فطالما نَبَّهَتْنِي للصَّبوحِ بها … في غُرَّة الفجرِ والعصفورُ لم يطِرِ
أصْواتُ رُهْبانِ دَيْرٍ في صلاتهِم … سودِ المدارعِ نَعّارين في السَّحِرِ
مُزَنَّرين على الأوْساطِ قد جعَلوا … فوق الرُّؤوس أكاليلا من الشَّعَرِ
كم فيهمُ مِن مَليحِ الوَجْه مُكْتَحِلٍ … بالسِّحْرِ يكْسِرُ جَفْنَيه على حَوَرِ (١)
لاحَظْتُه بالهوى حتى اسْتقادَ له … طَوْعا وأسْلَفَنِي الميْعادَ بالنظَرِ
وجاءَنِي في قميص الليل مُسْتَتِرا … يسْتَعْجِلُ الخَطْوَ من خوفٍ ومن حَذَر
ولاح ضَوءُ هلالٍ كاد يفْضَحُه … مثلُ القُلامِة قَد قُصَّتْ من الطُّفُرِ (٢)
فقُمْتُ أفْرِشُ خَدِّي في الطريق له … ذُلًّا وأسْحَبُ أكْمامِي على الأثَر
وكان ما كان مما لستُ أذكْرهُ … فظُنَّ شَرًّا ولا تسأَلْ عن الخَبَر (٣)
وقال أيضًا (٤):
ألا مَن لقلبٍ في الهوى غيرِ مُنْتَهٍ … وفي الغَيِّ مِطْواعٍ وفي الرُّشْدِ مُكْرَهِ
أُشاوِرُه في تَوْبةٍ فيقولُ لا … فإن قلتُ تأتِي فِتْنَةً قال أين هِي (٥)
فيا ساقِيَيَّ اليومَ عُودا كأمْسِنا … بإبْريق راحٍ في الكُئوسِ مُقَهْقِهِ
أُوَرِّثُ نفسي مالَها قبلَ وارِثِي … أُنْفقُه فيما تُحِبُّ وتَشْتَهِي
وقال أيضًا (٦):
قد حَثَّنِي بالكاس أوَّلَ فَجْرِه … ساقٍ علامةُ دِينِه في خَصْرِه
стр. 3677
فكأنَّ حُمْرةَ لَوْنِها مِن خَدِّه … وكأنَّ طِيبَ رِياحِها مِن نَشْرِه (١)
حتى إذا صَبَّ المزاجَ تبسَّمتْ … عن ثَغْرِها فحسِبْتَه عن ثَغْرِه (٢)
ما زال ينجز لي مواعد عينه … فمه وأحسب ريقه من خمره (٣)
يا ليلةً شغَل الرّقادُ غَيورَها … عن عاشقٍ في الحُبِّ هاتِكِ سِتْرِه (٤)
إن لم تَعودِي للمُتَيَّمِ مَرَّةً … أخْرَى فإنّكِ غَلْطةٌ من دَهرِه
وقال أيضًا (٥):
خَلِّ الزّمانَ إذا تقاعَسَ أو جَمَحْ … واشْكُ الهُمومَ إلى المدامَة والقَدَحْ
واحْفَظْ فُؤادَك إن شَرِبْتَ ثلاثةً … واحْذَرْ عليه أن يطيرَ من الفَرَحْ
هذا دواء للهمومِ مُجَرَّبٌ … فاقْبَلْ نصيحةَ صاحبٍ لك قد نَصَحْ
ودَعِ الزمانَ فكم رَفيقٍ حازمٍ … قد رام إصْلاحَ الزمانِ فما صَلَحْ
وقال أيضًا (٦):
شَرِبْنا بالصَّغيرِ وبالكبير … ولم نَحْفَلْ بأحْداثِ الدُّهورِ
فقد ركَضتْ بنا خيلُ الملاهِي … وقد طِرْنا بأجْنِحَةِ السرورِ
وقال أيضًا (٧):
قد مضى آب صاغِرًا لَعْنة اللـ … ـه عليهِ ولَعْنَةُ اللاعِنِينا
وأتانا أيْلولُ وهو يُنادِي … الصَّبوحَ الصَّبوحَ يا غافِلِينا
стр. 3678
ومن غَزَلِيَّاتِه (١):
قد صادَ قلبي قمرُ … يسْحَرُ منه النَّظَرُ
وقد فُتِنْتُ بعدَكمُ … وضاع ذاك الحَذَرُ
بوَجْنةٍ كأنما … يقْدَحُ فيها الشَّرَرُ (٢)
وشاربٍ قد هَمَّ أو … نَمَّ عليه الشَّعَرُ
ضَعِيفةٌ أجْفانُه … والقلبُ منه حَجَرُ
كأنما ألحاظُه … مِن فِعْلِه تَعْتذِرُ
لم أرَ وَجْها مثلَ ذا … نَجا عليه بَشَرُ
وقال أيضًا:
بُليتُ بشادِنٍ كالبدرِ حُسْنا … يُعَذِّبُنِي بأنواعِ البَلاءِ
ولي عَيْنانِ دَمْعُهما غَزيرٌ … ونَوْمُهما أعَزُّ من الوَفاءِ
وقال أيضًا:
ما أوْجَع القلب وما أغْفَلَكْ … يا مالِكًا يَزْهَدُ في مَن مَلَكْ
تركْتَنِي أغرَقُ في دَمْعَتي … ظُلْما بلا جُرْمٍ فما حَلَّ لَكْ
قد كنتَ وَصَّالا لِحَبْل الهَوَى … يا ظالِمِي دهرًا فمَن بَدَّلَكْ
وقال أيضًا:
وَرْدُ الخدودِ ونَرْجسُ اللَّحَظاتِ … وتَصافُحُ الشَّفَتَينِ في الخَلَواتِ
شيءٌ أُسَرُّ به وأعْلَمُ أنَّه … وحَياةِ مَن أَهْوَى من اللَّذَّاتِ
وقال أيضًا (٣):
أشكو إلى الله هَوَى شادِنٍ … أصْبَحَ في هَجْرِيِّ مَعْذورا
إن جاء في الليل تَجَلَّى وإن … جاء صباحًا زادَه نُورَا
стр. 3679
فكيف أحْتالُ إذا زارَنِي … حتى يكونَ الأمرُ مَسْتُورَا
ومن نَثْرِه الجارِي مَجْرى الحِكَم والأمثال، قوله (١): مَن تجاوَزَ الكفافَ لم يُغْنِه الإكثار. رُبَّمَا أوْرَدَ الطمعُ ولم يُصْدِر. مَن ارْتحَل الحِرْصَ أنضاهُ الطَّلبُ. الحَظُّ يأتي مَن لا يأتِيه. أشْقَى الناسي أقْرَبُهم من السُّلطان، كما أنَّ أقْرَب الأشياء من النار أسْرعُه إلى الاحْتراق. مَن شارَك السُّلْطان في عِزِّ الدنيا، شارَكه في ذُلِّ الآخرة. يكْفِيكَ للحاسد غَمُّه بسُرورك.
ولم يزلْ، رحمه الله تعالى (٢)، في طِيْب عَيْشٍ ودَعَةٍ، وأمْنٍ من عَوادِي الزّمان، إلى أن قامت الجُنْدُ وأرْبابُ الدَّوْلة، ووثَبوا على المقْتدِرُ، وخَلَعوه، وطلبوا أن يُبايعوه بالخلافة، وألحّوا عليه في ذلك، فقال: بشَرْطِ أن لا يُقْتَلَ بسَبَبِي مسلمٌّ، فقَبِلوا ذلك منه، وبايَعوه، ولقَّبوه المرتضى بالله، وقيل: المنْصِف، وقيل: الغالب، وقيل: الرَّاضي.
وبعث إلى المقتدر يأمرُه بالتّحَوُّلِ إلى دار محمد بن طاهر، لكي ينْتقلَ هو إلى دار الخلافة، فاجاب، ولكن [ما] بَقِيَ معه غيرُ مُؤْنِس الخادم، ومُؤْنِس الخازن، وغريب [خالُه، وجماعةٌ] (٣) من الخَدَم، فباكر الحُسين بن حَمْدان دارَ الخلافة، فقاتَلَها، فاجْتمع الخدمُ، فدفعوه عنها، بعد أن حمَل ما قدَرَ عليه من المال، وسار إلى "الموْصِل"، ثم قال الذين عندَ المقْتَدِر: يا قوم، نُسَلِّمُ هذا الأمرَ، ولا نجرِّب نفوسَنا في دَفْع ما نزَل بنا! فنزلُوا في الزَّوارق، ألْبسُوا جماعةً منه السِّلاح، وقصَدوا المخَرَّمَ، وبه عبد الله بن المعْتَزّ، فلمَّا رآهم مَن حولَ أَوْقَعَ الله في قلوبهم الرُّعْبَ، فانْصَرفوا مُنْهَزِمين بلا حرب، وخَرَج ابنُ المعْتَزّ، فركب فرسا، ومعه وزيرهُ محمد بن
стр. 3680
داود، وحاجبه يُمْن، وقد شهر سيفَه، وهو يُنادِي: مَعاشِرَ العامّة، ادْعوا لخليفتكم. وأشاروا إلى الجيش ليَتْبَعوهم إلى "سامَرَّا"، ليُثْبِتوا أمرهم، فلم يتْبَعْهم أحدٌ، فنزل ابنُ المعْتَزِّ عن دابَّته، دخل دار ابن الجَصَّاص الجَوْهَريّ، واخْتَفَى الوزير ابنُ داود، والقاضي [الحسنُ بن المُثَنَّى] (١)، ونُهِبَتْ دُورُهما، ووقَع النَّهْبُ والقتلُ في "بغداد".
وقَبَض المقْتِدرُ على الأمراء والقُضاة الذين خَلَعوه، وسلَّمهم إلى مُؤنِس الخازن، فقتلهم، واسْتقام الأمرُ، فاستوْزَرَ ابنَ الفرات، ثم بعَثَ جماعةً، فكَبَسوا دار ابن الجَصَّاص، وأخذوا ابن المعْتَزِّ وابن الجَصَّاص، وحُبِسَ ابنُ المعْتَزِّ، ثم أخْرِجَ بعدُ ميِّتا، وكان أمر الله قدَرًا مَقْدورا، ولا خاذِلَ لمن نصرَه، ولا ناصِر لمن خَذَله.
وحدَّث المعافَى بن زكريا الجَرِيريّ، قال (٢): لما خُلِع المقْتدرُ، وبُويع ابنُ المعْتَزِّ دخلوا على شيخنا محمد بن جرير، فقال: ما الخبر؟ فقيل: بُويع ابنُ المعْتَزِّ. قال: فمن رُشِّح للوزارة؟ فقيل: محمد بن داود. قال فمَن ذُكر للقضاء؟ فقيل: الحسن بن المثَنَّى. فأطْرَقَ. ثم قال: هذا أمْرٌ لا يَتِمُّ. قيل: وكيف؟ قال: كلُّ واحدٍ ممَّن سمَّيْتُم متقدّم في معناه على الرُّتْبَة، والدنيا مُوَلِّيَةٌ والزمانُ مُدْبِرٌ، وما أرَى هذا إلا إلى اضْمِحْلال، وما أرَى لِمُدَّته طُولا. فكان كما قال:
ورَوى أنَّ عبد الله ابن المعُتَزِّ أنْشَدَ لنفسه، في الليلة التي قُتِلَ في صَبيحتِها (٣):
يا نفسُ صَبْرًا لعلَّ الخيرَ عُقْباكِ … خانَتْكَ من بعدِ طولِ الأمْنِ دُنْياكِ
стр. 3681
مرَّتْ بنا سَحَرًا طيرٌ فقلتُ لها … طوباكِ يا لَيْتَنِيْ إياكِ طُوبَاكِ
إن كان فَصْدُكِ شرقًا فالسَّلام على … شاطِي الصَّراة فأبلغِي مَسْراكِ (١)
مِن مُوثَقٍ بالمنايا لا فَكاكَ له … يَبْكِي الدِّماءَ على إلْفٍ له باكِ
فرُبَّ آمِنَةٍ حانتْ مَنبَّتها … ورُبَّ مُفْلَتَةٍ من بين أَشْراكِ
أظُنُّه آخِرَ الأيام من عُمْرِي … وأوْشَكَ اليومَ أن يَبْكِي لي الباكي
ورُوِي أنَّه قال: عندما أقاموه للجهة التي أُتْلِفَ فيها (٢):
فقُلْ للشّامتين بنا رُوَيْدًا … أمامَكم المصائبُ والخُطوبُ
هو الدّهر الذي لا بُدَّ من أن … تكونَ إليكم منه ذَنوبُ
وكانت وَفاتُه، رحمه الله تعالى، يومَ الأربعاء، لليلة خلَتْ من شهر ربيع الأول، سنة ست وتسعين ومائتين، وهو ابن ثمان وأربعين سنة وسبعة أشهر وأيام، وحُمِل إلى دارِه التي على الصَّراة، فدُفِنَ بها.
ورثاه ابنُ بَسَّامٍ بقوله (٣):
لله دَرُّكَ من مَلْكٍ بِمَضْيَعَةٍ … ناهِيك في العقل والآداب والحَسَبِ
ما فيه لولا ولا ليتَ فتنْقُصُه … وإنما أدْرَكَتْه حرفةُ الأدَبِ (٤)
وهو من قول أبي تَمَّام (٥):
ما زِلْتُ أرْمِي بآمَالِي مَطالِبَها … لم يُخْلِقِ العِرْضَ مِنِّي سوءُ مُطَّلَبِي (٦)
стр. 3682
إذا قصدْتُ لشأْوٍ خِلْتُ أنِّيَ قدْ .... أدْرَكْتُه أدْرَكَتْنِي حرْفةُ الأدَب
وقد تَلاعَبَ الشعراءُ بهذا المعنى، فقال ابنُ السَّاعاتِيّ (١):
عِفْتُ القَريضَ فلا أسْمُوله أبدًا … حتَى لقد عِفْتُ أن أرْوِيه في الكُتُبِ
هَجرْتُ نَظْمِي له لا مِنْ مَهانتِه … لكنَّها خِيفَةٌ مِن حرْفَةِ الأدَبِ
وقال ابنُ قلاقِسَ (١):
لا أقْتَضيكَ لتَقْديمٍ وعَدْتَ به … من عادة الغَيْثِ أن يأتِي بلا طَلَبِ
عُيونُ جاهِكَ عَنِّي غيرُ نائمةٍ … وإنما أنا أخْشى حرْفَةَ الأدَبِ
* * *
٢٥٣٩ - الشيخ الفاضل عبد الله، وقيل عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن ناقِيَا - بفتح النّون - بن داود بن محمد بن يعقوب، أبو القاسم بن أبي الفتح، المعروف بالبُنْدار الشاعر المشهور، من أهل شارع دارِ الرَّقيق *.
стр. 3683
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: كان شاعرا مُجَوِّدا، عَذْبَ الألفاظ، مَليحَ المعانِي، وقد جَمَع شِعْرَه في "ديوان كبير".
وله مُصنَّفاتٌ في كلِّ فَنِّ، ومقاماتٌ أدبيَّة.
وكان حسَنَ المعرفة بالأدب، ظَريفا في مَحاسن الناس، إلا أنَّه كان مَطْعونا عليه في دينه وعقيدته، كثيرَ الهَزْلِ والمجون.
سمع من أبي القاسم عليّ بن محمد التَّنُوخِيّ وأبي الحُسين بن أحمد بن النَّقور وغيرهما.
وروَى عن جماعة من الشُّعراء؛ كأبي الخَطّاب محمد بن علي الجَبَّلِيّ، وأبي القاسم عبد الواحد بن محمد المطَرّز، وأبي الحسن محمد بن محمد البَصْرِيّ، ورَوَى مُصنَّفاتِه، ومَنْثورَه، ومَنْظومَه، وشيئا من حديثِه.
ورَوَى عنه عبد الوهّاب الأنْماطِيّ، ومحمد بن ناصر، وشُجاع بن فارس الذُّهْلِي، وغيرُهم.
ومن نظْمَه، وهو مريض:
تَبْقَى النُّجومُ دوائرًا أفْلاكُها … والأرضُ فيها كلَّ يومٍ داعِ
نَمْضِي كما مَضَتِ القَبَائلُ قَبْلَنا … لَسْنا بأَوَّلَ من دعاهُ الدّاعِي
وزَخارِفُ الدّنيا يجوزُ خِداعُها … أبدًا عَلَى الأبصار والأسماعِ
وقال أبو نَصْر هبة الله بن المحِلِّيِّ في حقِّه: شاعرٌ مَطْبوع، وله لفظ حَسَنٌ صحيح، ومُصنَّفاتُه مِلاحٌ؛ منها "الجُمان في مُشْتبهات القُرآن" سمعتُه، ولم يُسْبَق إلى مِثْلِه. وله "مُلَح الكتابة" في الرسائل، قرأتُه عليه أيضًا، وله "شرح الفصيح"، سمعتُه منه، وأحْسَن في وَضْعِه، انتهى.
وكانتْ ولادته في النِّصفِ من ذي القَعْدةِ، سنة عشر وأربعمائة. ووفاته يوم الأحد، رابع مُحَرَّم، سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ودفن في مقام "باب الشام".
ومن شعره الذي أوْرَدَه الصَّلاح الصَّفَدِيُّ في "تاريخه" قولهُ:
стр. 3684
وإنِّي لآبي الدَّمْعِ فيك تطَيُّرا … علْيك وتأْبَى العَيْنُ إلاه جاريا
وأسْخَطُ لاسْتِمْرارِ هَجْرِكَ ساعةً … وتَغْلِبُ أشْواقِي فأرْجعُ راضيا
هَنِيئًا إن اسْتَحْلَلْتَ قَتْلِي فلا تُطِلْ … عَذابي ومَوْهوبٌ لعَيْنَيْكَ ثارِيا
وقوله أيضًا:
أَرَى كلَّ محْبوبٍ يُلاقِي مُحِبَّه … وما نَتَلاقَى والليالي تَصَرَّمُ
وقد علِمَت أنِّي مَشوقٌ وأنَّنِي … بها كَلِفٌ لكنَّه ليس تَرْحَمُ
وقوله أيضًا:
يا صاح أذَّنَ بالصَّباح بَشيرُ … والكاسُ تطْلُعُ تارةً وتَغُور
والرَّوْضُ مُبْتَسِمُ الثُّغُور نَسِيمُه … يسْتافُ منه المِسْكُ والكافورُ
والعُودُ يخْطُرُ في حَشاهُ أنامِلٌ … لم يَطْوِ سِرًّا دونَهُنَّ ضَمِيرُ
فاشْرَبْ على طَرَبِ النَّديم ولا تُطِلْ … حَبْسَ المدامَة فالزمانُ قصيرُ
ومن قوله ما كتب به لبعض الرُّؤَساء، وقد افْتَصَدَ:
جعل الله ذو المواهب عُقْبا … كَ من الفَصْدِ صِحَّةً وسَلامَهْ
قُلْ ليُمْناك كيف شِئْتِ اسْتَهِلِّي … لا عَدِمْتِ النَّدَى فأنْتِ غَمامَهْ
ومنه قوله أيضًا:
أخِلَّايَ ما صاحَبْتُ في العَيْشِ لَذَّة … ولا زال عن قلبي حَنِينُ التَّذَكُّرِ
ولا طاب لي طَعْمُ الرُّقادِ ولا اجْتَلَى … لخاطِرٍ مُذْ فارَقْتُكم حسنُ مَنْظَرِ
ولا عبَثتْ كَفِّي بكل مُدامَةٍ … يطوف بها ساقٍ ولا جَسِّ مِزْهَرِ
وقال الصَّفَدِيّ: وكان يقول: في السّماء نهر من خمر، ونهر من لبن، ونهر من عسل، لا يُنَقِّطُ منه شيءٌ، ويُنَقِّطُ هذا الذي يخْرِبُ البيوتَ، ويهْدِمُ السُّقوفَ! قال: وكانتْ بينه وبين ابن الشِّبْلِ مُنافَسةٌ ومُباعَدةٌ شائعة ظاهرة، فأنْشَدَه يومًا أبو الحسن ابن الدَّهَّانِ لابنِ الشِّبْلِ:
وما أسْجَدَ اللهُ الملائكَ كُلَّهم … لآدمَ إلا أنَّ في نَسْلِه مِثْلِي
ولو أنَّ إبْلِيسا درَى خَرَّ ساجِدًا … لآدمَ من قبْل الملائك من أجْلِي
стр. 3685
ولكنَّ أنْسَى الله عنه تَكَوُّنِي … إلى أن زَهَتْ أنْوارُ فَضْلِي على النَّسْلِ
فيا رَبّ إبراهيم لم أُوتَ فَضْلَه … ولا فَضْلَ موسى والنَّبِيّ على الرُّسْلِ
فلِمْ لي وَحْدِى ألْفُ فِرْعَوْنَ في الوَرى … ولي ألْفُ نَمْرُودٍ وألْفٌ أبي جهْلِ
فلما سمِعها ابنُ ناقِيا: أشْهَدُ بين يَدَي الله ﵎، أنه ما أخْرَجَ آدَمَ من الجنة، إلا أنَّه كان في ظَهْرِه. ثم قال: امْضِ إليه، فأنْشِدْه أبياتا منها:
إذا ما افْتَخَرْتَ فلا تَجْهَلَنْ … أباك وشَلَّاقَهُ والعَصا
ولو كان آدمُ ذا خِبْرَةٍ … بأنَّك مِن نَسْلِه لاخْتَصَى
وقيل له: ألم تكُنْ قرأتَ على ابن الشِّبْلِ؟ قال: بَلَى، وإلا من أينَ اكْتَسَبْتُ هذه البَلادة. فبلغ ذلك ابنَ الشِّبْلِ، فقال:
فقُلْ ما شِئْتَ إنَّ الحِلْمَ دأبِي … وشأْنِي الخيْرُ إن واصَلْتَ شَرَّا
فأنْتَ أقَلَّ أن تُلْقَى بِذَمٍّ … مُجاهَرَةً وأنْ تُغْتابَ سِرَّا
وبلغَ ابنَ الشِّبْلِ عنه كلام قبيح، فقال، وأْبلَغَ:
وسِتَّةٍ فيك لم يُجْمَعنَ في بشرٍ … كِذِبٌ وكِبْرٌ وبُخْلٌ أنتَ جامعُه
مع اللَّجاج وشَرِّ الحِقْدِ والحَسَدِ
وسِتَّةٍ فيَّ لم يُخْلَقْنَ في مَلَكٍ … حِلْمِي وعِلْمِي وإفْضالي وتَجْرِيبي
وحُسنُ خُلْقِي وبَسْطِي بالنَّوالِ يَدِيَ
ومن شِعْرِه الذي أورده له العماد الكاتب، في "الخريدة" قوله:
أتُرَى حال ذلك الحبُّ بُغْضا … وذَوَى غُصْنُه وقد كان غضَّا
أتُرَى كان ذلك الوصلُ زورا … فانْتَهَى بي إلى الصُّدُود وأفْضَى
قُلْ لمن ضَيَّعَ الوِدادَ وأغْرَى … بالتَّجَنِّي ورام للعهْدِ نَقْضا
قد جَعَلْنا الوِدادَ حَتْمًا علينا … ورأيْنا الوفاءَ بالعَهْدِ فَرْضا
وقوله أيضًا:
أما تَرَى السُّحْبَ أبْدَتْ … غَلائِلَ الأرْضَ خَضْرَا
قد أظْهَرَ الله فينا … زُهْرَ الكواكبِ زَهْرا
مثل اليَواقِيتِ راقَتْ … زُرْقًا وحُمْرًا وصُفْرَا
стр. 3686
وكالخرائد أبدت … فرعا وخدا وساغرا
وقوله أيضًا:
فلا تَغْتَرِرْ بالبِشْر من وَجْه حاسِدٍ … بِبَرْدِ ابْتِسامِ الثَّغْرِ غَطَّى لَظَى الحِقْدِ
فإنَّ مَشوبَ الشَّكِّ لا شَكَّ قاتلٌ … وإن هو أخْفَتْ طَعْمَهُ لَذَّةُ الشُّهْدِ
حدَّث أبو الحسن عليّ بن محمد بن أحمد الدَّهَّان، المرَتَّبُ بجامع المنصور، قال: دخلتُ على أبي القاسم بن ناقِيا بعدَ مَوْتِه لأَغْسِلَه، فوجدتُ يَدَه اليُسْرى مَضْمُومَةً، فاجْتهدْتُ عَلَى فَتْحِها، فإذا فيها كتابةٌ بعضها على بعض، فتَمَهَّلتُ حتى قرأتُها، فإذا فيها مكتوب:
نزلتُ بِجَارٍ لا يُخَيِّبُ ضَيْفَه … أُرَجِّي نَجاتِي مِن عذاب جَهَنَّم
وإنِّي عَلَى خَوْفي مِن الله واثِقٌ … بِإنْعامِه والله أكْرمُ مُنْعِمِ
* * *
٢٥٤٠ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن سعد الله بن محمد بن عمر بن سالم البَجَلِيّ، الجَرِيرِيّ، أبو محمد ابن أبي عبد الله المعروف والده بابنِ الشّاعر *
أسْمَعهُ أبوه في صِباهُ الكثيرَ من ابن الحُصِيْنِ، والأنْماطِيّ، وغيرِهما.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قرأ في الفِقْه حتى برَع.
وسكَن "دِمَشْقِ"، ودرَّس بها الفقه، وحدَّث.
стр. 3687
وصار له اخْتِصاصٌ بالملك الناصر صلاح الدين يوسف، وكان يُراسل مُلوك الأطْراف. ولما فتَح ديارَ "مصر"، سافر إليها، وأقام يُدرِّس، ويُفتِي، ويَعِظُ، ويُحَدِّث إلى حين وَفاتِه.
وكان فقيها فاضلًا، مليحَ الوَعْظ، غزيرَ الفضل، حَسَن الأخْلاق، مُتَديِّنا.
قال أبو محمد القاسم بن علي بن الحسين بن هبة الله بن الحافظ الدِّمَشقِي، فيما كتب به إلى بعض أصْحابِه: عبد الله بن محمد بن سعد الله أبو محمد البَغدادِيّ، الحنفيّ، الواعظ. أكبرُ تلامذة والِدي، وسمع منه الكثيرَ.
وقال لنا والدي: ما رأيتُ مِن الحنفية مَنْ يطلُبُ الحديثَ إلا ثلاثةً؛ شيخَنا أبا عبد الله البَلْخِيّ، ورفيقَنا أبا عليّ ابن الوزير الدِّمَشْقِيّ، وصاحبَنا الفقيه أبا محمد البَغْدادِيِّ.
وقال في "الجواهر": أبو عبد الله البَلْخِيّ، وأبو علي ابن الوزير، تقدَّم كلّ منهما، وأبو محمد البغْدادِىُّ هو صاحبُ الترجمة.
تفقَّه ببَلَدِه، ودرَّس بمسجد أسَد الدين.
وله أثَرٌ صالحٌ في التَّحْريض على قصْد "الديار المِصْرِيّة"، واسْتِنْقاذِها ممن كانتْ في يده.
وهو شديدُ التَّعَصُّب للسُّنَّة، مُبالِغٌ في عَداوَة الرّافِضة، حَسَنُ الأخْلاق.
تَولَّى التَّدريسَ بـ "القاهرة"، في مدرسة الحنفية السُّيوفِيَّة مُدَّةً، إلى أن مات بـ "مصر"، في سنة أربع وثمانين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
وكانتْ ولادتُه بـ "بغداد" في صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
* * *
стр. 3688
٢٥٤١ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد، قاضي القضاة، جمال الدين، ابن شيخ الإسلام شمس الدين *
وهو ابن أخي قاضي القضاة سعد الدين الدَّيْرِيّ، المتَقَدِّم ذكرُه.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: وَلِيَ قضاءَ "القُدْس" الشريف مَرّاتٍ مُتعدِّدة.
وتُوُفِّيَ بها صبيحةَ يوم الأربعاء، ثانِي عِشْري شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، وقد بلغ من العمر نحو أربع وسبعين سنة، رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٤٢ - الشيخ الفاضل شمس الدين أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سعد بن عبد الله الديري، ثم المقدسي، المتوفى سنة ٨٢٧ سبع وعشرين وثمانمائة * *
له "المسائل الشريفة في أدلة الإمام أبي حنفية".
* * *
стр. 3689
٢٥٤٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن عبد الله، أبو الفضل، الإمام الفقيه خَتَنُ قاضي القضاة أبي محمد النّاصِحِيِّ علَى ابْنتِه *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: كان رجلا فاضلا، مُفْتيا مشهورا في قومه، عفيفَ النَّفْس، مُتَدَيِّنا. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٤٤ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد حجازي بن عبد القادر بن محمد الحلبي، الشهير بابن قضيب البان * *
فقيه، أديب، شاعر، كاتب.
من آثاره: "حل العقال"، و"ذيل على كتاب الريحانة" للخفاجي لم يكمل، "نظم الأشباه والنظائر" لابن نجيم، و"نفائح الأزهار في كشف الأسرار"، وكلاهما في فروع الفقه.
توفي سنة ١٠٩٦ هـ.
* * *
стр. 3690
٢٥٤٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن عُبَيد الله بن علي بن جعفر بن محمد بن زُرَيقْ الخَطِيبِيِّ، الأسدِيّ النسَفِيّ الأصْبَهَانِيّ *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو خَطيب الجامع الكبير، بـ "أصْبَهانْ". وهو ابنُ عَمِّ قاضي "أصْبَهان" عُبَيْد الله الخَطِيبِيّ، الآتي ذكْره قريبا إن شاء الله تعالى.
مولدُه سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
حدَّث عنه أبو موسى، وابن الجَوْزِيّ، وأبو سعد السَّمْعانِيّ، وقال: شيخٌ فاضل، عالمٌ جليل القدر، من بيت العِلْم، ثِقَةٌ، صالح، حسنُ السِّيادة.
وقال ابنُ النَّجَّار: قَدِم "بغداد" حاجًّا، سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
وسمع منه الحسين ابن محمد بن خُسْرُوَا البَلْخِيّ، ثم قَدِمَها ثانيا، فرَوَى عنه ابنُ الجَوْزِيّ.
مات، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
* * *
٢٥٤٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن عطاء بن حسن بن عطاء بن جُبير بن جابر بن وُهَيْب الأذْرَعِيّ، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو محمد * *
стр. 3691
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: وُلِد سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
وسمع أبا حفص عمر بن طَبَرْزَد.
وتفقَّه، وحدَّث، وأفتَى، ودرَّس، وناب في الحكم عن قاضي القضاة أحمد بن سَنِيِّ الدَّولَةِ الشَّافعِيّ، فلما جُددت القضاةُ الثلاثة في سنة أربع وستين وستمائة كان أوَّل من وَلِي القضاء بـ "دمشق" من الحنفية اسْتِقْلالا، ووصَل تقْلِيدُه بذلك، فقَبِلَ، وباشَر مُباشرةً تَلِيقُ به.
قال في "الجواهر": جاء من "مصر" ثلاثة عُهود لثلاثة من القضاة؛ شمس الدين ابن عطاء، وشمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر الحَنْبَلِيّ، وزين الدين عبد السلام الزَّواوِيّ المالِكِيّ، وكان قاضي القُضاة شمسُ الدين ابن خَلِّكان إذ ذاك قاضيَ الشافعية، فلم يقْبَلِ المالِكِيُّ والحنبَليّ، وقبِل الحنَفيّ، فورَد المرْسومُ بإلْزامهما بذلك، وأخْذِ ما بأيْديهما من الأوقاف إن لم يفْعلا، فأجابا، ثم أصبح المالكِيّ وعزَل نفسَه عن القضاء والأوقاف، ثم ورَد الأمرُ بإلْزامِه، واسْتمرَّ الجميعُ، لكن امْتنع المالكِيّ والحنبليُّ من الجامْكِيَّة.
وقال بعض الظُّرَفاء من أهل "دِمَشق"، لما رأى اجْتماع ثلاثة قُضاة كلُّ واحدٍ منهم لَقَبُه شمس الدين:
стр. 3692
أهلُ دِمَشْقَ اسْترابوا … مِن كثرة الحُكَّامِ
إذ هم جميعا شُموسٌ … وحالُهم في ظلامِ
وله أيضًا:
بِدِمَشْقَ آية قد … ظَهَرَتْ للناس عاما
كُلَّما وُلِّيَ شمسٌ … قاضيًا زادتْ ظَلاما
وكان والدُ صاحب الترجمة محمد حَنْبَلِيّ المذهب، واشْتَغل ولدُه عبد الله في الفقه، على مذهب الإمام الأعظم، رَضِيَ الله تعالى عنه، وحَفِظَ "القُدوريِّ"، ولم يَزَلْ يَدْأَبُ ويُحَصِّلُ إلى أن صار مُشارًا إليه في مذهب الحنيفة، ووَلِيَ تَدْرِيسَ عِدَّة مَدارِسَ.
قال اليُونِينِيّ: وكان القاضي شمس الدين من العلماء الأعْلام، تامَّ الفضيلة، وافرَ الدِّيانة، كريمَ الأخْلاق، حسَنَ العِشْرة، كثيرَ التَّواضُع، عَديمَ النَّظير، قليلَ الرَّغْبة في الدنيا، يقْنَعُ منها باليَسير، ولا يُحابِي أحدا في الحق، واشْتَغَل عليه خلقٌ كثير، وانْتفَع به جَمٌّ غَفيرٌ. انتهى.
ولما وقَعَتِ الحَوْطَةُ على أمْلاكِ الناس في أيّام الملِك الظاهر، وأخْرَج فَتاوَى الحنفية باسْتِحْقاقها بحُكْم أنَّ "دمشقَ" فتحها عمرُ بن الخطَّاب، رضي الله تعالى عنه عَنْوةً، أراد السلطان من القاضي شمس الدين أن يَحْكُم له فيها بمُقْتَضى مَذْهَبِه، فقال للسُّلطان: هذه أمْلاكٌ بأيْدِي أرْبابِها، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يتعرَّضَ لها، ثم نَهض من المجلس مُغْضبا، فانْحَرفَ السلطان من ذلك انْحِرافا شديدا، ثم سكَن، وصار بعدَ ذلك يُثْنِي على القاضي شمس الدين ويَمْدَحُه.
أقول: هكذا يَنْبغي أن تكونَ القضاةُ في القيام مع الحقِ على الباطل، لا يَخافون سَطْوَةَ ظالم، ولا إقْدام جاهل، لا تأخُذُهم في الله لَوْمَة لائم، ولا يَصُدُّهم عن الحقِّ رَهْبةُ ظالم، لا كغالب قُضاة زَماننا الذين اتَّخذوا الحُكّامَ لهم آلهة، يَعْصون الله ويُطيعونهم، ويُغْضِبون الله ويُرْضونَهم، يَحْكمون بالهوَى،
стр. 3693
ويتَّبعون الأهْواء، يدورُ الحقُّ عندَهم مع الرِّشوة والجاه، ولا يَرْهبون ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾.
قال ابن كثير: كان ابنُ عطاء من العلماء الأخيار، كثيرَ التَّواضُع، قليلَ الرَّغْبة في الدنيا وروَى عنه ابنُ جماعة. انتهى.
ولم يزلْ على القضاء إلى أن مات يوم الجمعة، تاسع جُمادَى الأولَى، سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ودُفِن بسَفْح "قاسِيون"، بالقُرْبِ من "المدرسة المعَظَّمِيَّة"، رحمه الله تعالى.
قال النُّوَيْرِيُّ في "نهاية الأرب": ولما مات، عَزَل قاضي القضاة زينُ الدين الزَّوَاوِيُّ المالِكِيّ نفسَه عن القضاء حالَ دَفْنِه، فإنَّه أخذ بيَدِه من تُراب القبر وحَثاهُ عليه، وقال: والله لا حَكَمْتُ بعدَك؛ فإنَّ لك أربعين سنة تَحْكُمُ، ثم هذه مآلُك. وعزَلَ نفسَه عن الحُكْم، وبَقِيَ نائبُه القاضي جمال الدين يوسف الزَّواوِيُّ يحْكُمُ على حالِه، وفوَّض فضاء الحنفية بعدَه للقاضي عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر ابن العَديم. والله تعالى أعلم.
* * *
٢٥٤٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن عليّ بن محمد الدَّامَغانِيّ، أبو جعفر، ابن قاضي القضاة أبي عبد الله *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: شهد عند والِدِه، فقَبِلَ شهادَتَه، ووَلّاه أخوه قاضي القضاة أبو الحسن عليُّ بن محمد القضاءَ بـ "باب الطّاق"، ومِن أعْلَى "بغداد" إلى "الموْصِل"، وغيرهما من البلاد، في اليوم الذي تَوَلَّى فيه
стр. 3694
قضاء القضاة، وهو الثالث والعشرون، من شهر شعبان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
ثم إنَّه تَرَك العَدالَةَ والقضاءَ، وخلَع الطَّيْلَسان، وتَولَّى حِجابَةَ باب النُّوبِيّ، والنَّظرَ في المظالم، وإقامة الحُدود، في شهر رمضان، سنة خمسمائة، ثم عُزِل، ثم أعيد، ثم عزل.
وكان شيخا جليلا، دَمِثَ الأخْلاق، خَلِيقا بالرياسة، ومُتَطلِّعا إلى قضاء حوائج الناس، مِن الطِّراز الأول.
سمِع الحديثَ من أبي جعفر محمد بن المسْلِمة، والخطيب. وحدَّث باليَسير.
روَى عنه أبو المعَمَّر الأنْصارِيّ، وغيرُه.
وكانتْ ولادتُه في ربيع الأول، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وقيل: سنة ستّ وخمسين. وقيل: سنة تسع وخمسين، ووفاتُه في ليلة الثلاثاء ثاني جمادى الأولَى، سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ودُفِنَ بـ "الشُّونِيزِيّة". رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٤٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن عمرو القاضي، أبو القاسم *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو أحدُ وُجوه الفُقهاء والعُلماء الحنفية بـ "نَيْسابور".
стр. 3695
اسْتخْلفَه القاضي أبو العلاء صاعد للتَّدْريس في مدرسته، وإفادةِ المخْتَلِفة مِن الطَّلبة، سنة اثنتين وأربعمائة، عند خُروجِه للحَجَّة الثانية.
وتُوُفِّي رحمه الله تعالى، في شعبان سنة ثلاث وأربعمائة. انتهى.
* * *
٢٥٤٩ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد الصّاعِدِيّ الفُراوِيّ، أبو البركات، الملقَّب صَفِيّ الدين *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو فاضل، عفيفٌ، من بيت العلم والزُّهد والصّلاح.
وهو شيخُ صاحب "الهداية"، ذكره في "مشيخته"، وأجازه إجازةً مُطْلقَةً، مُشافَهَة، بـ "نَيْسابور".
ثم روَى عنه حديثا، عن أبي مالكٍ الأشْجَعِيّ، عن أبيه رضي الله تعالى عنه، أنَّه سمع رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يقولُ: "منْ وَحَّد اللهَ، وكَفَر بما يُعْبَدُ مِن دُوْنِه، حَرُم مالُه ودَمُه، وَحِسابُه على الله".
وذكر صاحبُ "الهداية" عنه، أنَّه أنْشَده بـ "نَيْسابور" فيما قرأه عليه لغيره:
إنّا علَى الدنيا ولَذّاتِها … نَدُورُ والموتُ علينا يَدورْ
نحنُ بَنو الأرْضِ وسُكّانُها … مِنها خُلِقْنا وإليها نَحورْ
* * *
стр. 3696
٢٥٥٠ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن فضل الله ابن ثامِر - بالمثلَّثة - بن إبراهيم الفَزَارِيِّ العَبْسِيّ اليَمَانِيّ، المعروف بالنَّجْرِيِّ، بفتح النُّون وسكون الجيم ثم مهملة نِسْبةً لقرية من بلاد "اليمن " *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ولد في آخر الرَّبيعين سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، في قرية "حُوث"، بضمِّ المهْمَلة وآخرُه مثلَّثة: من بلاد "عَبْس"، بالموحدة، قبيلة من "نِزار" طَرَأتْ على "اليمن"، وهذه القرية من مُعامَلة تَعِزَّ، نشأ بها، وقرأ القرآن الكريم، وبَحثَ على والدِه في النحو والفقه والأصْلين، وعلى أخيه علي بن محمد، وحَجَّ، ورحل إلى "القاهرة"، وقرأ في النحو والصَّرْف على ابن قَديد، وأبي القاسم النُّوَيْرِيّ، وفي المعاني والبيان على الشُّمُنِّي، وفي المنطق على التَّقِيّ الحِصْنِيّ، وفي الفقه على الأمين الأقْصُرائي، والعَضُد السِّيرامِيّ (١)، وتقدَّم في غالب هذه العلوم، واشْتَهر فضلُه، وامْتَدَّ صِيْتُه، لا سِيَّما في العربية.
ومن نظمِه (٢):
بشاطئِ حُوثَ من دِيار بني حَرْب … لقلبِيَ أشْجانٌ مُعَذِّبةٌ قَلْبِي
стр. 3697
فهل لي إلى تلك المنازِلِ عَوْدةٌ … فيُفْرَجَ من غَمِّي ويُكْشَفْ من كَرْبِي
وكان موجودا في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٥١ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن لاجين القاهِرِيّ المعروف بابن خاصِ بيك، وهو اسم ابن عمِّه، اشْتهَرَ بالنِّسْبة إليه لجلالته *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: وُلِد في حدود سنة سبع وسبعين، بـ "القاهرة"، ونشأ بها، فحفظ القرآن الكريم، وبعض "الإلْمام" لابن دَقيق العيد، و"القُدورِيّ" في الفقه، و"المنار" في أصوله، و"ألْفية ابن مالك"، واشتغل في الفقه على جماعة، منهم: العلامة سراج الدين قارِئُ "الهداية".
وأخذ العربية عن الشِّهاب العبادِيّ، وغيره، وسمع "الصحيح" على ابن أبي المجْدِ، وخَتَمه على التَّنُوخِيّ، والعِراقِيّ، والهَيْثَمِي، وحجَّ، وزارَ بيتَ المقْدِس والخَليلَ.
وحدَّث، وسمع الفُضلاء، وكُفَّ، وكان إنسانا حسنا، خَيِّرا، دَيِّنا، رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٥٢ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن
стр. 3698
أبي بكر بن مُصْلِح بن أبي بكر الدَّيْرِيّ، من البيت المشهور بالفضل والقضاء *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: وَلِيَ قضاءَ "القُدْس"، و"الخَليلَ"، و"الرَّمْلَة" غير مرّة.
وكانتْ ولادتُه سنة خمس وثمانمائة، ووفاته سنة ثمان وسبعين وثمانمائة.
وكان عنده فضيلة، رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٥٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن البَيْضاوِيّ، القاضي أبو الفتح، الآتي ذكْرُ أبيه محمد، وابنُه محمد * *
وهو أخو قاضي القضاة أبو القاسم عليِّ بن الحسين الزَّيْنَبِيّ لأُمِّه.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: كان جدُّه محمد بن عبد الله من بَيْضاء "فارس"، وانْتقل إلى "بغداد"، وسكَنها، وأعْقَب بها.
وكان مولد صاحب الترجمة في ذي القَعْدَة، سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
وقيل في ذي الحِجَّة.
стр. 3699
وسمع الكثيرَ، وحدَّث.
وروَى عنه عبد الوهّاب بن عليِّ الأمينُ.
واسْتنابَه القاضي أبو محمد عبيد الله بن محمد بن طلحة الدّامَغَانِيّ، بـ "الكَرْخِ".
وكتبَ عنه السَّمْعانِيّ الكثير.
وكان في قضائه مُتَحَرِّيا العَدْلَ والخيرَ والإنصاف.
وكانتْ وفاته في سنة، خمس وثلاثين وخمسمائة. ودُفِنَ بـ "باب حَرْبٍ". رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٥٤ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد العَفيف ابن إمام الحنفية، وشيخ البَاسِطِيَّة، البخاري الأصل، المكِّيّ *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: وُلِدَ سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة بـ "مكة"، وأُمُّه أمُّ ولد.
نشأ بـ "مكة" في كَنَفِ أبيه.
وأخذ عنه "المشارق" للصَّغانِيّ، وبعضَ "المشْتَبِه" للحافظ ابن حَجَر.
وسمع من السَّخاوِيّ، ودرَّس في العربية وغيرها.
وكان عندَه فضلٌ، وبَراعة، وفَهْم، وذكاء، مع عقلٍ وأدبٍ واحْتِمال، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 3700
٢٥٥٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن مصطفى الخادمي، الرومي *
فقيه، صوفي، أصولي، واعظ، مشارك في بعض من العلوم.
رحل إلى "الحجاز"، وولي الإفتاء ببلده.
من تصانيفه: "منافع الدقائق في شرح مجمع الحقائق" في الأصول، و"حاشية على الدرر" لمنلا خسرو في فروع الفقه الحنفي، و"شرح على الوصايا الخادمية" لوالده، و"رسالة في الذكر"، و"رسالة في الحروف والمقطعات في أوائل السور".
توفي سنة ١١٩٢ هـ.
* * *
٢٥٥٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن يحيى بن الفُوَيْرِه، شرف الدين بن بدر الدين * *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: اشْتغَل، وكتَبَ الإنشاء.
ووَلِيَ تَوْقيعَ الدَّسْتِ.
ودرَّس بـ "الزَّنْجِيليَّة".
стр. 3701
ومات وهو شابٌّ لم يُكْمِلْ أربعين، في المحرَّم، سنة ستّ وخمسين وسبعمائة، سقط عليه بيتٌ بـ "الصَّالحِيَّة"، فمات. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٥٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن أبي يَزيد الخَلَنْجِيّ *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قال الخطيبُ: كان من أصحاب أبي عبد الله أحمد بن دُؤاد، حاذقا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، واسع العِلْم، ضابِطًا.
وكان يصحب ابنَ سَماعة.
وتقلَّد المظالِمَ بالجَبَل، فأُخْبِرَ ابنُ أبي دُؤاد أنَّه فاضلٌ، عالمٌ بالقضاء ووُجوهِه، فسأل عنه ابنَ سماعَة، فشَهِد له، فكلَّم ابنُ أبي دُؤاد المعْتَصمَ، فَوَلّاه قضاءَ "هَمَذان"، فأقام نحوًا من عشرين سنة لا يُشْكَى، وتلطَّف له محمد بن الجَهْم في مالٍ عظيمٍ، فلم يَقْبَلْه.
ووَلِيَ أيضًا قَضاءَ "الشَّريفة" في أيَّام الواثقِ، ولما وَلِيَها ظهَرتْ عفَّتُه وديانتُه لأهل "بغداد" وكان فيه كِبْرٌ شديدٌ.
وكتبَ إليه المعْتصِمُ في أن يَمْتَحِنَ النَّاس في القَوْلِ بخَلْقِ القرآن، وكان يضْبِطُ نَفْسَه، فتقدَّمتْ إليه امرأة، فقالتْ: إنَّ زَوْجِي لا يقول بقَوْلِ أمير المؤمنين في القُرآن، ففَرِّقْ بيني وبينه. فصاح عليها وطردَها، فلمّا كان في سنة سبع وثلاثين في جُمادَى عَزَلَهُ المتَوَكِّلُ، وأمر أن يُكْشَفَ عنه ليَفْضَحه بسبب
стр. 3702
ما امْتُحِن الناس به في القول بخَلْق القرآن، وفكُشِف عنه، فما انْكَشَف عليه أنَّه أخَذَ حَبَّةً واحدةً.
ورُوِيَ أنَّه لما تَوَلَّى قضاءَ "الشَّرْقِيَّة" كَثُر من يُطالِبُه بفَكِّ الحَجْر فدعا بالأُمَناء، فقال لهم: مَن كان في يَدِه منكم مالٌ ليَتيمٍ فلْيَشْتَرِ له مَرًّ وزِنْبيلا يكونُ قِبَلَه، ولْيَدْفَعْ إليه مالهُ، فإن أتْلَفَه عَمِلَ بالمرِّ والزِّنْبيل.
وذكره ابنُ عساكرُ في "تاريخ دمشق"، وقال: قرأت في كتاب علي بن الحسين ابن محمد الكاتب، حدَّثنا محمد بن خَلَف، حدَّثنا وَكيع، قال: كان الخَلَنْجِيّ القاضي، واسمُه عبد الله بن محمد، ابنُ أُخْتِ عَلَّوَيْه المغَنِّي، وكان تيَّاها صَلِفا، فتقلَّد في خلافة الأمين قضاء "الشَّرْقِيَّة"، فكان يجلس إلى أسْطونةٍ من أساطين المسجد، فيَسْتند إليها بجميع جسده ولا يتَحرَّك، فإذا تقدَّم إليه الخَصْمان، أقْبَل عليهما بجميع جسده وترك الاستناد، حتى يفْصِل بينهما، ثم يعودُ إلى حالِه، فعَمَد بعضُ المجّان إلى رُقْعةٍ من الرِّقاعِ التي يكتبُ فيها الدَّعاوَى، وألْصَقَها في موضع دبيته، وطلاها بدِبْق، وجاء الخَلَنْجِيّ فجلس كما كان يجلس، فالتصَقت دبيته بالدِّبق، وتمكَّن منها، فلما تقدَّم إليه الخُصومُ، وأقبلَ عليهم بجميع جسدِه كما كان يفْعَلُ، انْكَشف رأسُه، وبَقِيتْ الدبية في مَوضعها مَصْلوبةً، وقام الخَلَنْجِيّ مُغْضبا، وعلم أنَّها حِيلةٌ وقعتْ عليه، فغطّى رأسَه بطَيْلَسانِه، وقام، فانصرف، وتركَها مَكانَها، حتى جاء بعضُ أعْوانِه، فأخذَها،
وقال بعض شُعراء ذلك العصر فيه:
إنَّ الخَلَنْجِيّ مِن تَتَايُهِه … أثْقَلُ بادٍ لنا بطَلْعَتِه
ماتِيهُ ذي نَخْوَةٍ مُناسبة … بين أخاوِينه وقَصْعَتِه
يُصالح الخَصْمَ مَن يُخاصُمُه … خوفًا من الجَوْر في قَضِيَّتِه
قال: وشُهِرت الأبياتُ والقصَّة بـ "بغداد"، وعمل عَلَّوَيْه حكاية أعطاها الرَّفَّايين والمخَنَّثين، فأخْرَجوه فيها، وكان عَلَّوَيه يُعاديه لمنازعةٍ كانتْ بينهما،
стр. 3703
ففَضَحه، واسْتَعْفَى الخَلَنْجِيُّ من القضاء بـ "بغداد"، وسأل أنْ يُولَّى بعضَ الكُوَرِ البعيدة، فوُلِّيَ جُنْدَ "دمشق" أو "حمص"، فلما وُلِّيَ المأمونُ الخلافةَ، غَنّاه عَلَّويْه بشعر الخَلَنْجِيّ، هو هذا:
بَرِئْتُ من الإسلام إن كان ذا الذي … أتاك به الواشُون عنِّي كما قالوا
ولكنَّهم لما رأوْكِ غَرِيَّةً … بهَجْرِي تَواصَوْا بالنَّمِيمة واحْتالوا
فقد صِرْتِ أُذنًا للوُشاة سَمِيعةً … ينالون مِن عِرْضِي ولو شِئْتِ ما نالوا
فقال له المأمون: مَن يقول هذا الشعر؟ قال: قاضي "دمشق". فأمر المأمونُ بإحضاره، وكَتب إلى صاحب "دمشق" بإشخاصِه، فأُشْخِصَ، وجلس المأمونُ، أحْضَر عَلَّوَيْه، ودعا بالقاضي، فقال: أنْشِدْنِي قولَك:
* بَرِئْتُ من الإسلام إن كان ذا الذي *
فقال: يا أميرَ المؤمنين!، هذه الأبيات قلتُها من منذ أربعين سنة وأنا صَبِيٌّ، ووَالَّذي أكْرَمَك بالخلافة، ووَرَّثكَ ميراثَ النُّبُوَّة، ما قلتُ شعرا من أكْثر من عشرين سنة، إلا في زُهْدٍ، أو عتاب صديق. فقال له: اجلسْ. فجلس، فناوَلَه قدح نَبيذٍ كان في يده، فقال له: اشْرَبْ. فأُرْعِدَ وبَكَى، وأخَذَ القَدَح من يده، وقال: والله يا أمير المؤمنين! ما غَيَّرْتُ الماء بشيء قطُّ مما يُخْتَلَف في تَحْلِيلِه. فقال: لعلَّك تُريدُ نَبيذَ التَّمْرِ والزَّبيبِ؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين! ما أعْرِفُ شيئا منهما، فأخذَ القَدَحَ من يده، وقال: أما والله لو شرِبْتَ شيئا من هذا لَضَربْتُ عُنُقَك، ولكن ظنَنْتُ أنَّك صادقٌ في قولِك كلِّه، ولكن لا يتوَلّى القضاء أبدا رجلٌ بدأ في قولِه بالبراءة من الإسلام، انْصَرِفْ إلى منزِلك. وأمرَ عَلَّوَيْه فغيَّر هذه الكلمة، وجعل مكانها: حُرِمْتُ مُنائي مِنْكِ. ورُويَتْ هذه القصّةُ لغير الخَلَنْجِيّ. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
* * *
стр. 3704
٢٥٥٨ - الشيخ العالم الكبير المحدّث البارع عبد الله (١) بن محمد بن يعقوب بن
стр. 3705
الحارث الأستاذ السبذموني *
стр. 3706
عن السمعاني أنه كان كثير الحديث، وكان معروفا بالأستاذ.
ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين، ومات في شوّال سنة أربعين وثلاثمائة.
أخذ عن أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير عن أبيه عن محمد.
وله "كشف الآثار الشريفة في مناقب أبي حنيفة".
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": ذكره السمعاني في ذكر السبذموني، بعد ما ذكر أنه نسبة إلى "سبذمون" بضمّ السين أو فتحها، وفتح الباء، وسكون الذال المعجمة، وضم الميم، في آخره نون: قرية من قرى "بخارى" على نصف فرسخ. وقال: المشهور منها أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث بن الخليل الكلاباذي الفقيه الحارثي السبذموني، المعروف بالأستاذ، كان شيخا مكثرا من الحديث، غير أنه كان ضعيف الرواية، غير موثوق به فيما ينقله من الرواية، رحل إلى "خراسان"، و"العراق"، و"الحجاز"، وأدرك الشيوخ، حدّث عن محمد بن الفضل البلخي، والفضل بن محمد، والحسين بن الفضل البلخي، ومحمد بن يزيد الكلاباذي، وعبد الله بن واصل، وسهل بن المتوكّل، وعلي بن حسين بن جنيد الرازي، وموسى بن هارون الحافظ، وغيرهم. وذكره أبو بكر الخطيب الحافظ. وقال عبد الله الأستاذ: صاحب عجائب وغرائب ومناكير، وليس بموضع الحجّة. وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال الحاكم: صاحب عجائب، وأفرد عن الثقات، سكتوا عنه، وكانت ولادته في ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين ومائتين، ومات في شوال سنة أربعين وثلاثمائة. وذكر القارئ أنه قد روى عنه ابن مندة، وأكثر عنه، وأنه صنّف "مسند أبي حنيفة"، ولما أملى مناقب أبي حنيفة كان يستملي عليه أربعمائة مستملي.
стр. 3707
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": ذكره اليافعي في "مرآة الجنان" في حوادث سنة ثلاث وسبعين وستمائة، حيث قال: فيها توفي قاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن محمد الأذرعي الحنفي المشار إليه في عصره، مع الدين والتواضع والصيانة والعفّة، وسيأتي ذكر ولده، والأذرعي بفتح أوله، ثم الذال المعجمة الساكنة، ثم الراء المهملة المفتوحة، نسبة إلى أذرعات بكسر الراء، ناحية بـ "الشام"، ذكره السيوطي في "لب اللباب في تحرير الأنساب".
قال صاحب "إعلاء السنن": قلت: له "كتاب كشف الآثار في مناقب أبي حنيفة"، وصنّف "مسند أبي حنيفة"، وما أملى مناقب أبي حنيفة، كان أبي يستملي عليه أربعمائة مستمل، ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: أكثر عنه ابن مندة، له تصانيف، ونقل عن ابن الجوزي أن أبا سعيد الرواس، قال: متهم بوضع الحديث. قال عبد الله بن محمد: أكبر وأجلّ من ابن الجوزي، ومن أبي سعيد الرواس، كذا في "الجواهر". قال الجامع: وصفه الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" بالحافظ، واحتج بمسنده لأبي حنيفة في "تهذيب التهذيب"، والخوارزمي في "جامع المسانيد"، من طالع مسنده الذي جمعه للإمام أبي حنيفة علم تبحّرَه في علم الحديث، وإحاطته بمعرفة الطرق والمتون، ووصفه بالإمام الحافظ. وفي "اللسان" قال الخيلي: يعرف بالإسناد، له معرفة بهذا الشأن، وهو لين، ضعّفوه. وروى عنه ابن عقدة، وأبو بكر بن دارم، والجعابي، وآخرون. قلت: فلو كان عبد الله بن محمد متّهما، متروكا، لم يكثر عنه الحافظ الإمام الجوال محدّث العصر ابن مندة، ولم يرو عنه الحافظ مثل ابن عقدة، والجعابي، وغيرهم.
* * *
стр. 3708
٢٥٥٩ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن يوسف بن الخَضِر بن عبد الله بن القاسم بن عبد الرحيم الفقيه الحلبِيّ، المتقدّم ذكر أخيه والآتي ذكر أبيه وجدّه *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكَره الدِّمْياطِيُّ في "مُعْجَم شُيوخِه"، وقال: مَوْلِدُه بـ "حَماهُ" سنة تسع وستمائة، وتُوُفِّيَ بقاعة الخطابة، من "القاهرة" سنة خمس وستين وستمائة، ودُفِن بـ "سَفْح المقَطَّم"، وحضرتُ الصلاة عليه. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٦٠ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المنان الرومي، المعروف بعبد الله حلمي، ويوسف زاده، ويوسف أفندي، والأماسي * *
стр. 3709
عالم بالتفسير والقراءات والحديث.
ولد في "أماسية" بـ "تركيا" سنة ١٠٨٥ هـ، واتصل بالسلطان أحمد، والسلطان محمود، العثمانيين، فعرفا قدره.
ومات في "الآستانة" سنة ١١٦٧ هـ.
له كتب كثيرة، منها: "الائتلاف في وجوه الاختلاف" في القراءات العشر، وزبدة العرفان في وجوه القرآن"، و"حاشية على أنوار التنزيل" للبيضاوي، و"حاشية على العقائد النسفية"، و"روضة الواعظين"، و"عناية الملك المنعم" في شرح صحيح مسلم، ثلاث مجلّدات، و"نجاح القاري" في شرح البخاري، عشرون مجلّدا، منه جزء في طوبقبو.
وله نظم بالعربية والتركية والفارسية.
* * *
٢٥٦١ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد الأخسقه وي، الأزغوري، (ضياء الدين، أبو محمد) *
ولد سنة ١١٤٦ هـ.
عالم مشارك في أنواع من العلوم.
درس، وتوفي بـ "القسطنطينية" سنة ١٢١٢ هـ.
من تصانيفه الكثيرة: "جامع الفصول في على الفرع والأصول"، "رواميز الأعيان في بيان مزامير العهود والأزمان" في الجغرافيا، و"التراجم
стр. 3710
والتاريخ" في أربع مجلدات، و"لوامع الأنوار" في مختصرات الكتب في الحديث في أربع مجلدات، و"مرقاة الطريقة المحمدية ومرضاة الشريعة الأحمدية"، و"جامع القواعد" في العربية.
* * *
٢٥٦٢ - الشيخ الإمام العلامة عبد الله بن محمد الأماسي، رحمه الله تعالى *
كان محدّثا كبيرا، صنّف "شرح البخاري"، وسماه "نجاح القارئ في شرح البخاري"، و"شرح صحيح مسلم"، وسمّاه "عناية المنعم في شرح مسلم" في عدّة مجلّدات، وصل إلى نصفه.
توفي سنة ١١٦٧ هـ.
* * *
٢٥٦٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد التوني جوق زاده القسطنطيني * *
مفسّر.
ولد بـ "القسطنطينية"، وبها نشأ، وولي القضاء بـ "المدينة"، وقضاء الجيش بـ "الأناطول".
стр. 3711
وتوفي بـ "القسطنطينية" سنة ١١٨٣ هـ.
من آثاره: "حاشية على تفسير البيضاوي".
* * *
٢٥٦٤ - الشيخ الفاضل الكبير العلامة عبد الله بن محمد الحسيني الشيخ جمال الدين، الدهلوي، المشهور بنقره كار *
له "العباب شرح اللباب" في النحو، صنّفه سنة خمس وثلاثين وسبعمائة لمحمد شاه بن غياث الدين تغلق الدهلوي، ونسخة هذا الكتاب موجودة في مكتبة خدا بخش خان بمدينة "عظيم آباد"، كما في "محبوب الألباب".
ومن مصنّفاته: "شرح تنقيح الأصول" لصدر الشريعة عبد الله بن مسعود المحبوبي، وعلى هذا الشرح حاشية للشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة، ذكره الفاضل الجلبي في "كشف الظنون"، وذكر أنه توفي سنة خمسين وسبعمائة.
* * *
٢٥٦٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد الدارندي، الملقّب بعرفاني * *
فاضل.
стр. 3712
من آثاره: "الفوائد اللطيفة في شرح البسملة الشريفة"، و"مسلك السالكين".
كان حيا سنة ١١٨٤ هـ.
* * *
٢٥٦٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد الزّولِيّ *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: سمع من الدِّمْياطِيّ، وعلِّي بن الصَّوَّاف، وغيرِهما.
وحدَّث، ونسَخ بخطِّه "الصَّحيحَيْن"، وقدَّمهما لـ "شَيْخُون"، فقرَّرَه في تَدْريسِ الحديث بـ "الشَّيْخونِيَّة"، فكان أوَّل من وَلِيها، وقرَّره أيضًا في خطابة الجامع، فباشرهما، إلى أن مات، فتقرَّر في الخطابة بعدَه القاضي زينُ الدين البِسْطامِيّ الحنفيّ، واسْتقَرّ في دَرْسِ الحديث صَدْرُ الدين عبد الكريم القُونَوِيّ.
وكانتْ وفاتُه سنة ثلاث وستين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٦٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد، أبو محمد، المعروف بالحاكم الكُفِينِيّ * *
стр. 3713
بضمِّ الكاف وكسْر الفاء وسُكون الياء آخِر الحروف، وفي آخرها النون؛ نسبةً إلى كُفين، وهي قُرَى "بُخارَى". كذا قال السَّمْعانِيّ.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: رَوَى عنه أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الكَرْمِينِيّ.
* * *
٢٥٦٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد الكوتاهيه وي، الرومي *
عالم، فقيه، مشارك في أنواع من العلوم.
من آثاره: "خرائد الفنون في مائة وعشرين فنا من العلوم".
توفي سنة ١١٩٩ هـ.
* * *
آخر الجزء التاسع
ويليه الجزء العاشر، وأوله:
باب من اسمه عبد الله بن محمود
والحمد لله حق حمده
стр. 3714
باب من اسمه عبد الله بن محمود
٢٥٦٩ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمود بن مَوْدود بن محمود بن بَلْدَجِي الموْصِلِيّ، أبو الفضل، الإمام الملَقَّب مجد الدين، الآتي ذِكرُ أبيه محمود، وإخوته: عبد الدائم، وعبد الكريم، وعبد العزيز *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قال ابن حبيب في حقّه: عالم زمانه، فريد وقته، وأوانه، ومقدّم أعلام العلماء والحذّاق، وزعيم الطائفة الحنفية على الإطلاق، صاحب المصنّفات المشهورة، وصاحب أذيال المؤلّفات المأثورة، سارت أخبار فوائده إلى البلاد، سير المثل، ورحل الطلبة إليه، قائلين: لا يدرك المجد إلا فارس بطل. انتهى.
وقال أبو العلاء الفرضي: كانت ولادته بـ "الموصل" في يوم الجمعة سلخ شوّال سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
стр. 3715
سمع بـ "الموصل" من أبي حفص عمر بن طبرزد، وسمع منه الحافظ الدمياطي، وذكره في "معجم شيوخه"، قال أبو العلاء: كان شيخا فقيها، عالما، فاضلا، مدرّسا، عارفا بالمذهب، وكان قد تولى القضاء بـ "الكوفة"، ثم عزل، ورجع إلى "بغداد"، ورتّب مدرّسا بمشهد الإمام، ولم يزل يفتي، ويدرّس إلى أن مات بـ "بغداد" بكرة يوم السبت، تاسع عشر المحرّم، سنة ثلاث وثمانين وستّمائة.
ومن تصانيفه: "المختار" للفتوى، و"كتاب الاختيار لتعليل المختار"، و"كتاب المشتمل على مسائل المختصر". انتهى.
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": الموصلي نسبة إلى "الموصل" بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر الصاد المهملة، في آخره اللام، من بلاد الجزيرة، أي "جزيرة ابن عمر"، ذكره السمعاني، وقد طالعت "المختار"، و"الاختيار"، وهما كتابان معتبران عند الفقهاء، وقد كثر اعتماد (١) المتأخّرين على الكتب الأربعة، وسموها المتون الأربعة: "المختار"، و"الكنز"، و"الوقاية"، و"مجمع البحرين". ومنهم: من يعتمد على الثلاثة: "الوقاية"، و"الكنز"، و"مختصر القدوري"، وقد ذكرت تراجم مؤلّفيها، مع ذكر الكتب المعتمدة