قال ابنُ النَّجَّار: وبَلَغَنِي في سنة إحْدَى وثلاثين وسِتِّمائة، أنَّه في "سَمَرْقَنْدَ"، يُفْتِي، ويُدَرِّسُ. والله تعالى أعلمُ.
* * *
٢٦٦٧ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الجليل بن المنشئ كرامت علي الجاتجامي *
ولد في قرية "ساريه" من أعمال "جاتجام".
قرأ إلى "مشكاة المصابيح" في الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، ثم في سنة ١٣٤٩ هـ سافر إلى دار العلوم ديوبند، والتحق بها، وقرأ كتب الفنون العالية، وأقام فيها خمس سنين، ثم رجع إلى وطنه المألوف، والتحق بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، ودرّس فيها عشر سنين، وبعد وفاة العلامة حبيب الله رحمه الله تعالى فارق منها، والتحق بالمدرسة القاسمية بـ "ساريه"، وكان يدرّس فيها كتب الحديث، ثم بعد مدّة عيّن رئيسا لها.
توفي سنة ١٣٨٧ هـ.
* * *
٢٦٦٨ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الجليل البدربُوري، رحمه الله تعالى * *
стр. 3817
تخرّج على شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، المتوفي سنة ١٣٧٧ هـ.
كان شيخ الحديث في المدرسة العالية بدربُور من أعمال "آسام" من أرض "الهند".
* * *
٢٦٦٩ - الشيخ الفاضل مولانا الحكيم عبد الجليل الدهلوي، رحمه الله تعالى *
كان من تلامذة العلامة أنور شاه الكشميري، المتوفى سنة ١٣٥٣ هـ
وكان أستاذا بالجامعة الطبّية بـ "دهلي".
* * *
٢٦٧٠ - الشيخ الفاضل عبد الجميل التتوي السندي، أحد العلماء المشهورين في أيام شاهجهان بن جهانغير * *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: سكن بـ "لاهري بندر"، وكان له ثلاثة أبناء: أبو الفتح، ومحمد شريف، ومحمد شفيع، كلّهم نبغوا في العلم، ونالوا الدرجة في أيام عالمغير، كما في "تحفة الكرام".
* * *
стр. 3818
باب من اسمه عبد الحفيظ
٢٦٧١ - الشيخ الفاضل عبد الحفيظ بن عبد الله العجيمي، المكّي *
فقيه. ولي إفتاء "مكّة".
له "الفتاوى العجيمية".
توفي سنة ١٢٣٥ هـ.
* * *
٢٦٧٢ - الشيخ الفاضل العلامة الكبير المحدث الجليل عبد الحفيظ بن الشيخ ملك عبد الحق المكّي * *
ولد بمدينة "أمرتسر" بولاية "بنجاب" عام ١٣٦٥ هـ، وغادرتها أسرته إلى مدينة "فيصل آباد" بـ "باكستان" لدى تقسيم "الهند"، وأدخل وهو ابن خمس سنوات في مدرسة تبشيرية، ليتلقّى الدراسة الإنكليزية، ولما هجر أبوه مع عياله
стр. 3819
إلى "مكة المكرمة" في شوال ١٣٧٣ هـ، فاشتغل بالعلم في المدارس بها، حيث تعلّم القرآن الكريم إلى مدة قليلة بالمدرسة الصولتية، وقطع المراحل التعليمية المختلفة في كلّ من المدرسة السعدية الابتدائية، والمدرسة الرحمانية، والمدرسة الفيصلية، والمدرسة الزاهر المتوسطة، والمدرسة العزيزية.
ثم شدّ الرحال إلى مدينة "سهارنبور" في شعبان ١٣٨٨ هـ، وأقام لدى الشيخ محمد زكريا، يقرأ المجلّدين الأولين من "الهداية"، و"مشكاة المصابيح" عليه في خارج أوقات الدراسة، ثم أخذ الصحاح الستّة وغيرها من دواوين الحديث في شوّال ١٣٨٨ هـ، حيث قرأ المجلّد الأول من "صحيح البخاري" على الشيخ محمد زكريا، والمجلد الثاني منه، و"سنن الترمذي" على الشيخ المفتي مظفر حسين، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي على الشيخ أسعد الله، و"سنن أبى داود" على الشيخ محمد عاقل، و"صحيح مسلم"، و"سنن ابن ماجه"، و"الموطأ" للإمام مالك، و"الموطأ" للإمام محمد على الشيخ محمد يونس، وفاز في الامتحان بالدرجة الأولى.
وكان قام له الاتصال بالشيخ محمد زكريا، والشيخ محمد يوسف، والشيخ إنعام الحسن، لكون أبيه يتصف بالمزاج الديني، فابتدأ بالتنقّلات في جماعات الدعوة والتبليغ، ثم بايع الشيخ محمد زكريا، وحصلت له الإجازة منه يوم ٢٧ رمضان المبارك ١٣٨٦ هـ، وبعد ما قضى مدّة طويلة في جماعة الدعوة عاد إلى "مكة المكرمة"، واشتغل بالنهوض بالخدمات الدينية والتبليغية بجدّ ونشاط، ودرّس الحديث في المدرسة الصولتية لمدّة طويلة، وكان هنا "مشكاة المصابيح" تدريسا خاصّا له، وعلى أمنية شيخه، وأمر منه أقام مكتبة دينية علمية باسم المكتبة الإمدادية بها، لنشر علوم ومعارف رجال العلم والدين، حيث ظهر منها "بذل المجهود في حلّ سنن أبى داود" للشيخ خليل أحمد الأنبيتهوي، و"أوجز المسالك شرح موطأ الإمام مالك" للشيخ محمد زكريا في اهتمام كبير، كما أنشأ في ذي الحجة ١٣٩٨ هـ مطبعة، سماها مطابع الرشيد، وصدرت منها آلاف مئات من الكتب بمدة قليلة،
стр. 3820
كان له التقرّب الخاص والمكانة والثقة البالغة من شيخه الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي المهاجر المدني، فيصاحبه في رحلاته للدول الأجنبية أيام إقامته بالحرمين الشريفين.
كما يقوم بالخدمات الدينية في جهات مختلفة بأنواع متنوّعة في كلّ تيقظ وتدبّر وحزم، منذ فترات مديدة، حيث يشتغل، ويعكف على التدريس والإفادة والتأليف والكتابة، ويقوم بالرحلات الداخلية والخارجية بالكثرة إلى جانب ذلك، ينتفع الخلق به في مرحلة السلوك والإحسان والتزكية كما يبيد، ويستأصل الفتن والمشاغب الثائرة المعادية للإسلام عن أصولها، كالقاديانية، والبهائية، والبرويزية، يتواصل الجهود لأجله.
هذا إلى أنه قد كوّن جبهة عظيمة ضدّ القاديانية، سماها حركة ختم النبوة العالمية، وتم إنشاء فروعها المختلفة في دول شتى، ومكتبها المركزي في لندن بـ "بريطانيا"، وإنما هى الحركة قد سجّلت بصفة منظّمة في "هانك كانك"، وتوكو في "إفريقيا الغربية"، وتحت رعايتها تصدر "مجلة أنوار ختم النبوة" الشهرية الأردية، و"مجلة ختم النبوة" الشهرية العربية اللتان تنشران تعاليم القرآن الكريم، والسنّة النبوية الطيبة، وتمثلان قضايا الأمة، وأفكارها ونظرياتها في أحسن وإجادة.
مأثرة علمية عظيمة:
من مآثره الجليلة: جمع وترتيب ونشر "الكنز المتواري في معادن لامع الدراري"، و"صحيح البخاري"، إن "لامع الدراري" للشيخ محمد زكريا، له مكان الصدارة في تأليف هذا الكتاب، وذلك ظهر أول مرة مع تمام نصوص "جامع الإمام البخاري"، فالأول متن "البخاري"، ثم تليه إفادات العلامة الكبير رشيد أحمد الكنكوهي، ثم تليها تعليقات الشيخ محمد زكريا، وبما أنه حامل المتن، فزيد على ما يتطلب الإيضاح والشرح، ولم يكن يوجد شئ عنه في "لامع الدراري" عن تأليفاته الأخرى من "أوجز المسالك"،
стр. 3821
و"الكوكب الدري" و "الأبواب والتراجم"، و"تقرير بخاري" بالأردية، وميّز المزيد بـ "قال الجامع".
وفي طليعة من ساعدوه في التأليف هذا الشيخ عاشق إلهي البرني المهاجر المدني، والشيخ جميل أحمد المظاهري، والشيخ حبيب الله المظاهري المدني، لذا لم ينتسب إلى شخص واحد، وإنما ينتسب إلى لجنة من تلاميذ الإمام الكاندهلوي، قدّس الله سرّه.
عليه مقدمة أولى للشيخ عبد الحفيظ، ومقدمة ثانية للشيخ جميل أحمد بعنوان: "شيوع علم الحديث في الهند"، وثالثة للشيخ حبيب الله بعنوان: "ترجمة المؤلف".
مؤلفاته:
١ - " الشريعة والطريقة"، كان الشيخ محمد زكريا قد ألّف كتاب "شريعت وطريقت" في جمادى الأولى ١٣٩٧ هـ، فنقله صاحب الترجمة إلى العربية باسم "الشريعة والطريقة" أبحاث علمية قيمة محقّقة في ضوء الكتاب والسنّة جمادى الآخرة ١٣٩٩ هـ، وتم طبعه من مكتبة دار الرشيد "بالقاهرة" بـ "مصر"، وذلك يحتوي على ٢٠٠ صفحة.
٢ - "استحباب الدعاء بعد الفرائض": تم ضبطه حول الدعاء بعد الفرائض، ورفع الأيدي فيه، فطرح فيه الشيخ المترجم له حلول ذلك في ضوء الكتاب والسنة، وبما قاله العلماء، ويضمّ أبواب أهمية الدعاء، ورفع اليدين في الدعاء، والدعاء بعد الصلاة غير الفرائض، والدعاء بعد المكتوب، وأمثالها من الأبواب المفيدة الأخرى، وتم طبعه أول مرة من المكتبة الإمدادية بـ "مكة المكرّمة"، وذلك في ١٤١ صفحة، ونشرت طبعته الجديدة أخيرا في طباعة جميلة من مكتبة الحرمين بدولة "دبئي"، وهو يشتمل على ١٩٧ صفحة.
٣ - "الشيخ محمد زكريا وفكره الديني": كان الشيخ محمد زكريا له العناية والاهتمام بكلّ ناحية من نواحي الدين، لذا كان يحثّ ويحضّض من
стр. 3822
يتربى عليه من خدمه وأحبابه على مزاولة العمل في كلّ مجالات الدين والشريعة، فذكر ما ذكر في الكتاب لديك، وعلى رأس الكتاب مقدمة من الشيخ منظور أحمد الجنيوتي، وهو يتضمّن ٤٧ صفحة.
٤ - "الذكر والدعاء يوم عرفة": قد أتاه صاحب الترجمة بأدعية مما روي في كتب الأحاديث عن يوم عرفة يحانب عدّة مرويات، جاءت عن أهمية الدعاء بهذا اليوم، ألّف عام ١٤١٨ هـ في ٢٤ صفحة، وصدر عن المكتبة الإمدادية بـ "مكة المكرمة".
٥ - "تلخيص فضائل الصلاة على النبي": ذلك ملخّص من كتاب "فضائل درود شريف" للشيخ محمد زكريا، وهو يضمّ أربعة أبواب مع تراجمه بالعربية والإنكليزية والأردية، وتم نشره بأمتع طباعة وأجمل خطّ من سرور فاؤنديشن في برمنكهم إنكلترا، وله ٥٥ صفحة.
٦ - "أعلام المحدّثين": ذلك ترجمة واضحة لـ "أعلام المحدثين" للشيخ تقي الدين الندوي المظاهري، ظهرت بقلم الشيخ المترجم له في رمضان المبارك ١٤٠١، الموافق يوليو ١٩٨١ على أمر الشيخ محمد زكريا، وصدرت باسم "جودهوين صدي هجري مين بلند بايه محدثين" (أعلام المحدّثين في القرن الرابع عشر للهجرة)، وذلك يشمل ٢٨ صفحة بقطع ٢٠/ ٣٠/ ١٦.
٧ - "موقف أئمة الحركة السلفية": ذلك كتاب مفيد مؤثر للغاية بما فيه، قد جاء تأليفه حول قضية دقيقة لدى العرب، ويدلّ موضوع الكتاب على ما هو الموقف الواقعي الذي يقيمه للتصوّف، والصوفية كلّ من الشيخ محمد بن عبد الوهّاب، والعلامة الجوزي، والعلامة الذهبي، والعلامة ابن كثير، والشيخ ابن رجب، والعلامة ابن تيمية، والإمام ابن حنبل، رحمهم الله تعالى، وما هي المنزلة التي يحلّونهما محلّها.
حيث ذكر عن كتبهم اعتبارهم أن أولئك الصوفية من المحدّثين والفقهاء والمتكلّمين، والمؤرّخين، والمجاهدين، والكتاب في أربعين ومائتي صفحة، وأكمل تأليفه في ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ أيام مكوثه في دار العلوم بمدينة
стр. 3823
"هول كمب" في بري "بريطانيا"، وظهرت طبعته الممتعة حديثا من مكتبة الحرمين في "دبئي"، وذلك يتضمّن ٢٨٨ صفحة.
٨ - جامعة مظاهر العلوم سهارنبور من كبرى الجامعات الإسلامية بـ "الهند"، ذلك جامع، وموجز عن تاريخ جامعة مظاهر العلوم، ويجوز أن يقال: إنه بحر صعبّ في كأس، قد ابتدأه بذكر يوم تأسيسها، وهدف تأسيسها ومؤسّسيها بعنوان جامعة مظاهر العلوم قلعة حصينة للإسلام بـ "الهند"، ثم أتاه بأيامها التاريخية تحت عناوين عشرة شتى، مثل رسالة الجامعة، وأهداف الجامعة، والعناية بالحديث والسنّة المطهّرة، واختتمه بانطباعات وتأثرات علماء العرب، ومشايخها، عن الجامعة هذه.
٩ - "جماعة التبليغ أكبر حركة إصلاحية عالمية": ذلك تأليف علمي وتاريخي للشيخ عبد الحفيظ المكّي، قد أودعه تاريخ جماعة التبليغ، لا سيّما عصرها البدائي، كما أثبت فيه مما أعرب عنه علماء العرب وخاصته وأعيانه في انطباعاتهم عن الجماعة، هذه ورسائل كثير من أشراف الحكومة حولها اهتماما بالغا، تم طبع الطبعة الأولى من مكتبة الحرمين في "دبئي"، وطبعته الثانية من "باكستان"، وله غير ما ذكرناه مقدّمات بسيطة ودراسات وأبحاث وتعليقات، قد حلا بها كثيرا من الكتب العلمية.
توفي هذا العالم الجليل سنة ١٤٣٨ هـ.
* * *
٢٦٧٣ - الشيخ الفاضل عبد الحفيظ بن محمد الوانجني، الجزائري، المالكى، الخلوتي *
стр. 3824
من آثاره: "غنية القارى بترجمة ثلاثيات البخاري"، و"غاية البداية في حكم النهاية"، و"المجموع الفايق والدستور الرايق" المسمّى بـ "الجواهر المكنونة والعلوم المصونة"، و"التعريف بالإنسان الكامل"، و"غنيمة المريدين" في التصوّف، و"الحكم الحفيظية على منوال الحكم العطائية".
* * *
٢٦٧٤ - الشيخ الفاضل المحدّث الجليل عبد الحفيظ بن المنشئ ياسين الكُمِلائي *
ولد سنة ١٣٤٢ هـ في قرية "خِيرِيهَرْ" من مضافات "شاهْراسْتي" من أعمال "كُمِلا"، من أرض "بنغلاديش".
قرأ مبادئ العلم على أبيه، ثم قرأ على الشيخ القارئ إبراهيم في قرية "جعفر نغر"، ثم التحق بالمدرسة العربية بقرية "بادَلْكُوت" من أعمال "نواخالي"، ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، وقرأ فيها عدّة سنين، وقرأ "صحيح البخاري"، و"جامع الترمذي" على شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني رحمه الله تعالى، وبعد الفراغ ارتحل إلى "كراتشي"، والتحق بالجامعة الفاروقية مدرّسا.
وبعد مدّة وصل إلى وطنه الأليف، والتحق محدّثا بالجامعة إمداد العلوم فريد آباد دبها، فأفاد، وأجاد، ثم عيّن شيخ الحديث لها، وكان يدرّس "صحيح البخاري" بالإتقان والإمعان.
توفي سنة ١٤٢٠ هـ، ثم دفن بعد أن صلي على جنازته في مقبرة آبائه.
* * *
стр. 3825
باب من اسمه عبد الحق
٢٦٧٥ - الشيخ الفاضل المفتي عبد الحق بن مولانا إسماعيل الجاتجامي *
ولد في قرية "مَدَارْشَاه" من مضافات "هاتهزاري" من أعمال "جاتجام".
قرأ في دار العلوم ديوبند الصحاح الستّة، وغيرها من الكتب الحديثية.
من أساتذته: شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، والعلامة إعزاز علي الأمروهوي، والعلامة إبراهيم البلياوي، وغيرهم، من المحدّثين الكبار.
* * *
٢٦٧٦ - الشيخ العالم الكبير العلامة المفتي، ثم القاضي عبد الحق بن محمد أعظم الكابلي، نزيل "بوفال"، ودفينها * *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بمدينة "كابل"، وقرأ القرآن، وتعلّم الخطّ، واشتغل بالعلم زمانا في بلدته، ثم سافر، وقرأ المنطق والحكمة وغيرها على ملا سريج، شارح "حاشية السلّم" للقاضي.
стр. 3826
ثم دخل "الهند"، ولقي الشيخ العلامة عبد الحق بن فضل حق الخير آبادي بـ "كلكته"، وقرأ عليه بضع دروس من "الأفق المبين"، ثم ترك الاشتغال عليه، ودخل "جونبور"، ولقي الشيخ هداية الله بن رفيع الله الرامبوري، ولم يقرأ عليه شيئا، ثم ذهب إلى "رامبور"، وأدرك بها الشيخ عبد العلي الفاضل المشهور، فقرأ عليه "لأفق المبين" للسيّد باقر داماد، و"كتاب الشفاء" لابن سينا.
ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، فحجّ، وزار، وساح أكثر بلاد "الشام" و"العراق"، ثم رجع إلى "الهند"، ودخل "بوبال"، وأخذ بعض الفنون الرياضية عن الشيخ فتح الله نائب المفتي بها، وقرأ الصحاح الستة على مولانا عبد القيّوم بن عبد الحي البكرى البرهانوي المفتي بها، وتزوّج بابنة الشيخ فتح الله المذكور، وولي التدريس في المدرسة الشاهجهانية، فدرّس، وأفاد مدّة مديدة، ولما توفي شيخه وصهره فتح الله ولي نيابة المفتي مكانه، وولي الإفتاء سنة اثنتين وثلاثمائة وألف، وقلّده بالقضاء سنة خمس وثلاثماثة، فاستقلّ به مدّة حياته.
وكان إماما بارعا في الفقه والأصول والكلام، عارفا بدقائق المنطق والحكمة والهيئة والحساب، مشاركا في الحديث، ملازما لأنواع الخير والعلوم، كثير الدرس والإفادة، مليح البحث، صحيح الدين، قويّ الفهم، كثير المطالعة لفنون العلم، حلوّ المذاكرة، طيّبا، بشوشا، كريم الأخلاق.
قرأت عليه أكثر الكتب الدراسية في المنطق والحكمة والهندسة والهيئة بمدينة "بوبال" حين كان مفتيا بها.
ومن مصنّفاته: "القول المسلّم على شرح السلّم" للقاضي، والحاشية على حاشية القاضي على "حاشية مير زاهد" على "شرح المواقف"، والحاشية على "التلويح شرح التوضيح" في أصول الفقه، والحاشية على خطبة "القاموس"، وله رسالة نفيسة في مبحث المثناة بالتكرير، ورسالة في الاصطرلاب، وله غير ذلك من الرسائل.
стр. 3827
توفي بالطاعون في بلدة "بوبال"، ودفن بها لثمان بقين من رمضان المبارك سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف.
* * *
٢٦٧٧ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الحق بن جان محمد ميان النواخالوي *
ولد سنة ١٣٣٢ هـ في قرية "عزّنبُور" من مضافات "فيني" من أعمال "نواخالي".
قرأ مبادئ العلم في المدرسة الصوفية النورية، ثم التحق بدار العلوم جاتجام، وقرأ فيها إلى "مشكاة المصابيح"، ثم التحق بالمدرسة العالية كلكته، ونال منها سند "ممتاز المحدثين".
من أساتذته: مولانا محمد حسين، رحمه الله تعالى.
درّس في عدّة مدارس، ثم التحق بالمدرسة العالية داكا، وكان يدرّس فيها كتب الحديث والتفسير والفقه.
* * *
٢٦٧٨ - الشيخ الفاضل مولانا عبد الحق بن حشمت علي الجاتجامي * *
ولد في قرية "مَدَارْشاه" من مضافات "هاتهزاري" من أعمال "جاتجام".
стр. 3828
قرأ من البداية إلى النهاية في الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، وقرأ فيها كتب الصحاح الستّه مرّة ثانية.
من أساتذته: العلامة إبراهيم البلياوي، والمفتي الأعظم فيض الله، والعلامة يعقوب، وغيرهم من المحدّثين الكبار.
وبعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه الأليف، ودرّس في عدّة مدارس، ثم التحق بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، وكان يدرّس فيها "شرح الوقاية" في الفقه، و"المييذي" في الحكمة، والجزء الثاني من "مشكاة المصابيح".
قلت: قرأت عليه الجزء الأول والثاني من "شرح الوقاية"، و"الميبذي"، والجزء الثاني من "مشكاة المصابيح".
* * *
٢٦٧٩ - الشيخ الفاضل عبد الحق بن خليل الرحمن بن عرفان اليوسفي، الرامبوري، ثم الطوكي، أحد الفقهاء الحنفية *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بـ "رامبور".
وقرأ الكتب الدراسية على أبيه، وسافر معه إلى "طوك"، وسكن بها، ولما ذهب والده إلى "جاوره" تأخّر عنه، فلم يخرج عن بيته، حتى مات ببلدة "طوك".
وكان يدرّس، ويفيد، أخبرني بذلك محمود بن أحمد الطوكي.
* * *
стр. 3829
٢٦٨٠ - الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي المحدّث الفقيه شيخ الإسلام، وأعلم العلماء الأعلام، وحامل راية العلم والعمل في المشايخ الكرام، الشيخ عبد الحق بن سيف الدين بن سعد الله البخاري الدهلوي المحدث المشهور، أول من نشر علم الحديث بأرض "الهند" تصنيفا وتدريسا *
ألّف الأستاذ خليق أحمد نظامي كتابا قيّما على حياته وآثاره باللغة الأردية، ونقله إلى العربية الدكتور محمد أكرم الندوي، وقال: ما نصّه:
أسرة الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي:
أول من دخل "الهند" من آباء الشيخ عبد الحق المحدّث الدهلوي هو آغا محمد ترك، كان آغا محمد من سكّان "بخارى"، فلمّا أحدث المغول الخراب والدمار والتقتيل والإحرإق في "آسية الوسطى" في القرن السابع الهجري ساءته أوضاع بلاده، وهاجر في جماعة كبيرة من الأتراك إلى "الهند"، يقول الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي: وهاجرت جماعة كبيرة من الأتراك ممن كانت لهم وشائج القرابة معه، أو البيعة، والإرادة من موطنها الأصلي إلى هذه البلاد.
كان هذا في عهد السلطان علاء الدين الخلجي، وكان المسلمون في "الهند" قد بلغوا ذروتهم في السياسة والثقافة، فساعد السلطان آغا محمد ترك، وأكرمه بالوظائف العالية، والمناصب الرفيعة، وكان السلطان في تلك الأيام يستعدّ للحملة على "كجرات"، فأرسله إلى "كجرات" يكتب
стр. 3830
الشيخ: تم تعيينه في جماعة من الأمراء الرفيعي المنزلة لغزو بلاد "كجرات"، وافتتاح بنادرها، وأقام بها بأمر من السلطان بعد الانتهاء من تلك الحملة.
أقام آغا محمد في "كجرات" بعد افتتاحها، وكان الله قد أنعم عليه بكثرة الأولاد، كان له مائة ابن وابن، ويقضي معهم أيام حياته في أبّهة وكرامة، وهدوء وسلام، حتى حدث له حادث، ومات مائة ابن له، وإنما بقي له ابن واحد، يسمّى معز الدين، وكأنما وقعت صاعقة على رأس آغا محمد ترك وقلبه، وسئمت نفسه من الدنيا وأهلها، فالذي دخل "كجرات" في جيش قاهر للسلطان علاء الدين الخلجي فاتحا منصورا، رجع إلى "دهلي"، آخذا بيد ابنه الوحيد في أسى وحزن، ولزم زاوية الشيخ صلاح الدين السهروردي، يقول الشيخ المحدّث: فترك خيله وحشمه، ولبس الثياب السمود، واعتكف في زاوية الشيخ صلاح الدين السهروردي.
والد الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي:
وُلد الشيخ سيف الدين والد الشيخ عبد الحق سنة ٩٢٠ هـ في "دهلي"، ورزقه الله العلم والعمل والفضائل، وكان شيخا صاحب قلب، شاعرا مجيدا، ورجلا ظريفا، اعترف الناس بظرافته ولطافته وفهمه وتودّده، يقول الشيخ المحدث: كان وحيد عصره، وحديث بلاده، في الشعر والفضل والذوق والشوق والمحبة والظرافة واللطافة والانقطاع وطيب القلب والحضور وذكر اللطائف والنكات وفهم الدقائق والإشارات. كان الشيخ سيف الدين معروفا بين الناس بشعره وكلامه، ولكنه كان في الواقع شيخا صالحا، مقرّبا إلى الله، صاحب باطن، يقول الشيخ المحدث في "رسالة الوصية": كان والدي الشيخ سيف الدين قد أوتي حظّا كبيرا من عالم العدم والفقر والفناء في الله والتوحيد والتجريد والتفريد، ولم يكن مجال للتكلّف والتصنّع في حياته، وكان لنظرته تأثير كبير، كلّما نظر إلى أحد بعين المحبّة أثر فيه
стр. 3831
حسب صلاحيته واستعداده، وقد ذكر الشيخ المحدّث تأثير نظرة والده في "أخبار الأخيار"، وقال: وقد وقع منه هذا المعنى غير مرة.
وكان في نظرة واحدة يطلع على استعدادات من لقيه من الناس، وكان يقول: قد صارت نفسي من أجل صفاء صحبة الفقراء وطول ملازمتهم أني أعرف حقيقة أحوال المرء … إن لقيت أحدا في الليل المظلم أرجو أن أستكشف حاله.
مولد الشيخ المحدث وبداية طلبه:
ولد في المحرّم سنة ٩٥٨ هـ في "دهلي" في عهد الملك إسلام شاه السوري، وكانت الحركة المهدوية قد بلغت ذروتها، وكان العلماء قد بالغوا في تكفير المهدويين وتضليلهم، كان مؤسّس الطائفة المهدوية السيّد محمد الجونفوري قد أكثر أعداؤه ومعارضوه الكتابة عنه، وحاولوا إبطال معتقداته، لكن كما قال مولانا أبو الكلام آزاد: كان السيّد محمد نفسه والطبقة الأولى من أتباعه رجالا صالحين أتقياء، فإن مثل هذه الأمور تبدأ على نمط، ثم تختلف في الأخير … هذا ما حدث لهذه الجماعة، حتى غاب صدقها الأساسي في غلوّ أخلافها ومحدثاتهم.
كانت الحركة المهدوية في الواقع حركة إحياء الشريعة والقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكان السيّد محمد الجونفوري وأصحابه يشكون شكوى كبيرة من حبّ الدنيا، الذي وقع فيه علماء السوء والبدع، والمنكرات، التي أحدثها الجهلة من الصوفية، وكانوا يريدون أن يطهّروا المجتمع الإسلامي من هذه العناصر الفاسدة، ويقيموا أحكام الشرع فيه، فلمّا بدؤوا نضالهم ثارت موجة من المعاداة والمعارضة من قبل علماء ومشايخ الهوى والدنيا، ولا مجال هنا لسرد تاريخ هذه الحركة، وينبغي الرجوع إلى مصادر أخرى للتفصيل.
стр. 3832
في أحضان والده:
كان لوالد الشيخ المحدّث إسهام خاص في تعليم الشيخ البدائي وتربيته، وتطوّر أفكاره، فقد عني بتربية ابنه منذ صغره، يقول الشيخ المحدّث عبد الحق: نشأت ليلا ونهارا في حضن رحمته، وجوار عنايته.
انظروا إلى الوليد هو في الثالثة أو الرابعة من عمره واعتناء أبيه به، واهتمامه ليل نهار بتربيته في أحضانه، واضطرابه، لنقل أحواله القلبية والفكرية، التي اكتسبها خلال مجاهداته طوال سنين إليه، يريد أن يعرف هذا الطفل بأسرار مسألة وحدة الوجود، وحينما يعجز الولد عن إدراك نكتة يسلّيه أبوه، قائلا: سينكشف الستار إن شاء الله عن وجه المقصود تدريجيا، ويتجلّى جمال اليقين، ويتبعه، قائلا: لكن ينبغى أن تدوم على هذه الفكرة، وتسعى لها ما أمكنك.
التعليم الأوَّلي:
تلقّى الشيخ المحدّث عبد الحق دروسه العلمية الأولية من والده، افتتح ذلك بتعليم القرآن الكريم، في أسلوب بديع، لم ينته الشيخ المحدّث من تعلم قواعد الهجاء، حتى أخذ والده يكنب له سورا من القرآن الكريم، يحفظه إياها، وأمّ قراءة القرآن الكريم خلال شهرين أو ثلاثة، يقول الشيخ المحدّث: علّمني أولا جزأين أو ثلاثة أجزاء، أو أقلّ من القرآن الكريم، من دون تعليم قواعد الهجاء، كما يفعله الأطفال، كان يكتب درسا درسا، فكنت أتابع قراءته، تعلّمت من القرآن الكريم هذا القدر وحده، وبعد ذلك استطعت بفضل تربيته وعطفه أن أقرأ كلّ يوم شيئا من القرآن الكريم، وكلّ ما قرأته عرضته عليه، فختمت القرآن في شهرين أو ثلاثة، ثم اتّجه إلى تعلّم الكتابة، وتمكّن منها خلال شهر. يقول الشيخ: وخلال وقت قليل لا أكذب إذا حددته بشهر نشأت في مهارة الكتابة وسليقة الإنشاء. إن تعلّم القراءة
стр. 3833
والكتابة في هذه المدّة القليلة من الوقت ليس إلا ثمرة من عبقرية الشيخ، وردَّ الشيخ المحدّث الفضل في نجاحه هذا إلى والده، يقول: كلّ ما حصل كان من عنايته واهتمامه.
لم يتقيّد الشيخ سيف الدين في تعليم ابنه بمقرّرات عهده الدراسية ومنهاجه التعليمي، بل علّمه ما استحسنه وفق حاله ومستواه، كان كثير من الكتب الشعرية جزءا من المقرّرات في ذلك العهد، ولكنه لم يعلم ولده غير "بستان"، وأجزاء من "ديوان حافظ"، وبعد الانتهاء من قراءة القرآن بدأ بـ "ميزان الصرف"، وعلّمه بنفسه إلى مرحلة "المصباح"، و"الكافية".
يقول الشيخ المحدّث: إن كتب النظم والشعر التي تعارف الناس على تعليمها في هذه البلاد لم يعلّمني منها إلا أجزاء من "بستان"، و"كلستان"، و"ديوان خواجه حافظ"، وبعد الانتهاء من قراءة القرآن الكريم، حفّظني "ميزان الصرف"، وعلّمني بنفسه إلى مستوى "المصباح"، و"الكافية". وكان يقول له دائما: ستصبح عالما إن شاء الله قريبا.
كان الشيخ سيف الدين قلقا جدا لتعليم ابنه تحت إشرافه ورعايته، وكان يودّ أن ينقل إلى ابنه العلوم، التي اكتسبها بعد نضال طويل في حياته، ولكنه كان قد طعن في السن، فكان يعدّ الكتب أحيانا، كان يقول: أعلم هذه كذلك، ثم يقول: لقد أبلغ من السرور مبلغه إذا تصورت أن الله سيمكنك من النبوغ، الذي تخيلته لك.
كان الشيخ المحدّث ذكيا جدا، مع طلب صادق للعلم، إذا اتّجه إلى علم تيسّرت له سبيله، وكان أبوه الشيخ يسرّ بذكاء ابنه، ونضاله المتواصل، وتصوّر مستقبله العلمي الرائع.
يقصّ الشيخ المحدّث ما حدث له يوما: أتذكّر أني كنت عنده أقرّر أشياء علمية، وكان ناظرا إليّ بعينه، فأخذته حالة غريبة، وعلاه الصياح والبكاء، وفي هذه الحال مدّ يديه إلى هذا الفقير، ودعا بدعوات، وبعد زوال
стр. 3834
تلك الحال، قال لي: قد تجلّى لي من مشاهدتك نور، لا يمكن التعبير عنه، ما أعجب هذه الحال.
وانتهى من دراسة "شرح الشمسية"، و"شرح العقائد"، وهو ابن اثني عشر أو ثلاثة عشر عاما، ومن دراسة "المختصر"، و"المطول"، وهو ابن خمسة عشر أو ستة عشر عاما، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره، لم يبق جانب من جوانب العلوم العقلية والنقلية، إلا نال حظّه منه، يقصّ بنفسه قصّة هذه الأيام:
وكان والدي يقول: تعلّم في كلّ فن مختصرا من مختصراته يكفك، وتفتح عليك إن شاء الله أبواب البركة والسعادة، وتنل حظّك من جميع العلوم من دون كلفة، فكان من فضل توجيهه أن حصلتْ لي في اكتساب العلم شرعة، يعبّر عنها بطيّ الزمان وطيّ المكان، وحصل لي كلّ علم، أي كنت أحفظ جزءا أو أكثر من المختصرات في النحو، مثل "الكافية"، و"اللب"، و"الإرشاد"، وكنت مضطربا لإتمام دراستي، إلى أن تيسّر لي جزء مشروح أو محشّى من هذه المختصرات، طالعته بنفسي، ولم أحتج إلى دراسته على شيخ أو استفهامه منه، فإن كان البحث سهلا ميسورا، أو كنت على معرفة منه من قبل لم تطب نفسي به، لا أدري ما الذي كنت أفهم في تلك الأيام، وما الذي كنت أطالع؟! ولكن كنت أنتفع انتفاعا تاما بمتن كل كتاب، وحاشيته، وكلماته، وإذا وقع في يدي كتاب أو جزء منه مقروءا أو غير مقروء ألزمت نفسي بمطالعته، ولم أتقيّد بمفتتح الكتاب أو خاتمته، بل كان هدفي هو اكتساب العلم مهما تيسّر ذلك.
ما الذي كان يهدف إليه من اكتساب العلم في ذلك الزمان؟.
ذكر في "أخبار الأخيار" قصّة من أيام طلبه تدلّ على مقاصده وميوله واتجاهاته، تحدّث زملاؤه يوما عن الغرض، الذي يهدفون إليه من اكتساب العلم، فذكر بعضهم أن الحامل له وراء الطلب، هو المعرفة الإلهية، وزعم
стр. 3835
بعضهم أنه يطلب العلم ليعالج به المشاغل الدنيوية، حتى وصلت النوبة إليه، فقال: لا أدري أصلا إذا كان اكتساب العلم يؤدّي إلى المعرفة الإلهية أو أسباب الملاهي، إنما رغبتي في هذه المرحلة أنه قد مضى هذا العدد الكبير من العلماء والعقلاء، فما الذي رأوه، وما نظموه من الدرر في سبيل الكشف عن الحقائق، ولا أدري ماذا يؤول إليه أمري بعد ذلك هوى النفس، وملذاتها، أو محبة المولى، أو اكتساب الدنيا.
الشيخ المحدث عبد الحق طالب علم:
كتب الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي في كبر سنّه إلى الأمير مرتضى خان الشيخ فريد خان يفيده معنى الطلب الصادق: فلا يأخذ نفسا، ولا يخطو خطوة، إلا وبين يديه تحصيل طلبته، والظفر بحبيبه. وكانت هذه هي حاله أيام الطلب، وكان منهوما به ليل نهار، وغلبته روج الطلب، حتى صارت له الحياة، ومتعها لا تعني، إلا إياه، يقول منذ أيام الطلب: لم أعرف ما هو اللعب؟ وما هو النوم؟ وما هى الصحبة؟ وما هى الاستراحة؟ وأين الدعة والتفرج؟ ولم آكل طعاما قط في وقته من أجل شوقي في الطلب، ولم أنم في مكان النوم.
فالجهد الذي بذله في سبيل الطلب والتضحية، التي قدمها من أجله يصعب نظيره في ذلك العهد، فإن كان أبو الفضل قد يبس دماغه من كثرة المطالعات في الليل، فإن الشيخ المحدّث أحرق مرارا عمامته وشعره بالمصباح، ولم يشعر باشتعال النار في ثيابه وجسده.
ذكر الشيخ المحدّث برنامجه من الصباح إلى آخر اليوم، والحق أن الشيخ لم يأل جهدا في الرياضة، التي تطلبها رياسة دنيا العلم، كان يشعر منذ صغره أن جنّتك مختفية في دماء كبدك، فضحى براحة جسده في سبيل العلم، يخرج إلى المدرسة قبل طلوع الشمس، وكانت المدرسة على
стр. 3836
مسافة ميلين من بيته، ثم يأتي للغداء إلى بيته لوقت قليل، ثم يخرج مرة أخرى إلى المدرسة، ويشتغل بالمطالعة، ولم يشعر بتعب، وقد قطع ستة أميال مشيا على الأقدام، وكان يعتكف على المطالعة في المدرسة، حتى الليل في شوق وذوق، وإذا رجع إلى البيت في الليل لم يسترح، بل كان يجلس للدراسة، والنظر في الكتب، وكان أبواه يهتمّان لجهده واشتغاله، ويقولان له: ينبغي أن تستريح قليلا، لكنه كان قد ولِهَ في حبّ العلم، كان يستمع إلى نصائح الجميع، لكنه كان مغلوب الحال.
حفظ القرآن الكريم:
كان الشيخ المحدّث قد حفظ القرآن الكريم في بداية عهده، واجتهد في ذلك سنة أو أكثر، يقول: ووفّقت بعد ذلك لحفظ القرآن الكريم، فالتجأت إليه سبحانه، واكتسبت هذه النعمة خلال مدّة سنة أو أكثر.
التلمذ على علماء ما وراء النهرين:
تتلمّذ الشيخ المحدّث على علماء "ما وراء النهرين" بعد التمكّن من اللغة العربية والكلام والمنطق، لم يسمّ الشيخ أولئك العلماء، ولكنه ظلّ مهتما باكتساب هذه العلوم اهتماما تاما، فلم يكن عنده شيء من الفراغ، لا في الليل ولا في النهار، ويقول في "أخبار الأخيار" في حسرة: لو حصل لي في ذلك الشوق والذوق في طلب المولى، ورياضة الباطن، لكان أمري غير الذي أنا فيه.
كان الشيخ قد بلغ من الذكاء مبلغه، فكلما اعتنى بعلم نبغ فيه بذكائه وجهده، فتمكّن من علم الكلام والفلسفة تمكّنا كبيرا، أثنى عليه شيوخه، بل واعترفوا بفضله: نستفيد منك، ولا منّة لنا عليك.
стр. 3837
بداية العبادة والرياضة:
يقول الشاعر محمد إقبال: الهدف من العلم طهارة العقل والفهم والغرض من الفقر عفة القلب والنظر. اعتنى الشيخ المحدّث إلى جانب طهارة العقل والفهم بعفّة القلب والنظر، وكان له منذ طفولته اهتمام بالعبادة والرياضة، وكان أبوه قد أوصاه لا تكن عالما مجدبا عقيما، فقضى حياته جامعا بين الشريعة والطريقة، وكان الشيخ سيف الدين قد نفخ فيه تلك الروح من الحبّ الحقيقي، الذي أشعل الشوق في قلبه وكبده إلى آخر أيام حياته، كان في بداية عهده يقوم في الليل، ويقبل على العبادة، يقول: ومع الشوق والاشتغال باكتساب العلم والمذاكرة، وكنت أعني بالطفولة بكثرة الصلوات والأوراد وقيام الليل والمناجاة، فالشوق والذوق اللذان كانا يغلبانه في ذلك العهد في الدعاء، يتمتّع بذكرهما في كبره، يقول: لا أزال أستمتع باللذّة، التي كنت أنعم بها في الأسحار وأوقات العبادة.
وكان للشيخ المحدّث في ذلك العهد حرص كبير على صحبة المشايخ والاستفادة منهم، وكان مركزا لعناياتهم وألطافهم، من أجل عواطفه الدينية وإخلاصه، وكان الشيخ إسحاق المتوفى ٩٨٩ هـ شيخا كبيرا في الطريقة السهروردية، وكان قد هاجر من "ملتان" إلى "دهلي"، وأقام بها، وكان يديم السكوت، وقلما يكلّم أحدا، ولما حضره الشيخ المحدث اعتنى به، وأفضل عليه، وتحدّث مع الفقير طويلا.
بعد إكمال مرحلة الطلب:
كان الشيخ المحدث قد انتهى من الطلب في سنّ مبكرة، ما الذي اشتغل به بعده إلى سنة ٩٩٦ هـ حينما ارتحل إلى الحرمين الشريفين؟ لا تلقي مؤلفاتُه ضوءا على ذلك، ويظهر من تصريحٍ لعبد الحميد اللاهوري أنه اشتغل بالإفادة والتدريس بعد التخرّج في العلم، أي قبل الخروج لحجّ بيت الله الحرام،
стр. 3838
يقول: لما بلغ العشرين من عمره خرج من مرحلة التحصيل إلى التدريس، وأقبل على الإفادة، حتى خرج في رحلة "الحجاز". ويقول الشيخ المحدّث في "أخبار الأخيار" بعد ذكر دراسته: طلبني مولى المساكين وهادي الضالّين إليه، وألقى سلسلة الشوق في عنق هذا الغريب، وجذبني إلى بيته، وأوصلني إلى منزل المراد، أي أحلّني في مدينة حبيبه. ويقول في "زاد المتقين" في سنة ستّ وتسعين وتسعمائة: وصلت جاذبةٌ من الغيب، وظهرت وحشة في القلب، ولم يكن بد من الاصطلام، وعقد زاد الهمة بفكرة السفر.
لماذا كان يرى نفسه غريبا في "الهند"، ولماذا كان يشعر بالوحشة التي ذكرها في "زاد المتقين"؟
لما وصل إلى الشيخ عبد الوهّاب المتقي كشف النقاب عن هذه الوحشة، قائلا: يا سيدي أنا امرؤ نشأت من زمن صغري في الرياضة للتعلّم والتعبّد، ولم أعتد صحبة الناس، والاختلاط معهم، والدخول فيهم، ولما حصل لي بفضل الله طرف صالح من ذلك، وقضيت وطري وحاجتي، مما هنالك، دعاني بعض أهل الحقوق إلى الخروج إلى أرباب الدنيا، فأدركت سلطان الوقت والأمراء اعتنوا بشأني، ورفعوا مكاني، وأرادوا أن يكثروا بي سوادهم، ويحكموا، ويعدُّوا بهذا الضعيف صورهم وموادهم، فحماني الله، ولم يتركني معهم، وأوجد في قلب عبده جذبة، هداها إلى هذا المقام الشريف.
الشيخ المحدث يتجه إلى الحجاز:
اتّجه الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي سنة ٩٩٦ هـ، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة إلى "الحجاز"، كتب محمد غوثي في "كلزار أبرار": أن الشيخ وصل إلى "كجرات" سنة ٩٩٥ هـ مارا بـ "مالوه"، وعلم بها أن موسم السفر قد مضى، فأقام بها سنة، وارتحل إلى "الحجاز" سنة ٩٩٦ هـ.
стр. 3839
وكان المرزا كوكه عزيز حاكم "مالوه" آنذاك أقام الشيخ عنده قليلا، ثم سافر منها إلى "ماندو"، حيث حضر عنده مؤلّف "كلزار أبرار"، واكتسب منه فوائد الفلاح والسعادة، ثم ارتحل منها إلى "كجرات"، وكان بها تلك الأيام المرزا نظام الدين أحمد، مؤلّف "طبقات أكبري" على منصب بخشي (أمين بيت المال"، واستقبل الشيخ، ورحّب به ترحيبا حارا، استنزله بها بإلحاح إلى الموسم القادم، وحضر الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي في "أحمد آباد" لدى الشيخ وجيه الدين العلوى، واسفاض من صحبته، يقول في "أخبار الأخيار": ولما وصل كاتب هذه السطور إلى "كجرات" في رحلته إلى زيارة سيّد الكون ﷺ سَعَد من بين مشايخها المتأخّرين بزيارة الشيخ وجيه الدين المعمّر والمرتاض، جامع الكمالات والبركات، والمشتغل بتدريس العلوم وتأليف الكتب وتدوينها، وإرشاد الطالبين، وتشرّف بالاشتغال ببعض الأذكار والأشغال لديه في الطريقة القادرية العالية.
في حضرة الشيخ عبد الوهّاب المتقي:
وصل الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي إلى "الحجاز" سنة ٩٩٦ هـ، وأقام بها إلى سنة ٩٩٩ هـ، وقضى هذه المدّة كلّها تقريبا في جوار الشيخ عبد الوهّاب المتقي، فأتم دراساته العلمية عليه، وأخذ منه طرف الإحسان والتزكية والسلوك.
يواجه العالم الناشئ بعد إتمام دراسته الرسمية مرحلة صعبة في حياته، إنه يحتاج إلى مرشد يوجّه كنوزه العلمية نحو الأمور البناءة، يثقل قلبه وعقله، بعبء من العلم، ولا يتخفّف، حتى يتعين طريق مستقيم لاستعماله، وإن زلّة صغيرة في هذه المرحلة تلغي جميع مجاهداته طول حياته، كان الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي سعيدا أن ظفر بمرشد كامل وجّه كفاءاته العلمية، وصلاحياته العملية التوجيه الصحيح.
стр. 3840
تربية الشيخ عبد الحق تحت رعاية الشيخ المتقي:
حضر الشيخ عبد الحق الدهلوي لدى الشيخ عبد الوهّاب المتقي في شهر رمضان سنة ٩٩٦ هـ، وقرأ عليه "مشكاة المصابيح"، واعتكف معه في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأدّى فريضة الحجّ معه، واستفاد منه في "عرفات" و"المزدلفة"، ثم اشتغل بالدرس، وخرج إلى "المدينة المنوّرة" في ٢٣ من شهر ربيع الثاني سنة ٩٩٧ هـ بإذن الشيخ عبد الوهّاب، وأقام بها إلى آخر شهر رجب سنة ٩٩٨ هـ، ثم رجع إلى "مكّة المكرّمة"، وأتم على الشيخ عبد الوهّاب "مشكاة المصابيح"، فلمّا انتهى قال له الشيخ: الحمد الله، فقد حصلت لكم نسبة بهذا العلم الشريف في وجه أتم، وهذا القدر يكفيكم لأداء خدمة هذا العلم، ينبغي الآن أن تشتغلوا أياما في أمور أخرى، وتحصلوا على لذّات الخلوة، وذكر الله أيضا، وعلّمه الآداب، وأوضاع الذكر، وتقليل الطعام، ودرّسه بعض كتب التصوّف.
في مدينة الرسول ﷺ :
كان للشيخ عبد الحق الدهلوي محبة عميقة للرسول ﷺ ، إذا دخل "مدينته" دخلها حافيا، ورد في "تحفة الكرام": كان يمشي في "المدينة" حافيا. قدّم مرّة قصيدة باللغة الفارسية إلى النبيّ ﷺ ، كانت القصيدة كتبت في "الهند"، ففيها إعراب عن الأسف والحزن على أوضاعها، والقصيدة طويلة جدا، ومليئة بعواطف المحبّة والعشق. جاء في "زاد المتقين" أنه لما وصل إلى البيت الذي معناه: قد تلفت همّا وحزنا على فراق جمالك يا رسول الله، أرني جمالك، وترحّم على نفس العاشق النحيل، لم يملك نفسه، وكما قال نفسه: أخذ في البكاء والنحيب المتواصل. لقي طلبه الحافل بالمحبة والإخلاص القبول، وتشرّف بزيارة النبي ﷺ في الرؤيا.
стр. 3841
ذكر الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي في "زاد المتقين" أربع رؤى، رأى فيها النبي ﷺ ، رأى رؤيا في ٢١ من ذي الحجّة سنة ٩٩٨ هـ في "مكة المكرمة" يستذكرها، قائلا: رأيت النبيّ ﷺ جالسا على سرير، يدرّس الحديث الشريف، وتتلألأ أنوارُ الجمال والجلال في وجهه الشريف، ومتحلّيا بأحسن صورة، لا يتصوّر فوقها.
كما رأى في الليلة نفسها أن الحسين بن علي رضى الله عنهما يجهّز جيشا لقتال أعداء الله، كانت حياة الشيخ عبد الحق كلّها عبارة عن تعبير هذه الرؤيا، فقد قضاها كلّها إلى نفسه الأخير في نشر الحديث الشريف، وتعليمه، ومحاربة البدع، والمحدثات.
العودة من الحجاز:
بعد قطع أودية العلم والعمل بأسرها أمر الشيخ عبد الوهّاب المتقي تلميذه الشيخ عبد الحق بالعودة إلى "الهند"، وقال: ينبغي أن ترجع إلى وطنك، فإن أمّك وأهلك وأولادك يقلقون عليك، وينتظرون مقدمك، كان الشيخ المحدث قد ملّ العيش في "الهند"، وتبرّم به، فلم يرض بالرجوع إليها، فقال لشيخه: للفقير نية قوية في الإقامة بهذه البقعة الشريفة المباركة، ثم ينوى زيارة "بغداد"، وزيارة ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وجرى بينهما الحوار.
الشيخ المحدّث في الهند:
رجع الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي إلى "الهند" سنة ١٠٠٠ هـ، يقول في رسالة له: ولعل المملوك قد تشرّف بكم في ذلك المقام، بل قد يظنّ أنه جاء معكم في المراكب الهندية سنة ألف، هذا هو العهد الذي اتّخذت فيه أفكار الملك أكبر المنحرفة صورة الدين الإلهي، وكانت بيئة البلاد الدينية كلّها قد فسدت، وعمّ الإعراض عن الشريعة، والسنّة،
стр. 3842
وصار بلاط الملك يسخر فيه من شعائر الدين سرا وجهرا، وإذا رددنا تصريحات الملا عبد القادر البدايوني على أنها من عالم متزمّت، فإن هناك شواهد قطعية على أن حرمة الإسلام وعظمته وكرامته كانت قد زالت عن نفس الملك أكبر، وقد جمع أبو الفضل أقواله في "آئين أكبري"، فقد ورد فيه في غير موضع كلمة كيش أحمدي الملة الأحمدية في سياق السخرية من الفقه الإسلامي، وما أصدق من قال: الناس على دين ملوكهم، فقد أثر ضلال الملك في حياة عامة الناس، حتى إن المدارس والزوايا لم تسلم من تأثيراته السامة، ففصل الصوفيةُ الشريعةَ عن الطريقة، وأوجدوا مبرّرات لأفعالهم غير الشرعية، واتخذ علماء السوء الفقه عرضة لأهوائهم المتوجّهة إلى الاحتيال، وبدأ عهد من الاحتيالات، حتى قال البدايوني: تخجّل منها حيل بني إسرائيل.
رجع الشيخ المحدّث في هذا الوضع المؤلم من "الحجاز" إلى "الهند"، وكان قبل أربع سنوات ودّع "الهند" متبرّما ومستاء من الوضع نفسه، لكن حاله تغيّرت الآن، فما كان يقدر آنذاك على مدافعة هذه الضلالات، فتملّكه اليأس والتبرّم، ولكن الآن تحدّد منهج عمله، وكان صدره الآن يحتوى على ثروة، لا تفني من العلوم الدينية، فجعلها سلاحا للقضاء على هذه الفوضى الدينية.
رجع الشيخ عبد الحق من "الحجاز"، فجلس للتدريس، وكانت هذه هى المدرسة الأولى في شمالي "الهند" في ذلك العهد، ارتفع منها صوت الشرع والسنّة، وكان منهجها التعليمي مختلفا عن المدارس الأخرى اختلافا تاما، فكان القرآن والحديث في هذه المدرسة قطب الرحى، الذي تدور حوله سائر العلوم الدينية، وكان ينشد البيت الفارسي الشهير، الذي معناه: أنا عبد للشمس، فلا أتحدّث إلا عن الشمس، لست بليل، ولا عابد ليل، حتى أتحدّث عن المنام والرؤيا.
стр. 3843
مرشد الشيخ المحدّث عبد الحق في الطريقة:
كان التصوّف هي اللون الغالب على البيئة، التي فتح فيها الشيخ المحدث عينيه، والجوّ الذي نشأ فيه، وتربى، وكان من المستحيل أن لا يتأثر بهذه البيئة نشأ فيه شوق للعبادة والرياضة، وهو طفل صغير، وقد مرّ في الصفحات السابقة، كيف أن الشيخ كان يقضي أيامه في عبادة الله، وتطوّرت روحه الدينية هذه مع نموّه، حتى اصطبغ بصبغة التصوّف اصطباغا، يقول نظام الدين البخشي: إنه في "دهلي" هذه الأيام … ويعيش في ملابس الصوفية.
ويقول الملا عبد القادر البدايوني: يحتلّ في التصوّف مكانة رفيعة، بل يرى الملا البدايوني أنه اشتغل بالإفادة والتدريس، حتى يراه الناس صاحب العلوم الظاهرة، ولا يتردّد الناس إليه لأخذ علوم الباطن، يقول "يستر نفسه في ستار إفادة العلوم الرسمية وتعليمها.
بيعة والده:
بايع الشيخ عبد الحق على يد والده الشيخ سيف الدين، وتلقّن منه الطريقة، يقول في "رسالة الوصية": اجتمعت لوالدى على حقوق الأبوة، والشياخة، والصداقة، والإرشاد. كان الشيخ سيف الدين يحتضن ابنه، ويجلسه في جنبه طوال ساعات، وكان يهمّه أن يعمر صدر ابنه بالعلوم القلبية، كان الشيخ عبد الحق أخذ الدرس الأول في باب المحبة والعشق من أبيه، ثم أمره أبوه أن ينضمّ إلى حلقة أصحاب السيّد موسى الكيلاني، فامتثل أمر أبيه، يقول: دخلت في إرادة سيّدي وسندي الشيخ موسى الكيلاني بأمر من والدي.
стр. 3844
الشيخ المحدّث وملوك عصره:
ولد الشيخ عبد الحق الدهلوي في عهد الملك سليم شاه السوري، وتوفي في سنة تولي شاه جهان عرش المملكة، وخلال هذه الفترة، تبوأ عرش "دهلي" الملوك التالية أسماؤهم:
إسلام شاه، ومبارز خان، وإبراهيم شاه، وأحمد خان إسكندر شاه، وهمايون، وأكبر، وجهانكير، وشاه جهان.
قضى حياة الرشد في عهود الملوك الثلاثة الأخيرين، وكان قد درس أوضاعها دراسة عميقة، لكنه لم يحب قط أن يتصل بالسلاطين والأمراء.
عاش حياته كلّها في زهد وقناعة، وكان لانزوائه هذا أسباب عديدة:
السبب الأول: أن علماء السوء أهانوا علم الدين في بلاط أكبر إهانة كبيرة، فكره علماء الحق هذا الوضع كراهية شديدة، ورأوا صلاح العلم والدين في الانعزال عن البلاط.
السبب الثاني: أن الشيخ المحدّث كان يرى أن التردّد إلى البلاط الملكي يخلّ بالشؤون العلمية، فلا يتساير النشاط العلمي، وحضور البلاط في رفق.
السبب الثالث: أن نفسه الأبية كانت تنكر المبالغات الشعرية، والتملّق بالمدح والثناء، كتب في رسالة إلى الشيخ فريد: من الصعب جدا الثبات على جادة التوسّط والاعتدال، والاستقامة على الحق، والواقع في حفظ مراسم المدح والتعظيم، وبيان الشوق والمحبة، فإن لم يبالغ في المدح والثناء خرج عن العرف والعادة، وإن بالغ أضرّ بدينه وإيمانه، يا ليت هذه المراسم لم توجد في العالم.
стр. 3845
وفاة الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي:
غربت شمس العلم والمعرفة، التي أضاءت أجواء "الهند" أربعا وتسعين سنة في الحادى والعشرين، من شهر ربيع الأول سنة ١٠٥٢ هـ، إنا لله وإنا إليه راجعون. كتب الشيخ المحدّث في "وصيته"، يدعو هذا الفقير، ويتمنى: اللّهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك، إن استجاب اله دعوتي هذه، فلا حاجة إلى وصية، وإن وافاني الأجل في هذا البلد، فليدفنوني في عوالي الحوض الشمسي، الذي هو مدفن الصالحين المغفور لهم، فدفن في ناحية من الحوض الشمسي، وأوصى عن قبره: أن يوسّعوا القبر، ولا يتجاوزوا حدّ الاعتدال، ولا يجصّصوا داخل القبر، ولا يرفعوا جداره، إلا بالآجر، وكتب إن رأوا من المصلحة أقاموا لوحا، يكتبون عليه تاريخ الولادة والوفاة، ونبذة من أخبار طلب العمل، والرحلات في اختصار، وحسب الوصية صلى عليه الشيخ نور الحق، وكتب هذه اللوحة على الضريح.
بيت الشيخ المحدّث ومدرسته ومكتبته:
بيته: كان بيت الشيخ المحدّث وزاويته ومسجده قدام بوابة "دهلي"، قريبا من "باغ مهديان"، وقد أشار الشيخ نفسه إلى زاويته، في "شرح مشكاة المصابيح"، قائلا: تم في الخانقاه القادري، وهذا الفقير يخدمه، ويكنسه، ويوقد سراجه، كأنما تم في مجلس واحد.
كانت بعض نواحي زاوية الشيخ باقية إلى آخر القرن التاسع عشر، زارها المنشئ بركة على الحقي، صاحب "مرآة الحقائق"، وكان المسجد قد عمل. على ترميمه في ذلك الوقت، كان بعض أفراد أسرة الشيخ المحدّث يحافظ على مساحة أراضى بيته، والتي بلغت ستة أفدنة تقريبا، وظلّت ملكا لأهل بيته.
стр. 3846
مدرسته: المدرسة التي تعلّم فيها الشيخ المحدّث، والتي كتب عنها في "أخبار الأخيار"، قائلا: كنت أختلف كلّ يوم مرتين إلى مدرسة "دهلي" رغم برد الشتاء القارس، وشدّة حرّ الصيف، لعلّها كانت على مسافة ميلين من منزلنا، كانت المدرسة واقعة قريبا من القلعة القديمة، ورد في "مرآة الحقائق" عنها، تقع هذه المدرسة ذات المبنى المجصّص وذات الطابقين مع المسجد، مقابل القلعة القديمة على جانب طريق "دهلي" و"آكره "، أي إن باب القلعة في جهة الغرب، وباب المدرسة في جهة الشرق، ولا يزال مبنى المدرسة هذا قائما على وضعه، يرى مسجدها من الباب الأمامي، وتحيط بفنائها من جهاتها الأربع بيوت.
مكتبته: في عهد لم تتوافر فيه خزائن الكتب الشخصية، كان من الواجب على كلّ مؤلّف أن يطوّر مكتبة شخصية له، قضى الشيخ المحدث معظم أيام حياته في الكتابة والتأليف، وجمع في هذا النصف قرن من الزمان النوادر العلمية من بلاد العرب والعجم في خزانته، يظهر من مؤلّفاته أنه كانت لديه ذخيرة كافية من الكتب، ذات المستوى الرفيع، لما ألّف "شرح سفر السعادة" كان عنده كنز كبير من مصادر الحديث والتفسير والفقه، ولما ألّف "أخبار الأخيار" سبر كتابات "الهند" الإسلامية.
وكان قد أحرز كتبا كثيرة خلال إقامته بـ "الحجاز"، فكانت خزانته تحتوي على الكنوز العلمية الغالية في "الهند"، وكلّ كتاب من خزانة الشيخ رأيتُه، وجدت عليه آثارا بخط يده من تصحيح ومقابلة، ويزيد ذلك في قيمة خزانته العلمية، ونفعها.
وظلّت خزانته هذه في الوضع نفسه إلى فترة طويلة بعد حياته، كان ولده الشيخ نور الحق وأولاده يحملون الذوق العلمي، فحافظوا عليها، وعلى خصائصها العلمية، ولما تغيرّ جوّ "دهلي" السياسي في القرن الثامن عشر المسيحي، وشنّ عليها المرهتة والسيخ والجت غارت متعاقبة متواصلة، نهبت منها هذه الكنوز المعنوية كذلك.
стр. 3847
يقول شيخ الإسلام حفيد الشيخ نور الحق على نهاية المجلّد الثاني من "شرح البخاري"، وهو يقصّ نهب خزانة الشيخ: انتهى في زمن تشتّت البال، واضطراب الحال، من نهب الدار والغارات عليها في هجمة على "دهلي القديمة" باستيلاء الكفّار العتاة باتفاق الطغاة والبغاة وذهاب المكتبة القديمة، والجديدة، التي اشتملت على كتب يندر معظمها في هذه الديار، وكان بعضها متحلّيا بتصحيح وتحشية شيخ المحدّثين الشيخ الأجلّ المحقّق الدهلوي، وكانت تحت يده في دراسته وتدريسه … لم تبق في البيت إلا كتب ملقاة في جوانب متهدّمة.
عاش الشيخ المحدّث عبد الحق الدهلوي أربعا وتسعين سنة، قضى معظم أيام حياته في الكتابة والتأليف، فالحماس الذي بدأ به العمل في مقتبل عمره دام عليه إلى آخر أيام حياته، يقول عبد الحميد اللاهوري: يشتغل بالتعليم، والتأليف، والتصحيح، كما كان في أيام شبابه.
أوصل عبد الحميد اللاهوري ومحمد صالح كنبوه وخافي خان عدد مؤلّفات الشيخ إلى مائة أو فوق المائة بقليل، وقد أخطأ المؤرخّون في التقدير، فقد أفردوا المقالات والرسائل، التي هى أجزاء كتاب واحد، وقد ذكر الشيخ المحدّث قائمة مؤلّفاته في رسالة، سماها "تأليف القلب الأليف" بذكر فهرس التواليف، وظلّ مشتغلا بالتأليف عند إعداد هذه القائمة، فيقول في نهاية هذه القائمة، وتطول سلسلة الكلام الآن، وباب الفيض الإلهي مفتوح إلى أين يصل، وإلى أين يوصل.
تحتوي هذه القائمة على أسماء ٤٩ كتابا، وفي كتاب منها أي "كتاب المكاتيب والرسائل" ثمان وستون رسالة، فإن أفردت هذه الرسائل كما فعل عبد الحميد اللاهوري، ومحمد صالح كنبوه، بلغ عدد المؤلّفات (١١٦)، لكن هذه الرسائل ينبغي أن تعتبر أجزاء كتاب واحد، كما أمر الشيخ المحدّث نفسه بذلك: اجعلوا هذه الرسائل كلّها صحيفة واحدة، وأجمعوها في مجلّدة واحدة.
стр. 3848
بعد إعداد فهرس التواليف ألّف الشيخ المحدّث أحد عشر كتابا آخر، فيبلغ عدد مؤلفاته ستين كتابا في مواضيع مختلفة، يجمعها هدف واحد، وكما صرّح بنفسه في "كتاب المكاتيت والرسائل" أنه أمر أن لا يتكلّم إلا في أمر السنّة والشريعة، فتدور جهوده العلمية والأدبية كلّها حول محور الشريعة والسنّة.
تندرج مؤلفات الشيخ المحدث في المواضيع التالية:
التفسير، والحديث الشريف، والفقه، والأخلاق، والفلسفة، والمنطق، والسير، والسيرة الذاتية، والرسائل، والتجويد، والعقائد، والتصوف، والأعمال، والتاريخ، والنحو، والخطب، والشعر.
وإذا نظرنا إلى أن هذه المؤلفات المختلفة صدرت من قلم واحد، وأنها جميعها على مستوى رفيع وعال، فإن هذا دليل على نبوغ الشيخ المحدّث.
والمؤرّخ الكبير العلامة عبد الحي الحسني ذكر ترجمة المحدّث الدهلوي حافلة في كتابه الممتع "نزهة الخواطر" وذكر تصانيفه، فقال: منها: "تأليف القلب الأليف بكتابة فهرست التواليف"، أوله الحمد لله، منزل الكتب السماوية. إلخ. عدّد فيه كتبه زهاء ثلاثين مجلّدا، منها: "لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح"، وهو أجلّ وأعظم وأطول وأكبر تصنيفاته. قال في "تأليف القلب الأليف" في حقّ ذلك الكتاب: وقد جاء بتوفيق الله وتأييده كتابا حافلا شاملا مفيدا نافعا في شرح الأحاديث النبوية، على مصدرها الصلاة والتحية، ومشتملة على تحقيقات مفيدة، وتدقيقات بديعة، وفوائد شريفة، ونكات لطيفة.
ومنها: "أسماء الرجال والرواة المذكورين في المشكاة"، ومنها: "أشعّة اللمعات في شرح المشكاة" شرح فارسي في أربع مجلّدات. قال في "تأليف الأليف"، إنه تلو لأخته "لمعات التنقيح في شرح المشكاة"، وأرجح منها في التنقيح والتهذيب والضبط والربط، وأكبر منها في الحجم والضخامة،
стр. 3849
ومنها: "جامع البركات في منتخب شرح المشكاة"، وهوِ يشتمل على فوائد كثيرة وعوائد غزيرة، ومنها: "مدارج النبوة ومراتب الفتوة" في سير النبي ﷺ وأخباره بالفارسية في مجلّدين، ومنها: "مطلع الأنوار البهية في الحلية الجلية النبوية"، ومنها: "ذكر إجازات الحديث في القديم والحديث".
ومنها: "أسماء الأساتذة" -رحمة الله عليهم أجمعين- ومنها: "فصول الخطب لنيل أعالي الرتب"، ومنها: "تنبيه العارف بما وقع العوارف" في باب إخلاص الصوفية -قدّس الله أسرارهم الصفية- من الحكم على ما صدر من أخبارهم عن أحوالهم تحدّثا بنعمة الله أنها من باب الشكر وغلبة الحال، ومنها: "طريق الإفادة في شرح سفر السعادة" للفيروز آبادي، وسمّاه "الطريق القويم شرح الصراط المستقيم".
ومنها: "جذب القلوب إلى ديار المحبوب"، وهو تاريخ "المدينة المنوّرة" بالفارسية، ومنها: "أحوال الأئمة الأثني عشر"، وهو ملخّص من فصل الخطاب، ومنها: "زبدة الآثار منتخب بهجة الأسرار" في مناقب الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني.
ومنها: "شرح فتوح الغيب" للشيخ عبد القادر الجيلاني، واسمه "مفتاح الفتوح لفتح أبواب النصوص"، ومنها: "الأنوار الجلية في أحوال المشايخ الشاذلية"، ذكر فيه ثماينة رجال من عظمائهم وعلمائهم، ومنها: "زاد المتقين في سلوك طريق اليقين " في سيرة الشيخ علي بن حسام الدين المتقي المكّي، وصاحبه الشيخ عبد الوهّاب بن ولي الله المندوي البرهانبوري ومشايخ أخر من أهل العرب والعجم، ومنها: "أخبار الأخيار في أحوال الأبرار من أهل هذه الديار"، قال في "تأليف الأليف": إنه أول مصنّفاته.
ومنها: "ذكر الملوك في أخبار سلاطين الهند"، واسمه متضمن لتاريخ التصنيف، ومنها: "تحقيق الإشارة إلى تعميم البشارة" في إثبات البشارة بالجنة
стр. 3850
لغير الأصحاب المشتهرين بالعشرة المبشّرة، وعدم اختصاصهم، وبيان سبب اشتهارهم بذلك، ومنها: "جمع الأحاديث الأربعين في أبواب علوم الدين، ومنها: ترجمة الأحاديث الأربعين في نصيحة الملوك والسلاطين، ومنها: "المطلب الأعلى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى".
ومنها: "ترغيب أهل السعادات على تكثير الصلاة على سيد الكائنات" ﷺ ، ومنها: "الأجوبة الاثنا عشر في توجيه الصلاة على سيد البشر"، رسالة حوت توجيهات التشبيه الواقع في الصلاة على النبي ﷺ ، ومنها: "تحقيق ما ثبت بالسنة من الأعمال في أيام السنة".
ومنها: "الرسالة النورية السلطانية في بيان قواعد السلطنة وأحكامها وأركانها وأسبابها وآلاتها"، صنّف للسلطان نور الدين جهانغير بن أكبر شاه، ومنها: "آداب الصالحين"، وهو ملخّص من "إحياء العلوم" للغزالي في آداب الأكل والشرب والمنام والمعاشرة وغيرها، ومنها: "مرج البحرين في الجمع بين الطريقين"، وهي رسالة حسنة مفيدة في توفيق الشريعة والطريقة. ومنها: "تكميل الإيمان وتقوية الإيقان" في العقائد، القول فيها في مبحث الخلافة، ومنها: "تحصيل التعرّف في معرفة الفقه والتصوّف"، ومنها: "توصيل المريد إلى المراد ببيان أحكام الأحزاب والأوراد"، رسالة مفيدة في بابها، ومنها: "تسلية المصاب لنيل الأجر والثواب" في الصبر، ومنها: "شرح الصدور بتفسير آية النور"، ومنها: "الدر الفريد في بيان قواعد التجريد"، ومنها: "البناء المرفوع في ترصيص مباحث الموضوع" في المنطق، ومنها: "الدرة البهية في اختصار الرسالة الشمسية" في المنطق، ومنها: "شرح الشمسية"، قال في "تأليف الأليف": إنه قد وقع على طريق البسط والتحقيق إلى قوله بحث تقديم مباحث الموصل إلى التصوّر على مباحث الموصل إلى التصديق.
стр. 3851
ومنها: حاشية "الفوائد الضيائية واتباع الهوى الصبائية"، من الأول إلى وجه حصر الكلمة في الأقسام، ومن بحث الفعل إلى آخر الكتاب.
قال في "أليف الأليف": التزمت فيه الأدب عن المخدوم المكين الأمين في اعتراضات مولانا وأستاذنا مولانا عصام الدين، ومنها: "الأفكار الصافية في ترجمة كتاب الكافية"، صنّفها وهو ابن خمس عشرة سنة، ومنها: "منظومة" في آداب المطالعة، والمناظرة لمن يطالع الكتاب وناظره، ومنها: "نكات العشق والمحبة في تطييب قلوب الأحبّة"، ومنها: "نكات الحق الحقيقة من باب معارف الطريقة"، ومنها: "صحيفة المودّة" أرجوزة في المكاتبات إلى أقاربه وأحبّائه، ومنها: "منتخب المثنوي المعنوي"، ومنها: "حسن الأشعار في جمع الأشعار"، ومنها: "إرسال المكاتيب والفضائل إلى أرباب الكمال والفضائل".
وفي ذلك الكتاب رسائل عديدة، ذات أسماء، يربو عددُها على ستين رسالة.
الأولى: "سلوك طريقة الفلاح عند فقد التربية بالاصطلاح"، والثانية: "ذكر أصول الطريقة لكشف الحقيقة"، والثالثة: تعيين الطريق لأهل الإرادة بالتزام وظائف الخير والعبادة، والرابعة "تنبيه أهل العلوم والنهى بتفاوت حال الابتداء والانتهاء"، والخامسة: "تحصيل الكمال الأبدي باختيار الفقر المحمدي"، والسادسة: "قرع الأسماع باختلاف أقوال المشايخ وأحوالهم في السماع"، والسابعة: "ورود الإمداد بالاستقامة على الأوراد"، والثامنة: "رعاية الإنصاف والاعتدال في اعتقاد الصوفية من أرباب الأحوال"، والتاسعة: "إيراد العبارات الفصيحة في شرح قال النبي ﷺ الدين النصيحة"، والعاشرة: "إقامة المراسم في أحوال المواسم".
والحادية عشرة: "تطريب الألحان بمناصحة الإخوان"، والثانية عشرة: "ختيار الانفراد والتخلّي لانتظار الكشف والتجلّي"، والثالثة عشرة:
стр. 3852
"تحصيل المطلوب بانتظار حضور المحبوب"، والرابعة عشرة: "تذكير أولي الأحلام بأن لذّات الدنيا كلّها آلام"، والخامسة عشرة: "رفع صوت النحيب بإتمام ضعف المشيب"، والسادسة عشرة: "تقسيم الأنام على أربعة أقسام"، والسابعة عشرة: "تنبيه الغافلين بفناء الدنيا وأربابها واغترار الجاهلين بزخارفها وأسبابها"، والثامنة عشرة: "سلوك أقرب السبل بالتوجّه إلى سيّد الرسل"، والتاسعة عشرة: "صدق التعطّش والأوام في طلب المقصد والمرام"، والعشرون: "تثبيت القدم في الاصطبار بترك صحبة الأضداد والأغيار".
والحادية والعشرون: "تجديد الذكر في بيان حقيقة الشكر"، والثانية والعشرون: "إتحاف الأحبّة ببيان حديث المحبّة"، والثالثة والعشرون: "حفظ الوقت بترك الاختلاط مع الأضداد والأخلاط"، والرابعة والعشرون: "التزام التمسّك واللجاء بالوقوف بين الخوف والرجاء"، والخامسة والعشرون: "كشف أستار الظلم من وجه لسان الحال والقلم"، والسادسة والعشرون: "سلوك طريق الفجاج بالاجتناب عن الانحراف والاعوجاج"، والسابعة والعشرون: "كشف الأستار عن تحقيق معنى الكسب والاختيار"، والثامنة والعشرون: "ترك الاختيار والتدبير بالاكتفاء بتدبير العليم الخبير"، والتاسعة والعشرون: "تحقيق اليأس عن قول إيمان البأس"، والثلاثون: "وجوه الفناء في أحدية الذات بالغيبة من جميع النسب والجهات".
والحادية والثلاثون: "هداية طريق التربية والتعليم ببيان حقيقة الرضاء والتسليم"، والثانية والثلاثون: "التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله"، والثالثه والثلاثون: "مشاهدة الأبرار بين التجلّي والاستتار"، والرابعة والثلاثون: "هداية الأنام إلى التمسّك بالشرائع والأحكام"، والخامسة والثلاثون: "تنبيه أولي الألباب على ملازمة الأدعية والأحزاب"، والسادسة والثلاثون: "استئناس أنوار القبس في شرح دعاء أنس"، والسابعة والثلاثون: "تحلية القلوب لقدس الملكوت بشرح دعاء القنوت"، والثامنة والثلاثون:
стр. 3853
"تحصيل البركات والطيبات بمعنى التحيّات"، والتاسعة والثلاثون: "تثبيت الفؤاد بتصور عظمة ربّ العباد"، والأربعون: "ذم الكسل في المواظبة والمداومة على العمل".
والحادية والأربعون: "تنوير القمر ليلة البدر في تصوير معنى شرح الصدر"، والثانية والأربعون: "تدقيق البيان في إيجاب الشكر المزيد واستلزامه حصول المحبة والتوحيد"، والثالثة والأربعون: "تحقيق الدعاء والاستمداد بلسان القال والحال والاستعداد"، والرابعة والأربعون: "طي لسان القلم ببيان معنى قولهم لا راحة إلا في القدم والعدم"، والخامسة والأربعون: "إظهار الحسرة والاستبعاد بتقصير النفس في إصلاح المبدأ والمعاد"، والسادسة والأربعون: "حرقة الجنان بتمني الكشف والعيان"، السابعة والأربعون: "طيب المذاق ببيان الذوق في مقام الإطلاق"، والثامنة والأربعون: "حراسة الإيمان من مكايد الشيطان"، والتاسعة والأربعون: "توصية الأصحاب بالصبر في جميع الأبواب"، والخمسون: "تنبيه أهل الفكر على رعاية آداب الذكر".
والحادية والخمسون: "تذكرة أهل الذكر ببيان فضيلة الذكر على الفكر"، والثانية الخمسون: "الاعتصام بحبل الصبر والثبات عند اجتماع أسباب اللذّات والشهوات"، والثالثة والخمسون: "تسوية الأداني والأعالي بالخوف والسكوت في حضرة لا أبالي"، والرابعة والخمسون: "تبصرة الأغنياء بأن الفقر مرآة جمال الغناء"، والخامسة والخمسون: "إسقاط اعتبار الأجساد والأشباح عند ملاقاة القلوب والأرواح"، والسادسة والخمسون: "تحصيل الغنائم والبركات بتفسير سورة العاديات"، والسابعة والخمسون: "ترجمة مكتوب النبي الأجلّ في تعزية ولد معاذ بن جبل"، والثامنة والخمسون: "إيراد العبارات بلسان أهل الإرشادات"، والتاسعة والخمسون: "طلاقة اللسان بشكاية حال الفراق والهجران"، والستون: "إظهار القلق والاضطراب في حصول المطلوب بلا ارتياب".
стр. 3854
والحادية والستون: "توصية الإخوان بالصبر على جفاء أهل الزمان"، والثانية والستون: "طلب النور في ذكر باعث سفر لاهور"، والثالثة والستون: "سلوك الطريقة على نهج المجاز قنطرة الحقيقة"، والرابعة والستون: "تسلية السائل ببيان المسائل"، والخامسة والستون: "وجدان البرد باستشمام الورد"، والسادسة والستون: "جمع كلمات العارفين من أهل الصدق واليقين"، والسابعة والستون: "الرد على الدعاوي الباطلة التي صدرت لبعض النفوس العاطلة".
وأما مصنّفاته التي صنّفها بعد "تأليف الأليف" أو قبله، ولم يذكرها فيه، فمنها: "فتح المنّان في تأييد مذهب النعمان"، كتاب ضخم له في الفقه والحديث، ومنها: "ترجمة زبدة الآثار المنتخبة من بهجة الأسرار"، ترجمه بأمر دارا شكوه من العربي إلى الفارسي، ومنها: رسالة في أقسام الحديث، ومنها: رسالة في ليلة البراءة، ومنها: رسالة في أسرار الصلاة، ومنها: رسالة في عقد الأنامل، ومنها: رسالة في آداب اللباس، ومنها: رسالة في الردّ على بعض أقوال الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي، ومنها: رسالة في مبحث الوجود، ومنها: رسالة في الوظائف، ومنها: رسالة في وصاياه.
وكلّها مقبولة عند العلماء، محبوبة إليهم، يتنافسون فيها، وهي حقيقة بذلك، وفي عباراته قوة وفصاحة وسلاسة، تعشقها الأسماع، وتلتذّ بها القلوب.
ومن فوائده:
حقيقت عبادت امتثال أمر وموافقت سنت است، وقيلوله از وقتش بموافقت سنت فاضل تراست از ذكر ونماز دران وقت باوجود ولع بدان (١).
стр. 3855
ومنها: نصيحت اينست از متقشفه فقهاء وجهله صوفيه بر كناره باشي سلامت درين طريقه است باقي محل خوف وخطر (١).
توفي يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وألف بدار الملك "دهلي"، فدفن بها قريبا من "الحوض الشمسي".
* * *
٢٦٨١ - الشيخ العالم الكبير عبد الحق بن شاه محمد بن يار محمد البكزي الإله آبادي، المهاجر إلى "مكة المباركة " *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بأرض "الهند" في قرية "نيوان" في ضواحي "إله آباد".
واشتغل بالعلم من صغره، وقرأ على مولانا تراب علي اللكنوي، وبايع مولانا عبد الله الكوكهبوري، وسافر إلى "دهلي"، وقرأ على الشيخ قطب الدين الحنفي الدهلوي المحدّث، وعلى غيره، من العلماء.
ثم هاجر إلى "مكة المباركة"، سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف، وأخذ عن الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري الدهلوي، وحصلت له الإجازة منه في الحديث والطريق، وتصدّر للتدريس، ومكث بـ "مكة المكرمة" خمسين سنة يدرّس، ويفيد، ويربّي، ويجيز.