لأصحاب الحديث: أنتم إلى قليل من الأدب أحْوَجُ منكم إلى كثير من العلم.
وسُمع يُخاطبُ نفسَه، فيقول: يا ابنَ المبارك، إذا عرفتَ نفْسَك، لم يَضرُّك ما قيل فيك.
وعنه أنَّه قال: خَصْلَتان مَن كانتا فيه نَجا: الصِّدْق، وحُبُّ أصحاب رسول الله محمد ﷺ .
ومِن شعرِ ابن المبارك، رحمه الله تعالى (١):
إنِي امْرُؤُ ليس في دِيني لغامِزَةٍ … لِينٌ ولستُ على الإسلام طَعَّانا
شُغْلِي بقومٍ مَضَوْا كانوا لنا سَلَفا … وللرَّسولِ مع العِرفانِ أعْوانا
فما الدُّخول عليهم في الذي عَمِلوا … بالطَّعْن منِّي وقد فرَّطْتُ عِصْيانا
فلا أسُبُّ أبا بكر ولا عُمَرا … ولا أسُبُّ مَعاذَ الله عُثمانا
ولا ابنَ عمِّ رسول الله أشْتُمه … حتى أُلَبَّسَ تحت التُّرْبِ أكْفانا
ولا الزُّبَيْرَ حَواريَّ الرَّسول ولا … أهْدِي لِطَلْحةَ شَتْما عَزَّ أو هانا
ولا أقولُ عليّ في السَّحاب إذا … قد قلتُ والله ظلما ثُمَّ عُدْوانا
ولا أقول بقَوْلِ الجَهْم إنَّ له … قولا يُضارعُ أهْلَ الشِّرْكِ أحْيانا
ولا أقولُ تخلى من خليقته … رب العباد وولى الأمر شيطانا
ما قال فِرْعَوْنُ هذا في تَجَبُّره … فِرعونُ موسى ولا هامانُ طُغيانا (٢)
لكنْ على مِلَّة الإسلام ليس لنا … اسْمٌ سِواهُ بذاك الله سمّانا
إنَّ الجماعة حَبْلُ الله ما اعْتَصَموا … بها من العُرْوَة الوُثْقَى لمن دَانا
стр. 3647
ومن نَظْمه أيضًا، وأظُنُّه من النظم الذي قبلَه، قولهُ:
إنِّي أُحِبُّ عليّا حُبُّ مُقْتَصِدٍ … ولا أرى دونَه في الفضلِ عثمانا
أمّا عليَّ فقد كانت له قَدَمٌ … في السّابقين بها في الناس قد بانا
وكان عثمانُ ذا صِدْقٍ وذا وَرَعٍ … بَرًّا حَيِيًّا جَزاه الله غُفْرانا
ما كان والله من قلبِي مُشايَعَةٌ … للمُبْغِضين عليًّا وابنَ عَفَّانا
لأمْنحَنَّهمُ بُغْضِي عَلانِيَةً … ولستُ أكْتُمه في الصَّدْر كِتْمانا
ولا أرَى حُرْمةً يومًا لمبْتَدِعٍ … وَهْنا يكون له مِنِّي وإدْهانا
وعن بعضِهم قال: سُئِل ابنُ المبارك: ما خيرُ ما أُعْطِيَ الإنسان؟ قال: غَزِيرُ عقل. قيل: فإن لم يكُن، قال: أدَبٌّ حسَن. قيل: فإن لم يكُن. قال: أخٌ صالح يسْتشيرُه. قيل: فإن لم يكُن، قال: صَمْتٌ طويل. قيل: فإن لم يكُن. قال مَوْتٌ عاجل.
وعن الحسن بن عيسى، قال: سمعتُ عبد الله بن المبارك، رضي الله تعالى عنه يقول (١):
اغْتَنِمْ رَكْعتين زُلْفَى إلى اللـ … ـــه إذا كنتَ فارغا مُسْترِيحا
وإذا ما هَمَمْتَ بالزُّورِ والبا … طلِ فاجْعَلْ مكانَهْ تسْبيحا (٢)
فاغْتِنامُ السُّكوتِ أفْضلُ للمَرْ .... ءِ وإن كان بالكلامِ فَصيحا (٣)
وعن عبد السلام بن صالح، قال: سمع ابنُ المبارك رجلًا يتكلَّم بما لا يعْنِيه، فقال (٤):
تعاهَدْ لسانَك إنَّ اللسانَ … سريعٌ إلى المرءِ في قَتْلِه (٥)
стр. 3648
وهذا اللسانُ بَريدُ الفؤادِ … يدُلُّ الرجالَ على عَقْلِه (١)
وعن محمد بن إدريس الحَنْظَلِيّ، قال: قال عبد الله بن المبارك (٢):
أدَّبْتُ نفسِي فما وجدتُ لها … من بَعْدِ تَقْوَى الله من أدَبِ (٣)
في كلُّ حالاتِها وإن قَصُرَتْ … أفضلَ مِن صَمْتِها عن الكذب (٤)
وغِيتَة الناس إنّ غِيْبَتَهم … حَرَّمها ذو الجلال في الكُتُب
إن كان مِن فِضَّةٍ كلامُك يا … نَفْسُ فإنَّ السُّكوتَ مِن ذَهَبِ
وعن أبي أمَيَّة الأسْود، أنَّه قال: سمعتُ عبد الله بن المبارك، يقول: أُحِبُّ الصالحين ولستُ منهم، وأبْغِصُ الطّالحين وأنا شَرٌّ منهم. ثم أنْشأ (٥):
الصَّمْتُ زَيْنٌ بالفتَى … من مَنْطقٍ في غيرِ حِيْنِهْ (٦)
والصِّدْقُ أجْمَلُ بالفتَى … في القولِ عنْدِى مِن يَمِينِه
وعلى الفتى بوَقارِه … سِمَةٌ تلوحُ على جَبِينِه
مَنْ ذا الذي يَخْفَى عليْـ .... ــكَ إذا نَظَرْتَ إلى قَرِينهْ
رُبَّ امْرِيّ مُتَيَقِّنٍ … غلَب الشَّقاءُ على يَقينه
فأزالَه عن رأيه … فابْتاعَ دُنْياهُ بدِينِهْ
انتهى.
قلتُ: ومِمّا يُنْسَب إلى الإمام الشافعِيّ، رضي الله تعالى عنه، من النظم قولُه:
أحِبُّ الصالحين ولستُ منهم … ولكنِّي أرُومُ بهم شَفاعَهْ
стр. 3649
وأكْرَهُ مَن بِضاعتُه المعاصي … ولكنِّي شَريكٌ في البِضاعهْ
فكأنَّه أخذه من قول عبد الله بن المبارك المتقدِّم آنفا.
وكان ابن المبارك يقول: سَخاءُ النفى عمَّا في أيْدي الناس أكبرُ من سخاء النفس بالبذل، والقَناعةُ والرِّضا أكْبرُ من مُروءةِ الإعطاء.
وكان يُنْشِد:
ما ذاقَ طَعْمَ الغِنَى مَنْ لا قُنُوع له … ولن تَرَى قانعا ما عاشَ مُفْتَقِرا
والعرُفُ مَن يأتِه يحْمَدْ عَواقِبَهُ … ما ضاع عُرْفٌ وإن أوْليْتَه حجَرا
ومن شعره أيضًا قوله:
لا تَضْرَعَنَّ لمخلوقٍ على طمَعٍ … فإنّ ذاك مُضِرُّ منك بالدِّينِ
واسْتَرْزِقِ اللهَ مما في خَزائِنِه … فإنّما هي بين الكاف والنون
ألا تَرَى كلَّ مَن تَرْجو وتأمُلُه … مِن البَرِيَّة مسْكينَ بنَ مسكين
ومنه قوله (١):
كلْ من الجاوَرْسِ والرُّزِّ … ومِن خُبْزِ الشَّعيرِ (٢)
واجْعَلَنْ ذاك حَلالا … تَنْجُ من نارِ السَّعيرِ
والْتَمِسْ رزقك من ذي … العرش والرب القدير
وارض يا وَيْحَك من دُنْـ … ـياكَ بالقُوتِ اليسيرِ
إنَّها دارُ بلاءٍ … وزَوالٍ وغرورِ
كم لَعَمْرِى صرَعَتْ قَبْـ … لك أصحابَ القُصورِ (٣)
وذَوى الهَيْئةِ في المجـ … ـلسِ والجمع الكثيرِ
أُخْرِجوا منها فما كا … ن لَدَيْهم من نَكيرِ
стр. 3650
كم ببَطْنِ الأرضِ ثاوٍ … من شريفٍ ووزيرِ
وصغيرِ الشأنِ عبدٍ … خاملِ الذِّكْر حقيرِ
لو تصفَّحْتَ قبورَ الْـ … ـقومِ في يومٍ بَصيرِ (١)
لم تُمَيِّزْهم ولم تعْـ … ـرِفُ غَنِيَّا من فقيرِ
خَمَدوا فالقومُ صَرْعَى … تحت أطْباقِ الصُّخورِ (٢)
اسْتَوَوا عند مَلِيكٍ … بمَساوِيهم خبيرِ
حَكَمٍ يَعْدِلُ لا يظْـ … ـلِمُ مِقْدارَ النَّقيرِ
ومن شعره أيضًا، رضي الله تعالى عنه (٣):
يا عائبَ الفقرِ ألا تَعْتَبِرْ … عَيْبَ الغِنَى أكبَر لو تَعْتَبِرْ (٤)
من شَرَفِ الفقرِ ومن فضلِه … على الغِنَى إن صحَّ منك النَّظرْ
أنَّك تَعْصَى لِتَنالَ الغِنَى … ولستَ تَعْصَى الله كي تفْتَقِرْ
وعن الفُضيلِ بن عِياض، قال: سُئِل عبد الله بن المبارك: مَنِ الناس؟ قال: العُلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزُّهّاد. قيل: فما السِّفْلة؟ قال: الذي يأكلُ بدينه. وفي رواية أخرَى عن الحسن بن عيسي، قيل له: فمَن الغَوْغاء؟ قال: خُزَيْمة بن خازِم وأصحابه، قيل: فما الدَّنِيّ؟ قال: الذي يذكُر غلاءَ السِّعْر عند الضيفِ.
وكان ابن المبارك يتمثَّل بقول بعضِهم (٥):
ركوبُ الذُّنوبِ يُميتُ القلوبَ … وقدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها (٦)
стр. 3651
وتَرْكُ الذنوبِ حياة القلوبِ … وخيرٌ لنفسك عِصْيانُها (١)
وكان يتمثَّلُ أيضًا بقول الآخر:
وكيف تُحِبُّ أنْ تُدْعَى حكيمًا … وأنتَ لكلِّ ما تَهْوَى رَكوبُ
وتضحك دائبا ظهرا لبطن … وتذكر ما عملت ولا تتوب
وسُمِع على سور "طَرَسوسَ" يقول هذين البيتين (٢):
ومن البَلاء وللبلاء عَلامةٌ … أن لا يُرَى لك عن هَواك نُزُوعُ
العبدُ عبدُ النَّفْسِ في شَهواتها … والحُرُّ يشْبَعُ مَرَّةً ويجوع
وأنشد الحسن بن إبراهيم البَجَلِيُّ لابن المبارك قولَه:
تَعْصَى الإله وأنتَ تُظْهِرُ حُبَّه … هذا مِحالٌ في الفِعالِ بَديعُ
لو كان حُبُّك صادقا لأطَعْتَه … إن المحِبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ
والذي يغْلِبُ على الظَّنِّ، أنَّ هذين البيتين أخَوَا البيتين اللذين قبلَهما.
ورُوِيَ أنَّ بعضَ أصحابه أراد أن يُسافِر إلى "مكة"، فقال له: أما تُوصِينا، أما تُقوِّينا؟ فقال: له عبد الله:
إذا صاحَبْتَ في الأسْفارِ قوما … فكُن لهُم كذِي الرَّحِمِ الشَّفيق
بِعَيْب النفس ذا بَصَرٍ وعِلْمٍ … غَبِيِّ النفس عن عَيْبِ الرَّفيق
ولا تأخُذْ بِعَثْرة كلِّ يوم … ولكنْ قل هَلُمَّ إلى الطريق
فإن تأخذْ بعَثْرتِهم يَقِلُّوا … وتَبْقَى في الزمان بلا صَديقِ
وقال بعضُهم: سمعتُ عبد الله بن المبارك يُنْشِدُ:
أعْداء غَيْبٍ أُخُوةُ التَّلاقِي … يا سُوءَنا من هذه الأخلاق
كأنَّما اشْتُقَّتْ من النّفاقِ … في إخْوان العَلانِيَة وأعْداء السَّريرة.
стр. 3652
وعن المسيِّب بن واضح، قال: سمعتُ عبد الله بن المبارك يقول: حَفَروا بـ "خُراسان" حَفيرا، فوجدوا رأس إنسان، فوزنوا سِنَّا من أسْنانِه، فإذا فيه سبعةُ أساتِير (١).
وفي رواية أخرَى، عن محمد بن أعْيَن، حمل أبو جَميل سِنِّيْن من خارج حِصْنِ "مَرْوَ" إلى عبد الله بن المبارك، فوضَعهما عبد الله بين يديه، ودعا بالميزان، فوزَنهما أو وزَن أحدَهما، فإذا فيه مَنَوان وزيادةٌ في كلِّ سِنٍّ، فوضعَه عبد الله، وقال فيه شعرا (٢):
أتِيتُ بسِنَّيْن قد رَمَّتا … من الحِصْن لما أثاروا الدَّفينا
على وَزْنِ مَنَّيْن إحداهما … يُقِلُّ به الكفُّ شيئا رَزِينا (٣)
ثلاثين أخرَى على قَدْرِها … تباركْتَ يا أحسنَ الخالقِينا (٤)
فماذا يقوم لأفْواهِها … وما كان يَمْلأُ تلك البُطونا
إذا ما تذكَّرتُ أجْسامَهم … تقاصَرْتُ بالنفسِ حتى تَهونا (٥)
وكلُّ على ذاك لاقَى الرَّدَى … فبادوا جميعا فهم خامِدونا
ومن شعر عبد الله أيضًا قوله:
أيا ربِّ يا ذا العَرْشِ أنتَ رحيمُ … وأنتَ بما تُخْفِي الصّدورُ عليمُ
فيا ربِّ هبْ لي منك حِلْما فإنَّنِي … أرَى الحِلْمَ لم ينْدَمْ عليه حليمُ
ويا ربِّ هَبْ لي منك عَزْما على التُّقَى … أُقيمُ به في الناس حيث أُقيمُ
ألا إنَّ تَقْوَى الله أكْرَمُ نِسْبَةٍ … يُسامِي بها عند الفخارِ كريمُ
إذا أنتَ نافَسْتَ الرجالَ على التُّقَى … خرجْتَ من الدنيا وأنت سليمُ
стр. 3653
أراك امْرءًا ترجُو من الله عَفْوَهُ … وأنتَ على ما لا يُحِبُّ مُقيمُ
وإنَّ امْرءًا لا تَرْتَجِي الناسُ عَفْوه … ولم يأمَنوا منه الأذَى لَلَئيمُ
وعن عمر بن عقْبَة، عن ابن المبارك، أنَّه كان يقولُ في دعائه: اللهم إنِّي أسألُك الشهادة في غير جَهْدِ بَليَّة، ولا تَبْديلِ نِيَّة. وقد رُوِيَ أنَّ الله تعالى قد مَنَّ عليه بإجابة دَعْوَتِه، فأماتَه شهيدا غريبا في غير تُرْبتِه، من غير جَهْدٍ في الشهادة، ولا تَبْديلِ في الإرادة.
وعن الحسن بن عيسى، قال: لما حضرت ابنَ المبارك الوفاةُ: قال لنصر مَوْلاه: اجعل رأسَى على التُّراب. قال: فبكَى نصر، فقال له: ما يُبْكِيكَ؟ قال: أذْكُرُ ما كنتَ فيه من النَّعيم، وأنتَ هو تموتُ فقيرا غريبا. فقال له: اسْكُتْ، فإنِّي سألتُ الله ﵎ أن يُحيِيَنِي حياةَ الأغنياء، وأنْ يُمِيتَنِي مِيتَةَ القراء. ثم قال: لَقِّنِّي، ولا تُعِدْ عليَّ إلا أن أتكلَّم بكلامٍ ثانٍ.
ورُوِيَ أنّه لما حضرته الوفاة، جعل رجلٌ يُلَقِّنُه: قُلْ لا إله إلا الله. فأكْثَر عليه، فقال: إنَّك ليس تُحْسِنُ، أخاف أن تُؤْذِيَ بها رجلًا مسلما بعدِي، إذا لَقَّنْتَنِي فقُل: لا إله إلا الله. ثم إن لم أُحْدِث كلاما بعدَها فدَعْنِي، فماذا أحْدَثْتُ كلاما بعدَها، فلَقِّنِّي حتى تكونَ آخرَ كلامِي.
وعن أبي القاسم القُشَيْرِيّ، أنَّه قال: قيل فتَح عبدُ الله بن المبارك عيْنَيْه عندَ الوفاة فضحك، وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (١).
ورُوِيَ أن رُؤْيَ على قبر عبد الله بن المبارك مكتوبٌ:
الموت بحرٌ مَوْجُه غالبٌ … تذْهَلُ فيه حِيَلُ السّابحِ
لا يَصْحَبُ المرءَ إلى قبره .. غيرُ التقي والعمل الصّالحِ
ولما مات ابنُ المبارك، وبلغ موتُه الرَّشيدَ، جلس للعَزاء، وأمر الأعيان أن يُعَزُّوه فيه، وعُدَّ ذلك من مَحاسن الرشيد.
стр. 3654
ورُوِيَ عنْ أبي حاتم الفَرَبْرِيّ، أنَّه كان يقول: رأيتُ عبدَ الله بن المبارك في المنام، واقفا على باب الجنة، بيدِه مفتاحٌ، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن، ما يُوقِفُك ههنا؟ قال: هذا مفتاح باب الجنة، دفعه إليَّ محمد ﷺ ، وقال: حتى أزورَ الرَّبَّ ، فكُنْ أمِيْنِي في السماء، كما كنتَ أمِينِي في الأرض.
وفي "تاريخ العَيْنِيّ" عن علي بن الحسن بن شَقيق، أنَّه قال: توجَّه ابنُ المبارك من "مَرْوَ" إلى "الكُوفة" للحجِّ، فخرج ثم رجع بعد ذلك عن قريبٍ، فسألتُه عن سببِ رجُوعِه، فقال: خرجتُ إلى موقِف "الكوفة"، وفي كُمِّي خمسمائة دينارُ، لأشْتَرِيَ به جِمالا، فرأيتُ امرأةً تُسارِقُ الناسَ من بعيدٍ، وتتقدَّم إلى مَزْبلةٍ هناك، عليها بَطَّةٌ ميِّتةٌ، تُريدُ أن تأخذَها، فإذا نَظَر إليها أحدٌ أمْسَكَتْ، فغَفِلَ الناسُ عنها، فأخذَتْها وأنا أسارِقُها النظرَ، فتَبِعْتُها وقلتُ لها: تأكُلِين الميْتَة! فقالت: يا أبا عبد الله، ألا تَسْألنِي؟ قال: فوقَع كلامُها في قلبِي، فألْحَحْتُ عليها، فقالتْ: قد أحْوَجْتَنِي إلى هَتْكِ سِتْرِي، وكشف سِرِّي، أنا امرأة شريفة، مات زوجِي، وترك أربعةَ بناتٍ يتامى، وليس يسْتُرنا إلا الحِيطان، ولنا أربعة أيام ما أكلْنا شيئًا، فخرجتُ أتسبّبُ لهن في شيء، فلم أجِدْ غيرَ هذه البطَّة، فأخذتُها لأُصْلِحَها، وأحملها إلى بناتِي، فيأكُلْنَها. فقلتُ: افْتَحِي حِجْرَك. ففتَحَتْه، فصبَبْتُ الدَّنانيرَ فيه، ونزعَ الله من قلبي شَهْوةَ الحجِّ في تلك السنة، وعُدْتُ إلى بلدِي، وأقمتُ حتى عاد الناس عن الحجِّ، فخرجتُ أتلَقَّاهم، فجعلتُ كلَّ مَنْ أقولُ له: قَبِلَ الله حَجَّك. يقول: وأنتَ قَبِلَ الله حَجَّك. وأكْثَرَ علَيَّ الناس، وبِتُّ متعجِّبا، فرأيتُ رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: يا ابنَ المبارك، لا تَعْجَبْ، فإنَّك أغَثْتَ مَلْهوفةً من وَلَدِي، فسألتُ الله أن يخْلُقَ على صُورَتك مَلَكا يَحُجُّ عنك إلى يوم القيامة، وهو يَحُجُّ عنك، فإن شِئْتَ أن تَحُجَّ وإن شئت أن لا تحُجَّ.
стр. 3655
ورُوِيَ عن محمد بن فَضْل بن عِياض، أنَّه قال: رأيتُ عبد الله بن المبارك في المنام، فقلتُ أيُّ العمل، وفي رواية: أيُّ الأعمال وجَدْتَ أفضلَ؟ قال: الأمرُ الذي كنتُ في. قلتُ: الرِّباط والجِهاد؟ قال: نعم. قلتُ: فأيُّ شيء صُنِع بك؟ وفي رواية: صَنَع بك رَبُّك؟ قال غفر لي مغفرةً تَتْبَعها مغفرةٌ. وفي رواية: ما بعدَها مغفرةٌ، وكلَّمَتْنِي امرأةٌ من أهل الجنة وامرأة من الحور العِين.
ورُوِيَ أنَّ بعضَ الصُّلحاء رأى في منامه، كأنَّ غَمامةً على السماء مكتوبا عليها سَطْرٌ: من أراد النَّجاةَ، فعليه بكُتُب عبد الله بن المبارك.
وفي "تهذيب الأسماء واللُغات" (١)، للإمام النَّوَوِيّ، في ترجمة ابن المبارك، وروينا عن عَبْثَر (٢) بن القاسم، قال: لما قَدِمَ هارون الرَّشيد "الرَّقَّة"، أشْرَفتْ أمُّ ولدٍ له من قصرٍ، فرأتِ الغَبَرَةَ قَد ارْتَفَعتْ، البغالَ قد تقطَّعت، وانجَفَل الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من"خُراسان"، يقال له ابنُ المبارك. قالت: هذا والله الملْكُ، لا مُلْكُ هارون الذي لا يجْتَمعُ له الناس إلا بالسَّوْطِ والخُشُب.
قال عَمَّار بن الحسن يَمْدَحُ ابنَ المبارك، رضي الله تعالى عنه (٣):
إذا سار عبدُ الله من مَرْوَ ليلةً … فقدْ سار منها نُورُها وجَمالُها
إذا ذُكِرَ الأخْيارُ من كلِّ بلدة … فهم أنْجُمٌ فيها وأنتَ هِلالُها (٤)
стр. 3656
وكان ابنُ المبارك كثيرًا ما يتمثَّل بهذين البيتين (١):
إذا صاحَبْتَ فاصْحَبْ ماجِدًا … ذا حَياءٍ وعَفافٍ وكَرَمْ (٢)
قولُه للشَّيءِ لا إن قلتَ لا … وإذا قلتَ نعم قال نعمْ
وأمّا رواياتُ عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة في الفقه وغيره فكثيرةٌ جدًّا؛ منها: أنه قال: سألتُ أبا حنيفة، رضي الله تعالى عنه، عن الرجل يبْعَثُ بزكاة مالِه من بلدٍ إلى بلد آخر، فقال: لا بأس بأن يَبْعثَها من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، لِذِي قَرَابَتِه.
وقال ابنُ وَهْبٍ: سُئِل عبدُ الله بن المبارك عن أكْلِ لحم العَقْعَق (٣)، فقال: كَرِهَه أبو حنيفة.
وسُئِل عن وقتِ عِشاء الآخِرة، فذكر عن أبي حنيفة: حتى يُصْبِحَ.
قال: وقال عبد الله بن المبارك: كان أبو حنيفة يقول: قَدِمَ أيُّوب بن أبي تَمِيمَة السَّخْتِيَانِيُّ، وأنا بـ "المدينة"، فقلتُ: لأنْظُرَنَّ ما يَصْنَعُ، فجعل ظَهْرَه مما يَلِيَ القِبْلةَ، ووَجْهَه مما يَلِيَ وَجْهَ رسول الله ﷺ ، وبَكَى غيرَ مُتَبَاكٍ، فقام مَقامَ رَجُلٍ فَقيه.
ومن كلام ابن المبارك: إذا غلَبتْ مَحاسِنُ الرجلِ لم نَذكُرِ المساوِي، وإذا غلَبتِ المساوِي على المحاسِن لم نَذْكُرِ المحاسِنَ.
وكان يقول: عِتْقُ الجارية الحسناء مَضْيَعَةٌ.
وسُئِلَ عن العُجْبِ ما هو؟ فقال: أن تَرَى عندك شيئًا ليس عندَ غيرِك.
وسُئِلَ عن الكِبْر، فقال: أن تَزْدَرِيَ الناسَ.
стр. 3657
وسُئِلَ عن التَّواضُعِ، فقال: التَّكَبُّر على الأغنياء. فأخذ هذا المعنى شاعرٌ، فنظَمه، وقال:
لم ألْقَ مُسْتَغْنِيًا إلا تحرَّك لي … عندَ اللِّقاء له الكِبْرُ الذي فيه
ولا حَلالي من الدنيا ولَذَّتِها … إلا مقابلَتِي للتِّيه بالتِّيهِ
وقال أحمدُ بنُ عبد الله بن يونس: سمعتُ ابنَ المبارك قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: مَنْ زعَم أنَّ هذا مخلوقٌ فقد كفَر بالله العظيم.
وكان وفاةُ ابنِ المبارك - كما قالَه الذّهَبِيّ - بِـ "هِيتَ"، في رمضان، سنة إحدَى وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى.
ومَحاسِنُ ابن المبارك ومَناقِبُه وفضائلُه لا تدخُل تحتَ الحَصْر، وفيما ذكَرناه منها مَقْنَعٌ، ونحن نسألُ الله تعالى، ونتوسَّلُ إليه بنبيِّه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وبأبيه إبراهيم الخليل ﵊، وأولاده السّادة الأكْرمين، وجميع الأنبياء والمرسلين، وبعيد الله بن المبارك، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أن يتوفَّانا على الإسلام، وأن يُدْخِلَنا في شفاعةِ سيِّد الأنام، وأن لا يُعسِّر علينا مُرادا، وأن لا يَرُدَّ بخَيْبَة الحِرْمان لنا مُرْتادا، إنَّه جَواد كريم، رءوف رحيم، لا يُخَيِّبُ مَن سأله، ولا يَرُدُّ مَنْ قصدَه، آمين.
* * *
стр. 3658
باب من اسمه عبد الله بن محمد
٢٥٣٢ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن غَنَائم بن المهندس، صلاح الدين *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكَره ابنُ حَجَرَ، في "الدُّرَر" فقال: وُلِد سنة إحدى وتسعين وستمائة.
وسمع من أحمد بن عبد المنعم، ومحمد بن مروان، وأبي نصر بن الشِّيرازِيّ، وأحْضر على عمر القَوّاس "مُعْجم ابن جُمَيْع". وأجاز له التَّقِيُّ الواسِطِيُّ، وجماعة. ونزل "حلَب"، وحدَّث بالكثير، وتفرَّد.
قال: وسمع منه شيخُنا الحافظ أبو الفضل.
وقال ابنُ رافع في "مُعْجَمِه": خرَّج له والدُه "أربعين حديثًا" من عَوالِيه، كتب بخطِّه بعضَ الطباق، واشْتغَل، ونزل بالمدارس، وحجَّ مِرارا على قدمَيه من "مصر" و"دمشق".
وقال: وأخْبَرَنِي أنَّه حفِظ "المختار"، وعَرضَه على القاضي الحَرِيرِيّ، سنة عشر، وحفظ قطعةً من"الهداية"، وكتب بخطِّه كثيرًا بالأجْرَةِ ولنفسه، وجَمع "تاريخا كبيرا لفُقَهاء الحنفية"، وتَعِبَ عليه، فإنَّه طالع عليه كتبا كثيرة ببلادِه،
стр. 3659
وقدِم "القاهرة" سنة إحدى وثلاثين، وسمِع قليلا، ومات في حادي عشر المحرَّم، سنة تسع وستين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٣٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد، الشيخ الإمام، الفقيه الفاضلُ، المحدِّث، شَرف الدين الوَانِي، أبو محمد *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو حَفيدُ الشيخ بُرْهان الدين المؤذِّنِ.
ذكَره في "الدُّرر"، وقال: أُحْضِرَ على أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم، وعيسى المطْعِم، ويحيى بن سعد، والقاسم ابن عَساكر، وسمع عليهما، وعلى زينب بنت شُكْر، وطلَب بنفسه، وأكْثَر، وكان فصيحَ القراءة، سَرِيعَها، حادَّ الذِّهْن، عمل "أربعين بُلْدانِيَّة"، ومات سنة [تسع وأربعين] (١) وسبعمائة.
وذكره الصَّفَدِيُّ في "أعيان العَصْر"، وقال في حقِّه: كان قارئا مُطيقا، فصيحَ اللفظ، مِنْطِيقا، حادَّ الذِّهن، سريعَ الإدْراك، بديع الاشتراك، لو عاش لكان عجبا، وأبقَى في الغابرين نَبا، ولكنَّه مات غِبْطَة، وأضاع الموتُ حَقَّه،
стр. 3660
وتَحَصُّلَه وضَبْطَه، وتُوُفِّيَ، رحمه الله تعالى في أواخر جُمادَى الأولى سنة عشمر وسبعمائة.
وكان قد قرأ على شيخنا الذهبي وغيرهِ، كان فيه وَرَعٌ، وعمِل "أربعين بلديَّة"، وغير ذلك. انتهى.
وبين تاريخَي وفاتِه لابن حَجَر وللصفَدِيّ تَفاوُتُ تسعٍ وثلاثين سنة.
والأول هو الصحيح، كما ذكره الذهبيُّ (١)، وغيرُه.
* * *
٢٥٣٤ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن داود، الجَمَال، أبو محمد، ويُعْرَفُ كأبيه بابن الرّومِيِّ *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ولد قُبَيْلَ التسعين وسبعمائة بـ "القاهرة"، ونشأ بها، فحفظ القرآن الكريم وكُتُبًا، واشْتغَل بالفقه والعربية والفرائض وغيرِها على أفاضِلِ زمنِه، ودرَّس وأفاد، وناب في القضاء، وحدَّث بـ "أخَرَة"، وسمع منه الفُضلاءُ.
وكان من أعيان السَّعادة الحنفية، ومن المتقدمين في النِّيابة.
ومات رحمه الله تعالى في سنة إحدى وستين وثمانمائة (٢).
* * *
стр. 3661
٢٥٣٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن أحمد *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو جدُّ أحمد بن محمد بن عبد الله، الإمام المذكور في حرف الألف (١). ويأتي ابنُه محمد، كذا قالَه في "الجواهر"، من غير زيادة.
* * *
٢٥٣٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن أحمد الفارِسِيّ، أبو بكر، القاضي، الكامل فاضل، ثقَةٌ * *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: كذا قالَه في "الجواهر" أيضًا، من غير زيادة.
وذكَره الثّعالِبِيّ في "يتيمة الدَّهر"، فقال: القاضي أبو بكر عبد الله بن محمد البُسْتِيّ، آدَبُ قُضاة "نَيْسابورَ" وأشْعَرُهم، ولما تقلَّد قضاءَها في أيام
стр. 3662
شَبِيَتِه مُضافا إلى ما كان يَليه من قضاء كُورةِ "نَسَا" لُقِّبَ بالكامل، وله شعرٌ حَسَن كثير، كتب لي بخطِّه صَدْرًا منه، وأنْشدنِي بعضَه، فمن ذلك (١):
أنظُرْ إلى النَّفْسِ وهْيَ واقِفةٌ … نُصْبَ عُيونِ الوُشاة والحَرَسِ
يَخْفَى على النّاظرين مَوْقِفُها … كأنَّها نفْسٌ آخِرِ النَّفَسِ
وله أيضًا (١):
قُل للذي حبَس الفُؤادَ بصَدِّه … فودَدْتُ أنِّي عند ذاك فُؤادِي
مُسْتَرْخِص المبتاعِ لا يُغْلِي به … ولذاك ما أرْخَصْتُ بَيْعَ وِدادِي
وله أيضًا (٢):
حَبانِي بوَرْدٍ جامعٍ بين وَصْفِه … ووَصْفِيَ لما زُرْتُهم وجَفَوْنِي
على جانبٍ منه تورد خده … وفي جانبٍ منه تَلَوُّنُ لَوْنِي
وله في البَهارِ (٢):
حَكانِي بَهارُ الرَّوْضِ حتَى ألِفْتُه … وكلُّ مَشوقٍ للْبَهار مُصاحِبُ
وقلتُ له ما بالُ لوْنِك شاحِبا … فقال لأنِيّ حين أقْلَبُ راهِبُ
وله أيضًا (٢):
يا مَن قَنَعْتُ بحُسْنِ رَأ … ي منه لو أعْطِيتُ رأيَهْ
إن قمتُ في أمْرِي برَأ … يٍ صادقٍ أُعْطِيتَ رايَهْ
وله أيضًا (ضض ٢):
مُسْتَبِدُّ برايِهِ … عازِبُ الرّأي مُعْجَبُ
وتمادِيَه بعدَما … عرَف الغَيَّ أعْجَبُ
وله أيضًا (٢):
يُعْجِبُنِي من كلُ شِعْرٍ جَزْلِ … جَيِّدُ جَدٍّ ورَكِيكُ هَزْلِ
* * *
стр. 3663
٢٥٣٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن بُدَيْل، أبو بكر، المعروف بالأشْقَر البُدَيْلِيّ، الفقيه الفاضل *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قال السَّمعانِيّ: شيخُ الحنفية بـ "بُخارَى"، كثيرُ الحديث.
تُوُفِّيَ سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
وسمع من الإمام أحمد بن مَنْدَه.
وذكره الحكمُ في "تاريخ نَيْسابور"، وقال: شيخُ أصحاب أبي حنيفة في عصرِه بـ "بُخارَى"، وأكثرُهم تَعَصُّبا في المذهب. وكان كثيرَ الحديث، صحيحَ السماع، ورَد "نَيْسابور" رسولا من الأمير ابن قَراتَكين، في سنة أربعين وثلاثمائة، وكان إذ ذاك أبو أحمد المَرْوَزِيّ الحنفيّ عَلَى قضاء "نَيْسابور"، فأنزلَه في دارِه.
* * *
٢٥٣٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن جعفر بن هارون، أبو العبّاس ابن المعْتَزِّ بن المتوكّل بن الرَّشيد
стр. 3664
ابن المهْدِيّ بن المنصور *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو صاحب الشعر البديع، التشبيه الرفيع.
قال الزَّرْكَشِيّ: أخذ الأدبَ والعربية عن المبرِّد وثَعْلَب، وعن مُؤدِّبه أحمد بن سعيد الدِّمَشْقِيّ.
موْلِدُه في شعبان، سنة تسع وأربعين.
وقيل: في ربيع الآخر، سنة ستّ وتسعين ومائتين، وكان حنفيّ المذهب، لقَوْلِه من أبيات (١):
فهاتِ عُقارا في قميصِ زُجاجة … كياقوتة في دُرَّةٍ تتوقَّدُ (٢)
وَقَتْنِيَ من نارِ الجحيم بنَفْسِها … وذلك من إحْسانِها ليس يُجْحَدُ
стр. 3665
قلتُ: هذا الذي اسْتدلَّ به الزَّرْكَشِيُّ على أنَّه كان حنفيّ المذهب، يُعارِضه احْتمالُ كونِه قال ذلك على عادة الشعراء في التَّلَعُّبِ بالكلام، وإظهار الاقتدارِ في أشْعارِهم على الأبيات، بالمعانِي البديعة، والصنائع الحسنة، سواءٌ كانوا يعْتقِدون ما قالوه، ويعملون به، أم لا، وهو الغالب عليهم، والظاهر من أقوالهم وأفعالهم، ولكنْ يُؤيِّدُ كونَه من الحنفية، أنّ غالبَ الخلفاء العبّاسية المتقدِّمين كانوا يعتقدون مذهبَ الإمام الأعظم، ويأخذون بأكثر أقْواله، وكان أكثرُ قُضاتِهم من العُلماء الحنفية، ولما احْتمل واحتمل، وكان ابنُ المعْتَزّ من مَحاسِن الزمان، وأدباء الأوان، وممَّن انتهتْ إليه صناعةُ الشِّعر، أحْبَبْنا أن نأخذُ في ذلك بالأحْوَط، ونُجَمِّلَ كتابنا هذا بمَحاسنِه، التي حقُّها أن تُكْتَبَ بسواد الأبصار على بَياض الخدود، فنقولُ وبالله المستعان، وعليه التُّكْلانْ.
قال السَّيد عبد الرحيم العَبّاسِيّ: هو أوَّلُ مَن صنَّف في صَنْعة الشِّعر، وصنَع "كتاب البديع"، وهو أشْعر بني هاشم على الإطلاق، وأشْعرُ الناس في الأوصاف والتَّشْبيهات، وكان يقول: إذا قلتُ: "كأنَّ: ولم آتِ بعدَها بالتَّشْبيه، ففضَّ الله فايَ،
حدَّث جعفر بن قُدامة، قال (١): كنتُ عندَ ابن المعْتَزِّ يومًا، وعنده شِرَّةُ (٢)، يعني اسمَ مَحْبوبته، وكان يُحِبُّها يَهِيمُ بها، فخرجت علينا من صَدْر البستان في زمن الربيع، وعليها غُلالةٌ مُعَصْفرةٌ، وفي يدها جنابي من باكورةِ باقِلا، والجُنابَى: لعْبة للصِّبيان، فقالتْ له: يا سيِّدِي، تَلْعَبُ معي جُنابَى. فالْتفَتَ إلينا، وقال على بَدِيهته، غيرَ مُتوقِّفٍ ولا مُفَكِّر (٣):
فَدَيْتُ مَن يتمَشَّى في مُعَصْفَرةٍ … عَشِيَّةً فسقانِي ثم حَيّانِي
стр. 3666
وقال تلعبُ جُنابَى فقلتُ له … مَن جَدَّ بالوَصْلِ لم يلعبْ بهِجْرانِ (١)
وأمر، فغُنِّيَ فيه.
وحدَّث جعفر أيضًا، قال (٢): كان لعبد الله بن المعْتَزِّ غلامٌ يُحِبُّه، وكان يُغَنِّي غناءً صالحا، وكان يُدْعَى بنَشْوان، فجُدِّرَ، وجَزِع عبد الله لذلك جزَعا شديدا، ثم عُوفِيَ، ولم يُؤَثِّرِ الجُدَرِيُّ في وجهه أثَرا قبيحا، فدخلتُ عليه ذات يومٍ، فقال: يا أبا القاسم قد عُوفِيَ فلانُ بعدَك، وخرج أحسن مما كان، وقلتُ فيه بَيْتين. وغَنَّتْ هَزَارُ (٣) فيهما رَمَلا ظريفا، فاسمَعْهما إنْشادا إلى أن تسمعَهما غناء. فقلتُ: يتفضَّلُ الأمير، أيَّدَه الله بإنشادِي إيّاهما. فأنشدنِي:
بي قمرٌ جدر لما اسْتَوَى … فَزَادَه حُسْنا وزالتْ هُمُومْ
أظُنُّه غَنَّى لشمسِ الضُّحى … فَنَقَّطَتْه طَرَبا بالنجومْ
فقلتُ: أحْسَنْتَ والله أيّها الأمير. فقال: لو سمعتَه من. زِرْياب كنتَ أشدَّ اسْتِحْسانا له. وخرجت هَزَارُ، فغَنَّتْه لنا في طريقه الرَّملِ غناءً شَرِبنا عليه عامَّة يومنا.
قال (٤): وغضِبَ هذا الغُلام عليه، فجَهِد أن يَترَضّاه، فلم يكن له فيه حِيلَةٌ، ودخلتُ إليه، فأنْشدَنِي:
بأبي أنتَ قديما قد تما … دَيْتَ في الهَجْرِ والغَضَبْ
واصْطِبارِي على صُدُو … دِك يومًا من العَجَبْ
ليس لي إن فَقَدْتُ وجْـ … ـهك في العَيْشِ من أرَبْ
رحمَ الله مَن أعا … ن على الصُّلْح واحْتَسَبْ
стр. 3667
قال: فمضَيْتُ إلى الغُلام، ولم أزَلْ أدارِيه، وأرفُقُ به، حتَى تَرْضَّيْتُه له، وجِئتُه به، فمرَّ لنا يومئذ أطْيب يومٍ وأحْسَنَه، وغَنَّتْنا هزارُ في هذا الشِّعر رَمَلا عجيبا.
وحدَّث عبد الله (١) بن موسى الكاتب، قال: دخلتُ على عبد الله بن المعْتَزِّ، وفي داره طبقاتٌ من الصُّناع، وهو يبْنِيها ويُبَيِّضُها، فقلتُ له: ما هذه الغَرامةُ الجادَّة؟ فقال: ذلك السَّيْلُ الذي جاء من ليالٍ، أحْدَث في داري ما أحْوَجَ إلى هذه الغَرامة الجادّة والكُلْفة، فقلتُ (٢):
ألا مَن لِنَفسٍ وأحْزانِها … ودارٍ تَداعَى بحِيطانِها (٣)
أظلُّ نَهارِيَ في شَمْسِها … شَقِيَّا مُعَنَّى ببُنيانِها (٤)
أُسَوِّدُ وَجْهِي بَتْبيِيضِها … وأهْدِمُ كيسي بعُمْرانها (٥)
ومن هنا أخذ الجَزَّارُ قولَه (٦):
أُكَلِّفُ نفسي كلَّ يومٍ وليلةٍ … هُمومًا على مَنْ لا أفوزُ بخَيْرِه
كما سَوَّد القصَّارُ في الشمس وَجْهَه … ليَجْهَدَ في تَبْييض أثْوابِ غيرِه
وحدَّث جعفر بن قُدامة، قال (٦): كُنّا عندَ عبد الله بن المعتزِّ، ومعنا النَّمَرِيُّ، وحضَرتِ الصلاةُ، فقام النَّمَرِيُّ فصلَّى صلاةً خفيفةً جدًّا، ثم دعا
стр. 3668
بعدَ انْقِضاء صَلَواتِه، وسجد سجدةً طويلةً جدًّا، حتى استَثْقَلَه جميعُ مَن حضر بسبِبها، وعبدُ الله ينظر مُتَعجِّبًا، ثم قال (١):
صلاتُك بين الملا نَقْرةٌ … كما اخْتلَس الجَرْعَة الوَالِغُ (٢)
وتسجدُ من بعدِها سجدةً … كما خُتِمَ المزْوَدُ الفارِغُ
قال (٣): وكنّا عند ابن المعْتَزِّ يومًا، ومعنا النَّمَرِيّ، وعنده جاريةٌ لبعض بناتِ المعْتَزِّ تُغَنِّيه، وكانت مُحْسِنةً، إلا أنَّها، كانت في نهاية القُبْح، فجعل عبد الله يُجَمِّشُها (٤)، ويتعاشَق، فلمَّا قامتْ، قال له النَّمَرِيُّ: أيها الأمير، سألتُك بالله، أتَعْشَقُ هذه التي قَطُّ ما رأيتُ أقْبَحَ منها؟ فقال وهو يضحك (٥):
قلبِي وَثَّابٌ إلى ذا وذا … ليس يَرَى شيئا فيأباهُ (٦)
يَهيمُ بالحُسْن كما ينْبَغِي … ويَرْحَمُ القُبْحَ فيَهْواهُ
قال (٧): وكنتُ أشربُ (٨) مع عبد الله بن المعْتَزِّ، في يومٍ من أيام الربيع بالعبَّاسيَّة والدنيا كالجنَّة المزَخْرَفة، فقال عبد الله:
حَبَّذا آذارُ شهرا … فيه للنَّوْرِ انْتِشارُ
ينْقُصُ الليلُ إذا حَلَّ … ويَمْتَدُّ النهارُ
وعلى الأرضِ اصْفِرارُ … واخْضِرارُ واحْمِرارُ
стр. 3669
فكأنَّ الرَّوْضَ وَشْيٌ … بالَغَتْ فيه التِّجارُ
نَقْشُه آسٌ ونَسْرِيـ … ـنٌ ووَرْدٌ وبَهَارٌ
وكتب مَرَّةً إلى بعضِ أصدقائه (١)، وقد كان زارَه مرَّةً ولم يعُدْ بعد تأخُّرِ زائد:
قد جِئْتَنا مَرَّةً ولم تكَدْ … ولم تَزُرْ بعدَها ولم تَعُدِ
لستَ تُرَى واجدا بنا عِوضا … فأطْلُبُ وجرِّبْ واسْتَقْصِ واجْتَهِدِ
ناوَلَنِي حبْلَ وَصْلِه بيدِ … وهَجْرُهُ جاذِبٌ له بيَدِ
فلم يكُن بين ذا وذا أمَدٌ … إلا كما بين ليلةٍ وغدِ
ومن شعره أيضًا (٢):
وإنِّي لمعْذورٌ على طُول حُبِّها … لأنَّ لها وجها يدُلُّ على عُذْرِي
إذا ما بَدَتْ والبدرُ ليلةَ تِمِّه … رأيت لها فضلا مُبينا على البدر
وتَهتَزُّ مِن تحت الثِّياب كأنَّها … قضِيبٌ من الرَّيْحانِ في الوَرَقِ الخُضْرِ
أبَى الله إلا أن أموتَ صبَابةً … بساحرةِ العَيْنَيْنِ طَيِّبةِ النَّشْرِ
ومنه أيضًا (٢):
مَن لي بقلبٍ صِيغَ من صخرةٍ … في جسدٍ من لؤْلُؤٍ رَطْبِ
جَرَحْتُ خَدَّيه بلَحْظِي فما … بَرِحْتُ حتى اقْتَصَّ من قلبِي
ومنه، ويُعْزَى لغيره (٣):
تفقَّدْ مَساقِطَ لَحْظ المريب … فإن العيونَ وُجوهُ القلوبِ
وطالِعْ بَوادِرُه بالكلام … فإنَّك تَجْنِي ثمارَ الغُيوبِ
ومنه أيضًا (٣):
стр. 3670
سابِقْ إلى مالِكَ وُرَّاثَهْ … ما المرءُ في الدنيا بلَبَّاثِ
كم صامتٍ ثُخْنَقُ أكْياسُه … قد صاح في مِيزان مِيراثِ (١)
ومنه أيضًا (٢):
يا طارقي في الدُّجَى والليلُ مُنْبَسِطٌ على البلاد بَهيمٌ ثابتُ الدُعُمِ
طَرَقْتَ بابَ غِنًى طابتْ مَوارِدُه … ونائلٍ كانْهمالِ العارض السَّجِمِ
حُكْمُ الضُّيوفِ بهذا الرَّبْعِ أنْفَذُ من … حُكْمِ الخَلائفِ آبائي على الأمَمِ
فكلُّ ما فيه مَبْذولٌ لطارقِه … ولا ذِمامَ به إلا على الحُرُمِ
ومنه أيضًا (٣):
قد انْقَضَتْ دولةُ الصِّيام وقد … بشَّر سُقْمُ الهلالِ بالعِيدِ
يتْلو الثُّرَيَّا كفاغِرٍ شَرِهٍ … يَفْتَحُ فاهُ لأكْلِ عُنْقودِ
ومنه أيضًا، يصف رَوْضةً (٤):
تُضاحِكُ الشمسُ أنْوارَ الرِّياض بها … كأنَّما نُثِرَتْ فيها الدَّنانيرُ
وتأخذُ الرِّيحُ من أرْجائِها عَبَقا … كأنَّ تُرْبَتَها مِسْكٌ وكافورُ (٥)
ومنه أيضًا (٦):
أطال الدَّهْرُ في بغداد هَمِّي … وقد يشْقَى المسافِرُ أو يَفوز
ظلَلْتُ بها على كُرْهِي مُقيما … كعِنِّين تُعانِقُه عَجوزُ (٧)
стр. 3671
ومنه أيضًا (١):
يا ربِّ إنْ لم يكُنْ في وَصْلِه طَمَعٌ .. وليس لي فَرَجٌ من طُولِ جَفْوَتِه (٢)
فابْرِي السِّقامَ الذي في غَنْجِ مُقْلَتِه … واسْتُرْ مَلاحَة خَدَّيْهِ بلِحْيَتِه (٣)
ومنه أيضًا (٤):
يا رُبَّ ليلٍ سَحَرٌ كلُّه … مُفْتَضِحُ البدرِ عليلُ النَّسيمْ
لم أعْرفِ الإصباحَ في ضوْئِه … لما بدا إلا بسُكْرِ النَّديمْ
ومنه في القلم (٥):
قلمٌ ما أراهُ أو فَلَكٌ يَجْـ … ـري بما شاء قاسمٌ ويَسِيرُ (٦)
راكعٌ ساجدٌ يقَبِّلُ قِرْطا … سا كما قَبَّلَ البِساطَ شَكورُ (٧)
ومنه قولُ ابن طَبَاطَبا (٨):
قلمٌ يدورُ بكَفِّه فكأنَّه … فَلَكُ يَدورُ بنَحْسِه وسُعُودِه
وقوله فيه أيضًا (٨):
أقْسمْتُ بالقلم الحُسام فلم يزَلْ … يَرْدَى به حَيٌّ ويَنْتاشُ الرَّدِي
وإذا رَضِيتَ فريقُه أرْيٌ وإنْ … أضْمَرْتَ سُخْطًا مَجَّ سَمَّ الأسْوَدِ (٩)
وكأنَّه فَلَكٌ بكَفِّكَ دائرٌ … يُجْرِي النُّجومُ بأنْحُسٍ وبأَسْعُدِ
стр. 3672
وما أحْسَنَ قولَ الآخرِ فيه (١):
قلَمٌ يفُلُّ الجيشَ وهو عَرَمْرَمٌ … والبِيضُ ما سُلَّتْ من الأغمادِ
وهَبَتْ له الآجامُ حين نَشا بها … كرمَ السُّيولِ وصَوْلَةَ الآسادِ
وقول التِّهامِيّ (٢):
تجلم يُقَلِّمُ ظُفْرَ كلَّ مُلِمَّةٍ … ويكُفُّ كَفَّ حوادِثِ الأيامِ
وقول أبي سعيد بن بوقةَ (٣):
قلم يَمُجُّ على العِداة سِمَامَهُ … لكنَّه للمُرْتجين سَماءُ
كم قد أسَلْتَ به لعبدِك رِيقَةً … سَوْداءَ فيها نِعْمةٌ بيضاءُ
ولابن المعْتزِّ، رحمه الله تعالى، تَصانِيفُ كثيرةٌ، منها: كتاب "الزَّهْر والرياض"، وكتاب "البديع"، وكتاب "مكاتبات الإخوان بالشعر"، وكتاب "الملوك"، وكتاب "الجوارح والصيد"، و"كتاب السَّرِقات"، و"كتاب أشْعار الملوك"، و"كتاب الآداب"، و"كتاب حَلْي الأخبار"، و"كتاب طبقات الشعراء"، وكتاب "الجامع في الغناء".
وله أرْجُوزَةٌ في ذَمِّ الصَّبوح، وقفتُ عليها، في "تاريخ الصَّفَدِيِّ"، وما منَعَنِي من إيرادِها هنا بتمامها وكمالها إلا لسقَم النُّسخة، كثرة تصْحِيفها، ولكن لا بأسَ بإيراد شيء منها، مما أمْكَنَ اسْتِخْراجُه.
قال رحمه الله تعالى (٤):
لي صاحبٌ قد لامَنِي وزادا … في تَرْكِيَ الصَّبوحَ ثم عادا (٥)
стр. 3673
قال ألا تَشْرَبُ بالنهارِ … وفي ضِياءِ الفجر والأسْحارِ (١)
والنَّجْمُ في حَوْض الغُروب واردُ … والفجرُ في إثْر الظلام طارِدُ
ونفَض الليلُ على الرَّوضِ النَّدَى … وحرَّكَتْ أغْصانُه ريحَ الصَّبا
وقد بدَتْ فوق الهلال كُرْبتُه … كهامةِ الأسود شابتْ لِحْيتُه (٢)
منها أيضًا:
أما تَرَى البُسْتان كيف نَوَّرَا … ونَشر المنْثورَ بُرْدا أصْفَرَا (٣)
وضحِك الوردُ إلى الشَّقائقِ … واعْتنَق القَطْرَ اعْتناقَ الوامِق
وياسَمِينًا في ذُرَى الأغصان … مُنَظَّما كقِطَع العِقْيانِ (٤)
والسَّرْوُ مثلُ قُضُبِ الزَّبَرْجدِ … قد اسْتَمَدَّ الماءَ مِن تُرْبٍ نَدِي (٥)
وجُلَّنارَ كاحْمِرارِ الخَدِّ … أو مِثْلِ أعْرافِ دُيوكِ الهِنْدِ (٦)
والأقْحوانُ كالثّنايا الغُرِّ … قد صُقِلَتْ أنْوارُه بالقَطْرِ (٧)
وأكثرَ الفُضولَ والأوصَافا … فقلتُ قد جَنَيْتَ لي الخِلافا (٨)
فاسمَعَ فإنِّي للصَّبوحِ عائبُ … عندِيَ مِن أخْباره عجائبُ
إذا أرَدت الشُّرْبَ عند الفجر … والنَّجْمُ في لُجَّة ليلٍ يَسْرِي
وكان بَرْدٌ فالنَّديمُ يَرْتَعِدْ … وريقُه على الثّنايا قد جَمَدْ (٩)
стр. 3674
وللغُلام ضَجْرةٌ وهَمْهَمَهْ … وشَتْمَةٌ في صدْرِه مُجَمْجَمَهْ
يَمْشي بلا رِجْلٍ من النُّعاس … ويَدْفَقُ الكاسَ على الجُلّاسِ
ويَلْعَنُ المولَى إذا دعاهُ … ووَجْهُه إن جاء في قَفاهُ
وإن أحسنَ من نَديمٍ صَوْتا … قال مُجيبا طَعْنةً وموتا
فإن طَرَدْتَ البَرْدَ بالسُّتورِ … وجِئْتَ بالكانونِ والسّمُّورِ (١)
فأيُّ فضلٍ للصَّبوحِ يُعْرَفُ … على الغبوقِ والظَّلامُ مُسْدِفُ
ولو دَسَسْتَ الماء مَحْمُوما لما … نَجَا من القَرِّ إذا ما صَمَّما (٢)
يُحِسُّ مِن رَوائِح الشَّمائل … صَرْصَرَةٌ تَرْسُبُ في المفاصلِ (٣)
حتى إذا ما ارْتفعَتِ شمس الضُّحَى … قيلَ فلانٌ وفلان قد أتَى (٤)
ورُبَّما كان ثَقِيلا مُحْتَشَمْ … فطوَّل الكلامَ حِينًا وجَثَمْ (٥)
ورُفِع الرَّيْحانُ والنَّبيذُ … وزال عنه عَيْشُه اللّذيذُ (٦)
وفي هذا القدر كفايةٌ من هذه الأرْجَوزة، وقد عارضها الشريف أبو الحسن علي بن الحسين ابن حَيْدَرة العَقِيلِيّ (٧)، وعكَس مَقْصودَه فيها، ومدَح الصَّبوحَ، ولكن قال الصَّفَدِيّ: إنّ هذه دُرَّةٌ يَتِيمةٌ، وتلك مَرْجانةٌ.
стр. 3675
ومن شِعره الذي أوْرَده له الصَّفَدِيُّ في "تاريخه" قوله:
فطافَتْ بأقْداحِ المدامَةِ بيننا … بناتُ نَصارَى قد تَزَيَّنَّ بالخَفَرْ
وتحت زَنانيرَ شَدَدْنَ عُقودَها … زنانيرُ أعْكانٍ مَعاقِدُها السُّرَرْ.
ونقل التِّهامِيُّ هذا المعنى، فقال (١):
وغادَرَتْ في العِدى طَعْنا يَحُفُّ به … ضَرْبٌ كما حَفَّتِ الأعْكانُ بالسُّرَرِ
ومنه أيضًا:
كأنَّما أقْداحُنا فِضَّةٌ … قد بُطِّنَتْ بالذهب الأحمرِ
ومنه في مَدْحِ بعض الوزراء (٢):
عَليمٌ بأعْقابِ الأمور كأنَّه … لِمُخْتَلَساتٍ الظَّنِّ يسْمَع أو يَرَى (٣)
إذا أخَذَ القِرْطاسَ خِلْتَ يَمِينَهْ … تُفَتِّحُ أنْوارًا وتَنْظِمُ جَوْهَرَا (٤)
وقال من أبياتٍ (٥):
ثِقْ بالوفاء فإنِّي لا تُغَيِّرُني … طُولُ الإقامة في دارٍ ولا الظَّعَنُ
ولا الخيانَةُ من شانِي ولا خُلُقِي … وليس عندِي لها عَيْنٌ ولا أُذُنُ
ومن خَمْرِيّاتِه، التي هي أرَقُّ من الصَّبا، ألْطَفُ من الصَّهبا، قولُه (٦):
سقَى الجزيرةَ ذاتَ الظِّلِّ والشجر … ودَيْرَ عَبْدونَ هَطَّالٌ من المطرِ (٧)
стр. 3676
فطالما نَبَّهَتْنِي للصَّبوحِ بها … في غُرَّة الفجرِ والعصفورُ لم يطِرِ
أصْواتُ رُهْبانِ دَيْرٍ في صلاتهِم … سودِ المدارعِ نَعّارين في السَّحِرِ
مُزَنَّرين على الأوْساطِ قد جعَلوا … فوق الرُّؤوس أكاليلا من الشَّعَرِ
كم فيهمُ مِن مَليحِ الوَجْه مُكْتَحِلٍ … بالسِّحْرِ يكْسِرُ جَفْنَيه على حَوَرِ (١)
لاحَظْتُه بالهوى حتى اسْتقادَ له … طَوْعا وأسْلَفَنِي الميْعادَ بالنظَرِ
وجاءَنِي في قميص الليل مُسْتَتِرا … يسْتَعْجِلُ الخَطْوَ من خوفٍ ومن حَذَر
ولاح ضَوءُ هلالٍ كاد يفْضَحُه … مثلُ القُلامِة قَد قُصَّتْ من الطُّفُرِ (٢)
فقُمْتُ أفْرِشُ خَدِّي في الطريق له … ذُلًّا وأسْحَبُ أكْمامِي على الأثَر
وكان ما كان مما لستُ أذكْرهُ … فظُنَّ شَرًّا ولا تسأَلْ عن الخَبَر (٣)
وقال أيضًا (٤):
ألا مَن لقلبٍ في الهوى غيرِ مُنْتَهٍ … وفي الغَيِّ مِطْواعٍ وفي الرُّشْدِ مُكْرَهِ
أُشاوِرُه في تَوْبةٍ فيقولُ لا … فإن قلتُ تأتِي فِتْنَةً قال أين هِي (٥)
فيا ساقِيَيَّ اليومَ عُودا كأمْسِنا … بإبْريق راحٍ في الكُئوسِ مُقَهْقِهِ
أُوَرِّثُ نفسي مالَها قبلَ وارِثِي … أُنْفقُه فيما تُحِبُّ وتَشْتَهِي
وقال أيضًا (٦):
قد حَثَّنِي بالكاس أوَّلَ فَجْرِه … ساقٍ علامةُ دِينِه في خَصْرِه
стр. 3677
فكأنَّ حُمْرةَ لَوْنِها مِن خَدِّه … وكأنَّ طِيبَ رِياحِها مِن نَشْرِه (١)
حتى إذا صَبَّ المزاجَ تبسَّمتْ … عن ثَغْرِها فحسِبْتَه عن ثَغْرِه (٢)
ما زال ينجز لي مواعد عينه … فمه وأحسب ريقه من خمره (٣)
يا ليلةً شغَل الرّقادُ غَيورَها … عن عاشقٍ في الحُبِّ هاتِكِ سِتْرِه (٤)
إن لم تَعودِي للمُتَيَّمِ مَرَّةً … أخْرَى فإنّكِ غَلْطةٌ من دَهرِه
وقال أيضًا (٥):
خَلِّ الزّمانَ إذا تقاعَسَ أو جَمَحْ … واشْكُ الهُمومَ إلى المدامَة والقَدَحْ
واحْفَظْ فُؤادَك إن شَرِبْتَ ثلاثةً … واحْذَرْ عليه أن يطيرَ من الفَرَحْ
هذا دواء للهمومِ مُجَرَّبٌ … فاقْبَلْ نصيحةَ صاحبٍ لك قد نَصَحْ
ودَعِ الزمانَ فكم رَفيقٍ حازمٍ … قد رام إصْلاحَ الزمانِ فما صَلَحْ
وقال أيضًا (٦):
شَرِبْنا بالصَّغيرِ وبالكبير … ولم نَحْفَلْ بأحْداثِ الدُّهورِ
فقد ركَضتْ بنا خيلُ الملاهِي … وقد طِرْنا بأجْنِحَةِ السرورِ
وقال أيضًا (٧):
قد مضى آب صاغِرًا لَعْنة اللـ … ـه عليهِ ولَعْنَةُ اللاعِنِينا
وأتانا أيْلولُ وهو يُنادِي … الصَّبوحَ الصَّبوحَ يا غافِلِينا
стр. 3678
ومن غَزَلِيَّاتِه (١):
قد صادَ قلبي قمرُ … يسْحَرُ منه النَّظَرُ
وقد فُتِنْتُ بعدَكمُ … وضاع ذاك الحَذَرُ
بوَجْنةٍ كأنما … يقْدَحُ فيها الشَّرَرُ (٢)
وشاربٍ قد هَمَّ أو … نَمَّ عليه الشَّعَرُ
ضَعِيفةٌ أجْفانُه … والقلبُ منه حَجَرُ
كأنما ألحاظُه … مِن فِعْلِه تَعْتذِرُ
لم أرَ وَجْها مثلَ ذا … نَجا عليه بَشَرُ
وقال أيضًا:
بُليتُ بشادِنٍ كالبدرِ حُسْنا … يُعَذِّبُنِي بأنواعِ البَلاءِ
ولي عَيْنانِ دَمْعُهما غَزيرٌ … ونَوْمُهما أعَزُّ من الوَفاءِ
وقال أيضًا:
ما أوْجَع القلب وما أغْفَلَكْ … يا مالِكًا يَزْهَدُ في مَن مَلَكْ
تركْتَنِي أغرَقُ في دَمْعَتي … ظُلْما بلا جُرْمٍ فما حَلَّ لَكْ
قد كنتَ وَصَّالا لِحَبْل الهَوَى … يا ظالِمِي دهرًا فمَن بَدَّلَكْ
وقال أيضًا:
وَرْدُ الخدودِ ونَرْجسُ اللَّحَظاتِ … وتَصافُحُ الشَّفَتَينِ في الخَلَواتِ
شيءٌ أُسَرُّ به وأعْلَمُ أنَّه … وحَياةِ مَن أَهْوَى من اللَّذَّاتِ
وقال أيضًا (٣):
أشكو إلى الله هَوَى شادِنٍ … أصْبَحَ في هَجْرِيِّ مَعْذورا
إن جاء في الليل تَجَلَّى وإن … جاء صباحًا زادَه نُورَا
стр. 3679
فكيف أحْتالُ إذا زارَنِي … حتى يكونَ الأمرُ مَسْتُورَا
ومن نَثْرِه الجارِي مَجْرى الحِكَم والأمثال، قوله (١): مَن تجاوَزَ الكفافَ لم يُغْنِه الإكثار. رُبَّمَا أوْرَدَ الطمعُ ولم يُصْدِر. مَن ارْتحَل الحِرْصَ أنضاهُ الطَّلبُ. الحَظُّ يأتي مَن لا يأتِيه. أشْقَى الناسي أقْرَبُهم من السُّلطان، كما أنَّ أقْرَب الأشياء من النار أسْرعُه إلى الاحْتراق. مَن شارَك السُّلْطان في عِزِّ الدنيا، شارَكه في ذُلِّ الآخرة. يكْفِيكَ للحاسد غَمُّه بسُرورك.
ولم يزلْ، رحمه الله تعالى (٢)، في طِيْب عَيْشٍ ودَعَةٍ، وأمْنٍ من عَوادِي الزّمان، إلى أن قامت الجُنْدُ وأرْبابُ الدَّوْلة، ووثَبوا على المقْتدِرُ، وخَلَعوه، وطلبوا أن يُبايعوه بالخلافة، وألحّوا عليه في ذلك، فقال: بشَرْطِ أن لا يُقْتَلَ بسَبَبِي مسلمٌّ، فقَبِلوا ذلك منه، وبايَعوه، ولقَّبوه المرتضى بالله، وقيل: المنْصِف، وقيل: الغالب، وقيل: الرَّاضي.
وبعث إلى المقتدر يأمرُه بالتّحَوُّلِ إلى دار محمد بن طاهر، لكي ينْتقلَ هو إلى دار الخلافة، فاجاب، ولكن [ما] بَقِيَ معه غيرُ مُؤْنِس الخادم، ومُؤْنِس الخازن، وغريب [خالُه، وجماعةٌ] (٣) من الخَدَم، فباكر الحُسين بن حَمْدان دارَ الخلافة، فقاتَلَها، فاجْتمع الخدمُ، فدفعوه عنها، بعد أن حمَل ما قدَرَ عليه من المال، وسار إلى "الموْصِل"، ثم قال الذين عندَ المقْتَدِر: يا قوم، نُسَلِّمُ هذا الأمرَ، ولا نجرِّب نفوسَنا في دَفْع ما نزَل بنا! فنزلُوا في الزَّوارق، ألْبسُوا جماعةً منه السِّلاح، وقصَدوا المخَرَّمَ، وبه عبد الله بن المعْتَزّ، فلمَّا رآهم مَن حولَ أَوْقَعَ الله في قلوبهم الرُّعْبَ، فانْصَرفوا مُنْهَزِمين بلا حرب، وخَرَج ابنُ المعْتَزّ، فركب فرسا، ومعه وزيرهُ محمد بن
стр. 3680
داود، وحاجبه يُمْن، وقد شهر سيفَه، وهو يُنادِي: مَعاشِرَ العامّة، ادْعوا لخليفتكم. وأشاروا إلى الجيش ليَتْبَعوهم إلى "سامَرَّا"، ليُثْبِتوا أمرهم، فلم يتْبَعْهم أحدٌ، فنزل ابنُ المعْتَزِّ عن دابَّته، دخل دار ابن الجَصَّاص الجَوْهَريّ، واخْتَفَى الوزير ابنُ داود، والقاضي [الحسنُ بن المُثَنَّى] (١)، ونُهِبَتْ دُورُهما، ووقَع النَّهْبُ والقتلُ في "بغداد".
وقَبَض المقْتِدرُ على الأمراء والقُضاة الذين خَلَعوه، وسلَّمهم إلى مُؤنِس الخازن، فقتلهم، واسْتقام الأمرُ، فاستوْزَرَ ابنَ الفرات، ثم بعَثَ جماعةً، فكَبَسوا دار ابن الجَصَّاص، وأخذوا ابن المعْتَزِّ وابن الجَصَّاص، وحُبِسَ ابنُ المعْتَزِّ، ثم أخْرِجَ بعدُ ميِّتا، وكان أمر الله قدَرًا مَقْدورا، ولا خاذِلَ لمن نصرَه، ولا ناصِر لمن خَذَله.
وحدَّث المعافَى بن زكريا الجَرِيريّ، قال (٢): لما خُلِع المقْتدرُ، وبُويع ابنُ المعْتَزِّ دخلوا على شيخنا محمد بن جرير، فقال: ما الخبر؟ فقيل: بُويع ابنُ المعْتَزِّ. قال: فمن رُشِّح للوزارة؟ فقيل: محمد بن داود. قال فمَن ذُكر للقضاء؟ فقيل: الحسن بن المثَنَّى. فأطْرَقَ. ثم قال: هذا أمْرٌ لا يَتِمُّ. قيل: وكيف؟ قال: كلُّ واحدٍ ممَّن سمَّيْتُم متقدّم في معناه على الرُّتْبَة، والدنيا مُوَلِّيَةٌ والزمانُ مُدْبِرٌ، وما أرَى هذا إلا إلى اضْمِحْلال، وما أرَى لِمُدَّته طُولا. فكان كما قال:
ورَوى أنَّ عبد الله ابن المعُتَزِّ أنْشَدَ لنفسه، في الليلة التي قُتِلَ في صَبيحتِها (٣):
يا نفسُ صَبْرًا لعلَّ الخيرَ عُقْباكِ … خانَتْكَ من بعدِ طولِ الأمْنِ دُنْياكِ