وتوفي بـ "القسطنطينية" سنة ١١٨٣ هـ.
من آثاره: "حاشية على تفسير البيضاوي".
* * *
٢٥٦٤ - الشيخ الفاضل الكبير العلامة عبد الله بن محمد الحسيني الشيخ جمال الدين، الدهلوي، المشهور بنقره كار *
له "العباب شرح اللباب" في النحو، صنّفه سنة خمس وثلاثين وسبعمائة لمحمد شاه بن غياث الدين تغلق الدهلوي، ونسخة هذا الكتاب موجودة في مكتبة خدا بخش خان بمدينة "عظيم آباد"، كما في "محبوب الألباب".
ومن مصنّفاته: "شرح تنقيح الأصول" لصدر الشريعة عبد الله بن مسعود المحبوبي، وعلى هذا الشرح حاشية للشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة، ذكره الفاضل الجلبي في "كشف الظنون"، وذكر أنه توفي سنة خمسين وسبعمائة.
* * *
٢٥٦٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد الدارندي، الملقّب بعرفاني * *
فاضل.
стр. 3712
من آثاره: "الفوائد اللطيفة في شرح البسملة الشريفة"، و"مسلك السالكين".
كان حيا سنة ١١٨٤ هـ.
* * *
٢٥٦٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد الزّولِيّ *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: سمع من الدِّمْياطِيّ، وعلِّي بن الصَّوَّاف، وغيرِهما.
وحدَّث، ونسَخ بخطِّه "الصَّحيحَيْن"، وقدَّمهما لـ "شَيْخُون"، فقرَّرَه في تَدْريسِ الحديث بـ "الشَّيْخونِيَّة"، فكان أوَّل من وَلِيها، وقرَّره أيضًا في خطابة الجامع، فباشرهما، إلى أن مات، فتقرَّر في الخطابة بعدَه القاضي زينُ الدين البِسْطامِيّ الحنفيّ، واسْتقَرّ في دَرْسِ الحديث صَدْرُ الدين عبد الكريم القُونَوِيّ.
وكانتْ وفاتُه سنة ثلاث وستين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٦٧ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد، أبو محمد، المعروف بالحاكم الكُفِينِيّ * *
стр. 3713
بضمِّ الكاف وكسْر الفاء وسُكون الياء آخِر الحروف، وفي آخرها النون؛ نسبةً إلى كُفين، وهي قُرَى "بُخارَى". كذا قال السَّمْعانِيّ.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: رَوَى عنه أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الكَرْمِينِيّ.
* * *
٢٥٦٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد الكوتاهيه وي، الرومي *
عالم، فقيه، مشارك في أنواع من العلوم.
من آثاره: "خرائد الفنون في مائة وعشرين فنا من العلوم".
توفي سنة ١١٩٩ هـ.
* * *
آخر الجزء التاسع
ويليه الجزء العاشر، وأوله:
باب من اسمه عبد الله بن محمود
والحمد لله حق حمده
стр. 3714
باب من اسمه عبد الله بن محمود
٢٥٦٩ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمود بن مَوْدود بن محمود بن بَلْدَجِي الموْصِلِيّ، أبو الفضل، الإمام الملَقَّب مجد الدين، الآتي ذِكرُ أبيه محمود، وإخوته: عبد الدائم، وعبد الكريم، وعبد العزيز *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قال ابن حبيب في حقّه: عالم زمانه، فريد وقته، وأوانه، ومقدّم أعلام العلماء والحذّاق، وزعيم الطائفة الحنفية على الإطلاق، صاحب المصنّفات المشهورة، وصاحب أذيال المؤلّفات المأثورة، سارت أخبار فوائده إلى البلاد، سير المثل، ورحل الطلبة إليه، قائلين: لا يدرك المجد إلا فارس بطل. انتهى.
وقال أبو العلاء الفرضي: كانت ولادته بـ "الموصل" في يوم الجمعة سلخ شوّال سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
стр. 3715
سمع بـ "الموصل" من أبي حفص عمر بن طبرزد، وسمع منه الحافظ الدمياطي، وذكره في "معجم شيوخه"، قال أبو العلاء: كان شيخا فقيها، عالما، فاضلا، مدرّسا، عارفا بالمذهب، وكان قد تولى القضاء بـ "الكوفة"، ثم عزل، ورجع إلى "بغداد"، ورتّب مدرّسا بمشهد الإمام، ولم يزل يفتي، ويدرّس إلى أن مات بـ "بغداد" بكرة يوم السبت، تاسع عشر المحرّم، سنة ثلاث وثمانين وستّمائة.
ومن تصانيفه: "المختار" للفتوى، و"كتاب الاختيار لتعليل المختار"، و"كتاب المشتمل على مسائل المختصر". انتهى.
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": الموصلي نسبة إلى "الموصل" بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر الصاد المهملة، في آخره اللام، من بلاد الجزيرة، أي "جزيرة ابن عمر"، ذكره السمعاني، وقد طالعت "المختار"، و"الاختيار"، وهما كتابان معتبران عند الفقهاء، وقد كثر اعتماد (١) المتأخّرين على الكتب الأربعة، وسموها المتون الأربعة: "المختار"، و"الكنز"، و"الوقاية"، و"مجمع البحرين". ومنهم: من يعتمد على الثلاثة: "الوقاية"، و"الكنز"، و"مختصر القدوري"، وقد ذكرت تراجم مؤلّفيها، مع ذكر الكتب المعتمدة
стр. 3716
وغير المعتمدة، وطبقات الفقهاء، وغير ذلك من الفوائد النفيسة في رسالتي "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير".
* * *
٢٥٧٠ - الشيخ العلامة الكبير المحدّث الجليل عبد الله بن المولوي محمود الدَّرْخَواسْتي، رحمه الله تعالى *
ولد يوم الجمعة في شهر المحرّم الحرام سنة ١٣٢٤ هـ في قرية "دَرْخَواسْت" من مضافات "خان بور" من أعمال "رحيمْ يارْ خان"، من أرض "باكستان".
قرأ مبادئ العلم في داره، وحفظ القرآن الكريم عند أبيه، وعمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة، وقرأ الفارسية والعربية على مولانا عبد الغفور الحاجي بوري، ومولانا محمد صديق الحاجي بوري، وقرأ كتب الصحاح الستّة على شيخ الحديث محمد صدّيق رحمه الله تعالى، وعمره إذ ذاك ثماني عشرة سنة.
وبعد إتمام الدراسة وصل إلى شيخ أبيه مولانا غلام أحمد الدينْبُوري، وبايع في الطريقة والسلوك على يده الكريمة، ثم بنى مدرسة في قرية "دَرْخَواسْت"، وسماها مخزن العلوم.
وكان يدرّس في شهر رمضان تفسير القرآن الكريم على نهج إمام الهند الشاه ولي الله الدهلوي.
من أولاده: مولانا فداء الرحمن الدرخواستي، ومولانا مطيع الرحمن الدرخواستي.
стр. 3717
توفي سنة ١٤١٤ هـ.
* * *
٢٥٧١ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمود الرومي، المعروف بكجوك محمود زاده *
فقيه، أديب، ناظم. ولي القضاء.
له "تخميس قصيدة البردة".
توفي سنة ١٠٤٢ هـ.
* * *
٢٥٧٢ - الشيخ الفاضل عبد الله بن مسعود أبو يعقوب، الجُرْجانِيّ * *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: تفقَّه بالصَّنْدَلِيّ.
ذكَره الهَمَذانِيّ، وقال: ابنُه قاضي "جُرْجان"، وله شعر جَيِّدٌ.
* * *
٢٥٧٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن مصطفى بن محمد الكوبريلي ،
стр. 3718
الرومي *.
من الوزراء.
توفي في بعض الحروب مع الفرس سنة ١١٤٨ هـ.
من آثاره: "إرشاد المريد إلى معرفة الأسانيد"، و"ديوان شعر".
* * *
٢٥٧٤ - الشيخ الفاضل العلامة المحدّث مولانا أبو الحسنات السيّد عبد الله بن مولانا السيّد مظفّر حسين الحيدرآبادي * *
كان محدّثا كبيرا، عالما جليلا، فاضلا مدقّقا.
صنّف "زجاجة المصابيح على منهاج مشكاة المصابيح"، جمع فيها أدلّة الأحناف والأحاديث، التي استدلّ بها الحنفية، على خمسة مجلّدات، وضع أبوابه وعناوينه كأبواب "مشكاة المصابيح".
قال المؤلف العلام رحمه الله تعالى في مبدأ كتابه: الحمد لله الذي هو نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة، فيها مصباح، المصباح في زجاجة، وهو الهادي إلى سبل السّلام، وفجاجه، وملهمنا طريق الحق، ومنهاجه، والمعطي باتباع السنن البهّاجة، وبيده الكريمة إنجاح الحاجة، والصّلاة والسّلام على رسوله، الذي جعله الله للعالمين سراجا، وأنزل عليه الكتاب، ولم يجعل له اعوجاجا، وهو الذي دخل الناس في دينه أفواجا، وسمى
стр. 3719
الخلائق عام ولادته ابتهاجا، وعلى آله وأصحابه، الذين هم مصابيح الهدى، ونجوم الاقتداء، ما كان الزيت يضئ سراجا.
أما بعد! فيقول أفقر عباد الله إلى رحمة الله أبو الحسنات السيّد عبد الله بن مولانا السيّد مظفّر حسين الحيدرآبادي الحنفي، - عاملهما الله بلطفه الخفي، وتجاوز عنهما بكرمه الوفي -: إن التمسّك بهدي النبيّ ﷺ ، لا يستتبّ إلا بالاقتفاء لما صدر من مشكاة صدره، والاعتصام بحبل الله لا يتمّ إلا ببيان كشف أسراره، وكان كتاب "مشكاة المصابيح"، الذي ألّفه مولانا الحبر العلامة والبحر الفهّامة مظهر الحقائق وموضح الدقائق، الشيخ التقي النقى ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب التبريزى أجمع كتاب في الأحاديث النبوية، وأنفع لباب من الأسرار المصطفوية، وأجمع تأليف صنّف في بابه، وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها، ولما سلك الخطيب - رفع الله درجته - في تصنيفه مسلك الإمام الشافعي، ﵁، كثيرا ما كان يختلج في قلبي أن أؤلف كتابا على منوال "المشكاة"، أسلك فيه مسلك إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان، - عليه الرحمة والرضوان -، إلا أن ضيق باعي قد كان يثبُطني عن القيام في هذا المقام، حتى رأيت في المنام أن شمس الضحى وبدر الدجى، ونور الهدى ومصباح الظلم، حبيبنا النبيّ الأكرم، ﷺ ، طلع عليّ، وقال: سلاما، قلت: سلام، فضمّني، روحي فداه، إلى صدره، الذي هو منبع العلم والحكم، وعانقني، فلمّا استيقظت فرحا ومسرورا، حمدت الله على هذه النعمة، وشكرت له، فاصبحت هذه الرؤيا الصالحة شرحا لي صدري، وصار عسره عليّ بها يسري، فصممت عزمي بتأليفه، وشددت ميزري لكتابته، وما وضعت فيه حديثا، إلا وصلّيت على النبيّ، ﷺ عند وضعه، وسميته "زجاجة المصابيح".
стр. 3720
والله تعالى أسأل سؤال الضارع الخاشع، متوسّلا بحبيبه المشفّع الشافع أن يجعله خالصا لوجهه من فضله، وأن ينفع المسلمين به، كما ينفعهم بأصله، وأن يتقبّل هذا، ويجعله ذخيرا لمعادي، إنه بالإجابة جدير، وعلى كلّ شيء قدير. انتهى.
بذل المؤلّف العلام قصارى مجهوده بجمع تلك الأحاديث وترتيبها، التي منها تستنبط مسائل الفقه الحنفي، وبها تأيّد (وحذا في ذلك حذو مشكاة المصابيح)، وذلّل صعابها، وأنار غياهبها برؤيته الثاقبة، وفكرته الغامضة، حتى وجد ضالّته المنشودة على أحسن ما يرام، جعل الله أمنيته ضاحكة مستبشرة بأبهر نجاح.
ومما يزداد به القارئ بصيرة أن المؤلّف العلامة ألزم نفسه عدّة أمور في تأليفه هذا، وهي هذه:
الأول: قد جمع لكلّ موضوع كبير من موضوعات الكتب ما يتعلّق به من الآيات القرآنية، وقد تلا في ذلك تلو "صحيح البخاري".
الثاني: قد سلك المؤلّف في تبويب هذا الكتاب مسلك "المشكاة"، لأن غايته لم تكن إلا أن يدّخر ذخيرة جامعة على أسلوبها، توفي بمقصود أصحاب الفقه الحنفي، وتشفي غلّتهم.
الثالث: كما أن صاحب "المشكاة" رعا في التبويب وجهة الفقه الشافعي، ولاحظه ثقة به، وتأييدا إياه، فكذلك أقام الفاضل المؤلّف مقامه وجهة الفقه الحنفي تحقيقا إياه، وتأكيدا عليه.
الرابع: لا توجد مسألة في "المشكاة" إلا وقد انتشرت أحاديثها، التي يستدلّ بها في ثلاثة فصول، وذلك ما يشقّ على القرّاء التفحّص عنها والوقوف عليها، لأن القارئ في هذه الصورة لم يستطع أن يلمّ بما قصد إليه في نظرة خاطفة، ولكن الفاضل المؤلّف أجاد فيما أفاد من أنه جمع لكلّ مسأله كلّما ينوط به من الأحاديث النبوية في موضع واحد، لا ترى فيها عوجا، ولا فصلا.
стр. 3721
الخامس: لا خفاء في أن الفقه الحنفي بحر، لا يرى ساحله، فما من مسألة من مسائله إلا وفيها أقوال يفوتها الحصر، فلذلك تسهيلا على القرّاء الكرام، وتقريبا إلى الأفهام، أخذ المؤلّف اللبيب أولا: قولا أفتي به، وثانيا: شفعها، وأتبعها بحديث من الأحاديث النبوية الذي يواقفه، ويوثّقه، وثالثا: مهّد السبيل إلى ردّ ما يرد عليه من القدح فيه، وقد ذيّل أكثر الأحاديث بالنقض على الرواة، لينقشع غمام الريب عمّا هو الحقّ.
السادس: لقد زيّن المؤلّف حواشي الكتاب بالأجوبة المؤيّدة بالحجج الدامغة، كشف القناع غن المقاصد الحنفية، بعد التعبير الصحيح عن الأحاديث، وكتب المسائل على أحوط طريق.
السابع: يشتمل هذ التأليف الجليل على خمسة أجزاء.
وفي صدر هذا الكتاب القيم تقريظ فقيه "هرات" مولانا أبو نصر محمد أعظم البرنابادي الهروي، وكتب إلى المؤلف العلام قائلا:
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزكم الله تعالى خير الجزاء، فقد فزت بما رجوت بعد دراسة الجزئين الأولين من وصول ثلاث نسخ من الجزء الثالث من أفضالكم وألطافكم، ففرحت فرحا بليغا، وحمدت الله تعالى، وتشكّرت لكم حمد العاجرين، بارك الله تعالى فيكم، فقلت: الحمد لله الذي أنشأ رجالا يحيون رسوم الدين، والصّلاة والسّلام على من بشرنا بظهور المجدّدين للدين في كلّ قرن وحين، وعلى آله الهادين المهتدين.
وبعد! فقد قرّت عيني بدراسة الجزئين الأولين من "زجاجة المصابيح"، ووسع قلبي، وشرح صدري بوصول الجزء الثالث من منبع الأصاحيح، فقد فزت في بحر زاخر، في بابه كاف، وبرهان باهر للأحناف، وقانون لسقام الجهل، والقدح في المذهب شاف، لا يستقصي فوائدها إلا من عمق النظر في عوائدها، وقد نبّه عليها نبذا في البدء ناشرها، ويظهر عليها إذا ألقى السمع شهيد القلب بالإنصاف ناظرها، جزى الله تعالى عنا مؤلّفها، ومن سعى فيها.
стр. 3722
وأنا الفقير أبو نصر محمد أعظم البرنابادي الهروي،
غفر الله تعالى له ولمشايخه، آمين.
وفي الصفحة التالية تقريظ الفاضل الأجلّ مولانا عبد الفتّاح أبو غدّة، ونصّه ما يلي:
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمد وآله وصحبه والتابعين.
أما بعد! من الفقير إليه تعالى عبد الفتّاح أبو غدّة إلى السيّد الهمام أبي الحسنات والآثار الطيبات المباركات مولانا السيّد عبد الله ابن مولانا السيّد مظفّر حسين الحيدرآبادي، حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد! فقد منّ الله تعالى عليّ هذا العام بأداء فريضة الحجّ وحجّة الإسلام، وسهَّل لي من فضله أن أشهد منافع ربطها سبحانه بهذا الركن العظيم، وكان من جملة تلك المنافع العظيمة: أن التقيت بالجزء الأول من كتابكم "زجاجة المصابيح"، فاستنار به بصري وبصيرتي، وشكرت الله تعالى على ما آتاكم، وسدّدكم، فجزاكم الله عن الإسلام والسادة الحنفية أفضل الجزاء.
وأنا الفقير إليه تعالى عبد الفتاح أبو غدّه
خادم طلبة العلم الشريف بمدينة "حلب" الشهباء،
حرسها الله تعالى وسائر بلاد المسلمين.
يوم السبت ١٤ من المحرم ١٣٧٧ هـ.
وقال المؤلّف في ختام هذا الكتاب: والحمد لله الذي جعلنا من خير الأمم، وعلى دين نبينا محمد، ﷺ ، ثم الحمد لله على الإتمام، والصلاة والسلام على خير الأنام، وقد فرغت من تسويد هذا التأليف أنامل العبد المفتقر إلى رحمة الله أبي الحسنات السيّد عبد الله بن مولانا السيّد مظفّر
стр. 3723
حسين الحيدرآبادي الحنفي، عامله الله بلطفه الخفي، وكرمه الوافي، وعفا عما زلّ قدمه، أو خلّ قلمه، وختم له بالحسنى، وبلغه المقام الأسنى، مع الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله، كفى بالله عليما، وذلك عشية نهار الجمعة، عاشر جمادى الأولى، عام ثمان وستين بعد ثلاثمائة، وألف، من الهجرة النبوية، على صاحبها ألوف من الصلاة وآلاف من التحية.
سند الحديث النبوى لمؤلّف هذا الكتاب:
أحمده على ما تفضل بمنح كرائم الأجور على أهل الطاعة، وفضل على فرق الإسلام، الفرق الناجية من أهل السنّة والجماعة، حتى كشف نقاب الارتياب عن وجوه مناقبهم، صاحب المقام المحمود، والعظمى من الشفاعة، لقوله ﷺ : لا يزال طأئفة من أمتي منصورين، لا يضرّهم من خذلهم، حتى تقوم الساعة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبارك على سيّدنا ونبينا محمد، الذي فرض الله على كافّة الأمم اتباعه، وجعل سدنة الحق وأئمة الهدى شياعه، ثم السّلام والتحية والرضوان على عترته، وأهل بيته، وكرام صحبه، أرباب النجدة والجود والشجاعة، الذين جعل الله موالاتهم في سوق الآخرة خير البضاعة، ما دام ذبّ الباطل عن حريم الحقّ أفضل عمل وخير صناعة.
أما بعد! فيقول العبد المفتقر إلى من هو إحسانه فوق كلّ إحسان، محمد عبد الرحمن الأنصاري السهارنفوري: إن أخي المولوي السيّد عبد الله المجدّدي النقشبندي القادري ابن المولوي السيّد مظفّر حسين النلدركي من مضافات "حيدرآباد"، صانه الله عن كلّ واهية وفساد، قد عرض عليّ "الصحيحين" للبخاري ومسلم، و"الجامع" للترمذي مع "شمائله"، و"السنن" لأبي داود، والنسائي، وابن ماجه القزويني، و"مشكاة المصابيح"، ﵏ أجمعين قراءة وسماعة تامة كاملة. قد أجزت له أن يدارس الكتب المذكورة،
стр. 3724
ويعلم المستفيدين بها بالشروط المعتبرة عند أهل الحديث بهما أجازني والدي مولانا الحاج الحافظ المحدّث أحمد علي الأنصاري السهارنفوري رحمه الله تعالى، عن مولانا الشاه محمد إسحاق الدهلوي، عن الشيخ الأجلّ الحجّة حضرة الشاه عبد العزيز - نور الله مراقدهم - بالسند المذكور في الكتب المطبوعة في المطبع الأحمدي من "الجامع" للترمذي وغيرها، وآخر وصيتي أن يتمسّك بسنة النبيّ الرصين، ويحيى شرائع الإسلام، وشرائع الدين المتين، ويمحي آثار البدع، ويصدع بالكلمة الحقّ حقّ الصدع، حتى يأتيه اليقين، فإن التمسّك بالسنّة عند فساد الأمة طريق رشيد وأمم سديد، وقد قال رسول الله ﷺ : من تمسّك بسنّتي عند فساد أمتي، فله أجر مائة شهيد، وأرجو أن لا ينساني من دعاء الخير، والله المستعان، وعليه التكلان، وآخر دعوانا: أن الحمد لله، ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على نبيه محمد وآله وأصحابه أجمعين.
* * *
٢٥٧٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن مُغُلْطاي بن قَليج، أبو محمد، جمال الدين ابنُ الإمام المحدّث عَلاء الدين *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكره في "الغُرَف العَلِيَّة"، وقال: وُلِد بـ "القاهرة"، في شهور سنة [تسع] عشرة وسبعمائة، وسمع وحدَّث، ورَوَى عنه أبو حامد ابنُ ظَهيرة بالإجازة، وكانت وفاتُه بـ "القاهرة" يوم الثلاثاء، ثاني عشر ربيع الأوَّل، سنة إحْدى وتسعين وسبعمائة.
стр. 3725
وذكره البُرْهان الحلبِيّ في "مَشْيخته"، وقال: سمع من يحيى بن المصْرِيّ "الغوامض والمهمات" لعبد الغنِيّ، وكان يتكسَّب بجلوسه في حانوتِ الشُّهود للشهادة، وسمع منه الفُضَلاء، إلى أن قال: وقرأتُ عليه كتاب "الغَوامض" المذكور. وأرَّخ وفاتَه كما ذكرْنا.
وساق صاحبُ "الغُرَف" في ترجمته أُعْجوبةً من أعاجِيب الزمان، لا بأس بذِكْرها لغَرابتِها، وأنا من صِحَّتِها في شُبْهةٍ، ولكن قدرة الله شاملة لكلّ شيء، وهي: أنَّه كان في سنة ستّ وسبعين وسبعمائة للأمير شرف الدين عيسى والِي الأشْمونَيْن بنتٌ راهقَتْ البُلوغَ، وأنَّها لما بلغَتْ خمسة عشرَ سنةً، اسْتَدَّ فَرْجُها، ونَبَتَ لها ذكرٌ وأنْثَيان، وبلغَ ذلك الأشرفَ شعبانَ بن قَلاوُون، فأرْسَلَ [في] طلبها، وأحْضَرها، وشاهَدها، ولما تحقَّق ذلك أمرَها أن تلْبَسَ ثيابَ الرِّجال، وسمّاها "محمد"، وأمرَه بالمشيِ في خِدْمته، وأقْطَعه إقْطاعا، والله تعالى أعلم.
* * *
٢٥٧٦ - الشيخ الفاضل مولانا المفتي عبد الله بن ميان بيران دتّه السليماني الكجراتي *
ولد ٩ جمادى الثانية سنة ١٢٨٠ هـ في موضع "كنجاه" من أعمال "كُجْرَات".
قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، والتحق بها، وقرأ فيها عدّة سنين، قرأ فيها كتب الصحاح الستّة، وغيرها من الكتب الحديثية.
стр. 3726
وبعد الفراغ اشتغل بالوعظ والإرشاد والدعوة والتبليغ.
توفي ٢٧ ربيع الثاني سنة ١٣٨٣ هـ، ودفن في مقبرة آبائه.
* * *
٢٥٧٧ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الله بن ميان نور محمد اللدهيانوي *
ولد ٢٢ رجب سنة ١٣٢٢ هـ.
قرأ مبادئ العلم على والده، وقرأ العلوم العصرية عدّة سنين، ثم التحق سنة ١٣٤٢ هـ بدار العلوم ديوبند، وقرأ أربع سنين فيها، وقرأ الصحاح الستّة وغيرها من الكتب الحديثية فيها.
بايع في السلوك على يد المفتي عزيز الرحمن العثماني الديوبندي، ثم بعد وفاته على يد مولانا عبد الرسول رحمه الله تعالى، وحصلت له الإجازة من مولانا أبي السعد أحمد خان رحمه الله تعالى.
توفي يوم الخميس ٢٧ شوّال سنة ١٣٧٥ هـ، ودفن بعد أن صلّي على جنازته في مقبرة خانكاه سراجية عند بجوار شيخه.
* * *
٢٥٧٨ - الشيخ الفاضل عبد الله بن نُمَيْر، الإمام الحافظ، أبو هشام الهَمْدانِيّ ، ثم الخَارِفِيّ، الكُوفي،
стр. 3727
والدُ الحافظ الكبير محمد *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: حدَّث عن هشام بن عُرْوَة، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم.
روَى عن أبي حنيفة مسألة: اللّعان تطْلِيقة بائنةٌ.
وحدَّث عنه ابنه، وأحمد، وابنُ مَعين، وإسحاق الكَوْسج، وأحمد بن الفُرات، خَلْق.
ووثَّقه يحيى بن مَعين، وغيره.
وكان من كبار أصحاب الحديث.
تُوُفِّيَ سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة. رحمه الله تعالى.
قال صاحب "إعلاء السنن": هو من رجال الجماعة، روى له الشيخان، وأصحاب السنن، كلّهم ذكره الذهبي في الحفّاظ، ووصفه بالحافظ الإمام والد الحافظ الكبير محمد، وثقه يحيى بن معين، وكان من كبار أصحاب الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صدوقا، وقال العجلي: ثقة، صالح الحديث، صاحب سنة. من التهذيب ٦: ٥٨.
* * *
стр. 3728
٢٥٧٩ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الله بن نور محمد بن ميان محمد السليم بُوري، رحمه الله تعالى *
ولد سنة ١٣٢٢ هـ من قرية "سليم بور" من أرض "الهند".
قرأ العلوم العصرية في إسكول عدّة سنين، ثم التحق بالشيخ مولانا محمد إبراهيم، وقرأ عليه مبادئ العلم، ثم التحق بالمدرسة العزيزية بـ "لدهيانه"، وقرأ فيها سنتين، ثم سافر إلى "أمرَتْسَر"، ثم إلى دار العلوم ديوبند، والتحق بها، وأتمّ فيها الدراسة العليا، ثم حصل علم الطبّ بـ "سَرْغُوْدَ".
بايع في الطريقة والسلوك على يد المفتي الأعظم عزيز الرحمن العثماني، رحمه الله تعالى، وحجّ، وزار عدّة مرّات.
توفي ٢٧ شوّال سنة ١٣٧٦ هـ، وصلّى على جنازته مولانا شاه محمد ﵀، ودفن في جوار الخانقاه السراجية.
* * *
٢٥٨٠ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الله بن مولانا نور محمد الأحمدبوري * *
ولد ١٣٤٧ هـ في قرية "نورمحمد بتواني" من مضافات "لياقتبُور" من أعمال "رحيم يار خان"، من أرض "باكستان".
стр. 3729
قرأ مبادئ العلم في بيته عند والده، ثم قرأ العلوم العصرية إلى الصفّ السابع، ثم التحق بالجامعة العبّاسية بهاولبُور، أتم الدراسة سنة ١٣٦١ هـ.
من أساتذته فيها: مولانا غلام محمد الكوتوي، ومولانا محمد صادق البهاولبُوري، وغيرهم، رحمهم الله تعالى، ثم التحق بشيخ التفسير مولانا أحمد علي اللاهوري، وقرأ التفسير عليه، وقرأ عدّة أحاديث من "صحيح البخاري" على شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني، وحصل الإجازة في رواية الحديث منه.
من تصانيفه: "إسلام اور مرزائيات"، و"عقيدة نزول عيسى"، ﵇، و"له دعوة الحق"، و"أكابر ديوبند"، و"مقام سيّدنا فاروق أعظم"، و"ديني مدارس كا ماضي وحال"، كلّها باللغة الأردية.
توفي سنة ١٤٢٣ هـ، ودفن في مقبرة آبائه.
* * *
٢٥٨١ - الشيخ الفاضل عبد الله أبو العبّاس المأمون ابن الخليفة هارون الرّشيد ابن الخليفة محمد المهْدِي ابن الخليفة عبد الله أبي جعفر المنْصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس الهاشمِيّ العبّاسِيّ البَغْداديّ، أفضل خُلَفاء بني العبّاس على الإطْلاق *
стр. 3730
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكره صاحبُ "النجوم الزاهرة"، وقال: كان نبيلا، قرأ القرآن في صغره، وسمع من هُشَيم، وعبّاد بن العَوّام، ويوسف بن أبي عَطِيَّة، وأبي مَعاوِية الضَّرير، وطبقتِهم، وبَرع في الفقه على مذهب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، والعربية، وأيّام الناس، ولما كَبِرَ عُنِيَ بالفلسفة وعُلوم الأوائل، ومهَر فيها، فَجرَّه ذلك لقوله بخَلْق القرآن، وكان من رجال بني العبّاس، حَزْما، وعَزْما، عِلْما، وحِلْما، ورأيا، دَهاءً، وهَيْبَةً، وشجاعةً، وسُؤْدَدا، وسمَاحةً، لولا أنَّه شان ذلك بقوله بخلْق القرآن. انتهى.
أقول: قد تقدّم في ترجمة ابن أبي دُوَاد ذكر شيءٍ من أخْبار المأمون وأوْصافِه على سبيل الاخْتصار، كُنّا سُقْناه على سبيل الاسْتِطْراد، قبلَ أن اطَّلَعْنا على كلام صاحب "النجوم الزاهرة" هذا، وأنَّه كان حنفيُّ المذهب، ولما عَلِمْنا ذلك وتحقَّقْناه، تَعَيَّن علينا ذكرُه في هذا المحلِّ إجْمالا وتفصيلا، فنقول، وبالله الإعانة، ومنه الهداية:
كانتْ ولادةُ المأمون، كما رواه الخطيبُ وغيرُه، سنة سبعين ومائة، في الليلة التي مَلَك فيها أبوه هارون في شهر ربيع الأوَّل، وقد مات في هذه الليلة خليفةٌ، ووُلِدَ خليفةٌ، وَوَلِيَ خليفةٌ، مات موسى، ووَلِيَ الرشيد، ووُلِدَ المأمون، وكثيرا ما يذكر المؤَرِّخون هذه الليلة في غرائب الاتِّفاق.
стр. 3731
وكان المأمون أبيض اللَّوْن، رَبْعَةً، حسن الوجه، قد وَخَطه الشَّيْبُ، تعْلُوه صُفْرةٌ، أعْيَنُ، طويلُ اللِّحْية رَقيقُها، ضَيِّق الجبين، على خَدِّه خالٌ، وكان ساقاه دون سائر جسده صَفْراوَيْن، حتى كأنَّهما طُلِيَتا بالزَّعْفَران.
وعن اليَزِيدِيّ، أنّه قال: كنتُ أُؤدِّبُ المأمون، فأتيتُه يوما، فوجدتُه داخل المنزل، فوجَّهْتُ إليه بعضَ خَدَمِه يُعْلِمُه بمكاني، فأبْطَأَ عليَّ، ثم وجَّهْتُ إليه آخر، فأبْطَأ وتأخَّر، فلما خرج أمَرْتُ بحَمْلِه، فضربتُه سَبْعَ دِرَرٍ. قال: فإنَّه ليَدْلُكُ عيْنَيْه من البُكاء، إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقْبَل، فأخذ مِنْديلا، فمسَح عيْنَيْه من البُكاء، وجمع ثيابَه، وقال إلى فَرْشَةٍ، وقَعَدَ عليها مُتربِّعا. ثم قال: لِيَدْخُلْ. فدخل فقُمْتُ من المجلس، وخِفْتُ أن يَشْكُوَنِي إليه، فألْقى منه ما أكْرَهُ. قال: فأقْبَلَ عليه بوَجْهِه وحديثه حتى أضْحكَه، وضَحِكَ إليه، فلمّا همَّ بالحركة، دعا بدابَّته، وأمَر غِلْمانَه، فسَعَوْا بين يَدَيْه، ثم سأل عنِّي، فجئتُ، فقال: خُذْ علَيَّ ما بَقِيَ من جُزْئي. فقلتُ: أيّها الأميرُ، أطالَ اللهُ بقاك، لقد خِفْتُ أن تَشْكُوَنِي إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلتَ ذلك لَتنَكَّر لي، فقال: أتُرانِي يا أبا محمد كنتُ أُطْلِع الرشيد على هذه، فكيف بجعفر بن يحيى حتى أُطْلِعَه؟ إنِّي أحْتاجُ إلى أدب، إذا يغفرُ الله لك بُعْدَ ظَّنِّك، ووَجِيبَ قلبِك، خُذْ في أمْرِك، فقد خطَر ببالك ما تراهُ أبدا، ولو عُدْتَ في كلِّ يوم مائة مرّةٍ.
وكانتْ ولايته الخلافةَ في المحرّم، لخمسٍ بَقينَ منه، بعدَ مَقْتلِ أخيه، سنة ثمان وتسعين ومائة، فاسْتمرَّ في الخلافة عشرين سنة وخمسةَ أشْهُرِ.
قال ابنُ كثير في "تاريخه": وقد بايَع في سنة إحدى ومائتين بولاية العَهْدِ من بعدِه لعليِّ الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين ابن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وخلَع السَّواد، ولبِس الخُضْرَة، كما قدَّمنا، فأعْظَمَ ذلك العبّاسِيُّون من البَغْادِدَةِ وغيرِهم، وخلَعوا المأمون، وولَّوا عليهم
стр. 3732
إبراهيم بن المهْدِيّ، ثم ظَفِر بهم المأمونُ، واسْتقام أمرُه في الخلافة، وذلك بعدَ مَوْتِ عليّ الرِّضا بـ "طُوسَ"، وعَفا عن عمِّه إبراهيم بن المْهدِيّ.
قال: وروَى الخطيبُ البغداديّ، عن القاسم بن محمد بن عبّاد، قال: لم يَحْفَظِ القرآن أحدٌ من الخلفاء غيرَ عثمان بن عفان، والمأمون، وهذا غريب جدًّا.
قالوا: وكان يتْلو في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة.
وجلس يوما لإملاء الحديث، فاجْتَمَع حولَه القاضي يحيَى بن أكْتَم، وجماعةٌ، فأملَى عليهم من حِفْظِه ثلاثين حديثا.
وكانتْ له بَصيرةٌ بعلوم مُتَعدِّدة؛ من فقه، وطِبٍّ، وشعر، وفرائض، وكلام، ونحو، وعربية، وغريب، وعلوم النُّجوم، وإليه يُنْسَبُ "الزِّيجُ المأمُونِيّ".
ورَوَى ابنُ عساكر، أنَّ المأمون جلس يوما للناس، وفي، مجلسه العلماءُ والأمَراء، فجاءتْ امرأةٌ تتظَلَّم إليه، فذكرتْ أنَّ أخاها تُوُفِيّ، وترك سِتَّمائة دينار، فلم يحْصُلْ لها سِوَى دينار واحد. فقال لها على البديهة: قد وصَل إليك حقُّك؛ لأنّ أخاْك قد تَرَك بِنْتَيْن، وأمّا، وزوجةً، وأثْنَى عشر أخا، وأخْتا، وهي أنتِ. قال: نعم، يا أمير المؤمنين!. فقال: للبنتين الثُّلثان، أربعُمائة دينار، وللأُمِّ السُّدس، مائةُ دينار، وللزَّوجة الثُّمُن خمسة وسبعون دينارا، يبقى خمسة وعشرون دينارا، لكلّ أخٍ ديناران، ولك دينار واحدٌ. فتعجَّب الناس من فِطْنَتِه وسُرْعة جَوابِه.
وقد روينا هذه الحكاية أيضًا عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
ودخل [بعض] الشُّعَراء على المأمون، وأنْشَدَه بيتا من شِعْره قالَه فيه، وكان الشاعر يُعْجَبُ به، فلم يقعْ من المأمون مَوْقِعا، ولا رفَع له رأسا، فلمّا خرَج من عِندِه لقيَهُ شاعرٌ آخَر، فشكا له حالَه، وعدمَ إقْبالِ المأمون على شِعْره، فقال له: ما هو؟ فقال:
стр. 3733
أضْحَى إمام الهدى المأمونُ مُشْتَغِلا … بالدِّين والناسُ بالدُّنيا مَشاغِيلُ،
فقال له ذلك الشاعر: ما زِدْتَ على أن جعلتَه عَجوزًا في مِحْرابها، في يدِها سُبْحةٌ، فمن يقوم بأمْر الدُّنيا إذا كان مَشْغولا عنها، وهو المطَوِّق بها، فهلا قلتَ كما قال جَرِيرٌ في عبد العزيز بن الوليد، وهو:
فلا هو في الدنيا مُضيعٌ نَصيبَه … ولا غَرَضُ الدُّنيا عن الدين شاغِلهْ
روى ابنُ عَساكِر، من طريق النَّضْر بن شُمَيْل، قال: دخلتُ على المأمون، فقال: كيف أصْبَحْتَ يا نضر؟ قلتُ: بخيرٍ يا أمير المؤمنين! قال: ما الإرْجاءُ؟ فقلتُ: دينٌ يُوافقُ الملوك، يُصيبون به من دُنْياهم، ويَنْقُصون من دينهم. قال: صدَقْتَ. ثم قال: يا نضر، أتَدْري ما قلتُ صَبِيحة هذا اليوم؟ قلتُ: أنَّى لي بعلمِ الغيبِ. فقال:
أصْبَح ديني الذي أَدينُ به … ولستُ منه الغداةَ مُعتَذِرَا
حُبَّ عَليٍّ بعدَ النَّبِيّ ولا … أشْتُمُ صِدِّيقَنا ولا عُمَرَا
وابنُ عَفان في الجنان مع الأبـ … ــرار ذاك القَتيلُ مُصْطَبِرا
لا ولا أشْتُمُ الزُّبَيْرَ ولا … طَلْحَةَ إنْ قال قائلٌ غَدَرا
وعائشُ الأمُّ لستُ أشْتُمُها … مَن يَفْتَرِيها فنحنُ منه بَرَا
قال ابنُ كثير: وهذا المذهب ثاني مراتب التَّشَيُّع، وقبلَه تفضيلُ عليِّ على عثمان، رضي الله تعالى عنهما، وقد قال بعضُ السَّلف: مَن فضَّل عليًّا على عثمان، فقد أزْرَى بالمهاجرين والأنصار. يعني في اجْتهادِهم ثلاثةَ أيّام، ثم اتَّفقُوا على تقْديم عثمان على عليِّ بعدَ مَقْتلِ عُمَرَ، رضي الله تعالى عنه، وبعدَ ذلك سِتَّ عشْرَة مَرْتَبة في التَّشَيُّع، على ما ذكرَه صاحب كتاب "البلاغ الأكبر، والنّاموس الأعظم" تنْتَهِي [به] إلى كُفْرِ الكفر.
قال - أعني ابن كثير -: وقد رَوَيْنا عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أنَّه قال: لا أُوتَى بأحدٍ يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، إلا جَلَدْتُه حَدّ المفْتَرِي. وتَواتَرَ عنه أنَّه قال:
стр. 3734
خيرُ الناس بعدَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، رضي الله تعالى عنهما. ثم خالَف المأمون في مَحَبَّته مذهبَ الصَّحابة كلِّهم، حتى عليِّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
قال: وقد أضاف المأمون إلى بِدْعته هذه التي أزْرَى فيها على المهاجرين والأنصار وخالفَهم، تلك البدعةَ الأخْرَى، والطَّامَّة العُظْمَى، وهي القولُ بخلق القرآن، مع ما فيه من الانهِماك على تَعاطِي المسْكِر، وغير ذلك من الأفعال التي تَعَدَّد فيها المنْكِرُ، ولكن كان فيه شهامةٌ عظيمةٌ، وقوةٌ جسيمةٌ، وله هِمَّةٌ في القتال، وحِصار الأعداء، ومُصادرة الرُّوم وحَصْرِهم في بُلْدانهِم، وقَتْلِ فُرْسانهِم، وأسْرِ ذَرارِيّهم ووِلْدانهِم.
وكان يقول: معاويةُ بعَمْره، وعبدُ الملك بِحَجّاجِه، وأنا بنفسى.
وكان يقصد العدل، ويتولى بنفسه بين الناس الفصل، جاءته امرأة ضعيفة، فتظلمت من العبّاس، وهو واقفٌ على رأسِه، فأمر الحاجبَ فأخذ بيده، فأجْلَسَه معها بين يديه، فادَّعتْ عليه أنَّه أخذ ضَيْعَةً لها، واسْتَحْوَذَ عليها، فتناظَرَا ساعةً، فجعل صَوْتُها يعْلُو على صوتِه، فزَجَرها بعضُ الحاضرين، فقال له المأمون: اسْكُتْ فإنَّ الحقَّ أنْطَقَها، والباطِلَ أسْكَتَه، ثم حكم لها بَحَقِّها، وألْزَمَ لها ولَدَه بعشرة آلاف درهم.
وكتب إلى بعض الأمَراء: ليس من المروءة أن يكونَ آنِيَتُك من ذهبٍ وفِضَّةٍ، وغَريمُك عارٍ، وجارُك طاوٍ.
ووقفَ رجلٌ بين يدَيْه، فقال له: والله لأقْتُلَنَّك. فقال: يا أمير المؤمنين! تأنَّ عليَّ، فإنّ الرِّفْقَ نصفُ العَفُو. فقال: وَيْحَك، كيف وقد حلفتُ لأقْتُلَنَّك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لأنْ تَلْقى الله حانثًا، خيرٌ من أن تلْقاه قاتلًا، فعفا عنه.
وكان يقول: ليتَ أهلَ الجرائم يَعْرفون مذهبي في العَفْو، حتى يذهَب الخوفُ عنهم، ويَدْخُلَ السُّرورُ على قلوبهم.
стр. 3735
وحضَر عنده هُدْبةُ بن خالد يومًا، فتغدّى عنده، فلمّا رُفِعتِ المائدُة، جعل هُدْبَةُ يَلْتَقِطُ ما تناثَر منها، فقال له المأمون: أما شَبِعْتَ يا شيخ؟ فقال: بَلَى، ولكنْ حدَّثنِي حَمّاد بن سَلَمة، عن ثابت عن أنس، أنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "مَنْ أكَلَ ما تَحْتَ مائدَتِه أمِنَ من الفَقْرِ". قال: أمَر له المأمون بألف دينار.
وروَى ابنُ عَساكِرَ، أنَّ المأمون قال يوما لمحمد بن عَبّاد بن المهلّب: يا أبا عبد الله! قد أعطَيْتُك ألفَ ألفٍ وألفَ ألفٍ وألفَ ألْفٍ، وإنَّ عليك دَيْنا، فقال: يا أمير المؤمنين! إنَّ منْع الموجود، سُوءُ ظَنٍّ بالمعْبود. فقال: أحْسَنْتَ يا أبا عبد الله! أعْطوه ألفَ ألْفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ.
ولما أراد المأمون أن يدخل ببوران بنتِ الحسن بن سهل، جعل الناس يُهْدُون لأبيها الأشياءَ النفيسة، وكان من جُمْلةِ الناس رجلٌ من الأدباء، فأهْدى إليه مِزْوَدًا فيه مِلْح طَيِّب، ومِزْوَدا في أشْنان جَيِّد، كتب إليه: إنِّي كَرِهتُ أن تُطْوَى صحيفةُ أهْلِ البِرِّ ولا ذِكْرَ لي فيها، فوجَّهتُ إليك بالمبْتدإ به؛ لِيُمْنِه وبركتِه، وبالمخْتوم به، لطِيبِه ونَظافتِه، وكتب إليه:
بِضاعَتِي تقْصُرُ عن هِمَّتِي … وهِمَّتِي تَقْصِرُ عن مالِي
والملحُ والأُشْنانُ يا سيدِي … أحْسَنُ ما يُهْدِيه أمْثالِي
قال: فدخل بهما الحسن بن سهل على المأمون، فأعْجَبَه ذلك، وأمر بالمزْوَدَيْنِ، ففُرِّغا ومُلِئا دنانير، وبعث بهما إلى ذلك الأديب.
ووُلِد للمأمون ابنُه جعفر، وبه كان يُكْنَى، فدخل عليه الناسُ يُهَنُّونه بصنوفِ التَّهانِي، ودخل في جُمْلتِهم بعضُ الشعراء، وأنْشَده قولَه:
مَدَّ لك الله الحياةَ مَدّا … حتى يُرِيك ابْنَك هذا جدَّا
ثُم يُفَدَّى مِثْلَما تُفَدَّى … كأنَّه أنتَ إذا تَبَدَّى
أشْبَهَ منك قامةً وقَدَّا … مُؤزَّرًا بمَجدِه مُردَّى
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
стр. 3736
وقدم عليه، وهو "دمشق" مالٌ جزيل بعد ما كان قد أفْلس، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك، فورَد عليه خَزَائنُ من "خُراسانَ" فيها ثلاثون ألفَ ألفٍ، فخرج يسْتَعْرِضها، وقد زُيِّنت الجِمالُ والأجمال، ومعه يحيى بن أكْتَم القاضي، فلمّا دخلت البلدَ، قال: ليس من المروءة أن نَحُوزَ هذا كلَّه والناسُ ينْظُرون. ثم فرَّق منه أربعة وعشرين ألفَ ألْفِ درهم، ورِجْلُه في الركاب، لم يَنْزِلْ عن فرسِه.
ومن لطيف شعرِه:
لسانِي كَتومٌ لأسْراركمْ … ودَمعِي نَمُومٌ بِسِرِّ مُذِيعْ
فلولا دُمُوعِي كَتمْتُ الهوى … ولولا الهوَى لم يكُن لي دُموعْ
وقد بعثَ خادما له ليلة من الليالي، ليأتِيَه بجاريةٍ كان يهْواها، فأطال عندَها المكْثَ وتمنَّعت الجارية من المجيء إليه حتى يأتي إليها بنفسه، فأنْشأ المأمون يقولُ:
بعثْتُك مُشْتاقا ففُزْتَ بنَظْرةٍ … وأغْفَلْتني حتى أسأتُ بكَ الظَّنَّا
وناجَيْتَ مَن أهْوَى فكنتَ مُقرَّبا … فياليتَ شِعْرِي عن دُنُوِّكَ ما أغْنَى
ورَدَّدْتَ طَرْفا في مَحاسن وَجْهِها … ومَتَّعْتَ باسْتِمْتاعِ نَغْمَتِها أُذْنا
أرَى أثرًا في صَحْنِ خدِّك لم يكُن … لقد سَرَقتْ عَيْناكَ من حُسْنِها حُسْنا
ولما ابْتَدَع المأمون ما ابْتَدَع من التَّشَيُّع والاعْتِزال، فرِح بذلك بِشْرٌ المرِيسِيُّ، وكان شيخا للمأمون في ذلك، وأنْشَد:
قد قال مَولى الوَرى وسَيِّدُنا … قَوْلا له في الكتابِ تصْدِيق
إنَّ عليًّا أعْنِي أبا حسَنٍ … أفضلُ مَن أرْقَلَتْ به النُّوقُ
بعدَ نَبيّ الهُدَى وإنَّ لنا … أعْمالنا والقرآنَ مخْلوقُ
فأجابه بعضُ الشعراء من أهل السُّنة، فقال:
يا أيُّها الناس لا قَوْلٌ ولا عملٌ … لمن يقولُ كلامُ الله مخلوقُ
ما قال ذاك أبو بكر ولا عمرُ … ولا النبيُّ ولم يَذْكرْه صِدِّيقُ
стр. 3737
ولم يقلْ ذاك إلا كلُّ مُبْتَدِعٍ … على الإله وعند الله زنْديقُ
أصيحُ يا قومُ عَقْلا من خَليفتِكم … يُمْسِي ويُصيحُ في الأغلال مَوْثوق
وقد سأل بشرٌ من المأمون أن يطْلُبَ قائلَ هذه الأبيات، فيؤدِّبَه على ذلك، فقال له: وَيْحَك، لو كان فقيها لأدَّبْتُه، ولكنَّه شاعرٌ، فلستُ أعْرِضُ له.
ولما تجهَّز المأمون للغَزْو، في آخر سَفْرةٍ سافَرها إلى "طَرَسوسَ" اسْتَدْعَى بجاريةٍ كان تُحِبُّها، وقد اشْتراها في آخر عمرِه، فضمَّها إليه، فبكتِ الجاريةُ، وقالتْ: قتلْتَنِي يا أميرَ المؤمنين! بسَفَرك هذا. ثم أنْشأتْ تقول:
سأدْعو دَعْوَة المضْطَرِّ رَبًّا … يُثيبُ على الدُّعاء ويسْتَجيبُ
لعلَّ اللهَ أن يَكْفِيكَ حَرْبًا … ويَجْمعَنا كما تَهْوَى القلوبُ
فضمَّها إليه، ثم أنْشأ مُتَمثِّلا يقول:
فيا حُسْنَها إذَ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَها … وإذ هِيَ تُذْرِي الدَّمْعَ منها الأنامِلُ
صَبيحةَ قالتْ في العِتاب قَتَلْتَنِي … وقَتْلِي بما قالتْ هناك تُحاوِلُ
ثم أمر الخادم: مُرُوا بالإحْسان إليها، والاحْتفاظ عليها حتى يرجعَ، ثم قال: نحن كما قال الأخْطَل:
قومٌ إذا حارَبوا شَدُّو مآزِرَهم … دُون النِّساء ولو باتَتْ بأطْهارِ
ثم ودَّعها وسافر، فمرِضت الجارية في غَيبته، ومات المأمون أيضًا.
وقيل: إنّه لما مات جاء نَعِيُّه إليها، تنفَّسَت الصُّعَداء، وحضرَها الموتُ، وأنْشأت تقول، وهي في السِّياق:
إنَّ الزمان سَقانا مِن مَرارتِه … بعدَ الحلاوَة أنْفاسا فأرْوانَها
أبْدَى لنا تارةً منه فأضحكَنا … ثم انْثَنَى تارةً أخرَى فأبْكَانا
إنا إلى الله فيما لا يزالُ لنا … من القضاء ومن تَلْوِينِ دُنْيانا
دُنيا نَراها تُرِينا مِن تَصَرُّمِها … ما لا يَدومُ مُصافاةً وأحْزانَا
ونحن فيها كأنَّا لا يُزايلُنا … عيشٌ فأحْياؤُنا يَبْكونَ مَوْتانا
стр. 3738
وروى الخطيبُ في "تاريخه": أنّ هارون الرشيد كان له جارية غُلامِيَّة، تصبُّ على يدِه، وتقِفُ على رأسِه، وكان المأمونُ يُعْجَبُ بها وهو أمْرَدُ، فبينا هي تصُبُّ على هارونَ من إبْريقٍ معها، فأشار إليها المأمون بقُبْلةٍ، فزَبَرتْه بحاجبِها، وأبْطأتْ عن الصبِّ، فنظر إليها هارون، فقال: ما هذا؟ فتلَكَّأت عليه - ضَعي ما معك، عليَّ كذا إن لم تُخْبِريني لأقْتُلَنَّك. فقالتْ: أشار إليّ عبد الله بقُبْلةٍ، فالْتفَت إليه، وإذا هو قد نزَل به من الحياء والرُّعب ما رحمه منه، فاعْتنَقه، وقال: أتُحِبُها؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين! فقال: قُمْ فاخْلُ بها في تلك القُبَّة. فقام ففعل، فقال له هارون: قُلْ في هذا شِعرا. فأنْشأ يقول:
ظَبْيٌ كنَيْتُ بطَرْفِي … عن الضَّمير إليه
قبَّلْتُه من بعيدٍ … فاعْتلَّ مِن شَفَتَيْه
وردَّ أخْبَثَ رَدٍّ … بالكَسْرِ من حاجِبَيْه
فما بَرِحْتُ مَكانِي … حتى قَدَرْتُ عَلَيْه
وعن ابن أبي دُواد، أنه قال: دخل رجلٌ من الخَوارج على المأمون، فقال: ما حَمَلَك على خِلافِنا؟ قال: آية في كتاب الله تعالى. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. فقال له المأمون: ألك علمٌ بأنَّها مُنَزَّلةٌ؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قال: إجْماعُ الأمة. قال: فكما رَضيتَ بإجمْاعِهم في التَنْزيل، فارْضَ بإجماعهم في التأويل. قال: صدَقْتَ يا أمير المؤمنين!
وكان المأمون يقول: غَلَبةُ الحُجَّة أحبُّ إلىَّ من غلبة القُّدرة؛ لأنَّ غلبة القدرة تزولُ بزَوالها، وغلبةَ الحُجَة لا يُزيلُها شيءٌ.
ومن مَكارِم أخْلاقه: ما حكاه يحيى بن أكْتَم، قال: بِتُّ ليلةً عند المأمون، فعَطِشْتُ في جَوْف الليل، فقمْتُ لأشْربَ ماء، فرآني المأمون، فقال: مالك لست تَنامُ يا يحيى؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين! أنا والله عَطْشان.
стр. 3739
قال: ارْجِع إلى مَوضعِك. فقام والله إلى البَرّادَة، فجاءنِي بكوز ماء، وقام على رأسي، فقال: اشربْ يا يحيى! فقلتُ: يا أمير المؤمنين! هلّا وَصيفٌ أو وَصيفةٌ يقومُ بذلك؟ فقال: إنَّهم نيامٌ. قلتُ: فأنا كنتُ أقومُ للشُّرب. فقال لي: لُؤْمٌ بالرجل أن يستَخْدِمَ ضَيْفَه. ثم قال: يا يحيى! فقلتُ: لبَّيْك يا أمير المؤمنين! قال: ألا أحَدِّثك؟ قلتُ: بلى يا أمير المؤمنين! قال: حدَّثني الرشيدُ، قال: حدَّثني المهْدِيُّ، قال: حدَّثني المنصور، عن أبيه، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: حدَّثني جَريرُ بن عبد الله، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "سَيّدُ القَوْمِ خادِمُهم".
وعن يحيى أيضًا: ما رأيتُ أكْرَمَ من المأمون، بِتُّ عندَه ليلةً، فعَطَش، وقد نِمْنا، فكَرِه أن يصيح بالغِلْمان، فأنْتَبَه وكنتُ مُنْتَبها، فرأيتُه قد قام يمشي قليلا قليلا إلى البرَّادة، وبينه وبينها بُعْدٌ، حتى شرِبَ، ورجَع. قال: يحيى: ثم بِتُّ عندَه ونحنُ بـ "الشام"، وما معي أحدٌ، فلم يَجِئْني النومُ، فأخذ المأمونَ سُعالٌ، فرأيتُه يسدُّ فاهُ بكُمِّ قميصِه كي لا أنْتَبِه، ثم حَمَلنِي آخرَ الليل النومُ، وكان له وقتٌ يقومُ فيه يسْتاكُ، فكَرِه أن يُنَبِّهنِي، فلمّا ضاق الوقت عليه تَحرَّكتُ، فقال: الله أكبر، يا غِلْمان، نَعْلُ أبي محمد.
وقال يحيى أيضًا: كنتُ أمشي يوما مع المأمون في بُستان موسى، في مَيْدان البُسْتان، والشمسُ عليَّ، وهو في الظِّلِّ، فلمّا رجعنا قال لي: كُنِ الآن أنتَ في الظِّلِّ. فأبَيْتُ عليه، فقال: أوَّلُ العدلِ أن يَعْدِل الملِكُ في بِطانتِه، ثم الذين يلونهم، حتى يَبْلُغَ إلى الطبقة السُّفْلى.
وعن عبد الله بن محمود المرْوَزِيّ، قال: سمعتُ يحيى بن أكْتَم القاضي يقول: ما رأيتُ أكْملَ آلةً من المأمون. وجعل يُحدِّث بأشياءَ اسْتَحْسنَها مَن كان في مجلسِه، ثم قال: كنتُ عندَه ليلةً أُذاكِرُه، ثم نام وانْتبَه، فقال: يا يحيى! انْظُرْ أيْش تحت رِجْلِي. فنظرتُ فلم أرَ شيئا، فقال: شَمْعةً. فتبادَر الفَرَّاشون، فقال: انْظروا. فنظروا، فإذا تحت فراشِه حَيَّةٌ بطُولِه، فقتلوها،
стр. 3740
فقلتُ: قد انْضافَ إلى كمال أمير المؤمنين علمُ الغيب. فقال: مَعاذَ الله، ولكن هَتَف بي هاتفٌ السَّاعة وأنا نائمٌ، فقال:
يا راقد الليل انْتَبِه … إنّ الخُطوبَ لها سُرَى
ثِقَةُ الفتى بزَمانِه … ثِقةٌ مُحَلَّلةُ العُرَى
وعلمتُ أنَّه قد حدث أمْرٌ، إما قريبٌ، وإما بعيدٌ، فتأمَّلْتُ ما قَرُبَ، فكان ما رأيتَ.
* * *
٢٥٨٢ - الشيخ الفاضل عبد الله بن همة علي الجاندباري الأعظم كرهي، أحد العلماء الصالحين *
ولد، ونشأ بـ "جاندبار" قرية من أعمال "أعظم كره".
وقرأ العلم على مولانا سلامة الله الجيراج بوري، ومولانا شكر الله السبرحدي، وغيرهما من العلماء.
ثم لازم دروس العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي، وأخذ عنه، وولي التدريس بـ "ويلور"، فدرّس بها مدّة من الزمان، وسعد بالحجّ والزيارة، وحفظ القرآن، وكان مفرط الذكاء، سريع الإدراك، قوي الحفظ.
مات لليلة بقيت من ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف.
* * *
٢٥٨٣ - الشيخ الفاضل عبد الله بن يوسف بن أحمد بن الحسين بن
стр. 3741
سليمان بن فَزَارةَ بن بدر الدين بن محمد بن يوسف، أبو الفتح ابن قاضي القضاة جمال الدين أبي المحاسِن ابن قاضي القضاة شرف الدين، المعروف بابن الكفري *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ولد بـ "دمشق" وسمع جماعة من علمائها، وتفقَّه بوالده وغيره، وبرعَ في الفقه، والأصول، والعربية وغير ذلك.
وتَولَّى قضاءَ الحنفية بـ "دمشق"، هو وأبوه، وجدُّه، وأخوه، زين العابدين عبد الرحمن، المكَنَّى بأبي هُرَيْرَة.
وكان مَشْكورَ السِّيرة، محمودَ الطريقة في أحْكامِه، وكان من بيت علمٍ وفضلٍ ورياسة.
مات في ذي الحجّة، سنة ثلاث وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٨٤ - الشيخ الفاضل عبد الله بن يوسف بن محمد الزَّيْلَعِيّ جمال الدين، أبو محمد * *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: اشتغل، وسمع من أصحاب النَّجيبِ، وأخذ عن الفخر الزَّيْلَعيّ شارح "الكنز"، وعن القاضي علاء الدين
стр. 3742
ابن التُّركُمانِيّ، وغيرهما، ولازَم مُطالعتَه كُتُبَ الحديث، إلى أن خرَّج أحاديث "الهداية"، وأحاديث "الكشّاف"، فاسْتَوْعَب ذلك اسْتيعابا بالغا.
ومات بـ "القاهرة"، في المحرَّم سنة اثنتين وسبعمائة.
قال في "الدرر": ذكر لنا شيخنا العِراقِيّ، أنَّه كان يوافِقُه في مُطالعة الكتب الحديثيَّة، لتَخْريج أحاديث "الإحياء"، والأحاديث التي يُشير إليها التِّرْمِذِيُّ في الأبواب، والزَّيْلَعِيُّ لتَخْريج أحاديث "الهداية"، والكشَّاف"، فكان كلُّ منهما يُعينُ الآخَرَ، ومن كتاب الزَّيْلَعِيّ في تخْريج أحاديث "الهداية" اسْتِمْدادُ الزَّرْكَشِيّ في كثير ممّا كَتَبه من تَخْريج أحاديث "الرَّافِعيّ".
قال ابنُ العَديم: ومن خَطِّه نقلتُ: شاهدتُ بخطِّ شيخِ الإسلام، حافظِ الوقتِ شهاب الدين أبي الفضل أحمد ابن حَجَر العَسْقلانِيّ، ما صورتُه. فذكر غالبَ ما نَقلْناه هنا من "الدُرر"، ومنه: حتى جمَع تَخْريجَ أحاديث "الهداية"، فاسْتَوْعَبَ فيه ما ذكَره من الأحاديث والآثار في الأصل، وما أشار إليه إشارةً، ثم اعْتَمَد في كلِّ بابٍ أن يذكُرَ أدِلَّةَ المخالِفين، ثم هو في ذلك كثير الإنصاف، يحكِي ما وجده من غير اعْتراضٍ ولا تَعَقُّب غالبا، فكثُر إقْبالُ الطَّوائف عليه، واسْتَوْعَبَ أيضًا في تخْريج أحاديث "الكشّاف"، ما فيه من الأحاديث المرفوعة خاصَّةً، فأكْثَرَ من تَبْيينِ طُرُقِها، وتَسْميَةِ مُخَرِّجِها، على نَمَط ما في أحاديث "الهداية"، لكنَّه فاتَهُ كثيرُ من الأحاديث المرْفوعة، التي يذْكُرُها الزَّمَخْشَرِيّ بطريق الإشارة، ولم يتعرَّض غالبا لشيءٍ من الآثار الموقوفة، ورأيتُ بخطِّه كثيرا من الفوائد مُفَرَّقًا. انتهى.
قال الحافظ الناقد الإمام زاهد بن الحسن الكوثري رحمه الله تعالى في "تقدمته" على "نصب الراية": ما نصّه: فإن كتاب "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للإمام الحافظ الفقيه الناقد الشيخ عبد الله بن يوسف الزيلعي - أعلى الله سبحانه منزلته في الجنة - كتاب، لا نظير له في استقصاء أحاديث الأحكام، حيث كان مؤلّفه لا يفتر ساعة عن البحث، ولا يعوقه
стр. 3743
عن التنقيب عائق، ولا يحول دون فحصه تواكل ولا تكاسل، ولا يزهده في الأخذ عن أقرانه عمّن هو دونه كبر النفس وسعته في العلم، بل طريقته الدأب ليل نهار على نشدان طلبته أينما وجد ضالّته.
وهذا الإخلاص العظيم وهذا البحث البالغ جعلا لكتابه من المنزلة في قلوب الحفّاظ ما لا تساميه منزلة كتاب من كتب التخريج.
والحق يقال: إنه لم يدع مطمعا لباحث وراء بحثه وتنقيبه، بل استوفى في الأبواب ذكر ما يمكن لطوائف الفقهاء أن يتمسّكوا به، على اختلاف مذاهبهم من أحاديث، قلّما يهتدي إلى جميع مصادرها أهل طبقته، ومن بعده، من محدّثي الطوائف، إلا من أجهد نفسه إجهاده، وسعى سعيه، لوجود كثير منها في غير مظانّها.
بل قلّ من ينصف إنصافه، فيدوّن أدلّة الخصوم تدوينه، غير مقتصر على أحاديث طائفة دون طائفة، مع بيان ما لها وما عليها بغاية النصفة، بخلاف كثير ممن ألّفوا في أحادث الأحكام في المذاهب، فإنك تراهم يغلب عليهم التقصير في البحث، أو السير وراء أهواء، فالتقصير في البحث يظهر المسألة القوية الحجّة بمظهر أنها لا تدلّ عليها حجّة، والسير وراء هوى تعصّب، يأباه أهل الدين.
وأخطر ما يغشي على بصيرة العالم عند النظر في الأدلّة هو التعصّب المذهبي، فإنه يلبس الضعيف لباسَ القوي، والقوىّ لباس الضعيف، ويجعل الناهض من الحجّة داحضا، وبالعكس، وليس ذلك شأن من يخاف الله في أمر دينه، ويتهيّب ذلك اليوم الرهيب، الذي يحاسب فيه كلّ امرئ على ما قدّمت يداه.
فإذا وجد المتفقّه من هو واسع العلم غواصّ، لا يتغلّب عليه الهوى بين حفّاظ الحديث، فليعضّ عليه بالنواجذ، فإن ذلك الكبريب الأحمر بينهم.
стр. 3744
والحافظ الزيلعي هذا جامع لتلك الأوصاف حقّا، ولذلك أصبحت أصحاب التخاريج بعده عالة عليه.
فدونك كتب البدر الزركشي، وابن الملقّن، وابن حجر، وغيرهم من الذين يظنّ بهم أنهم يحلّقون في سماء الإعجاب، ويناطحون السحاب، وقارنها بكتب الزيلعي، حتى تتيقّن صدق ما قلنا، بل إذ فعلت ذلك ربما تزيد، وتقول إن سدى تلك الكتب ولحمتها كتب الزيلعي، إلا في التعصّب المذهبي.
وكتاب الزيلعي هذا يجد فيها الحنفي صفوة ما استدلّ به أئمة المذهب من أحاديث الأحكام، ويلقى المالكي فيها نقاوة ما خرّجه ابن عبد البر في "التمهيد"، و"لاستذكار"، وخلاصة ما بسطه عبد الحق في كتبه في أحاديث الأحكام، والشافعي يرى فيه غربلة ما خرّجه البيهقي في "السنن"، و"المعرفة"، غيرهما، وتمحيص ما ذكره النووي في "الخلاصة"، و"المجموع"، و"شرح مسلم"، واستعراض ما بينه ابن دقيق العيد في "الإلمام شرح العمدة"، كذلك الحنبلي يلاقي فيه وجوه النقد في "كتاب التحقيق" لابن الجوزي، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي، وغير ذلك من الكتب المؤلّفة في أحاديث الأحكام.
بل يجد الباحث فيه سوى ما في الصحاح والسنن والمسانيد والآثار والمعاجم، من أدلّة الأحكام أحاديثَ في الأبواب، من "مصنف ابن أبي شيبة" أهمّ كتاب في نظر الفقيه، و"مصنف عبد الرزاق"، ونحوهما، مما ليس بمتناول يد كلّ باحث اليوم، مع استيفاء الكلام في كلّ حديث، من أقوال أئمة الجرح والتعديل، ومن كتب العلل المعروفة، وهذا مما جعل لهذا الكتاب ميزة عظمى بين كتب التخاريج.
ولا أريد بهذا الثناء على كتابه تثبيط العزائم وتخدير الهمم، ولا إنكار أنه لا نهاية لما يفيض الله سبحانه على أهل العزيمة الصادقة من خبايا
стр. 3745
العلوم، ولا نفي أن في كتب من بعده بعض فوائد، يشكر مؤلّفوها عليها، ويزداد استقاء أمثالها من ينابيعها الصافية عند مضاعفة السعى، وصدق العزيمة، وإنما قلت: ما قلت إعطاء لكلّ ذي حقّ حقّه، وإجلالا للعلم، واستنهاضا للهمم، نحو محاولة الاستدراك على مثل هذا العالم الجليل.
وهذا حافظ واحد من حفّاظ الحنفية قام مثل هذا العمل العظيم، الذي وقع موقع الإعجاب الكلّي بين طوائف الفقهاء، كلّهم في عصره وبعد عصره، فمن قلّب صحائف هذا الكتاب، ودرس ما في الأبواب، من الأحاديث، تيقّن أن الحنفية في غاية التمسّك بالأحاديث والآثار في الأبواب كلّها.
لكن لا تخلو البسيطة من متعنّت، يتقوّل فيهم إما جهلا أو عصبية جاهلية، فمرة يتكلّمون في أخذهم بالرأى عند فقدان النص، مع أنه لا فقه بدون رأي، ومرة يرمونهم بقلّة الحديث، وقد امتلأت الأمصار بأحاديثهم، وأخرى يقولون: إنهم يستحسنون، ومن استحسن فقد شرّع. انتهى كلامه.
* * *
٢٥٨٥ - الشيخ الفاضل عبد الله بن يوسف بن محمد الكستلي *
الرومي، الحنفي من القضاة ولي القضاء في بلدة "تيرة".
من آثاره: "مرقاة اللغات" في مجلّد كبير.
توفي سنة ١٠٣٨ هـ.
* * *
стр. 3746
٢٥٨٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن يونس الأرْمَنِيّ، وقال بعضهم: الأرْمَوِيّ، الشيخ الزاهد، القدوة، نزيلُ سَفْح "قاسِيون " *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكرَه الذَهَبِيُّ "تاريخ الإسلام" وغيره، وأثْنَى عليه، وقال: إنَّه حفِظَ القرآن العظيم، و"كتاب القُدُورِيّ"، وجال في البلاد، ولَقِيَ الصُّلحاء والزُّهّاد، ووقع برجلٍ من الأولياء؛ فدلَّه على الطريق إلى الله تعالى، وصار صاحبَ أحْوالٍ ومُجاهَداتٍ.
وكان سَمْحا، لطيفا، مُتعفِّفا، ومُطَّرِح التَّكَلُّف، ساح مُدَّةً، وبَقِيَ يتَقَنَّعُ بالمباحات، وكان مُتواضعا، سيّدا، كبير القَدْرِ، له أصحابٌ ومُريدون، ولا يكادُ يَمْشي إلا وَحْدَه، ويشْتَرِي الحاجةَ بنفسه، ويَحْمِلُها.
وقد طوَّل أبو المظفَّر ابن الجَوْزِيُّ تَرْجمتَه.
وكانتْ وَفاتُه في التاسع والعشرين من شوَّال، سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وكانتْ له جنازةٌ مشهورةٌ، وزاويَتُه مُطِلَّةٌ على مقبرة الشيخ الموّفَّق. رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 3747
باب من اسمه عبد الله
٢٥٨٧ - الشيخ الفاضل العلامة عبد الله الشهيد، رحمه الله تعالى *
كان من خرّيجي جامعة العلوم الإسلامية علامة بنوري تاون كرتشي.
وبعد الفراغ اشتغل بأمور الجريدة الشهرية "بيّنات" مدّة، ثم وصل إلى "إسلام آباد"، وبنى فيها مدرسة كبيرة.
توفي شهيدا سنة ١٤١٨ هـ، كان رئيسا للجامعة الفريدية إسلام آباد.
* * *
٢٥٨٨ - الشيخ العارف بالله عبد الله، المشهور بحاجي خليفة * *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية"، وقال: كان أصله من ولاية "قسطموني"، واشتغل أولا بالعلوم الظاهرة، وأكملها، ثم اتصل إلى خدمة الشيخ تاج الدين إبراهيم بن بخشي فقيه، وحصل عنده طريقة الصوفية، وانكشف له المراتب العالية، حتى أجازه للإرشاد وأقامه مقامه بعد وفاته.
كان رحمه الله تعالى جامعا للعلوم والمعارف كلها، وكان متواضعا، متخشعا، صاحب أخلاق حميدة، وآثار سعيدة، وكانت له يد طولى في تعبير الواقعات، وكان مظهرا للخيرات والبركات، وصاحب عز وكرامات.
وكان مرجعا للعلماء والفضلاء، ومربيا للفقراء والصلحاء، وآية في المروات والفتوة والكرم والسخاوة، وكان بدنه الشريف جسيما، وخلقه عظيما، وكان له فم بسام ووجه بين الجلال والجمال قسام.
стр. 3748
حكي عنه أنه قال: أتى إلى الشيخ محمد ابن المولى الفاضل خواجه زاده، وقال: رأيت في المنام أن واحدا من أولاد الأفرنج كان محبوسا في قلعة منذ سبع وعشرين سنة، قال الشيخ فحسبت سنه، فوافقت عدة سنه بعد بلوغه العدة المذكورة.
ومن جملة أحواله الشريفة أن المولى الفاضل علاء الدين الفناري لما عزل عن قضاء العسكر أراد أن يسلك مسلك التصوّف عند الشيخ المذكور، فقال له الشيخ: النهاية تابعة للبداية، فمن سلك المسلك المذكور بقطع جميع العوائق يكون سلوكه على ذلك في النهاية، ولكن يجوز أن يسلك على الاعتدال، ولا يلزم على المريد أن يعتقد في شيخه الكرامة والولاية، بل يكفي له أن يعتقده سالكا طريق الحقّ واصلا إليه، وجاريا على منهاج الطريقة والشريعة.
ثم قال: وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أراد أن ينظر إلى شيء، كان لا يلوي عنقه إلى ذلك الجانب فقط، بل يتوجّه إليه بكليته، قال ففيه إشارة إلى أن الطالب ينبغي أن يتوجّه إلى مطلوبه بكليته، حتى يحصل له ذلك.
وحكي أن المولى المذكور لما طلب من الشيخ المذكور الإذن بالرياضة، وترك أكل الحيوانات، قال الشيخ: إني ما أكلت حيوانا، وما شربت ماء ستة أشهر في أوقات رياضة، وما انتفعت بذلك، بل بامتثال أمر الشيخ ومن كلامه الشريف أيضًا أن واحدا من المريدين قال له يوما: ربما يمرّ عليّ وقت لا أقدر على التلفّظ بكلمة الشهادة، ويخطر ببالي أن واحدا لو قال في حضور السلطان كلّ وقت لا سلطان أكبر منك يعد هذا سوء أدب ومن المعلوم أنه لا إله إلا الله، فذكره في حضوره كلّ وقت يكون بعيدا عن الأدب، فقال الشيخ هذا معنى الإحسان فمن وصل إليه يكفيه أن يلاحظ حضور الحقّ، وذلك الرجل قال: ربما لا أقدر على
стр. 3749
ملاحظة معنى الذكر أيضًا، بل لا أقدر على الدعاء، فقال له الشيخ: قال الشيخ تاج الدين: ما قدرت أن أدعو الله تعالى مدّة ستة وشهر، وقال الشيخ عند ذلك الوقت يكل اللسان فيكفيه ملاحظة حضور الحق، قال الرجل وترتعد أعضائي، قال الشيخ: هذا ابتداء الحضور، ولو قدرت على الصيحة لكان أزيد.
وحكي أن الفاضل قاضي زاده كان قاضيا بـ "بروسه" في ذلك الوقت، وقد حضر يوما عند الشيخ المذكور، فسأله عن مذهب الجبرية، ومذهب أهل الحق، فقال له الشيخ: الجبر قسمان، جبر محقّق، وجبر مقلّد، أما جبر المحقّق فهو تفويض أموره جميعا إلى الله تعالى، وإسقاط اختياره بعد الامتثال بالأوامر، والاجتناب عن المناهي، وأما جبر المقلّد فهو تفويض أموره إلى هواه واتباع شهوات نفسه وإسقاط إرادته في الأوامر والنواهي، ويتمسّك بأنه ليس لي اختيار وقدرة، بل يجري على ما كتب في الأزل، قال الشيخ: وهذا كفر.
ثم قال الشيخ خرج ﷺ يوما على أصحابه، وبيده كتابان، فقال للذي في يمينه: هذا كتاب من الله، وفيه أسماء أهل الجنة، وقد أجل على آخرها، وقال للذي في شماله: هذا كتاب من الله تعالى، وفيه أسماء أهل النار، وقد أجمل على آخرها، فقال الصحابة: إذن ندع العمل، فقال رسول الله ﷺ : اعملوا، فكلّ ميسّر لما خلق له.
وقال الشيخ: أراد رسول الله ﷺ أن لأهل الجنة علامة، فمن وجد فيه تلك العلامة فهو من أهلها، وإن لأهل النار علامة، فمن وجد فيه تلك العلامة فهو من أهلها، ثم قال ولا بدّ لك أن تحصل علامة أهل الجنة، كما فعل أصحاب رسول الله ﷺ ، حيث اجتهدوا في العمل، ولم يتركوه اعتمادا على الكتاب، وإذا بلغت مبلغ أهل التحقيق باتباع شريعة رسول الله ﷺ يصحّ لك
стр. 3750
أن تقول ليس لي قدرة ولا اختيار، بل الكلّ من الله تعالى، أما تعرف أن السلف اجتهدوا في اتباع الشريعة والأعمال الشاقّة والرياضات الصعبة، فإذا كان حالهم كذلك فما بالنا لا نجتهد في العمل.
فلمّا قدّر الشيخ هذا الكلام قال المولى قاضي زاده: صدقتم كنت أنا والمولى الساميسوني يقول: لا نجاة إلا في متابعة أمر رسول الله ﷺ مات الشيخ المذكور قدّس سرّه العزيز في سلخ جمادى الآخرة من شهور سنة أربع وتسعين وثمانمائة، ودفن عند تربة شيخه، قدّس الله أسرارهم.
* * *
٢٥٨٩ - الشيخ الفاضل عبد الله، الجَمال، الأرْدُبِيلِيّ، ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو أحدُ الفُضلاء *
أعاد، ودرَّس.
ومات سنة تسع وستين وثمانمائة.
وكان رجلا فاضلا. رحمه الله تعالى.
* * *
٢٥٩٠ - الشيخ الفاضل العلامة أبو اليمن نور الدين عبد الله الإسكداري * *