الفلاح" في فروع الفقه الحنفي، و"المهيأ في كشف أسرار الموطأ"، المنسوب للشيباني في الحديث.
توفي سنة ١١٧١ هـ.
* * *
٣٥٤٨ - الشيخ الفاضل عثمان بن يوسف بن أيوب الكاشْغري *
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: تفقّه على مذهب أبي حنيفة.
سمع بـ "بغداد"، وتقدّم من الديوان في مهمّ إلى "دمشق" [في الأيام المستنجدية] (١) إلى نور الدين محمود بن زنكي، فحدّث بـ "دمشق".
سمع منه الشيخ أبو عمر (٢)، محمد بن أحمد [بن قدامة، وأخوه عبد اللَّه شيخا الحنابلة، والحافظ عبد الغني بن عبد الواحد] (٣).
مات بـ "واسط "في حدود سنة سبع وستين (٤)، وقد جاوز الستين.
* * *
стр. 4797
باب من اسمه عثمان فقط
٣٥٤٩ - العالم الفاضل الكامل عثمان الطبيب *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية"، فقال: كان ﵀ أصله من ولاية العجم، وأتى "بلاد الروم" في زمن السلطان سليم خان، ونصبوه طبيبا بدار السلطنة.
وكان خيّرا ديّنا، صالحا، عفيفا، كريم الأخلاق.
توفي ﵀ سنة (هنا بياض بالأصل) وتسعمائة، روّح اللَّه روحه، ونوّر ضريحه.
* * *
٣٥٥٠ - الشيخ الفاضل محمد عثمان * *
كان من تجّار الكتب.
بايع على يد حكيم الأمّة أشرف علي التهانوي.
بعد مدّة حصلت له الإجازة منه.
* * *
стр. 4798
٣٥٥١ - الشيخ الفاضل مولانا عثمان، رحمه اللَّه تعالى *
من أحفاد شيخ الهند محمود حسن الديوبندي.
تخرّج على شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، المتوفى سنة ١٣٧٧ هـ.
كان من فحول العلماء.
وبعد إتمام الدراسة عيّن أستاذا في دار العلوم ديوبند.
* * *
٣٥٥٢ - الشيخ العارف الكبير سراج الدين عثمان، الجشتي، الأودي * *
أحد الأولياء السالكين المرتاضين.
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: دخل "دهلي" في شبابه، وأدرك الشيخ نظام الدين محمدا البدايوني.
وكان حسن الصورة والسيرة، ولكنّه كان عاريا عن حلية الفضائل العلمية، فتأسّف الشيخ على ذلك تأسّفا شديدا.
وقال: إن الشيخ الجاهل يكون لعبة للشيطان، فعزم مولانا فخر الدين الزرادي على تعليمه، وصنّف له مختصرا في التصريف، سمّاه "العثمانية" باسمه، ولم يزلْ يجدّ في تعليمه ما دام في "غياث بور".
стр. 4799
ثم لازم الشيخ ركن الدين الأندربتي، وقرأ عليه "الكافية" لابن الحاجب، و"المفصّل" في النحو، و"القدوري"، و"مجمع البحرين" في الفقه، واشتغل بالعلم ثلاث سنين بعد وفاة الشيخ نظام الدين المذكور، حتى برع في العلم، وتأهّل للفتوى والتدريس.
ثم سافر إلى "بنغاله"، ولقد أبلغه اللَّه تعالى من الولاية منزلة لا يرام فوقها، وهدى به، ثم بأصحابه من بعده خلقا لا يحصيهم إلا من أحصى رمل عالج عددا، فلا ترى ناحية من نواحي "الهند" إلا وقد نمتْ طريقته، وجرى على ألسنة أهلها ذكرُه، إليه ينتمون، وبه يتبرّكون.
مات في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة.
* * *
٣٥٥٣ - الشيخ الفاضل عثمان السامانوي، أحد الرجال المعروفين بالفضل والكمال *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بأرض "بنجاب".
وقرأ العلم على من بها من العلماء، ثم أخذ الفنون الحكمية عن حكيم الملك شمس الدين الغيلاني، وشفع له قليج خان، فولَّاه أكبر شاه على بلاد ما بين النهرين، "دوآبه".
قال البدايوني في "المنتخب": إنه كان عالما، صالحا، متعبّدا، ناب الحكم في "دوآبه"، ثم جاء إلى الحضرة السلطانية، ونال المنصب. انتهى.
* * *
стр. 4800
٣٥٥٤ - الشيخ الفاضل عثمان صدقي بن عمر الجوردمي، النقشبندي *
من أساتذة العربية في مدرسة الحربية.
له من الآثار: "الوافية" في التصريف والنحو والمنطق في مجلّد.
توفي سنة ١٢٩٦ هـ.
* * *
٣٥٥٥ - الشيخ الفاضل العالم الربَّاني مولانا عثمان غني الكُمِلّائي * *
ولد سنة ١٣٢٣ هـ في قرية "جَنْدَنْبُور"، من مضافات "حاجي غَنْج"، من أعمال "كُمِلا".
قرأ مبادئ العلم في وطنه، ثم التحق بالمدرسة العالية كلكته. ثم التحق بجامع العلوم كانبور، ثم بالمدرسة العالية رامبُور.
وقرأ فيها كتب الفنون العالية، وكتب التفسير، والحديث.
والتحق سنة ١٣٣٨ هـ بجامعة بنجاب، ثم قرأ فاتحة الفراغ في المدرسة العالية رامبور سنة ١٣٤٢ هـ.
ثم رجع إلى "داكا"، والتحق مدرّسا بالمدرسة الحمّادية داكا، وأقام فيها ستة سنين.
стр. 4801
ثم عين مدرّسا سنة ١٣٥٠ هـ في المدرسة العالية كلكته.
وبعد تقسيم "الهند" التحق بالمدرسة العالية داكا.
وكان ورعا، تقيا، نقيا، صاحب عبادة وتلاوة.
توفي سنة ١٣٨٢ هـ.
* * *
باب من اسمه عدنان، عرفان، عزيز
٣٥٥٦ - الشيخ الفاضل عدنان بن علي بن عمر الكاساني من أقران شمس الأئمة الكردري (١) *
وأستاذ أبي الفضل [أشرف الكاساني] (٢).
* * *
стр. 4802
٣٥٥٧ - الشيخ الفاضل عدنان المرغيناني *
ذكره في "القنية".
* * *
٣٥٥٨ - الشيخ الفاضل عرفان أحمد بن سلطان أحمد السهارنبُوري * *
من أهل "الهند".
ولد في "سهارنبُور" سنة ١٣٢٠ هـ، ونشأ بها.
حفظ القرآن الكريم في صباه، ثم تعلّم اللغة الإنكليزية.
وقرأ العلوم العصرية إلى الصفّ العاشر.
ثم اختار الملازمة الحكومية، حتى وصل إلى "تهانه بهون" سنة ١٣٣٤ هـ تقريبا، وبايع على يد حكيم الأمة، ثم بعد مدّة حصلت له الإجازة منه.
* * *
٣٥٥٩ - الشيخ الفاضل أبو العرفان خان الندوي من علماء "الهند" البارزين * * *
стр. 4803
جمع بين الدراسة الواسعة للكتاب والسنَّة وعلومهما، ولا سيّما التفسير، والتاريخ، والفلسفة والمنطق، وعلوم المعاني والبيان، والأدب والشعر والعلوم الاجتماعي، مع الانفتاح على الأوضاع الحاضرة والمتطلّبات المعاصرة، بالإضافة إلى الأهلية الإدارية والذكاء العجيب، والذاكرة القوية.
وقد خلف تلاميذ كثيرين أثر فيهم بعلمه الغزير وأثار فيهم ذوق الدراسة وزودهم بالشعور الثقافي.
قرأ مبادئ العلوم على والده دين محمد في مسقط رأسه ووطنه مدينة "جونبور" بولاية "أترابراديش" كما قرأ المنطق والفلسفة على بعض العلماء في مدينة "اللَّه آباد".
ثم قصد الجامعة الإسلامية الأم: دار العلوم ديوبند، حيث نهل من موردها ما شاء اللَّه أن ينهل، ثم التحق بدار العلوم ندوة العلماء لكنو، وتخرج منها.
ثم أشبع هوايته الدراسية تحت إشراف سليمان الندوي في دار المصنفين بـ "أعظم كره".
وبعدئذ شغل في دار العلوم أستاذا عبر ٣٥ عاما، سوى فترة قصيرة قضاها في "كشمير".
وكان له شغف بدراسة تراث ابن تيمية وأحمد بن عبد الرحمن المعروف بالشاه ولي اللَّه الدهلوي، وتاريخ الإسلام في "الهند"، والتاريخ الإسلامي العام، وكانت نظريته عميقة في المناهج الدراسية في "الهند" الإسلامية، والتطوّرات التي مرّت بها.
وكان يدعى إلى الندوات العلمية العالمية والملتقيات الفكرية في كبرى الجامعات العصرية والمراكز الثقافية.
توفي ليلة الخميس ٦ ربيع الآخر سنة ١٤٠٩ هـ.
стр. 4804
من مؤلّفاته:
"الأئمة الأربعة"، و"علم الكلام".
* * *
٣٥٦٠ - الأمير الفاضل عزّة يار بن جعفر يار الحيدرآبادي، حكيم الحكماء نواب محي الدولة *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بـ "حيدرآباد" (١)، وقرأ العلم على جماعة من الفضلاء، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، فحجّ، وزار، وأخذ الحديث.
ثم رجع إلى "الهند"، وولي الصدارة والحسبة بـ "حيدرآباد" بعد والده، وتقرّب إلى سكندر جاه، فمنح أقطاعا كثيرة من الأرض الخراجية، والإدرارات الكثيرة.
قتله المهدوية سنة تسع وثلاثين ومائتين وألف، كما في "تزك محبوبي".
* * *
стр. 4805
باب من اسمه عزيز، عزيز اللَّه
٣٥٦١ - الشيخ العالم الصالح عزيز بن علي أحمد بن نعمة اللَّه العمري البهيروي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد عباد اللَّه الصالحين.
ولد، ونشأ بقرية "بهيره"، وقرأ بعض الكتب الدرسيّة على أبيه.
ثم سافر إلى "جونبور" (١)، وقرأ المعقول والمنقول على مولانا عبد الحليم بن أمين اللَّه الأنصاري اللكنوي في المدرسة الإمامية الحنفية.
ثم سار إلى "سهارنبور"، وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد علي بن لطف اللَّه السهارنبوري، ثم دخل "دهلي".
وأسند عن الشيخ المحدّث نذير حسين الحسيني الدهلوي.
ثم سافر إلى "لكنو".
стр. 4806
وأخذ الصناعة الطبّية عن الحكيم إبراهيم بن يعقوب الحنفي اللكنوي.
وكان ﵀ عنه صالحا، ديّنا، مفرط الذكاء، مليح القول، حسن الصورة. مات سنة عشر وثلاثمائة وألف.
* * *
٣٥٦٢ - الشيخ الفاضل عزيز بن محمد بن أحمد بن صاعد بن محمد القاضي، أبو المفاخر، الصاعدي، النيسابوري قاضي "نيسابور " *
ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. روى عنه عبد الرحيم السمعاني.
ومات في صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
* * *
٣٥٦٣ - الشيخ الفاضل عزيز * *
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: ذكر في "القنية" عن جماعة أن المدعي إذا أقام البينة على أن هذه الضيعة التي في يده ملكه، وطالبه القاضي بالجواب، فاستمهله (١) المدعَى عليه، فأمهله القاضي خمسة أشهر، وسلّم الضيعة إلى المدّعي، حتى يأتي بالدفع.
стр. 4807
ثم أتى بدفع غير مسموع، ومات القاضي قبل أن يقول: حكمتُ، فذلك التسليم حكم منه، وليس للمدّعَى عليه أن يمنعه من التصرّف، وأن يطالبه بإعادة الدعوى. ثم قال، وقال عزيز: أمر القاضي بتسليم بعض المدّعَى أو كلّه (١) بعد إقامة البيّنة العادلة حكم منه أن (٢) الضيعة للمدّعي.
قلت: وعزيز هذا هو ابن أبي سعيد، هكذا نسبه في "القنية" في موضع آخر.
* * *
٣٥٦٤ - الشيخ الفاضل عزيز اللَّه بن إسماعيل بن صفي بن نصير الردولوي، أحد العلماء المبرّزين في الفقه والأصول والعربية *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بـ "ردولي".
وقرأ الكتب الدرسيّة على والده، ولازمه مدّة من الزمان، حتى صار أوحد أبناء العصر، وتصدَّى للدرس والإفادة، أخذ عنه خلق كثير.
* * *
٣٥٦٥ - الشيخ الفاضل مولانا عزيز اللَّه بن المنشئ إمام الدين النواخالوي * *
ولد سنة ١٣١١ هـ في قرية "شامغَنْج" من مضافات "لكّيبُور" من أرض "بنغلاديش".
стр. 4808
تلقّى مبادئ العلم في مدرسة دولتبُور.
ثم التحق بالمدرسة العالية، وقرأ فيها سنتين.
ثم التحق بمظاهر العلوم سهارنبور (١)، وقرأ فيها الفنون العالية.
وثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، وقرأ فيها الصحاح الستَّة وغيرها من الكتب الحديثية.
من أساتذته الكبار فيها: الإمام أنور شاه الكشميري، صاحب "فيض الباري في شرح صحيح البخاري"، والعلامة شبير أحمد العثماني، صاحب "فتح الملهم".
بعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه المألوف، ودرّس سبع سنين في مدرسة بـ "لكّيبُور".
ثم التحق بالمدرسة العالية الكرامية من سنة ١٣٤٦ هـ.
ثم في سنة ١٣٧٤ هـ عيّن رئيسا لها.
* * *
стр. 4809
٣٥٦٦ - الشيخ الفاضل العلامة عزيز اللَّه النواخالوي الميخلي
أحد من العلماء الصالحين الربانيين من أهل بنغلاديش.
قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية نواخالي، ثم بدار العلوم معين الإسلام هاتهزاري. من شيوخه: العلامة المفتي فيض اللَّه، والعلامة غياث الدين الفنوائي. بايع في الطريقة على يد المفتي فيض اللَّه ﵀، وحصلت له الإجازة منه، ودرس في مدرسة حامي السنة ميخل، وعين رئيسا لها بعد وفاة المفتي فيض اللَّه رحمه اللَّه تعالى. وكان محققا، مدققا، وله مهارة تامة في النحو والصرف وغيرهما من الفنون.
* * *
٣٥٦٧ - الشيخ الفاضل عزيز اللَّه بن بركة اللَّه الأعظمي، أستاذ الجامعة العربية إحياء العلوم ببلدة "مباركبور " *
موطنه الأم بلدة "مئو" بمديرية "أعظم كره".
ذكره العلامة السيّد محمد شاهد الحسني في كتابه "علماء مظاهر علوم سهارنبور"، وقال: أخذ الدراسة الابتدائية والمتوسّطة في شتى المدارس بمنطقته، كإحياء العلوم وغيرها.
ثم التحق بجامعة مظاهر العلوم في شوّال سنة ١٣٧٦ هـ، وأخذ الصحاح الستة، حيث قرأ "صحيح البخاري" كاملا على الشيخ محمد زكريا، و"سنن أبي داود"، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي، و"موطأ الإمام مالك"، و"سنن ابن ماجه" على الشيخ أسعد اللَّه، و"صحيح مسلم" على الشيخ
стр. 4810
منظور أحمد خان، و"جامع الترمذي"، و"سنن النسائي" على الشيخ أمير أحمد الكاندهلوي.
وبعد أن تخرّج فيها ارتحل إلى "لاهور" ليتلقّى التفسير عن الشيخ أحمد علي، وأقام بها لخمسة شهور.
ثم تصدّر للتدريس والإفادة في الجامعة العربية إحياء العلوم في "مباركبور"، وأسند إليه أهمّ الكتب العربية شيئا فشيئا.
ثم سافر إلى دار المبلّغين بـ "لكنو"، ليتعلّم، ويتبرّع في المناظرة والمباحثة، فظلّ ينتفع، ويحتظّ بالشيخ عبد الشكور، والشيخ عبد السّلام، ويعمل مدرّسا في مدرسة الجامعة العالية العربية بمدينة "مئو" منذ نوفمبر ١٣٩٩ هـ، وبايع الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي بعد التخرّج فيها.
من مؤلّفاته: "آئينه تجويد"، "مرآة التجويد" في أصول التجويد، والقراءة للطلاب الناشئين، و"مجموعة الأحاديث المنتخبة"، التي قد صدرت باسم "جهل حديث"، فهذان الكتابان متبعان في المقرّرات التعليمية لشتى المدارس.
* * *
٣٥٦٨ - الشيخ العلامة عزيز اللَّه الملتاني، أحد الأساتذة المشهورين في عصره *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بـ "الملتان".
وقرأ العلم على الشيخ فتح اللَّه الملتاني، مشاركا لولده إبراهيم الجامع.
وقرأ عليه ولده عبد الرحمن الملتاني، وخلق كثير، ذكره المندوي.
وقال محمد قاسم في "تاريخه": إنه كان من مشاهير العلماء، استقدمه جام مزيد إلى مدينة "شور".
стр. 4811
ثم استقبله من خارج البلدة، وجاء به إلى قصر الإمارة، واحتفى به جدا، وأمر غلمانه أن يغسلوا يده.
ثم أمرهم أن يصبّوا غسالة في الجهات الأربع من ذلك القصر تبرّكا، فأقام الشيخ عزيز اللَّه ببلدة "شور" زمانا.
ثم خرج من تلك البلدة سرا، وذهب إلى "الملتان" لعدم موافقته بالوزير جمال الدين. انتهى.
* * *
٣٥٦٩ - الشيخ الفاضل العلامة عزيز اللَّه التلنبي، الملتاني، ثم السنبهلي، كان من العلماء العاملين والأئمة المحقّقين *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: قدم "دهلي" في عهد سكندر شاه اللودي، ثم دخل "سنبهل"، وسكن بها، وقصر همّته على الدرس والإفادة.
وكان مفرط الذكاء، جيّد القريحة، شديد التعبّد، قليل الاختلاط بالنساء، مع التقوى المفرط، والخمول الزائد.
وله اليد الطولى في الأصول، والكلام، والمنطق، والحكمة، وسائر الفنون النظرية، ومشاركة جيّدة في المعارف الأدبية.
أخذ عنه الشيخ نظام الدين الخيرآبادي، والشيخ حاتم بن أبي حاتم السنبهلي، وخلق كثير من العلماء.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، كما في "الأسرارية".
* * *
стр. 4812
باب من اسمه عزيز الحسن، عزيز الحق، عزيز الرحمن
٣٥٧٠ - الشيخ الفاضل خواجه عزيز الحسن *
ولد ١٣٠١ هـ، وحصّل العلوم العصرية.
وكان فائزا على العهدة العالية من الحكومة.
ثم حضر في خانقاه "تهانه بهون" سنة ١٣٢٦ هـ، وبايع في السلوك على يد حكيم الأمّة أشرف علي التهانوي، وبعد مدّة حصلت له الإجازه منه.
توفي سنة ١٣٦٣ هـ.
* * *
٣٥٧١ - شيخنا وسندنا المحدّث الكبير الفقيه الضليع العلامة البارع، المعروف بشيخ الحديث عزيز الحق بن الحاج الشيخ إرشاد علي الداكوي ، رحمهما اللَّه تعالى * *
له ترجمة حافلة في التقدمة على ديوان شعره المسمَّى بـ "ديوان العزيز"، ونصّه ما يلي:
стр. 4813
ولد في عام ١٣٣٧ من السنة الهجرية (من غير تحديد أو تأكيد لعدم وجود المدوّنات وسجلات المواليد في ذلك الحين) في حي "بِرِيج خا" من محافظة "بِكْرَم بور" (منشي غنج) التابعة لمنطقة "داكا" عاصمة "بنغلاديش" الحالية.
ولما بلغ عمره ما بين الرابعة والخامسة توفيت والدته رحم اللَّه الشيخ ووالديه، فدخل تحت شفقة ورعاية جدته من الأم في حي "كَلْمَا"، ومضت طفولته فيها.
نشأته وحياته التعلمية:
بداية نشأته كان في حجر أبيه، في بيت دين وورع في حي "كَلْمَا من منطقة "منشي غنج"، وبدأت حياته التعلمية في أحد مساجد الحي من ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى ختم القرآن نظرا، ولما تجاوز السابعة من العمر ترك وطنه، وانتقل مع والده إلى منطقة "بَرهمن باريه"، وكان والده يقيم فيها أغلب الأيام لغرض التجارة، والتحق فيها بالجامعة اليونسية، وبدأ تعلم العلوم العربية والدينية تحت رعاية ورقابة المربي الجليل الشيخ العلامة شمس الحق الفريدبوري ﵀، وحينئذ كان يتولى التعليم والتربية في تلك الجامعة ثلاثة من العلماء الأجلاء من "باكستان الشرقية" "بنغلاديش" حاليا، وكلهم تلامذة وخلفاء الشيخ المجدد أشرف علي التهانوي ﵀.
١ - الشيخ المربي شمس الحق الفريدبوري ﵀.
٢ - الشيخ محمد اللَّه المعروف بحافظجي حضور ﵀.
٣ - الشيخ عبد الوهَّاب المعروف ببيرجي حضور ﵀.
وكان لوالد شيخ الحديث ﵀ الحاج إرشاد علي علاقة قلبية مع هؤلاء العلماء الربانيين، فترك ابنه السعيد تحت تربيتهم ورعايتهم، فتشرف، وسعد شيخ الحديث بابتداء تعلّمه على أيدي مثل هؤلاء العلماء الربانيين،
стр. 4814
ونشأ تحت رعايتهم ورقابتهم، واستفاد من علومهم من ابتداء التعلم، ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
واستمرَّ شيخ الحديث دراسته في الجامعة اليونسية، ولما استقال الشيخ الفريدبوري ﵀ بعد سنوات قليلة من الجامعة اليونسية لأسباب ومصالح دينية مختلفة، وانتقل إلى حي "براكتره" بمدينة "داكا"، وأسّس فيها معهدا تعليميا إسلاميا باسم جامعة أشرف العلوم، ومعه صاحباه: عبد الوهَّاب، والشيخ محمد اللَّه انتقل معهم شيخ الحديث، وواصل دراسته فيها إلى أن استكمل دورة الحديث (دروة الكتب الستة الحديثية).
وبقي شيخ الحديث تحت شفقة الشيخ الفريدبوري، يربّيه، ويرقيه علما وورعا، إلى أن توفي الشيخ الفريدبوري ﵀، واستفاد شيخ الحديث أثناء دراسته في جامعة أشرف العلوم من الشيخ رفيق أحمد الكشميري ﵀، وكسب الفيوض منه أيضًا.
وكان شيخ الإسلام العلامة ظفر أحمد العثماني صاحب "إعلاء السنن" شيخا للحديث في الجامعة ورئيسا للمدرسين فيها، فتشرَّف شيخ الحديث بدراسة عدة كتب عليه، منها: "التفسير" للبيضاوي، و"الجامع" للترمذي، و"الصحيح" للبخاري، وذلك سنة ١٣٥٩ هـ - ١٣٦٠ هـ.
رحلاته لطلب العلم:
تعمق شيخ الحديث في علوم الحديث، وكثر مطالعاته لكتب الحديث وشروحه المختلفة، فلما عثر على كتاب "فتح الملهم شرح صحيح الإمام مسلم" لشيخ الإسلام شبير أحمد العثماني تعجّب منه، واشتاق لمؤلفه، وعزم على لقائه والاستفادة منه وحصول العلم منه، وأراد إعادة دراسة "صحيح البخاري" عليه، وحينئذ كان الشيخ شبير أحمد العثماني ﵀ مقيما في الجامعة الإسلامية بـ "دابيل" قرية بـ "الهند"، ويدرّس فيها "صحيح البخاري"، فغادَرَ شيخ الحديث ديار البنغال، وترك وطنه، وخرج لطلب العلم مع صعوبة
стр. 4815
السفر لقلة المواصلاة في ذاك الزمن، واتَّجه نحو "دابيل"، وفي الطريق قبل الوصول إلى "دابيل" أقام شيخ الحديث فترة قصيرة في جامعة مظاهر العلوم بمدينة "سهارنبور" لوقوعها في الطريق إلى "دابيل"، فجمع العلوم من مشايخها كذلك، بالخصوص من الشيخ أسعد اللَّه الرامبوري ﵀، ودرس عنده الأحاديث المسلسلات، فأجازه الشيخ فيها، ثم استمرَّت رحلته إلى "دابيل"، وبعد وصوله إلى "دابيل"، أعاد شيخ الحديث دراسة "صحيح البخاري" تفصيلا على الشيخ شبير أحمد العثماني، وذلك في عام ١٣٦٢ - ١٣٦٣ هـ.
وفي أثنائه كتب شيخ الحديث ما ألقى الشيخ العثماني من شرح حديث وفوائد واسنباط، وبعد مضي شهر من ابتداء الدراسة عند الشيخ العثماني أحسَّ الشيخ العثماني بحرصه وجهده، فرحَّبه وشجَّعه.
وسأل ذات يوم يا عزيز الحق! هل أنت تكتب ما ألقيه في الدرس؟
فقال: نعم.
قال: أرني ما كتبت.
فقدم له ما كتب من إلقاءاته.
فجلس الشيخ العثماني قاعدا متعجّبا، ونادى أصحابه بصوت عال من فرط الفرح والعجب، وقال: انظر هذا، قد كتب كل ما ألقيت في الدرس من شرح وتحليل حرفا فحرفا، ورتّبه أحسن ترتيب، هذا فعل إنسان أم جان.
ومن ذلك اليوم بدأ الشيخ العثماني يزيد في العناية به والاهتمام له، وقربه في حلقة الدرس، حتى أنه إذا كان يغيب عن حصة لعذر كان يؤجّل درس ذلك اليوم، ويراجع للطلاب الدروس السابقة، هكذا كان الشيخ متابعا لكتابته طوال السنة، حتى بقي في صحبته بعد انتهاء الدراسة في بيته لتبييض المخطوطة ومراجعته.
стр. 4816
وهنا قال الشيخ: مقولته المشهورة: أحسنت يا عزيز الحق! أنك أتيت هذه السنة، فإني أردت أن ألقي في هذه السنة من العلوم والفوائد ما لم ألقه في عشر السنوات الماضية، لأني أحسب أنها آخر سنة لتدريسي، وانضمَّ شيخ الحديث إلى التخصّص في التفسير بدار العلوم ديوبند أثناء مراجعة المخطوطة عند الشيخ العثماني، وتشرّف بدراسة علم التفسير على شيخ المفسّرين العلامة إدريس الكاندهلوي ﵀، صاحب التفسير "معارف القرآن"، هذا (غير معارف القرآن) للشيخ المفتي شفيع ﵀، والد الشيخ محمد تقي العثماني.
مشايخه وأساتذته الكبار:
١ - الشيخ المربي شمس الحق الفريد بوري ﵀، قضى تحت رعايته وإشرافه من صباه إلى أكثر من منتصف عمره، نيف وأربعين سنة، وكان الشيخ الفريدبوري ﵀ أستاذا قيما له في جميع شؤون حياته.
٢ - شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني ﵀، قرأ عليه "الصحيح" للبخاري للمرة الثانية في الجامعة الإسلامية في "دابيل" عام ١٣٦٢ - ١٣٦٣ هـ.
٣ - الشيخ العلامة ظفر أحمد العثماني ﵀، قرأ عليه "الصحيح" للبخاري للمرة الأولى، و"الجامع" للترمذي، و"التفسير" للبيضاوي في جامعة أشرف العلوم براكترة "داكا" في عام ١٣٥٩ هـ - ١٣٦٠ هـ.
٤ - شيخ التفسير العلامة إدريس الكاندهلوي ﵀، أتم عنده التخصَّص في التفسير في دار العلوم بـ "ديوبند" عام ١٣٦٣ - ١٣٦٤ هـ.
٥ - الشيخ محمد اللَّه المعروف بحافظجي حضور ﵀، قرأ عليه من المرحلة الابتدائية إلى دورة الحديث عدة كتب في كل سنة.
стр. 4817
٦ - الشيخ العلامة رفيق أحمد الكشميري ﵀، قرأ عليه كتبا مختلفة.
٧ - الشيخ أسعد اللَّه الرامبوري ﵀، نال منه إجازة في الأحاديث المسلسلات عام ١٣٦٢ هـ.
٨ - المحدث الكبير الشيخ هداية اللَّه ﵀، قرأ عليه عدة كتب الحديث.
هؤلاء المشايخ الذين درس عليهم بالتفصيل مع الإقامة لديهم، وعدا هؤلاء استفاد من غيرهم مشايخ وعلماء "الحجاز"، و"النجد"، و"الأزهر" الكثيرين، وذلك في الخمسينات تقريبا ١٣٦٩ هـ.
مزاياه وخصوصياته في عهد طلبه للعلم:
تميز شيخ الحديث في زمن طلبه للعلم بميزات عديدة، أهمها:
١ - الذكاء المفرط، والفطنة التامة.
٢ - الجد والاجتهاد المطلوب.
٣ - التعلق القلبي بالمشايخ والأساتذة والعلماء، وخدمتهم بإخلاص ما ليس له نظير، ولا مثيل، ولأجل هذه الصفات الحميدة كسب الحبّ القلبي والدعاء الخالص من أمثال هؤلاء العلماء الربانيين.
بعض ذكرياته مع أساتذته
١ - ذات مرة قال له الشيخ رفيق أحمد الكشميري ﵀، الذي كان يقول عنه شيخ الحديث بأنه ولي من أولياء اللَّه، على ما يظهر منه، من الكرامات: يا عزيز الحق! إني دعوت اللَّه بدعوتين بتضرّع وابتهال، لم أدع بمثلهما قط، وإني متيقن بأن اللَّه قد استجابهما.
الدعاء الأول لأخيك، بأن يشفيه اللَّه من مرضه شفاء عاجلا، لأن مرضه يخلّ بطلبك للعلم.
والدعاء الثاني لك، بأن يجعلك اللَّه عالما متبحّرا في العلم، وأن يتقبّلك اللَّه لخدمة الدين والعلم.
стр. 4818
٢ - لما انتهى شيخ الحديث من دراسة مرحلة "تفسير الجلالين" أراد أن يطلب العلم من منبع العلوم في "شرق آسيا" دار العلوم بـ "ديوبند"، وتجهّز للسفر إليه، وفي آخر اللحظات قبل الخروج للسفر أراد أن يستوجد شيخه الشفيق الشيخ ظفر أحمد العثماني ﵀، وهو مستعدّ للسفر، فلمّا سلم، وطلب الدعاء، واستأذن، قال له الشيخ العثماني: من قال لك: بأنك تسافر إلى "ديوبند"، بل أنا أدرّسك، فبقي الشيخ عنده، وبدأ يقرء عليه "التفسير" للبيضاوي قبل مرحلة دورة الحديث في حصص دراسية إضافية خارجة عن الحصص الدراسية المقرّرة.
٣ - لما وصل شيخ الحديث إلى مظاهر العلوم بـ "سهارنبور" أقام فيها مدّة قصيرة، وحصل على إجارة في الأحاديث المسلسلات من الشيخ أسعد اللَّه الرامبوري، لكنه أراد أن يستمرّ في سفره إلى "دابيل"، ويستكمل طلب العلم، فعند الوداع الأخير من الشيخ الرامبوري ذهب ليستودعه، وطلب منه الدعاء، فأجهش الشيخ الرامبوري بالبكاء لتعلق القلب به وعمق المحبة معه، وقال: إن تجد مثلك عزيز الحق آخر، فأرسله إليَّ.
٤ - في زمن إقامته في "دابيل" لما رأى شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني اهتمامه واستعداده وتدوين الشرح والفوائد له تعجّب، وفرح فرحا شديدا، وقال: إني أتمنّى من اللَّه أن ينشر اللَّه بك الدين، وعلم الحديث، وأقوالي في أرض "البنغال"، وذاك بعد مضي شهر من بداية الدراسة عند الشيخ العثماني.
وبعد سنين التقى الشيخ العثماني بالشيخ الفريدبوري، فسأله عن شيخ الحديث، وقال: يوجد في "داكا" ابن لي، اسمه عزيز الحق، فهل تعرفه، فأجاب الشيخ الفريدبوري بكلّ تواضع: نعم، هو زميلي في التدريس في الجامعة، مع أنه كان أول أستاذ له.
стр. 4819
٥ - ومما هو جدير بالذكر هنا بأن المربي الكبير الشيخ شمس الحق الفريدبوري ﵀ كان يقول دائما: إذا يسألني ربي يوم القيامة بماذا أتيت به يا شمس الحق! فإني سوف أقدم عزيز الحق وهداية اللَّه أمام ربّ العالمين، وأقول: يارب! هما ذخيرة حياتي، فأتيت بهما إليك.
خدماته للدين ونشر العلم والشريعة الإسلامية:
وهكذا وفّقه اللَّه لخدمة الدين الحنيف بميادين مختلفة، فلذا يعدّ شيخ الحديث ﵀ من كبار العلماء الربّانيين والمؤسّسين للمنظمات الدينية والجامعات في أرض "البنغال"، ما قلّ نظيره في مثل هذه الديار، وعم إحساناته بين مسلمي "شرق آسيا"، كما نتجت جهوده وخدماته العظيمة خلال أكثر من خمس وستين عاما عن العطاء والبذل في نشر العلم والتدريس والتأليف والوعظ والإرشاد والتوجيه وإلقاء المحاضرات والدعوة إلى اللَّه والنصح لعامة المسلمين وخاصتهم، ولكن تركيزه كان على أربعة ميادين بوجه خاص، وبشكل مستمرّ.
الأول: الدروس العلمية
الثاني: التأليف، والتصيف
الثالث: الدعوة، والإرشاد
الرابع: النشاطات السياسية لتنفيذ أحكام الشريعة، ولإعلاء كلمة اللَّه في العالم كله، خاصّة في مسقط رأسه أرض "البنغال".
في الحقيقة أن خدمات شيخ الحديث العلمية والدينية تحتاج إلى كتاب مبسوط، ولكن نذكرها ههنا باختصار ضمن النقاط الأربع.
الدروس العلمية:
توسم فيه ﵀ مشايخه النجابة وسرعة التحصيل العلمي والتوسّع في العلم، فعينه على التدريس فور تخرّجه من مرحلة دورة الحديث في جامعة
стр. 4820
أشرف العلوم بَرَاكترة بمدينة "دكا" في عام ١٣٦٤ هـ، حيث أنه بدأ بتدريس كتب المنطق، والنحو، والصرف، والأدب العربي، والفقه، ثم ترجمة القرآن الكريم، وتفسيره، ثم كتب الأحاديث، وبقي مدرّسا فيها سنين، وفي عام ١٣٧١ هـ أسّس شيخه الفريدبوري جامعة ضخمة في "لالباغ" المشهورة بمدينة "داكا"، وسماها بالجامعة القرآنية العربية، التي اشتهرت عاجلا في البلاد، وصارت مقبولة لدى الشعب، فأخذه شيخه الفريدبوري، وعينه مدرّسا فيها في سنة ١٣٧٤ هـ، أقرّه بتدريس "صحيح البخاري" فيها.
وبقى الشيخ على منصب شيخ الحديث لـ "الصحيح" للبخاري في تلك الجامعة، مع تدريس كتب الحديث الأخرى، حتى عام ١٤٠٦ هـ وكما كان أستاذا للحديث خلال نفس الفترة في الجامعة الإسلامية في "تاتي بازار"بحي "إسلام بور" "داكا".
ولما افتتحت في الجامعة النورية بـ "كامْرَانْغير صر" "داكا" مرحلة دورة الحديث في الدراسات العليا طلب مدير الجامعة الشيخ محمد اللَّه حافظجي حضور من شيخ الحديث بأن يقوم بتدريس "الصحيح" للبخاري، فبدأ فيها كذلك، وفي الحين عين شيخ الحديث مكلّفا رسميا من جهة الحكومة بتدريس "الصحيح" للبخاري بجامعة داكا في قسم الشريعة للدراسات الإسلامية العليا.
وإضافة إلى ذلك هناك بعض الجامعات والمدارس الدينية، التي كان شيخ الحديث مرتبطا بها، ويلقي فيها دروس الحديث نحو الجامعة الإسلامية لال ماتية محمد بور داكا، ومدرسة دار السّلام ميربور داكا، وكان يطوف يوميا مدرسة بعد مدرسة، وجامعة بعد جامعة.
أجرى اللَّه على يد شيخ الحديث الخير الكثير، وخدمات هذا الكتاب العظيم "صحيح البخاري"، الذي هو أصحّ الكتب بعد كتاب اللَّه، بسبب
стр. 4821
نيته الصالحة، وعزيمته الماضية، وهمته العالية، الذي لا تعرف الكلل والملل، حيث درس كتب المنطق واللغة العربية والفقه وغيرها، كما مرّ، لكن اللَّه اصطفاه، وتقبّله لخدمة "صحيح البخاري" تدريسا وترجمة وشرحا واستنباطا.
وقد اهتمّ بتدريسه دون أيّ انقطاع أكثر من سبع مدارس وجامعات يوميا، لمدّة أكثر من نصف القرن ٥٠ عاما تقريبا من ١٣٦٩ هـ إلى ١٤٣١ هـ ما ليس له مثيل في ديار "البنغال"، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
تأسيسه الجامعات والمدارس الدينية:
١ - الجامعة الرحمانية العربية محمد بور داكا:
بعد أن توفى الشيخ الفريدبورى ﵀ في عام ١٣٨٤ هـ استمرّ شيخ الحديث بتدريس "صحيح البخاري" في الجامعة القرآنية العربية لالباغ، وفي سنة ١٤٠٦ هـ استقال شيخ الحديث منها لمصالح دينية، وأسّس في غرب مدينة "داكا" في "محمدبور" جامعة باسم الجامعة المحمدية العربية، واستمرّ التدريس فيها.
وبعد سنتين أنشأ جامعة ضخمة أخرى باسم الجامعة الرحمانية العربية بجوار المسجد التاريخي المشهور باسم "سات مسجد"، وصارت هذه مركزا أساسيا له لخدمة التدريس والتصنيف إلى آخر لحظة من حياته ﵀ ما بين ١٤٠٨ هـ - ١٤٣١ هـ، فصارت خدمته للحديث النبوي من ١٣٦٣ هـ - ١٤٣١ هـ، خمس وستين سنة.
٢ - جامعة العزيز الإسلامية:
لما كثرت مطالبة الشعب من شيخ الحديث بإنشاء جامعة متطورة بإضافة بعض المناهج التي يحتاجها الإنسان في هذا العصر الجديد من اللغة الإنكليزية والحساب والعلوم العالمية بجانب العلوم الدينية الكاملة في بيئة دينية، فبعد أن رأى ضرورته، فاستخار اللَّه تعالى، وانشرح صدره، فأسّس
стр. 4822
جامعة في سنة ٢٠٠٣ م، وسماها بأمل رفقائه بجامعة العزيز الإسلامية بغرب حي"محمد بور" من مدينة "داكا".
التأليف والتصنيف:
لما نزل شيخ الحديث ﵀ في ميدان خدمة العلوم الدينية كان ميدان التأليف والتصنيف من أهمّ ميادين الخدمة له خاصّة لشعب "البنغال" باللغة البنغالية، لأنهم كانوا بعيدين عن علوم القرآن والسنّة بسبب بعدهم عن مهبط القرآن والسنّة وعدم تعلمهم اللغة العربية، فاهتمّ شيخ الحديث بنشر الدين بكلّ الوسائل لهذا الشعب الضخم، الذين كانوا محرومين منذ فترة طويلة، فبدأ بالتأليف والتصنيف لهذا الشعب باللغة البنغالية شيخه الفريدبوري ﵀، فأوصله شيخ الحديث ﵀ إلى العروج والكمال، فنفع الأمة بها نفعا عظيما.
وكان لشيخ الحديث ﵀ ملكة في التحقيق والتصنيف من عهد طلبه للعلم، فقد جمع، وحقّق كتب شروح عدّة كتب في زمن طلبه للعلم، ففي زمن دراسته عند الشيخ العلامة ظفر أحمد العثماني في جامعة أشرف العلوم براكتره، بدأ بكتابة "شرح الجامع" للترمذي باللغة الأردية، مع التحقيق، والتعليق وذكر المسائل الفقيهة المتعلقة بالحديث، ولكن قبل إتمام هذا الكتاب. ارتحل شيخ الحديث إلى شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني المتعمّق في علم القرآن والسنّة والتوسّع فيه، وأعاد دراسة "الصحيح" للبخاري عنده، وكتب شرح "الصحيح" للبخاري بأحسن ترتيب، وطبع بعد ذلك بشكل كتاب ضخم، وهو حاليا أمام القرَّاء باسم "فضل البارى في شرح الصحيح" للبخاري باللغة الأردية.
بعض مؤلفاته:
التحفة العظيمة والهدية الضخمة لأهل "البنغال"، هى ترجمة "الصحيح" للبخاري وشرحه باللغة البنغالية لأول مرة، لما بدأ شيخ الحديث ﵀ بنشر
стр. 4823
الدين في البنغال لم يكن حينئذ توجد أيّ ترجمة أو شرح لكتاب من كتب الصحاح الستّة أو كتب التفسير باللغة البنغالية، حتى يستفيد منه شعب البنغال إلا جزء من "مشكاة المصابيح" فقط، فبدأ شيخ الحديث بشرح وترجمة "صحيح البخاري" باللغة البنغالية، وبعد طول بذل الجهد قرابة ستّ عشرة سنة طبع هذا الكتاب الضخم في عشر مجلّدات، وأعطاه اللَّه القبول الحسن لدى الشعب البنغال.
بعض مميّزات هذا الكتاب:
١ - من أهمّها أنه امتاز بحسن العرض وسهولته من مباحث دينية وعلمية وشرح المسائل الغامضة، ما يستفيد منها العوام والخواص.
٢ - اهتمّ فيه بشرح أحاديث عقيدة أهل السنّة والجماعة، والسيرة النبوية، وتاريخ الإسلام بالتفصيل.
٣ - جمع فيه الأحاديث المكرّرة في موضع واحد، وما كان على "شرح البخاري" في كتب أخرى، مع بيان الربط والشرح.
كذلك ألّف شيخ الحديث كتابا مبسوطا باللغة البنغالية، جمع فيه الأحاديث الزائدة على "صحيح البخاري" من الكتب الستة ومن "مشكاة المصابيح"، مع الترجمة والشرح.
و"ترجمة المثنوى" للعلامة الرومي، وشرحه، والردّ على القاديانية، والرد على أفكار أكرم خان، والخلافة الإسلامية، وغير ذلك من مؤلّفاته ﵀ الكثيرة من الكتب، ورسائل متعددة.
الدعوة والإرشاد لعوام الناس وإلقاء المحاضرات:
مع هذه الارتباطات بالدرس والتدريس والتأليف والتصنيف كان لشيخ الحديث دور كبير في نشر الدين والعلم بين عوام الناس، بالمواعظ وإلقاء المحاضرات والدعوة والإرشاد وإنشاء الجمعيات الدينية، لتنفيذ الشريعة على
стр. 4824
الساحة الشعبية في البلاد، لا يرى من الملل والكلل، بل كان يرد الشدائد، والمواقع الخطيرة، من الهندوس والقاديانية والشيعة، قائلا: أينقض الدين وأنا حيّ، وبقوة هذه العاطفة القوية العميقة كان يعارض الفرق الباطلة، ويقابلهم، للذود عن عقيدة أهل السنّة والجماعة، والحفاظ على دينهم، كما كان يقوله أبو بكر، ﵁.
إنشاء الجماعات والمنظّمات والحركات الإسلامية:
كان الشيخ ﵀ أحد من قادوا جعية نظام الإسلام عند إقامة الدولة البكستانية الشرقية والغربية معا من "الهند"، وكذلك احتجّ ورد شيخ الحديث مع شيخه الفريدبوري على الجنرال أيوب خان في عهده بسبب تنفيذه قانونا مخالفا للشريعة الإسلامية، وقد نجح في ذلك، ونفذ القانون مطابقا للشريعة بعد احتجاجه، وكان له مكالمة في "الدولة البكستانية"، و"بنغلاديش"، بعد استقلالها.
وفي سنة ١٣٨٩ هـ عند استقلال دولة "بنغلاديش" من "باكستان الغربية" عارض شيخ الحديث ﵀ كلّ ما يخالف الشريعة الإسلامية، حتى اعتبره شعب البنغال القائد العظيم وبمعاونته أنشئت جمعية علماء إسلام في "بنغلاديش"، وعيّن رئيسا لها.
وفي سنة ١٤٠٢ هـ عند قيام الحرب بين "إيران" و"العراق" سار شيخ الحديث مع الشيخ العلامة محمد اللَّه حافظجي حضور ﵀ إلى "إيران" و"العراق"، وقابل كلا من آية اللَّه الخميني، وصدّام حسين، وحاول الصلح بينهما، ولكن قدر اللَّه، وما شاء فعل.
في سنة ١٤١٣ هـ لما حُوّل المسجد التاريخي بابري مسجد بـ "الهند" إلى معبد الهندوس أظهر المسلمون عبر العالم الغيظ والغضب ضدّ الهندوس، وفعلهم الشنيع الجرئ حينئذ أعلن شيخ الحديث بالزحف الطويل من "داكا"
стр. 4825
إلى ذلك المسجد، فبقيادته تحرك أكثر من خمسمائة ألف من المسلمين، مظاهرين ومحتجّين من مدينة "داكا" مشاة على الأقدام، وتوجّهوا نحو ذلك، ووصلوا إلى حدود "الهند"، حتى نشر الخبر حول العالم، وشجّعه مسلمو العالم من بلاد مختلفة، وأقطار متنوّعة، حتى أن علماء جزيرة العرب قدموا له الشكر والتقدير، ولقبه الشيخ المحقّق الناقد البارع عبد الفتّاح أبو غدّه ﵀ المجاهد الكبير، وأرسل له هدايا قيّمة.
مناصبه في حياته:
تولى العلامة عزيز الحق مناصب تالية في المؤسّسات العلمية والهيئات المختلفة:
١ - شيخ الحديث: الجامعة القرآنية العربية لالباغ، الجامعة النورية كَمْرَانْغير صر، الجامعة الرحمانية العربية، الجامعة العربية، الجامعة الشرعية مالي باغ، الجامعة الإسلامية لال ماتيا، دار العلوم ميربور، الجامعة الصدّيقية دار العلوم ميربور، جامع العلوم ميربور، الجامعة المحمدية بناني، الجامعة الإسلامية مدينة العلوم بنك كلوني، دار العلوم بنك كلوني، دار العلوم نرسندي، الجامعة القرآنية معراج العلوم نرسندي، الجامعة النورية تونغي.
٢ - أستاد قسم الدراسة العليا في العلوم الشريعة بجامعة داكا.
٣ - مدير للجامعة الرحمانية العربية محمد بور داكا، الجامعة الشرعية مالي باغ دكا، جامعة العزيز الاسلامية محمدبور داكا، مجلس الخلافة بنغلاديش.
٤ - خطيب للعيدين في مصلى العيد الوطني جامع القلعة لال باغ، جامع عظيم بور.
٥ - رئيس الأعضاء جمعية نظام إسلام باكستاني.
٦ - رئيس جمعية علماء إسلام بنغلاديش، مجلس خلاقة بنغلاديش، الجهة المتحدة الإسلامية بنغلاديش.
стр. 4826
وفاته ولحوقه بالرفيق الأعلى:
بعد ما لبث الشيخ ﵀ مدّة قرابة سنتين طريح الفراش مبتلى بالأمراض المختلفة المضنية لبّى دعوة ربّه الكريم، ولحق برفيقه الأعلى، وكان ذلك يوم التاسع عشر من رمضان سنة ثلاث وثلاثين بعد الألف من الهجرة النبوية، الموافق الثامن من أغسطس سنة اثنا عشر بعد الألفين من السنة الميلادية، ودفن في مقبرته العائلية مقبرة العزيز، التي دفن فيها حفيدته الكبرى قبله، الواقعة في قرية "كرانيغنج"، التابعة المحافظة "داكا"، "بنغلاديش"، رحمهما اللَّه رحمة واسعة، وأفرغ عليهما سحائب رحمته، وشآبيب رضوانه آمين.
قِفَا نَحْظَ من ذكرى حبيب ومنزل … سقتْه السواري والغوادي بسلسل
ومهلا على تذكار آثار طيبة … مدينة محبوب كريم مفضَّل
بها قبة خضراء في رونق الضحى … تلألأ نورا فوق بدر مكمَّل
بها مرقد المولى الكريم محمد … يفوق على العرش المعلّى ويعتلي
يذكّرنا آثارها وديارها .... وتبدي لنا من لا نراه ونجتلي
نشمّ بها ريّا الحبيب كأنه … على ظهرها ثاو ولم يترحّل
حبيب إله العالمين محمد .... رفيع العلى خير البرايا وأفضل
إمام النبيين رسول معظَّم … وسيّد كونين عديم الممثَّل
شفاعته ترجي لدى كل غُمّه … وكرب وهول واقتحام الغوائل
ترى باسمه يشفي السقام وإنه … لحرز عظيم من جميع النوازل
ولو كانت الآيات تعدل قدره … لكان اسمه يحيى رميم المفاصل
هو النور والبرهان طه وشاهد … وصاحب إسراء عظيم الشمائل
دعاه الإله بالبراق ومعرج … إلى الملأ الأعلى وأعلى المنازل
فسار إلى العرش وما شاء ربه … لرؤية آيات عظام الدلائل
وزار من الآيات ما لم يفسّر … وحاز الكرامات ما يفصل
ونال العلى فوق الخيال وخاطر … وعزا وإجلالا كلّ الفضائل
стр. 4827
دنا فتدلّى قاب قوسين ربه … فأوحى إليه من عظام المسائل
وصار نجيا للحبيب حبيبه … وجبريل ناء في الوراء بمعزل
هدانا إلى الخير وجنة ربنا … أتانا من اللَّه بدين معدَّل
لقد جاء والناس في قعر ظلمة … ضلال وإشراك وفي كل باطل
بشيرا نديرا للأنام ورحمة … رؤوفا رحيما مثل عذب المناهل
سراجا منيرا مثل شمس ظهيرة … كريما جوادا مثل غيث محفَّل
عزيز عليه ما عنتم محبة … حريص عليكم لن تروا من مماثل
وداع إلى الخير بوعظ وحكمة … وهاد إلى اللَّه بدين مدلَّل
وبالبينات من دلائل ربه … وبالمعجزات الباهرات الجلائل
تشقّق بدر من إشارة إصبع … تكسّر صخر من إشارة مِعْوَل
وسلّم أحجار إليه تحيّة … عليك سلام اللَّه دوما تقبَّل
وجاء عِدَاه بالحجارة قبضة … فنادت نداء في شهادة مرسل
تفلّت أشجار إليه ملبّة … وقامت لديه مثل عبد مذلَّل
تجمّع أغصان إليه مظلّة … وسار الغمام مثل سقف مظلَّل
وحنّت إليه نخلة من محبة … فأنت ورنَّت كاليتيم وأرمل
فلما أتاها هادئا متعطّفا … لغاض بكاها كالوليد المعلَّل
تشكَّت إليه بالمظالم ناقة … كلّم ظبي مثلي ثكلى بمأمل
أتت عنكبوت بالبيوت وقاية … عليه من الأعداء تحمي بمقتل
وجاءت تقيه من عدوّ حمامة … يقول لِثَان لا تخفْ وتوكَّل
وقد قال يا أرض خذيه لفارس … فلم يتخلّص لحبل أمر مبدّل
طيور ووحش والخلائق كلها … لتدري رسول اللَّه دون التأمّل
دعا قومه يوما إلى اللَّه دعوة … وأنذرهم هولا العذاب المعجَّل
فنادى نداء يا معاشر مكة … هلمُّوا إلى قول النذير المهوّل
فعم قريشا والعشيرة كلّها … وخصّ من القربى بقول مفصل
стр. 4828
ألا تعلموني صادقا إن أخفتكم … يجيش أتاكم عن قريب معجّل
فقالوا: بلى لم تأت زورا ولم نر … بك الكذب ياخير الأمين المعوَّل
فقال اسمعوا ثم اسمعوني فإننى … نذير لكم قبل العذاب المخجّل
ألا فاعبدوا ربا ولا تشركوا به … ولا تعبدون من إله مسوَّل،
ألا فاهجروا رجزا وأوثان قومكم … وما يعبد الآباء أجل المجاهل
فراغوا إليه بالعداوة كلهم … وهمّوا به شرا بكلّ الوسائل
سعى كل سعي في هداية قومه … ولكن تلقَّوه بشر مسلسل
فصار يجول في المجامع تارة … وطورا يدور في بطون القبائل
ويعرض دين اللَّه في كل محضر … ويدعو عباد اللَّه في كل محفل
أتا طائفا يدعو إلى دين ربه … ويرجو بأهليها لعون مؤمَّل
ولكن أتوه بالجفاء وغدرة … وجور وإيلام وجرح مقتّل
وأدموه ضربا بالحجارة صبغة … وأذوه إيذاء بما لم يمثَّل
فسالت دماء من جبين مبارك … وصارت على الرجل كخف منعل
ليمسح وجها من دماء ومدمع … ويمشي غشيا في هجوم البلابل
فجاء إليه من ملائك ربه … لإهلاك قوم بالعذاب المنكّل
لإهلاكهم بين الجبال بطائف … بسحق ورضّ بينها مثل فلفل.
* * *
٣٥٧٢ - الشيخ العالم الفقيه عزيز الحق بن ثناء الحق بن ضياء الحق بن حضرة شيخ بن محب اللَّه بن نور اللَّه بن المفتي نور الحق بن الشيخ المحدّث
стр. 4829
عبد الحق الدهلوي، ثم الجونبوري، أحد العلماء الصالحين *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: قرأ العلم على أساتذة عصره بـ "جونبور"، وأخذ عنه الطريقة، ثم قدم "لكنوا"، وسكن بها، وكان مرزوق القبول، انتفع به خلق كثير.
مات بمدينة "لكنو" سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف، كما في "النفحات".
* * *
٣٥٧٣ - الداعية الكبير المفتي البارع عزيز الحق بن نور أحمد بن منشي صورت علي بن منشي رمضان علي الجاتجامي * *
أحد العلماء المبرزين والعلماء الصالحين في "بنغلاديش".
نسله منحدر من أنجب الناس بعد الأنبياء خليفة الرسول سيّدنا أبي بكر.
وكان أبوه عالما جليلا، وجدّه كان رجلا مولعا بالعلم وأهله، جميل الشمائل، وكانت أمّه امرأة فاضلة ذات صفات مجيدة، وأخلاق سمحة، معروفة بالزهد والتقى.
مولده ونشأته:
ولد الشيخ عام ١٣٢٣ هـ بظاهر "صَرْكَنَائي" لمخفر الشرطة "فتيه" من أعمال محافظة "شيتاغونغ"، ونشأ الشيخ، وترعرع يتيما، حيث ثكل أباه، ولم
стр. 4830
ينسلخ من عمره، إلا أحد عشر شهرا لا غير، ثم احتضنه، وتولى رعايته جدّه الحنون، وعمّاه الكريمان، وربّوه تربيه صالحة، وأغدقوا عليه من الشفقة والرأفة.
نشأ الشيخ، وشبّ في بيئة دينية، وبيت معروف بالزهد والتقى، ومعمور بالعلم والحكمة، فأخذ الشيخ يدرس في المدرسة العصرية الابتدائية تحت رعاية جدّه الحنون وعمّيه العطوفين، حتى أتمها بتفوق ونجاح باهر، وتزامن مع ذلك استظهار القرآن الكريم، وقراءة الكتب الدينية الابتدائية. وكان أوشك أن يحيط بعلوم العصر كلها، ويحويها بسرعة نادرة لما أوتي من حافظة قوية وذكاء حاد، واستطاع أن يستلفت أنظار الأقرباء والأخلاء والأساتذة إليه، ولكن سرعان ما حفظته القوة الخفية الربانية، وكلأته، وأخذت بيديه إلى الرشد والهدى والسداد، فلم يعتم أن نكص على عقبيه من العلوم العصرية المادية البحتة برمّتها، وضرب عنها صفحا، وصرف عنان همّه إلى العلوم الدينية والوراثة النبوية، وأقبل بشراشره عليها، وأبان ذلك لاحت على الناشئ النابغ مخايل النجابة وتعارفها الناس، حتى همّت شرذمة قليلة من أقاربه، ورغبت إلى جدّه في أن يدرسه العلوم المادية الصرفة، ولكنه لم يلتفت إليه، ولم يعبأ به رأسا.
وكان هو نذر أن يقف حفيدا له، -إن ولد-، لخدمة الدين الحنيف، فلم يبرح على عزمه وحزمه وافيا بنذره، عاضا بنواجذه على رأيه الحصيف، وراح ما حلم به أقرباءه أدراج الرياح، وألحقه جدّه بالجامعة الإسلامية كيغِرَام عام ١٣٣٢ هـ وقضى فيها فترة سحيقة من عمره، وظلّ يتدرّس فيها، حتى أكمل المرحلة العالية.
رحلاته العلمية:
لم يزل دأب السلف والخف الاعتناء بشدّ الرحال إلى البلاد والتجوال في الأصقاع، ليعبوا من مناهل العلوم الدينية وينابيع الحكم والمعارف النبوية،
стр. 4831
فكانوا يرتحلون إلى بلاد نازحة، ويجوبون مسافات شاسعة لحديث واحد، متجمّشين في سبيله وعثاء السفر المديد، مقاسين طوعا كآبة الفراق الطويل. ووفقا لهذه السنّة الميمونة وديدن العلماء الماضين تحرّى الشيخ رغم قلة العون وفداحة العوائق ووهاء الوسائل وضراوة الظروف - أن يضرب في الأرض، ويجيف خيله للدراسات العليا، حتى يخبو أوار نهامته في العلوم وتخمد سورة غليله لها، ويشرف له صرف ساعات من حياته النفيسة في مجالسة العلماء الأتقياء الأخيار، الذين تجرّدوا من أثواب المطامع والرغبات، وربئوا بأنفسهم عن سفاسف هذه الحياة الفانية، وازدادوا من ربّهم زلفى، فغادر وطنه المألوف إلى بلاد "الهند" عام ١٣٤٣ هـ، وشيّعه أقرباؤه وأخلاؤه، وودّعه أساتذته النبلاء، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا وأسفا، وقلوبهم مكلومة موحشة بفقدانه.
وغبّ أن ألقى مراسيه بـ "ديوبند" التحق بأزهر الهند دار العلوم بيسر وسهولة، وتوفّر له من مرافق الحياة ما يفتقر إليها دون تعب ونصب، ولكن لم يتح له الحظّ ما أراده، ولم يعِنْه عليه، بل عاقه عن إحراز هدفه المنشود، وأمله الممدود، حيث دهاه السقم وأضناه، واجتوى البلد، ففرّ منه إلى مدرسة مظاهر العلوم بـ "سهارنفور".
ما كل ما يتمنّى المرء يدركه … تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
وظلّ يتدرس فيها الفقه والفلسفة عاما كاملا، جاثيا على كبتيه، متلمّذا أمام أفذاذ عصره، وحذّاق دهره في صنوف الفنون، واستقى في غضون ذلك من مناهلهم العذبة الصافية، كأمثال الشيخ عبد الرحمن الكاملبوري، والشيخ عبد اللطيف، تغمّدهما اللَّه بغفرانه، وأسكنهما بحبوحة جنانه.
ورغم أن لاءمت الظروف هناك، وتمهد السبل كلّها لمواصلة السير نحو المرام لم ترم نفسه تتوق، وتصبو إلى دار العلوم بـ "ديوبند"، ويلتاع قلبه شوقا
стр. 4832
وحنينا إليها، فنحاها عقب عام مرة أخرى، وارتدّ على أثره قصصا، ولكن الحظّ لم يجاوبه في هذه المرة أيضًا، حيث اعتلّ، وساءت صحته، فنكص على عقبيه عن بلدة "ديوبند" بعد أن لبث بها بضعة شهور، وهو يعاني شقاء فادحا وبلاء جسيما. وقد استفاد أثناء هذه الفترة الوجيزة، واحتسى من بحار المعارف والحكم وفحول المحدّثين وأساطين الأدباء يومئذ. وممن احتظى الشيخ بالاستقاء من منهل علومه والانتقاء من غرر أفكاره ودرر أقواله إمام العصر خاتمة المحدثين الألمعي اللوذعي قليل المثيل أنور الشاه الكشميري.
الطالب المثالي:
لقد ظهرت فيه مخايل النجابة منذ نعومة أظفاره، حيث كان الشيخ أبان دراسته بمثل الآداب السامية والمثل العليا التي رفعته مكانا عليا، وتعالى بها قدره بين أترابه ولداته، واستهوى بها أفئدة الذين حوله من الأساتذة والزملاء، وغدا أسوة حسنة، ومثلا يحتذي به.
علوّ كعبه في الفنون:
وقد تبحّر الشيخ، وبرع في صنوف الفنون وضروب العلوم: من الحديث والتفسير والفلسفة والفقه، لا سيّما المعقولات، وحينما كل إليه تدريس موادّ المنطق قال: لو ضاع كتب المنطق كلّها تسنى لي إنشاؤها من جديد.
وبراعته النادرة في اللغة العربية والفارسية والأردية، وتمهّره في علم العروض مما تدع الحليم حيران، وتحار فيه الأفهام، وتضلّ عقول الأنام، وكان من نوابغ الأدباء، وفحول الشعراء والراسخين في الفقه، قليل المثيل في أيام دهره، وجاءت فتاواه سديدة صائبة وفق قواعد الشرع، وقبلها القلوب الواعية والعقول السليمة، ودان لها رقاب علماء عصره الكبار، وأفذاذ دهره العظام.
стр. 4833
المعلم:
ولما بلغ الشيخ في العلم نضجه وفي الكمال أوجه انبرى للتدريس والتعليم، حيث عين أستاذا في جامعة جيري بعد قفوله من "الهند" عام ١٣٤٥ هـ مباشرة، وفوّض إليه إلقاء المحاضرة في أصعب الموادّ الدراسية من المنطق والفلسفة والحكمة اليونانية، وكان آية في الذكاء وسرعة الخاطر وجودة البيان وقوة الذاكرة وسعة العلم، وطار صيته بين الأساتذة والطلاب كلّهم، واستفاض أنباؤه بحلّ المعضلات بيسر وسهولة، وتحليل المرام بنمط رائع، يتضح به للأغبياء والأذكياء على السواء.
وكان يلقى الدروس على طراز بديع وأسلوب أنيق مقرّب إلى الأذهان والأفهام، يسرّ الدارسين، ويأخذ انتباههم، ويفصح عن مؤدّى الكلام، ومغزاه بيسر، حتى بدأ الطلاب يتقصّفون، ويقبلون على حلقات دروسه إقبالا مدهشا، ويشهد محاضراته طلبة المراحل العليا، التي ليس لديه محاضرة من محاضراتها، وامتاز طرق تدريسه بما يلي:
١ - استعراض الكلام المسهب باقتضاب، حتى يفهمه الطلاب بيسر.
٢ - شرح المعضلات والعبارات المغلقة بأسلوب رائع، يوضحها إيضاحا وافيا.
٣ - والتهيأ والاستعداد قاب المستطاع قبل أن يحضر قاعة الدرس لإلقاء الدروس على الطلبة بطرق ميسّرة للفهم.
٤ - مطالعة الأسباق وترديدها مرة تلو أخرى قبل إلقائها.
هذا وكان يفزع إليه العلماء المهرة لفتح العبارات المغلقة والمسائل المعضلة، فها هو العلامة الفهامة البحّاثة الشيخ أبو الحسن شيخ التفسير للجامعة الإسلامية معين الإسلام هاتهزاري، قد ذهب إليه مرة ليستوضحه بحث "الوجود الرابطي"، من الكتاب "حمد اللَّه"، وبحث جزء لا يتجزأ من الكتاب "صدرا"، ثم أعرب عن تأثره به قائلا: لقد قرعت أبواب كبار أساتذة
стр. 4834
الجامعة الإسلامية معين الإسلام هاتهزاري، وعرضت عليهم شبهاتي، ولكن لم يشف بيانهم غليلي، حتى لجأت إلى المحقق المدقق الفهّامة المفتي عزيز الحق، فأوضحه بعبارة موجزة، كشف اللثام عن وجه المرام بيسر، حتى اطمأن قلبي، ثم زاد الأستاذ قائلا: كنت أتخيله وليا عظيما، حاويا للعلوم الباطنة، ولم يكن لي دراية بعمقه في العلوم الظاهرة، ولا ريب أن له شأنا يميّزه عن العلماء المتأخّرين.
أساتذته:
قد جثا الشيخ على ركبتيه أمام جهابذة علماء عصره وعباقرتهم، واستفاد من معينهم، واغترف بكلتا يديه من بحار علومهم ومعارفهم، ومن أبرزهم:
العلامة الفهامة النظَّارة الآية الباهرة الألمعي اللوذعي عبقري العصر أنور الشاه الكشميري، صاحب التصانيف الممتعة المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ، وهو كان شيخ الحديث فترة طويلة في دار العلوم ديوبند، ولم يأت عقبه من يقارب شأوه في العلوم، وقال حكيم الأمة أشرف علي التهانوي: رأيت عن بعض المستشرقين كلمة في الإمام الغزالي: إن وجود مثل الغزالي في الأمة المسلمة دليل عندي على أن الإسلام دين سماوي حق، ثم قال: وعندي وجود الشيخ محمد أنور الشاه الكشميري من الدلائل على أن الإسلام دين سماوي حق.
٢ - العالم الربَّاني فقيد الدعوة والإرشاد الورع التقي الصفي أحمد حسن، مؤسّس الجامعة الإسلامية جيري، المتوفى سنة ١٣٨٦ هـ، أنه كان حنونا عطوفا على الشيخ، منحه من عنايته ورأفته، وسهر لياليه على تربئته وتنشئته.
٣ - العلامة الأوحد الجهبذ المفرد المحدّث النقّاد الشيخ عبد الودود، أستاذ الحديث بالجامعة الإسلامية جيري، وله وراء هؤلاء أساتذة آخرون، ضربت عن ذكرهم صفحا مخافة السآمة بإطناب الكلام.
стр. 4835
التلامذة:
لا يخفى أن الصلة بين براعة الأستاذ وانكشاف مواهب التلميذ أمر غير منكر، وأن للأستاذ دورا فعّالا في تنمية كفاءة التلاميذ وتقوية استعدادهم وتوطئة السبل للمهارة في الفنون والمعارف واستثمار مواهبهم الخفية، وتكوين شخصيّاتهم. وإذا نظرنا إلى تلامذة الشيخ المقتبسين من فيوضه وتوسمنا سيرهم بدا لها جليا مدى أثره ودوره في تكوينهم، وبراعته وحذاقته في أصناف الفنون وأضراب العلوم.
وللشيخ آلاف مؤلفة من التلاميذ في شتى المجالات، ومن أبرزهم:
١ - أستاذ الأساتذة المحدث الفقيه الشيخ أحمد، المتوفى عام ١٤١٦ هـ، تغمّده اللَّه بغفرانه، كان فقيه النفس وحافظا لمفردات اللغة العربية والشاعر اللبيب باللسان العربي، وقد ابتدأ على يديه درس "صحيح البخاري" في الجامعة الإسلامية فتيه شيتاغونغ، وظلّ يدرّس الفقه والحديث والتفسير طوال نصف القرن، واستفاد منه خلق كثرون، وجمع عظيم من البشر، وكان الأستاذ قد ارتحل إلى "الهند" غبّ أن تخرج في الجامعة الإسلامية جيري، ومن حسن حظّه أن أتيحت له الفرصة للتلمّذ على عبقري العصر أنور الضاه الكشميري.
٢ - الحبر البحر، الأحوذي اللوذعي العالم الهمام أمير حسين، المتوفى سنة ١٤٠٤ هـ تغمّده اللَّه بغفرانه، أستاذ الحديث والمواد الإسلامية بالجامعة الإسلامية فتيه، وكان حافظ القرآن حفظا نادرا، مع الزهد والورع وملازمة التقوى واجتناب خوارم المروءة، والابتعاد عن الشبهات، فضلا عن المحرمات والمعاصي، محافظا على تلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وكان من الذين قاموا بتدريس الحديث وفق الصناعة الحديثية في منطقة شرق جنوب آسيا.